الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ  1425 هـ . ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الــصــحـيـــح

من سيرة النبي الأعظم

(صلى الله عليه وآله)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الأول

المركز الإسلامي للدراسات

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ونبرأ من أعدائهم ومخالفيهم إلى يوم الدين.

وبعد..

فهذه هي الطبعة الرابعة لكتاب: «الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله». نقدمها إلى القراء الكرام، بعد بدء صدور هذا الكتاب بحوالي ثلاثة عشر عاماً خلت.

وتمتاز هذه الطبعة عن سابقاتها بأمور أساسية ثلاثة، هي التالية:

1 ـ إن هذه الطبعة تأتي بعد حصول هذا الكتاب على جائزة الجمهورية الإسلامية في إيران لعام 1413 ه‍. ق. باعتباره الكتاب الأول في مجال كتابة السيرة النبوية المباركة.

وطبيعي أن يثير هذا الأمر شعوراً لدى الكثيرين بضرورة نشر هذا الكتاب بصورة أتم وأفضل، وعلى نطاق أوسع وأشمل.

كما إنه يمنحهم مبرراً لتأكيد إصرارهم على مؤلفه لمتابعة جهوده التحقيقية، في نطاق السيرة النبوية المباركة، لسد الفراغ الموجود في هذا المجال.

ثم هو يذكي شعوراً لدى مؤلفه، بأن جهده الذي يبذله لن يكون بدون جدوى، بل ربما يكون ضرورياً ولازماً، الأمر الذي يمنحه فرصة للتفكير في الرجوع عن قراره السابق بعدم الاستمرار في كتابة فصول هذا الكتاب، بسبب ما يواجهه من صعوبات، وما يتحمله من مشاق في هذا السبيل.

2 ـ إن هذه الطبعة تمتاز عن سابقاتها، بأنها قد جاءت أكثر دقة وصفاء، وصحة ونقاء منها، حيث قد أعيد النظر في كثير من النقاط التي كان هذا الكتاب قد أثارها، وحصلت فيها تصحيحات وإضافات، وتغييرات كثيرة، إما تأييداً وتأكيداً، أو تنقيحاً وتصحيحاً.

كما وحصلت إضافات كثيرة في هوامش الكتاب، بالإضافة إلى بعض التصحيحات فيها.

وقد كانت هذه التغييرات والإضافات من الكثرة، بحيث أصبحت أجزاء الكتاب أكثر مما كانت عليه في طبعاته السابقة.

3 ـ لقد أعدنا النظر في تمهيد الكتاب، وتوسعنا في مطالبه، إلى حد أنها أصبحت تشكل واحداً من أجزاء الكتاب المستقلة، فاعتبرناه مدخلاً لدراسة السيرة النبوية المباركة، وكان هو أول أجزائها في هذه الطبعة، وأصبح الجزء الأول هو الثاني والثاني هو الثالث، وهكذا..

ولم نكن لنصنع ذلك لولا أننا رأينا: أن من المهم جداً تعريف القارئ والباحث على قضايا وسياسات كانت ولا تزال تخفى تارة وتظهر أخرى، ولم تستطع حتى الآن أن تحتل مكانتها الحقيقية في التكوين الفكري في المجال الثقافي العام.

وفي الختام أقول:

لقد كنت أتمنى لو تسنح لي الفرصة لإعادة كتابة هذا الكتاب، وصياغته من جديد؛ لإصلاح تعابيره وتراكيبه، وإعادة النظر في تبويبه وترتيبه وقد تنشأ عن ذلك إضافات كثيرة، وتصحيحات هنا وهناك كبيرة أو صغيرة.

ولكن الفرصة ـ للأسف ـ كانت ولا تزال محدودة، بل هي مفقودة من الأساس.

حتى إنني لا أبعد إذا قلت بمرارة: إن معظم ما أكتبه يقدم إلى الطبع وهو في مسودته الأولى، فلا غرو إذا ظهرت فيه أحياناً أغلاط كثيرة، وفجوات كبيرة.

ولكننا عملاً بقاعدة: «ما لا يدرك كله، لا يترك كله» نقبل بتحمل وزر ذلك على أمل أن يأتي الآخرون، ويقوموا بدورهم في تنقيح هذه البحوث والتوسع فيها، وعرضها بالشكل اللائق والمقبول.

فها أنا أقدم هذا الكتاب إلى القراء الكرام بانتظار توفر الوقت، وصحة العزم، وبذل الجهد في التنقيح والتصحيح، أو إكمال الطريق، رغم ما فيها من أشواك وأدغال، ومن مصاعب ومشقات وأهوال.

وأخيراً وليس آخراً..

نسأل الله سبحانه أن ينفع بما كتبت، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، ومنه تعالى نستمد العون والقوة، ونسأله التأييد والتسديد. والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.

22/2/1414 ه‍. ق.

                                                                   جعفر مرتضى الحسيني العاملي

 

 

 

تنبيه:

يرجى ملاحظة ما يلي:

1 ـ هناك مصادر كثيرة اعتمدنا عليها من طبعات مختلفة ولم يتيسر لنا التنبيه على ذلك في مواردها المختلفة.

2 ـ هناك طبعات لم نشر إليها في الفهرس الموضوع في آخر الكتاب، لعدم إمكان الوصول إليها حين إعداده..

3 ـ اعتمدنا في هذه الطبعة عبارة «صلى الله عليه وآله» في جميع الكتاب، حتى في الموارد التي ليس فيها إضافة «الآل» في المصدر الأساس، فليلاحظ ذلك.

4 ـ هناك بعض المواضع جرى فيها الكثير من التعديل، والإضافة، والحذف، مثل موضوع إيمان أبي طالب وغيره.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تـقــديــم([1])

بـدايـة:

إن حياة المجتمعات ليست أحداثاً متباينة ومنفصلة عن بعضها البعض، وإنما هي استمرار، يضع الماضي كل ما حصل عليه من عمله الدائب، وجهاده المستمر في صميم هذا الحاضر، ليستمد منه الكثير من عناصر قوته وحركته، ووسائل تطوره، ثم تقدمه بخطى ثابتة ومطمئنة نحو المستقبل الذي يطمح له، ويصبو إليه.

فمن الطبيعي إذن، أن نجد لكثير من الأحداث التاريخية، حتى تلك التي توغلت في أعماق التاريخ، حتى لا يكاد يظهر لنا منها شيء ـ نجد لها ـ آثاراً بارزة، حتى في واقع حياتنا اليومية الحاضرة، بل تظهر آثارها في حياة الشعوب، وفي تصرفاتها، بل وفي مفاهيمها وعواطفها، فضلاً عن تأثيرها على الحالة الدينية، والأدبية، والعلمية، والسياسية والاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، وغير ذلك.

وإن كان تأثير هذه الأحداث يختلف شمولاً وعمقاً من أمة لأخرى،


 

ومن شعب لآخر أيضاً.

مهمة التاريخ:

أما مهمة التاريخ، فهي أن يعكس بدقة وأمانة حياة الأمة في الماضي، وما مرت به من أوضاع وأحوال، وما تعرضت له من هزات فكرية، وأزمات اقتصادية واجتماعية وغيرها.

وهذا يؤكد لنا أهمية التاريخ، ويبرز مدى تأثيره في الحياة، ويعرفنا سر اهتمام الأمم على اختلافها به تدويناً، ودرساً، وبحثاً، وتمحيصاً، وتعليلاً. فهي تريد أن تتعرف من خلال ذلك على بعض الملامح الخفية لواقعها الذي تعيشه.

ولتستفيد منه كلبنة قوية وصلبة لمستقبلها الذي تقدم عليه، ولتكتشف منه أيضاً بعضاً من عوامل رقيها وانحطاطها، ليكون ذلك معيناً لها على بناء نفسها بناء قوياً وسليماً، والإعداد لمستقبلها على أسس متينة وقوية وراسخة.

ونحن هل نملك تاريخاً:

ونحن أمة تريد أن تحيا الحياة بكل قوتها وحيويتها، وفاعليتها، ولكننا في الوقت الذي نملك فيه أغنى تاريخ عرفته أمة، لا نملك من كتب التاريخ والتراث ما نستطيع أن نعوِّل عليه في إعطاء صورة كاملة وشاملة ودقيقة عن كل ما سلف من أحداث؛ لأن أكثر ما كتب منه تتحكم فيه النظرة الضيقة، ويهيمن عليه التعصب والهوى المذهبي، ويسير في اتجاه التزلف للحكام.

وأقصد ب‍ـ «النظرة الضيقة» عملية ملاحظة الحدث منفصلاً عن جذوره وأسبابه، ثم عن نتائجه وآثاره.

وبكلمة أوضح وأصرح:

إن ما لدينا هو ـ في الأكثر ـ تاريخ الحكام والسلاطين، وحتى تاريخ الحكام هذا، فإنه قد جاء مشوَّهاً وممسوخاً، ولا يستطيع أن يعكس بأمانة وحَيَدةٍ الصورة الحقيقية لحياتهم ولتصرفاتهم ومواقفهم؛ لأن المؤرخ كان لا يسجل إلا ما يتوافق مع هوى الحاكم، وينسجم مع ميوله، ويخدم مصالحه، مهما كان ذلك مخالفاً للواقع، ولما يعتقده المؤرخ نفسه ويميل إليه.

ومن هنا، فإننا لا نفاجأ إذا رأينا المؤرخ يهتم بأمور تافهة وحقيرة، فيسهب القول في وصف مجلس شراب، أو منادمة لأمير أو حاكم، أو يختلق أحداثاً، أو شخصيات لا وجود لها، ثم يُهمل أحداثاً خطيرة، أو يتجاهل شخصيات لها مكانتها وأثرها العميق في التاريخ، وفي الأمة، أو يشوه أموراً صدرت من الحاكم نفسه، أو من غيره، أو يحيطها ـ لسبب أو لآخر ـ بالكتمان، ويثير حولها هالة من الإبهام والغموض.

دراسة التاريخ:

إذن، فلا بد لمن يريد دراسة التاريخ والاستفادة من الكتب التاريخية والتراثية، من أن يقرأها بحذر ووعي، وبدقة وتأمل، حتى لا يقع في فخ التضليل والتجهيل.

فلا بد له من أن يفتح عينيه وقلبه على كل كلمة تمر به، ويحاول قدر المستطاع أن يستنطقها، ويستخلص منها ما ينسجم مع الواقع، مما تؤيده الدلائل والشواهد المتضافرة، ويرفض أو يتوقف في كل ما تلاعبت به الأهواء، وأثرت عليه الميول والعصبيات.

وليس ذلك بالأمر اليسير والسهل، ولاسيما فيما يرتبط بتاريخ الإسلام الأول الذي هبت عليه رياح الأهواء الرخيصة والعصبيات الظالمة، وعبثت به أيدي الحاقدين، وابتزت منه رواءه وصفاءه إلى حد كبير وخطير.

ماذا نريد:

ونحن بدورنا في كتابنا هذا سوف نحاول استخلاص صورة نقية وواضحة قدر الإمكان عن تاريخ نبينا الأكرم «صلى الله عليه وآله».

ولسوف ينصبُّ اهتمامنا بصورة أكثر وأوفر على إبعاد كل ذلك الجانب المريض من النصوص، المجعولة تاريخاً، مع أن الكثير منها لا يعدو أن يكون أوهاماً وخيالات، ابتدعها المحدثون المغرضون والقصاصون الأفاكون، وأصحاب الأهواء والمتزلفون.

ميزات أساسية في تاريخ الإسلام المدوَّن:

نقول ما تقدم بالرغم من أننا قد قلنا آنفاً: إننا على قناعة من أن تاريخ الإسلام المدوَّن ـ على ما فيه من هنات ونقص ـ أغنى تاريخ مكتوب لأية أمة من الأمم، وهو يمتاز عن كل ما عداه بدقته وشموله، حتى إنك لتجده كثيراً ما يسجل لك الحركات، واللفتات، واللمحات، فضلاً عن الكلمات والمواقف والحوادث، بدقة متناهية واستيعاب لا نظير له.

أضف إلى ذلك: أنه يملك من الآيات القرآنية، ثم من النصوص الصحيحة والصريحة الشيء الكثير، مما لا تجده في أي تاريخ آخر على الإطلاق.

هذا إن لم نقل إن هذا الأمر من مختصات تاريخ الإسلام، إذا تأكدنا أنه ليس بإمكان أي تاريخ أن يثبت من مقولاته إلا النزر اليسير، ولاسيما في جزئيات الأمور، وفي التفاصيل والخصوصيات.

وميزة أخرى يمتاز بها تاريخ الإسلام، وهي أنه يمتلك قواعد ومنطلقات تستطيع أن توفر للباحث السبل المأمونة، التي يستطيع من خلال سلوكها أن يصل إلى الحقائق التي يريدها، دقت، أو جلت.

ولسوف يأتي الحديث عن بعض من ذلك في بعض فصول ما اصطلحنا عليه أنه «المدخل لدراسة السيرة النبوية الشريفة».

البداية الطبيعية لتاريخ الإسلام:

وواضح: أن البداية الطبيعية لتاريخ الإسلام، وأعظم وأهم ما فيه هو سيرة سيد المرسلين محمد «صلى الله عليه وآله الطاهرين».

فلا بد من البدء بها، ولو ببحث قضايا وأحداث رئيسة فيها، ليكون ذلك بمثابة خطوة أولى على طريق التصدي لبحوث مستوعبة وشاملة، من قبل المتخصصين والباحثين، من ذوي الكفاءات والهمم العالية.

ولكن ذلك يحتاج إلى تقديم مدخل، من شأنه أن يعطي انطباعاً عاماً عن أجواء ومناخات البحث، فإلى هذا المدخل الذي يشتمل على عدة فصول..

والله هو الموفق والمسدد، وهو المستعان، وعليه التكلان.

 

القسم الأول:

 

مدخل إلى دراسة السيرة

 

الباب الأول:  تدوين التاريخ بين الدوافع والأهداف

الباب الثاني: تدوين التاريخ.. الآثار والنتائج

الباب الأول:

 

تدوين التاريخ بين الدوافع والأهداف

 

الفصل الأول: صفات النبي

الفصل الثاني:  سياسات تستهدف الجذور

الفصل الثالث: أين ؟ وما هو البديل

الفصل الرابع: القصاصون يثقفون الناس رسمياً

 

الفصل الأول:

 

صفات النبي

صفات النبي :

المفروض بالنبي ـ أي نبي كان ـ أن يمثل النموذج الفذ الذي يريده الله تعالى على الأرض وهو الإنسان، بكل ما لهذه الكلمة من معنى.

فهو رجل الفضل، والعقل، والكمال، ومثال الحكمة، والوقار والجلال. عالم، حكيم، تقي، شجاع، حازم، إلى غير ذلك من صفات إنسانية فاضلة، وكمالات رفيعة. لا ترى في أعماله أي خلل أو ضعف، أو ضعة، ولا في تصرفاته أي تشتت أو تناقض.

وبكلمة: إنه الرجل المعصوم من الخطأ، المبرأ من الزلل، أكمل الخلق وأفضلهم؛ ولأجل ذلك جعل الله تعالى نبينا محمداً «صلى الله عليه وآله» أسوة لبني الإنسان مدى الدهر، وفرض عليهم أن يقتدوا به في كل شيء حتى في جزئيات أفعالهم، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ([2]).

أترى هذا هو الرسول؟!:

ولكننا لو راجعنا الروايات التي يُدَّعى: أنها تسجل لنا تاريخ نبي الإسلام «صلى الله عليه وآله».

لوجدنا هذا النبي ـ الذي اصطفاه الله، واختاره من بين جميع خلقه، ووصفه جل وعلا في القرآن الكريم بأنه ﴿لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ([3]) والذي هو أشرف الأنبياء والمرسلين، وأعظم وأكمل رجل وجد على وجه الأرض، وهو عقل الكل، ومدبر الكل، وإمام الكل ـ لوجدناه رجلاً عاجزاً، ومتناقضاً، يتصرف كطفل، ويتكلم كجاهل، يرضى فيكون رضاه ميوعة وسخفاً، ويغضب فيكون غضبه عجزاً واضطراباً، يحتاج دائماً إلى من يعلمه، ويدبر أموره، ويأخذ بيده، ويشرف على شؤونه، ويحل له مشاكله. الكل أعرف، وأقوى، وأعقل منه، كما أثبتته الوقائع المختلفة المزعومة تاريخاً وسيرة لحياته «صلى الله عليه وآله».

وبماذا؟ وكيف نفسر حمل هذا النبي زوجته على عاتقه لتنظر إلى لعب السودان وخده على خدها؟! أو أنها وضعت ذقنها على يده، وصارت تنظر إلى لعب السودان يوم عاشوراء؟!([4]).

ثم هو يترك جيشه لينفرد بزوجته عائشة، ليسابقها في قلب الصحراء أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، فتسبقه مرة، ويسبقها أخرى، فيقول لها: هذه بتلك([5]).

أضف إلى ذلك: أنه يهوى زوجة ابنه بالتبني، بعد أن رآها في حالة مثيرة([6]) إلى غير ذلك من المرويات الكثيرة جداً التي تتحدث عن تفاصيل في حياته الزوجية، مما نربأ نحن بأنفسنا عن التفوه به، وذكره، فكيف بممارسته وفعله!!

وبماذا وكيف نفسر أيضاً: أن يرى هذا النبي الرأي، فتنزل الآيات القرآنية مفندة لرأيه، ومصوبة لرأي غيره، فيقعد ليبكي وينوح على ما فرط منه؟!!([7]).

وكيف نفسر أيضاً ما يروونه عنه، من أنه مر على سباطة([8]) قوم، فيبول وهو قائم؟([9]) ثم يكون له شيطان يعتريه ـ كما هو لغيره من الناس ـ وكان يأتيه في صورة جبرئيل، وقد أعانه الله على شيطانه هذا فأسلم([10]). وأن شيطانه خير الشياطين؟([11]).

ثم شربه للنبيذ والفضيخ؟([12]).

وكونه أحق بالشك من إبراهيم «عليه السلام»؟([13]).

ثم إنه ينسى ما هو من مهماته وشؤونه، مثل ليلة القدر، وحين يعجز عن تذكرها يأمر الناس بأن يلتمسوها في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك([14]).

كما أنه لا يحفظ سورة الروم جيداً([15]).

وينسى أيضاً أنه جنب([16]) إلى غير ذلك مما لا يمكن تتبعه ولا الإحاطة به لكثرته، مما يزيد في قبحه أضعافاً على ما ذكرناه، مما زخرت به المجاميع الحديثية والتاريخية لدى بعض المذاهب الإسلامية المنتشرة في طول البلاد وعرضها.

نعم.. هكذا تشاء الروايات ـ وكثير منها مدون في الكتب التي يدعي البعض: أنها أصح شيء بعد القرآن ـ أن تصور لنا أعظم رجل، وأكرم وأفضل نبي على وجه الأرض!!

وهذه هي الصورة التي يستطيع أن يستخلصها من يراجع هذا الركام الهائل من المجعولات، إذا كان خالي الذهن من الضوابط والمعايير الحقيقية، والمنطلقات الأساسية، التي لا بد من التوفر عليها في دراسة التاريخ. وكذلك إذا كان لا يعرف شيئاً مما يجب أن يتوفر في الشخصية التي يفترض أن تمثل النموذج الفذ لإرادة الله تعالى على الأرض.

وكذلك إذا كان خالي النفس عن تقديس النص تقديساً ساذجاً وعشوائياً.

هذا التقديس الذي ربما يرفع هذه المنقولات عن مستواها الحقيقي، ويمنع ـ ولو جزئياً ـ من تقييمها تقييماً واقعياً وسليماً، يعطيها حجمها الطبيعي في ميزان الاعتبار والواقع.

وما هو المبرر لتقديس كهذا ما دام لم يثبت بعد أن هذا هو كلام النبي «صلى الله عليه وآله» أو موقفه، أو من صفاته وشؤونه، وما إلى ذلك؟!. إن إعطاء هذه الصورة عن نبي الإسلام الأعظم «صلى الله عليه وآله»، وهو القدوة والأسوة، لهو الخيانة العظمى للتاريخ، وللأمة، وللإنسانية جمعاء، ولا زلنا نتجرع غصص هذه الخيانة، ونهيم في ظلماتها.

الخطة الخبيثة:

وأما لماذا كل هذا الافتراء على الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله»؟ فنعتقد: أن الأمر لم يكن عفوياً، بل كانت ثمة خطة مرسومة تهدف إلى طمس معالم الشخصية النبوية، والتعتيم على خصائصها الرسالية الفذة، ليكون ذلك مقدمة لهدم الإسلام من الأساس، خصوصاً من قبل الحكم الأموي البغيض وأعوانه.

ونذكر هنا: بعض الأمثلة التي تظهر بعض فصول هذه الخطة التي تستهدف الإسلام ورموزه، وشخصية النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» بالذات، وهي التالية:

سياسات ضد نبي الإسلام :

1 ـ إنهم يذكرون عن زيد بن علي بن الحسين «عليهما السلام»، أنه قال: إنه شهد هشام بن عبد الملك، والنبي يُسَبُّ عنده؛ فلم ينكر ذلك هشام، ولم يغيره([17]).

2 ـ ذكروا في ترجمة خالد بن سلمة المخزومي المعروف بـ «الفأفاء»: أنه كان مرجياً، ويبغض علياً، وأنه كان ينشد بني مروان الأشعار التي هُجي بها المصطفى «صلى الله عليه وآله».

وخالد هذا يروي عنه أصحاب الصحاح الست ما عدا البخاري!!([18]).

3 ـ إن عمرو بن العاص لم يرض بضرب نصراني يشتم النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»([19]).

4 ـ وقد ذكر الكميت: أنه كان إذا مدح النبي «صلى الله عليه وآله» اعترض عليه جماعة، ولم يرضوا بذلك، فهو يقول:

إلى الـسراج المـنـير أحـمـد لا يعــ                        دلـنـي عـنـه رغـبــة، ولا رهــب

عـنـه إلى غـيـره ، ولــو رفع النـــا                      س إلـــيّ الـعـيـون، وارتــقـبـوا

وقـيــل: أفـرطتَ بل قصدتُ ولو         عـنـفـنـي القــائلــــون، أو ثلبوا

إلـيـك يـا خيــر من تضمنت الأر         ض، وإن عــاب قـولي  الــعـيـب

لـجّ بتـفـضـيـلـك اللســان ولـو           أُكـثِرَ فيـك الضجـاج  واللـجـب

ولعل الكميت رحمه الله قد أحس أن وراء هذه السياسة أمراً عظيماً، حيث يقول:

رضوا بخـلاف المهـتـدين وفيهـم               مخبَّـأة أخــرى تـصــان  وتحـجب

ولا يمكن تفسير «المخبأة» التي تصان وتحجب بأنها تفضيل الخليفة على الرسول «صلى الله عليه وآله»؛ لأن ذلك لم يكن مخبأ، بل صرح به ولاة وأعوان الأمويين، كالحجاج بن يوسف، وخالد القسري، كما سنرى.

فلا بد أن تكون هذه «المخبأة» هي طمس دين الله، وإزالة معالمه، وتشويه الصورة الحقيقية لنبي الرحمة «صلى الله عليه وآله»، وإزالة معالم الشخصية النبوية بصورة نهائية من أذهان الناس.

5 ـ حدَّث مطرَّف بن المغيرة: أن معاوية قال للمغيرة في سياق حديث ذكر فيه معاوية ملك أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأنهم هلكوا فهلك ذكرهم:

«وإن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله، فأي عمل يبقى مع هذا لا أم لك؟! لا والله، إلا دفناً دفناً»([20]).

ويقال: إن هذه القضية بالذات هي السبب في إقدام المأمون في سنة 212 ه‍. على النداء بلعن معاوية، لولا أنهم أقنعوه بالعدول عن ذلك([21]) فراجع.

ونقول:

إن المغيرة الذي ضرب الزهراء حتى أدماها، كما عن الإمام الحسن «عليه السلام» لم يكن ذلك الرجل الذي يرجع إلى دين، أو يهمه أمر ذكر النبي «صلى الله عليه وآله»؛ فإن حال المغيرة في قلة الدين ومجانبة الحق معلوم([22]).

ولكن «ويل لمن كفَّره نمرود»، فإن المغيرة الرجل الداهية لم يستطع تحمل جهر معاوية بهذا الأمر، ورأى فيه مجازفة خطيرة، تجر معاوية، وكل من يسير في ركابه إلى أخطار جسام، لا يمكن التكهن بعواقبها، فأحب المغيرة أن ينسحب بنفسه ليسلم بجلده، لو كان ثمة ما يخاف منه، أو لعله أحس في ولده «مطرّف» بعض الإيمان فاتقاه، وذكر له هذا الأمر بصورة تشنيعية ظاهرة.

وخلاصة الأمر: أن المغيرة إنما يهتم بمصلحته الشخصية بالدرجة الأولى، لا بمصلحة معاوية.

وقد يكون أحس من معاوية: أنه يريد عزله، وتولية غيره، أو أنه كانت في نفسه موجدة عليه، بسبب عزله إياه، فذكر عنه ما كان أسره إليه، أو أن ذلك قد كان منه قبل أن يوليه معاوية الكوفة!!

6 ـ روى أحمد بن أبي طاهر في كتاب «أخبار الملوك»: أن معاوية سمع المؤذن يقول: «أشهد أن محمداً رسول الله» فقال:

«لله أبوك يا بن عبد الله، لقد كنت عالي الهمة، ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين»([23]).

فهذا النص يؤيد النص السابق، ويوضح لنا مدى تبرم معاوية بهذا الأمر، وأنه يعتبر ذكر رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الأذان إنما هو من صنيع رسول الله «صلى الله عليه وآله» نفسه.

أما أن يكون ذلك بوحي من الله فذلك آخر ما يفكر أو يعترف به معاوية.

7 ـ ثم هناك محاولاتهم الجادة للمنع من التسمي باسم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد نجحوا في ذلك بعض الشيء كما يُعلم بالمراجعة([24]).

8 ـ يقول العنزي «سمعت أبا برزة وقد خرج من عند عبيد الله بن زياد، وهو مغضب فقال:

ما كنت أظن أن أعيش حتى أخلف في قوم يعيروني بصحبة محمد «صلى الله عليه وآله».

قالوا: إن محمديّكم هذا الدحداح الخ..»([25]).

9 ـ وقد رأى مروان أبا أيوب الأنصاري واضعاً وجهه على قبر النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال له: أتدري ما تصنع؟!

فقال أبو أيوب: نعم، جئت رسول الله «صلى الله عليه وآله» ولم آتِ الحجر([26]).

ما أشبه الليلة بالبارحة:

وها نحن نجد نفس هذا الاتجاه الأموي يتبلور بصورة أصرح وأقبح في نهج بعض الفرق التي تدعي لنفسها قيمومة على الإسلام وعلى مقدساته ورموزه، حيث إنها ما فتئت تعمل على المنع من التبرك بآثار النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله»، وتجهد في طمس كل الآثار والمعالم الإسلامية، وإزالتها بطريقة أو بأخرى، وبمبرر مهما كان سخيفاً، وبلا مبرر.

وتحكم بالكفر على هذا الفريق، وبالشرك على ذاك، لا لشيء إلا لأنهم لا يوافقونهم في المعتقد، وفي الرأي. وأمر هذه الفرقة أشهر من أن يذكر.

سنة النبي أم سنة غيره؟!:

أما قيمة سنة النبي «صلى الله عليه وآله» لديهم فيوضحها:

1 ـ أنه حينما أنكر أبو الدرداء على معاوية أكله الربا، أو شربه بآنية الذهب والفضة، واحتج عليه بقول رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أجابه معاوية بقوله: أما أنا فلا أرى به بأساً.

فأخذ أبو الدرداء على نفسه أن لا يساكن معاوية في أرض هو فيها.

وكان ذلك في زمن عمر بن الخطاب، فلما بلغه ذلك لم يزد على أن أرسل إلى معاوية ينهاه عن فعل ذلك، ولكنه لم يعنفه على ما صدر منه، ولا عاقبه، ولا عزله عن عمله([27]).

وبالمناسبة فإننا نشير هنا إلى أن أبا الدرداء لم يلتزم بما قطعه على نفسه، حيث إنه قد ساكن معاوية بعد ذلك، وصار من أعوانه لما تسلط على الناس، وابتزهم أمرهم.

2 ـ وكان عثمان قد أحدث الصلاة: في منى أربعاً، ولم يقصرها كما كان يفعل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فاعتل عثمان مرة، فطلبوا من علي «عليه السلام» أن يصلي بالناس، فقال «عليه السلام»: إن شئتم صليت لكم صلاة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، يعني ركعتين.

قالوا: لا، إلا صلاة أمير المؤمنين ـ يعنون عثمان ـ أربعاً. فأبى([28]).

3 ـ وقال البعض عن الشافعية: والعجب، منهم من يستجيز مخالفة الشافعي لنص له آخر، في مسألة بخلافه، ثم لا يرون مخالفته لأجل نص رسول الله «صلى الله عليه وآله»([29]).

وما ذلك إلا لأن شأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لم يكن لدى هؤلاء في المستوى اللائق به، كما هو ظاهر.

يقول أبو زهرة: «وجدنا مالكاً يأخذ بفتواهم (أي الصحابة) على أنها من السنة، ويوازن بينها وبين الأخبار المروية إنْ تعارض الخبر مع فتوى صحابي وهذا ينسحب على كل حديث عنه «صلى الله عليه وآله»، حتى ولو كان صحيحاً»([30]).

وإجراء حكم المتعارضين من قبل مالك بين فتوى الصحابي، وبين الحديث عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو الذي دفع الشوكاني إلى مهاجمة كل من يعتبر أقوال الصحابة حجة كقول النبي «صلى الله عليه وآله»، فراجع ما قاله في هذا المورد إن شئت([31]).

وقد ذكرنا في كتابنا: «الحياة السياسية للإمام الحسن عليه السلام»، طائفة من النصوص الدالة على أنهم يرون للصحابة حق التشريع.

ويرى بعض الصحابة أن هذا حق لهم([32]).

وسيأتي بعض من ذلك في فصل: معايير لحفظ الانحراف.

بغض قريش لرسول الله :

وقد رأيناً قريشاً، رغم تظاهرها بالإسلام، لم تزل تكن الحقد والبغض لرسول الله «صلى الله عليه وآله»؛ باستثناء أفراد قليلين منهم.

وقد ظهر ذلك جلياً واضحاً حينما حاول «صلى الله عليه وآله» أن يُنَصِّبُ علياً إماماً في حجة الوداع، في منى أو في عرفات.

وقد روي بأسانيد صحيحة: أن الناس قد تركوه بسبب ذلك، وصارحهم بقوله: ما بال شق الشجرة التي تلي رسول الله «صلى الله عليه وآله» أبغض إليكم من الشق الآخر([33]).

وقد حصل ذلك والنبي «صلى الله عليه وآله» راجعٌ من مكة إلى المدينة؛ فراجع ذلك في كتابنا: «الغدير والمعارضون» إن شئت.

الخليفة الأموي أفضل من رسول الله :

وكان من سياسات الأمويين تفضيل الخليفة الأموي على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، يقول الجاحظ:

1 ـ «فاحسب أن تحويل القبلة كان غلطاً، وهدم البيت كان تأويلاً، واحسب ما روي من كل وجه: أنهم كانوا يزعمون: أن خليفة المرء في أهله أرفع عنده من رسوله إليهم»([34]).

2 ـ ويقول أيضاً عن بني هاشم: «ولم يجعلوا الرسول دون الخليفة»([35]). أي كما فعله الأمويون.

3 ـ قال الجاحظ: خطب الحجاج بالكوفة، فذكر الذين يزورون قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالمدينة، فقال: تباً لهم، إنما يطوفون بأعواد ورمّة بالية. هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك؟

ألا يعلمون: أن خليفة المرء خير من رسوله؟.

يقول المبرَّد: إن ذلك مما كفَّرَتْ به الفقهاء الحجاج.

وأنه إنما قال ذلك والناس يطوفون بالقبر. وهذه القضية معروفة ومشهورة([36]).

4 ـ وكتب الحجاج إلى عبد الملك: «إن خليفة الرجل في أهله أكرم عليه من رسوله إليهم، وكذلك الخلفاء يا أمير المؤمنين أعلى منزلة من المرسلين»([37]).

5 ـ قال خالد بن عبد الله القسري، وذكر النبي «صلى الله عليه وآله»:

أيهما أكرم رسول الرجل في حاجته، أو خليفته في أهله، يعرّض: أن هشاماً خير من النبي «صلى الله عليه وآله»([38]).

6 ـ ويقول خالد القسري أيضاً: والله لأمير المؤمنين أكرم على الله من أنبيائه «عليهم السلام»([39]).

7 ـ وزعم خالد القسري أيضاً: أن عبد الله بن صيفي سأل هشاماً، فقال: يا أمير المؤمنين، أخليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك، أم رسولك؟!

قال هشام: بل خليفتي في أهلي.

قال: فأنت خليفة الله في أرضه وخلقه، ومحمد رسول الله «صلى الله عليه وآله» إليهم؟ فأنت أكرم على الله منه.

فلم ينكر هذه المقالة من عبد الله بن صيفي، وهي تضارع الكفر. انتهى كلام خالد([40]).

8 ـ وقد ادعى الحجاج: «أن خبر السـماء لم يـنـقـطع عن الخليفة الأموي»([41]).

وكان الحجاج يرى: أن عبد الملك بن مروان معصوم([42])، بل كان يرى نفسه: أنه لا يعمل إلا بوحي من السماء وذلك حينما أخبروه: أن أم أيمن تبكي لانقطاع الوحي بموت رسول الله «صلى الله عليه وآله»([43]).

ولا عجب بعد هذا إذا عرفنا أن البعض يقول: إن من خالف الحجاج فقد خالف الإسلام([44]).

على خطى الحجاج:

والذي يلفت نظرنا هنا: أننا نجد الوهابيين ينفذون السياسات الأموية هذه بأمانة ودقة حتى إن زعيمهم محمد بن عبد الوهاب يقول عن النبي «صلى الله عليه وآله»: «إنه طارش».

وبعض أتباعه يقول بحضرته، أو يبلغه فيرضى: عصاي هذه خير من محمد، لأنه يُنتفع بها في قتل الحية والعقرب، ونحوها، ومحمد قد مات، ولم يبق فيه نفع، وإنما هو طارش([45]).

نظرة الأمويين إلى الحرم والكعبة:

أما بالنسبة إلى رأيهم في الكعبة، وزمزم، ومقام إبراهيم وغيرها من المقدسات، فذلك أوضح من الشمس وأبين من الأمس، ويتضح ذلك من النصوص التالية:

1 ـ كان خالد القسري قد أخذ بعض التابعين، فحبسه في دور آل الحضرمي بمكة، فأعظم الناس ذلك وأنكروه، فخطب، فقال: قد بلغني ما أنكرتم من أخذي عدو أمير المؤمنين ومن حاربه.

والله، لو أمرني أمير المؤمنين أن أنقض هذه الكعبة حجراً حجراًَ لنقضتها.

والله، لأمير المؤمنين أكرم على الله من أنبيائه «عليهم السلام»([46]).

2 ـ قال المدائني: كان خالد يقول: لو أمرني أمير المؤمنين لنقضت الكعبة حجراً حجراً، ونقلتها إلى الشام([47]).

3 ـ وأعظم من ذلك وأشد خطراً، وأعظم جرأة على الله عز وجل: أن الحجاج لم يكتف في حربه لابن الزبير برمي الكعبة بأحجار المنجنيق، حتى رماها ـ والعياذ بالله ـ بالعذرة أيضاً لعنه الله وأخزاه([48]).

4 ـ كما أن الوليد بن يزيد الأموي قد أنفذ مجوسياً ليبني على الكعبة مشربة للخمر.

كما وذهب في عهد هشام إلى مكة ومعه خمر، وقبة ديباج على قدر الكعبة، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة، ويجلس فيها، فخوفه أصحابه من ثورة الناس، حتى امتنع([49]).

5 ـ وتقدم قول الجاحظ: أن هاشماً تفخر على بني أمية بأنهم لم يهدموا الكعبة([50]).

وأنهم: «أعادوا على بيت الله بالهدم، وعلى حرم المدينة بالغزو، فهدموا الكعبة، واستباحوا الحرمة.. الخ..»([51]).

مقام إبراهيم ×:

وقد روى عبد الرزاق عن الثوري، عن مغيرة، عن أبيه، قال: رأيت الحجاج أراد أن يضع رجله على المقام ـ مقام إبراهيم ـ فيزجره عن ذلك محمد بن الحنفية، وينهاه عن ذلك.

أضاف الزمخشري: أن ابن الحنفية قال: «والله، لقد كنت عزمت إن أرادني أن أجتذب عنقه فأقطعها»([52]).

زمزم أم الخنافس:

قال الأصمعي: قال أبو عاصم النبيل: ساق خالد (أي القسري) ماء إلى الكعبة؛ فنصب طستاً إلى جانب زمزم، ثم خطب، فقال: قد جئتكم بماء العادية، وهو لا يشبه أم الخنافس، يعني زمزم([53]).

وقال خالد القسري لعامله ابن أمّي: أيما أعظم، ركيّتنا أم زمزم؟

فقال له: أيها الأمير، من يجعل الماء العذب النقاح مثل الملح الأجاج؟!

وكان يسمي زمزم: أم الجعلان([54]).

بين الخليفة الأموي وإبراهيم الخليل:

وقال أبو عبيدة: خطب خالد (أي القسري) يوماً، فقال: إن إبراهيم خليل الله استسقى ماء فسقاه الله ملحاً أجاجاً.

وإن أمير المؤمنين استسقى الله ماء فسقاه عذباً نقاخاً([55]).

الحج إلى صخرة بيت المقدس:

ويذكر المؤرخون أنه: حين استولى ابن الزبير على مكة والحجاز بادر عبد الملك بن مروان إلى: «منع الناس من الحج، فضج الناس، فبنى القبة على الصخرة، والجامع الأقصى؛ ليشغلهم بذلك عن الحج، ويستعطف قلوبهم، وكانوا يقفون عند الصخرة، ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يوم العيد، ويحلقون رؤوسهم»([56]).

وقد قال عبد الملك عن الصخرة: هذه صخرة الرحمن التي وضع عليها رجله([57]).

وكان ابن مسعود، وعائشة، وعروة بن الزبير، وابن الحنفية، وابن عمر، ينكرون ما يقوله أهل الشام عن الصخرة، من أن الله وضع قدمه عليها([58]).

فذكرُ ابن مسعود هنا وهو إنما توفي في خلافة عثمان، يشير إلى أن أهل الشام الذين رباهم معاوية، كانوا يقولون بهذه المقالة في وقت متقدم جداً، حتى اضطر هؤلاء الأعلام إلى الإعلان عن إنكارهم لهذا الأمر، بما فيهم ابن مسعود.

وقد اعترف البعض ببناء عبد الملك بن مروان لقبة الصخرة، لكنه زعم: أن ذلك قد كان لأجل أنه رأى عظم قبة القمامة وهيئتها، فخشي أن تعظم في قلوب المسلمين([59]).

ولكنه كما ترى تأويل بارد، وتخيل فاسد، إذ لماذا اختار قبلة اليهود لإزالة ذلك من قلوب المسلمين؟!

ولماذا لا يختص ذلك ببيت المقدس دون سواه؟

ولماذا منع الناس من الحج إلى الكعبة؟

ولماذا الطواف، والنحر، والحلق، والوقوف، الخ؟!

ثم لماذا تحويل القبلة عن الكعبة إلى بيت المقدس على الظاهر، كما سنرى؟! ولماذا؟ ولماذا؟

تحويل القبلة:

ثم إنهم قد حولوا قبلة المسلمين، كما ينص عليه الجاحظ.

والظاهر هو: أنهم قد حولوها إلى بيت المقدس تجاه الصخرة، التي هي قبلة اليهود، كما ربما يقتضيه ما تقدم.

قال الجاحظ: «.. حتى قام عبد الملك بن مروان، وابنه الوليد، وعاملهما الحجاج، ومولاهما يزيد بن أبي مسلم، فأعادوا على البيت بالهدم، وعلى حرم المدينة بالغزو، فهدموا الكعبة، واستباحوا الحرمة، وحولوا قبلة واسط».

إلى أن قال:

«.. فاحسب: أن تحويل القبلة كان غلطاً، وهدم البيت كان تأويلاً، واحسب ما رووا من كل وجه: أنهم كانوا يزعمون.. الخ»..([60]).

ويقول الجاحظ أيضاً: «وتفخر هاشم بأنهم لم يهدموا الكعبة، ولم يحولوا القبلة، ولم يجعلوا.. الخ..»([61]).

ومما يدل على تحويل قبلة واسط أيضاً: أن أسد بن عمرو بن جاني، قاضي واسط، «قد رأى قبلة واسط رديئة، فتحرف فيها، فاتهم بالرفض»([62])، فأخبرهم أنه رجل مرسل من قبل الحكام ليتولى قضاء بلدهم.

ونقول:

أولاً: إن الظاهر هو أن تحويل القبلة كان إلى صخرة بيت المقدس، التي جعل الحج أولاً إليها، بعد أن منع الحج إلى مكة والكعبة. كما تقدم.

بل لقد ادَّعى البعض: أن القبلة أساساً قد كانت قبل الهجرة إلى الصخرة([63]).

وثانياً: إنه يظهر من قصة قاضي واسط: أن غير الشيعة قد قبلوا بالأمر الواقع، وجروا على ما يريده الحكام، والشيعة وحدهم هم الذين رفضوا ذلك، حتى أصبح تحري القبلة مساوقاً للاتهام بالرفض.

وثالثاً: لعل تحويل القبلة إلى بيت المقدس يفسر لنا ما ورد من استحباب التياسر لأهل العراق خاصة، وهم الذين كان الحجاج يحكمهم من قبل بني أمية. أي ليكونوا أقرب إلى الكعبة حينئذ.

غير أن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» لـم يتمكنـوا من الجهر والتصريح بهذا الأمر، فأشاروا إليهم باستحباب التياسر، ثم لما كانوا يسألونهم عن السبب في ذلك تراهم يبررونه بما يبعد الشبهات عنهم([64]).

ولكن ذلك، فيما يظهر لم يدم طويلاً، فقد التفت خصوم الشيعة إلى ذلك، ولذا تراهم يتهمون كل من يتحرى القبلة بالرفض، كما تقدم.

تأويلات سقيمة:

يقول البعض: إن السر في استحباب التياسر هو أن علامات القبلة لأهل العراق لم تكن كافية لتعيينها بدقة، بحيث تجعل التوجه إلى سمت شخص الكعبة، فكان استحباب التياسر مكملاً لتلك العلامات.

ولكن هذا مرفوض، ولا يمكن قبوله، إذ إنه لو صح هذا لوجب الحكم بوجوب التياسر لا استحبابه.

وقال بعض آخر: إن السر في ذلك هو أن سعة الحرم من أحد جوانبه أزيد من الجوانب الأخرى.

ونقول:

أولاً: إنه إذا كان اللازم هو التوجه إلى شخص الكعبة، فإن سعة الحرم وضيقه لا أثر له في شيء من ذلك.

ثانياً: ولو سلمنا: أن المطلوب هو التوجه إلى الحرم، فإن سعته من أحد الجوانب ليست بمقدار يستحب معه التياسر الموجب للابتعاد عنه مئات الأميال أو أكثر أو أقل.

كعبة المتوكل في سامراء:

وبالمناسبة فها هو الخلف العباسي يقتدي بذلك السلف الأموي، فإن الخليفة المتوكل، الذي استحق من البعض لقب «محي السنة» قد اقتدى بسلفه الأموي، فبنى في سامراء كعبة، وجعل طوافاً، واتخذ منى وعرفات، حتى يحج إليها أمراء جيشه، ولا يفارقوه([65]).

الحجاج والقرآن:

عن سلمة بن كهيل قال: «اختلفت أنا وذر المرهبي (من عباد أهل الكوفة، ومن رجال الصحاح الست) في الحجاج، فقال: مؤمن، وقلت: كافر.

قال الحاكم: وبيان حجته ما أطلق فيه مجاهد بن جبير فيما حدثناه من طريق أبي سهل أحمد القطان، عن الأعمش قال: والله، لقد سمعت الحجاج بن يوسف يقول: يا عجباً من عبد هذيل (يعني عبد الله بن مسعود) يزعم أنه يقرأ قرآناً (أو قال: يزعم أن قرآنه) من عند الله.

والله، ما هو إلا رجز من رجز الأعراب، والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه».

وزاد ابن عساكر وغيره: «ولأخلين منها (أي من قراءة ابن مسعود) المصحف ولو بضلع خنزير، أو لأحكنها من المصحف، ولو بضلع خنزير».

وقد استفظع ابن كثير هذا الكلام من الحجاج، فراجع البداية والنهاية([66]).

خليفة أموي ينتقم من المصحف:

ويذكر المؤرخون: أن الخليفة الأموي الوليد بن يزيد لعنه الله، قرأ ذات يوم: ﴿وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ..([67])، فرمى المصحف بالنشاب، وهو يقول:

تــهـددنــي بــجـــبــار عنيـــد            فــهـــا أنـــا ذاك جـبـار عنيـــد

إذا مـــا جــئــت ربـك يوم حشر         فـقـل يـــا رب خـرَّقـني الوليد([68])

لا يجرؤ الناس على الصلاة:

ولا نجازف إذا قلنا: إنه في عهد الخلفاء الذين سبقوا خلافة علي أمير المؤمنين «عليه السلام»، قد كانت السيطرة والهيمنة لتلك الفئة التي لم تكن تقيم للدين وزناً.

وأصبح الجو العام هو جو الاستهزاء والسخرية بالدين وبالمتدينين، مع عدم اهتمام ظاهر من السلطات بردع هذا الفريق من الناس، ومكافحتهم لأسباب مختلفة.

وكشاهد على ذلك نذكر:

أن حذيفة بن اليمان، يقول: «ابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سراً»([69]).

مع أن حذيفة كان صحابياً جليلاً، وكان من كبار القواد الذين كان لهم دور هام في فتوحات بلاد فارس، وقد توفي في أوائل خلافة الإمام علي، أمير المؤمنين «عليه السلام»، أي بعد البيعة له «عليه السلام» بالخلافة بأربعين يوماً على ما قيل.

فإذا كان أمثال حذيفة لا يستطيعون الإعلان بصلاتهم، فما ظنك بالأعم الأغلب من الناس الذين لم يكن لهم مقام ولا مكانة حذيفة ونفوذه؟!.

ما هو إلا مُلْك!:

ويذكر ابن شبَّة: «أن شريح بن الحارث النميري، الذي كان عامل رسول الله «صلى الله عليه وآله» على قومه، ثم عامل أبي بكر، فلما قام عمر (رض) أتاه بكتاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأخذه ووضعه تحت قدمه، وقال: لا، ما هو إلا ملك، انصرف»([70]).

التحالف على هدم الإسلام:

وآخر نص نذكره في هذا السياق: هو ما ذكره الزمخشري، من أن أموياً وأنصارياً تفاخرا؛ فذكر له الأموي الأمويين الذين توفي النبي «صلى الله عليه وآله» وهم عمال له.

فقال الأنصاري: صدقت، ولكنهم حالفوا أهل الردة على هدم الإسلام.

فكأنما ألقمه حجراً([71]).

غيض من فيض:

كان ما تقدم من النصوص غيضاً من فيض، مما يدل على رأي واعتقاد وسياسة الحكام تجاه الإسلام، ورموزه، ومقدساته. وتجاه الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله».

ولكنه ليس هو كل شيء، فثمة نصوص بالغة الكثرة تدل على ذلك أو تشير إليه.

وحيث إن استيعابها خارج عن حدود الطاقة، فإننا نكتفي بما أوردناه لننتقل في بحثنا إلى ما يزيد الحقيقة وضوحاً، ويستكمل ملامح الصورة التي أريد طمسها، بطريقة أو بأخرى، ولسبب أو لآخر.

فنقول:

الدوافع والأهداف:

وأما لماذا يحاولون النيل من المقدسات الإسلامية، وبالأخص من شخصية الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله»، والحط من كرامته، فلعل ذلك يعود إلى الأمور التالية:

1 ـ الكيد السياسي الأموي ضد الهاشميين، خصومهم قديماً وحديثاً، بما فيهم النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه، والذي أصبح هو مصدر العزة والشرف والمجد لكل أحد، ولاسيما الهاشميين.

2 ـ تبرير كل انحرافات وتفاهات الهيئة الحاكمة، والتقليل من بشاعة ما يرتكبونه من موبقات في أعين الناس.

على اعتبار: أنه ليس ثمة فواصل كبيرة بين مواقف وتصرفات هؤلاء، وبين تصرفات ومواقف الرجل الأول والمثال، فهي وإن اختلفت كمية وشكلاً، ولكنها لا تختلف مضموناً وهدفاً.

3 ـ إرادة دفن هذا الدين، والقضاء عليه نهائياً، ما دام أنه يضر بمصالحهم، ويقف في وجه شهواتهم، وأهوائهم ومآربهم، إلا في الحدود التي لا تضر في ذلك كله، بل تبرره وتقويه، وترفده وتنمّيه.

4 ـ الحصول على بعض ما يرضي غرورهم، ويؤكد شوكتهم وعزتهم، ويظهر قوتهم وجبروتهم.

5 ـ عدم    FЦРтЀب   DтТттقȀبأ؀ محمدا «؁Є؄؀ ؀؀ول


؀  لЀфРф ЉȀт؀؀قدصرح بذك ؁Є[1]؀؆؀ؤل؂ول*0
؀؀ ЀDЀDЦф
ЁЈЀ؀؀ا؀ه، حيثيق؀Є[1]
[1]  ؄؂ ؆؈  ؀Ȱل[1][1]фРЀСЄȀ[1]Ѐ؀ا؀له علي و؀Є[1]؀؀ ا؀؃ ؀و ؠ ȢЀȀЦфр Ё؄ـȀ ؀، ؀استطال أ؀ІȄȆ؄؀ ـؠـ؀"@
Ȣق
@Ȁ@РТЈЁЀт؀؀ م؀ عظيم حس؁ІȆЄ؄؀ا؄ و؄
@ɅقFрFЦцЈ ЀȠـȀ؂Ѐ؀C# حيً ЄЀ؀؀Ѐ؁لأ؁ر ؄ءсD[1]ц БС؂Ȇ؄؀ЀD&أن ريІЂ؀؀Ѐ؀؇أ؁؃ ؠЀةЩ ЀDЦфъТГ؉Ѐ[1]Є؀؀D'Cإل اЄ)  ـ
؀фР؄ ЄЀІ؂@DFبع مЀ( р@؀т أРСЦ
 

class=Section6 dir=RTL>

ى الحكم الشرعي، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ([77]).

وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا([78]).

وذلك يعني: أنه لا بد من تتبع أقواله، وأفعاله ومواقفه «صلى الله عليه وآله»، لمعرفة ما يتوجب على المكلفين معرفته في نطاق التزامهم بالحكم الشرعي، والتأسي بالرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله».

كما أن ذلك يعني: أن النبي «صلى الله عليه وآله» معصوم في كل قول أو فعل، أو موقف يصدر عنه، ولا تختص عصمته بمقام التبليغ القولي للأحكام، كما ربما يوهمه بعض ما يزعمونه في هذا المقام.

ولأجل ذلك فإن من المفترض أن يتناقل الناس كل ما يصدر عن النبي «صلى الله عليه وآله» من قول وفعل عبر الأجيال، وأن يدونوه ويحفظوه، وأن يجمعوه ويفسروه، لاسيما وأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» نفسه قد ذكر: أنه قد أوتي القرآن ومثله معه.

وكان جبرائيل «عليه السلام» ينزل عليه «صلى الله عليه وآله»، فيعلمه السنة كما يعلمه القرآن([79]).

ولا نرى أننا بحاجة إلى ذكر ما يدل على ذلك، فإنه بحمد الله أكثر من أن يحاط به.

الحث على كتابة الحديث:

هذا، وقد حث «صلى الله عليه وآله» على كتابة ورواية ما يصدر عنه من علوم ومعارف، وقد وصل إلينا من ذلك الشيء الكثير، مما هو مبثوث في عشرات المصادر والمراجع([80]).

الصحابة وغيرهم يكتبون الحديث:

وقد كتب الصحابة، وكتب غيرهم، ممن عاش في القرن الأول الهجري الكثير الكثير عنه «صلى الله عليه وآله»، وكانوا يأمرون ويحثون غيرهم على الكتابة أيضاً، وكان كثير منهم يملك صحفاً وكتباً يجمع فيها طائفة من أحاديث الرسول «صلى الله عليه وآله» وسننه([81]).

وقد سافر كثير منهم ومن التابعين إلى الأقطار المختلفة في طلب حديث الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله»([82]).

عمر وأبو بكر كتبا الحديث:

وحتى الخليفة أبو بكر، فإنه قد كتب عن الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله» خمس مئة حديث، لكنه عاد فمحاها فور وفاته «صلى الله عليه وآله»([83]).

وقد كان الصحابة يعقدون حلقات المذاكرة لحديث رسول الله «صلى الله عليه وآله» في المسجد، وقد يصل عدد بعض الحلقات إلى أكثر من ثلاثين رجلاً، وذلك في أول إمرة عمر بن الخطاب([84]).

بل إن عمر بن الخطاب نفسه قد كتب ـ فيما يروى عنه ـ لعتبة بن فرقد بعض السنن([85])، ووُجد في قائم سيفه صحيفة فيها صدقة السوائم([86]).

وإن كنا نعتقد: أن هذا النص يهدف إلى مساواته برسول الله «صلى الله عليه وآله»، حيث قد رووا: أنه قد وُجد في قائم سيف رسول الله «صلى الله عليه وآله» صحيفة مشابهة([87]).

علي × وولده وشيعته:

أما أمير المؤمنين علي «عليه السلام»، الذي لم يكن يفارق رسول الله «صلى الله عليه وآله» في سفر ولا حضر، إلا في غزوة تبوك، فقد كان مهتماً برواية وتدوين حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله» اهتماماً بالغاً حتى لقد قيل له:

ما بالك أكثر أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» حديثاً؟!

فقال: كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكت ابتدأني([88]).

وقد كتب عليه الصلاة والسلام عن النبي «صلى الله عليه وآله» كتباً كثيرة، وقد توارثها عنه الأئمة من ولده([89]).

وقد واصل هؤلاء الأئمة الأطهار التشجيع على التزاور، وتذاكر الحديث حتى لا يندرس، وحثوا على كتابة العلم وتناقله، وحفظه في موارد كثيرة([90]).

حتى إن الزهري ـ وكان قد ترك الحديث ـ لما سمع من الحسن بن عمارة قولاً لعلي «عليه السلام» يحث فيه على نشر العلم، عاد فحدث الحسن بن عمارة في مجلسه ذاك أربعين حديثاً([91]).

وعن علي «عليه السلام»: قيدوا العلم، قيدوا العلم. مرتين([92]).

وعنه «عليه السلام»: قيدوا العلم بالكتاب([93]).

أما شيعة علي وأهـل بيته، فأمـرهـم بالإلتزام بتـدوين العلم ونشره أوضح من الشمس، وأبين من الأمس، ولا نرى أننا بحاجة إلى إثبات ذلك([94]).

ملاحظة هامة:

لقد كان علي «عليه السلام» أعلم أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكان باب مدينة علمه، وكان أكثر أصحابه «صلى الله عليه وآله» حديثاً عنه، وقد كتب عنه العديد من الكتب، ووالخ..

ولكننا إذا راجعنا ما رووه عنه في كتبهم، فإننا لا نجد إلا أقل القليل، بل إننا نجد لأبي هريرة الذي لم يلتق برسول الله «صلى الله عليه وآله» إلا أشهراً يسيرة أضعاف ما روى هؤلاء عن أمير المؤمنين «عليه السلام».

ويكفي أن نذكر قول أبي رية رحمه الله هنا: أن ما روي عن علي «عليه السلام» هو مئة وثمانية وخمسون حديثاً، وروي عن أبي بكر مئة وثمانية وأربعون حديثاً.

أما ما روي عن أبي هريرة فهو 5374 حديثاً([95]) فتبارك الله أحسن الخالقين!!

في الاتجاه المضاد:

ونجد في مقابل ذلك كله تياراً قوياً كان ولا يزال يرفض الحديث عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، سواء على مستوى الرواية له، أو كتابته، أو العمل به.

ويمكن الحديث عن هذا الاتجاه في مرحلتين، ربما يقال: إنهما تختلفان من حيث الدوافع والأهداف، وإن كانتا تلتقيان من حيث الآثار والنتائج.

الأولى: في زمن الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله».

والثانية: بعد وفاته عليه وعلى آله الصلاة والسلام.

ونحن نتكلم عن هاتين المرحلتين، مع رعاية جانب الاختصار، والإحالة على المراجع والمصادر مهما أمكن.

فنقول:

المنع من الحديث في عهد الرسول :

لقد ظهرت ملامح الاتجاه الرافض للحديث عن الرسول «صلى الله عليه وآله» ولكتابته لدى قسم من المسلمين، لا جميعهم، ويمكن أن نقول: إنهم قريش على وجه الخصوص، ومعها من لف لفها، ممن يرى رأيها، ويتعامل معها، ويرى مصالحه مرتبطة بصورة أو بأخرى بمصالحها.

وقد كانت حجة قريش لاعتراضها على من كان يكتب كلامه «صلى الله عليه وآله» هي: أنه «صلى الله عليه وآله» بشر يرضى ويغضب.

فقد يتكلم والحالة هذه بما لا يتفق مع الحق والواقع.

وقد شكا البعض قريشاً لأجل ذلك إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأمره «صلى الله عليه وآله» بأن يكتب كل ما يتفوه به عليه الصلاة والسلام؛ فإنه لا يخرج من بين شفتيه إلا ما هو حق وصدق([96]).

دوافع هذه السياسة:

ولعل دوافع هؤلاء إلى اتخاذ هذا الموقف هي:

1 ـ إن الكثيرين منهم كانوا موتورين وحاقدين على الإسلام، وعلى نبيه الأكرم «صلى الله عليه وآله»، وعلى المسلمين.

وإن كانوا يتظاهرون بخلاف ما تنطوي عليه نفوسهم، وجوانحهم، بعد أن اتضح لهم: أنه لا يسعهم إلا التسليم للأمر الواقع، وكذلك فعلوا ريثما تسنح لهم الفرصة للوثبة، وتسديد الضربة ـ كما قال أبو سفيان: والآن لو كان لي رجال ـ.

2 ـ الحسد لرسول الله «صلى الله عليه وآله» على ما آتاه الله من فضله، وعدم رغبتهم في أن يـروا النـاس يتـأسون بنبيهم، ويطبقون أعمالهم وسلوكهم على أعماله «صلى الله عليه وآله» وسلوكه، ولا يريدون أن يتناقل الناس سيرته، وأقواله، ومواقفه «صلى الله عليه وآله».

3 ـ ضعف الاعتقاد لدى الكثيرين منهم، ولاسيما من أسلم لتوه بنبوَّة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولا يرون في ذلك أية فائدة أو عائدة.

المنع عن الحديث بعد وفاة النبي :

أما بعد وفاته «صلى الله عليه وآله»، وتسلُّم قريش لأزمة الحكم والسلطان، فقد رأت أن مصلحتها تكمن في المنع من رواية حديث الرسول، ومن كتابته، ومن العمل به. بل وجمع كل ما كتب في عهده «صلى الله عليه وآله»، ثم إحراقه بالنار. وهكذا كان.

وقد تابعت سياساتها هذه بقوة وبحزم كما سنرى.

أهداف هذه السياسة:

وأما عن دوافع هذه السياسة وأهدافها، ثم ما نجم عن ذلك من آثار ونتائج فذلك ما سوف نفصِّله في فصل مستقل يأتي إن شاء الله تعالى، بعد إلقاء نظرة موضحة على المسار العام لهذه السياسة.

البادرة الأولى: حسبنا كتاب الله:

وغني عن البيان هنا: أن أول مواجهة مباشرة وصريحة لرسول الله «صلى الله عليه وآله» في هذا الخصوص، ومنعه هو شخصياً من كتابة ما يريد، هي ما جرى في مرض موته «صلى الله عليه وآله»، فيما عرف بـ «رزية يوم الخميس»، حينما أراد «صلى الله عليه وآله» أن يكتب كتاباً للأمة لكي لا تضل بعده، فصدرت من بعض الحاضرين كلمات غير لائقة في حق النبي الأقدس «صلى الله عليه وآله»، ثم جاء الرفض القاطع والجازم لكل ما يكتب في كلمة عمر الشهيرة له «صلى الله عليه وآله»: «حسبنا كتاب الله».

ثم كثر التنازع واللغط من الحاضرين، فأمرهم «صلى الله عليه وآله» بالقيام عنه، والقضية معروفة ومشهورة، وقد وردت بها صحاح الأخبار والآثار([97]) كما تنبأ «صلى الله عليه وآله»، كما سيأتي في آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى.

البادرة الثانية:

ثم أحرق أبو بكر خمس مئة حديث، حسبما أسلفنا، فكان هو الواضع الأول لركيزة سياسة إحراق حديث النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله».

ذروة هذه السياسة:

ثم كانت خلافة عمر بن الخطاب، فكان التحرك في هذا الاتجاه أكثر دقة، كما كان أكثر شمولية واستقصاء، حتى ليخيل إليك: أن هذا الأمر هو أعظم ما كان يشغل بال الخليفة، ويقض مضجعه، فكان يتابع هذا الأمر، ويحث عليه ثم يراقب ويعاقب ويتخذ القرارات والإجراءات بصورة ظاهرة ومستمرة ودؤوبة.

وقد أرسل بأوامره القاضية بإقلال الحديث عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وبأن لا يكون هذا الحديث ظاهراً، وبتجريد القرآن عن الحديث، أرسل بها إلى جميع الأقطار والأمصار.

وكان يوصي بذلك ولاته، وبعوثه وجيوشه. ولم يزل يشيعهم بهذه الوصايا([98]).

وقد كانت سياساته في هذا المجال دقيقة ومدروسة، وتصعيدية، فهو يطلب ذلك ويوصي به باستمرار، فإذا روى أحد حديثاً طالبه بالبينة والشهود، كما فعل مع أُبيّ بن كعب وأبي موسى، وإن لم يكن لديه بينة عاقبه ونكَّل به.

فإذا وجد أحداً يصر على رواية الحديث هدّده بالطرد والنفي إن لم ينفع معه التهديد والضرب([99]).

إحراق حديث رسول الله :

وفي خطوة تصعيدية حاسمة وحازمة يطلب الخليفة الثاني عمر بن الخطاب من الصحابة أن يأتوه بما كانوا قد كتبوه عن النبي «صلى الله عليه وآله»، بحجة أنه يريد جمع الحديث النبوي، وكتابته، حتى لا يندرس.

فبقي شهراً وهو يجمع مكتوبات الصحابة، ثم قام بإحراق ما اجتمع لديه محتجاً لعمله هذا بقوله: «مثناة كمثناة أهل الكتاب»؟!

والظاهر أن الصحيح: «مشناة كمشناة أهل الكتاب»([100]) وقد اشتبه ذلك على النساخ لعدم النقط في السابق، وتقارب رسم الكلمتين.

وفي نص آخر أنه قال: «ذكرت قوماً كانوا قبلكم، كتبوا كتباً فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله. وإني ـ والله ـ لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا».

أو قال: «لا كتاب مع كتاب الله».

وكتب إلى الأمصار: «من كان عنده شيء منها فليمحه».

ومهما يكن من أمر: فلقد بلغ من تشدد الخليفة في هذا الأمر: أنهم يذكرون في ترجمة أبي هريرة: أنهم ما كانوا يستطيعون أن يقولوا: قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: حتى قبض عمر([101]).

وبكلمة موجزة: إن سياسة عمر القاضية بالمنع من رواية الحديث ومن تدوينه تعتبر من البديهيات التاريخية ومن الواضحات، فلا حاجة إلى ذكر النصوص، والإكثار من الشواهد.

بل قيل: إنه (يعني عمر) ضرب من نسخ كتب دانيال، وأمره بمحوها([102])، وضرب الذي جاءه بكتاب وجده في المدائن حينما فتحوها([103]).

وأما بالنسبة لأمره عمرو بن العاص بحرق مكتبة الإسكندرية([104]) وإتلاف كتب كثيرة وجدوها في بلاد فارس([105]).

فقد شكك فيه الشهيد العلامة المطهري([106])، وإن كنا لا نوافقه على كثير مما قاله في هذا المجال. ولبحث ذلك مجال آخر.

الصليبيون والتراث العلمي الإسلامي:

وبالمناسبة فإننا نشير إلى جريمة نكراء ارتكبها الصليبيون الحاقدون ضد التراث العلمي للبشرية، حيث يذكر موندي في تاريخه: أن ما أحرقه الأسبان من كتب قرطبة قد بلغ مليوناً وخمسين ألف مجلد، عدا عما أتلفوه مما عثروا عليه في أقاليم الأندلس([107]).

أما ويلس، فيرى: أنهم قد أحرقوا مليون وخمسة آلاف مجلد فقط.

وفي وفيات الأسلاف: أن أسقف طليطلة قد أحرق من الكتب الإسلامية ما ينوف على ثمانين ألف كتاب.

وأن الإفرنج لما تغلبوا على غرناطة قد أحرقوا من الكتب النفيسة ما يتجاوز مليون كتاب([108]).

«وقـال بعض المؤرخين المصريين: إن البـاقي من الكتب التي ألفهـا المسلمـون ليس إلا نقطـة من بحـر ممـا أحـرقـه الصليبيون، والتـتر، والإسبان»([109]).

ولما فتح الإفرنج طرابلس في أثناء الحروب الصليبية أحرقوا مكتبتها بأمر الكونت برترام سنت جيل، ويقال: إنها كانت تحتوي على ثلاثة ملايين مجلد([110]).

وأضاف جرجي زيدان: وفعل الأسبان نحو ذلك بمكتبات الأندلس لما استخرجوها من أيدي المسلمين في أواخر القرن الخامس عشر([111]).

حجة عمر تصبح حديثاً نبوياً!! :

ومهما يكن من أمر فإننا نلاحظ هنا: أن الكلمات التي استخدمها عمر بن الخطاب كمبرر أمام الناس لتنفيذ نواياه تجاه حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله»، مثل قوله: من كان عنده شيء منها فليمحه، قد أصبحت بعين ألفاظها تقريباً، وبنفس صياغتها حديثاً ينسب إلى النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله»، فراجع وقارن([112]).

وهكذا بالنسبة لاستدلاله على صحة ما أقدم عليه بأن الأمم السالفة قد ضلت بسبب عكوفها على أقوال علمائها وتركها كتاب الله (يعني التوراة)!! فإنه قد أصبح هو الآخر حديثاً، يروى عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، يقول أبو هريرة: فجمعناها في صعيد واحد، فألقيناها في النار([113]).

وراجع أيضاً: ما رووه عن علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في هذا المجال([114]).

وقد نسي هؤلاء الوضاعون الأغبياء: أن وجود حديث من هذا القبيل عن الرسول «صلى الله عليه وآله» يسد الطريق على عمر بن الخطاب للتفكير في كتابة السنن، وتجد الكثيرين يعترضون عليه حينما طلب منهم أن يأتوه بما كتبوه: بأن هذا يخالف أمر النبي «صلى الله عليه وآله» بمحو ما كتب.

كما أن حديثاً كهذا يجعل وجود حديث مكتوب عند الصحابة أمراً متعذراً، إلا إذا فرض أنهم أو كثير منهم لا يأبهون لأوامر النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»، ولا لنواهيه.

أو يكون المقصود هو إظهار المنافقين الذين خالفوا أوامر النبي «صلى الله عليه وآله» في هذا الأمر.

وإذا كان المنافقون هم أهل تلك الأحاديث المجموعة، فإن حديثهم لا قيمة له.

كما أن المنافقين لا بد أن يلتفتوا إلى وجه الخدعة لهم، ولسوف لن يقروا على أنفسهم بأمر فيه إدانة وإهانة لهم.

التقليد والمحاكاة:

ونسجل هنا: أننا نجد: أن استدلال الخليفة الثاني لصحة ما أقدم أو يريد أن يقدم عليه، من المنع من كتابة ورواية حديث النبي «صلى الله عليه وآله» بما تقدم ذكره، قد صار هو الاستدلال التقليدي لكل الذين جاؤوا بعد عمر، وحرصوا على العمل بسنته، وتنفيذ سياساته، فراجع النصوص التاريخية المختلفة فيما يرتبط بهذه الناحية([115]).

المنع من العمل بالسنة أيضاً:

ولم يقتصر الأمر على المنع من رواية وكتابة حديث النبي «صلى الله عليه وآله»، بل تعداه إلى ما هو أهم وأكثر، وأدهى وأمر، وهو المنع عن العمل والجري على السنة النبوية الشريفة، حيث رأينا أن الخليفة يضرب الناس إذا رآهم يصلون بعد العصر([116]).

ولما ضرب زيد بن خالد الجهني لأجل ذلك، وقال له زيد: إنه لا يدعهما بعد إذ رأى رسول الله «صلى الله عليه وآله» يصليهما، قال له عمر: «لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلماً إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما»([117]).

كما أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استخلف عمر تركهما، فلما توفي ركعهما.

فقيل له: ما هذا؟

فقال: إن عمر كان يضرب الناس عليهما([118]).

فإذا كان مثل أبي أيوب لا يجرؤ على العمل بما سنه النبي «صلى الله عليه وآله»، فما ظنك بغيره من الناس العاديين، الذين ليس لهم ما لأبي أيوب من احترام وتقدير ومكانة لدى صحابة رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟

كما أننا لم نفهم ما هو المحذور في أن يصلي الناس حتى الليل!! حتى جاز لعمر ضرب الناس لأجل ذلك!! وأخيراً.. فقد روي: أن عمر قد هم أن يمنع الناس عن كثرة الطواف.

وقال: «خشيت أن يأنس الناس هذا البيت، فتزول هيبته من صدورهم»([119]).

أضف إلى ما تقدم: أن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان يقول: «ابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سراً»([120]).

وحذيفة إنما توفي في أوائل خلافة علي «عليه السلام»، بعد البيعة له «عليه السلام» بأربعين يوماً، على ما قيل.

وهو من القـادة الكبار، الـذيـن كان الحكام يعتمدون عليهم في فتوحاتهم قبل علي «عليه السلام»، وكانت له مكانته المرموقة ودوره الكبير فيما بين الشخصيات الفاعلة في النظام القائم.

فقوله المتقدم يدل على أن الأجواء العامة كانت ضد المؤمنين، وأن السيطرة كانت لأناس لا يهمهم أمر الدين في شيء، بل كان المؤمنون يتعرضون للسخرية والاستهزاء، تماماً كما هو الحال بالنسبة لطغيان الفساق والفجار في بعض البلاد الإسلامية اليوم، مع عدم ظهور اهتمام من الحكام بردعهم ومكافحتهم، لأسباب مختلفة.

حبس كبار الصحابة في المدينة:

وفي هذا الاتجاه بالذات: يُقدِم الخليفة الثاني على خطوة أخرى أيضاً، وهي: أنه جمع الصحابة من الآفاق، وطالبهم بما أفشوه من حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ثم أمرهم بالمقام عنده، وأن لا يفارقوه ما عاش، ومنعهم من مغادرة المدينة، فبقوا فيها إلى أن مات([121]).

وقد أضاف سبباً آخر إلى إفشائهم حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فذكر أنه إنما يمنعهم من المشاركة في الغزو حتى لا يفسدوا عليه أصحاب محمد «صلى الله عليه وآله»([122]).

نعم.. لقد رووا عن الخليفة أنه فعل ذلك، رغم أنه هو نفسه يقول للناس ـ كما قيل ـ إنه إنما يرسل إليهم العمال ليعلموهم دينهم وسنتهم([123]).

الخلف عن السلف:

ولم يقتصر الأمر في المنع عن الحديث رواية وكتابة الخ.. على زمان أبي بكر وعمر، فإن الذين جاؤوا بعدهما من خلفاء بني أمية، إبتداءً من عثمان، ثم معاوية، فمن تلاه من الخلفاء: قد اتبعوا نفس الطريقة، وساروا على نفس النهج، في المنع عن الحديث إلا حديثاً كان على عهد عمر([124]).

وأصبحت كتابة الحديث عيباً عند الناس، كما عن أبي المليح([125]).

بل لقد رووا عن ابن الحنفية أنه قال: «إياكم وهذه الأحاديث، فإنها عيب عليكم، وعليكم بكتاب الله إلخ..»([126]).

لا قرآن، ولا سنة:

ولكن ورغم توصية ابن الحنفية الآنفة بكتاب الله وقبل وفوق ذلك وصايا النبي «صلى الله عليه وآله» والوصي «عليه السلام» به أيضاً، ورغم أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يُعلِّم أصحابه الآيات من القرآن، ويوقفهم على ما فيها من علم وعمل، وما فيها من حلال وحرام، وما ينبغي أن يقف عنده([127]).

ثم ما روي عنه «صلى الله عليه وآله» من أنه قال: تعلموا القرآن، والتمسوا غرائبه. وغرائبه فرائضه، وفرائضه حدوده، وحدوده حلال وحرام، ومحكم ومتشابه الخ..([128]).

وما روي عن عمر أنه قال حين وفاة النبي «صلى الله عليه وآله»: حسبنا كتاب الله ـ كما تقدم ـ ثم مبادرته حين توليه الخلافة إلى المنع من تدوين الحديث وروايته، ووالخ..

نعم.. رغم ذلك كله، فإننا لا نجد لدى رواد هذه السياسة كبير اهتمام بالقرآن، وتعليمه، وتفسيره للناس، بل نجد عكس ذلك تماماً، فإن عمر بن الخطاب نفسه كان يمنع الناس من السؤال عن معاني القرآن، ويضرب ويعاقب من يسأل عن شيء منه، وما فعله بصبيغ شاهد على ذلك حيث ضربه ماءة ثم ماءة حتى اضطربت الدماء في ظهره وفي رأسه، ومنع الناس من الكلام معه، ومن مجالسته، فمكث حولاً على ذلك حتى أصابه الجهد، ولم يزل وضيعاً في قومه حتى هلك، وكان سيد قومه([129]).

وقد بقي ابن عباس سنة كاملة أو سنتين لا يجرؤ على سؤال عمر عن آية في كتاب الله([130])، رغم ما كان له من المكانة عنده.

قراءة القرآن أيضاً مرفوضة:

بل إن عمر كان لا يرغب في كثرة القراء للقرآن أيضاً، فقد كتب إليه أبو موسى بعدة ناس قرأوا القرآن، فحمد الله عمر.

ثم كتب إليه في العام القابل بعدة هي أكثر من العدة الأولى، ثم كتب إليه في العام الثالث.

فكتب إليه عمر يحمد الله على ذلك، وقال: إن بني إسرائيل إنما هلكت حينما كثرت قراؤهم([131]).

ونلاحظ: أن هذه العبارة الأخيرة هي من سنخ استدلاله للمنع من كتابة الحديث!! فاقرأ، واعجب بعد هذا ما بدا لك!!

هذا.. ومن المفارقات هنا: أن نرى هذا الخليفة بالذات يسمح لكعب الأحبار أن يقرأ التوراة آناء الليل وأطراف النهار، كما سنرى!!

الدقة في التنفيذ:

وقد كان للاهتمام الذي أولاه الحكام للمنع من رواية الحديث وكتابته، وما لمسه الناس من جدية وإصرار في تنفيذ هذه السياسة، ومتابعة فصولها بدقة وحزم من قبل شخص الخليفة الثاني، الذي كان قوله ورأيه في العرب نافذاً ومقبولاً، قد كان لـذلـك تأثيرات سريعة وحاسمة على صعيد الالتزام التام بالتعليمات الصادرة لهم في هذا الخصوص؛ فهذا أبو موسى الأشعري (وكذلك أنس بن مالك([132])) بمجرد أن أحس أن عمر يفكر في أمر ما في هذا الاتجاه، يمسك عن الحديث حتى يعلم ما أحدثه عمر.

ولنا أن نظن ظناً قوياً: أنهما كانا على علم مسبق بما كان الخليفة قد عقد العزم عليه في هذا الصدد، وأراد ترويض الناس على قبول ذلك، والالتزام به.

بل لقد بلغ بهم التحاشي عن حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله» حداً مثيراً للدهشة، حتى إن عبد الله بن مسعود ـ وهو الصحابي المعروف ـ كانت تأتي عليه السنة لا يحدث عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بشيء([133]).

بل لقد قال عمرو بن ميمون: «صحبت عبد الله بن مسعود سنين فما سمعته يروي حديثاً إلا مرة واحدة» ثم ذكر الحديث الذي رواه([134]).

ويقول الشعبي: «قعدت مع ابن عمر سنتين، أو سنة ونصفاً، فما سمعته يحدث عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلا حديثاً.

أو قال: جالست ابن عمر سنتين فما سمعته يحدث عن رسول الله شيئاً([135]).

وكان زيد بن أرقم إذا طلبوا منه أن يحدثهم يزعم أنه كبر ونسي([136]).

وقال عمرو بن ميمون الأودي: «كنَّا جلوساً بالكوفة، فجاء رجل ومعه كتاب، فقلنا: ما هذا؟

قال: كتاب دانيال.

فلولا أن الناس تحاجزوا عنه لقتل.

وقالوا: كتاب سوى القرآن؟!»([137]).

وكيف لا يقتله الناس، وهو قد خالف سنة عمر في حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وتجاوز سياساته تجاهه؟!

فإنه ولا شك قد ارتكب جريمة نكراء!! وجاء ببدعة صلعاء!!.

ثم إننا لا ندري ماذا كان يوجد في ذلك الكتاب المنسوب إلى دانيال النبي «عليه السلام».

ولعل الذين اعترضوا على هذا الكتاب كانوا لا يعرفون شيئاً عن مضمون ذلك أيضاً.

إلى متى؟!:

هذا، وقد استمر المنع من رواية الحديث وتدوينه ساري المفعول ـ بصورة أو بأخرى ـ إلى زمن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، الذي تولى الخلافة في مطلع القرن الثاني (في صفر سنة 99 هـ) لفترة وجيزة انتهت بموته في رجب سنة 101 ه‍. فقد أظهر عمر بن عبد العزيز هذا رغبة في جمع الحديث، فأمر محمد بن عمرو بن حزم بأن يكتب له حديث النبي «صلى الله عليه وآله»، أو سنة ماضية، أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن([138]).

ومراده بالسنة الماضية هي سنة أبي بكر، وعمر، وعثمان، كما سنشير إليه.

وإنما أراد حديث عمر لأجل الوصول إلى حديث عائشة كما هو معلوم، ولا ندري: إن كان طلب الخليفة هذا قد نفذ أو لا.

ولكن الزهري المتوفى سنة 124 ه‍. قد كتب له طائفة من الروايات، فأرسل إلى كل بلد دفتراً من دفاتره التي كتبها له.

وقد كانت هذه المحاولة أيضاً ضعيفة ومحدودة جداً([139]) ولا تستطيع أن تعيد لحديث رسول الله «صلى الله عليه وآله» دوره وحيويته في الناس كما هو واضح.

ورووا أيضاً: أن أبا الزناد كتب سنن الحج لهشام بن عبد الملك، وذلك في سنة 106 ه‍ . ([140]) لكن ليس ثمة ما يدل على أن ذلك قد وصل إلى أيدي الناس، وتداولوه.

بل إن ما كتبه الزهري لم نجد له أثراً ملموساً فيما بين أيدينا من تراث مكتوب ليمكننا تقييمه والحكم عليه.

ومهما يكن من أمر، فإن من المؤكد: أن مفعول المنع من تدوين الحديث قد انتهى في أواسط القرن الثاني، وأن الحركة الواسعة لتدوين الحديث قد بدأت في أواسط القرن الثاني للهجرة، على يد ابن جريج، ومالك بن أنس، والربيع بن صبيح، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم([141]).

وأما البدايات الضعيفة والمحدودة لكتابة الحديث، فقد حصلت قبل ذلك، لكنها كانت محكومة للظروف العامة، والخوف من التعرض إلى الأذى بسبب ذلك.

ولم يصل إلينا ولا إلى الناس من ذلك إلا النزر القليل، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

الفصل الثالث:

 

أين؟ ومـا هـو البديل؟!

من الذي يفتي الناس؟!

وبعدما تقدم، فقد كان لا بد للناس، الذين يدينون بهذا الدين، ويريدون أن يطبِّقوا أحكامه وشرائعه على حركاتهم وسلوكهم ومواقفهم ـ لا بد لهم ـ من مرجع يرجعون إليه، ليفتيهم في أمور دينهم، ويبيِّن لهم أحكامه، من دون أن يتعرض لرواية عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لا من قريب، ولا من بعيد.

وبديهي، أنه لا يمكن السماح لكل الناس بالتصدي للفتوى؛ لأن ذلك يحمل معه مخاطر كبيرة وخطيرة، ويجعل السلطة في مواجهة مشاكل صعبة، ويضعها أمام إحراجات لا طاقة لها بها. وذلك حينما تتعارض فتاواهم وتتناقض.

أو حينما تصدر عن بعض الناس فتاوى قد يعتبرها الحكام ومن يدور في فلكهم مضرة في مصالحهم في الحكم، أو في غيره.

وهذا الأمر يحمل معه أجواء الاستدلال والاحتجاج، والتأييد والرد، ثم الإدانة، وتسفيه الآراء.

ومعنى ذلك هـو: العـودة إلى طـرح النصـوص القرآنية، والكلـمات والمواقف النبوية، كوسائل إقناع واحتجاج، فيكون ما فروا منه قد عادوا فوقعوا فيه.

مع ما في ذلك من إضعاف لمواقع ولرموز لا تريد لها السلطة أن تضعف بأية صورة كانت.

ويأتي إضعافها وضعفها باتضاح أنها في درجة أدنى من حيث المعرفة والعلم بالقرآن والسنة، وأحكام الدين، وتعاليم الشريعة.

ثم هو يتسبب بالإحساس بالغبن، وبالمظلومية بالنسبة لأولئك الذين يملكون المؤهلات الحقيقية للفتوى، حين يكون التعامل معهم، والموقف منهم، ومن كل ما يقدمونه من علم صحيح ونافع لا يختلف عن الموقف مما يقدمه أولئك الجهلة الأغبياء، الذين لا يملكون من التقوى ما يمنعهم عن الإفتاء بغير علم ولا هدى، ولا كتاب منير.

أضف إلى ذلك: أن هذا من شأنه أن يضعف الثقة بالسلطة، التي انتهجت هذه السياسة، وشجعت هذا الاتجاه.

هذا كله، عدا عن أن الحكم يريد أن يتبنى اتجاهاً فكرياً خاصاً ومتميزاً، يخدم أهدافه الخاصة والعامة.

ويريد أن يزرع في الناس مفاهيم، ويحملهم على اعتقادات، ويلزمهم بأحكام لا يدع لهم مناصاً من الالتزام بها، والجري عليها وتبنيها، في مختلف الظروف والأحوال.

ولن يكون ذلك ميسوراً له في ظل هذه الحرية في الفتوى، وفي الاستدلال عليها.

حصر الفتوى في نوعين من الناس:

ولأجل ذلك، فقد كان من الطبيعي أن لا يسمحوا بالفتوى إلا لنوعين من الناس.

الأول: الأمراء، وذلك في الأمور الحساسة، فيما يبدو.

الثاني: أشخاص بأعيانهم، يمكنهم تسويق فكر السلطة، بصورة أو بأخرى.

ولأجل توضيح ذلك فإننا نشير إلى كلا النوعين باختصار، فنقول:

أولاً: الأمراء:

أما بالنسبة للأمراء؛ فإننا نقرأ في التاريخ: أن عمر بن الخطاب قد أنكر على بعضهم بقوله: «كيف تفتي الناس، ولست بأمير؟! ولي حارها من ولي قارها»([142]).

وكان ابن عمر إذا سئل عن الفتوى قال: إذهب إلى هذا الأمير، الذي تقلد أمور الناس، ووضعها في عنقه([143]).

وقـد امتنع ابـن عمر عن إفتاء سعيد بـن جبير، وقـال: يـقـول في ذلك الأمراء([144]).

وقد أطلقوا على الفتوى اسم «صوافي الأمراء».

فعن المسيب بن رافع قال: كان إذا ورد الشيء من القضاء، وليس في الكتاب، ولا في السنة، سمي «صوافي الأمراء»، فدفع إليهم الخ..

وروى هشام بن عروة عن أبيه: أنه ربما سئل عن الشيء فيقول: هذا من خالص السلطان.

وعن ابن هرمز: أدركت أهل &