تحديد المراد بالخبر المتواتر:

إن كان المراد بالخبر المتواتر هو الذي يرويه جماعة يعلم بصدقهم وعدم اجتماعهم على الكذب، بسبب كثرتهم، عن جماعة كذلك، وهكذا في جميع طبقات السند ـ بأن يرويه مثلاً عشرون عن عشرين عن عشرين، وهكذا ـ فهذا ـ كما تقول ـ غير حاصل في تشخيص آحاد الأئمة (صلوات الله عليهم).

لكن العلم لا يتوقف على ذلك. بل لا يوجد هذا في غالب الأمور المعلومة بالضرورة من الدين أو التاريخ، بما في ذلك القضايا التي لا نص فيها، وإنما ثبتت بإجماع المسلمين بجميع مذاهبهم وفرقهم، بحيث يعلم بأخذهم لها من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وإن كان المراد بالخبر المتواتر هو النقل الموجب للعلم واليقين، ولو من جهة تعاضد الأخبار، واحتفافها بالقرائن والمؤيدات، فهو حاصل في المقام في حق أشخاص الأئمة (صلوات الله عليهم). بل قد حصل ما يزيد عليه بمراتب.

وتوضيح ذلك: أن النصوص الواردة في الإمامة على طوائف..

 

النصوص الواردة في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) بشخصه:

(الطائفة الأولى): ما ورد في حق أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) فقط. ولا يهمنا إطالة الكلام في هذه الطائفة، لأنه (عليه السلام) المتيقن هنا بعد فرض الكلام مع الشيعة، وهو (عليه السلام) أول أئمتهم.

وإنما أشرنا إليها من أجل استيفاء طوائف الأدلة الواردة في المقام.

ولا يفرق في هذا بين ما دل على إمامته ورئاسته وولايته ووجوب طاعته ـ كحديث الغدير وغيره ـ وما دل على مرجعيته للأمة في دينها، مثل ما تضمن أنه (عليه السلام) مع الحق والقرآن، وأنهما معه، وأنه (عليه السلام) الهادي للأمة المبين لها ما تختلف فيه... إلى غير ذلك.

وكلا القسمين كثير جداً. وقد تقدم بعض منه في أجوبة الأسئلة الرابع والسادس والثامن. ولا يسعنا استقصاء الكلام فيهما. بل يوكل إلى ما ذكره علماؤنا (رضوان الله تعالى عليهم)، وفصلوا الكلام فيه في كتبهم المذهبية.

وهذه الطائفة بمجموعها تقتضي حجية النص الصادر منه (عليه السلام) على إمامته، وعلى ثبوت الإمامة في أهل البيت عموماً، أو ثبوتها فيمن بعده من ذريته إجمالاً، أو مع تعيينهم تفصيلاً.

 

ما ورد في حق أهل البيت (عليهم السلام) عموماً

(الطائفة الثانية): ما تضمن ثبوت الإمامة في أهل البيت (صلوات الله عليهم) عموماً ولزوم التمسك بهم ووجوب طاعتهم، وما تضمن جعلهم (عليهم السلام) مرجعاً للأمة، يعصمهم من الضلال والهلكة، ويهديهم إلى الرشاد، ويرفع عنهم الخلاف. وقد تقدم جملة من ذلك في جوابي السؤال الرابع والثامن.

 وهذا القسم وإن لم يصرح فيه بأسماء من هو المرجع من أهل البيت (صلوات الله عليهم)، إلا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) متيقن من هذا القسم أيضاً، لأنه سيد أهل البيت بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسيد عترته، كما تقدم عند الكلام في دلالة حديث الثقلين على إمامته (عليه السلام) في جواب السؤال السادس من الأسئلة السابقة.

ولأن من جملة الموارد التي تعرض فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمرجعية الثقلين واقعة الغدير التي هي نص فيه (صلوات الله عليه).

نعم لا ريب في عدم اختصاص هذه الطائفة به (صلوات الله عليه)، لأنه واحد من أهل البيت، فلا معنى لاختصاصها به.

ومن ثم كان ولداه الحسن والحسين (صلوات الله عليهما)، داخلين في المتيقن من هذه الطائفة أيضاً، لأنهما الموجودان من أهل البيت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، الجاريان مجرى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا يحتمل إرادة غيرهما، دونهما.

بل حيث كانت هذه الطائفة واردة لرفع اختلاف الأمة بأجمعها، وهدايتها من الضلال، فهي تقتضي مرجعية أهل البيت في جميع الأزمنة ما دام لهذه الأمة وجود، تتعرض معه للخلاف والضلال. وذلك إنما يكون بوجود المرجع لها من أهل البيت (عليهم السلام) ووجوب طاعتها له بعد الحسنين (صلوات الله عليهما)، مهما تعاقبت العصور، كما أشرنا إليه في أواخر جواب السؤال الثامن عند التعرض لوجوب الرجوع في الدين لأهل البيت (عليهم السلام).

بل هو المصرح به في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إن في كل خلف من أمتي عدلاً من أهل بيتي ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وإن أئمتكم قادتكم إلى الله عز وجل، فانظروا بمن تقتدون في دينكم وصلاتكم)) (1). وذيله كالصريح في أن أولئك العدول من أهل البيت هم الأئمة، الذين يجب الائتمام بهم وطاعتهم على الأمة.

وبالجملة: المتيقن من هذه الطائفة هو الإمام أمير المؤمنين وولداه الحسن والحسين (صلوات الله عليهم) بأشخاصهم، وهي تشير لبقية الأئمة (صلوات الله عليهم) إجمالاً من دون تحديد عددهم، ولا أشخاصهم. بل لابد من تعيين عددهم وأشخاصهم من أدلة أخر.

ما تضمن إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأحد عشر من ولده

(الطائفة الثالثة): ما تضمن أن الأئمة اثنا عشر، وهم أمير المؤمنين وأحد عشر من ولده (صلوات الله عليهم أجمعين) من دون تعيين لأسمائهم، أو مع التصريح باسم الحسن والحسين(صلوات الله عليهما).

ــــــــــــــــــــ

(1) كمال الدين وتمام النعمة ص:221، واللفظ له. قرب الإسناد ص:77. الكافي ج:1 ص:32. مقتضب الأثر ص:16. الفصول المختارة ص:325. وقد تقدمت مصادر الجمهور في جواب السؤال الثامن في (أدلة مرجعية أهل البيت (عليهم السلام) للأمة).