فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد

تأليف العلامة الخطيب السيد محمد كاظم القزويني

 

الإهداء

إلى سَيّدنا ومَولانا بقيّة العتْرَة الطَاهِرة الإِمَام المهدي المنْتظر (عليه السلام). إليْه أهدي هذه الصفحات المشرقة المتلألئة بحياة جدّته الصدّيقة الطّاهرة، ملكة الإسلام فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها). وأنا واثق أن هذهِ الخِدْمَة الضئيلة ستقع منه موقع الرضَا والقَبول بإذن الله تعالى.

العراق كربلاء

محمد كاظم القزويني

 

المقَدمة

الحمد لله حمداً كثيراً كما يرضى، وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وآله الطاهرين سادات الورى.

وبعد: انقضت سنوات وأنا أُحدِّث نفسي أن أقوم بتأليف كتاب يتضمن ما تيسَّر من حياة الصدِّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء، عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها الصلاة والسلام.

كنت أشعر بضرورة هذا العمل، وكانت رغبتي ملحَّة جداً، وذلك لما كنت أجده من النقص الذي يشبه الفراغ في المكتبة العربية والإسلامية بالنسبة لهذه الشخصية.

ولا أقصد - بكلامي هذا - انتقاصَ الكتب والمؤلفات التي دوّنت حول ترجمة سيدة نساء العالمين، بل أقصد أن تلك المؤلفات - القديمة منها والحديثة - لا تسد الحاجة، ولا تملأ الفراغ الذي يشعر به كل من يريد الإطلاع على حياة السيدة الزهراء (عليها السلام).

وتلك المؤلفات لا تفي بالغرض، بل هي دون مقام السيدة فاطمة الزهراء ولا تؤدِّي ما تستحقه شخصية عزيزة رسول الله وأحب الناس إليه، لأن شخصية الصدِّيقة الطاهرة تستوجب التنويه والإشادة بها أكثر وأكثر من هذا.

ولا أدَّعي أنني أستطيع النهوض بهذا العبء الثقيل واستيفاء الغرض، وتحصيل الغاية كما ينبغي، بل أعترف بالعجز والقصور الملازمين لفكري ولساني وقلمي.

وهكذا انقضت الأيام والأعوام، والهواجس تعاودني بين فترة وأخرى وهناك العوائق التي تحول دون تحقيق هذه الأمنية.

وقبل فترة غير بعيدة هبَّت عليَّ عاصفة من الحوادث وخيَّمت على حياتي سحائب الهموم، فنذرت لله تعالى: إن كشف عني الضر والسوء أن أبادر إلى تأليف كتابٍ حول حياة الصدِّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام).

فكشف الله عني الضر برحمته، فله الحمد وله الشكر. وها أنا قد شرعت بتحرير هذه السطور والأوراق، وما أدري أين ينتهي بي المطاف، والله المستعان، وهو خير المستعان، وهو حسبي ونعم الوكيل في المبدأ والمآل وهو خير موفق ومعين.

كربلاء - العراق - محمد كاظم القزويني

26 جمادى الثانية 1392هـ.


 

المدْخَل

فاطمة، وما أدراك من فاطمة؟

شخصية إنسان تحمل طابع الأنوثة لتكون آيةً على قدرة الله البالغة واقتداره البديع العجيب، فإن الله تعالى خلق محمداً (صلى الله عليه وآله) ليكون آية قدرته في الأنبياء، ثم خلق منه بضعته وابنته فاطمة الزهراء لتكون علامة وآية على قدرة الله في إبداع مخلوق أُنثى تكون كتلة من الفضائل، ومجموعة من المواهب فلقد أعطى الله تعالى فاطمة الزهراء أوفر حظ من العظمة، وأوفى نصيب من الجلالة بحيث لا يمكن لأية أنثى أن تبلغ تلك المنزلة.

فهي من فصيلة أولياء الله الذين اعترفت لهم السماء بالعظمة قبل أن يعرفهم أهل الأرض، ونزلت في حقهم آيات محكمات في الذكر الحكيم، تتلى آناء الليل وأطراف النهار منذ نزولها إلى يومنا هذا، وإلى أن تقوم القيامة.

شخصية كلما ازداد البشر نضجاً وفهماً للحقائق، واطلاعاً على الأسرار ظهرت عظمة تلك الشخصية بصورة أوسع، وتجلّت معانيها ومزاياها بصُوَر أوضح.

إنها فاطمة الزهراء، الله يثني عليها، ويرضى لرضاها ويغضب لغضبها. ورسول الله (صلى الله عليه وآله) ينوِّه بعظمتها وجلالة قدرها. وأمير المؤمنين (عليه السلام) ينظر إليها بنظر الإكبار والإعظام. وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) ينظرون إليها بنظر التقديس والاحترام.

وإنني أعتقد أن الكتاب - بما فيه - يكون عظيم النفع، غزير الفائدة، حلو الحديث، تستأنس به النفس، وتستعذبه الروح إلى غير ذلك مما يدركه القارئ ولا يمكن وصفه.

إذ أن التحدث عن حياة السيدة فاطمة الزهراء يشتمل على حوادث كلها عِبَر وحِكَم ودروس، يتعرف الإنسان بها على حياة أولياء الله وخاصته، وكيفية نظرتهم إلى الحياة، ويطلّع على جانب من التاريخ الإسلامي المتعلق بحياة السيدة فاطمة الزهراء بالرغم من قصر عمرها، وأنها كانت تعيش في خدرها، لا يطلَّع أحد على معاشرتها، وسلوكها في البيت إلا أسرتها وذووها.

وبالرغم من أن التاريخ ظلمها، ولم يُعِر لحياتها وترجمتها اهتماماً لائقاً بها. فالتحدث عن عبقرية السيدة فاطمة الزهراء يعتبر تحدثاً عن المرأة في الإسلام من حيث حفظ كرامتها، والاعتراف باحترامها وشخصيتها. ويشمل التحدث نموذجاً من المرأة بصفتها بنتاً في دار أبيها، وزوجة في دار بعلها، وأمًّا ومربيّة في البيت الزوجي.

ولا يخلو الكلام - هنا - عن التحدث عن المرأة في الإسلام بصفتها إنسانة يُسمح لها بالعمل في الحقل الاجتماعي، ولكن في إطار محدود بحدود الدين والعفة، والمحافظة على الشرف والكيان. ويتَّضح - ضمناً - أن الإسلام لا يحرم المرأة عن العلم والثقافة والأدب والمعرفة ولكن مع رعاية الابتعاد عن التبرج والاستهتار والاختلاط، وما شابه ذلك مما يسبّب الويلات على المرأة المسكينة ويدمِّر كيانها.

إنني أعتقد أن ليس من الممكن أن يوجد في العالم قانون أو نظام أو جهاز يحافظ على حرمة المرأة وكيانها وشرفها أكثر من محافظة الدين الإسلامي لذلك. فالجمعيات والمنظّمات النسائية في البلاد الإسلامية لم تنفع المرأة أبداً بل قد جلبت عليها الشقاء بصورة فظيعة.

وقد قرأت في بعض الصحف أن إحدى المنظَّمات النسائية تطالب حكومتها أن تضع قانوناً لمنع تعدد الزوجات!! إن المنظَّمة تعتبر تعدُّد الزوجات ظلماً واعتداءً على المرأة. فهي تطالب بإيقاف الرجل عند حدِّه، لئلا يطمع في أكثر من امرأة. إن المنظمة جاهلة أو متجاهلة إنها بعملها هذا تفتح على المرأة أبواب الفساد والشقاء، وتغلق عليها أبواب السعادة الزوجية ولذة الأمومة. فإذا خُيِّرت المرأة بين أن تتزوج برجل متزوج أو تبقى جليسة بيتها حتى يبيض شعرها كأسنانها، وإلى أن يأتيها الموت وهي واحدة من اثنتين: إما أن تقضي معظم حياتها - بما في ذلك من عنفوان شبابها - بالكبت والضغط والحرمان من ملاذ الحياة.

وإما إن تفسح لنفسها المجال، وتطلق لنفسها الحرية الكاملة، فتحضر السهرات، وتشترك في الحفلات وتراقص الرجال و و.. ثم تفتح عينها فإذا بها مفقودة الشرف، مسلوبة العفاف، محطّمة الشخصية، ملوثة الساحة، مشوّهة السمعة، يرغب بها الرجال ما دامت طريّة وشهيّة، فإذا فقدت محاسنها، وذبلت مفاتنها يمجّها كل أحد وينبذها كل رجل.

إذا خيّرت المرأة بين عدم الزواج وحياة العزوبة التي تنتهي بها إلى أحد المصيرين المذكورين، وبين أن تتزوج برجل متزوج، وتتمتع بالسعادة الزوجية تحت ظل العدالة الإسلامية، فهي محفوظة الشرف. سليمة العفاف، نزيهة السمعة، طاهرة الصحيفة والساحة تنتج أطفالاً، وتكوِّن أسرة، وتصلح أجزاء المجتمع، أيهما أفضل وأحسن؟؟

هذان طريقان، لا ثالث لهما، فإن عدد النساء في العالم أكثر من عدد الرجال، ولو اكتفى كل رجل بامرأة واحدة لبقيت هناك الملايين من النساء بغير أزواج. ثم هناك رجال لا تكفيهم امرأة واحدة، وهناك نساء لا تنسجم غرائزهن مع غرائز أزواجهن من حيث التجاوب والرغبة. أضف إلى هذا كله أن المرأة في معرض العقم والمرض والسفر إلى غير ذلك مما يطول الكلام بذكره، ولا أقصد في كتابي هذا التطرق إلى هذه المواضيع وإنما الكلام يجرُّ الكلام، والشيء بالشيء يذكر.

أعود - والعود أحمد - إلى حديثي عن الصدِّيقة فاطمة الزهراء، فلا عليك أن تعلم أن من أعجب الغرائب، وأغرب العجائب أن شخصية كشخصية فاطمة الزهراء التي هي في أوج العظمة، وذروة الشرف وقمّة الفضيلة تصبح هدفاً للأقلام المسمومة، والغارات القاسية التي شنّها بعض المسلمين وغيرهم.

ويظهر لك هذا بكل وضوح حينما تراجع كتب الأحاديث الزاخرة بفضائل هذه الشخصية، ترى إلى جانبها أحاديث افتعلتها يد الدسِّ والعداء، واختلقتها ألسنة الشحناء والبغضاء من سماسرة الحديث الوضّاعين الكذّابين، الذين كانوا أبواقاً للسلطات الماضية، ينفثون بما يوحي إليهم شياطينهم من زخرف القول والكذب والزور والبهتان، شأن من يشتري مرضاة المخلوق بسخط الخالق.

إنهم كتبوا بأقلام العداء ومحابر النفاق تلبية لمن اشترى منهم دينهم وضمائرهم، وهم غير مبالين بما في تزويرهم - هذا - من حطِّ مقام صاحب الشريعة النبي الأقدس (صلى الله عليه وآله) غير مكترثين بما في كلامهم ذاك من التناقض للأحاديث المتواترة المدوّنة في صحاحهم في فضل السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وكأنهم يعجبهم المس بكرامة الصدِّيقة فاطمة الزهراء إجابة لنداء ضمائرهم، وهم يعلمون أنها عترة الرسول، وأحبُّ الناس إليه، وعزيزته وحبيبته وكأنهم لا يستطيعون التصريح بتدنيس ساحة الرسول الأعظم مباشرة فاختاروا الطريق الملتوي غير المباشر، كل ذلك إشباعاً لرغباتهم الجهنَّمية.

وما أدري ما هي الدوافع إلى هذا الهجوم العنيف القاسي على شخصية فاطمة الزهراء؟ وما هي أسباب هذا العداء العميق العجيب؟ أليست ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقرّة عينه وثمرة فؤاده، وروحه التي بين جنبيه؟

فهل كانت الزهراء خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدفعتهم الدوافع للمسّ من كرامتها كما أساءوا إلى زوجها العظيم بنفس تلك الدوافع؟

ثم ما هذا التركيز والإلحاح على محاربة شخصيتها؟

هل لكونها بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

فلماذا لا نجد هذه الظاهرة في حق سائر بنات النبي؟

أم لأنها زوجة الإمام علي (عليه السلام)؟

فقد تزوَّج الإمام أمير المؤمنين بعدها بأربع نساء، فلماذا لا نجد هذا التهريج والإرجاف في حقهن؟ إنني لا أتصور للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ذنباً سوى أنها كانت أحبُّ الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي المفضلَّة على بقية بناته وزوجاته وأنها كانت المدافعة والمحامية عن حقوق زوجها. وأنها حضرت في المسجد، وطالبت بحقوقها المغتصبة وأموالها التي جعلتها الله ورسوله لها وأنها احتجت على رئيس الدولة يومذاك[1]. وأمثالها من الفضائل والفواضل التي خصّها الله بها دون النساء. فهل هذه ذنوب تبرّر وتبيح للمسلمين أن يذكروها بما لا يناسب قدسيّتها ونزاهتها؟

وقد كان للمستشرقين الأجانب (من اليهود والنصارى) دور مهم في هذا المجال فلقد حاولوا المسّ بكرامة مقدّسات الإسلام والمسلمين، فالتقطوا الأباطيل والأساطير سقطات القول ونشروها في أوساطهم.

وجاء بعض المسلمين وترجموا تلك الكتب المسمومة وطبعوها ونشروها في البلاد الإسلامية، بدون أي تعليق أو تهذيب أو تنقيح، كأن نواياهم تتفق مع المستشرقين حول محتويات تلك الكتب. والأفضل أن ننقل هنا مثالاً لما نحن فيه عن الجزء الثالث من كتاب الغدير ص10 للمرحوم شيخنا الأميني مع رعاية الاختصار:

كتب مستشرق نصراني يسمىّ (إميل درمنغم) كتاباً سماه (حياة محمد) والكتاب كله كذب وزور وضلال ودسٍّ ودجل، وتهجّم على الإسلام والقرآن والنبي (صلى الله عليه وآله).

وقد ترجم الكتاب أستاذ فلسطيني يسمى (محمد عادل زعيتر) ولم يعلّق على خرافات الكتاب وأساطيره وأكاذيبه، وهو يزعم أنه يراعي أمانة النقل، وليت شعري هل التعليق على الباطل ينافي أمانة النقل؟

ومن جملة أباطيل الكتاب وأضاليله قوله:

(كانت فاطمة عابسة، دون رقية جمالاً، ودون زينب ذكاء، ولم تدار فاطمة حينما أخبرها أبوها من وراء الستر: أن علي بن أبي طالب ذكر اسمها، وكانت فاطمة تعدُّ علياً ذميماً محدوداً مع عظيم شجاعته، وما كان أكثر رغبة فيها من رغبتها مع ذلك.

وكان علي غير بهيِّ الوجه لعينيه الكبيرتين الفاترتين وانخفاض قصبة أنفه، وكبر بطنه وصلعه، وذلك كله إلى أن علياً كان شجاعاً تقياً صادقاً وفياً مخلصاً صالحاً مع توان وتردُّد!

 

أضاليل وأباطيل بعض الكتب المسمومة

وكان علي ينهت فيستقي الماء لنخيل أحد اليهود في مقابل حفنة تمر، فكان إذا عاد بها قال لزوجته عابساً: كلي وأطعمي الأولاد!

وكان علي يحرد بعد كل منافرة، ويذهب لينام في المسجد، وكان حموه يربِّته على كتفه ويعظه ويوفق بينه وبين فاطمة إلى حين، ومما حدث أن رأى النبي ابنته ذات مرة، وهي تبكي من لكم علي لها!!

إن محمداً مع امتداحه قدم علي في الإسلام إرضاءً لابنته كان قليل الالتفات إليه، وكان صهرا النبي الأمويان: عثمان الكريم وأبو العاصي أكثر مداراة للنبي من علي، وكان علي يألم من عدم عمل النبي على سعادة ابنته، ومن عدّ النبي له غير قوّام بجليل الأعمال.

والنبي وإن كان يفوّض إليه ضرب الرقاب كان يتجنب تسليم قيادة إليه.. وأسوأ من ذلك ما كان يقع عند مصاقبة علي وفاطمة لعدَّواتهما أزواج النبي وتنازع الفريقين، فكانت فاطمة تعتب على أبيها متحسرة، لأنه كان لا ينحاز إلى بناته.. إلى غير ذلك من جنايات تاريخية سوداء سوَّد بها الرجل صحيفة كتابه.

وهنا يجب شيخنا الأميني (رضوان الله عليه) على مفتريات هذا النصراني: (أنا لا ألوم المؤلف - جدع الله مسامعه - وإن جاء بأذني عناق[2] إذ هو من قوم حناق على الإسلام، وهو مع ذلك جرف منهال وسحب منجال[3]، ينمُّ كتابه عن عجزه وبحره، وإنما العتب كل العتب على المترجم الجاني على الإسلام والشرق والعرب - وهو يحسب نفسه منهم - نعم، جدب السوء يلتجئ إلى نجعة سوء[4]، والجنس إلى الجنس يميل.

كل ما في الكتاب من تلكم الأقوال المختلفة والنسب المفتعلة إن هي كلم الطائش، تخالف التاريخ الصحيح، وتضاد ما أصفقت عليه الأمة الإسلامية وما أخبر به نبيها الأقدس.

فهل تناسب تقولاته في فاطمة مع قول أبيها (صلى الله عليه وآله): فاطمة حوراء إنسية، كلما اشتقت إلى الجنة قبلّتها[5]؟

أو قوله (صلى الله عليه وآله): ابنتي فاطمة حوراء آدمية[6]؟

أو قوله (صلى الله عليه وآله): فاطمة هي الزهراء[7]؟

أو قول أم أنس بن مالك؟: كانت فاطمة كالقمر ليلة البدر، أو الشمس كفر غماماً، إذا خرج من السحاب، بيضاء مشرّبة حمرة، لها شعر أسود، من أشد الناس برسول الله شبهاً، والله كما قال الشاعر:

بيضاء تسحب من قيام شعرها***وتغيب فيه وهو جثل أسحم[8]

فكأنها فيه نهار مشرق***وكأنه ليل عليها مظلم[9]

ولقبها الزهراء المتسالم عليه يكشف عن جلية الحال.

وهل يساعد تلك التحكُّمات في ذكاء فاطمة وخُلقها قولُ أُم المؤمنين خديجة (رضي الله عنها): كانت فاطمة تُحدِّث في بطن أُمِّها، ولما وُلدت وقعت حين وقعت على الأرض ساجدة، رافعة إصبعها[10]؟!

أو يلائمها قول عائشة: ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاًّ وهدياً وحديثاً برسول الله في قيامه وقعوده من فاطمة الزهراء كانت إذا دخلت على رسول الله قام إليها فقبَّلها ورحّب بها، وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه[11]؟!

وفي لفظ البيهقي في (السنن: ج7 ص101): ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله (صلى الله عليه وآله)..

وهل توافق مخاريقه في الإمام علي (صلوات الله عليه) وعدم بهاء وجهه وعدُّ فاطمة له دميماً، وكونه عابساً مع ما جاء في جماله البهي: أنه كان حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر، وكأن عنقه إبريق فضة[12] ضحوك السن[13] فإن تبسّم فعن اللؤلؤ المنظوم[14].

وأين هي من قول أبي الأسود الدؤلي من أبيات له:

إذا استقبلت وجه أبي تراب***رأيت البدر حار الناظرينا[15]

نعم، حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله***فالناس أعداء له وخصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها***حسداً وبغضاً: إنه لدميم

أو يخبرك ضميرك الحرُّ في علي ما سلقه الرجل به من (التواني والتردد)؟ وعلي ذلك المقتحم في الأهوال والضارب في الأوساط والأعراض في المغازي والحروب؟

وهو الذي كشف الكُرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل نازلة وكارثة منذ صدع بالدين الحنيف إلى أن بات على فراشه، وفداه بنفسه، إلى أن سكن مقرّه الأخير.

أليس علي هو ذلك المناضل الوحيد الذي نزل فيه قوله تعالى:

(أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله)؟

وقوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)؟[16].

فمتى خلى علي عن مقارعة الرجال، والذبِّ عن قدس صاحب الرسالة حتى يصح أن يُعزى إليه توانٍ أو تردد في أمر من أمور الدين؟!.

غير أن القول الباطل لا حدَّ له ولا أمد.

وهل يتصور في أمير المؤمنين تلك العِشرة السيئة مع حليلته الطاهرة؟! والنبي يقول له: أشبهتَ خَلقي خُلقي وأنت من شجرتي التي أنا منها[17] وكيف يراه النبي (صلى الله عليه وآله) أفضل أمته وأعظمهم حلماً وأحسنهم خلقاً ويقول: علي خير أُمُّتي، وأعلمهم علماً، وأفضلهم حلماً؟[18].

ويقول لفاطمة: إني زوَّجتك أقدم أُمَّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً؟[19].

ويقول لها: زوَّجتك أقدمهم سلماً، وأحسنهم خُلقاً؟[20].

يقول هذه كلها وعشرته تلك كما كانت بمرأى منه ومسمع؟ أفك الدجَّالون، كان علي (عليه السلام) كما أخبر به النبي الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله). وهل يقبل شعورك ما قذف به الرجل (فضَّ الله فاه) علياً بلكْم فاطمة بضعة المصطفى؟! وعلي ذاك المقتص أثر الرسول، وملأ مسامعه قوله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة: إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك[21].

وقوله (صلى الله عليه وآله) وهو آخذ بيدها: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها، فهي بضعة مني، هي قلبي وروحي التي بين جنبيَّ، فمن آذاها فقد آذاني[22].

وقوله (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها[23]. وقوله (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني[24].

وقوله (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة مني، يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها[25].

وهل يقتصر امتداح النبي علياً بمدح إسلامه؟! حتى يتفلسف في سرِّه، ويكون ذلك إرضاءً لابنته، على أن امتداحه بذلك لو كان لتلك المزعمة لكان يقتصر (صلى الله عليه وآله) على قوله لفاطمة في ذلك، وكان يتأتى الغرض به، فلماذا كان يأخذ (صلى الله عليه وآله) بيد علي في الملأِ الصحابي تارة ويقول: إن هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة؟

ولماذا كان يخاطب أصحابه أخرى بقوله: أوَّلكم وارداً عليَّ الحوض أوَّلكم إسلاماً: علي بن أبي طالب؟

وكيف خفي هذا السرُّ المختلق على الصحابة الحضور والتابعين لهم بإحسان، فطفقوا يمدحونه بهذه الإثارة كما يروي عن سلمان الفارسي، أنس بن مالك، زيد بن أرقم، عبد الله بن عباس، عبد الله بن حجل، هاشم بن عتبة، مالك الأشتر، عبد الله بن هاشم، محمد بن أبي بكر، عمرو بن الحمق، أبو عمر عدي بن حاتم، أبو رافع، بريدة، جندب بن زهير، أم الخير بنت الحراش[26]؟

وهل القول بقلِّة التفات النبي إلى علي يساعده القرآن الناطق بأنه نفس النبي الطاهر؟! أو جعل مودته أجر رسالته؟!.

أو قوله (صلى الله عليه وآله) في حديث الطير المشوي، المروي في الصحاح والمسانيد: اللهم ائتني بأحبِّ خلقك إليك ليأكل معي.

أو قوله (صلى الله عليه وآله) لعائشة: إنّ علياً أحبُّ الرجال إليَّ، وأكرمهم عليَّ، فاعرفي له حقه، وأكرمي مثواه[27].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): أحبُّ الناس إليَّ من الرجال علي[28].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي خير مَن أتركه بعدي[29].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): خير رجالكم علي بن أبي طالب، وخير نسائكم فاطمة بنت محمد[30].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي خير البشر، فمن أبى فقد كفر![31].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): من لم يقل علي خير الناس فقد كفر[32].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): في حديث الراية المتفق عليه: لأعطيَّن الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله.

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي مني بمنزلة رأسي من بدني أو جسدي[33].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي مني بمنزلتي من ربي[34].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي أحبَّهم إليَّ، وأحبَّهم إلى الله[35].

أو قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي: أنا منك وأنت مني، أو: أنت مني وأنا منك[36].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن من بعدي[37].

أو قوله (صلى الله عليه وآله) في حديث البعث بسورة البراءة المجمع على صحته: لا يذهب بها إلا رجل مني وأنا منه[38].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): لحمك لحمي ودمك دمي والحق معك[39].

أو قوله (صلى الله عليه وآله): ما من نبي إلاَّ وبه نظير في أُمته، وعلي نظيري[40].

أو ما صحّحه الحاكم وأخرجه الطبراني عن أم سلمة قالت: كان رسول الله إذا أُغضب لم يجترئ أحد أن يكلَّمه غير علي[41].

أو قول عائشة: والله ما رأيت أحداً أحبُّ إلى رسول الله من علي ولا في الأرض امرأة كانت أحبُّ إليه من امرأته[42].

أو قول بريدة وأُبي: أحب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من النساء فاطمة، ومن الرجال علي[43].

أو حديث جميع بن عمير، قال: دخلت مع عمتي على عائشة فسألت: أي الناس أحب إلى رسول الله؟! قالت: فاطمة. فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان ما علمت صوَّاماً قوَّاماً.

وكيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقدِّم الغير على علي في الالتفات إليه؟! وهو أول رجل اختاره الله بعده من أهل الأرض لما اطَّلع عليهم، كما أخبر به (صلى الله عليه وآله) لفاطمة بقوله: إن الله اطلع على أهل الأرض فاختار منه أباك فبعثه نبياً، ثم اطلع الثانية فاختار بعلك فأوحى إليَّ فأنكحته واتخذته وصياً[44].

وبقوله (صلى الله عليه وآله): إن الله اختار من أهل الأرض رجلين أحدهما أبوك والآخر زوجك[45].

إلى آخر ما ذكره شيخنا الأميني (عليه الرحمة) في سرد الأحاديث الصحيحة في تزييف أباطيل ذلك الكتاب التائه.

هذا، والتهجُّمات القاسية ضدَّ آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيرة جداً وسنشير أيضاً إلى بعضها في المستقبل بمناسبة المقام إن شاء الله.

وقبل الخوض في صميم البحث لا بأس بذكر مقدمة كمدخل في الموضوع، وحيث أن التحدث في هذا الكتاب إنما هو عن شخصية فوق المستويات التي عرفها البشر فلابدَّ من تمهيد أمور لعلها تعتبر من (الماورائيات) فلا بأس فالشخصية المترجمة عبقرية ماورائية، وسيتَّضح لك صدق هذا القول وصحة هذا الكلام.

 

قانُون الوراثة

من الأمور الثابتة قديماً وحديثاً أنّ صفات الأبوين تنتقل إلى الطفل وترتكز فيه منذ تكوُّنه في صلب أبيه إلى انتقاله إلى بطن أمه، ونشوّه ونُموِّه، وبعد الولادة والنموّ تظهر الصفات تدريجياً. بل وحتى الرضاع له تأثير عجيب في صفات الطفل المرتضع وفي الحديث عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا تسترضعوا الحمقاء فإن الرضاع يعدي) وقد كتب الكثيرون حول هذا القانون تفاصيل كثيرة.

على ضوء هذا القانون ينبغي أن أذكر شيئاً من ترجمة حياة والديّ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كي نستنتج منها بعض جوانب العظمة التي أحاطت بالسيدة فاطمة من ناحية الوراثة ولكن البحث سيطول، وينتقل الكتاب عن موضوعه إلى موضوع آخر، إلاَّ أننا نلخّص الكلام في هذه الجُمل الموجزة فنقول: سيد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) أطهر كائن وأشرف مخلوق، وأفضل موجود في العالم كله، لأجله خلق الله الكائنات، ولا يوجد في الكون شرف أو فضيلة أو مكرمة إلاَّ وأوفى نصيبٍ ممكنٍ منها متوفر في الرسول العظيم.

هذه عصارة الخلاصة مما يمكن أن يقال في حق الرسول، وليس في هذا التعبير شيء من الغلو والمبالغة، بل هو كقولنا: الشمس مشرقة، والعسل حلو.

هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد انحدرت الزهراء من صلبه.

وأما السيدة خديجة، فكانت امرأة بيضاء، طويلة حسناء، شريفة في قومها، عاقلة في أمورها، لها نصيب وافر من الذكاء، وبصيرة في الأمور، تعتمد على نفسها وشخصها، تدير عجلة التجارة بفكرها الوقَّاد، وتعرف مبادئ الاقتصاد والتصدير والاستيراد.

هذا بصفتها إنسان أو بصفتها امرأة.

وأمَّا بصفتها زوجة فقد بذلت تلك الآلاف المؤلفة من أموالها لزوجها الرسول يتصرّف فيها حسب رأيه، وكان لأموال خديجة كل التأثير في تقوية الإسلام يومذاك إذ كان الدين الإسلامي في دور التكوين، وكان بأمس الحاجة إلى المال، فقيّض الله للإسلام أموال خديجة، وبالفعل تحقق الهدف.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما نفعني مالٌ قط مثل ما نفعني مال خديجة) وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفك من مالها الغارم والعاني، ويحمل الكَلَّ، ويعطي في النائبة ويرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة، ويحمل من أراد منهم الهجرة، وكان ينفق منه ما شاء في حياتها، ثم ورثها هو وولُدها بعد مماتها[46].

وبهذا يتضح كلام الرسول (صلى الله عليه وآله): (ما قام ولا استقام الدين إلاّ بسيف علي ومال خديجة).

وكانت معاشرتها للرسول في حياتها الزوجية تستحق كل تقدير وتعظيم، ولهذا كان الرسول إذا ذكرها أو ذكُرت عنده بعد وفاتها ترحَّم عليها، وانكسر قلبه عليها وربما جرت عبرته على خده حزناً عليها.

وذات يوم ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) خديجة فقالت عائشة: عجوز كذا وكذا قد أبدلك الله خيراً منها!! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أبدلني منها، لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدَّقتني حين كذّبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها، وحرمني ولد غيرها[47].

 

زواج الرّسُول الأعْظم (صلى الله عليه وآله)

تزوّج الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله) بالسيدة خديجة الكبرى وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي بنت أربعين سنة، وقيل: ستة وعشرين سنة[48] وقيل: ثمانية وعشرين سنة[49].

ويقال إنها كانت قد تزوّجت قبل الرسول بزوجين متعاقبين، وقيل: بل كانت عذراء يوم تزوجها الرسول[50] ولكنه غير مشهور.

لم يكن زواج الرسول بالسيدة خديجة يشبه الزواج المتعارف بين الناس بل يعتبر هو الزواج الوحيد من نوعه، إذ لم يكن ذلك القرآن الميمون نتيجة حُبٍ وغرام بل لم يكن هناك دافع مادِّي أو ما يشبهه من الأغراض التي كثيراً تحدث في زواج العظماء من جوانب السياسة.

بل لم يكن هناك تناسب بين الرسول وبين السيدة خديجة من حيث الحياة الاقتصادية، فالرسول العظيم كان يعيش تحت كفالة عمِّه الفقير أبي طالب.

والسيدة خديجة هي أثرى وأغنى امرأة في مكة، فهناك بون شاسع في مستوى المعيشة بين هذا وتلك. ولكن السيدة خديجة كانت قد علمت أو سمعت أن للرسول مستقبلاً متلألئً واسع النطاق، ولعلَّ غلامها ميسرة هو الذي حدَّثها بما جرى للرسول في أثناء رحلته إلى الشام قصد التجارة بأموال خديجة، أو بلغها كلام راهب دير بُصرى قرب الشام في حق الرسول.

فهنا اقترحت السيدة خديجة قضية الزواج، وفاتحت الرسول، وطلبت منه أن يطلب يدها من والدها خويلد أو عمَّها (على قولٍ).

لكن الرسول كان يفضِّل أن يتزوَّج بامرأة فقيرة تنسجم حياتها مع حياة الرسول، واعتذر من خديجة، وامتنع من تلبية طلبها لهذا السبب.

لكن السيدة خديجة العاقلة اللبيبة الفاضلة أجابته بأنها تهب نفسها للنبي فهل يصعب عليها أن تبذل أموالها له، وتجعلها تحت تصرُّف الرسول؟

وطلبت من الرسول أن يرسل أعمامه إلى أبيها خويلد ليخطبوها.

فوجئ أعمام الرسول بهذا النبأ الوحيد من نوعه واستولت الدهشة على عمات الرسول حينما سمعن منه الخبر، إنّه لعجيب!!.

سيدة تملك الآلاف من الأموال، ويعيش العشرات والمئات من العملاء والأجراء من بركات أموالها وتجارتها القائمة صيفاً وشتاءً، بين اليمن ومكة وبين مكة والشام.

سيدة خطبها الأمراء والأشراف فرفضتهم، سيدة هكذا تقدِّم نفسها هبةً لشاب فقير يعيش تحت كفالة عمِّه الفقير أبي طالب.

فيا ترى هل صدقت خديجة في تقديم نفسها للرسول؟ وهل لهذا الخبر نصيب من الحقيقة؟ قامت صفية بنت عبد المطلب (عمة النبي) وتوجهت إلى دار خديجة للتحقيق عن الخبر، وإذا بها تجد الترحيب والاستعداد بجميع معنى الكلمة.


 

 

السَيّدة خَديجة على أبواب السّعَادة

رجعت صفية إلى أخوتها (أعمام النبي) وأخبرتهم بصدق الخبر، واستولت الفرحة على أعمام النبي، فرحة ممزوجة بالتعجب والدهشة والذهول.

فإن خديجة خطبها الأمراء وأشراف العرب فرفضت ولم توافق، إذ إنها لم ترهم لها أكفاءً، فما الذي دعاها إلى انتخاب هذا الزوج الفقير الذي لا يملك من حطام الدنيا تبراً، ولا من الأرض البسيطة شبراً؟ يا للعجب العجاب!.

قام أعمام النبي وقصدوا دار خديجة، وخطبوها من أبيها خويلد أو عمِّها، فامتنع ثم وافق بعد ذلك. ثم لابدَّ من تقديم مبلغ من المال صداقاً يليق بمقام خديجة، فكيف يمكن تحصيل هذا المال؟ ومن أين؟ ومن الذي يتبرع بالصداق؟

وإذا بالسيدة خديجة تباغتهم مرة أخرى، وتدفع إلى الرسول أربعة آلاف دينار هدية، وتطلب منه أن يجعل ذلك المبلغ صداقاً لها ويقدِّمه إلى أبيها خويلد.

وفي رواية: أن أبا طالب هو الذي دفع الصداق من ماله.

إن كانت السيدة خديجة تؤمن بالقيَم، وتضحَّي بالمادة في سبيل تحصيل الشرف فإن أباها خويلد لم يكن يحمل هذه الفكرة، وكثيراً ما تجد التفاوت الكثير بين ثقافة الأب وابنه أو ابنته.

وهذا الاختلاف في التفكير موجود بين طبقات الناس، وحتى بين الأخ وأخيه، والرجل وزوجته، والأب وما ولد.

كانت هذه المبادرة نادرة عجيبة جداً، فلم يعهد أحد في العرب أن المرأة تقدِّم الصداق لزوجها، فلا عجب إذا هاج الحسد بأبي جهل وقال: (يا قوم رأينا الرجال يمهرون النساء، وما رأينا النساء يمهرون الرجال!).

فيجيبه أبو طالب مغضباً: (ما لك؟ يا لكع الرجال! مثل مُحمد يُحمل إليه ويُعطى، ومثلك يُهدي ولا يُقبل منه) أو قال: (إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الأثمان وأعظم المهر، وإذا كانوا أمثالكم لم يزوَّجوا إلاَّ بالمهر الغالي).

وتمَّ الزواج المبارك الميمون على أحسن ما يرام، وانتقل الرسول إلى دار السيدة خديجة، فكانت خديجة تشعر أنها في أسعد أيام حياتها إذ أنها وصلت إلى أغلى أمانيها وأحلى أحلامها.

وأنجبت السيدة خديجة أولاداً ماتوا كلهم في أيام الصغر، وأنجبت بنات أربع: زينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة الزهراء، وكانت فاطمة أصغرهنَّ سناً وأجلَّهنَّ شأْناً وأعظمهنَّ قدراً. وهناك اختلاف بين المؤرخين والمحدّثين حول البنتين الأوليين، فقيل: إنهما ليستا من بنات النبي، والصحيح أنهما من بناته وصلبه، وسيأتي الكلام حول ذلك في المستقبل بالمناسبة بإذن الله[51].


 

 

كَلِمَة خَاطِفَة حَوْلَ (المَاوَرَائيات)

هذه هي السيدة خديجة الكبرى، وهذا بعض مناقبها وفضائلها التي تعتبر كل فضيلة منها مثالاً رائعاً للإنسان الكامل، وهذه السيدة هي التي أنجبت السيدة فاطمة الزهراء، وأرضعتها اللبن الممزوج بالمواهب والفضائل.

وفاطمة الزهراء سليلة أبوين هذا بعض ما يتعلق بحياتهما ومحاسنهما، وهذه نظرة خاطفة أو صورة مصغّرة يمكن لنا أن ننظر منها إلى عبقرية سيدتنا فاطمة الزهراء وبذلك تظهر لنا زاوية من حياتها على ضوء الوراثة.

وهناك حقائق ثابتة لا يمكن إنكارها، وقد صرحت بذلك أحاديث شريفة كثيرة متواترة عن الرسول الأقدس وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) لم يكتشفها العلم الحديث ولم تصل إليها الاكتشافات الحديثة بالرغم من سعتها وانتشارها، وبالرغم من وصولها إلى الذرة فما فوقها وإلى الكواكب فما دونها.

تلك الحقائق لا مجال للآلات والمجاهر أن تغزوها وتحيط بها علماً، ولا طريق لعدسات المصوِّرين أن تلتقطها ولو بالأشعة البنفسجية وما فوق البنفسجية.

وتفشل دون إدراكها مقاييس الطبيعة والمنطق، فالحقيقة فوق إدراك المادة والموازين المنطقية، فلا تدرك بالحواس الخمس (الباصرة، السامعة، الذائقة، الشامّة، اللامسة) بل هي من أسرار الله المودعة في الكائنات، وإن شئت أن تسمّيها بـ(الماورائيات) فلك ذلك.

وقبل عرض تلك الحقائق لابدّ من تمهيد مقدمة موجزة فنقول: إن النطفة التي تنعقد في الرحم ويتكوّن منها الجنين، تتكوّن من الدم، والدم يستخلص من الطعام بعد إنهاء عمليات الهضم والنضج والطبخ في المختبرات التي يحتويها الجسم، فلا شك أن النطفة المتكونة من الدم المستخلص من لحم الخنزير أو الخمر (مثلاً) تختلف عن النطفة المتكونة من الدم المستخلص من لحم الغنم أو ما أشبه ذلك، لأن نوعية هذا اللحم تختلف اختلافاً كبيراً عن نوعية ذاك، فكذلك تختلف منتجات كل واحد منهما.

وللطعام تأثير خاص في روح الإنسان ونفسه، فهناك أطعمة مفرِّحة للقلب، مهدئة للأعصاب، تخفف عن توترها، وهناك أطعمة مفعولها عكس ذلك.

وللطعام الحلال والطاهر تأثير في نفس الإنسان وروحه، بعكس الطعام النجس كالخمر أو الحرام كالمسروق والمغصوب.

ونفس التأثير يظهر في النطفة التي تنعقد من الطعام الحلال أو الحرام، أو الطاهر أو النجس، ولو أردنا استعراض الشواهد وإقامة الأدلة والبراهين على ذلك لطال بنا الكلام وخرج الكتاب عن أسلوبه وموضوعه المقصود.

وعلى هذا الغرار فللطعام الذي يأكله الأبوان كل التأثير في توجيه الطفل وتسييره نحو الخير والشر، إذ من ذلك الطعام تتكون النطفة، ثم تنتقل من صلب رجل إلى رحم زوجته، وتلتصق بجدار الرحم، وتنمو وتكبر حتى تكمل جنيناً تاماً.

فالطعام من حيث النوعية ومن حيث الحكم الشرعي كالحلال والحرام، والطاهر له تأثير عجيب مدهش في مصير الطفل، وكيفية تفكيره في الأمور واختيار الحياة الدينية، وتوجيهه نحو الاعتدال والاستقامة أو الانحراف والانجراف.

وكذلك الحالة النفسية الموجودة عند الزوجين عند العملية الجنسية لها كل التأثير في مقدّرات الطفل وحالاته ونفسياته في المستقبل.

فالخوف والقلق لهما أسوأ الأثر في مستقبل الطفل المسكين، وبالعكس الطمأنينة والهدوء النفسي له أحسن الأثر في الطفل.

كذلك الرغبة الملحة والشوق الشديد يؤثر في جمال الطفل وحسنه وذكائه، بينما عدم الرغبة وضعف الشهوة بسبب خلاف ذلك.

وانطلاقاً من هاتين النقطتين: نقطة تأثير الطعام ونقطة تأثير الحالة النفسية ننتقل بالقرّاء إلى طائفة من الأحاديث المتواترة، فقد ذكر شيخنا المجلسي (قدّس سره) في السادس من البحار هذا الحديث الشريف:

.. هبط جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فناداه يا محمد‍‍! العلي الأعلى يقرأ عليك السلام، وهو يأمرك أن تعتزل خديجة أربعين صباحاً.

فشقّ ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله) وكان لها محبّاً وبها وامقاً (محباً) فأقام النبي أربعين يوماً يصوم النهار ويقوم الليل، حتى إذا كان في آخر أيامه تلك. بعث إلى خديجة بعمار بن ياسر وقال: قل لها: يا خديجة لا تظني أن انقطاعي عنك هجرة ولا قلى، ولكن ربي أمرني بذلك لينفّذ أمره، فلا تظني يا خديجة إلاّ خيراً، فإن الله عز وجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مراراً.

فإذا جنّك الليل فأجيفي (ردّي) الباب، وخذي مضجعك من فراشك، فإني في منزل فاطمة بنت أسد.

فجعلت خديجة تحزن كل يوم مراراً لفقد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما كان في كمال الأربعين هبط حبرئيل فقال: يا محمد! العلي الأعلى يقرئك السلام وهو يأمرك أن تتأهب لتحيَّته وتحفته.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا جبرئيل وما تحفة رب العالمين وما تحيته؟ فقال جبرئيل: لا علم لي.

فبينما النبي (صلى الله عليه وآله) كذلك إذ هبط ميكائيل ومعه طبق مغطّى بمنديل سندس أو إستبرق، فوضعه بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) وأقبل جبرئيل (عليه السلام) وقال: يا محمد يأمرك ربك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام.

قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا أراد أن يفطر أمرني أن أفتح الباب لمن يرد من الأقطار فلما كان في تلك الليلة أقعدني النبي (صلى الله عليه وآله) على باب المنزل وقال: يا بن أبي طالب إنه طعام محرَّم إلاّ عليَّ.

قال علي (عليه السلام): فجلست على الباب، وخلى النبي (صلى الله عليه وآله) بالطعام، وكشف الطبق، فإذا عذق من رطب، وعنقود من عنب، فأكل النبي (صلى الله عليه وآله) منه شبعاً وشرب من الماء رياً، ومدّ يده للغسل، فأفاض الماء عليه حبرئيل، وغسل يده ميكائيل وتمندله إسرافيل، وارتفع فاضل (باقي) الطعام مع الإناء إلى السماء.

ثم قام النبي (صلى الله عليه وآله) ليصلي فأقبل عليه جبرئيل وقال: الصلاة محرَّمة عليك في وقتك حتى تأتي إلى منزل خديجة فتواقعها، فإن الله عز وجل آلى (حلف) على نفسه أن يخلق من صلبك هذه الليلة ذرية طيّبة.

فوثب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى منزل خديجة.

قالت خديجة: وقد كنت قد ألفت الوحدة، فكان إذا جنّني الليل غطّيت رأسي، وسجفت (أرسلت) ستري وغلّقت بابي، وصلّيت وِردي، وأطفأت مصباحي، وآويت إلى فراشي؛ فلما كانت تلك الليلة لم أكن نائمة ولا بالمنتبهة إذ جاء النبي فقرع الباب، فناديت: من هذا الذي يقرع حلقة لا يقرعها إلا محمد؟

فنادى النبي (صلى الله عليه وآله) بعذوبة كلامه وحلاوة منطقه: افتحي يا خديجة فإني محمد. قالت خديجة: فقمت مستبشرة بالنبي، وفتحت الباب، ودخل النبي المنزل، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا دخل المنزل دعا بالإناء فتطهر للصلاة ثم يقوم فيصلي ركعتين يوجز فيهما، ثم يأوي إلى فراشه.

فلما كانت تلك الليلة لم يدعُ بالإناء ولم يتأهب للصلاة.. بل كان بيني وبينه ما يكون بين المرأة وبعلها، فلا والذي سمك السماء، وأنبع الماء ما تباعد عني النبي حتى أحسست بثقل فاطمة في بطني.. الخ.

نستفيد من هذا الحديث أموراً:

1 - إن الله تعالى أمر نبيه أن يعتزل خديجة، وأن ينقطع عن رؤيتها لفترة حتى يزداد بها شوقاً ورغبة.

2 - اشتغاله بالمزيد من العبادة للمزيد من روحانية النفس وسمّوها وتعاليها بسبب الاتصال بالعالم الأعلى.

3 - إفطاره بالتحفة السماوية الطاهرة، السريعة التحول إلى النطفة بسبب لطافتها.

4 - تكوّن النطفة من طعام سماوي لطيف، لا يشبه الأطعمة المادية.

5 - التوجه إلى دار خديجة فوراً استعداداً لانتقال النطفة مع تلك المقدمات.

وقد ذكر هذا الحديث - من علماء العامة - بتغيير يسير كلٌّ من:

1 - الخوارزمي في مقتل الحسين ص63 و68.

2 - الذهبي في الاعتدال ج2 ص26.

3 - تلخيص المستدرك ج3 ص156.

4 - العسقلاني في لسان الميزان ج4 ص36.

ثم هناك أحاديث كثيرة بهذا المعنى مع اختلاف يسير في ألفاظها، واتفاقها حول النقطة الجوهرية، وهي انعقاد نطفة السيدة فاطمة الزهراء من طعام الجنة ونذكر من بعض تلك الأحاديث الجملة المرتبطة بالموضوع رعايةً للاختصار، فنقول:

عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): لما عُرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنة فناولني من رطبها فأكلته، فتحول ذلك نطفة في صلبي فلما هبطت واقعت خديجة، فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراء إنسيَّة، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة[52].

عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله قال: قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إنك لتلثم فاطمة وتلزمها وتدنيها منك.. وتفعل بها ما لا تفعله بأحد من بناتك؟ فقال (صلى الله عليه وآله): إن جبرئيل أتاني بتفاحة من تفاح الجنة فأكلتها فتحول ماءً في صلبي ثم واقعت خديجة فحملت بفاطمة. وأنا أشم منها رائحة الجنة[53].

وعن ابن عباس قال: دخلت عائشة على رسول الله وهو يقبِّل فاطمة، فقالت له: أتحبها يا رسول الله؟ قال: أما والله لو علمت حبِّي لها لازددت لها حباً، إنه لما عرج بي إلى السماء الرابعة.. إلى أن يقول: فإذا برطب ألين من الزبد، وأطيب من المسك، وأحلى من العسل، فأخذت رطبة فأكلتها فتحولت الرطبة نطفة في صلبي، فلما أن هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، ففاطمة حوارء إنسية، فإذا اشتقتُ إلى الجنة شممتُ رائحة فاطمة[54].

وقد روى هذا الحديث بألفاظ مختلفة كلٌّ من:

1 - الخطيب البغدادي في تاريخه ج5 ص87.

2 - الخوارزمي في مقتل الحسين ص63.

3 - محمد بن أحمد الدمشقي في ميزان الاعتدال ج1 ص38.

4 - الزرندي في (نظم درر السمطين).

5 - العسقلاني في لسان الميزان ج5 ص160.

6 - القندوزي في ينابيع المودة.

7 - محب الدين الطبري في ذخائر العقبي ص34 وهذه الأحاديث مروية عن عائشة وابن عباس وسعيد بن مالك وعمر بن الخطاب.

8 - وروى ذلك الشيخ شُعيب المصري في (الروض الفائق ص214) قال: (روى بعض الرواة الكرام: أن خديجة الكبرى (رضى الله عنها) تمنَّت يوماً من الأيام على سيد الأنام أن تنظر إلى بعض فاكهة دار السلام، فأتى جبرئيل إلى المفضّل على الكونين من الجنة بتفاحتين وقال: يا محمد يقول لك من جعل لكل شيء قدراً: كل واحدة وأطعم الأخرى لخديجة الكبرى، وأغشها، فإني خالق منكما فاطمة الزهراء. ففعل المختار ما أشار به الأمين وأمر.. إلى أن قال: فكان المختار كلما اشتاق إلى الجنة ونعيمها قبَّل فاطمة وشمَّ طيب نسيمها، فيقول حين يستنشق نسمتها القدسية: إن فاطمة حوراء إنسية).

وهناك روايات متواترة بهذا المضمون، واكتفينا بما ذكرنا.

بقيت هنا كلمة لا بأس بالإشارة إليها، وهي أن الأحاديث كما تراها تصرح بأن السيدة خديجة حملت بفاطمة (عليها السلام) بعد المعراج مباشرة، وكان المعراج على ما هو المذكور في بعض كتب الحديث في السنة الثالثة من المبعث، وفي بعضها: في السنة الثانية وقيل غير ذلك.

وستأتيك طائفة من الأحاديث من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تصرح بولادتها بعد المبعث بخمس سنين، ومعنى هذا أنها بقيت في بطن أمها أكثر من عامين، وهذا غير صحيح قطعاً، فكيف يمكن الجمع بين القولين؟

يمكن أن تُحلَّ هذه المشكلة بما يلي:

1 - إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عُرج به إلى السماء أكثر من مرة كما في كتاب الكافي، وهذا عندي أحسن الوجوه.

2 - الأخذ بالقول المروي بولادتها في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث (كما سيأتي) وهذا يتفق مع القول بالمعراج في تلك السنة نفسها، وخاصة بعد الالتفات إلى اختلاف الأقوال حول الشهر الذي كان فيه المعراج.

ومن جملة مزايا السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنها كانت تكلم أمها خديجة وهي في بطنها، ولم ينفرد علماء الشيعة بذكر هذه الفضيلة، بل شاركهم كثير من علماء العامة ومحدثيهم، فقد روى عبد الرحمن الشافعي في (نزهة المجالس ج2 ص227): (قالت أمَّها خديجة (رضي الله عنها): لما حملتُ بفاطمة كانت حملاً خفيفاً، تكلِّمني من باطني).

وروى الدهلوي في (تجهيز الجيش) عن كتاب (مدح الخلفاء الراشدين): (أنه لما حملت خديجة بفاطمة كانت تكلمها ما في بطنها، وكانت تكتمها عن النبي (صلى الله عليه وآله) فدخل عليها يوماً وجدها تتكلم وليس معها غيرها، فسألها عمن كانت تخاطبه فقالت: ما في بطني، فإنه يتكلم معي. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أبشري يا خديجة، هذه بنت جعلها الله أم أحد عشر من خلفائي يخرجون بعدي وبعد أبيهم).

وذكر شعيب بن سعد المصري في (الروض الفائق ص214): فلما سأله الكفار أن يريهم انشقاق القمر، وقد بان لخديجة حملها بفاطمة وظهر، قالت خديجة: وا خيبة من كذَّب محمداً وهو خير رسول ربي.

فنادت فاطمة - من بطنها: يا أماه لا تحزني ولا ترهبي، فإن الله مع أبي. فلما تم حملها وانقضى، وضعت فاطمة فأشرق بنور وجهها الفضاء.

وقد مرّ عليك في (المقدمة) الحديث المروي عن السيدة خديجة حول تكلُّم السيدة فاطمة الزهراء وهي في بطن أمَّها.


 

 

فاطمة الزهراء (عليه السلام) تطلُّ على الحياة

من العجب الاختلاف الواضح في تاريخ ولادتها، وأنها هل كانت قبل المبعث أو بعده؟ فإنك تجد طائفة كبيرة من الأحاديث تصرِّح بولادتها بعد المبعث بخمس سنين أو ثلاث سنين، وتجد عدداً من الأقوال التي تلحّ وتركز على ميلادها قبل المبعث بخمس سنين، وتجد القول الأول للشيعة مروياً عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ويوافقهم بعض علماء العامة.

والقول الثاني خاص بعلماء العامة ومحدّثيهم، وإليك بعض تلك الأحاديث حول ميلادها بعد المبعث:

1 - الكافي (للكليني): ولدت بعد النبوة بخمس سنين وبعد الإسراء بثلاث سنين، وقبض النبي ولفاطمة يومئذٍ - ثماني عشرة سنة!.. الخ.

2 - المناقب (لابن آشوب): ولدت فاطمة بعد النبوة بخمس سنين، وبعد الإسراء بثلاث سنين في العشرين من جمادى الآخرة، وأقامت مع أبيها بمكة ثماني سنين ثم هاجرت.. الخ.

3 - في البحار عن الإمام الباقر (عليه السلام): ولدت فاطمة بنت محمد بعد مبعث رسول الله بخمس سنين، وتوفيت ولها ثماني عشرة سنة وخمسة وسبعون يوماً.

4 - روضة الواعظين: ولدت فاطمة بعد مبعث النبي بخمس سنين.. الخ.

5 - إقبال الأعمال: قال الشيخ المفيد في كتاب (حدائق الرياض): يوم العشرين من جمادى الآخرة كان مولد السيدة فاطمة الزهراء سنة اثنتين من المبعث.

6 - مصباح الكفعمي: ولدت في العشرين من جمادى الآخرة يوم الجمعة سنة اثنتين من المبعث، وقيل سنة خمسٍ من المبعث.

7 - المصباحين: في اليوم العشرين من جمادى الآخرة يوم الجمعة سنة اثنتين من المبعث كان مولد فاطمة (عليها السلام) في بعض الروايات، وفي رواية أخرى: سنة خمس من المبعث، والعامة تروي أن مولدها قبل المبعث بخمس سنين.

8 - دلائل الإمامة عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ولدت فاطمة في جمادى الآخرة العشرين منها سنة خمس وأربعين من مولد النبي... إلخ[55].

هذه نبذة من أقوال أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقدماء علماء الشيعة (رحمهم الله) حول ولادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بعد المبعث.

 

وأما أقوال علماء العامة:

1 - معرفة الصحابي لأبي نعيم: إن فاطمة كانت أصغر بنات رسول الله سنَّاً، ولدت وقريش تبني الكعبة.

2 - مقاتل الطالبيين لأبي الفرج: كان مولد فاطمة قبل النبوة وقريش حينئذ تبني الكعبة.

3 - ابن الأثير في (المختار من مناقب الأخيار).

4 - الطبري في (ذخائر العقبى).

5 - السيوطي في (الثغور الباسمة).

هذا ولعل الباحث يجد هذا القول في أكثر كتب العامة حول مولد الزهراء.

وقد مرت عليك طائفة من الأحاديث المروية عن كتب العامة حول انعقاد نطفتها من طعام الجنة.

بعد الإطلاع على هذه الأحاديث ولو بصورة موجزة يتضح لنا أنَّ ولادة السيدة الزهراء كانت قبل المبعث. إذ لم يكن قبل المبعث معراج ولا هبوط جبرئيل ولا ميكائيل على النبي بالوحي، وبهذا ينكشف لنا تزوير الأقوال المصرحة بولادتها قبل المبعث بخمس سنين وأن القائلين بذلك لهم غاية تدفعهم، وهدف يدعوهم إلى اختلاق هذا القول، وهو نسف الأحاديث الواردة عن نزول الطعام من السماء وانعقاد نطفة السيدة فاطمة من أطعمة الجنة وثمارها.

وهدف آخر: وهو أنَّهم يحاولون أن يثبتوا أن فاطمة الزهراء كان مزهوداً فيها، ولا يرغب فيها أحد، ولهذا بلغت من العمر ثمانية عشر سنة (على زعمهم) ولم يخطبها أحد في خلال تلك الفترة.

وسيأتي مزيد من القول حول هذا الموضوع في المستقبل في فصل البحث عن زواجها.

وعلى كلٍّ فقد روى الطبري في (ذخائر العقبى) والصفوري الشافعي في (نزهة المجالس) والقندوزي في (ينابيع المودة) عن خديجة (عليها السلام) قالت: فلما قربت ولادتي أرسلت إلى القوابل من قريش فأبين عليَّ لأجل محمد (صلى الله عليه وآله) فبينما أنا كذلك إذ دخل عليَّ أربع نسوة، عليهن من الجمال والنور ما لا يوصف، فقالت إحداهن: أنا أُمكِ حواء. وقالت الأُخرى: أنا آسية. وقالت الأُخرى: أنا أُم كلثوم (كلثم) أُخت موسى، وقالت الأُخرى: أنا مريم، جئنا لنلي أمرك.

الرواية بصورة أُخرى:

فلما أرادت خديجة أن تضع بعثت إلى نساء قريش ليأْتينها فيلين منها ما تلي النساء ممن تلد، فلم يفعلن، وقلن لا نأْتيك، قد صرت زوجة محمد.

فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة، عليهن من الجمال والنور ما لا يوصف، فقالت لها إحداهن: أنا أُمُّكِ حواء، وقالت الأُخرى: أنا آسية بنت مزاحم، وقالت الأُخرى: أنا كلثم أُخت موسى وقالت الأُخرى: أنا مريم بنت عمران (أُم عيسى). جئنا لنلي من أمرك ما يلي النساء. قال: فولدت فاطمة.

فوقعت حين وقعت على الأرض ساجدة رافعة إصبعها.

وروى هذا الحديث (بصورة مفصلة) المفضل بن عمرو عن الإمام الصادق (عليه السلام) رواه المجلسي في أول الجزء العاشر من البحار.

وروى ابن عساكر في التاريخ الكبير.. وكانت خديجة إذا ولدت ولداً دفعته لمن يرضعه، فلما ولدت فاطمة لم ترضعها أحد غيرها.

ورواه ابن كثير في البداية والنهاية.

 

التّسمِيَة

تعتبر تسمية الطفل المولود أو التسمية (بصورة عامة) من سنن الله تعالى الأولى وقد سمَّى الله تعالى آدم وحوَّاء يوم خلقهما، وعلَّم آدم الأسماء كلها، وقد سار الناس على هذه السنة أو السيرة. فالتسمية لا بدَّ منها عند البشر المتحضّر، ولعل البشر المتوحش في الغابات بسبب ابتعادهم عن الحضارة لا يعرفون التسمية ولا يسمُّون.

وتختلف أسماء البشر على مرِّ الأجيال والعصور، وعلى اختلاف لغاتها فقد توجد هناك مناسبة بين الاسم والمسمَّى، وقد لا توجد، وقد يكون للإسلام معنى في قاموس اللغة وقد لا يكون له معنى، بل هو اسم مخترع لا من مادة لغوية.

أما أولياء الله فإنَّ التسمية تعتبر عندهم ذات أهمية كبرى، ولا يخلو الأمر عن الحقيقة، أنَّ الإنسان ينادى ويدعى باسمه، فكم هناك فرق بين الاسم الحسن الجيِّد، وبين القبيح السيئ؟

وكم فرق بين تأثير نفس صاحب الاسم بهذا وذاك؟ وهكذا تأثر السامع للاسم؟ فهذه امرأة عمران ولدت بنتاً فقالت: (وإني سميتها مريم).

واختار الله لنبيه يحيى (عليه السلام) هذا الاسم قبل أن تنعقد نطفته في رحم أُمِّه، لأنَّ زكريا سأل ربه قال: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً)[56] وأنت إذا أمعنت النظر في قوله تعالى: (لم نجعل له من قبل سمياً) يتضح لك أنَّ تعيين أسماء أولياء الله يكون من عنده عز وجل، وأنَّ الله يتولى تسميتهم ولم يكلها إلى الأبويْن.

إذا عرفت هذا فهلمَّ معي إلى طائفة كبيرة من الأحاديث التي تذكر اسم السيدة فاطمة الزهراء ووجه التسمية، وأنها إنما سميت بفاطمة لأسباب ومناسبات، وليست هذه التسمية ارتجالية، ولا وليدة إعجاب واستحسان فقط، بل روعي فيها مناسبة الاسم مع المسمى، بل صدق الاسم على المسمَّى، وبهذه الأحاديث يتضح ما نقول.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): لفاطمة تسعة أسماء عند الله عز وجل: فاطمة والصدِّيقة والمباركة، والطاهرة، والزكية، والراضية والمرضية، والمحدَّثة، والزهراء.. إلخ[57].

 

فَاطمَة (عليها السلام)

1 - في العاشر من البحار عن الغمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما ولدت فاطمة (عليها السلام) أوحى الله عز وجل إلى ملك فأنطق به لسان محمد (صلى الله عليه وآله) فَسمَّاها فاطمة ثم قال: إني فطمتك بالعلم. وفطمتك عن الطمث ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث بالميثاق[58].

2 - عن الإمامين: الرضا والجواد (عليهما السلام) قالا: سمعنا المأْمون يحدث عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جدِّه قال ابن عباس - لمعاوية - : أتدري لِمَ سُمِّيت فاطمة؟ قال: لا: قال: لأنها فطمت هي وشيعتها من النار سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقوله.

3 - عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا فاطمة أتدرين لِمَ سُمِّيتِ فاطمة؟ قال علي (عليه السلام): لم سُميت؟ قال: لأنها فُطمت هي وشيعتها من النار.

4 - قال الإمام الصادق (عليه السلام): أتدرون أيُّ شيء تفسير فاطمة؟ قلت: أخبرني يا سيدي قال: فُطمت من الشر. ثم قال: لولا أن أمير المؤمنين تزوَّجها لما كان لها كفء إلى يوم القيامة على وجه الأرض، آدم فمن دونه.

وقد روي هذا الحديث من علماء العامة جماعة. منهم:

ابن شيرويه الديلمي عن أُم سلمة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لم يخلق الله علياً لما كان لفاطمة كفء.

ورواه الخوارزمي في مقتل الحسين ص65.

والترمذي في المناقب. والمناوي في كنوز الحقائق.

والقندوزي في ينابيع المودة عن أُم سلمة وعن العباس عمّ النبي (صلى الله عليه وآله).

5 - وروى الخرگوشي في كتاب (شرف النبي) وابن بطة في كتاب (الإبانة) عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): هل تدري لِمَ سُمِّيت فاطمة؟ قال علي: لِم سُمِّيت؟ قال: لأنَّها فُطمت هي وشيعتها من النار.

6 - عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: سمعت رسول الله يقول: سُمِّيت فاطمة لأن الله فطمها وذريتها من النار، من لقي الله منهم بالتوحيد والإيمان بما جئتُ به[59].

وقد روى الأحاديث جمع غفير من علماء العامة. منهم:

1 - الخوارزمي في مقتل الحسين ص51 عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما سُمِّيت ابنتي فاطمة لأنَّ الله عز وجل فطمها وفطم من أحبَّها من النار.

2 - الطبري في (ذخائر العقبى) والقندوزي في (ينابيع المودة) والصفوري في (نزهة المجالس) عن علي رضي الله عنه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا فاطمة أتدرين لم سُمِّيت فاطمة؟ قال علي: يا رسول الله لِم سُمِّيت فاطمة؟ قال: إنَّ الله عز وجل قد فطمها وذريَّتها من النار يوم القيامة.

ورواه القندوزي في (ينابيع المودة) ص194.

وكان هذا الاسم محبوباً عند أهل البيت (عليهم السلام) يحترمونه ويحترمون من سُمِّيت به، وسأل الإمام الصادق (عليه السلام) أحد أصحابه - وقد رزقه الله بنتاً - بِم سمَّيتها قال الرجل: سميتها فاطمة. قال الإمام الصادق: فاطمة؟ سلام الله على فاطمة أما إن سميتها فاطمة فلا تلطمها ولا تشتمها وأكرمها.

وفي الوسائل ج7 عن السكوني قال: دخلت على أبي عبد الله - الصادق - (عليه السلام) وأنا مغموم مكروب قال لي: يا سكوني ما غمك؟ فقلت: ولدت لي ابنة.. فقال: ما سمَّيتها قلت: فاطمة قال: آه آه آه ثم قال: أما إذا سميتها فاطمة فلا تسبها ولا تلعنها ولا تضربها.

وفي سفينة البحار عن أبي الحسن (الكاظم) قال: لا يدخل الفقر بيتاً فيه اسم محمد.. وفاطمة من النساء.

إن الحديث الأول الذي مرّ في تسميتها (عليها السلام) بفاطمة، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قد ذيّله الإمام بقوله: (والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث بالميثاق).

إن المقصود من كلمة (الميثاق) هنا هو عالم الذر، ذلك العالم الذي أشار إليه قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى)[60] وملخص القول: إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه كهيئة الذر، فعرضهم على آدم وقال: إني آخذ على ذريتك ميثاقهم أن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئاً وعليَّ أرزاقهم، ثم قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا فقال للملائكة: اشهدوا فقالوا: شهدنا. وقيل إن الله تعالى جعلهم فهماء عقلاء يسمعون خطابه ويفهمونه ثم ردَّهم إلى صلب آدم، والناس محبوسون بأجمعهم حتى يخرج كل من أخرجه الله في ذلك الوقت، وكل من ثبت على الإسلام فهو على الفطرة الأُولى، ومن كفر وجحد فقد تغيَّر عن الفطرة الأُولى.

وهذا القول مستخلص من طائفة كبيرة من الأحاديث والأخبار المعتبرة وهذا العالم يسمَّى عالم الذر ويسمى عالم الميثاق، والإمام الباقر (عليه السلام) يشير في كلامه إلى أن الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء كانت طاهرة من العادة الشهرية من ذلك العالم ومن ذلك الوقت.

وأما الأحاديث التي تتحدث عن عالم الذر فكثيرة جداً، ونكتفي هنا بذكر بعضها: في تفسير البرهان عن الإمام أبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام) قال: سُئل رسول الله (صلى الله عليه وآله): بأي شيء سبقت ولد آدم؟ قال: إنني أول من أقرَّ بربي، إن الله أخذ ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى. فكنت أول من أجاب.

عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): كيف أجابوا وهم ذر؟ قال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه؛ وزاد العياشي: يعني في الميثاق.

وعن زرارة أنه سئل من الإمام الباقر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) قال: من ظَهرِ آدم ذريتَه إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر، فعرَّفهم وأراهم صنعه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه.

ولما حج عمر بن الخطاب واستلم الحجر قال: أما والله إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أن رسول الله استلمك ما استلمتك فقال له علي: يا أبا حفص لا تفعل فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستلم إلاَّ لأمر قد علمه ولو قرأت القرآن فعلمت من تأْويله ما علم غيرك لعلمت أنه يضر وينفع، له عينان وشفتان ولسان ذلق يشهد لمن وافاه بالموافاة، فقال له عمر: فأوجدني ذلك في كتاب الله يا أبا الحسن فقال علي (عليه السلام): قوله تبارك وتعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا)، فلما أقروا بالطاعة أنه الرب وأنهم العباد أخذ عليهم الميثاق بالحج إلى بيته الحرام، ثم خلق الله رقا أرقَّ من الماء وقال للقلم: أُكتب موافاة خلقي ببيتي الحرام. فكتب القلم موافاة بني آدم في الرق ثم قيل للحجر: افتح فاك. ففتحه فألقم الرق. ثم قال للحجر: احفظه واشهد لعبادي بالموافاة. فهبط الحجر مطيعاً لله.

يا عمر أو ليس إذا استلمت الحجر قلت: أمانتي أدَّيتها، وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة؟ فقال عمر: اللهم نعم. فقال له علي: من ذاك.

وإنك تجد طائفة كبيرة من الأحاديث التي تتضمن البحث عن عالم الذر في كتاب الكافي للكليني والبحار للمجلسي وغيرها من موسوعات الأحاديث.

وقد التبس الأمر على بعض علمائنا. فلم يفهموا الآية فجعلوا يشككون في تلك الأحاديث (سامحهم الله) بالرغم من كثرتها بل بالرغم من صريح الآية.

وخلاصة الكلام أن عالم الذر هو عالم الميثاق، ومن ذلك العالم بل وقبل ذلك كانت الأفضلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين، ومن جملتهم ابن الطاهرة فاطمة الزهراء.

ولا يصعب عليك قبول هذا القول، فإن هناك أحاديث كثيرة رواها علماء الفريقين من الشيعة والسنة قد بلغت أو تجاوزت حدَّ التواتر وهي تؤيِّد هذا الموضوع أما الأحاديث المذكورة في كتب الشيعة فيعسر إحصاؤها وعدُّها، وأما في كتب السنة فقد روى الصفوري الشافعي في (نزهة المجالس ج2 ص223) قال: قال الكسائي وغيره: لما خلق الله آدم.. إلى أن قال: وعليه جارية لها نور وشعاع، وعلى رأْسها تاج من الذهب، مرصَّع بالجواهر لم ير آدم أحسن منها. فقال: يا رب من هذه؟ قال: فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رب من يكون بعلها؟ قال: يا جبرئيل افتح له باب قصر من الياقوت. ففتح له، فرأى فيه قبَّةً من الكافور، فيها سرير من ذهب، عليه شاب حسنه كحسن يوسف فقال: هذا بعلها علي بن أبي طالب.. الحديث.

وروى العسقلاني في (لسان الميزان ج3 ص346):

عن الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن جابر بن عبد الله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما خلق الله آدم وحوَّاء تبخترا في الجنة وقالا: من أحسن منَّا؟ فبينما هما كذلك. إذ هما بصورة جارية لم ير مثلها، لها نور شعشعاني يكاد يطفئ الأبصار. قالا: يا رب ما هذه؟ قال: صورة فاطمة سيدة نساء ولدك قال: ما هذا التاج على رأسها قال: علي بعلها. قال فما القرطان قال: ابناها، وجد ذلك في غامض علمي قبل أن أخلقك بألفي عام.

 

الصِّدِّيقة

لقد مرَّ عليك أن من جملة أسمائها (عليها السلام) الصدِّيقة، بكسر الصاد والدال المشدّدة (صيغة المبالغة) في التصديق أي الكثيرة الصدق.

والصِدِّيق أبلغ من الصدوق، وقيل: الصدِّيق: من كثر منه الصدق. وقيل: بل مَن لم يكذب قط. وقيل: الكامل في الصدق، الذي يصدِّق قوله بالعمل، البار، الدائم التصديق وقيل: مَن لم يتأت منه الكذب لتعوِّده الصدق. وقيل: مَن صدق بقوله واعتقاده، وحقق صدقه بفعله. كذا في تاج العروس.

وقيل: المداوم على التصديق بما يوجبه الحق، وقيل: الذي عادته الصدق. وقيل: إنه المصدِّق بكل ما أمر الله به وبأنبيائه، لا يدخله في ذلك شك، ويؤيده قوله تعالى: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدِّيقون). سورة الحديد، الآية: 19.

هذه تعاريف في معنى الصدِّيق، ولكن المستفاد من الآيات الكثيرة والروايات المتعددة أن مرتبة الصدِّيقين في عداد مراتب الأنبياء والشهداء لهم حساب خاص بهم ودرجة مخصوصة بهم. استمع إلى هذه الآيات ليظهر لك ما قلنا:

 (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) سورة النساء، الآية: 69.

(واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صدِّيقاً نبياً) سورة مريم، الآية: 39.

(واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدِّيقاً نبياً) سورة مريم، الآية: 56.

(وما المسيح ابن مريم إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدِّيقة) سورة المائدة، الآية: 75.

وفي تفسير قوله تعالى: (وأُمَّه صدِّيقة) قيل: سُميَّت صدِّيقة لأنها تُصدِّق بآيات ربها، ومنزلة ولدها وتصدِّقه فيما أخبرها به، بدلالة قوله تعالى: (وصدَّقت بكلمات ربها) وقيل: لكثرة صدقها، وعظم منزلتها فيما تصدق به من أمرها.

بعد استعراض هذه الآيات والأقوال يمكن لنا أن نستفيد أن التصديق بالله وبالأنبياء والكتب السماوية والأحكام الشرعية تارة يكون باللسان دون العمل.

ففي الوقت الذي يصدّق الإنسان بأن الله تعالى يراه مع ذلك يعصي الله عز وجل ويعلم بأن الله تعالى قد أوجب عليه حقوقاً مالية أو غير مالية مع ذلك لا يؤدي تلك الحقوق ويعلم بأن الله حرَّم الخمر والربا والزنا ومع ذلك لا يرتدع عن تلك المعاصي فهو مصدّق بالله وبالحلال والحرام، والثواب والعقاب، والجنة والنار، ولكن عمله لا يطابق هذا التصديق، أي لم يبلغ به التصديق درجة المطابقة بين القول والفعل أو بين الاعتقاد والعمل.

ولكنّ الصدِّيقين هم الذين يعتقدون الحق ويؤمنون به، ويعملون على ضوء تلك المعتقدات، وهؤلاء عددهم قليل ونادر في كل زمان وفي كل مكان.

وأنت إذا قارنت بين هذه التعاريف وبين أعمال الناس يظهر لك بكل وضوح أن عدد الصدِّيقين قليل جداً جداً، ولعل في بعض البلاد لا يوجد صدّيق واحد.

وبعد هذا كله سوف يسهل عليك أن تعرف أن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد بلغت مرتبة الصدِّيقين، وسمَّاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالصدِّيقة. كما في (الرياض النضرة ج2 ص202) وفي (شرف النبوة) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال لعلي: أُتيتَ ثلاثاً لم يؤتَهن أحد ولا أنا:

أُتيتَ صهراً مثلي ولم أُوت أنا مثلي.

وأُتيتَ زوجة صدِّيقة مثل ابنتي ولم أُوت أنا مثلها زوجة.

وأُوتيتَ الحسن والحسين من صلبك ولم أُوتَ من صلبي مثلهما.

ولكنكم مني وأنا منكم.

وسأل المفضل بن عمرو عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قلت: من غسَّل فاطمة؟ قال: ذاك أمير المؤمنين فكأنني استعظمت ذلك من قوله، فقال كأنك ضقتَ بما أخبرتك به؟ فقلت: قد كان ذلك جعلت فداك!

قال: لا تضيقنَّ، فإنها صدِّيقة، ولم يغسِّلها إلا صدِّيق، أما علمت أن مريم لم يغسِّلها إلا عيسى.

 

المُبَارَكَة

البركة: النماء والسعادة والزيادة كما في (تاج العروس) وقال الراغب: ولما كان الخير الإِلهي يصدر من حيث لا يحبس، وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل - لكل ما يشاهَد منه زيادة محسوسة - : هو مبارك فيه، وفيه بركة.

ولقد بارك الله في السيدة فاطمة أنواعاً من البركات وجعل ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نسلها، وجعل الخير الكثير في ذريَّتها، فإنها ماتت وتركت ولدين وابنتين فقط، وهم: الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) وزينب وأُم كلثوم، وجاءت واقعة كربلاء، وقتل فيها أولاد الحسين ولم يبق من أولاده إلاَّ علي بن الحسين (زين العابدين).

وقُتل من أولاد الإمام الحسن سبعة (على قول) واثنان من ولد زينب، وأما أُم كلثوم فإنها لم تعقب.

وبعد واقعة كربلاء تكررت الحوادث، وأُقيمت المذابح والمجازر في نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذرية فاطمة الزهراء من واقعة الحرَّة، إلى واقعة زيد بن علي بن الحسين إلى واقعة الفخ إلى مطاردة العلويين في عهد الأُمويين.

وجاء دَور بني العباس، فضربوا الرقم القياسي في مكافحة العلويين وإبادتهم واستئصال شأْفتهم، راجع كتاب (مقاتل الطالبيين) تجد بعض تلك الحوادث.

واستمرت المكافحة أكثر من قرنين حتى قُتل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وهو الإمام الحادي عشر مسموماً في مدينة سامراء، ولم يكن صلاح الدين الأيوبي بأقل من العباسيين في إراقة دماء آل رسول الله ودماء شيعتهم، فلقد أقاموا في المغرب العربي مجازر ومذابح جماعية تقشعر منها الجلود.

ومع ذلك كله فقد جعل الله البركة في نسل فاطمة الزهراء، وقد جعل الله منها الخير الكثير.

وفي تفسير قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) أقوال للمفسرين، وإن كان المشهور أن الكوثر هو الحوض المعروف في القيامة، أو النهر المشهور في الجنة ولكن الكوثر على وزن فوعل - هو الشيء الكثير والخير الكثير.

وقد ذكر السيوطي في (الدر المنثور) في تفسير شرح الكوثر: وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم عن طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير فإنّ ناساً يزعمون أنَّه نهر في الجنة. قال: النهر الذي في الجنة هو من الخير الكثير الذي أعطاه.

والأنسب بالمقام. وبمقتضى الحال - كما في التفسير للرازي - أن يكون المقصود من الكوثر هي الصدّيقة فاطمة الزهراء، فقد ذكر الطبرسي في (مجمع البيان) في تفسير سورة الكوثر: قال: قيل: الكوثر هو الخير الكثير، وقيل: هو كثرة النسل والذرية، وقد ظهرت الكثرة في نسله - رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - من وُلد فاطمة حتى لا يحصى عددهم، واتصل إلى يوم القيامة مددهم.

وقال الفخر الرازي في تفسيره حول الآية:

(والقول الثالث): الكوثر أولاده، قالوا: لأن هذه السورة إنما نزلت ردَّاً علة من عابه (عليه السلام) بعدم الأولاد، فالمعنى أنه يعطيه نسلاً يبقون على مرِّ الزمان فانظر كم قُتل من أهل البيت؟ ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أُمية في الدنيا أحد يُعبأُ به، ثم انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) والنفس الزكية وأمثالهم.

ووجه المناسبة: أن الكافر شمت بالنبي حين مات أحد أولاده وقال: إن محمداً أبتر، فإن مات، مات ذكره. فأنزل الله هذه السورة على نبيه تسلية له كأنه تعالى يقول: إن كان ابنك قد مات فإنا أعطيناك فاطمة، وهي وإن كانت واحدة وقليلة، ولكن الله سيجعل هذا الواحد كثيراً.

وتصديقاً لهذا الكلام ترى في العالم (اليوم) ذرية فاطمة الزهراء الذين هم ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) منتشرين في بقاع العالم، ففي العراق حوالي مليون وفي إيران حوالي ثلاثة ملايين، وفي مصر خمسة ملايين وفي الجزائر وفي تونس وليبيا عدد كثير، وكذلك في الأردن وسوريا ولبنان، والسودان وبلاد الخليج والسعودية ملايين، وفي اليمن والهند وباكستان والأفغان وجزر إندونيسيا حوالي عشرين مليوناً.

وقلَّ أن تجد في البلاد الإسلامية بلدة ليس فيها أحد من نسل السيدة فاطمة الزهراء. ويقدَّر مجموعهم بخمسة وثلاثين مليوناً، ولو أجريت إحصائيات دقيقة وصحيحة فلعل العدد يتجاوز هذا المقدار.

هؤلاء ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم من صلب علي وفاطمة وفيهم الملوك والأمراء والوزراء والعلماء والكتَّاب والشخصيات البارزة والعباقرة المرموقة.

ومنهم مَن يعتزُّ بهذا الانتساب ويفتخر به، ومنهم مَن يهمله ولا يبالي به، ومنهم مَن يسير على طريقة أهل البيت، ومنهم مَن يسير على خلاف مذهب أهل البيت.

وقد سمعت أنَّ بعض العلويين في إندونيسيا خوارج ونواصب!!

ومن أعجب العجب أن بعض المسلمين ما كان يعجبهم أن يعترفوا بهذا الانتساب أي انتساب ذرية علي وفاطمة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل يعتبرون هذا الاعتراف كذباً وافتراءً، ويحاربون هذه الفكرة محاربة شعواء لا هوادة فيها، وكانوا يسفكون الدماء البريئة لأجل هذه الحقيقة.

انظر إلى موقف الحَجاج السفَّاك الهتَّاك تجاه هذا الأمر، وهكذا المنصور الدوانيقي، وهارون الرشيد وغيرهم ممن حذا حذوهم وسلك طريقتهم.

وفي العاشر من البحار: عن عامر الشعبي أنه قال: بعث إليَّ الحجاج ذات ليلة فخشيت فقمت فتوضأْت وأوصيت، ثم دخلت عليه، فنظرت فإذا نطع منشور والسيف مسلول، فسلَّمت عليه فردَّ عليَّ السلام فقال: لا تخف فقد أمنتك الليلة وغداُ إلى الظهر، وأجلسني عنده ثم أشار فأُتي برجل مقيَّد بالكبول والأغلال، فوضعوه بين يديه فقال: إن هذا الشيخ يقول: إنَّ الحسن والحسين كانان ابني رسول الله، ليأْتيني بحجة من القرآن وإلاَّ لأضربنَّ عنقه.

فقلت: يجب أن تحلَّ قيده، فإنَّه إذا احتج فإنَّه لا محالة يذهب وإن لم يحتج فإنَّ السيف لا يقطع هذا الحديد.

فحلّوا قيوده وكبوله، فنظرت فإذا هو سعيد بن جبير، فحزنت بذلك، وقلت: كيف يجد حُجَّةً على ذلك من القرآن؟ فقال الحجاج: ائتني بحجة من القرآن على ما ادعيت وإلاَّ أضرب عنقك.

فقال له: انتظر. فسكت ساعة ثم قال له مثل ذلك. فقال: انتظر. فسكت ساعة ثم قال له مثل ذلك فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ثم قال: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب .. إلى قوله: وكذلك نجزي المحسنين) ثم سكت وقال للحجاج: اقرأْ ما بعده. فقرأ: (وزكريا ويحيى وعيسى) فقال سعيد: كيف يليق هاهنا عيسى؟ قال: إنَّه كان من ذريته قال: إن كان عيسى من ذرية إبراهيم ولم يكن له أب بل كان ابن ابنته فنُسب إليه مع بُعده فالحسن والحسين أولى أن يُنسب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع قربهما منه.

فأمر له بعشرة آلاف دينار، وأمر أن يحملوه إلى داره وأذن له في الرجوع قال الشعبي: فلما أصبحت قلت في نفسي: قد وجب عليَّ أن آتي هذا الشيخ فأتعلَّم منه معاني القرآن، لأني كنت أظن أني أعرفها، فإذا أنا لا أعرفها. فأتيته فإذا هو في المسجد، وتلك الدنانير بين يديه، يفرِّقها عشراً عشراً، ويتصدق بها ثم قال: هذا كله ببركة الحسن والحسين (عليهما السلام) لئن أغممنا واحداً لقد أفرحنا ألفاً وأرضينا الله ورسوله (صلى الله عليه وآله).

أقول: الآيات التي استدل بها سعيد بن جبير (رضوان الله عليه) هي: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) سورة الأنعام؛ الآية: 85.

وهاك حديثاً آخر يكشف لك مدى العناد واللجاج والإلحاح على نفي هذه الفضيلة وتزييفها من الجانب المناوئ.

روى شيخنا المجلسي في البحار عن الاحتجاج وتفسير علي بن إبراهيم عن أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال لي أبو جعفر: يا أبا الجارود ما يقولون في الحسن والحسين (عليهما السلام)؟ قلت: ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فبأي شيء احتججتم عليهم؟

قلت: يقول الله عز وجل في عيسى ابن مريم: (ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله وكذلك نجزي المحسنين) وجعل عيسى من ذرية إبراهيم.

قال: فأي شيء قالوا لكم؟

قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الوالد ولا يكون من الصلب.

قال: فبأي شيء احتججتم عليهم؟

قال: قلت: احتججنا عليهم بقول الله تعالى: (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم).

قال: فأي شيء قالوا لكم؟

قلت: قالوا: قد يكون في كلام العرب ابني رجل واحد فيقول: أبناءنا. وإنما هما ابن واحد.

قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): والله يا أبا الجارود لأعطينَّكها من كتاب الله آية تسمّى لصلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يردّها إلاَّ كافر.

قال: قلت: جعلت فداك وأين؟

قال: حيث قال الله: (حرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى أن تنتهي إلى قوله: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) فسلهم يا أبا الجارود هل حلَّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) نكاح حليلتيهما؟ (أي زوجة الحسن والحسين).

فإن قالوا: نعم، فكذبوا والله وفجروا، وإن قالوا: لا. فهما والله ابناه لصلبه، وما حرمتا عليه إلاّ للصلب.

ولقد جرى حوار بين هارون الرشيد والإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) ذكره شيخنا المجلسي في البحار نقلاً عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) أن هارون الرشيد قال للإمام موسى بن جعفر (عليه السلام):

لِمَ جوَّزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون لكم يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي، وإنما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء والنبي (صلى الله عليه وآله) جدّكم من قِبَل أُمِّكم؟؟

فقال الإمام: لو أنّ النبي نُشر (أي بعث حياً) فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟

قال الرشيد: سبحان الله! ولِمَ لا أُجيبهُ؟ بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.

فقال الإمام: ولكنه (صلى الله عليه وآله) لا يخطب إليَّ ولا أزوِّجه.

قال الرشيد: ولِمَ؟

قال الإمام: لأني ولدني ولم يلدك.

قال الرشيد: أحسنت يا موسى.

ثم قال الرشيد: كيف قلتم إنا ذرية النبي، والنبي (صلى الله عليه وآله) لم يعقّب؟ وإنما العقب للذكر، لا للأنثى، وأنتم ولد الابنة، ولا يكون لها عقب؟

فاعتذر الإمام عن الإجابة على هذا السؤال المحرج وطلب من الرشيد إعفاءه عن الجواب رعاية للتقية. فقال الرشيد: لا، أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم، كذا أنهي إلي ولست أَعفيك في كل ما أسألك حتى تأْتيني فيه بحجة من كتاب الله، فأنتم تدَّعون - معشر وُلد علي - أنَّه لا يسقط عنكم منه شيء ألِفٌ ولا واو إلاَّ وتأْويله عندكم، واحتججتم بقوله عز وجل: (ما فرَّطنا في الكتاب من شيء) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم.

فقال الإمام: تأذن لي في الجواب؟

قال الرشيد: هات.

قال الإمام: أعود بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى)، مَن أبو عيسى؟

قال الرشيد: ليس لعيسى أب.

قال الإمام: إنما ألحقناه بذراري الأنبياء (عليهم السلام) من طريق مريم (عليها السلام) وكذلك أُلحقنا بذراري النبي (صلى الله عليه وآله) من قَبِل أمِّنا فاطمة (عليها السلام).. إلى آخر الحديث.

هذه هي الآيات التي استدل بها الأئمة (عليهم السلام) حول انتسابهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن طريق السيدة فاطمة الزهراء، وأما الأحاديث التي تصرّح بهذا المعنى فكثيرة جداً، ونكتفي هنا بما يلي:

1 - الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ج1ص316).

عن ابن عباس قال: كنت أنا وأبي: العباس بن عبد المطلب جالسين عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ دخل علي بن أبي طالب فسلّم، فردّ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبشّ به، فقال العباس: يا رسول الله أتحبّ هذا؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا عمَّ رسول الله! واللهِ اللهُ أشدُّ حُبَّاً له مني، إنَّ الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وجعل ذريتي في صلب هذا.

ورواه الخوارزمي في (المناقب ص229).

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إنَّ الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب علي.

ورواه محب الدين الطبري في (ذخائر العقبى).

والحمويني في (فرائد السمطين).

والذهبي في (ميزان الاعتدال).

وابن حجر في (الصواعق المحرقة ص74).

والمتقي الهندي في (منتخب كنز العمال).

والزرقاني في (شرح المواهب اللدنية).

والقندوزي في (ينابيع المودة ص183).

وذكر النسائي في كتاب (خصائص أمير المؤمنين) عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما أنت يا علي فختني وأبو ولدي وأنت مني وأنا منك.

وروى أيضاً عن أسامة قال: طرقت باب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة لبعض الحاجة، فخرج وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو؟ فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه فإذا هو الحسن والحسين على وركيه، فقال: هذان ابناي، وابنا بنتي، اللهم إنك تعلم أني أحبُّهما فأحبهما.

والأحاديث التي تصرح بأن الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا ابني رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيرة جداً، وجاء بعض الجهلاء يتفلسف ليُنكر أبوّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولديه: الحسن والحسين (عليهما السلام) مستدلاً بقوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم). فيزعم الجاهل أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس بأب أحد، مع العلم أن الآية نزلت حول نفي نسب زيد الذي تبنَّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم زوَّجه زينب بنت جحش ثمّ طلّقها زيد وتزوجها النبي (فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً)[61] ففي هذا بيان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس بأب لزيد حتى تحرم عليه زوجته، فإن تحريم زوجة الابن معلق بثبوت النسب، فمن لا نسب له لا حرمة لامرأته، ولهذا أشار إليهم فقال: (من رجالكم) وقد ولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أولاد ذكور إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر، فكان (صلى الله عليه وآله) أباهم، وقد صح وثبت أنه (صلى الله عليه وآله) قال للحسن (عليه السلام): إن ابني هذا سيد. وقال أيضاً: إن كل بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلاَّ أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم.

وقيل: أراد بقوله: (من رجالكم) البالغين من رجال ذلك الوقت ولم يكن أحد من أبنائه رجلاً في ذلك الوقت.

وختاماً لهذا الفصل: كل ما تقوله في أبوَّة رسول الله لأولاده الذكور فهو الثابت في أبوَّة رسول الله لولديه الحسن والحسين، والكلام هناك نفس الكلام هنا.

 

الطّاهِرَة

لقد مرّ عليك أن من جملة أسمائها (عليها السلام) هي الطاهرة، وأحسن ما نبحث فيه حول هذا الموضوع هي آية التطهير، وهي قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً). إن هذه الآية الكريمة تعتبر في طليعة الآيات ذات الأهمية الكبرى، وذلك لعظم معناها ومغزاها، لأنها منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على أمور عظيمة وقد كثرت الأقوال، وجالت الأقلام حول هذه الآية.

ولعل من الصحيح أن نقول: إن آية التطهير معترك الآراء المتضاربة والأقوال المختلفة، وخاصة حول كلمة: (أهل البيت) والمقصود منهم، ومدى شمول هذه الكلمة.

والأمر الذي لا شك فيه أن آية التطهير تشمل الصدِّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قطعاً، وبإجماع المفسرين والمحدِّثين من الشيعة والسنَّة، إلاَّ من شدَّ وندر.

إذ أن جميع الأحاديث الواردة حول نزول هذه الآية متفقة على شمولها لعليٍ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) بالقدر المتيقن.

وإن كان هناك قول يشعر بشمولها لزوجات النبي (صلى الله عليه وآله) اعتماداً على ظاهر لفظ (أهل البيت) أو سياق الآية التي سبقتها ولحقتها خطابات لزوجات النبي، فإن جميع الأحاديث تصرّح بأن النبي لم يسمح حتى لزوجته السيدة أم سلمة أن تدخل تحت الكساء قبل نزول آية التطهير.

وقد ذكرنا الشيء اليسير - مما يتعلق بالآية - في كتاب (علي من المهد إلى اللحد) ونذكر هنا بعض الأحاديث ومصادرها من كتب علماء السُّنة، رعاية لأسلوب الكتاب وتتميماً للفائدة، وينبغي أن نعلم أن الذين رووا نزول أية التطهير في حق علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) يعسر إحصاؤهم، ولعلهم يتجاوزون المئات.

ولو أردنا استعراض أقوال المفسرين والمحدثين حول الآية لطال بنا الكلام، وخرج الكتاب عن أسلوبه، ولكننا نذكر هنا عشرين مصدراً من مشاهير مؤلفات علماء العامة وحفّاظهم ومفسريهم ومحدّثيهم، وفي ذلك كفاية لكل منصف:

1 - الخطيب البغدادي في تاريخه (ج10) بإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) في قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً وفاطمة والحسن والحسين، ثم أدار عليهم الكساء فقال: هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأم سلمة على الباب فقالت: يا رسول الله ألست منهم؟ فقال: إنك لعلى خير أو: إلى خير.

2 - الزمخشري في تفسيره (الكشاف ج1 ص193).

روى عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج وعليه مرط مرجَّل من شعر أسود موشى منقوش، فجاء الحسن بن علي فأدخله. ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءَت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).

3 - الإمام الرازي في تفسيره (ج2 ص700 طبع الأستانة).

روى أنه (عليه السلام) لما خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: إنما يريد الله..الخ.

4 - ابن الأثير الجزري في كتابه: (أسد الغابة في معرفة الصحابة ج2 ص12): عن عمر بن أبي سلمة (ربيب النبي (صلى الله عليه وآله)) قال: لما نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله): (إنما يريد الله.. ) في بيت أم سلمة فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) فاطمة وحسناً وحسيناً فجللّهم بكساءٍ وعليّ خلف ظهره ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: أنتِ على مكانك، أنت في خير.

5 - سبط ابن الجوزي في (تذكرة الأئمة ص244) عن واثلة بن الأسقع قال: أتيت فاطمة (عليها السلام) أسألها عن علي فقالت: توجَّهَ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). فجلست أنتظره فإذا برسول الله قد أقبل ومعه علي والحسن والحسين، قد أخذ بيد كل واحدٍ منهم حتى دخل الحجرة فأجلس الحسن على فخذه اليمنى، والحسين على فخذه اليسرى، وأجلس علياً وفاطمة بين يديه ثم لفَّ عليهم كساه أو ثوبه ثم قرأ: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت..) ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي حقاً.

6 - الإمام الواحدي في كتابه: (أسباب النزول) بسنده إلى أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) ذكرت أن رسول الله كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة فدخلت بها عليه فقال لها: ادعي لي زوجك وابنيك، قال: فجاء علي الحسن والحسين فدخلوا، فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة، وهو على دكان[62]. وتحته كساء خيبري قالت: وأنا في الحجرة أصلّي، فأنزل الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)؛ قال: فأخذ فضلَ الكساء فغشّاهم به، ثم أخرج يديه فأَلوى بهما إلى السماء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: أنا معكم يا رسول الله؟ قال: آئل إلى خير، آئل إلى خير.

ونقل الترمذي في صحيحه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من وقت نزول هذه الآية إلى قريب ستة أشهر إذا خرج إلى الصلاة يمر بباب فاطمة يقول: الصلاة أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس.. الخ.

7 - ابن الصباغ المالكي في كتابه: (الفصول المهمة ص7) يروي عن الواحدي قريباً من الحديث الذي مرّ، وذيّله بقوله: وقال بعضهم في ذلك شعراً:

إن النبي ووصيّه وابنيه***وابنته البتول الطاهرة

أهل العباء فإنني بولائهم***أرجو السلامة والنجاة في الآخرة

8 - أبو بكر السيوطي في كتابه: (الدر المنثور ج5 ص198) و(الخصائص الكبرى ج2 ص 264) و(الإتقان ج2 ص200) روى هذا الحديث بطرق كثيرة، متعددة الأسانيد تنتهي أسانيدها إلى كل من أم سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم وابن عباس، والضحاك بن مزاحم، وأبي الحمراء وعمر بن أبي سلمة وغيرهم:

إن النبي (صلى الله عليه وآله) دعا فاطمة وعلياً وحسناً وحسيناً. لمّا نزلت: إنما يريد الله، فجلّلهم بكساء وقال: والله هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

9 - الطبري في (ذخائر العقبى ص21): روى عن عمر بن أبي سلمة نزول الآية في الخمسة الطيبة، وروى عن أم سلمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذ ثوباً وجلّله فاطمة وعلي والحسن والحسين وهو معهم، وقرأ هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً). قالت: فجئت أدخل معهم فقال: مكانك إنك على خير.

وعنها أيضاً: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة: ائتي بزوجك وابنيك. فجاءت بهم وأَكفأ عليهم كساء فدكياً، ثم وضع يده عليهم، ثم قال: اللهم هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد إنك حميد مجيد. قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إنك على خير.

10 - محمد بن أحمد القرطبي في كتابه: (الجامع لأحكام القرآن ج14 ص182) روى نزول الآية في حق أهل البيت (عليهم السلام).

11 - ابن العربي في كتابه: (أحكام القرآن ج2 ص166).

12 - ابن عبد البر الأندلسي في كتابه: (الاستيعاب ج2 ص460).

13 - البيهقي في كتابه: (السنن الكبرى ج2 ص149).

14 - الحاكم النيسابوري في كتابه: (المستدرك على الصحيحين ج2 ص416) روى عن أم سلمة قريباً ممّا تقدَّم.. إلى أن قالت: فقال (صلى الله عليه وآله): اللهم هؤلاء أهل بيتي قالت أم سلمة: يا رسول الله ما أنا من أهل البيت؟ قال: إنك أهلي إلى خير، وهؤلاء أهل بيتي.. الخ.

15 - الإمام أحمد بن حنبل في (مسند ج1 ص 331).

16 - النسائي في كتابه: (الخصائص ص4).

17 - محمد بن جرير الطبري في تفسيره (ج22 ص5).

18 - الخوارزمي في: (كتاب المناقب ص35).

19 - الهيثمي في: (مجمع الزوائد 9 ص166).

20 - ابن حجر الهيثمي في (الصواعق المحرقة ص 85).

انتخبنا هذا العدد وهذه العدة من جماعة كثيرة من المفسرين والمحدّثين، ولولا الخوف من الملل لأسهبنا في ذكر المصادر، وفي هذا المقدار تبصرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

لا أراني بحاجة إلى المزيد من التحدّث حول الموضوع بعد شهادة آية التطهير التي يستفاد منها أن الزهراء طاهرة - بجميع معنى الكلمة - وستأتيك الأحاديث الكثيرة حول كونها بتولاً ورعاية لأسلوب الكتاب وبمناسبة اسمها (الطاهرة) نذكر ما تيسّر:

لقد طهرّها الله عن العادة الشهرية، وعن كل دنس ورجس، وعن كل رذيلة، والرجس: كل أمر تستقذره الطباع، ويأمر به الشيطان، ويحق لأجله العذاب، ويشين السمعة وتقترف به الآثام، وتمجّه الفطرة، وتسقط به المروءة.

وذكر ابن العربي في (الفتوحات المكية باب 29) إن (الرجس فيها عبارة عن كل ما يشين الإنسان) وهذا معنى العصمة التي تعتقد به الشيعة في الأنبياء والأئمة والسيدة فاطمة الزهراء، وهي مرتبة عظيمة، ومنزلة سامية خصّ بها بعض عباده.

وليس من لوازم العصمة تبليغ الأحكام، فإن كانت العصمة لازمة للنبي والإمام لقيامهما بأعباء التبليغ فليس معنى ذلك أن غيرهما لا يتصف بالعصمة.

وقد احتج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على عصمة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بآية التطهير، في حوار جرى بينه وبين أبي بكر، نذكر بعضه شاهداً لما نحن فيه:

قال علي (عليه السلام) لأبي بكر: يا أبا بكر أتقرأ كتاب الله؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن قول الله عز وجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً). فيمن نزلت؟ فينا أو في غيرنا؟ قال: بل فيكم. قال: فلو أن شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله بفاحشة ما كنت صانعاً؟ قال: كنت أقيم عليها الحدَّ كما أقيم على نساء المسلمين!! قال: كنت إذن عند الله من الكافرين. قال: ولِم؟ قال لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة الناس عليها.. الخ[63].

ومن لوازم هذه الطهارة عدم التنجس بالموت مع العلم أن كل إنسان مهما بلغ في التقوى والعبادة إذا مات نجس جسمه نجاسة مشدّدة، بحيث يجب الغسل على مَن مسَّ ذلك الميت بعد برده، ولا يطهر الميت إلا بالتغسيل، ولكن المعصومين كانوا مطهرين في حياتهم وبعد موتهم، ففي الوسائل عن الحسن بن عبيد قال: كتبت إلى الصادق (عليه السلام): هل اغتسل أمير المؤمنين حين غسَّل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند موته؟ فأجاب: (النبي طاهر مطهَّر، ولكن فعل أمير المؤمنين وجرت به السُنة).

وسيأتيك المزيد من التفصيل في أواخر هذا الكتاب في باب تغسيلها، إن شاء الله. وقد روى في كتب الشيعة حول نزول آية التطهير حديث اشتهر بحديث الكساء وهو كما في عوالم الكبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري:

عن فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنها قالت: دخل عليَّ أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض الأيام فقال: السلام عليك يا فاطمة. فقلت: وعليك السلام. فقال: إني أجد في بدني ضعفاً. فقلت له: أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف. فقال: يا فاطمة ائتيني بالكساء اليماني وغطِّني به. قالت فاطمة (عليها السلام) فأتيته بالكساء اليماني فغطَّيته به وصرت أنظر إليه وإذا وجهه يتلألأ كأنه البدر في ليلة تمامه وكماله.

قالت فاطمة: فما كانت إلاَّ ساعة وإذا بولدي الحسن (عليه السلام) قد أقبل وقال: السلام عليك يا أماه. فقلت: وعليك السلام يا قرة عيني وثمرة فؤادي. قال لي: يا أماه إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: نعم يا ولدي إن جدك نائم تحت الكساء فأقبل الحسن (عليه السلام) نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جداه، السلام عليك يا رسول الله أتأذن لي أن أدخل معك تحت الكساء؟ فقال: وعليك السلام يا ولدي وصاحب حوضي قد أذنت لك. فدخل معه تحت الكساء.

قالت: فما كان إلاّ ساعة وإذا بولدي الحسين (عليه السلام) قد أقبل وقال: السلام عليك يا أماه. فقلت: وعليك السلام يا قرة عيني وثمرة فؤادي فقال لي: يا أماه إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: نعم، إن جدَّك وأخاك تحت الكساء. فدنى الحسين (عليه السلام) نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جدَّاه السلام عليك يا من اختاره الله أتأذن لي أن أكون معكما تحت هذا الكساء؟ قال (صلى الله عليه وآله): وعليك السلام يا ولدي وشافع أمتي قد أذنت لك. فدخل معهما تحت الكساء.

قالت فاطمة (عليها السلام) فأقبل عند ذلك أبو الحسن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال: السلام عليك يا بنت رسول الله فقلت: وعليك السلام يا أبا الحسن يا أمير المؤمنين فقال: يا فاطمة إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة أخي وابن عمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: نعم، هاهو مع ولديك تحت الكساء. فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) نحو الكساء وقال: السلام عليك يا رسول الله أتأذن لي أن أكون معك تحت هذا الكساء؟ قال له: وعليك السلام يا أخي وخليفتي وصاحب لوائي قد أذنت لك. فدخل علي (عليه السلام) تحت الكساء.

ثم أتت فاطمة (عليها السلام) وقالت: السلام عليك يا أبتاه السلام عليك يا رسول الله أتأذن لي أن أدخل معكم تحت هذا الكساء؟ قال لها: وعليك السلام يا بنتي وبضعتي قد أذنت لكِ. فدخلت فاطمة معهم.

فلما اكتملوا واجتمعوا تحت الكساء أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بطَرفي الكساء وأومأ بيده اليمين إلى السماء وقال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي وحامَّتي لحمهم لحمي، ودمهم دمي، يؤلمني ما يؤلمهم ويُحرجني ما يُحرجهم، أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وعدوٌ لمن عاداهم، ومحب لمن أحبَّهم، إنَّهم مني وأنا منهم، فاجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك وغفرانك ورضوانك عليَّ وعليهم، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

قال الله عز وجل: يا ملائكتي ويا سكان سماواتي إني ما خلقت سماءً مبنية، ولا أرضاً مدحيَّة، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري، ولا فُلكاً تسري إلاَّ في محبّة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء.

فقال الأمين جبرئيل: يا رب من تحت الكساء؟ فقال الله عز وجل: هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها.

فقال جبرئيل: يا رب أتأذن لي أن أهبط إلى الأرض لأكون لهم سادساً؟ فقال الله عز وجل: قد أذنت لك. فهبط الأمين جبرئيل فقال: السلام عليك يا رسول الله!‍ العلي الأعلى يقرئك السلام، ويخصّك بالتحية والإكرام ويقول لك: وعزتي وجلالي! إني ما خلقت سماءً مبنية، ولا أرضاً مدحيَّة، ولا قمراً منيراً ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري ولا فُلكاً تسري إلاَّ لأجلكم، وقد أذن لي أن أدخل معكم تحت الكساء، فهل تأذن لي أن أدخل أنت يا رسول الله؟

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وعليك السلام يا أمين وحي الله قد أذنت لك. فدخل جبرئيل معهم تحت الكساء فقال: إن الله قد أوحى إليك يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً.

فقال علي بن أبي طالب: يا رسول الله أخبرني ما لجُلُوسِنا هذا تحت الكساء من الفضل عند الله؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحق نبياً، واصطفاني بالرسالة نجياً ما ذُكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبّينا إلاَّ ونزلت عليهم الرحمة وحفّت بهم الملائكة، واستغفرت لهم إلى أن يتفرقوا.

فقال علي (عليه السلام): إذن - والله فزنا - وفازت شيعتنا وربِّ الكعبة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحق نبياً، واصطفاني بالرسالة نجياً ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محال أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبّينا وفيهم مهموم إلاَّ وفرّج الله همَّه، ولا مغموم إلاَّ وكشف الله غمه، ولا طالب حاجة إلاَّ وقضى الله حاجته.

فقال علي (عليه السلام) إذن - والله - فُزنا وسعدنا وكذلك شيعتنا فازوا وسعدوا في الدنيا والآخرة.

وقد نظم هذا الحديث الشريف السيد الأجل السيد محمد القزويني بن السيد مهدي القزويني النجفي الحلي:

روت لنا فاطمة خير النساء***حديث أهل الفضل أصحاب الكساء

تقول: إن سيد الأنام***قد جاءني يوماً من الأيام

فقال لي: إني أرى في بدني***ضعفاً أراه اليوم قد أنحلني

قومي عَليَّ بالكساء اليماني***وفيه غطيني بلا تواني

قالت: فجئته وقد لبيته***مسرعةً وبالكساء غطيّته

وكنت أرنو وجهه كالبدر***في أربع بعد ليال عشر     

فما مضى إلاَّ يسير من زمن***حتى أتى أبو محمد الحسن

فقال: يا أماه إني أجد***رائحة طيبة أعتقد

بأنها رائحة النبيِّ***أخ الوصي المرتضى علي

قلت: نعم هاهو ذا تحت الكسا***مدثَّرٌ به، مغطىً واكتسى

فجاء نحوه ابنه مسلماً***مستأذناً قال له: أدخل مكرماً

فما مضى إلاَّ القليل إلاَّ***جاء الحسين السبط مستقلا

فقال يا أم أشمّ عندكِ***رائحة كأنها المسك الذكي

وحقِّ من أولاك منه شرفاً***أظنها ريح النبي المصطفى

قلت: نعم تحت الكساء هذا***بجنبه أخوك فيه لاذا

فأقبل السبط له مستأذناً***مسلّماً قال له: أدخل معنا

وما مضى من ساعة إلاًَّ وقد***جاء أبوهما الغضنفر الأسد

أبو الأئمة الهداة النُّجبا***المرتضى رابع أصحاب الكسا

فقال يا سيدة النساء***ومن بها زُوِّجتُ في السماء

إني أشمّ في حماك رائحة***كأنها الورد النديّ فايحة

يحكي شذاها عَرف سيد البشر***وخير من لبَّى وطاف واعتمر

قلت: نعم تحت الكساء التحفا***وضمّ شبليك وفيه اكتنفا

فجاء يستأذن منه سائلاً***منه الدخول قال: فأدخل عاجلا

قالت: فجئت نحوهم مسلّمة***قال: ادخلي محبوّة مكرّمة

فعندما بهم أضاء الموضع***وكلّهم تحت الكساء اجتمعوا

نادى إله الخلق جل وعلا***يُسمع أملاك السماوات العلى

أقسم بالعزة والجلال***وبارتفاعي فوق كل عالي

ما من سما رفعتها مبنية***وليس أرض في الثرى مدحية

ولا خلقت قمراً منيرا***كلاًّ ولا شمساً أضاءت نورا

وليس بحر في المياه يجري***كلاًّ ولا فُلك البحار تسري

إلاَّ لأجل من هم تحت الكسا***من لم يكن أمرهم ملتبسا

قال الأمين: قلت: يا رب ومن***تحت الكسا؟ بحقهم لنا أبِن

فقال لي: هم معدن الرسالة***ومهبط التنزيل والجلالة

وقال: هم فاطمة وبعلها***والمصطفى والحسنان نسلها

فقلت: يا رباه هل تأذن لي***أن أهبط الأرض لذاك المنزل

فأغتدي تحت الكساء سادساً***كما جعلتُ خادماً وحارسا؟

قال: نعم. فجاءهم مسلّما***مسلماً يتلو عليهم إنما

يقول: إنَّ الله خصّكم بها***معجزة لمن غدا منتبها

أقرأكم ربُّ العلا سلامه***وخصّكم بغاية الكرامة

وهو يقول معلناً ومفهما***أملاكه الغر بما تقدما

قال علي: قلت: يا حبيبي***ما لجلوسنا من النصيب؟

قال النبي: والذي اصطفاني***وخصّني بالوحي واجتباني

ما إن جرى ذكر لهذا الخبرِ***في محفل الأشياع خير معشر

إلاَّ وأنزل الإله الرحمة***وفيهم حفَّت جنود جمَّة

من الملائكة الذين صدقوا***تحرسهم في الدهر ما تفرقوا

كلاًّ وليس فيهم مغموم***إلاَّ وعنه كُشفت هموم

كلاَّ ولا طالب حاجة يرى***قضاءها عليه قد تعسّرا

إلاَّ قضى الله الكريم حاجته***وأنزل الرضوان فضلاً ساحته

قال عليٌ: نحن والأحباب***أشياعنا الذين قدماً طابوا

فُزنا بما نلنا وربِّ الكعبة***فليشكرنَّ كلُ فَردٍ ربَّه

يا عجباً يستأذنُ الأمين***عليهم ويهجمُ الخئون

قال سُليمٌ: قلتُ: يا سلمان***هل دخلوا ولم يك استئذان

فقال: أي وعزَّة الجبار***ليس على الزهراءِ من خمار

لكنها لاذت وراء الباب***رعاية للستر والحجابِ

فمذ رأوها عَصَروها عصرة***كادت - بروحي - أن تموت حسرة

تصيح: يا فضةُ أسنديني***فقد وربي قتلوا جنيني

فأسقطت بنت الهدى واحزنا***جنينها ذاك المسمَّى مُحسنا

 

 

الزّكِيّة

الزكاة: النموّ والزيادة، وقد ذكرنا الشيء اليسير مما يتعلق بهذا الموضوع حول اسمها (عليها السلام): المباركة.

 

الراضِيَة

الرضا بما قدَّر الله تعالى لعبده يعتبر من أعلى درجات الإيمان بالله عز وجل، وقد رضيت السيدة فاطمة الزهراء بما قدر لها من مرارة الحياة، وهذا الكتاب كله يحدثك عن المصائب والنوائب التي انصبّت على فاطمة الزهراء منذ نعومة أظافرها إلى أن فارقت الحياة في عنفوان شبابها، وهي في جميع تلك المراحل راضية بما كتب الله لها من خوف واضطهاد وحرمان وفقر وأحزان وهموم وغموم ومآسي وآلام، وستجد شيئاً من تلك المكاره التي امتزجت بحياتها تجدها في هذا الكتاب، ويجدر بها أن يشملها قوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) لأنها راضية بثواب الله، راضية عن الله بما أعد الله لها، راضية بقضاء الله في الدنيا حتى رضي الله عنها.

 

المرضية

إن درجة المرضيين عند الله تعالى درجة عالية، ومنزلة سامية فهناك القليل من عباد الله الذين رضي الله عنهم فكانوا مرضيين عند الله تعالى بسبب اعتدالهم واستقامتهم، ومن جملة الذين فازوا بتلك المنزلة الرفيعة والدرجة الراقية هي سيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) فإن الله تعالى قد رضى عنها، فكانت مرضية عند الله عز وجل، مرضية أعمالها التي عملتها مرضية رضي عنها ربها بما عملت من طاعته.

 

المُحَدّثَة

قبل كل شيء ينبغي أن نعلم: هل تتحدث الملائكة مع غير النبي؟ وهل يراهم غير النبي؟ أو يسمع أصواتهم؟

للإجابة على هذه الأسئلة نراجع القرآن الكريم للتحقيق عن الجواب الصحيح:

1 - قال تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربِّك واسجدي واركعي مع الراكعين) (سورة آل عمران: 43).

إن صريح هذه الآية أن الملائكة خاطبت مريم بما مرّ عليك من كلمات الثناء والأوامر الإلهية، وباليقين أنها كانت تسمع نداءهم وتفهم خطابهم وإلا فما فائدة هذا الخطاب؟ وقيل: الذي خاطبها هو جبرئيل وحده[64].

2 - (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثَّل لها بشراً سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً قال إنما أنا رسول ربِّك لأهب لك غلاماً زكياً قالت أنِّي يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكُ بغيّاً قال كذلك قال ربك هو عليَّ هيِّن ولنجعله آية للناس ورحمةً وكان أمراً مقضياً)[65].

لقد أجمع المفسرون أن المقصود من (روحنا) هو جبرئيل، تمثّل لها بصورة آدمي صحيح، لم ينقص منه شيء فانتصب بين يديها، وجرى بينهما الكلام والحوار.

3 - (وامرأته قائمة فضحكت فبشّرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد)[66].

إن هذه الآيات تتعلق بمجيء الملائكة إلى دار إبراهيم الخليل (عليه السلام) لتبشّره بالولد، وكانت زوجته سارة تخدم وتحمل الطعام إليهم ظناً منها أنهم ضيوف فلقد تكلمت مع الملائكة، وخاطبتها الملائكة بما مرّ عليك من الآيات.

4 - (وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليم) (سورة القصص: 7) وقد ذكر المفسرون معنى (أوحينا) أي ألهمنا، وقذفنا في قلبها، وعلى قول: إنها نوديت بهذا الخطاب.

وقد ذكر المنّاوي في شرح الجامع الصغير ج2 ص270 عن القرطبي قال: (محدَّثون) بفتح الدال اسم مفعول، جمع محدَّث أي مُلهَم، أو صادق الظن وهو مَن أُلقي في نفسه شيء على وجه الإلهام والمكاشفة من الملأ الأعلى، أو مَن يجري الصواب على لسانه بلا قصد، أو تكلِّمه الملائكة بلا نبوة، أو من إذا رأى رأْياً أو ظنَّ ظناً أصاب كأنه حُدِّث به وألقي في روعه من عالم الملكوت، فيظهر على نحو ما وقع له، وهذه كرامة يكرم الله بها من يشاء من صالحي عباده، وهذه منزلة جليلة من منازل الأولياء.

أقول: بعد هذه المقدمات سوف لا يصعب عليك أن تعرف أن السيدة فاطمة الزهراء كانت محدَّثة، إذ ليست سيدة نساء العالمين وبنت سيدة الأنبياء والمرسلين بأقلِّ شأناً من مريم بنت عمران أو سارة زوجة إبراهيم أو أم موسى، وليس معنى ذلك أن مريم أو سارة أو أم موسى كنَّ من الأنبياء، وهكذا ليس معنى ذلك أن السيدة فاطمة الزهراء كانت نبية.

وقد روى الشيخ الصدوق في (علل الشرائع) عن زيد بن علي قال: سمعت أن أبا عبد الله (الصادق) يقول إنَّما سمِّيت فاطمة محدَّثة (بفتح الدال) لأن الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران، فتقول الملائكة: يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين.

وفي البحار (ج10) قال الإمام الصادق (عليه السلام) لأبي بصير: وإن عندنا لمصحف فاطمة، وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد وإنما هو شيء أملاه الله عليها وأوحى إليها.. الخ.

إن هذا الحديث يكشف لنا أموراً قد تحتاج إلى بحث وتحقيق، فكلام الإمام (عليه السلام): (فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات) يريد بذلك حجم المصحف، وكمية المواد الموجودة فيه، وحيث أن القرآن كتاب معروف ومشهور عند جميع المسلمين في كل زمان ومكان من حيث الحجم والسور والآيات والكمية ولهذا جعل الإمام (عليه السلام) القرآن مقياساً وميزاناً يقيس عليه مصحف فاطمة (عليها السلام) من حيث الحجم وكمية المواد.

فمثلاً: لو أن قرآناً طبع بحروف متوسطة، وصفحات حجمها متوسط، فلنفرض أن عدد تلك الصفحات تبلغ خمسمائة صفحة فلو طبعنا مصحف فاطمة (عليها السلام) بنفس تلك الحروف ونفس حجم تلك الصفحات لبلغ عدد صفحات مصحف فاطمة (عليها السلام) ألفاً وخمسمائة صفحة، أي ثلاثة أضعاف صفحات القرآن، وهذا معنى كلام الإمام (عليه السلام): (فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات) وليس معناه أن القرآن الموجود بين أيدينا ناقص، وأن مصحف فاطمة مكمِّل له، كلاّ وألف كلاّ، وليس معناه أن الله أنزل على السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قرآناً، وكل من ادَّعى غير هذا فهو إمَّا جاهل أو معاند مفتر كذّاب.

وأما كلمة: المصحف (وإن كان هذا الاسم) يستعمل في زماننا هذا اسماً للقرآن ولكنه في اللغة يستعمل في الكتب.

قال الرازي في مختار الصحاح: (والمصحف - بضم الميم وكسرها - وأصله الضم، لأنه مأخوذ من (أصحف) أي جُمعت فيه الصحف).

وفي المنجد: المَصحف والمُصحف جمعه مصاحف: ما جُمع من الصحف بين دفَّتي الكتاب المشدود.

وفي صراح اللغة: مصحف بالكسر والضم كراسة قال الفراء وقد استثقلت العرب الضمة في حروف فكسروا ميمها وأصلها الضم من ذلك مصحف ومخدع ومطرف.. لأنها في المعنى مأخوذة من أصحف أي جمعت فيه الصحف.

وفي المصباح المنير: والصحيفة قطعة من جلد أو قرطاس كتب فيه.. والجمع صُحُف بضمتين وصحائف.. والمصحف بضم الميم أشهر من كسرها.

وفي أقرب المُوارد: المُصحف اسم مفعول.. وحقيقتها مجمع الصحف أو ما جمع منها بين دفتي الكتاب المشدود.. وفيه لغتان أخريان وهما المِصحف والمَصحف ج مصاحف.

وفي لسان العرب: المُصحف والمِصحف الجامع للصُّحف المكتوبة بين الدفتين كأنه أُصحِف، والكسر والفتح فيه لغة.

وهذا حديث آخر يفسر معنى المصحف بمزيد من التوضيح:

في العاشر من البحار أيضاً: وسأله بعض أصحابه عن مصحف فاطمة، فسكت الإمام طويلاً، ثم قال: إنكم لتبحثون عما تريدون وعما لا تريدون!

‍إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاها على أبيها، ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها، وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة.

والحسين بن أبي العلا يروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: .. ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج الناس إلينا، ولا نحتاج إلى أحد، حتى أن فيه الجلد بالجلدة، ونصف الجلدة، وربع الجلدة وأرش الخدش.. الخ.

وفي حديث آخر قال (عليه السلام): وأما مصحف فاطمة (عليها السلام) ففيه ما يكون من حادث، وأسماء من يملك إلى أن تقوم الساعة.

بقي الكلام حول جملة (أوحى إليها) فالمستفاد من القرآن أن الوحي من الله لا يختص بالأنبياء، بل يوحي الله تعالى إلى غير الأنبياء أيضاً، استمع إلى هذه الآيات البيِّنات:

(فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيا)[67].

(فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها)[68].

(وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي)[69].

(إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أني معكم فثبَّتوا الذين آمنوا)[70].

(وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً)[71].

(وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه)[72].

(وإذ أوحينا إلى أمك ما يوحى)[73].

هذه بعض الآيات التي تصرح بأن الوحي لا يختص بالأنبياء، بل لا يختص بالبشر، فلقد أوحى الله تعالى إلى كل سماء، وأوحى إلى الحواريين وإلى الملائكة وإلى النحل وإلى أم موسى، فلا يصعب عليك أن تقبل بأنَّ الله تعالى أوحى إلى سيدة نساء العالمين وبنت سيد الأنبياء والمرسلين فاطمة الزهراء (عليها السلام) وكما تقول في تفسير الوحي إلى أم موسى قل في تفسير الوحي إلى فاطمة الزهراء.

وختاماً لهذا البحث: إن مصحف السيدة فاطمة الزهراء كتاب ضخم، يحتوي على جميع الأحكام الشرعية بالتفصيل، ويستوعب قانون العقوبات في الإسلام، حتى بعض المخالفات التي عقوبتها جلدة واحدة أو نصف جلدة أو ربع جلدة، بل وحتى غرامة من خدش جسم أحد من الناس خدشة واحدة.

وفيه أسماء ملوك العالم الذين حكموا البلاد من ذلك اليوم وسيحكمون إلى قيام القيامة، كل ذلك كان في علم الله الذي هو بكل خلق عليم وبكل شيء خبير بصير محيط.

وفيه ذكر الحوادث المهمة من الملاحم والمجازر التي تحدث في الكون وغير ذلك من القضايا الهامة.

وليس فيه شيء من القرآن كما هو صريح الحديث.

ولقد أطلنا البحث والكلام حول هذا الموضوع لأن بعض أصحاب النفوس المريضة والقلوب السقيمة اعتبروا هذا الحديث مرتعاً خصباً للتهريج والتشنيع ضد الشيعة والتشيّع، كـأنهم لم يقرأوا هذه الآيات أو لم يفهموها أو تناسوها فهاجموا الشيعة مهاجمة شعواء فقالوا ما قالوا، وحسابهم على الله يوم فصل القضاء.

 

الزّهرَاء

في العاشر من البحار عن أمالي الصدوق (عليه الرحمة) عن ابن عباس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وأما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة مني وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبيّ، وهي الحوراء الإنسية متى قامت في محرابها بين يدي ربها (جل جلاله) زهر نورها لملائكة السماوات كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض.

وبهذا الحديث اتضح لنا سبب تسميتها (عليها السلام) الزهراء، وهناك أحاديث أخرى بهذا المضمون، وإنها كانت تتمتع بوجه مشرق مستنير زاهر، وفيما ذكرنا كفاية.

ولسيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) أسماء غير التي مرّت عليك وكل اسم يدل على فضيلة ومزية امتازت بها السيدة الزهراء منها: البتول، العذراء الحانية (من الحنان) بسبب كثرة حنانها على أولادها، وكنيتها، أم أبيها، وهي من أفضل كناها.

 

البَتُول

اعلم أنَّ الله تعالى قد جعل في مخلوقاته - من الجماد والنبات والحيوان والإنسان - قوانين وسُنَن، وجعل تلك المخلوقات خاضعة لتلك القوانين. فالنار طبيعتها الإحراق وهذه سُنّة الله في النار.

والنبات يحتاج إلى زمان محدود ومكان معيّن بشروط خاصة حتى ينمو ويكبر ويثمر، أنظر إلى الحبة التي تزرع، والعوامل التي تساعدها على أن تنبت من الأرض، والزمان المعيّن لنموِّها، وهذه سُنّة الله في النباتات.

وكذلك الحيوانات جعلها الله خاضعة لقوانين خاصة وأحجامها وألوانها وغير ذلك.

والإنسان كذلك خاضع لقوانين كونية، وطبائع جسمية ونفسية وروحية، ولكن الله تعالى جعل أولياءه فوق تلك القوانين والسنن في ظروف خاصة لحكمته البالغة.

وبعبارة أخرى: جعل الله تلك القوانين هي الخاضعة لأوليائه بإذنه.

أنظر إلى النار المحرقة، التي تحرق كل ما أصابته، ولكن الله تعالى جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم الخليل (عليه السلام).

وكذلك أنبت الله على نبيه يونس (عليه السلام) شجرة من يقطين، بعد أن نبذه الحوت بالعراء وهو سقيم، مع العلم أن حبة اليقطين تحتاج إلى مدة غير قصيرة، حتى تنبت وتورق وتستر بوَرقها جسم إنسان أو غير إنسان، وهكذا جعل الله النبات خاضعاً لوليه يونس (عليه السلام).

والتناسل لا يمكن إلاّ بالتلقيح، وانتقال نطفة الرجل إلى رحم المرأة، وتطوُّر النطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام إلى خلق آخر، وإلى أن يكمل الجنين خلال ستة أشهر على أقل التقادير، أو تسعة أشهر كما هو الغالب.

هذه سنة الله في قانون التناسل بين البشر، ولكن هذه السُنة وهذا القانون كان خاضعاً لمريم إذ حملت بعيسى (عليه السلام) ولم يمسسها بشر، وحملت وبلدها فانتبذت به مكاناً قصياً، فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة، فوضعت بعيسى، كل ذلك خلال تسع ساعات أو ست ساعات فقط[74].

وعلى هذا الغرار كانت المعجزات تصدر عن الأنبياء والأوصياء عن طريق خرق العادة والطبيعة.

هذا والأمثلة كثيرة جداً، تجد في القرآن الكريم طائفة كبيرة من القصص التي تحدّى فيها الأنبياء والأوصياء قانون الطبيعة، كهبوط آدم من الجنة إلى الأرض، وفوران التنور بالماء في قصة نوح (عليه السلام) وحمْل سارة بإسحاق (عليه السلام) بعد أن كانت عجوزاً عقيماً، وانقلاب العصا حيَّة تسعى في قصة موسى (عليه السلام) وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى في قصة عيسى (عليه السلام) وقصة الإسراء والمعراج في قصة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغير ذلك من القضايا الخارقة للعادة والطبيعة، وقد ذكرت هذه الفقرات كمقدمة تمهيدية لما يلي:

إن العادة الشهرية التي تراها المرأة في كل شهر منذ بلوغها حدِّ الأنوثة إلى الخمسين أو الستين من العمر ما هي إلاَّ دم فاسد، قد تخزنه في الأوعية والأجهزة التي جعلها الله في جسم المرأة ليكون ذلك الدم غذاء للجنين، فإذا لم يكن جنين في الرحم سال الدم إلى الخارج، وربما انقلب إلى اللبن إذا كانت المرأة مرضعة.

قال تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً) أي إن دم الحيض مادة ضارّة، مؤذية في جسم المرأة، فلابدَّ من خروجها لتنجو المرأة من أمراض وأعراض.

وفي فترة العادة الشهرية تحدث حوادث جسمية وروحية للمرأة تغيِّر ملامحها، ولون وجهها، بل وأخلاقها ونفسيِّتها ومن الممكن معرفة الحائض من ملامح وجهها وعينيها، بل من نظراتها وحركاتها، وهذا النزيف لا يشبه النزيف الطبيعي العادي الذي يصاب به الإنسان، بل يختلف عن ذلك اختلافاً كبيراً.

إن العادة الشهرية حينما تحدث للمرأة تشعر بشيء من الانفعال والخجل والانكسار وإن كان الأمر خارجاً عن إرادتها واختيارها، ولكنها تتألم بهذا الحادث الذي لا يحسن التصريح به لكل أحد، وخاصة للرجال، والنزيف وحالة الانفعال توجد في المرأة ضعفاً وانكساراً في جسمها وروحها.

ولهذا سقط عنها حكم الصلاة والصوم خلال فترة العادة، وحرَّم الله عليها اللبث في المساجد ودخول المسجد الحرام والمسجد النبوي وقراءة سُوَر العزائم الأربع وهي السور التي فيها آيات السجدة الواجبة وغير ذلك مما هو مذكور في الكتب الفقهية.

ونفس هذه الأحكام تجري في أيام النفاس لنفس الأسباب التي مرّ ذكرها، ولكن الله تعالى كره لسيدة النساء فاطمة الزهراء أن تتلوّث بهذه القذارة المعنوية، فأذهب الله عنها الرجس وطهَّرها تطهيراً.

وهاك طائفة من الأحاديث الصحيحة التي تصرّح بهذا المعنى:

1 - روى القندوزي في ينابيع المودة ص260 عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما سمِّيت فاطمةُ البتول لأنها تبتَّلت في الحيض والنفاس.

2 - روى محمد صالح الكشفي الحنفي في (المناقب) عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: وسميت فاطمة بتولاً لأنها تبتلت وتقطَّعت عما هو معتاد العورات في كل شهر.

3 - روى الأمرتسري في (أرجح المطالب): أن النبي (صلى الله عليه وآله) سئل عن بتول وقيل: إنَّا سمعناك - يا رسول الله - تقول: مريم بتول وفاطمة بتول؟ فقال: البتول التي لم تر حمرة قط، أي لم تحض، فإن الحيض مكروه في بنات الأنبياء. أخرجه الحاكم.

4 - وروى الحافظ أبو بكر الشافعي في (تاريخ بغداد ج13 ص331) عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ابنتي حوراء آدمية لم تحض ولم تطمث.. الخ ورواه النسائي أيضاً.

5 - وروى ابن عساكر في (التاريخ الكبير ج1 ص391) عن أنس بن مالك عن أم سليم قالت: لم تر فاطمة (رضي الله عنها) دماً في حيض ولا في نفاس.

6 - الحافظ السيوطي: ومن خصائص فاطمة (رضى الله عنها) أنها كانت لا تحيض، وكانت إذا ولدت طهرت من نفاسها بعد ساعة حتى لا تفوتها صلاة.

7 - وروى الرافعي في التدوين عن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: ما رأت فاطمة (رضي الله عنها) في نفاسها دماً ولا حيضاً.

8 - روى الطبري في (ذخائر العقبى) عن أسماء بنت عُميس قالت: قبلت (أي ولدت) فاطمة بالحسن فلم أر لها دماً في حيض ولا نفاس، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أما علمت أن ابنتي طاهرة مطهرة، لا يُرى لها دمٌ في طمث ولا ولادة، ورواه الصفوري في (نزهة المجالس) ص227.

وفي العاشر من البحار عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: حرَّم الله عز وجل على علي النساء ما دامت فاطمة حيَّة (في قيد الحياة) قلت: وكيف؟ قال: لأنها طاهرة لا تحيض.

قال شيخنا المجلسي: هذا التعليل يحتمل وجهين:

الأول: أن يكون المراد أنها لما كانت لا تحيض حتى يكون له عذر في مباشرة غيرها فلذا حرَّم الله عليه غيرها رعاية لحرمتها.

الثاني: أن جلالتها منعت من ذلك، وعبَّر عن ذلك ببعض ما يلزمه من الصفات التي اختصت بها.

أقول: ونزاهة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) عن هذه الدماء تُعتبر من مصاديق آية التطهير التي تُصرِّح بإذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم تطهيراً.

 

العَذْرَاء

لقد مرّ عليك أن من جملة أسمائها: العذراء أي أنها كانت عذراء دائماً، وقد مرّت عليك أحاديث كثيرة تصرِّح بأنَّ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) خُلقت من طعام الجنة، وصرَّح النبي (صلى الله عليه وآله) بأنها حوراء إنسية، وليس في هذا التعبير شيء من المجاز أو الغلوّ، بل هي الحقيقة والحق، ونجد إلى جانب تلك الأحاديث قوله تعالى: (إنَّا أنشأناهن إن شاء فجعلناهنَّ أبكاراً) ومعنى ذلك أنَّ الحور العين أبكار دائماً، وفي مجمع البيان في تفسير الآية: لا يأتيهن أزواجهن إلاّ وجدوهن أبكاراً.

وهذا حديث يفسِّر الموضوع تفسيراً كاملاً، فقد سأل رجل من الإمام الصادق (عليه السلام) في ضمن مسائل - قال: فكيف تكون الحوراء في كل ما أتاها زوجها - عذراء؟ قال: لأنها خلقت من الطيب، لا يعتريها عاهة ولا تخالط جسمها آفة.. ولا يدنسها حيض، فالرحم ملتزقة.. الخ[75].

 

حَيَاتها وَنَشْأَتُهَا

لقد فتحت السيدة فاطمة الزهراء عينها في وجه الحياة، وفي وجه أبيها الرسول ترتضع من أمِّها السيدة خديجة اللبن المزيج بالفضائل والكمال.

وكانت تنمو في بيت الوحي نموًّا متزايداً، وتنبت في مهبط الرسالة نباتاً حسناً، يزقّها أبوها الرسول (صلى الله عليه وآله) العلوم الإلهية، ويفيض عليها المعارف الربانية، ويعلّمها أحسن دروس التوحيد، وأرقى علوم الإيمان وأجمل حقائق الإسلام.

ويربّيها أفضل تربية وأحسنها، إذ وجد الرسول في ابنته المثالية كامل الاستعداد لقبول العلوم ووعيها، ووجد في نفسها الشريفة الطيبة كل الروحانية والنورانية، والتهيؤ لصعود مدارج الكمال.

إلى جانب هذا شاءت الحكمة الإلهية للسيدة فاطمة الزهراء أن تكون حياتها ممزوجة بالمكاره، مشفوعة بالآلام والمآسي منذ صغر سنّها، فإنها فتحت عينها في وجه الحياة وإذا بها ترى أباها خائفاً، يحاربه الأقربون والأبعدون ويناوئه الكفّار والمشركون.

فربما حضرت فاطمة في المسجد الحرام فرأت أباها جالساً في حِجر إسماعيل (عليه السلام) يتلو القرآن، وترى بعض المشركين يوصلون إليه أنواع الأذى، ويحاربونه محاربة نفسية.

وحضرت يوماً فنظرت إلى بعض المشركين وهو يُفرغ سلا الناقة، (هو الكيس الذي يتكون فيه الجنين) على ظهر أبيها الرسول وهو ساجد.

كانت الزهراء تشاهد ذلك المنظر المؤلم، وتمسح ذلك عن ظهر أبيها وثيابه وتوسعهم سباً وشتماً، وهم يضحكون من سبابها وشتائمها، شأن السفلة الأوباش.

وعن ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزّى ومناة: لو رأينا محمداً لقمنا مقام رجل واحد، ولنقتلنّه، فدخلت فاطمة (عليها السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) باكية، وحكت مقالهم.. الخ.

واشتدت الأزمة وزادت المحنة حتى اضطر الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يختفي في شعب أبي طالب، ورافقته عائلته، وآل أبي طالب إلى ذلك المكان، وكانوا يعيشون في جو من الإرهاب والإرعاب. ففي كل ليلة يتوقعون هجوم المشركين عليهم وخاصة بعد أن كتب المشركون الصحيفة القاطعة، وحاصروا بني هاشم حصاراً اقتصادياً فلا يدعونهم يبيعون ولا يشترون شيئاً حتى المواد الغذائية، بل ومنعوا إيصال الطعام إليهم، فاستولى الجوع عليهم، وأثَّر في الأطفال أكثر وأكثر، فلا عجب إذا كانت أصوات بكاء الأطفال تصل إلى مسامع أهل مكة، فبين شامت بهم مسرور، وبين متألِّم حزين.

وطالت المدة ثلاث سنين وشهوراً، وكانت السيدة فاطمة من الذين شملتهم هذه المأساة، وهذه المآسي أيقظت في السيدة فاطمة روح الجهاد والاستقامة والمثابرة، وكأنها كانت فترة التمرين والتدريب للمستقبل القريب.

ومما كان يهوِّن الخطب، ويجبر خاطر السيدة فاطمة الزهراء ويقرّ عينها أنها كانت ترى البطل الشهم أبا طالب يقف ذلك الموقف المشرِّف في نصرة أبيها الرسول فكان تارة يحمل سيفه ويرافقه أخوه حمزة ويمشيان خلف الرسول نحو المسجد الحرام ليعلن مؤازرته ومناصرته للرسول، وكأنهما جنديان مسلحان في حالة الإنذار، وربما انضمّ إلى أبي طالب بعض عبيده ومواليه يمشون خلف الرسول وكأنهم مفرزة عسكرية أو سرية جيش.

وتارة أخرى كان يصرّح بتجاوبه وانحيازه إلى الرسول، فكان بعلن إسلامه إظهاراً للحقيقة، فينظم القصائد التي كان لها أحسن أثر في ذلك اليوم في دعم الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومنها:

ما رواه الطبري بإسناده أن رؤساء قريش لما رأوا دفاع أبي طالب عن النبي (صلى الله عليه وآله) اجتمعوا إليه، وقالوا: جئناك بفتى قريش جمالاً وجوداً وشهامة: عمارة بن الوليد، ندفعه إليك وتدفع إلينا ابن أخيك الذي فرّق جماعتنا، وسفّه أحلامنا فنقتله!!

فقال أبو طالب: ما أنصفتموني! تعطوني ابنكم فأغذوه، وأعطيكم ابني فتقتلونه؟ بل، فليأت كل امرئ بولده فأقتله، وقال:

منعنا الرسول رسول المليك***ببيض تلألأ كلمع البروق

أذود وأحمي رسول المليك***حماية حام عليه شفيق

وأقواله وأشعاره المنبئة عن إسلامه كثيرة لا تحصى فمن ذلك قوله:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً***نبياً كموسى خطَّ في أول الكتب؟

أليس أبونا هاشم شدَّ أزره***وأوصى بنيه بالطعان وبالحرب؟

وقوله من قصيدة:

وقالوا لأحمد: أنت امرؤ***خلوف اللسان ضعيف السبب

ألا: إن أحمد قد جاءهم***بحق، ولم يأتهم بالكذب

 

وقوله في حديث الصحيفة، وهو من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله):

وقد كان أمر الصحيفة عبرة***متى ما يخبِّر غائب القوم يعجبِ

محا الله منها كفرهم وعقوقهم***وما نقموا من ناطق الحق معربِ

وأمسى ابن عبد الله فينا مصدِّقاً***على سخط من قومنا غير معتب

وقوله من قصيدة يخصّ أخاه حمزة على اتباع النبي والصبر في طاعته:

صبراً أبا يعلي على دين أحمد***وكن مظهراً للدين وُفّقت صابرا

فقد سرني إذ قلت أنك مؤمن***فكن لرسول الله في الله ناصراً

وقوله يحض النجاشي (ملك الحبشة) على نصر النبي:

تعلَّم[76] مليك الحبش أن محمداً***وزير كموسى والمسيح ابن مريم

أتى بهدىً مثل الذي أتيا به***وكلّ بأمر الله يهدي ويعصم

وإنكم تتلونه في كتابكم***بصدق حديث، لا حديث المرجّم

فلا تجعلوا لله نداً، وأسلموا***وإن طريق الحق ليس بمظلم

وقال أيضاً:

لقد أكرم الله النبي محمداً***فأكرم خلق الله في الناس أحمد

وشقّ له من اسمه ليجلّه***فذو العرش محمود، وهذا محمد[77]

وقال أيضاً:

كذبتم وبيتِ الله نبزي محمداً***ولما نطاعن دونه ونناضلِ

ونُسلمه حتى نُصرَّع حوله***ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه***ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهَّلاك من آل هاشم***فهم عنده في رحمة وفواضل

ألم تعلموا أن ابننا لا مكذَّب***لدينا، ولا نعبأ بقول الأباطل

فأيَّده ربّ العباد بنصره***وأظهر ديناً حقه غير باطل

أُقيمُ على نصر النبي محمد***أُقاتل عنه بالقنا والقنابل[78]

إلى غير ذلك من مواقفه وتصريحاته ومساندته للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ولولا إيمانه بالله واعتقاده بالإسلام لما قام تلك المواقف، ولما غامَرَ بنفسه وبأولاده في سبيل نصرة النبي وتقوية دينه.

ولم يكن ذلك التفادي والمخاطرة بدافع القرابة، فلقد كان للرسول ثمانية أعمام (غير أبي طالب) فلماذا لم يسجِّل التاريخ لهم تلك المواقف المشرِّفة، بل سجل التاريخ عن بعض أعمام النبي مواقف مخزية كمواقف عمِّه أبي لهب.

 

وَفَاةُ السَيِّدَةِ خَديجَة الكُبْرى

كانت الأعوام تَمُرّ، والسنوات تنقضي، وحياة الزهراء مشفوعة بالحوادث والمآسي، وقد بلغت السابعة من عمرها أو قاربت الثامنة وإذا بفاجعة تطلُّ على حياتها، وتخيِّم الهموم وتتراكم الأحزان على قلبها، وهي وفاة أُمها السيدة خديجة، تلك الأُم البارَّة الحنون التي كانت تنظر إلى ابنتها الصغيرة فاطمة العزيزة نظرة حزن وتألم وتأثر لأنها تعلم أن الزهراء ستفجع بأُمها العطوفة الرؤوفة.

كانت السيدة خديجة طريحة الفراش، وقد خيَّم عليها شبح الموت، فدخل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي تعالج سكرات الموت فقال لها: بالرغم منَّا ما نرى بك يا خديجة، فإذا قدمت على ضرائرك فاقرئيهن السلام! قالت: من هنَّ يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله): مريم بنت عمران، وكلثم أُخت موسى، وآسية امرأة فرعون. فقالت: بالرفاء يا رسول الله[79].

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أُمرت أن أُبشِّر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب[80].

قال ابن الأثير في (النهاية): القصب - في هذا الحديث - : لؤلؤ مجوَّف واسع كالقصر المنيف. والصخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصام.

كانت السيدة خديجة تتأوه وتبكي فقالت لها أسماء بنت عميس: أتبكين وأنت سيدة نساء العالمين؟ وأنت زوجة النبي؟ مبشَّرة على لسانه بالجنة؟ فقالت: ما لهذا بكيت، ولكن المرأة ليلة زفافها لا بدَّ لها من امرأة تفضي إليها بسرِّها وتستعين بها على حوائجها، وفاطمة حديثة عهد بصبا، وأخاف أن لا يكون لها من يتولى أمرها حينئذ!

فقالت أسماء: يا سيدتي لك عهد الله إن بقيت إلى ذلك الوقت أن أقوم مقامك في هذا الأمر.. إلخ.

وفارقت السيدة خديجة الحياة، وعمرها ثلاث وستون سنة (على قول) فكانت وفاتها ضربة مؤلمة على قلب الرسول، وخاصة وأن النبي قد فجع بعمِّه أبي طالب بعد أيام أو شهور من وفاة السيدة خديجة فازداد حزناً، حتى سمَّى تلك السنة (عام الحزن) لأنه أصيب بمصيبتين عظيمتين على قلبه البار:

مصيبة زوجته خديجة، لا لأنها زوجته فقط، بل لأنها أَول من صدَّقته بالنبوة، ولأنها كانت زوجة ومعاضدة ومساعدة ومحامية لزوجها، لأنها وهبت الآلاف المؤلفة من أموالها في سبيل الإسلام، ولأنها كانت تحمل شخصية فريدة من نوعها في مكة، بل في نساء العرب.

ودُفنت في الحَجون، فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قبرها. وكانت السيدة فاطمة (عليها السلام) تلوذ برسول الله (صلى الله عليه وآله) وتدور حوله وتسأله: يا رسول الله أين أُمي؟ فجعل النبي لا يجيبها، وهي تدور على من تسأله، فهبط عليه جبرئيل فقال: إن ربك يأْمرك أن تقرأ على فاطمة السلام وتقول لها: أُمك في بيت من قصب، كعابه من ذهب، وأعمدته من ياقوت أحمر، بين آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران فقالت فاطمة: إن الله هو السلام ومنه السلام، وإليه يعود السلام.

والمصيبة الأخرى مصيبة عمِّه أبي طالب الذي كفل النبي من يوم وفاة جده عبد المطلب، وهو ابن ثمان سنوات، واستمرت الكفالة حتى بلغ النبي من العمر ثلاثاً وخمسين سنة، وهي السنة التي مات فيها أبو طالب.

ولأبي طالب حقوق وخدمات ومواقف تجاه النبي طيلة هذه السنوات تعتبر في قمة فضائله وفواضله، ولولاه لمات الدين الإسلامي وهو في المهد:

ولولا أبو طالب وابنه***لَما مَثُل الدين شخصاً فقاما

فهذا بمكة آوى وحاما***وهذا بيثرب جسَّ الحِماما

ولله ذا فاتحاً للهدى***ولله ذا للمعالي ختاما

وكان لهاتين الفاجعتين أكبر الأثر في حياة الرسول وتغيير مجراها، لولا موت أبي طالب لما هاجر من مكة، لأنَّه حينذاك شعر بفقدان الناصر والكفيل والمحامي ولم يكن في أعمامه مَن يقوم مقام أبي طالب حتى عمه حمزة يومذاك.

وقد رثاه ابنه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأبيات:

أبا طالب عصمة المستجير***وعيث المحول ونور الظُّلَم

لقد هدَّ فقدك أهل الحفاظ***فصلَّى عليك ولي النعم

ولقَّاك ربك رضوانه***فقد كنت للطهر من خير عم[81]

 

فَاطِمَةُ الزّهْرَاء (عليها السلام) والهِجْرَة

ولما أصيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بوفاة السيدة خديجة وعمه أبي طالب عزم على الهجرة من مكة، وأمر عليّاً أن يبيت على فراشه تلك الليلة، وسُمّيت تلك الليلة: (ليلة المبيت) وهي الليلة التي اجتمع فيها حوالي أربعين أو أربعة عشر رجلاُ من المشركين، وطوَّقوا بيت الرسول، وهم يريدون الهجوم على النبي ليقتلوه في بيته، فخرج النبي إلى الغار، وبقيت السيدة فاطمة في البيت، وهي تتوقع هجوم الأعداء على دارها في كل ساعة وتستمع إلى هتافات الكفر والإلحاد ضد الرسول، ويعلم الله مدى الخوف والقلق المسيطر عليها طيلة تلك الليلة، وهي تعلم خشونة طباع المشركين وقساوة قلوبهم، فيكون أسوأ الاحتمالات عندها أقرب الاحتمالات.

وإلى أن الصباح من تلك الليلة، وهجم القوم في الدار شاهرين سيوفهم كأنهم ذئاب ضارية أو كلاب مستسبعة تطلب فريستها، وقصدوا نحو فراش النبي فلم يجدوه بل وجودوا عليّاً (عليه السلام) راقداً في فراش النبي، ملتحفاً بردة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخابت ظنونهم، وخرجوا من الدار فاشلين، وكادوا أن يتفجَّروا حقداً وغيظاً وغضباً.

فكانت تلك الساعات من أحرج الساعات وأكثرها خوفاً وفزعاً على قلب السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).

ويا ليت الأمر كان ينتهي هنا، ولكن أحقاد الكفر كانت كامنة في الصدور كأنها جمرة تحت رماد، ولما خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) بالفواطم من مكة وهُنَّ: فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة بنت أسد (أم أمير المؤمنين) وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، فلحقهم العدو، واعترضهم في أثناء الطريق للحيلولة دون الهجرة، وكان الموقف حرجاً، واستولى الرعب والفزع على قلوب الفواطم من الأعداء، وكادت أن تقع هناك كارثة أو كوارث لولا حفظ الله وعنايته، ثم بسالة الإمام علي وبطولته المشهورة، وكفاهم الله شر الأعداء، ونجى علي والفواطم بقدرة الله تعالى.

وصلت الفواطم إلى المدينة، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد سبقهم إليها، وكان ينتظرهم، ولما وصلوا دخل النبي المدينة ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري، والتحقت به ابنته فاطمة الزهراء، ونزلت على أُم أبي أيوب الأنصاري.

كانت السيدة الزهراء تعيش تحت ظل والدها الرسول في المدينة بعد أن مرَّت بها عواصف شديدة وحوادث مؤلمة، من موت أُمها خديجة وهجرة أبيها الرسول من وطنه ومسقط رأْسه، وهجوم الأعداء على الدار، وهجرتها من مكة إلى المدينة، ومطاردة الأعداء لها، فهل انتهت تلك الحوادث والمصائب؟

كلا، بل كانت تلك القضايا بداية مآسي أخرى، وكوارث متسلسلة متعاقبة، إذ ما مضت سنة واحدة على الهجرة وإذا بالمشركين يجتمعون في مكة ويقصدون التوجه إلى المدينة لمحاربة الرسول والمسلمين، فنول جبرئيل وأخبر النبي بالمؤامرة، وخرج الرسول بالمسلمين من أهل المدينة وبمن التحق به من المهاجرين من أهل مكة، خرج بهم ليستقبل العدو في أثناء الطريق قبل وصولهم المدينة، فوصلوا إلى منطقة بين المدينة ومكة يقال لها: (بدر).

وهناك التقوا بالمشركين، وكان عدد المشركين ثلاثة أضعاف المسلمين، ولكن كانت الغلبة والانتصار للمسلمين والهزيمة والاندحار للمشركين، فرجع النبي إلى المدينة مظفَّراً منصوراً.

 

فَاطِمَةُ الزّهْرَاءُ (عليها السلام) يَوْم أُحُد

وبعد سنة واحدة وشهر وقعت غزوة أُحد، وقُتل فيها من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعون رجلاً كانوا هم الصفوة والزبدة من أصحابه، وفي طليعتهم عمّه سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وأُصيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحجر انكسرت منه جبهته الشريفة، وحجر أصاب فمه الطاهر وانكسرت منه ثناياه، وتخثَّر الدم على لحيته كأنه حِنّاء أو خضاب.

وفي تلك الآونة صاح إبليس صيحة سمعها المسلمون في أُحد، وسمعها أهل المدينة، صاح: (قُتل محمد).

اضطربت القلوب في جبهة القتال، وانهزم المنهزمون، وثبت المؤمنون حقاً، ولم يكن اضطراب العوائل في المدينة بأقل من اضطراب المسلمين في ساحة القتال.

وقد خرجت صفية بنت عبد المطلب (عمة النبي) وفاطمة الزهراء إلى أحد، فصاحت فاطمة، ووضعت يدها على رأسها، وخرجت تصرخ، وخرجت كل هاشمية وقريشية، واضعة يدها على رأسها.

وكان وصول فاطمة الزهراء وصفية إلى أُحد بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وبعد أن قُتل من قُتِل، وجُرحَ من جُرح، وكان النبي يتفقد القتلى ويبحث عن المفقودين من أصحابه.

وهو إذ ذاك قد وصل إلى مصرع حمزة، فوجده بحالة لا توصف، فقد مثّلوا به أقبح وأبشع مُثلة، فقد قطعوا أصابع يديه ورجليه، وجدعوا أنفه وأذنيه وشقّوا بطنه، وأخرجوا كبده، وقطعوا عورته، وتركوه بهذه الحالة.

كان هذا المنظر المشوَّه مؤلماً ومخدشاً لقلب الرسول، إذ هو نكاية وتنكيل من المشركين لعمِّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وناصره والمدافع عنه.

كان الحزن والغيظ قد أخذ من الرسول كل مأْخذ، فبينما هو كذلك وإذا به يرى عمَّته صفية وابنته فاطمة قد توجَّهتا نحو تلك المنطقة، فغطى الرسول جثمان حمزة بردائه، وستَرَه من القرن إلى القدم كي لا يُرى شيء من مواضع المثلة.

وأقبلت صفية وفاطمة تعدُوان، وجلستا عند مصرع حمزة، وشرعتا بالبكاء والنحيب، ورسول الله يساعدهما على البكاء، ويشاركهما في الأنين والنحيب، ثم نظرت فاطمة إلى جراحة جبهة الرسول، وإلى الدماء المتخثرة على وجهه الطاهر ولحيته الشريفة، فصاحت وجعلت تمسح الدم وتقول: اشتدّ غضب الله على من أَدمى وجه رسول الله.

فغسلت الدماء عن وجه أبيها، وكان علي يصبّ الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أنَّ الماء لا يزيد الدم إلاَّ كثرة عمدت إلى قطعة حصيرة فأحرقتها، وجعلت رمادها ضماداً على جبهة أبيها، وألزمته الجرح، فاستمسك الدم.

أترى كيف انقضت تلك الساعات على قلب فاطمة؟ فقد تداخلها الحزن العظيم والخوف الشديد وهي البنت البارَّة بأبيها، العارفة بحقه.

ولما رجع علي (عليه السلام) من أُحد ناولَ فاطمة سيفه، وقال: خذي هذا السيف، فلقد صدقني اليوم، وأنشأ يقول:

أفاطم هاكِ السيف غير ذميمِ***فلستُ برعديدٍ، ولا بلئيم

لعمري لقد أعذرتُ في نصر أحمد***وطاعة ربٌ بالعباد عليم

أُريد ثواب الله لا شيء غيره***ورضوانه في جنة ونعيم

وكنتُ امرأً يسمو إذ الحرب شمُّرت***وقامت على ساق بغير مليم

أممت بن عبد الدار حتى جرحته***بذي رونق يفري العظام صميم

فغادرته بالقاع فارفضَّ جمعه***عباديد مما قانط وكليم

وسيفي بكفّي كالشهاب أهزُّه***أحزُّ به من عاتقِ وصميم

فما زلت حتى فضَّ ربي جموعهم***وأشفيت منهم صدر كل حليم

أَميطي دماء القوم عنه فإنه***سقى آل عبد الدار كأْس حميم

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خذيه يا فاطمة فقد أدَّى بعلك ما عليه، قتل الله صناديد قريش بيديه[82].

لقد مرَّ عليك أن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) حضرت في أُحد، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ولما نظرت إلى جراحة أبيها غسلت الدماء بالماء، وأحرقت قطعة حصيرة وجعلت رمادها على جبهة أبيها الرسول.

هذه الواقعة كما ذكرها المؤرخون، ولكن في زماننا - هذا - جاءت طائفة من الناس، واعتبروا هذه الواقعة ساحة لمسرحياتهم الشاذة، فكتبوا بكل إصرار وإلحاح وتكرار أن فاطمة كانت تحضر جبهات القتال وتضمِّد الجرحى، وتداويهم وتسعفهم!!!

أنا ما أدري ما يقصد هؤلاء الشواذ من اختلاق هذه الأكذوبة؟

إذا قامت سيدة بتضميد جراحة أبيها فقط وفقط في العمر مرة واحدة بعد انتهاء القتال هل يقال عنها: أنها كانت تحضر جبهات القتال وتضمد الجرحى وتداويهم؟؟

أنا ما أدري ما هدف هؤلاء من ترويج هذا الباطل وإشاعة هذا الافتراء؟

هل يريدون المسَّ بقدسيَّة السيدة فاطمة الزهراء ونزاهتها؟

أم يريدون فتح الطريق للاختلاط بين الجنسين.

ولنفرض أن نسيبة بنت كعب حضرت يوم أُحد لتضميد الجرحى فهل معنى ذلك أن نعتبر السيدة فاطمة الزهراء وهي سيدة نساء العالمين في العفاف والحياء والحشمة والنزاهة والعصمة نعتبرها كالموظفات في المستشفيات والمستوصفات ومؤسَّسات الإسعاف الدولية؟؟

أنا ما أدري ولعلهم يدرون ويعرفون ما يبرِّر لهم هذه الأكذوبة.

 

مَشَاكِلُ السَيدَةِ فَاطِمَة في دَارِ أبيهَا

ومن المشاكل التي عكَّرت - على السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) - حياتها أنها ابتليت ببعض زوجات أبيها الرسول، من اللواتي قد تكوَّنت عندهنَّ عقدة نفسية، فكنَّ يحسدن السيدة فاطمة الزهراء على مواهبها وفضائلها، وخاصة وأن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يغمر السيدة فاطمة بألطافه ويمطر عليها عواطفه، ويحبها حباً عجيباً يهيِّج في قلوب بعض نسائه الحسد الكامن.

فقد روى شيخنا المجلسي (عليه الرحمة) في السادس من البحار عن كتاب الخصال عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) منزله، فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها، وهي تقول: والله يا بنت خديجة ما ترين إلا أنّ لأُمُّك علينا فضلاً، وأي فضل كان لها علينا؟ وما هي إلاَّ كبعضنا!!

فسمع النبي مقالتها لفاطمة، فلما رأت فاطمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكت، فقال: ما يبكيك يا بنت محمد؟ قالت: ذكرت عائشة أُمي فنقّصتها فبكيتُ. فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: مَه يا حميراء! فإن الله تبارك وتعالى باركَ في الودود الولود وإن خديجة (رحمها الله) ولدت مني طاهراً (وهو عبد الله) وهو المطهّر، ووَلدت مني القاسم ورقية وأم كلثوم وزينب، وأنت ممن أعقم الله رَحِمه. فلم تلدي شيئاً.

ولعائشة مواقف غير مشكورة تجاه السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تدل على جانب كبير من انحرافها العميق العريق المتواصل، بحيث لم يُعهد تلك المواقف المتطرفة من بقية زوجات الرسول تجاه سيدة العالمين.

وفي هذا الحديث تصريح بأن بنات السيدة خديجة الكبرى كلهن من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا من زوج آخر وليس هذا الحديث هو الدليل الوحيد على ذلك بل توجد أدلَّة وبراهين قطعية على أنَّهن كنَّ بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) حقيقة، ومن صلبه، إلا أن المجال - في هذا الكتاب - لا يسع للشرح والتفصيل أكثر من هذا، ولعلنا نلتقي - إن شاء الله - بالقراء في غير هذا الكتاب حول هذا الموضوع، ونؤدي بعض ما يتطلبه البحث والتحقيق.

 

فَاطِمَةُ الزهْرَاءُ (عليها السلام) عَلَى أعتَابِ الزواج

كانت السيدة فاطمة الزهراء (عليه السلام) قد بلغت من العمر تسع سنوات، ولكنها كانت تتمتّع بالنمو الجسمي، بل الكمال الجسماني، وكانت تمتاز من صغر سنِّها بالنضج الفكري والرشد العقلي المبكر، وقد وهب الله لها العقل الكامل والذهن الوقاد، والذكاء الذي لا يوصف، ولها أوفر نصيب من الحس والجمال والملاحة، خلقةً ووارثة، فمواهبها كثيرة وفوق العادة وفضائلها الموروثة والمكتسبة تمتاز عن كل أنثى وعن كل ابن أنثى.

وأما ثقافتها الدينية والأدبية فحدِّث ولا حرج، وسيتضح لك أنها أعلم امرأة وأفضلها في العالم كله، ولم يشهد التاريخ امرأة حازت الثقافة والعلم والأدب بهذا المستوى، مع العلم أنها لم تدخل في مدرسة ولم تتخرج من كلية سوى مدرسة النبوة وكلية الوحي والرسالة.

فلا عجب إذا خطبها مشاهير أصحاب النبي، وكان النبي يعتذر إليهم ويقول: أمرها إلى ربها، إن شاء أن يزوِّجها زوَّجها.

وروى شعيب بن سعد المصري في (الروض الفائق): (فلما استنارت في سماء الرسالة شمس جمالها، وتم في أفق الجلالة بدر كمالها، امتدت إليها مطالع الأفكار وتمنّت النظر إلى حسنها أبصار الأخيار، وخطبها سادات المهاجرين والأنصار، ردَّهم (المخصوص من الله بالرضا) وقال: إني أنتظر بها القضاء).

وخطبها أبو بكر وعمر فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إنها صغيرة[83] وخطبها عبد الرحمن بن عوف، فلم يجبه النبي بل أعرض عنه.

بعد الانتباه إلى هذه الجملة وهي قوله (صلى الله عليه وآله): (أنها صغيرة) يتضح لنا تزوير الأقوال المروية بولادتها قبل المبعث بخمس سنين، إذ لو كان الأمر هكذا لكان عمرها يومذاك ثمانية عشر سنة كيف تكون صغيرة؟ وقد تزوَّج رسول الله (صلى الله عليه وآله) عائشة وعمرها على أكثر التقادير عشر سنوات، ولم يعتبرها الرسول صغيرة فكيف تكون ابنته الشابة صغيرة لا تصلح للزواج؟

ثم لو كان الأمر كما يزعمون وإنها ولدت قبل المبعث بخمس سنين لكان عمرها يوم كانت في مكة - قبل الهجرة - بين السادسة عشرة والسابعة عشرة، وهذه الفترة من العمر أحسن أوقات الزواج، فكيف لم يخطبها أحد في مكة، لا من بني هاشم ولا من غيرهم بل لم يُسمع أنها كانت في مظنة الخطبة والزواج؟؟

وقد روى علي بن المتقي في كتابه: (كنز العمال ج2 ص99) عن أنس بن مالك قال: جاء أبو بكر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقعد بين يديه فقال: يا رسول الله قد علمت مناصحتي وقِدَمي في الإسلام وأني وأني.. قال: وما ذاك؟ قال: تزوجني فاطمة. فسكت عنه أو قال: فأعرض عنه، فرجع أبو بكر إلى عمر فقال: هلكتُ وأهلكت. قال: وما ذاك قال: خطبت فاطمة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأعرض عني قال عمر: مكانك حتى آتي النبي فأطلب منه مثل الذي طلبت. فأتى عمر النبي (صلى الله عليه وآله) فقعد بين يديه فقال: يا رسول الله قد علمت مناصحتي وقِدَمي في الإسلام وأني وأني.. قال: وما ذاك؟ قال: تزوجني فاطمة. فأعرض عنه، فرجع عمر إلى أبي بكر فقال: إنه ينتظر أمر الله فيها.

وروى الهيثمي في (مجمع الزوائد): أن كُلاً من أبي بكر وعمر أمر ابنته أن تخطب فاطمة من رسول الله، فذكرت كل واحدة منهما فاطمة لأبيها، فأجابها رسول الله: حتى ينزل القضاء، فتمنَّت كل واحدة منهما أنهما لم تكن ذكرت للنبي شيئاً.

ولعل الرسول ما يكن يحب أن يصارحهم بأنه يدخرها لكفوها، وما أحب أن يصارحهم بأنهم ليسوا بأكفاء لها أو يفاجئهم بأن مستوى ابنته فوق المستويات.

كان الرسول يرى أن تجري الأشياء على مجراها الطبيعي، وكان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قد نزل في بيت سعد بن معاذ (على قول) منذ وصوله إلى المدينة، فجاء إليه سعد بن معاذ وهو في بعض بساتين المدينة وقال: ما يمنعك أن تخطب فاطمة من ابن عمك؟

وفي (منتخب العمال): انطلق عمر إلى علي رضي الله عنه فقال: ما يمنعك من فاطمة فقال: أخشى أن لا يزوِّجني! قال: فإن يزوِّجك فمن يزوج؟ وأنت أقرب خلق الله إليه.. إلخ.

إن علياً لم يذكر فاطمة طيلة حياته لأي أحد، ولم يذكر رغبته حياءً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم ظروفه الاقتصادية يومذاك كانت قاسية جدّاً، فما كان يملك من حطام الدنيا أموالاً ولا يملك في المدينة داراً ولا عقاراً، فكيف يتزوج؟ وأين يتزوج؟ وأين يسكن؟

وليست السيدة الزهراء بالمرأة التي يستهان بها في زواجها!

ولكن، لما كان المقصود من الزواج تشكيل البيت الزوجي وتأْسيس الصرح العائلي، ولم تكن قضية الجنس في طليعة الهدف بل كانت في ضمن الزواج فقد جاء الإسلام ليفتح الأغلال والتقاليد التي حبست على الناس سنّة الزواج، وشدّدت عليهم هذا الأمر الذي يعتبر من ضروريات الفطرة، ومن لوازم نظام البقاء والحياة الزوجية والعائلية.

فقد أصبح الزواج - بفضل الإسلام - أمراً سهلاً مستسهلاً، فالتعصب القِبَلي والعنصري قد أشرف على الزوال، وكان الرسول في دَور التكوين، وهو القدوة والأسوة للمسلمين، وحركاته وسكناته، وأعماله وأفعاله ستكون حجة ودليلاً عند المسلمين، فكان الرسول يحارب تقاليد الجاهلية وعادات الكفر باللسان واليد، قولاً وفعلاً.

فقد أتاه علي يخطب منه ابنته فاطمة، والنبي (صلى الله عليه وآله) له الولاية العامة على جميع المسلمين والمسلمات، وعلى ابنته ومن عداها، ولكنه (صلى الله عليه وآله) حفظ لفاطمة كرامتها، ولم يعلن موافقته للزواج قبل الاستئذان من فاطمة، وبعمله هذا أعلن أنه لابد من موافقة البنت لأنها هي التي تريد أن تعيش مع زوجها، وتكون شريكة حياته، ويكون شريك حياتها.

إن تزويج البنت بغير إذنها أو موافقتها إهدار لكرامتها وتحقير لنفسيتها، وتحطيم لشخصيتها، وتصريح عملي لها أنها لا يحق لها إبداء رأيها حول انتخاب الزوج فكأنها بهيمة أو داجنة تباع وتوهب بلا إذن منها أو موافقة.

فقال الرسول: يا علي قد ذكراها قبلك رجال، فذكرت ذلك لها، فرأيت الكراهة في وجهها، ولكن على رِسلك حتى أخرج إليك.

قام الرسول وترك علياً جالساً ينتظر النتيجة. ودخل على ابنته فاطمة، وأخبرها بأن علياً جاء يطلب يدها؛ ربما يحتاج الأب إلى أن يخبر ابنته عمن جاء يخطبها ويذكر لها أوصافه من حيث العمر والمهنة وبقية الخصوصيات إذا لم يكن معروفاً، لتكون البنت على علم وبصيرة.

ولكن هنا لا حاجة إلى ذلك، فعليّ (عليه السلام) أعرف من أن يعرّف، وفاطمة تعرف علياً وتعرف سوابقه ومواهبه وفضائله، ولا تجهل شيئاً. فاكتفي الرسول بأن قال: يا فاطمة إن علي بن أبي طالب مَن قد عرفتِ قرابته وفضله وإسلامه، وإني قد سألت ربي أن يزوِّجك خير خلقه، وأحبَّهم إليه، وقد ذكر عن أمرك شيئاً، فما ترين؟

فسكتت، ولم تولّ وجهها، ولم ير فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كراهة، فقام وهو يقول: الله أكبر! سكوتها إقرارها.

اعتبر الرسول سكوتها موافقة ورضي منها على الزواج، إذ لا ينتظر من الفتاة البكر الحييّة (ذات الحياء) أن تصرّح بموافقتها، بل ينتظر منها التصريح بالمخالفة والرفض عند عدم الموافقة، لأن الحياء يمنع التصريح بالموافقة، ولا يمنع التصريح بالرفض.

ورجع النبي إلى علي وهو ينتظر، فأخبره بالموافقة، وسأله عن مدى استعداده لاتخاذ التدابير اللازمة لهذا الشأن، إذ لابد من الصداق ودويّ على مر الأجيال، فلابدّ من رعاية جميع جوانبه، ولا يصح إهمال أي ناحية منه مع رعاية البساطة:

فقال النبي لعلي: هل معك شيء أزوجك به؟

فقال علي: فداك أبي وأمي! والله لا يخفى عليك من أمري شيء، أملك سيفي ودرعي وناضحي!![84].

هذه ثروة علي، وجميع ما يملكه من حطام الدنيا وهو مقبل على الزواج.

تلقّى كلامه برحابة صدر، وقال: يا علي! أما سيفك فلا غنى بك عنه، تجاهد به في سبيل الله، وتقاتل به أعداء الله، وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك، وتحمل عليه رحلك في سفرك، ولكني قد زوجتك بالدرع ورضيت بها منك، بِع الدرع وائتني بثمنه!!

كان علي (عليه السلام) قد أصاب هذه الدرع من مغانم غزوة بدر كان كما ذكره العسقلاني في (الإصابة ج4 ص365) وقد كان النبي أعطاه إياها، وكانت تسمَّى (الحطمية) لأنها كانت تحطِّم السيوف أي تكسِّرها، كما في (لسان العرب).

باع علي (عليه السلام) الدرع بأربعمائة وثمانين أو بخمسمائة درهم، وجاء بالدراهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وطرحها بين يديه، وتمَّ الوفاق على أن يكون ثمن الدرع صداقاً لأشرف فتاة في العالم، وأفضل أنثى في الكون، وهي سيدة نساء العالمين، وبنت سيد الأنبياء والمرسلين وأشرف المخلوقين!!

زوَّج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابنته الطاهرة من علي بن أبي طالب بهذه البساطة والسهولة ليفكِّك أغلال التقاليد التي قيَّد الناس بها أنفسهم، لقد صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما صنع ليقتدي به الناس الذين هم دونه في الشرف والمنزلة بملايين الدرجات.

وزوَّج ابنته وهي سيدة نساء العالمين بمهر قليل كي لا تستنكف الفتاة المسلمة أن تتزوج بمهر قليل.

وغير ذلك من الحِكَم والفوائد التي لا مجال لذكرها هنا، فقد جرى كل هذا في الأرض.

ولكن الله تعالى حفظ لسيدة النساء كرامتها، فقد زوَّج الله فاطمة الزهراء من علي بن أبي طالب قبل أن يزوِّجها أبوها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من علي، وليس ذلك ببعيد، فقد زوَّج الله من هي دون فاطمة الزهراء بدرجات ومراتب كثيرة، أليس الله قد زوَّج زينب بنت جحش من رسول الله بقوله تعالى: (فلما قضى زيد منها وطراً زوّجناكها).

أليس الله قد زوج رسوله امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي؟ فما المانع أن ينعقد مجلس العقد أو حفلة القِران في السماوات العلى، ويحضرها الملائكة المقرّبون كما صرَّحت بذلك الأحاديث؟

كل ذلك كرامة لها ولأبيها، وبعلها وبنيها الذين سيولدون منها، وهم حجج الله على الخلق أجمعين.

كانت حفلة القِران التي أقيمت في السماء الرابعة عند البيت المعمور وحيدة من نوعها فريدة بمزاياها، لم يشهد الكون مثلها، فقد اجتمع ملائكة السماوات كلها في السماء الرابعة ونُصب منبر الكرامة، وهو منبر من نور، وأوحى الله تعالى إلى مَلَكِ من ملائكة حُجُبه يقال له: (راحيل) أن يعلو ذلك المنبر، وأن يحمده بمحامده، ويمجِّده بتمجيده، وأن يثني عليه بما هو أهله، وليس في الملائكة أحسن منطقاً ولا أحلى لغةً من راحيل المَلَك، فعلا المنبر وقال:

(الحمد لله قبل أزليَّة الأولِّين، الباقي بعد فناء العالمين، نحمده إذ جعلنا ملائكة روحانيين، وبربوبيته مذعنين، وله على ما أنعم علينا شاكرين، وحَجَب عنا النهم للشهوات، وجعل نهمتنا وشهوتنا في تقديسه وتسبيحه).

الباسط رحمته، الواهب نعمته، جلَّ عن إلحاد أهل الأرض من المشركين وتعالى بعظمته عن إفك الملحدين ثم قال - بعد كلام - :

اختار الله الملك الجبار صفوة كرمه، وعبد عظمته لأمَته سيدة النساء، بنت خير النبيين وسيد المرسلين وإمام المتقين، فوصل حبله بحبل رجل من أهله، صاحبه المصدّق دعوته، المبادر إلى كلمته، على الوَصول بفاطمة البتول ابنة الرسول.

ثم أعقبه جبرئيل عن الله تعالى قوله: (الحمد ردائي، والعظمة كبريائي، والخلق كلهم عبيدي وإمائي، زوّجت فاطمة أمَتي من علي صفوتي اشهدوا يا ملائكتي)[85].

وقد روى هذا الحديث جمع من علماء العامة منهم:

عبد الرحمن الصفوري في (نزهة المجالس ج2 ص223) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: دخلت أم أيمن على النبي (صلى الله عليه وآله) وهي تبكي، فسألها عن ذلك، فقالت: دخل عليَّ رجل من الأنصار وقد زوَّج ابنته، وقد نثر عليها اللوز والسكر، فتذكرت تزويجك فاطمة ولن تنثر عليها شيئاً. فقال: والذي بعثني بالكرامة، وخصني بالرسالة إن الله لما زوج علياً فاطمة وأمر الملائكة المقربين أن يحدقوا بالعرش، فيهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وأمر الطيور أن تغني، فغنّت، ثم أمر شجرة طوبى أن تنثر عليهم اللؤلؤ الرطب مع الدر الأبيض مع الزبرجد الأخضر مع الياقوت الأحمر.

وفي رواية: إن الزواج عند سدرة المنتهى ليلة المعراج وأوحى الله إليها أن أنثري ما عليك فنثرت الدر والجوهر والمرجان.

وذكر الحافظ أبو نعيم في (حلية الأولياء ج5 ص59): عن عبد الله بن مسعود.. ثم أمر الله شجرة الجنان فحملت الحلي والحلل، ثم أمرها فنثرته على الملائكة، فمن أخذ منهم شيئاً يومئذ أكثر مما أخذ غيره افتخر به إلى يوم القيامة.

ورواه جماعة كالخوارزمي في (مقتل الحسين)، والعسقلاني في (لسان الميزان) و(تهذيب التهذيب) والقندوزي في (ينابيع المودة).

وفي نزهة المجالس عن أنس بن مالك رضي الله عنه: بينما النبي (صلى الله عليه وآله) في المسجد إذ قال لعليِّ: هذا جبرئيل أخبرني أن الله قد زوَّجك فاطمة؛ وأشهد على تزويجها أربعين ألف ملَك، وأوحى إلى شجرة طوبى أن أنثري عليهم الدرَّ والياقوت والحلي والحلل، فنثرت عليهم، فابتدرت الحور العين يلتقطن من أطباق الدر والياقوت والحلي والحلل، فهم يتهادونه إلى يوم القيامة. ورواه السيوطي في (تحذير الخواص).

وأجرى الرسول (صلى الله عليه وآله) صيغة العقد في المسجد وهو على المنبر، بمرأى من المسلمين ومسمع، وهكذا سنَّ رسول الله الإعلان والإشهاد في عقد النكاح، وكميَّة الصداق كي يقتدي به المسلمون فلا يغالوا في الصداق وقال (صلى الله عليه وآله): (لا تغالوا في الصداق فتكون عداوة). وجعل النبي (صلى الله عليه وآله) المهر الذي جرت عليه السنَّة خمسمائة درهم، وتزوَّج رسول الله بزوجاته بهذا المبلغ من الصداق وكذلك الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) كانوا لا يتعدون هذا المبلغ في الزواج.

باع عليّ (عليه السلام) الدرع، وجاء بالثمن للرسول، فقسّم النبي (صلى الله عليه وآله) المبلغ أثلاثاً: ثلثا لشراء الجهاز، وثلثا لشراء الطيب والعطر للزفاف، وثلثا تركه أمانة عند أم سلمة ثم ردّه إلى عليٍ قبيل الزفاف إعانةً ومساعدة منه إليه لطعام وليمة الزفاف.

من الطبيعي أن زواج علي (عليه السلام) من السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كان سبب هياج الحسد والعداء في بعض القلوب، وخاصة وأن بعضهم كان قد خطب فاطمة من أبيها فرفض طلبه، وأعرض عنه، فلا عجب إذا جاء إلى الرسول أناس من قريش فقالوا: إنك زوّجت علياً بمهر خسيس فقال لهم: ما أنا زوّجت علياً، ولكن الله زوَّجه ليلة أسرى بي عند سدرة المنتهى.. الخ[86].

وقال (صلى الله عليه وآله): إنما أنا بشر مثلكم، أتزوج فيكم وأزوِّجكم إلاَّ فاطمة، فإن تزويجها نزل من السماء[87].

ودفع الرسول شيئاً من المال لأبي بكر ليشتري لفاطمة متاعاً لبيتها الزوجي وبعث معه بلالاً، وسلمان ليُعيناه على حمل ما يشتري، وقيل: أردفه بعمار بن ياسر وجماعة، وقال لأبي بكر: اشترِ بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها.

قال أبو بكر: وكانت الدراهم التي أعطاني إياها ثلاثة وتسعين درهماً، فحضروا السوق فكانوا يعترضون الشيء مما يصلح، فكان ما اشتروه:

1 - فراشان من خيش مصر، حشو أحدهما ليف، وحشو الآخر من جز الغنم.

2 - نطع من أدم (جلد).

3 - وسادة من أدم حشوها من ليف النخل.

4 - عباءة خيبرية.

5 - قربة للماء.

6 - كيزان (جمع كوز) وجرار (جمع جرة) وعاء للماء.

7 - مطهرة للماء مزفّتة.

8 - ستر صوف رقيق.

9 - قميص بسبعة دراهم.

10 - خمار بأربعة دراهم.

11 - قطيفة سوداء.

12 - سرير مزمّل بشريط.

13 - أربعة مرافق من أدم الطائف حشوها إذخر (نبات معروف).

14 - حصير هجري.

15 - رحى لليد.

16 - مخضب من نحاس.

17 - قعب للبن.

18 - شنٌّ للماء.

حتى إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع وحمل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الباقي، فلما عرض المتاع على رسول الله وكان في حجرة أم سلمة جعل يقلّبه بيده ويقول: بارك الله لأهل البيت. وفي رواية: رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم بارك لقوم جُلُّ آنيتهم الخزف..

هذا جميع الأثاث والمتاع الذي اشتروه لابنة سيد الأنبياء، وهي أشرف أنثى، وسيدة نساء العالمين.

نعم، إن السعادة الزوجية لا تحصل عن طريق البذخ والترف والسرف، فإن الملابس الفاخرة، والكراسي الثمينة، والأحجار الكريمة وأواني الذهب والفضة، والفرش الغالية والستائر القيمة، والقصور الشاهقة والسيارات الضخمة، ووسائل التنوير والتبريد والتدفئة، وغيرها ليست من أسباب السعادة الزوجية التي يتصورها البسطاء من الناس.

فكم من امرأة ترفل في ثيابها وبدلاتها، وتجلس على فراش وثير، وتتلألأ الحلي - المرصّع بالمجوهرات - على جيدها ومعصميها، وشحمة أذنيها، ومع ذلك كله تشعر بأنها في جحيم، وتعتبر نفسها شقية في الحياة غير سعيدة في دنياها.

وكم من امرأة تعيش في كوخ أو بيت متواضع، تطحن وتعجن وتخبز وتغسل وتكنس وترضع وتتعب وتعيش بكل بساطة، محرومة عن مئات الوسائل مع ذلك تشعر بأنها سعيدة في حياتها، وكأن بيتها الصغير الضيّق البسيط جنة عدن.

ونفس هذا الكلام يجري في الرجال، فترى القصر المنيف المشيَّد الشامخ جحيماً على الرجل، يدخله كرهاً، وكأنَّه في قفص، ويحاول الخروج منه ساعة قبل ساعة.

وترى البيت المتواضع الحقير يأوي إليه الرجل بكل شوق ورغبة، ولا يحب مغادرة بيته حينما يرى البيت الزوجي مبنياً على أسس السعادة والخير.

ولكن مع الأسف أن ملايين الفتيان والفتيات يتصورون أن السعادة الزوجية والحياة السعيدة تحصل عن طريق الثروة والأثرياء، ويعتبرون البساطة في المعيشة من وسائل الشقاء وعلائم الحرمان.

فيبقى هؤلاء المساكين غير متزوجين وغير متزوجات، ينتظرون السعادة الزوجية تطرق باب دارهم!!

 

مِنْ صدَاقِ فَاطِمَة (عليها السلام) الشّفَاعَة يَوْم القيَامَة

إن كانت السيدة فاطمة (عليها السلام) قد تزوّجت بهذا المهر القليل نزولاً عند رغبة أبيها الرسول - حتى يقتدي به المسلمون - وتحقيقاً لأهدافه الحكيمة، فليس معنى ذلك أن تنسى السيدة فاطمة نفسها، أو تنسى عظمتها، بل لابدّ من المحافظة على مقامها الأسمى وحقيقتها الشريفة، ومكانتها العليا، وطموحها نحو الفضائل والقيم، ولهذا فقد روى أحمد بن يوسف الدمشقي في: (أخبار الدول وآثار الأول) قال: (وقد ورد في الخبر أنها لما سمعت بأن أباها زوّجها وجعل الدراهم مهراً لها فقالت: يا رسول الله إن بنات الناس يتزوّجن بالدراهم فما الفرق بيني وبينهن؟ أسألك أن تردها، وتدعو الله تعالى أن يجعل مهري الشفاعة في عصاة أمتك، فنزل جبرئيل (عليه السلام) ومعه بطاقة من حرير مكتوب فيها: (جعل الله مهر فاطمة الزهراء شفاعة المذنبين من أمة أبيها) فلما احتضرت أوصت بأن توضع تلك البطاقة على صدرها تحت الكفن. فوضعت، وقالت: إذا حشرت يوم القيامة رفعت تلك البطاقة بيدي وشفعت في عصاة أمة أبي[88].

إن هذا الحديث - كما تراه - يدل على ما كانت تتمتع به السيدة فاطمة الزهراء من علو الهمة وسموّ النفس، وعظمة الشخصية، وبُعد المدى، وجلالة القدر، فإنها تطلب من أبيها الرسول أن يدعو الله تعالى أن يمنحها هذا الحق العظيم وهو الشفاعة في يوم القيامة. وأستجيب دعاء الرسول ونفِّذ طلبه، ونزل صك من السماء إجابة لهذا الطلب، وستبرز السيدة فاطمة ذلك الصك عند الحاجة، كما روى الصفوري في (نزهة المجالس) قال: قال النسفي: سألت فاطمة رضي الله عنها النبي (صلى الله عليه وآله) أن يكون صداقها شفاعة لأمته يوم القيامة، فإذا صارت على الصراط طلبت صداقها.

وقد وردت روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حول أن الله تعالى جعل الشفاعة يوم القيامة من صداق السيدة فاطمة الزهراء.

 

الزّفَافُ وَمُقدّمَاتُه

وقعت فترة بين العقد والزفاف بدون قصد بل إن علياً (عليه السلام) كان يستحي أن يطالب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بزوجته، وكان الرسول أيضاً يحافظ على كرامة السيدة فاطمة فما ينبغي له أن يزف ابنته قبل مطالبة زوجها ذلك.

وطالت تلك الفترة شهراً أو شهوراً، وبقي الأمر مسكوتاً عنه، وأخيراً جاء عقيل إلى علي يسأله عن سبب السكوت والقعود، ويستنهضه للقيام بمقدمات الزفاف وكان علي (عليه السلام) يستحي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يطالبه أن يزفّ السيدة فاطمة ولكن عقيلاً ألح عليه، فخرجا يريدان الدخول على الرسول للمذاكرة حول الموضوع.

التقت أم أيمن بهما، وسألت منهما عدم التدخل مباشرةً، وتكفّلت هي إنهاء الأمر، ولهذا ذهبت إلى أم سلمة فأعلمتها بذلك، وأعلمت نساء النبي، فاجتمعن عند الرسول وكان في بيت عائشة فأحدقن به، وقلن: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! قد اجتمعنا لأمر لو أن خديجة في الأحياء لقرَّت بذلك عينها!!

فلما سمع النبي اسم خديجة بكى، ثم قال: خديجة وأين مثل خديجة؟ صدَّقتني حين كذّبني الناس، وآزرتني على دين الله، وأعانتني عليه بمالها!!

إن الله عز وجل أمرني أن أبشّر خديجة ببيت في الجنة من قصب الزمرد، لا صخب فيه ولا نصب.

قالت أم سلمة: فقلنا: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله إنك لم تذكر من خديجة أمراً إلاَّ وقد كانت كذلك، غير أنها مضت إلى ربها، فهنَّأها الله بذلك، وجمع بيننا وبينها في درجات جنته ورضوانه ورحمته.

يا رسول الله! هذا أخوك في الدنيا، وابن عمك في النسب، علي بن أبي طالب يحب أن تُدخل عليه زوجته فاطمة تجمع بها شمله.

وفي رواية: إن المتكلمة هي أم أيمن قالت: يا رسول الله! لو أن خديجة باقية لقرَّت عينها بزفاف فاطمة، وإن علياً يريد أهله، فقرِّ عين فاطمة ببعلها، واجمع شملهما، وقرِّ عيوننا بذلك.

فقال (صلى الله عليه وآله): فما بال علي لا يسألني ذلك؟

قالت: الحياء منك يا رسول الله!!

فقال - لأم أيمن - : انطلقي إلى علي فائتيني به.

خرجت أم أيمن، فإذا علي ينتظر ليسألها عن جواب رسول الله، وحضر علي (عليه السلام) عند الرسول (صلى الله عليه وآله) وجلس مطرقاً رأسه نحو الأرض حياءً منه، فقال له: أتحب أن تدخل عليك زوجتك؟ قال: نعم، فداك أبي وأمي! قال: نعم، وكرامة، أدخلها عليك في ليلتنا هذه أو ليلة غد إن شاء الله.

هيئ منزلاً حتى تحوِّل فاطمة إليه.

قال علي: ما هاهنا منزل إلاَّ منزل حارثة بن النعمان، فقال النبي: لقد استحينا من حارثة بن النعمان، قد أخذنا عامة منازله!!

وصل الخبر إلى حارثة، فجاء النبي وقال: يا رسول الله! أنا ومالي لله ولرسوله والله ما شيء أحبّ إلي مما تأخذه، والذي تأخذه أحب إليَّ مما تتركه!!

يا لروعة الإيمان بالله والرسول.

يا لجمال الاعتقاد بالآخرة والأجر والثواب!!

جعل حارثة أحد منازله تحت تصرّف علي، وقام علي بتأثيث حجرة العروس وتجهيزها، فقد بسط كثيباً (رملاً) في أرض الحجرة، ونصب عوداً يوضع عليه القربة واشترى جرّة وكوزاً، ونصبوا خشبة من حائط إلى حائط للثياب!!، وبسط جلد كبش، ومخدّة ليف!

هذا جميع ما كان يتمتع به علي (عليه السلام) من متاع الحياة الدنيا وزخرفها!! لقد مرّ عليك أن الصداق الذي استلمه النبي من علي قسّمه أثلاثاً: ثلثاً اشترى به المتاع، وثلثاً للطيب بمناسبة الزفاف، وثلثاً تركه أمانة عند السيدة أم سلمة، استرجع النبي الثلث الأخير من الصداق، وسلَّمه إلى علي كمساعدة، حيث أنه في مقتبل حياة جديدة، والحاجة ماسَّة إلى المال كما لا يخفى، وقال: يا علي إنه لابدّ للعروس من وليمة:

يا لشرف الإنسانية!!

يا لعظمة الأخلاق!!

يا لصدق المحبة والعاطفة!!

وتقدّم بعض الأصحاب إلى علي ببعض الهدايا، وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) علياً أن يصنع طعاماً فاضلاً، أمره بالوليمة لأن الله تعالى يحب إطعام الطعام، لأن الوليمة فيها خير كثير، وفائدة عامة ومنافع جمة، فهي إشباع البطون الجائعة، وغرس المحبة في القلوب، وقبل كل شيء فيها رضى الله سبحانه.

ولكننا - يا للأسف - استبدلنا الوليمة بحفلة القِران واستبدلنا الإطعام بتناول بعض المرطبات والحلويات التي لا تسمن ولا تغني من جوع!!

ومن الضروري أن لا ننسى أن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد ضربت الرقم القياسي في الإنفاق في سبيل الله، والإيثار ابتغاء وجه الله، ولعلك لا تجد مثيلة لهذه المكرمة في تاريخ النساء! فقد روى الصفوري في (نزهة المجالس ج2 ص226) عن ابن الجوزي أن النبي (صلى الله عليه وآله) صنع لها قميصاً جديداً ليلة عرسها وزفافها وكان لها قميص مرقوع وإذا بسائل على الباب يقول: أطلب من بيت النبوة قميصاً خَلِقاً، فأرادت أن تدفع إليه القميص المرقوع، فتذكرت قوله تعالى: (لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا مما تحبون). فدفعت له الجديد، فلما قرب الزفاف نزل جبرئيل قال: يا محمد! إن الله يقرؤك السلام، وأمرني أن أسلِّم على فاطمة، وقد أرسل لها معي هدية من ثياب الجنة من السندس الأخضر.. الخ.

لقد تهيأ طعام الوليمة، فلقد طبخ اللحم، وحضر الخبز، والتمر والسمن، وأقبل رسول العظمة (صلى الله عليه وآله) وحسر عن ذراعيه، وجعل يشدخ التمر في السمن ليكونا بمنزلة الحلويات والفطائر، وأمر النبي علياً أن يدعو الناس إلى وليمته.

أقبل علي (عليه السلام) إلى المسجد، والمسجد غاص بالمسلمين وهناك أهل الصَّفة وهم المهاجرون الذين ما كانوا يملكون يومذاك شيئاً. وهناك أهل المدينة من الأنصار وغيرهم وليسوا من الأغنياء، فما يصنع علي بهذا العدد الكثير مع الطعام القليل؟

ونفسيته الطاهرة الشريفة لا تسمح له أن يدعو قوماً ولا يدعو قوماً آخرين فالكل يحبون أن يأكلوا من وليمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) والجميع يرغبون إلى الحضور في تلك المأدبة المباركة.

لكن إيمان علي بقدرة الله تعالى، واعتقاده ببركات يمين رسول الله (صلى الله عليه وآله) هوَّن عليه كل شيء، فصعد على مكان عال، يسمعه كل أحد، ونادى: (أيها الناس أجيبوا إلى وليمة فاطمة بنت محمد).

وصل صوت علي حتى إلى بساتين المدينة ومزارعها، وأقبل الناس رجالاً ونساءً وحتى أهل البساتين، يأكلون ويشربون، ويحملون معهم من ذلك الطعام.

وهنا ظهرت بركة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ أن الطعام لم ينفذ، بل وكأنه لم ينقص، ودعا رسول الله بالأواني فملئت بالطعام، ووجَّه بها إلى بيوت زوجاته وأخذ صفيحة (آنية) وقال: هذه لفاطمة وبعلها!!

وغابت الشمس من ذلك اليوم، واقترب زفاف السيدة فاطمة إلى دار زوجها.

فهنا اتخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميع التدابير اللازمة لزفاف ابنته فاطمة وبالرغم من أن زواج السيدة فاطمة كان يمتاز بالبساطة والسهولة والابتعاد عن التكليف والترف، وما أشبه ذلك إلاَّ أنه كان محاطاً بآيات العظمة والجلالة والجمال حتى روى الهيثمي في مجمع الزوائد عن جابر أنه قال: حضرنا عرس علي وفاطمة رضي الله عنهما فما رأينا عرساً كان أحسن منه.. الخ.

أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) زوجاته بتزيين السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) استعداداً للزفاف، فقامت النسوة فضمَّخنها بالطيب، وألبسنها الحلي، فكانت إحداهن تمشط شعرها، والأخرى بتزيينها ولبست الحلَّة التي جاء بها جبرئيل من الجنة، وكانت الحلَّة لا تُقوَّم بقيمة، ولا تثمَّن بثمن.

وإنما بذل الرسول (صلى الله عليه وآله) هذه العناية الخاصة، وخصَّ ابنته السيدة فاطمة الزهراء بعواطفه الغزيرة دون سائر بناته لأسباب، منها:

فضائلها الشخصية، ومزاياها النفسية.

وأن زوجها علي بن أبي طالب صاحب المواهب والسوابق وهو ابن عم الرسول، ولم يكن في أصهاره من له تلك القرابة القريبة والمنزلة الخصيصة.

وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلم أن ابنته الطاهرة ستشملها آية التطهير وآية المباهلة والقربى.

وأنها أم اللأئمة الطاهرين إلى يوم القيامة.

لقد جاءت تلك الليلة التي ستشعر السيدة فاطمة بأنها يتيمة، وتشعر بفقدان أمها خديجة، والأم لها دور مهم في ليلة عرس ابنتها، ولكن أين خديجة هذه الليلة؟

ولما انصرفت الشمس نحو الغروب دعا الرسول بابنته الطاهرة ودعا بصهره العظيم فأقبلت السيدة فاطمة وقد لبست ثوباً طويلاً، تجرّ ذيلها على الأرض، وقد تصبّبت عرقاً حياءً من أبيها سيد الأنبياء.

وقد شاء الله تعالى أن يكون زواج السيدة فاطمة ممتازاً من جميع الجوانب والنواحي وهكذا أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا تشعر ابنته العزيزة باليتم، ولهذا، ولغير ذلك أتى النبي ببغلته الشهباء، وثنى عليها قطيفة، وقال لفاطمة: اركبي.

وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) سلمان أن يقود البغلة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسوقها[89].

بالله عليك - أيها القارئ - هل سمعت أو قرأت في تاريخ عظماء الدنيا - من أنبياء وملوك ووزراء وسلاطين - أن بنتاً تزف إلى دار زوجها، وسيِّد الأنبياء يسوق بغلتها؟

نعم، لقد اشترك أهل السماء مع أهل الأرض في زفاف الإنسية الحوراء فقد روى الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ج5 ص7) والحمويني في (درر السمطين) والذهبي في (ميزان الاعتدال) والعسقلاني في (لسان الميزان) والقرماني في (أخبار الدول) والقندوزي في (ينابيع المودة) عن ابن عباس أنه قال:

لمّا زفت فاطمة إلى علي كان النبي (صلى الله عليه وآله) قُدامها، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك خلفها، يسبّحون الله ويقدّسونه حتى طلع الفجر.

وهكذا اجتمع رجالات بني هاشم يمشون في موكب السيدة. وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بنات عبد المطلب (عماته) ونساء المهاجرين والأنصار أن يرافقن فاطمة في تلك المسيرة وكانت زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله) يمشين قُدَّامها، ويرجزن فكانت أم سلمة تقول:

سِرنَ بعون الله جاراتي***واشكرنه في كل حالات

واذكرن من أنعم رب العلى***من كشف مكروه وآفات

فقد هدانا بعد كفر، وقد***أنعشنا ربّ السماوات

وسرن مع خير نساء الورى***تُفدى بعمَّاتٍ وخالات

يا بنت من فضله ذو العلى***بالوحي منه والرسالات

ثم قالت عائشة:

يا نسوة استترن بالمعاجز***واذكرن ما يحسن في المحاضر

واذكرن ربِّ الناس إذ يخصنا***بدينه مع كل عبد شاكر

والحمد لله على أفضاله***والشكر لله العزيز القادر

سرن بها فالله أعطى ذكرها***وخصّها منه بطهر طاهر

ثم قالت حفصة:

فاطمة خير نساء البشر***ومن لها وجه كوجه القمر

فضَّلك الله على كل الورى***بفضل من خصَّ بآي الزمَّر

زوَّجك الله فتىً فاضلاً***أعني علياً خير من في الحضر

فَسرن جاراتي بها إنها***كريمة بنت عظيم الخطر

ثم قالت معاذة أم سعد بن معاذ:

أقول قولاً فيه ما فيه***وأذكر الخير وأبديه

محمد خير بني آدم***ما فيه من كبرٍ ولا تيه

بفضله عرَّفنا رشدنا***فالله بالخير يجازيه

ونحن مع بنت نبي الهدى***ذي شرف قد مكنت فيه

في ذروة شامخة أصلها***فما أرى شيئاً يدانيه

وكانت النسوة يرجّعن أول بيت من كل رجز، ودخلن الدار، ثم أنفذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى علي ودعاه ثم دعا فاطمة فأخذ يدها ووضعها في يد علي وقال: بارك الله في ابنة رسول الله.

يا علي! هذه فاطمة وديعتي عندك!

يا علي! نعم الزوجة فاطمة!

ويا فاطمة! نعم البعل علي!!

اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في سبيلهما، اللهم إنهما أحب خلقك إلي فأحبهما، واجعل عليهما منك حافظاً، وإني أعيذهما بك وذريتهما من الشيطان الرجيم.

ثم دعا بماءٍ فأخذ منه جرعة فتمضمض بها، ثم مجها في القعب، ثم صبّها على رأس فاطمة وعلى صدرها وبين كتفيها ثم دعا علياً فصنع به كما صنع بها.

وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) النساء بالخروج فخرجن، وبقيت أسماء بنت عميس، فلما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يخرج رأى سواداً فقال: من أنت؟ قالت: أسماء بنت عميس! قال: ألم آمرك أن تخرجي؟ قالت: بلى يا رسول الله! فداك أبي وأمي، وما قصدت خلافك، ولكني أعطيت خديجة عهداً - وحدثَتْه - فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ هاجت عواطفه من حديث خديجة، وإنها كانت تتفكر حول تلك الليلة، وأن فاطمة - الليلة - منكسرة القلب.

فقال لها: بالله لهذا وقفت؟ قالت أسماء: نعم، والله! فقال (صلى الله عليه وآله): يا أسماء، قضى الله لك حوائج الدنيا والآخرة.

 

الأقَوالُ حَوْلَ سَنَةِ زَوَاجهَا

اختلف المؤرخون والمحدثون في تاريخ سنة زواج السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) فقد روى السيد ابن طاووس في الإقبال بإسناده إلى الشيخ المفيد: إن زواجها كان ليلة إحدى وعشرين من المحرم سنة ثلاث من الهجرة.

وفي المصباح: في أول يوم من ذي الحجة، وروي أنه كان يوم السادس منه.

وفي الأمالي: أن زواجها كان بعد وفاة رقية زوجة عثمان بستة عشر يوماً وذلك بعد رجوعه من بدر، وذلك لأيام خلت من شوال.

 

مُشكِلَةُ أسْمَاء بنْتِ عُميس وَأمّ سَلمَة

إن أسماء بنت عُميس كانت زوجة جعفر بن أبي طالب وقد هاجر جعفر إلى الحبشة مع زوجته وعدد من المسلمين قبل الهجرة من مكة بسنوات، ورجع جعفر من الحبشة إلى المدينة يوم فتح خيبر في السنة الخامسة من الهجرة.

هذا هو المتفق عليه بين المؤرخين، ولكنك تجد حديثاً يصرّح به بحضور أسماء بنت عُميس عند السيدة خديجة الكبرى ساعة وفاتها في مكة كما مر عليك.

وتجد الأحاديث الكثيرة التي تصرِّح بحضورها في زواج السيدة فاطمة الزهراء تجد التصريح باسمها واسم أبيها واللقب: (أسماء بنت عُميس الخثعمية).

وقد روى صاحب كشف الغمة حضور أسماء بنت عُميس الخثعمية في زواج السيدة فاطمة، ورواه الحضرمي في (رشفة الصادي ص10) وأحمد بن حنبل في (المناقب) والهيثمي في (مجمع الزوائد) والنسائي في (الخصائص ص31) ومحب الدين الطبري في (ذخائر العقبى) عن ابن عباس، وعن الخوارزمي عن الحسين بن علي (عليهما السلام) وعن السيد جلال الدين عبد الحميد بن فخار الموسوي، وعن الدولابي وعن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام).

وروى عن بعض هؤلاء شيخنا المجلسي في العاشر من البحار، مع العلم أن زواج السيدة فاطمة كان بعد واقعة بدر، وقبل واقعة أحد، أي في السنة الأولى أو الثانية من الهجرة، فكيف الجمع بين هذين القولين؟

وهذه مشكلة تاريخية لم يجد المؤرخون لها حلاً مقبولاً صحيحاً، وقد تكلَّف شيخنا المجلسي في العاشر من البحار ببعض التأويلات أو التصرفات. ولكنها لا تتفق مع التصريح باسم أسماء بنت عُميس الخثعمية.

وأعجب من هذا ما ذكره القمي في سفينة البحار في مادة (ك ذ ب) عن مجاهد قال: قالت أسماء بنت عُميس: كنت صاحبة عائشة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله، ومعي نسوة، وقالت: فوالله ما وجدنا عنده قوتاً إلاَّ قدحاً من لبن، فشرب ثم ناوله عائشة، فاستحيت الجارية فقلت لها: لا تردي يد رسول الله، خذي منه فأخذته على حياء فشربت منه، ثم قال: ناولي صواحبك فقلن: لا نشتهيه. فقال: لا تجمعن جوعاً وكذباً، قالت: فقلت: يا رسول الله إن قالت إحدانا - لشيء - : لا نشتهيه أيعدُّ ذلك كذباً؟ قال (صلى الله عليه وآله): إن الكذب ليكتب حتى يكتب الكذيبة كذيبة.

كان المقصود من ذكر هذا الحديث هو حضور أسماء بنت عميس في زواج الرسول بعائشة وكان ذلك قبل زواج السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).

أضف إلى هذا أنه قد اشتهر بالتواتر حضور أسماء بنت عميس عند ولادة الإمام الحسين (عليه السلام) في السنة الرابعة أو الخامسة من الهجرة، وكل ذلك قبل فتح خيبر، أي قبل رجوع جعفر بن أبي طالب من الحبشة.

وقد روى شيخنا المجلسي في العاشر من البحار عن محمد بن يوسف الكنجي في كتابه: (كفاية الطالب) حضور أسماء بنت عميس في زواج السيدة فاطمة الزهراء، قال محمد بن يوسف: هكذا رواه ابن بطة، وهو حسن عال، وذكر أسماء بنت عميس في هذا الحديث غير صحيح لأن أسماء هذه امرأة جعفر بن أبي طالب.. إلى أن قال: وأسماء التي حضرت في عرس فاطمة (عليها السلام) إنما هي أسماء بنت يزيد ابن السكن الأنصاري، وأسماء بنت عميس كانت مع زوجها جعفر بالحبشة، وقدم بها يوم فتح خيبر سنة سبع، وكان زواج فاطمة (عليها السلام) بعد وقعة بدر بأيام يسيرة، فصحَّ بهذا أن أسماء المذكورة في هذا الحديث إنما هي بنت يزيد.. الخ.

أقول: لو لم يكن في الأحاديث تصريح باسم أسماء واسم أبيها ولقبها لأمكن هذا التوجيه أو التأويل، ولكن كيف يصح هذا التكلف والتعسّف في التأويل في مقابل هذا النص الصريح، وهو: (أسماء بنت عميس الخثعمية)؟

وأما أسماء بنت يزيد الأنصاري كيف كانت أنصارية أي يوم توفيت السيدة خديجة مع العلم أنها أنصارية أي من أهل المدينة؟ والحال أن أسماء التي حضرت وفاة خديجة في مكة هي التي حضرت زواج فاطمة الزهراء في المدينة.

وإنني أظن أن الكنجي إنما قال هذا لوجود المشاركة في الاسم بين أسماء بنت عميس وأسماء بنت يزيد، ولم يذكر أحد من المؤرخين حضور أسماء الأنصارية في مكة عند وفاة السيدة خديجة.

والذي يقوى عندي أن الحل الصحيح والجواب المعقول: أن أسماء هذه هي أسماء بنت عميس الخثعمية زوجة جعفر بن أبي طالب، وأنها هاجرت مع زوجها إلى الحبشة، ولكنها رجعت إلى مكة وهاجرت إلى المدينة، ولعلها كررت سفرها إلى الحبشة لأن المسافة من جدة إلى الحبشة هي مسافة عرض البحر الأحمر، وليس قطع هذه المسافة بالصعب المستصعب ذهاباً وإياباً، وإن كان التاريخ لم يذكر ذلك لأسماء فإن التاريخ أيضاً لن يذكر لأبي ذر الغفاري قوله: كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة.. الخ روى ذلك الشيخ المجلسي عن كتاب: (علل الشرائع) للصدوق.

وقد ظفرت برواية رواها المجلسي في العاشر من البحار في باب تزويج السيدة فاطمة (عليها السلام) عن كتاب (مولد فاطمة) عن ابن بابوية: أمر النبي بنات عبد المطلب.. إلى أن يقول: والنبي (صلى الله عليه وآله) وحمزة وعقيل و(جعفر) وأهل البيت يمشون خلفها.. إلخ.

فالتصريح بوجود جعفر يحل هذه المشكلة.

بقيت هنا كلمة: وهي أن هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله) كانت بعد وفاة السيدة خديجة الكبرى قطعاً، على اختلاف في تاريخ وفاتها في الشهور والأعوام قبل الهجرة.

ولكن الظاهر أن السيدة خديجة توفيت قبل الهجرة بأقل من سنة، ومن ناحية أُخرى كانت هجرة جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة مرتين، وهجرته الثانية كانت بعد وفاة السيدة خديجة، وقبل هجرة الرسول إلى المدينة، والدليل على ذلك هو الخبر المروي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم كان في الغار قال: (إني أرى سفينة جعفر تعوم في البحر).

ومن هنا يسهل علينا أن نعرف بأنَّ بنت عميس كانت في مكة يوم وفاة خديجة، وأنها قد حضرت عند وفاتها.

وأما مشكلة أُم سلمة، فإننا نجد اسم السيدة أُم سلمة في الأيام التي سبقت زواج السيدة فاطمة الزهراء، فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) في بيتها يوم خطبة علي (عليه السلام) من فاطمة الزهراء، وقد سمعت أن النبي أودع عندها شيئاً من صداق فاطمة الزهراء وكانت مرجع النساء في قضايا زواج السيدة فاطمة.

مع العلم أن المؤرخين ذكروا أن الرسول (صلى الله عليه وآله) تزوجها في السنة الرابعة من الهجرة، وزواج السيدة فاطمة كان في السنة الثانية من الهجرة بعد بدر وقبل أُحد، فكيف كانت أُم سلمة في هذه المراحل مع العلم أنها لم تكن زوجة للنبي (صلى الله عليه وآله) يومذاك.

نجيب عن هذا الكلام بما يلي:

أولاً: المناقشة في سنة زواجها من الرسول (صلى الله عليه وآله) فلعل الرسول تزوجها في أوائل الهجرة، أو أن زواج السيدة فاطمة الزهراء كان في السنة الرابعة من الهجرة وهذا احتمال بعيد وقول ضعيف لا يُعبأُ به.

ثانياً: إن السيدة أُم سلمة هي بنت عمة النبي (صلى الله عليه وآله) فلا مانع أن تساهم في مراحل زواج السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بحيث أن النبي يستودعها صداق فاطمة الزهراء، أو يكون لها اقتراح ورأي في تعجيل زفاف السيدة فاطمة الزهراء.

هذا ما يتبادر إلى ذهني والله العالم بحقائق الأمور.

 

بَيْتُ فَاطِمَة (عليها السلام)

إن الحضارة - اليوم - بدأت تشعر بضرورة احترام بعض المساكن والمباني والأراضي، وذلك بعد أن شعرت باحترام الفضيلة وأهلها، والتقدير عن الشرف والعلم والقيم.

وعلى هذا الأساس أحدثت الحضارة قانوناً بل قوانين بهذا الشأن، ورعاية لهذا الأمر، فالصيانة الدبلوماسية التي منحها القانون لمباني السفارات والهيئات الدبلوماسية وهكذا القوانين التي تفرض احترام الجامعات والمعاهد العلمية والمساجد والمعابد تقديراً للعلم والدين والثقافة هي من نتائج الشعور بهذا المعنى.

ولكن هذه الحقيقة كانت ثابتة عند الله تعالى، وعند أوليائه من أهل السماوات والأرض منذ الأزل، وانطلاقاً من هذه الحقيقة نجد الأحكام الواردة حول احترام المساجد وخاصة المسجد الحرام، وتحريم الدخول فيه على بعض الأفراد كالمشركين أو المجنب أو الحائض، وتحريم تنجيسها، أو إتيان ما ينافي قدسيتها واحترامها، أو الصيد في الحرم (وهو المناطق المحيطة بمكة من جميع الجوانب، حسب حدود معينة مذكورة في كتب الفقه).

بعد ذكر هذه المقدمة اعلم أن البيت الذي كانت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تسكن وتعيش فيه كان محاطاً بالقداسة والروحانية والنور، كان ذلك البيت مبنياً بمواد الاحترام والتقدير، والتجليل والتبجيل، يعرف حق ذلك البيت كل من يعرف حق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها.

وقد روى شيخنا المجلسي (عليه الرحمة) عن أنس بن مالك وعن بريدة قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله): في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبّح له بالغدو والآصال. فقام رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال: بيوت الأنبياء. فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول الله! هذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت علي وفاطمة، قال: نعم، من أفضلها!!

وعن ابن عباس قال: كنت في مسجد رسول الله، وقد قرأ القارئ: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه..) فقلت: يا رسول الله! ما البيوت؟ فقال: بيوت الأنبياء. وأومأ بيده إلى منزل فاطمة!

وفي الكافي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) يريد فاطمة (عليها السلام) وأنا معه، فلما انتهينا إلى الباب وضع يده عليه فدفعه، ثم قال: السلام عليكم. فقالت فاطمة (عليها السلام): عليك السلام يا رسول الله، قال: أأدخل؟ قالت: أدخل يا رسول الله قال: أدخل أنا ومن معي؟ فقالت: يا رسول الله ليس علي قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك، فقنّعي به رأسك. ففعلت. ثم قال: السلام عليكم. فقالت: وعليك السلام يا رسول الله قال: أأدخل؟ قالت: نعم يا رسول الله قال: أنا ومَن معي؟ قالت: أنت ومَن معك.. إلخ

 

حيَاتُهَا الزّوْجيّة

انتقلت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) إلى البيت الزوجي، وكان انتقالها من بيت الرسالة والنبوة إلى دار الإمامة والوصاية والخلافة والولاية، وحصل تطور في سعادة حياتها، فبعد أن كانت تعيش تحت شعاع النبوة صارت تعيش قرينة الإمام.

كانت حياتها في البيت الزوجي تزداد إشراقاً وجمالاً إذ كانت تعيش في جوٍّ تكتنفه القداسة والنزاهة، وتحيط به عظمة الزهد وبساطة العيش، وكانت تعين زوجها على أمر دينه وآخرته، وتتجاوب معه في اتجاهاته الدينية، وتتعاون معه في جهوده وجهاده.

وما أحلى الحياة الزوجية إذا حصل الانسجام بين الزوجين في الاتجاه والمبدأ ونوعية التفكير، مبنياً على أساس التقدير والاحترام من الجانبين.

وليس ذلك بعجيب، فإن السيدة فاطمة الزهراء تعرف لزوجها مكانته العظمى ومنزلته العليا عند الله تعالى، وتحترمه كما تحترم المرأة المسلمة إمامها، بل أكثر وأكثر، فإن السيدة فاطمة كانت عارفة بحق علي حق معرفته، وتقدره حق قدره، وتطيعه كما ينبغي، لأنه أعز الخلق إلى رسول الله.

لأنه صاحب الولاية العظمى، والخلافة الكبرى والإمامة المطلقة.

لأنه أخو رسول الله وخليفته، ووارثه ووصيه.

لأنه صاحب المواهب الجليلة، والسوابق العظيمة.

وهكذا كان علي (عليه السلام) يحترم السيدة فاطمة الزهراء احتراماً لائقاً بها، لا لأنها زوجته فقط:

بل لأنها أحب الخلق إلى رسول الله.

لأنها سيدة نساء العالمين.

لأن نورها من نور رسول الله.

لأنها من الذين بهم فتح الله كتاب الإيجاد والوجود، لأنها كتلة من العظمة.

لأنها مجموعة من الفضائل متوفرة في امرأة واحدة لاستحقت التقدير والتعظيم.

فكيف بفاطمة الزهراء، وقد اجتمعت فيها من المزايا والمواهب والفضائل والمكارم ما لم تجتمع في أية امرأة في العالم كله، من حيث النسب الشريف الأرفع، والروحانية والقدسية، من حيث بدء الخلقة ومنشأ إيجادها وكرامتها عند الله، وعبادتها وعلمها وديانتها، وزهدها وتقواها وطهارتها ونفسيتها وشخصيتها، وغير ذلك من مئات المزايا مما يطول الكلام بذكرها.

بعد ما قصصنا ولم نقصص عليك يمكن لك أن تدرك الجوّ الذي كان الزوجان السعيدان يعيشانه، والحياة الطيبة السعيدة الحلوة (بجميع معنى الكلمة) التي كانا يتمتعان بها:

حياة لا يعكِّرها الفقر، ولا تغيّرها الفاقة، ولا تضطرب بالحوادث.

حياة يهب عليها نسيم الحب والوئام، وتزينها العاطفة بجمالها المدهش.

وفي البحار عن المناقب قال علي (عليه السلام): فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عز وجل، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، لقد كنت انظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان.

وفي تفسير العياشي عن الإمام الباقر (عليه السلام): أن فاطمة (عليها السلام) ضمنت لعلي (عليه السلام) عمل البيت والعجين والخبز، وقمَّ البيت، وضمن لها علي (عليه السلام) ما كان خلف الباب: نقل الحطب وأن يجيء بالطعام.

لم يُعلم بالضبط مدة إقامة الإمام والسيدة فاطمة (عليهما السلام) في دار حارثة بن النعمان، إلاّ أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنى لها بيتاً ملاصقاً لمسجده، له باب شارع إلى المسجد، كبقية الحجرات التي بناها لزوجاته، وانتقلت السيدة إلى ذلك البيت الجديد الملاصق لبيت الله، المجاور لبيت رسول الله (صلى الله عليه وآله).

 

أُكْذُوبَةُ التَاريخ في حَقِّ عَليّ (عليه السلام)

لقد تكرر منّا الكلام أن بعض حَمَلة الأقلام أساءوا إلى السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في شتى الميادين ومختلف المجالات، وقد تقدم منا الكلام أن زواج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد هيَّج الأحقاد في قلوب الحاسدين، فجعلوا يتشبثون بشتى الوسائل لتعكير حياة الزوجين السعيدين، وإثارة الفتن والمشاغبات، كما هو شأن المفسدين الذين تتكون عندهم عقدة الحقارة النفسية بسبب الفشل في الحياة.

ومن جملة تلك المشاغبات أنهم أشاعوا أن عليّاً قد خطب ابنة أبي جهل، ووصل الخبر إلى السيدة فاطمة الزهراء أن زوجها قد خطب بنت رئيس المشركين وقطب الكافرين أبي جهل.

فتأثرت السيدة فاطمة وذهبت إلى حجرة أبيها الرسول (صلى الله عليه وآله) ولكن سرعان ما انكشف الأمر، واتضحت الحقيقة، وظهر تزوير هذا الخبر.

هذه خلاصة الحديث على فرض صحته.

ولكن هلم معي إلى بعض المؤلفين والكُتّاب كيف اتخذوا هذه التهمة مرتعاً خصباً للتهريج والتشنيع ضد الإمام أمير المؤمنين، فجعلوا يطبّلون ويزمّرون من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

ومن جملة المطبّلين والمزمّرين هي الكاتبة المصرية التي كتبت ما كتبت وهي غير مبالية بما تكتب، أو متعمدة فيما تكتب، فإنها اعتبرت هذه الأكذوبة حقيقة ثابتة عندها، لا شك فيها ولا ريب.

وهنا نقتطف بعض ما كتبته الكاتبة المصرية في كتابها: (بنات النبي) ص167.

(لقد همّ علي بالزواج على فاطمة.. دون أن يخطر بباله أن في هذا ما تنكره بنت نبي الإسلام).

أنا لا أدري بماذا أُجيب على هذه الكلمة الهوجاء التائهة؟

وهل يوجد في العالم كله رجل لا يشعر أن زوجته تكره الضرّة؟ وتكره أن يتزوج عليها زوجها؟

إنَّ أقلَّ الناس إدراكاً ومعرفة بالأمور يشعر بهذا الأمر، ولكن الكاتبة تقول: (دون أن يخطر بباله (ببال علي) أن في هذا ما تنكره بنت نبي الإسلام)!!

وتقول بعد ذلك: (ألا ليت علياً قد صبر على واحدة).

ثم إنّها ملأت صفحات من كتابها في ذم أبي جهل ومواقفه ضد الإسلام، ثم قارنت بين بنت أبي جهل وبين بنت الرسول، وهي بهذه المقارنة تقصد التشنيع والتهريج ضدّ هذا الزواج المزعوم.

ومن العجب أن الكاتبة نفسها تبدي استيائها من بعض المستشرقين المسيحيين المتعصبين الذين تلاعبوا بالتاريخ الإسلامي، وتخص الكاتبة منهم (لامانس) المبشّر المسيحي المعادي.

ومع الأسف أن الكاتبة نفسها نسيت التريّث والتروّي حول هذه المفتريات، واعتبرتها وحياً يوحى.

واستعانت الكاتبة بنسيج خيالها ووصفها الروائي الذي هو عادة مؤلفي الأساطير.

وهنا يجيب العلامة المعاصر السيد حسن الأمين - عن هذه المفتريات - في الجزء الثالث من كتابه (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ص10) تحت عنوان: دسائس على النبي وعليّ وفاطمة: ورد في كتاب ذخائر العقبى أن علياً أراد أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة، وأن النبي غضب لذلك وصعد المنبر محتداً ناقماً على هذا الأمر، شاجباً له، بالتفاصيل المزرية التي وردت في الكتاب مما هو طعن صريح بمحمد، فضلاً عن أنه طعن بعليٍّ وفاطمة.

أمّا أنه طعن بمحمد، فذلك أنه أظهره بمظهر من يرفض أن يطبّق الشريعة على نفسه وعلى من يتصل به في حين أنه يفرض على غيره تطبيقها.

فهو يبيح للناس تعدد الزوجات، ولكن يأبى أن ينطبق هذا التعدد على ابنته.

وهذا من أفظع ما يوجَّه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من مطاعن ولكن أعداء محمد استطاعوا أن يفعلوا ذلك، وأن يستغلوا ذوي النظر القصير، فيروونه في كتبهم ولا يرون فيه شيئاً.

أمّا أنه طعن في علي، فذلك بإظهاره بمظهر من أغضب فاطمة وأغضب النبي نفسه.

وأمّا أنه طعن فاطمة، لأنها ترفض أن تطبِّق شريعة الله التي جاء بها أبوها على نفسها.

نحن لن نتعرض لسند الخبر، فإن هذا الخبر بادئ الفساد من نفسه ولكننا نتساءل: لماذا خصّ رواة الخبر بنت أبي جهل بهذا الشرف؟

ولماذا لم ينسبوا إلى علي محاولته التزوج على فاطمة من غير بنت أبي جهل؟

أكان ذلك لأن بنت أبي جهل كانت من الجمال والكمال بحيث لم تكن أي فتاة عربية غيرها على شيء من مثلها؟

إنما خصُّوا بذلك بنت أبي جهل ليكون الطعن في علي (عليه السلام) أبلغ وأنفذ، فهو لم يختر لإغاظة النبي وابنته فاطمة إلاّ بنت أعدى عدوٍّ للنبي والإسلام.

كشفتْ الدسيسة عن نفسها، وفضحت مخترعيها ولو كانوا أكثر ذكاءً لخففّوا من غلوائهم، ولم يمدحوا أنفسهم وهم يشتمون محمداً وابنته وابن عمه.

فقد أوردوا في القصة هذا النص عن لسان النبي: (ذكر - النبي - صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن).

قال - النبي - : (حدَّثني - أي ذلك الصهر من بني عبد شمس - فصدَّقني، ووعدني فأوفاني).

ومعنى هذا الكلام أن النبي يثني على صهره الأموي من بني عبد شمس ويقول عنه: أنّه حدّثه فصدقه في حديثه، ووعده فوفى بما وعد!

والنتيجة الحتمية لهذا الكلام أن صهر النبي الآخر (علي بن أبي طالب) حدَّث النبيَّ وكذب، ووعد النبي فغدر ولم يفِ، وأن النبي ذمَّه في مصاهرته إياه!!

وهكذا - كما قلنا - فضحت الدسيسة نفسها بنفسها وأظهرت زيفها دون أن تحوجنا في ذلك إلى كثير عناء.

أُريدَ لهذا الخبر الزائف غاية أُخرى مضافة إلى غاية الطعن في النبي وفي علي وفاطمة، هذه الغاية هي صرف الأنظار عن حقيقة الذين أغضبوا فاطمة، وجعل المقصود بذلك هو علي بن أبي طالب.

فقد أورد مدبّرو الخبر ومنظّموه - أوردوه بعدَّة نصوص ليكون في كل نصٍ غاية مستقلة.

ومن النصوص التي أوردها قولهم: قال النبي: (فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما يؤذيها).

ثم فسّروا هذا الحديث بأن قالوا: إن المقصود منه أنَّ الله حرَّم على علي أن يتزوج على فاطمة ويؤذي رسول الله.

 

ولاَدَةُ الإمَام الحَسَن (عليه السلام)

وحملت السيدة فاطمة الزهراء بولدها الحسن (عليه السلام) وعمرها اثنتا عشرة سنة وانتقل شيء من نور الإمام والإمامة من صلب علي إلى فاطمة، ومن الطبيعي أن النور يتجلى في وجهها، ويزهر وجهها كي يصدق عليها اسم (الزهراء).

واقتربت الولادة، واتفقت للرسول سفرة جاء يودّع ابنته فاطمة، فأوصاها بوصايا تتعلق بالمولود المنتظر ومنها: أن لا يلفّوه في خرقة صفراء.

ووضعت فاطمة ولدها الأول في النصف من شهر رمضان (على قول) سنة ثلاث من الهجرة، فكان يوماً عظيماً، وقد حضرت عند الولادة أسماء بنت عميس فلفّوه في خرقة صفراء، لا تعمداً ومخالفة للرسول، بل سهواً وغفلة أو جهلاً من النسوة اللاتي حضرن الولادة.

فأقبل النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: أروني ابني، ما سميتموه؟

وكانت فاطمة قالت لعلي (عليه السلام): سم