الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)


 

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ  1425 هـ . ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الــصــحـيـــح

من سيرة النبي الأعظم

(صلى الله عليه وآله)

 

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

 

الجزء الثاني

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

إيضاحات ضرورية:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}.

والصلاة والسلام على محمد المصطفى، خاتم الأنبياء والمرسلين، وآله الكرام البررة الطيبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، من الأولين والآخرين، إلى يوم الدين.

وبعد..

فإنني إذ أقدم إلى القراء الكرام هذا الكتاب: >الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله< أرى لزاما عليّ أن أشير ـ باختصار ـ إلى الأمور التالية:

1 ـ لقد اعتمدت ـ بالـدرجة الأولى ـ فيما كتبته هنـا على مؤلفـات القدماء، أما مراجعتي لمؤلفات المعاصرين، فلا تكاد تذكر؛ لأن ما راجعته منهـا رأيت أنه ـ عموماً ـ يكرر ما كتبه أولئك، إلا في كيفية التنسيق والتبويب والإخراج، ثم التبرير والتوجيه له، بزيادة:

أنهم يظهرون براعتهم وتفوقهم في تـرصيف الـكـلمات الـبراقـة، وصياغة الجمل والعبارات الرنانة في تأييده وتأكيده، من دون أي تحقيق له، أو تـدقيق فيه، صحة وفسـاداً؛ حتى ليخيل إليك أن تلك النصوص جـزء من الوحي الإلهي، الذي لا يتطرق إليه الشك، ولا يرقى إليه الريب، مهما كانت متناقضة ومتنافرة؛ إذ لا بد من الجمع بينها، وتمحل الوجوه لها، ولو كانت مما يأباه كل عقل، ولا يقره وجدان، ولا يرضاه ضمير، حتى إذا لم يمكن ذلك فلا بد من السكوت عنها، والاعتراف بالعجز عن فهم حقيقة الحال فيها، وذلك هو أضعف الإيمان.

2 ـ لقد انصب اهتمامي في هذا الكتاب على الناحية التحقيقية حول صحة وعدم صحة الكثير مما يدعى أنه سيرة نبوية، أو تاريخ إسلامي، ولكن بالمقدار الذي يتناسب مع كتاب كهذا، يريد أن يعطي صورة متقاربة الملامح قدر الامكان عن فترة زمنية ثرية بالأحداث والمواقف الحساسة، وقد كانت ولا تزال محط النظر ـ بشكل رئيسي ـ لأهل المطامح والأهواء السياسية، والمذهبية، وغيرها.

بل هي أخطر وأهم مرحلة تاريخية على الإطلاق؛ لأنها غيرت جذرياً، وليس فقط أصلحت كل الأسس والمنطلقات الخاطئة لكل قضايا وشؤون الإنسان والإنسانية جمعاء.

وقد كانت المهمة في الحقيقة شاقة وصعبة للغاية، ولكنني رضيت بتحمل ذلك، لأنني أدركت مدى حاجة المكتبة الإسلامية إلى جهد كهذا، مهما كان ناقصاً ومحدوداً؛ ليكون النواة والخطوة الأولى على طريق اعتماد المنهج التحقيقي العلمي في التعرف على قضايا التراث، بصورة شمولية، ومستوعبة.

3 ـ وقد يلاحظ القارئ لهذا الكتاب بعض الفجوات فيه، أو مداً وجزراً في الشمولية والاستقصاء.

وله أن يرجع ذلك إلى أن هذا الكتاب قد أعد في فترات زمنية متباعدة، فرضها واقع الظروف التي تمنع الإنسان من الاستفادة من عنصر الوقت على النحو الأفضل والأمثل.

كما أنه لا يمكن استبعاد حالات النشاط والخمود الفكري التي تعتري الإنسان تبعاً لتفاوت حالات الهدوء والاستقرار، الأمر الذي يؤثر بشكل واضح على طبيعة ما يكتب، ويُظهر فيه شيئاً من التفاوت والاختلاف في مستوى التعرض لبحوثه وقضاياه.

4 ـ حيث إن التاريخ الإسلامي ـ كما سنرى ـ قد تعرض لمحاولات جادة للتلاعب فيه من قبل أصحاب الأهواء السياسية والمذهبية وغيرها، وتسربت إليه بعض الترهات والأباطيل من قبل أهل الكتاب وغيرهم، ثم حاولت الأيدي الأثيمة والحاقدة أن تعبث به تحريفاً، أو تزييفاً. فقد أصبح البحث، والوصول إلى الحقائق فيه على درجة كبيرة من الصعوبة، إن لم يصل إلى حد التعذر أحياناً، فقد كان لا بد لنا من أخذ الأمور التالية بنظر الاعتبار:

ألف: إن الاعتماد على نوع معين من المؤلَّفات والمؤلفين ربما يتسبب في حرمان القارئ من الاطلاع على نصوص تناثرت هنا وهناك، واستطاعت أن تخترق الحجب، وتقفز فوق الحواجز الثقيلة، وتصل إلينا سليمة ـ إلى حد ما ـ من التحريف، حين لم ير فيها السياسيون المحترفون خطراً، ولا رأى فيها المتمذهبون المتعصبون ضرراً؛ فتركها هؤلاء وأولئك، ليتلقفها عشاق الحقيقة القليلون جداً؛ بعيداً عن غوغائية المتعصبين، وفي مأمن ومنأى من جبروت وتعنت الأشرار المحترفين.

ب: إننا رأينا ـ والحالة هذه ـ أن البحث في الأسانيد، والاعتماد عليها كمقياس ومعيار نهائي في الرد والقبول، إنما يعني: أن علينا أن نقتنع بنصوص قليلة جداً، لا تكاد تفي حتى بالتصور العام، وبالفهرسة الإجمالية للسيرة النبوية المباركة، فضلاً عن تفصيل أحداث تاريخ صدر الإسلام.

ولسوف نخسر كثيراً من النصوص الصحيحة، التي لم توفق لسند تتوفر فيه أدنى شرائط القبول.

هذا بالإضافة إلى أن الباحث سوف يفقد حرية الحركة، والربط والاستنتاج، ولسوف لن يكون لفهمه العميق للأجواء والظروف وللاتجاهات السياسية والفكرية وغيرها الذي اكتسبه من الممارسة الطويلة، أية فعالية تذكر في استخلاص الحقائق، التي أريد لها ـ لسبب أو لآخر ـ أن تبقى طي الكتمان، ورهن الإبهام والغموض.

هذا عدا عن المشكلات الكبيرة التي تواجه الباحث، ولا بد له من التغلب عليها، ليمكن للبحث السندي أن يكون مقبولاً ومعقولاً لدى أرباب الفكر، وأساطين العلم والمعرفة.

وأهم هذه المشكلات هي مشكلة المعايير والمنطلقات والضوابط للبحث السندي، وموازين القبول والرد فيه، والتي يرتكز بعضها على أسس عقائدية أولية، يتطلب البحث فيها وقتاً طويلاً، وجهداً عظيماً، إن لم ينته إلى الطريق المسدود، ويعود ممجوجاً وعقيماً في أكثر الأحيان؛ حيث يصر البعض على اتخاذ منحى لا يتسم بالنزاهة ولا بالموضوعية، خصوصاً في النواحي العقائدية، ولا نملك إزاء هذا النوع من الناس إلا أن نقول:

قاتل الله الأهواء، والعصبيات، والمصالح الشخصية والفئوية.

وعلى هذا الأساس نقول: إننا إذا كنا قد بحثنا ـ أحياناً ـ في الأسانيد، فقد اعتمدنا في ذلك الطريقة المعقولة والمقبولة، المبنية على قـاعدة: ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم، ثم الطرق التي يتوافق عليها إن لم يكن كل فأكثر أهل الفرق، وتؤدي إلى نتيجة مقبولة لدى الجميع، وإن كان منشأ هذا القبول يختلف بين هؤلاء وأولئك في أحيان كثيرة.

ج : لقد حتم علينا ذلك المنهج، بالإضافة إلى ما تقدم: أن نتخذ من المبادئ الإسلامية، ومن القرآن، ومن شخصية وخصائص وأخلاق الرسول الأعظم >صلى الله عليه وآله< أساساً لتقييم كثير من النصوص المعروضة، والحكم عليها بالرد أو القبول من خلال انسجامها مع ذلك كله، أو عدم انسجامها معه.

وذلك ينسحب على كل شخصية استطعنا الحصول على فهم عام لسيرتها، ولخصائصها وأخلاقها، ومواقفها، واتجاهاتها.

د : هذا بالإضافة إلى الكثير من أدوات البحث، التي توفرها الممارسة الطويلة في هذا الاتجاه، كتناقض النصوص، والإمكانية التاريخية، من خلال المحاسبات التاريخية الدقيقة، وغير ذلك من وسائل استفدنا منها في بحوثنا هذه، مما سوف يقف عليه القارئ الكريم لهذا الكتاب.

5 ـ وبعد، فإن الكل يعلم: أن المسلمين قد اهتموا بتدوين تاريخ الإسلام، بشكل لا نظير له لدى أي من الأمم الأخرى، فهو بحق وبرغم كل المحاولات أثرى تاريخ أمة وأغناه على الإطلاق.

وحيث إن البحث في جميع جوانبه أمر متعسر، بل متعذر علينا، فقد آثرنا الاكتفاء بالبحث في جانب يستطيع أن يهيئ لنا تصوراً عاماً، وهيكلية متقاربة الملامح والسمات، عن حياة نبينا الأكرم محمد >صلى الله عليه وآله<.

6 ـ لسوف يجد القارئ لهذا الكتاب أنني حاولت الاقتصار على أقل قدر ممكن من الشواهد والدلائل ومصادرها المأخوذة منها، مع علمي بأن بالإمكان حشد أضعاف ذلك في تأييد وتأكيد الحقائق التي أوردتها بشكل عام.

7 ـ إنني قد نسبت كل شيء استفدته أو استشهدت به إلى قائله، أو كاتبه وناقله، وأما الأفكار التي لا مصدر لها، فهي جهد شخصي، لم أعتمد فيه على أحد.

8 ـ وأخيراً، فقد كانت الفرصة تسنح أحياناً، في فترات الإحساس بشيء من النشاط الفكري لتسجيل بعض الملاحظات أو الالتفاتات أو التفسيرات لبعض المواقف أو القضايا والأحداث.

وهي وإن كانت لا تصل في الأكثر إلى مستوى البحث الكامل والشامل؛ لأنها جاءت على الأكثر بصورة عفوية، ومرتجلة، لم يسبقها إعداد، ولا مراجعة، ولا مطالعة، إلا أنها تعتبر ـ على الأقل ـ بمثابة استراحات للقارئ الكريم، كما كانت استراحات للكاتب نفسه من قبل.

وللقارئ الخيار بعد هذا في أن يحكم لها أو عليها، وإذا كان حكمه لها فهو بالخيار أيضاً في أن يتلمس فيها شيئاً من العمق، أو بعضاً من الجمال.

وفي الختام، فإنني أرجو من القـارئ الكريـم أن يتحفني بآرائه، ومؤاخذاته ولسوف أكون له من الشاكرين.

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

إيران ـ قم المشرفة 16/12/1400 ه‍. ق.

جعفر مرتضى الحسيني العاملي

 

 

القسم الثاني:

 

ما قبل البعثة

 

الباب الأول: البداية الطبيعية للسيرة

الباب الثاني: من الميلاد إلى البعثة

 

الباب الأول:

 

البداية الطبيعية للسيرة

 

الفصل الأول: ما قبل ميلاد النبي

الفصل الثاني: بحوث تسبق السيرة

 

الفصل الأول:

 

ما قبل ميلاد النبي

 

البداية الطبيعية:

إن من البديهي: أن البداية الطبيعية والمعقولة لتاريخ الإسلام، وأعظم ما فيه وهو سيرة النبي الأكرم >صلى الله عليه وآله< تحتم علينا إعطاء لمحة خاطفة عن تاريخ ما قبل البعثة، وما اتصل بها من أحداث سبقتها، لنتعرف على الأجواء والمناخات التي انطلقت فيها دعوة الدين الحق، وهو دين الإسلام فنقول:

الوضع الجغرافي لشبه جزيرة العرب:

هي شبه جزيرة مستطيلة يحدها شمالاً: الفرات، وآخر قطعاتها بادية الشام والسماوة، وفلسطين، وشرقاً خليج فارس، وجنوباً خليج عدن، والمحيط الهندي، وغرباً: البحر الأحمر([1]).

ولا يعنينا الوضع الجغرافي هنا إلا في النواحي التالية:

الأولى: إنه لم يكن في جزيرة العرب حتى نهر واحد، بالمعنى الصحيح للكلمة([2])، وأكثرها جبال، وأودية، وسهول جرداء، لا تصلح للزراعة والعمل. ومن ثم فهي لا تساعد على الاستقرار، وتنظيم الحياة.

ومن هنا فقد كان أكثر سكانها، بل قيل خمسة أسداسهم من البدو الرحل، الذين يمسون في مكان، ويصبحون في آخر.

الثانية: إن هذا الوضع قد جعل هذه المنطقة في مأمن من فرض السيطرة عليها من قبل الدولتين العظميين آنئذ: الرومان، والفرس، وغيرهما؛ فلم تتأثر المنطقة بمفاهيمهم وأديانهم كثيراً، بل لقد هرب اليهود من حكامهم الرومان إلى جزيرة العرب، واحتموا فيها في يثرب (المدينة) وغيرها.

وقد نشأت عن هذا الوضع للجزيرة العربية، ظاهرة الدويلات القبلية، فلكل قبيلة حاكم، وكل ذي قوة له سلطان.

الثالثة: إن هذه الحياة الصعبة، وهذا الحكم القبلي، وعدم وجود روادع دينية، أو وجدانية قوية، قد دفع بهذه القبائل إلى ممارسة الإغارة والسلب ضد بعضها البعض، كوسيلة من وسائل العيش أحياناً، وأحياناً لفرض السيطرة والسلطان، وأحياناً أخرى للثأر وإدراك الأوتار، إلى آخر ما هنالك، فتغير هذه القبيلة على تلك؛ فتستولي على أموالها، وتسبي نساءها وأطفالها، وتقتل أو تأسر من تقدر عليه من رجالها، ثم تعود القبيلة المنكوبة لتتربص بهذه الغالبة الفرصة لمثل ذلك، وهكذا.

ومن هنا، فإن من الطبيعي أن يكون شعور أفراد كل قبيلة بالنسبة لأبناء قبيلتهم قوياً جداً، بدافع من شعورهم بالحاجة إلى بعضهم البعض للدفاع عن الحياة، والكفاح من أجلها، مما كان سبباً قوياً لزيادة حدة التعصب القبلي، الذي لا يرثي، ولا يرحم، ولا يلين، حيث لا بد من الوقوف إلى جانب ابن القبيلة، سواء أكان الحق له، أو عليه، حتى لقد قال شاعرهم يتمدحهم بذلك:

لا يسألون أخـاهـم حين يـنـدبهـم                في النـائبات على مـا قـال برهانا ([3])

ومن الجهة الأخرى، فإن القبيلة تتحمل كل جناية أو جريمة يرتكبها أحد أبنائها، وتحميه من كل من أراده بسوء، بل يكون أخذ الثأر من غير الجاني إذا كان من قبيلته كافياً وشافياً للموتورين، الذين يريدون شفاء ما في نفوسهم، وإدراك أوتارهم.

الحضر في شبه جزيرة العرب:

أما الحضر في جزيرة العرب، وهم الذين يسكنون المدن، ويستقرون فيها، فإنهم وإن كانوا في حياتهم أرقى من العرب الرحل، إلا أن رقيهم هذا لم يكن بحيث يجعل الفارق بينهما كبيراً.

ومن هنا، فإننا نلاحظ تشابهاً كبيراً فيما بينهما في العقلية، وفي المفاهيم، وفي العادات والتقاليد، وأساليب الحياة، وبدائيتها، هذا إن لم نقل:

إن العرب الرحل كانوا أصح أبداناً، وأفصح لساناً، وأقوى جناناً، وأصفى نفساً، وفكراً وقريحة.

ولكن امتياز هؤلاء وأولئك في بعض الأمور لم يكن إلى الحد الذي يحتم على الباحث فصل الحديث عنهما، ولاسيما بالنسـبـة إلى أولئك الحضريين الذي يسكنون الحجاز.

والخلاصة: إننا إذا كنا لم نجد في تاريخ ما قبل الإسلام ما يبرر نسبة التفوق إلى أحد الطرفين على الآخر، كما يتضح من كلمات أمير المؤمنين الآتية وغيرها، فليس في فصل الحديث عنهما كبير فائدة، ولا جليل أثر.

الحالة الاجتماعية عند العرب:

وإن من يطالع كتب التاريخ سيرى بوضوح إلى أي حد كانت الحالة الاجتماعية متردية في العصر الجاهلي.

وقد قدمنا: أن السلب والنهب والإغارة، والتعصب القبلي، وغير ذلك قد كان من مميزات الإنسان العربي، حتى إنه إذا لم تجد القبيلة من تغير عليه من أعدائها أغارت على أصدقائها، وحتى على أبناء عمها، يقول القطامي:

وكـن إذا أغــرن عـلى قــبــيـــل                 وأعــوزهــن نـهـب حـيـث كانا

أغـرن مـن الضبـاب على  حـلال([4])            وضــبــة إنــه مـن حــان  حـانـا

وأحـيـانــاً عـلـى بـكــر أخـيـنـا          إذا مــا لــم نــجــد إلا أخــانــا

ولقد رأينا: أن تلك الظـروف الصعبة، والفقر والجوع، والخلافات التي كـانـوا يعانون منها، والمفاهيم الخاطئة التي كـانت تعيش في أذهـانهم ـ وخصوصاً عن المرأة ـ..

وكذلك ظروف الغزو والإغارة، التي تعني سبي النساء والأطفال، قد دفعتهم إلى قتل أو وأد أولادهم، ولاسيما البنات، وكان ذلك في قبائل تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وبكر بن وائل([5]).

بل إننا نستطيع أن نعرف مدى شيوع الوأد بينهم من تعرض القرآن لهذه المسالة، وردعه لهم عنها، وإدانتها، قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}([6]).

وقال أيضاً: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}([7]).

كما أننا نجده >صلى الله عليه وآله< قد نص على ذلك في بيعة العقبة وقد قال محمد بن إسماعيل التيمي ـ وغيره ـ تعليقاً على هذا:

خص القتل بالأولاد؛ لأنه قتل وقطيعة رحم؛ فالعناية بالنهي عنه آكد؛ ولأنه كان شائعاً فيهم، وهو وأد البنات وقتل البنين، خشية الإملاق الخ..([8]).

ويقول البعض: >كان هذا الوأد ـ عـلى رأي بـعض الباحثين ـ في عامة قبائل العرب< يستعمله واحد، ويتركه عشرة، أو كان على الأقل معروفاً في بعض القبائل كربيعة، وكندة، وتميم([9]).

المرأة في الجاهلية:

وقد كانت حياة المرأة في الجـاهلية أصعب حياة، حيث لم يكن لها عندهم قيمة أبداً، وقد كتب الكثير عن هذا الموضوع، ولذا فلا نرى حاجة كبيرة للتوسع فيه، ويكفي أن نذكر هنا قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ}([10]). وسياق الآية الكريمة يشير إلى كثرة ذلك وشيوعه فيهم، ومن ذلك نعرف أن الخضري قد حاول تكذيب القرآن، حينما ادَّعى: أن العربي قبل الإسلام كان يحترم المرأة ويجلها([11])، نعوذ بالله من الخذلان، ومن وساوس الشيطان، كما أن فيه تكذيباً للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، الذي يقول: >والله، إن كنَّا في الجاهلية ما نعدُّ للنساء أمراً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم<([12]).

شواهد عن حالة العرب في الجاهلية:

وعن حالة العرب في الجاهلية، يكفي أن نذكر بعض ما قاله سيد الخلق بعد الرسول علي أمير المؤمنين، فمن ذلك قوله >عليه السلام<:

>بعثه والناس ضلَّال في حيرة، وحاطبون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر، وبلاء من الجهل<([13]).

وقال >عليه السلام<: >وأنتم معشر العرب على شر دين، وفي شر دار، تنيخون([14]) بين حجارة خشن، وحيات صم([15])، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب([16])، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام فيكم معصوبة<([17]).

وقال >عليه السلام<: >فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرقة، في بلاء أزل، وأطباق جهل، من بنات موؤودة، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة<([18]).

وكلمات أمير المؤمنين هنا حجة دامغة على كل مكابر متعصب، وهناك كلمات كثيرة له >عليه السلام< في هذا المجال؛ فمن أرادها فليراجع نهج البلاغة وغيره.

ويقال: إن المغيرة بن شعبة قد قال ليزدجرد:

>.. وأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان، والحيات، ونرى ذلك طعامنا، أما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل، وأشعار الغنم؛ ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً، وأن يبغى بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية، كراهية أن تأكل من طعامه<([19]).

ولابن العاص أيضاً كلام يشير إلى بعض ذلك؛ فمن أراده فليراجعه في مصادره([20]).

علوم العرب:

لقد أوضح لنا الإمام أمير المؤمنين >عليه السلام< في كلماته المتقدمة حالة العرب، ومستواهم العلمي والثقافي، وأنهم كانوا يعيشون في ظلمات الجهل، والحيرة، والضياع.

وهـذا يكـذِّب كل مـا يدعيه الآخـرون ـ كـالألـوسي وغيره ـ من أن العرب كانوا قد تميزوا ببعض العلوم، كعلم الطب، والأنواء، والقيافة، والعيافة، والسماء، ونحو ذلك..

وقال بعضهم: >خصت العرب بخصال: بالكهانة، والقيافة، والعيافة والنجوم، والحساب<([21]).

فإن ما كان عندهم من ذلك هو مجرد ملاحظات بسيطة ساذجة، مبنية على الحدس والتخمين، متوارثة عن مشايخ الحي وعجائزه.

وهذا هو رأي ابن خلدون أيضاً، الذي كان يرى: أن علم الطب عندهم لا يتعدى معلومات أولية، وملاحظات بسيطة، لا تستحق أن تسمى علماً، ولا شبه علم.

ومثل هذا يقال عنهم في علم الأنواء والسماء؛ فضلاً عما يسمى بالقيافة، والعيافة، هذا عدا عن أن بعض هذه الأمور، لا تستحق أن يطلق عليها اسم >علم<.

ويكفي أن نذكر هنا: أنهم كانوا أميين، لا يعرفون القراءة والكتابة أصلاً، إلا من شذ منهم، حتى ليذكرون: أنه >صلى الله عليه وآله< أرسل رسالة إلى قبيلة بكر بن وائل؛ فلم يجدوا قارئاً لها في القبيلة كلها. وقرأها لهم رجل من بني ضبيعة فهم يسمون: بني الكاتب([22]).

ويروي البلاذري: أن الإسلام قد دخل، وفي قريش سبعة عشر رجلاً فقط، وفي الأوس والخزرج في المدينة اثنـا عشر رجـلاً يعرفون القراءة والكتابة([23]).

وقال ابن عبد ربه: >جاء الإسلام وليس أحد يكتب بالعربية غير سبعة عشر إنساناً<، ثم عدهم فذكر علياً >عليه السلام< أولاً([24]).

ويرى ابن خلدون: أن أكثرهم كان لا يتقنها، بل كان بدائياً، وضعيفاً فيها بشكل ملحوظ.

ويلاحظ من أسمائهم: أن أكثرهم قد تعلمها بعد ظهور الإسلام، وذكر اسم علي >عليه السلام< يدل على ذلك.

بل ربما كانوا يعتبرون القراءة والكتابة عيباً، فقد قال عيسى بن عمر: >قال لي ذو الرمة: إرفع هذا الحرف، فقلت له: أتكتب؟ فقال بيده على فيه، أي أكتم علي؛ فإنه عندنا عيب<([25]).

وفي حديث أبي هريرة: تعربوا يا بني فروخ، فإن العرب قد أعرضت، أي عن العلم([26]).

هذا، مع أن قريشاً كانت أعظم قبيلة شأناً وخطراً ونفوذاً في الحجاز كله، ومع أن التجارة تتطلب مثل ذلك عادة، وكان الأوس والخزرج أيضاً في المرتبة الثانية بعد قريش، تحضراً ونفوذاً في الحجاز.

فإذا كان مستواهم الثقافي هو هذا، فمن الطبيعي ان يصير لليهود عموماً وللنصارى ـ ولو بصورة أضعف ـ هيمنة فكرية كبيرة، وأن ينظر إليهم العرب نظرة التلميذ إلى معلمه، ولربما نشير إلى ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى.

هذا، ومن الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: أن أمية العرب كانت هي السر في قوة الحافظة عندهم، ولكنها عادت إلى الضعف التدريجي، حسب نسبة اعتمادهم على الكتابة في العصور المتأخرة، إبتداء من عصر التدوين.

ولسوف نشير إن شاء الله تعالى في غزوة بدر من هذا الكتاب، إلى مدى الأهمية التي أولاها الإسلام لمحو الأمية، حتى لقد ورد أنه >صلى الله عليه وآله< قد جعل فداء الأسير في غزوة بدر تعليم عشرة من أطفال المسلمين القراءة والكتابة كما سيأتي، وقد كانت بدر أدق مرحلة يمر بها الإسلام والمسلمون في دعوتهم إلى الله، وحربهم مع المشركين.

وخلاصة القول: إن جهل العرب كان هو الحاكم المطلق، ولا نلاحظ أية ظاهرة للنبوغ فيهم قبل الإسلام، بل على العكس من ذلك، يمكن ملاحظة الكثير مما كان يزيدهم إمعاناً في الجهل والحيرة والضياع.

ميزات وخصائص:

لقد امتاز العرب قبل الإسلام ببعض الصفات التي تمدحهم الناس بها وأثنوا عليهم لأجلها، وهي صفات قليلة بالنسبة إلى ما يقابلها من صفات وعادات ذميمة.

ولكننا إذا دققنا النظر فيها فإننا لا نجد فيها ما يوجب مدحاً بل ربما كانت في كثير من الأحيان موجبة لعكس ذلك تماماً؛ لأن ما يعطي للشيء قيمته الحقيقية من أي نوع كانت هو دوافعه ومنطلقاته، وأهدافه، ونحن لا نجد في تلك الأمور المنسوبة إلى العرب ما يبرر تمدحهم من أجلها؛ لا من حيث المنطلقات والدوافع، ولا من حيث الأهداف والغايات، كما سنرى.

ولكن حين جاء الإسـلام، وتغيرت تلك الـدوافـع والأهداف، أصبحت تلك الصفات ذات قيمة، وصاروا يستحقون عليها التكريم والتقدير.

من امتيازات العرب:

لقد امتاز العرب بالصفات التالية:

1 ـ بالكرم وحسن الضيافة ـ وهذا هو الأمر الوحيد الذي احتج به أبو سفيان على صحة دينه!! حيث قال لكعب بن الأشرف: >أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدى في رأيك، وأقرب إلى الحق؟ إنا نطعم الجزور الكوماء([27])، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبت الشمال، فقال له ابن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلاً (!!)([28]).

ولكن ذلك في الحقيقة وإن كان في نفسه حسناً، ولكنه لا يعبر عن حسن فاعلي، بحيث يعد فضيلة للعرب، إلا إذا كان بذلهم للمال نابعاً من إيمانهم بمثل أعلى، يدفعهم إلى البذل والعطاء، وهو رضى الله سبحانه وتعالى، أو كان نابعاً من عاطفة إنسانية، مصدرها رؤية حاجة الآخرين، والتفاعل معها، بحيث يندفع إلى العطاء والبذل من دون سؤال أو تحريك.

وقد يكون الدافع أيضاً إبعاد العار، والتحرز من هجاء الشعراء، وحتى لا يسير ذكرهم في البلاد في اللؤم والخسة، ولا تتعرض أعراضهم وكراماتهم للمساس بها، أو أملاً بحسن الذكر، وطيب الأحدوثة؛ أو طمعاً بزعامة قبيلة أو منافسة قرين.

وقد قلنا: إن بعض ذلك وإن كان حسناً في نفسه، ولكنه لكي يعبر عن حسن فاعلي لدى من صدر عنه، يحتاج إلى الربط بمثل أعلى، أو بمعنى إنساني، أو إيماني يوصل إلى رضا الله سبحانه.

بل إنك قد تجد في بعض الموارد ما يجعل من الدافع للممارسة في مستوى الجريمة بحق الإنسانية، فإن التاريخ يروي لنا:

أن زيد الخيل حين يطلب منه البعض عطاءً، قد وعده بالعطاء بعد أن يشن الغارة، فلما شن الغارة على بني نمير بالملح وأصاب مائة بعير، أعطاه إياها([29]).

مع أن شن الغارة معناه التسبب بقتل الرجال وحتى الأطفال والنساء والشيوخ الذين قد تسحقهم حوافر الخيل، ثم سبي من يبقى منهم على قيد الحياة، والاستيلاء على أموالهم، وهدر كراماتهم.

وزيد الخيل هو من رجال العرب المعروفين، ويضارع حاتم الطائي في الشهرة والسؤدد.

هذا، ولا بد من الإشارة أخيراً إلى أن عجز البدوي تجاه قوى الطبيعة القاسية، التي تستولي على الصحراء، من شأنه أن يولد فيه الشعور بضرورة الالتزام بأمر الضيافة، وضرورة البذل، إذ لا يمكنه حمل قوته في أسفاره الشاقة والطويلة التي قد تمتد عشرات الأيام، وهو مضطر إلى السفر بين حين وآخر بحثاً عن الماء والكلأ، ولغير ذلك من أمور.

2 ـ عصبيتهم للقبيلة وللعشيرة، وهذه في الحقيقة صفة ذميمة، إذ إنهم يرون أن النصر لا بد أن يكون لذوي قرابتهم، ولابن قبيلتهم، وأن العون لا بد أن يمحض له، ظالماً كان أو مظلوماً.

وقد نعى القرآن عليهم ذلك، وعبر عنها ب‍ {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}([30])، لأنها مبنية على الجهل، وعدم التثبت.

وقد تقدم ما يشير إلى سر نشوء ذلك فيهم، فلا نعيد.

3 ـ الشجاعة: وهي وإن كانت صفة حسنة في نفسها، ولكنها إنما تفيد في اعتبارها فضيلة في الشخص بملاحظة الأهداف والموارد التي يستعملها فيها، فإذا استعملت في مورد حسن كالذب عن الحرمات، والجهاد في سبيل الله، والمستضعفين؛ فإن صاحبها يستحق لأجلها مدحاً، وإلا فذماً، ولهذا فليس هناك أشجع من الأسد، ولكن ذلك لا يعتبر فضيلة له.

ولعل مما يساعد على نشوء الشجاعة لدى الإنسان العربي هو بيئته وحياته في الصحراء، بلا حواجز وموانع طبيعية أو غيرها، ومواجهتهم الخطر المستمر من الحيوان، ومن بني الإنسان على حد سواء، يشعر كل فرد منهم: أنه مسؤول عن حماية نفسه، والدفاع عنها بنفسه، ولا يرد عنه إلا يده وسيفه، ما دام أنه في كل حين عرضة للغزو، والنهب، والسلب، وأخذ الثارات منه.

هذا بالإضافة إلى أنه لا يأكل في كثير من الأحيان إلا من سيفه ويده، وإلا فإنه هو نفسه يكون عرضة لأن يؤكل، فمن لم يكن شجاعاً فاتكاً أُكل، أو على الأقل لم يستطع أن يأكل، فكأنهم يتعاملون بمنطق: إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب.

وبعد فهل يُمدح الذئب على فتكه بفريسته، وتمزيقه لها؟! إلا إذا كان هذا الفتك من منطلق الدفاع عن المثل أو القيم، أو عن الضعيف الذي يحتاج إلى الناصر، أو ما إلى ذلك.

4 ـ النجدة والإقدام: ولا يختلف الكـلام في ذلك عن الكلام في الشجاعة، إلا أننا نشير هنا إلى أن ما يشجع على ذلك هو اطمئنان العربي إلى أنه غير مسؤول عما يعمل، بل هو منصور من قبل قبيلته على كل حال، ظالماً كان أو مظلوماً.

يضاف إلى ذلك: أن حياة البادية والغزو المفاجئ، وعمليات الاغتيال ثأراً، وغير ذلك من أخطار كانت تتهددهم باستمرار، كل ذلك يستدعي سرعة الإقدام، ومباشرة العمل فوراً، وكل ذلك يشير إلى أن الإقدام بلا تروٍّ ولا تريث؛ لا بد أن يصبح هو الصفة المميزة لهم، والطاغية على تصرفاتهم.

على أن قدرتهم على الانتقام فوراً من شأنها أن تجعل فيهم حساسية متناهية وانفعالاً سريعاً؛ ولذا قل أن تجد فيهم حليماً، إلا من بعض المسنين، أو أصحاب الهمم العالية، أو الجبناء، الذين يتخذون الحلم وسيلة لتغطية انهزاميتهم.

5 ـ الأنفة والعزة، والاعتداد بالنفس، والنزوع إلى الحرية، وقوة الإرادة والفصاحة، وقوة البيان؛ والجوار.

وهي أمور حسنة في نفسها، ولعل منشأها بالإضافة إلى ما تقدم، هو عدم تعرضهم لهيمنة سلطة مركزية، وعدم خضوعهم للنظام والقانون، ولا للإذلال والقهر، مما من شأنه أن يعطيهم حرية في التصرف، والحركة، والقول، وما إلى ذلك.

6 ـ وأخيراً، فإن من صفاتهم الوفاء بالعهد: وهو أمر حسن في نفسه، إلا أن يكون عهداً مضراً بالمجتمع.

وهذا الوفاء أيضاً مما يلجأ إليه الإنسان العربي، لا لأنه يرى أنه ذا قيمة، بل لأنه يحتاج إليه لمواجهة مشاكل الحياة، ذات الطابع الخاص الذي أشرنا إلى بعض ملامحه..

وأما حلف الفضول، الذي هو أشرف حلف في العرب، فمصدره في الحقيقة بنو هاشم، وكذا حلف عبد المطلب مع خزاعة، فلا يعبر هذان الحلفان عن خلقيات سائر العرب.

وقد اتضح من كل ما تقدم: أن كل تلك الصفات إنما تكون جديرة بأن تعتبر فضائل أخلاقية، وصفات إنسانية، حينما تصدر عن خلق فاضل، وإنسانية كريمة، أو عن تقوى وشعور ديني، وإلا فقد تكون على العكس من ذلك، إذا عبرت عما يناقض ذلك وينافيه.

الإسلام وتلك الصفات:

لقد حاول الإسلام أن يضع تلك الصفات في خطها الصحيح، وأن يجعلها تنطلق من قواعد إنسانية، وعواطف صافية وحقيقية، وفضائل أخلاقية، وبالأخص من إحساس ديني صحيح، وليستفيد منها ـ من ثم ـ في بناء الأمة على أسس صحيحة وسليمة.

أما ما كان منها لا يصلح لذلك، فقد كان يهتم بالقضاء عليه، واستئصاله بالحكمة، والموعظة الحسنة، كلما سنحت له الفرصة، وواتاه الظرف.

فمثلاً، نلاحظ: أنه قد حاول أن يجعل المنطلق للكرم، وبذل المال، هو العاطفة الإنسانية، والشعور بحاجة الآخرين، كما يظهر من كثير من النصوص، هذا بالإضافة إلى طلب الأجر والمغفرة من الله تعالى، وذلك هو صريح قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً}([31]) بل لقد تعدى ذلك وتخطاه إلى تمدح الإيثار على النفس، حتى في موقع الخصاصة والحاجة الملحة، فقال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}([32]).

أما العصبيات القبلية، فقد حاول أن يوجهها وجهة بناءة ويقضي على كل عناصر الشر والانحراف فيها، فدعا إلى بر الوالدين، وإلى صلة الرحم، وجعل ذلك من الواجبات، حينما يكون سبباً في تلاحم وربط المجتمع بعضه ببعض.

ولكنه أدان كل تعصب لغير الحق، وندد به، وعاقب عليه، واعتبر ذلك من دعوات الجاهلية المنتنة، كما هو صريح بعض النصوص التي سنشير إليها في السيرة النبوية، إن شاء الله تعالى.

وكذلك فإنه قد حاول أن يوجه الشدة والقسوة إلى حيث تكون في صالح الدين والإنسان، ومثمرة للحق والخير، ومن سبل الحفاظ عليهما.

والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جداً، ويكفي أن نشير إلى قوله تعالى: {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ}([33]) وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}([34]) و {قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}([35]).

والآيات والروايات في هذا المجال كثيرة جداً، فهو يريد الشدة في دفع الظلم والانحراف، والحفاظ على الحق، وأن لا تأخذ المؤمن في الله لومة لائم، ويريد أن تتحول هذه الشدة إلى رحمة وحنان وسلام فيما بين المؤمنين أنفسهم.

وهكذا يقال بالنسبة إلى سائر الصفات المتقدمة، فإن من يراجع النصوص القرآنية، والأحاديث الواردة عن النبي >صلى الله عليه وآله< وعن آله المعصومين >عليهم السلام<، لا يبقى لديه أدنى شبهة فيما ذكرناه من أن الإسلام قد صب كـل اهتمامه على توجيه الصفات الحسنة، والتصرف في دوافعها وأهدافها، وجعلها تصب في مصلحة الدين والأمة، والقضاء على الصفات الذميمة، التي تقضي على سعادة البشر، وتهدم بناء الحق الشامخ.

ولسوف يأتي في الفصل الثالث، حين الكلام عن العوامل التي ساعدت على انتشار الإسلام وانتصاره، أن هذه المميزات والخصائص قد أدت دوراً هاماً في ذلك، فإلى هناك.

متى كان بناء مكة؟!

لا نستطيع أن نحدد بدقة تاريخ بناء مكة، واتساعها حتى صارت جديرة باسم: >أم القرى<.

وقد يقال: إن بدء بنائها كان قبل بناء إبراهيم >عليه السلام< للبيت، حسبما تشير إليه بعض الروايات، بل ويدل عليه قول الله تعالى حكاية عن إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً}([36]).

وعليه، فما يحاول البعض إثباته، من أن قصياً هو أول من بنى مكة، وكان البيت وحيداً في الصحراء، وكان الناس يتركونه ليلاً، ويعودون إليه نهاراً، بدليل أن قصياً سمي >مجمعاً<؛ لأنه جمع القبائل حول البيت: لا يصح، بل هو لا يدل أيضاً؛ لأن تاريخ مكة قبل قصي خير شاهد على أنها كانت آهلة بالسكان، معمورة، ومعروفة ومشهورة، نعم ربما يكون قصي قد نظم سكن القبائل في مكة بالشكل المناسب.

ومهما يكن من أمر، فإن تحديد ذلك لا يهمنا كثيراً الآن، وما يهمنا هو التعرف على المكانة الدينية لمكة، ومدى ارتباط قبائل العرب، بل وغيرهم بها، والحديث عن ذلك لا ينفصل عن الحديث عن البيت العتيق، الذي تحتضنه مكة، ثم عن قريش التي كان لها شرف خدمة ذلك البيت، فنقول:

ألف: بناء الكعبة:

الكعبة هي أول بيت وضع للناس ببكة، مباركاً، وهدى للعالمين، كما هو صريح القرآن([37])، والمعروف المشهور هو: أن واضعه هو شيخ الأنبياء إبراهيم >عليه السلام<.

ولكننا نجد في كلمات أمير المؤمنين >عليه السلام< ما يدل على أن البيت قد كان من لدن آدم أبي البشر >عليه السلام<، أما إبراهيم فهو رافع قواعده ومشيد بنيانه وأركانه.

قال >عليه السلام<: >ألا ترون أن الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم، صلوات الله عليه، وإلى الآخرين من هذا العالم، بأحجار لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام، (الذي جعله للناس قياماً).

ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً، وأقل نتائق الدنيا مدراً، وأضيق بطون الأودية قطراً، بين جبال خشنة، ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرى منقطعة، لا يزكو بها خف ولا حافر، ولا ظلف.

ثم أمر آدم وولده: أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثـابـة لمنتجع أسفارهم، وغاية لملقى رحالهم، تهوى إليه الأفئدة من مفاوز سحيقة إلخ..<([38]).

ويدل على ذلك أيضاً: روايات وردت من طرق الخاصة وغيرهم؛ فمن أرادها فليراجعها في مظانها([39]).

ولعل ظاهر القرآن لا يأبى عن هذا أيضاً؛ حيث جاء التعبير فيه عن تجديد بناء إبراهيم للبيت بقوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ}([40]) وهذا لا ينافي أن تكون الأسس والقواعد قد وضعت قبل ذلك، وإبراهيم هو الذي رفع هذه القواعد، وشيد على تلكم الأسس، وهذا موضوع يحتاج إلى بحث وتحقيق، نسأل الله أن يوفقنا لمعالجته في فرصة أخرى إن شاء الله تعالى.

ب: دعاء إبراهيم ×:

ومهما يكن من أمر، فإن إبراهيم >عليه السلام< قد لاحظ:

أن البيت الذي اختبر الله الناس به قد وضع في بقعة تكون الحياة فيها صعبة وشاقة، كما يظهر من كلمات الإمام أمير المؤمنين >عليه السلام< المتقدمة؛ ولذلك فقد دعا ربه فقال: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}([41]).

ولقد استجيبت دعوة إبراهيم >عليه السلام<، وأصبحت مكة قبلة الآملين، ومهوى أفئدة الصفوة من العالمين.

ج: تقديس الكعبة:

لقد كانت الكعبة مقدسة ومعظمة عند جميع الأمم، فيذكر العلامة الطباطبائي قدس سره:

أن الهنود يعتقدون: أن روح سيفا، وهو الأقنوم الثالث عندهم قد حلت في الحجر الأسود، حينما زار هو وزوجته بلاد الحجاز.

والصابئة من الفرس والكلدانيون يعدون الكعبة أحد البيوت السبعة المعظمة([42])، وربما قيل: إنها بيت زحل لقدم عهدها، وطول بقائها..

واليهود أيضاً كانوا يعظمونها، ويدَّعون أنهم يعبدون الله فيها على دين إبراهيم >عليه السلام<.

ويقولون: إنه كان فيها تماثيل وصور، منها تمثال إبراهيم وإسماعيل، وبأيديهما الأزلام، وأن فيها صورتا العذراء والمسيح، ويشهد على ذلك تعظيم النصارى لأمرها كاليهود.

وكانت العرب أيضاً تعظمها كل التعظيم، وتعدها بيتاً لله تعالى، وكانوا يحجون إليها من كل جهة([43])..

وستأتي كلمات أبي طالب حول هذا الأمر حين الكلام عن زواج النبي >صلى الله عليه وآله< بخديجة أم المؤمنين >عليها السلام< وقد حكى الله سبحانه هذا الأمر حينما قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}([44]).

فالكعبة إذن، كانت مقدسة عند جميع الأمم والطوائف، وبالأخص عند العرب، وظلت على ذلك مدداً متطاولة في العصر الجاهلي، ويزيد ذلك قوة ورسوخاً: أن العربي كان يعتبرها مصدر عزته، وموضع أمله، وكيف لا تكون كذلك، وهو يرى أن الأمم الأخرى تنظر إليه ـ لأجلها ـ بعين الحسد والشنآن، وتعمل على انتزاع هذا الشرف منه، أو على التقليل من خطره وأهميته، حتى لقد:

1 ـ أقام الغساسنة بيتاً في الحيرة في مقابلها([45]).

2 ـ وفي نجران أيضاً: أقيمت كعبة أخرى لتضاهي كعبة مكة، يقول الأعشى: يخاطب ناقته:

وكـعــبــة نـجران حــتــم عليك حـتـى تـنــاخــي بـأعـتــابـهــا

وكعبة نجران هذه يقال: إنها بيعة بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي، على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة للكعبة، وسموها: كعبة نجران([46]).

3 ـ وفي الشام كانت الكعبة الشامية([47]).

4 ـ وفي اليمن الكعبة اليمانية([48]).

وكان رجل من جهينة قال لقومه: هلم نبني بيتاً نضاهي به الكعبة، ونعظمه، حتى نستميل به كثيراً من العرب، فأعظموا ذلك وأبوا عليه([49]).

ويكفي أن نذكر: أن أبرهة بن الأشرم أقام في اليمن بيتاً، ودعا الناس إلى تعظيمه، والحج إليه.

وكتب إلى ملك الحبشة: >إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها أحد قط، ولست تاركاً العرب حتى أصرف حجهم عن بيتهم الذي يحجون إليه<([50]).

ورغم أنه زخرفه وفرشه بأفخر ما يقدر عليه، إلا أن ذلك لم ينفع في صرف الناس حتى اليمنيين عن الكعبة إليه، فضلاً عن أن يصرف غيرهم أو أهل مكة عن كعبتهم، واستمر الناس، وأهل اليمن على الحج إلى مكة.

وبعد أن تغوط أحد بني كنانة في كنيسة أبرهة، غضب، واندفع إلى مكة في عام الفيل وقال لعبد المطلب: إنه لا يقصد إلا هدم البيت.

فأجابه: إن للبيت رباً سيمنعه، وجرى ما جرى لأبرهة وجيشه وأنزل الله في ذلك:

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}([51]).

5 ـ ويقولون: إن تبع بن حسان كان قبل ذلك قد حاول أن يهدم البيت ويحول حجارته إلى اليمن، فيبني بها بيتاً هناك تعظمه العرب، فدفع الله عن البيت شره وكيده([52]).

الأصنام، والكعبة:

ويقولون: إن عمرو بن لحيّ، كبير خزاعة، عندما كان يتولى أمر البيت، سافر إلى الشام، وحمل معه منها الصنم المسمى ب‍ >هبل< ووضعه على الكعبة، وكان أول صنم وضع عليها، ثم أتبعه بغيره، وفي ذلك يقول شحنة بن خلف الجرهمي:

يــا عمرو إنـك قــد أحـدثت آلهة        شتى بـمـكة حـول البيت أنصابـا

وكـان للـبـيت ربـاً واحــداً  أبـداً        فقد جـعـلت لـه في النـاس أربابـا

قالوا: >وكان قوله ـ أي عمرو بن لحي ـ فيهم كالشرع المتبع؛ لشرفه فيهم، ومحلته عندهم، وكرمه عليهم<([53]).

فشاعت عبادة الأصنام بين العرب، وأصبحت كل قبيلة تضع لها صنماً على الكعبة، تختلف إليه من جميع الأقطار، حتى صار بها أكثر من (300) صنم، أو تنصبه في الموضع المناسب لها، فإذا أرادوا الحج وقفوا عند الصنم، وصلوا عنده، ثم يلبون حتى يصلوا إلى مكة([54]).

واتخذ أهل كل دار صنماً يعبدونه في دارهم، فإذا أراد الرجل سفراً تمسح به حين يركب، وإذا قدم تمسح به أول ما يصل قبل أن يصل إلى أهله.

وكان ذلك هو حجة من قال: إن العرب لم تكن تعبد الأصنام قبل عمرو بن لحي([55]).

وثمة رأي آخر يقول: إن بني إسماعيل كانوا لا يفارقون مكة حتى كثروا، وضاقت بهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضاً، فاضطروا إلى التفرق في البلاد، وما من أحد منهم إلا حمل معه حجراً من حجـارة الحرم تعظيماً للحرم؛ فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به، كطوافهم بالكعبة، حتى أدى بهم ذلك إلى عبادة تلك الحجارة، ثم جاء مَن بعدهم؛ فنسوا ما كان عليه آباؤهم من دين إسماعيل، فعبدوا الأوثان([56]) وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها، من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفة ومزدلفة، وإهداء البدن، والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه([57]).

ونحن نرجح أن هذا الأخير هو سر عبادتهم للأوثان، وأما عمرو بن لحي، فالظاهر أنه أول من وضع الأصنام على الكعبة، أو حولها، وتبعه غيره، وربما يشهد لذلك أن مجيئه بالصنم من الشام لا بد أن يسبقه ـ بحسب العادة ـ نوع قبول للأصنام، وتعظيم لها.

هذا، إن لم نقل: إنه يعني: أنه كان يعبد الأصنام قبل أن يذهب إلى الشام.

وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى ما كان للكعبة من مكانة لدى الإنسان العربي، فضلاً عن غيره، سواء في الوقت الذي كان يعبد فيه الأوثان ويعظمها، أو في تلك الظروف التي بدأ يشعر فيها بعض الناس بسخافة عبادة الأوثان، وعدم معقوليتها.

وبالنسبة للمراد من الصنم فإنهم يقولون: >إذا كان معمولاً من خشب أو ذهب، أو من فضة صورة إنسان، فهو صنم، وإذا كان من حجارة فهو وثن<([58]).

ولاية الكعبة:

كانت ولاية الكعبة أولاً في يد ولد إسماعيل، ثم خرجت من يدهم إلى أخوالهم الجرهميين([59]) ويقال: ثم إلى العماليق، ثم عادت إلى جرهم، ثم لما كثر ولد إسماعيل؛ وأصبحوا ذوي قوة ومنعة، حاربوا الجرهميين بقيادة كبير خزاعـة، وانـتـزعـوا منهم ولاية البيت، واستمرت في الخزاعيين إلى أن أخرجها منهم قصي بن كلاب، الجد الرابع للنبي >صلى الله عليه وآله<.

وكانت الولاية بيد حُليل الخزاعي أبي زوجة قصي، فجعل الولاية بعد موته لابنته، التي كانت تحت قُصي، ولكنه جعل مفتاح البيت مع رجل يقال له أبو غُبشان فيقال: إن قُصياً إشتراه منه بزق خمر؛ وبذلك يضرب المثل >أخسر من صفقة أبي غُبشان<، وقال في ذلك بعضهم:

أبــو غُـبـشـان أظــلـم مـن قُصي        وأظـلـم مـن بـنـي فَـهـر  خُـزاعة

فــلا تـلـحــوا قُـصـيـاً في شـــراه                ولـوموا شيخكم إذ كـان بـاعـه([60])

ومن أجل ذلك فقد جرت بين قريش وخزاعة حرب كان النصر فيها لقريش، وهم أولاد فهر بن مالك([61])، هكذا يقولون.

ولكن ذلك ليس هو الرأي النهائي هنا؛ إذ أننا نرى البعض الآخر يقول: إن قصياً قد استعاد البيت من خزاعة بعد حروب جرت بينه وبينهم، ثم تحاكموا إلى عمرو بن عوف، فحكم لقصي([62]).

وثمة قول آخر يفيد: أن حليلاً أوصى عند موته بولاية البيت لصهره قُصي، وهذا ما تزعمه خزاعة([63]).

وهناك أقوال أخرى، مثل أن حُليلاً الخزاعي أوصى بالولاية لابنته زوجة قُصي، وهي أعطتها لزوجها.

وإذا كانت خزاعة تزعم ذلك فما هو المبرر لحربها، إلا الحسد له، والبغي عليه؟!. والظاهر أن حُليلاً قد أوصى إليه به فحاربته خُزاعة حسداً وبغياً([64])، ثم تحاكموا إلى يَعْمُر بن عوف، فحكم له.

وحكم يعمر بن عوف له يقرِّب وصية حُليل بالولاية إليه، وكان يَعْمُر قد اطلع على هذه الوصية، إن لم يكن لقُصي حجج أخرى في المقام جعلت الحكم يكون في صالحه([65]).

وعلى كل حال، فقد جدد قصي بناء البيت في القرن الثاني قبل الهجرة([66]) وبنى إلى جانب الكعبة دار الندوة، التي كانت تجتمع فيها قريش للحكومة، والقضاء، والشورى([67]) وهذا من مآثره الجليلة، الدالة على درايته وحكمته، وبعد نظره.

مكانة قريش:

وواضح: أن سدانة قريش للبيت العتيق، وهو الذي يعظمه الكثيرون، ثم اتصال نسبها بإسماعيل وإبراهيم >عليهما السلام<، والعربي بطبعه يحترم نسباً كهذا، انطلاقاً من اهتمامه بالأنساب، وإذعانه لها على أنها مصدر شرف وسؤدد، ولاسيما بملاحظة تعرض العربي للغارات والسبي الأمر الذي يجعل لديه حساسية خاصة تجاه هذا الأمر.

وأيضاً، لأن قريشاً كانت أقرب إلى الحنيفية من غيرها، وشعائر الحج إنما هي من بقاياها كما هو معلوم، والحنيفية هي الدين الذي يحترمه العربي ويقدسه ويعنو له، إن كل ذلك، وغيره من أمور قد أكسب قريشاً شرفاً، ومنحها مكانة، ونفوذاً وخطراً، وأصبح الناس عامة ينظرون إلى قريش نظرة فيها الكثير من الاحترام والتقديس والإكبار.

والشواهد على هذا كثيرة، ويكفي أن نذكر قول قصي لقريش: >قد حضر الحج، وقد سمعت العرب ما صنعتم، وهم لكم معظمون<([68]).

وقول أبي طالب حين تزويج خديجة من رسول الله >صلى الله عليه وآله<: >الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وأنزلنا حرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه<([69]).

وعليه، فإنه إذا كانت قريش من نسل إسماعيل، وتحترم دين الحنيفية.

وإذا كانت مكة تعتبر حتى من العرب، أهل الحرب والغارة، حرماً يأمن من لجأ إليه، وقد يلتقي العربي فيها بقاتل ولده، أو أبيه؛ فلا يؤذيه، ولا يستطيع أن يثأر منه.

وإذا كان تقديس مكة قد بلغ عندهم هذا الحد؛ فإن من الطبيعي أن يكون لسادة مكة نصيب وافر من هذا التقديس، وأن يتميزوا على سائر الناس باحترام خاص، أضف إلى ذلك سدانتهم للبيت الذي تفد إليه العرب من جميع الأقطار والانحاء.

وإذا كانت قريش وخصوصاً الهاشميون ترى: أن شرفها، وسؤددها، ومجدها، وحتى اقتصادها، مرتبط بالبيت ومتصل به اتصالاً وثيقاً؛ فمن الطبيعي أن تدرك أن انتهاك حرمته ليس من مصلحتها، لأن ذلك يقلل من تقديس البيت، ومن احترام سدنته ويفقدهم ـ من ثم ـ أعز وأغـلى ما لديهم.

ومن هنا فإنه وإن كان في قريش جماعات شريرة، لا ترجع إلى دين، وهم أصحاب حلف الأحلاف >لعقة الدم<، لكن قد كان في مقابلهم رجال أشراف كرام لا يرضون بما يصدر من أولئك، ويحاولون إرجاع الحق إلى نصابه ما أمكنهم ذلك، ومن هنا كانت المبادرة إلى عقد حلف المطيبين، وبعده حلف الفضول، الذي ينص على أن ترد كل مظلمة إلى صاحبها، لا فرق بين قرشي وغيره، وعلى التأسي بالمعاش([70]).

أنا ابن الذبيحين:

ويذكرون هنا: أنه حين لقي عبد المطلب ـ وهو يحفر زمزم ـ من قريش ما لقي: من مخاصمتها إياه في شأن تلك البئر، وشدتها عليه، حلف لئن ولد له عشرة نفر لينحرن أحدهم، فلما ولدوا له دعاهم إلى الوفاء لله بالنذر؛ فأجابوه، فضرب القداح فخرجت على ولده عبد الله أصغر بني أبيه، على حد تعبير ابن هشام.

ونقول:

الصحيح: بني أمه، وإلا، فإن الحمزة والعباس كانا أصغر منه.

إلا أن يقال: إنهما لم يكونا قد ولدا بعد.

والظاهر: أن المقصود بالعشرة: ما يشمل أولاد أولاده. وقد ذكروا: أنه كان للحرث بن عبد المطلب ولدان؛ هما أبو سفيان ونوفل، بل ذكر بعضهم: أن أعمامه >صلى الله عليه وآله< كانوا اثني عشر، بل قيل: ثلاثة عشر، وأن عبد الله ثالث عشرهم، وعليه فلا إشكال، لأن الحمزة والعباس كانا من أم أخرى كما أشرنا إليه([71]).

كما إننا نشك في قولهم: إن ضرب القداح كان عند هبل، وأراد التنفيذ عند إساف ونائلة؛ لأن عبد المطلب كان على دين الحنيفية كما سيأتي عن قريب، ولم يكن يحترم الأصنام آنئذٍ، ومهما يكن من أمر فقد أراد عبد المطلب ذبح ولده عبد الله، فأطاعه ولده؛ فمنعوه من ذلك؛ فضربت القداح عليه، وعلى عشرة من الإبل ـ مقدار دية رجل ـ من جديد فخرجت عليه، فزادها عشرة، وضربت القداح فخرجت عليه، وهكذا إلى أن بلغت مئة؛ فخرجت على الإبل فنحرت.

ولذلك يقال: إن النبي >صلى الله عليه وآله< كان يقول: أنا ابن الذبيحين، أي إسماعيل، وعبد الله([72]).

من هو الذبيح؟!

ويقول البعض: إن المراد بالذبيحين هابيل، وعبد الله.. على اعتبار أن المراد بالذبيح هو إسحاق، كما جاء في بعض الروايات([73])، ولإجماع أهل الكتاب على ذلك([74]) على اعتبار أن العرب تجعل العم أباً([75]).

وهذا لا يصح؛ أما:

أولاً: فإنه >صلى الله عليه وآله< ليس من ولد هابيل إجماعاً، إلا أن يقال: إن العم بمنزلة الأب.

ويرده:

ألف: أن أبوة الذبيح الآخر في قوله: أنا ابن الذبيحين؛ لا بد أن لا تختلف عن أبوة عبد الله له، لأنه ذكرهما في كلام واحد، فإرادة هذا المجاز البعيد في أحدهما؛ والحقيقة في الآخر غير معقول، حتى لو جوزنا استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى، كما هو الصحيح، بدليل وجود التورية في كلام العرب.

ب: إن الذي بمنزلة الأب ـ لو سلم أنه عرفاً كذلك ـ إنما هو العم القريب، لا العم الذي يأتي بعد عشرات الآباء والأجداد.

ثانياً: كون الذبيح هو إسحاق لا يصح. وذلك لما يلي:

ألف: إنه قد ذكر في سورة الصافات قضية الذبح، ثم عقبها بالبشارة بإسحاق فقال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيَّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ}([76]) مما يشعر بأن إسحاق قد ولد بعد قضية الذبح؛ لأن هذه بشارة بالميلاد بقرينة قوله تعالى في آية أخرى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ}([77]) ولو كان الذبح لإسحاق لم يحسن الإتيان باسمه، بل كان المناسب إيراد ضميره، وتكون البشارة بنبوته مكافأة على صبره على الذبح، وليست بشارة به نفسه كما هو ظاهر الآية.

وقد روي الاستدلال بالآيات عن الإمام الصادق >عليه السلام<، وعن محمد بن كعب القرظي أيضاً([78]).

ويشير إلى هـذا أيضـاً: الترتيب الذي جـاء على لسان إبراهيم >عليه السلام< حيث قـال: {الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ}([79]).

كما أن الله قد ذكر إسماعيل وإسحاق في القرآن معاً في ست آيات، وفي كلها يقدم ذكر إسماعيل على إسحاق.

وفي ذلك إشارة إلى ما ذكرناه:

ب ـ ولو أغمضنا النظر عن ذلك فإننا نقول:

إن من غير المعقول أن يبشر الله تعالى نبيه بغلام سيكبر، ويكون نبياً ويتزوج، ويولد له ولد اسمه يعقوب ثم يأمره بذبح ذلك الولد الكبير والنبي نفسه، فإنه لا يرتاب حينئذٍ بأن الأمر بالذبح ليس حقيقياً وإنما هو صوري وهذا يفقد قضية الذبح كل قيمتها، فلاحظ قوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيَّاً}([80]) وقوله: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ}([81]).

إلا أن يدعى: أن النبوة والبشارة بيعقوب ليست داخلة في البشارة الأولى.

ولكن ذلك خلاف الظاهر، والذين يصرون على أن الذبيح هو إسحاق لا يقولون بالبداء ليمكنهم التشبث به في الإجابة هنا.

أو يدعى: أن الذبح قد يكون بعد أن ولد له يعقوب.

ويرده: أنهم يقولون: إن قضية الذبح قد حصلت حينما كان عمره ثلاث عشرة سنة([82]).

ج ـ وقد روي: أن رسول الله >صلى الله عليه وآله< قد أوضح أن كونه ابن الذبيحين إنما هو بنذر عبد المطلب، وبذبح إسماعيل >عليه السلام<([83]).

د ـ وأخيراً.. فقد أنكر أبو عمرو بن العلاء أن يكون إسحاق هو الذبيح، على اعتبار أن الذبح كان بمكة، وإسماعيل هو الذي كان بمكة وبنى البيت مع والده، وكذا قال ابن القيم([84]).

خلاصة وبيان:

ونستخلص مما تقدم: أنه قد كان هناك بشارتان:

إحداهما بولادة إسماعيل >عليه السلام<، فولد، ثم أمر بذبحه، وجرى ما جرى، ثم جاءت البشارة الأخرى بولادة إسحاق بملاحظة:

أن أمه لم تكن ولدت، رغم أنها كان قد كبر سنها فبشرها الله بذلك ـ كما ذكرته سورة هود ـ فتعجبت: أن تلد وهي في هذا السن.

وعدم ذكر إسماعيل في سورة الصافات، والاكتفاء بذكر إسحاق ويعقوب لعله يشير إلى ذلك أيضاً على اعتبار أن الأمر بالنسبة لإسماعيل كان قد مضى وانقضى.

أهل الكتاب هم الداء الدوي:

وبعد هذا.. فإن السؤال الذي يلح في طلب الإجابة عليه هو:

من أين جاء هذا الأمر الغريب: أن الذبيح هو إسحاق؟

والجواب: هو ما قاله ابن كثير وغيره:

>إنما أخذوه ـ والله أعلم ـ من كعب الأحبار، أو من صحف أهل الكتاب، وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم، حتى نترك من أجله ظاهر الكتاب<([85]) فاليهود إذن قد أرادوا ترويج عقيدتهم بين المسلمين، وتخصيص هذه الفضيلة بجدهم إسحاق حسب زعمهم.

ولكن اليهود أنفسهم قد فاتهم: أن التوراة المتداولة نفسها متناقضة في هذا الأمر؛ فإنها في حين تقول:

>خذ ابنك، وحيدك، الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على إلخ..<([86]).

فقد عبرت هنا بكلمة: >وحيدك< الدالة على أن إسحاق هو أكبر ولد إبراهيم، ولكنها تعود فتكذب نفسها، وتنص على أن إسحاق لم يكن وحيداً وإنما ولد وعمر إسماعيل أربع عشرة سنة([87]).

بل لقد ذكر ابن كثير: أنه لا خلاف بين أهل الملل: أن إسماعيل أول ولد إبراهيم وبكره([88]).

وقد اعترف أحد مسلمة أهل الكتاب بأن اليهود يعلمون: أن الذبيح هو إسماعيل، ولكنهم يصرون على خلافه حسداً منهم للعرب([89]).

ملاحظات هامة:

الأولى: أن إبراهيم قد رزق ولده إسماعيل الوحيد في شيخوخته، كما أشار إليه القرآن، وطبيعي أن يكون تعلقه بهذا الولد أشد، وحبه له أعظم.

ونلاحظ أيضاً: أن أمر الله تعالى له بذبحه قد كان وولده في أروع أيام حياته، وفي السن التي يزداد تعلق والديه به فيه، وحبهما له؛ حيث تمتزج المحبة بالعاطفة، والرأفة بالإعجاب..

وأيضاً، لقد رزقه الله ولداً هو في أعلى درجات الكمال الإنساني، عقلاً ودراية وسلوكاً، واستقامة، إلى غير ذلك من فضائل وكمالات إنسانية فاضلة، وهذا أيضاً أدعى إلى التعلق به، وازدياد المحبة له.

وبعدما تقدم فإننا نجد: أن الله سبحانه يكلف هذا الأب بذبح طفل كهذا بيده، وإذا كان التخلي عن طفل كهذا في ظروف كهذه هو من أصعب الأمور، فكيف إذا كان يجب أن يتم هذا التخلي بيد نفس ذلك الأب؟!..

ويلبي إبراهيم، ويستجيب إلى أمر الله، دون أن يسأل عن السبب، ودون أن يبرمه أمر كهذا، وحتى دون أن يتحير في ذلك؛ لأنه واثق بحسن ما يختاره له ربه، وبصلاح ما يأمره به.

الثانية: يستجيب إبراهيم >عليه السلام< لهذا الأمر، ولكنه لا يندفع إلى تنفيذه بسرعة، لكي يريح أعصابه، لأن هذا الأمر قد يخفي وراءه شيئاً من الضعف والوهن، بل هو يخبر ولده بالأمر، ويطلب منه أن يتخذ هو نفسه أيضاً القرار الحاسم في الاستسلام لذلك أو عدمه وذلك يدل على ثقته بحسن اختيار ولده، رغم صغر سنه، ويدل على أنه كان يحترم فيه كبر عقله، وسداد رأيه، ولا يعتبره طفلاً لا يمكن أن توكل إليه أية مسؤولية.

وطبيعي أيضاً: أن يكون التفات إسماعيل لذلك، وأن يتخذ هو نفسه القرار منه بقوله: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مـَا تُـؤْمَـرُ سَـتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}([90]). مما يزيد في آلام أبيه.

وإسماعيل.. الذي أراد أبوه أن ينيله أجر الطاعة، ويتذوق حلاوة التسليم، لم يكن منه إلا التسليم لأمر الله سبحانه، والانصياع له بثقة ورضاً، ولكنه لا يعتبر هذا التسليم والرضا شجاعة وبطولة منه، وإنما يعتبره خضوعاً لمشيئة الله تعالى ويرى: أن صبره مستمد منه، ومنته إليه؛ ولذلك عبر الله تعالى عن حالتهما هذه بقوله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا}؛ فهما قد أسلما لله تعالى، وليس لغيره من الشهوات، ولا للغرائز، ولم تقيدهما القيود المادية، ولا الدنيوية في شيء([91]).

ولذلك فإن إبراهيم وولده هما ممن يكون الله أحب إليه من كل شيء مما نصت عليه الآية الكريمة التي تقول:

{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}([92]).

الثالثة: إن من الواضح: أن ذبح إسماعيل، وإراقة دمه لم يكن هو المقصود النهائي له تعالى؛ وذلك لقوله تعالى لإبراهيم >عليه السلام<: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}([93])، وإنما كان المقصود هو البلاء والامتحان لإبراهيم وولده >عليهما السلام<؛ لقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَء المُبِينُ}([94]).

وحكمة هذا البلاء هي: أن يزيد في تزكية وتصفية نفس إسماعيل، في مراحل إعداده لتحمل مسؤولية النبوة، وقيادة الأمة، وكذلك فإن في ذلك تزكية وتصفية وامتحاناً لنفس إبراهيم >عليه السلام< ولربما يكون ذلك من الكلمات اللواتي استحق إبراهيم بإتمامهن أن يجعله الله للناس إماماً.

قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}([95])، وكانت قضية الذبح هي البلاء المبين كما نصت عليه الآية الكريمة.

وقد رأيت بعد أن كتبت هذا: أن العلامة الطباطبائي يذكر: أن البعض قد تنبه لذلك كالطباطبائي نفسه، واستدل له، بقوله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِي} إذ لا معنى لقوله هذا إن لم يكن له ذرية بالفعل، كما إنه لم يكن يعلم، ولا يظن: أنه سيكون له ولد قبل تبشير الملائكة له بذلك، وإبراهيم لا يتفوه بما لا علم له به، ولا يظنه، ولا يحتمله، ولا يخطر له على بال، وهو بهذه السن المتقدمة، ولو كان ذلك قبل ولادة إسماعيل لكان اللازم أن يقول: >ومن ذريتي إن رزقتني ذرية<([96]).

وقد أورد البعض على الفقرة الأولى بإمكان أن يكون هذا الطلب من إبراهيم قد حصل بعد تبشير الملائكة له بالذرية، فنزلها في كلامه منزلة الأمر الحاصل والمُحَقَق.

وبعد، فإن حكم هذا البلاء، هو أن يضرب بذلك المثل الأعلى للأجيال، في التضحية في سبيل المبدأ الحق، ولا يكتفى بمجرد رفع الشعارات، والإعلان عن المواقف كلامياً فقط، فبإبراهيم وإسماعيل ينبغي أن يكونا القدوة لكل مؤمن ومؤمنة.

كما إن في إخراج فضائلهما من عالم القوة إلى عالم الفعل، وإظهارها للناس والتعريف بها تشجيع للفضائل الكامنة في غيرهم، وتحريك لها لتقوم بمحاولة الظهور على الصعيد العملي، أي إن في ذلك هزة عاطفية مؤثرة في كل من يملك عاطفة جياشة؛ تستطيع أن تستثير الفضائل الكامنة في نفس الإنسان؛ لتكون واقعاً حياً وملموساً، ولتقود عملية التغيير الشاملة في حياة الإنسان، ومستقبله بشكل عام.

هذا ومن غير البعيد: أن يكون المجتمع الذي عاش فيه إبراهيم وإسماعيل، قد طغت عليه المادية؛ فأراد الله تعالى تحويل هذا الاتجاه بصورة عملية، دون الاقتصار على إسداء النصائح، والتوجيهات.

ولعل المتأمل في هذه القضية يكتشف الكثير، مما لم نذكره، أو لم نشر إليه، والله هو الموفق والمسدد.

الرابعة: ويبقى أن نشير هنا: إلى أن من المقطوع به: أن النبي >صلى الله عليه وآله< لا يريد أن يفتخر بقوله هنا: أنا ابن الذبيحين، وإنما لعله يريد من قوله هذا: أن يوجه الأنظار للاستفادة من هذين الحدثين الهامين جداً.

وأيضاً يريد أن يفهم الآخرين: أنه شخصياً ليس غريباً عن هذا الجو، وأنه إذا كان أولئك قد بلغوا هذه المكانة في القرب من الله، والتفاني في سبيله والتسليم له، فلا يجب أن يتوقع منه موقف آخر، يختلف عن هذا، أو يقل عنه.

وإذن، فإن آمالهم في أن يقف موقف المساوم ـ في يوم ما ـ إنما هي سراب في سراب؛ فإن القضية قضية مبدأ وعقيدة، وليست قضية مصالح شخصية، كما يتخيلون.

وقد أثبتت الوقائع صحة ذلك؛ حيث كان >صلى الله عليه وآله< يقدم أهل بيته في الحروب، وقد ضحى بكل غال ونفيس في سبيل هذا الدين.

الخامسة: إن نذر عبد المطلب هذا ربما يقال فيه: إنه غير جائز؛ إذ كيف جاز له التصرف في شخصية غيره إلى هذا الحد؟! وهل يمكن أن يعتقد أحد بوجوب الوفاء بنذر كهذا، يكون الضحية فيه نفس محترمة أخرى، حتى ولو كانت ولداً مثل عبد الله بن عبد المطلب؟!.

والجواب: إنه قد يقال: إن عبد المطلب قد سار في إيمانه سيراً تكاملياً([97]) كما أشار إليه الحلبي حيث قال: ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ووحد الله سبحانه([98]).

وقد يقال: إن هذا يعطي التفسير لتسميته في أول أمره أبناءه ب‍ >عبد مناف< ومناف اسم صنم، و >عبد العزى< والعزى كذلك >راجع الهامش ما قبل السابق<، ولكنه يترقى ويتقدم حتى يبلغ به الأمر حداً من التسليم والإيمان بالله، أن أرعب بإيمانه هذا أبرهة صاحب الفيل، كما يذكره المؤرخون.

وقد أشبه في هذا الأمر نبي الله إبراهيم >عليه السلام< فإن إبراهيم كان ـ بلا شك ـ موحداً لإحساسه الوجداني والفطري بوجود إله واحد، قادر، عالم، حكيم إلخ.. ولكنه بعد أن بلغ سن الرشد أراد أن يجسد هذا الإيمان الوجداني بالدليل والبرهان؛ على صفحة الوجود، على قاعدة: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}([99]) وكانت النتيجة هي ما حكاه الله بقوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، فَلَمَّآ رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}([100]).

هذا إن قلنا: إن كلام إبراهيم >عليه السلام< كان على سبيل الحقيقة وليس على سبيل الاستدراج، مع أن الروايات قد أكدت أنه قد كان على سبيل الاستدراج لقومه ليقيم عليهم الحجة.

بل إن القرآن نفسه قد صرح بذلك، حيث عقب هذه الآيات بقوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ}([101]) ولهذا البحث مجال آخر.

وعلى كل حال، فإن الصحيح هو: أن عبد المطلب كان مؤمناً، معتقداً بالله الواحد القادر، الحكيم الخ.. استناداً إلى حكم الفطرة والوجدان، لكنه كان يريد أن يجسد هذا الإيمان، أو يريد أن يستدرج غيره للإيمان بما آمن هو به، بعد إبطال احتمال أن يكون لهذه الأصنام أي شأن أو شفاعة.

بل إن الأحاديث قد دلت على أنه كان هو وآباؤه، من الأنبياء >صلى الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطيبين الطاهرين<، هذا بالنسبة لإيمانه.

أما بالنسبة لسلوكه ومواقفه، فإنهم يقولون عنه: إنه كان يقطع يد السارق، ويمنع من طواف العراة، ويوفي بالنذر، ويؤمن بالمعاد، ويحرم الزنى، والخمر، ونكاح المحارم، وكان يأمر ولده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور، وكان مجاب الدعوة وترك الأصنام([102]).

وقد ذكرت كتب التاريخ: أن بعض الأصنام قد كـانت تماثيل لأشخاص من أهل الخير والصلاح، فراجع كتاب الأصنام لابن الكلبي، وسيرة ابن هشام وغير ذلك.

وعن النبي >صلى الله عليه وآله<: يا علي، إن عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح على النصب، ويقول: أنا على دين إبراهيم >عليه السلام<([103]).

وقد بلغ الذروة في إيمانه هذا بعد ولادة حفيده محمد >صلى الله عليه وآله<، حيث سمع ورأى الكثير من العلامات الدالة علي أنه النبي الخاتم، والأكمل والأفضل من جميع البشر، وشهد، وعاين الكثير من الكرامات والدلالات القطعية فيه.

وبعد كل ما تقدم نقول: إنه لا مانع من أن يكون عبد المطلب قد تلقى الأمر بذبح ولده عبد الله من الله تعالى، ولا أقل من أنه كان يعتقد بأن له الحق في تصرف كهذا، ونذر كهذا ولم يكن ذلك مستهجناً لدى العرف آنئذٍ.

أضف إلى ذلك: أنه لم يثبت عدم جواز نذر كهذا في الشرايع السابقة. فقد نذرت امرأة عمران ما في بطنها محرراً لخدمة بيوت الله، وأمر الله تعالى نبيه إبراهيم بذبح ولده إسماعيل.

وأما تسمية أبنائه بما يشير إلى الأصنام، فلعلها تسميات لحقتهم بعد ظهور شركهم، وانحرافهم، وحبهم لتلك الأصنام، وليس لدينا تاريخ صادق، وصريح، وكاف.. والله العالم بالحقائق.

النسخ في قصة إبراهيم ×:

هذا، وقد ادعى البعض: أن قصة إبراهيم تدل على جواز النسخ قبل حضور وقت العمل، وأجيب عن ذلك:

أولاً: إن إبـراهيم >عليه السلام< لم يؤمـر بالذبح الذي هو فري الأوداج، بل أمر بالمقدمات، فقد جاء بالتنزيل قوله تعالى: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}([104]) ولم يقل: إني ذبحتك، ثم جاء قوله تعالى: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}([105])؛ ليؤكد على ذلك ولو كان ما فعله بعض المأمور به، لكان مصدقاً لبعض الرؤيا([106]) فلا يصح قوله تعالى: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}.

ثانياً: إن وقت الفعل حاضر؛ فإن إبراهيم قد شرع في التنفيذ فعلاً، فالنسخ لو سلم، فإنما هو قبل وقوع الفعل، لا قبل حضور وقت العمل.

ونقول: إن النسخ يمكن أن يكون مع كون الأمر بداعي الامتحان أو غيره أولاً، ثم يصدر أمر عن مصلحة واقعية ثانياً فينسخه.

البداء عند الشيعة:

ويتفرع على مسألة النسخ مسألة البداء؛ التي هي موضع خلاف بين الشيعة وغيرهم، وقد صارت مصدراً للافتراءات الكثيرة على الشيعة، ونحن نشير إلى توضيح هذه المسألة بما يسمح به المجال، فنقول:

قال آية الله الحجة السيد عبد الحسين شرف الدين >رحمه الله<:

>حاصل ما تقوله الشيعة هنا: أن الله عز وجل قد ينقص من الرزق، وقد يزيد فيه، وكذا الأجل، والصحة والمرض، والسعادة والشقاوة، والمحن والمصائب، والإيمان والكفر، وسائر الأشياء، كما يقت&