الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ  1425 هـ . ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الــصــحـيـــح

من سيرة النبي الأعظم

(صلى الله عليه وآله)

 

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

 

الجزء الثالث

 

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الثاني:

روايات بدء الوحي

ما روي في بدء الوحي:

روى البخاري ومسلم وغيرهما، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة في بدء الوحي ما ملخصه: أن الملك جاء للنبي >صلى الله عليه وآله وهو في غار حراء، فقال: إقرأ.

قال: ما أنا بقارئ.

قال: فأخذني فغطني([1]) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني.

فقال: إقرأ.

فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني.

فقال: إقرأ.

فقلت: ما أنا بقارئ.

فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ}([2]).

فرجع بها رسول الله >صلى الله عليه وآله< يرجف فؤاده؛ فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال زمّلوني([3])، زمّلوني، حتى ذهب عنه الروع؛ فقال لخديجة ـ وقد أخبرها الخبر ـ: لقد خشيت على نفسي.

فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل، بن أسد، بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرءاً قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم إسمع من ابن أخيك.

فقال له ورقة: ماذا ترى؟

فأخبره رسول الله >صلى الله عليه وآله< خبر ما رأى.

فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً([4])، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك.

فقال رسول الله >صلى الله عليه وآله<: أومخرجيّ هم؟

قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.

ثم لم ينشب([5]) ورقة أن توفي، وفتر الوحي([6]).

وثمة روايات كثيرة أخرى متناقضة ومتعارضة، ونذكر منها على سبيل المثال:

1 ـ هناك رواية تقول: إن خديجة أرسلته مع أبي بكر إلى ورقة بن نوفل فأخبره >صلى الله عليه وآله< أنه يسمع نداءً خلفه: يا محمد، يا محمد، فينطلق هارباً في الأرض، فأمره ورقة أن يثبت؛ ليسمع ما يقول ثم يخبره، ففعل فناداه: يا محمد، قل: {بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} حتى بلغ، {وَلاَ الضَّالِّينَ} قل لا إله إلا الله، فأخبر ورقة؛ فبشره بأنه هو الذي بشر به ابن مريم؛ فلما توفي ورقة قال >صلى الله عليه وآله<: لقد رأيت القس في الجنة، عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدقني([7]).

2 ـ ورواية أخرى تقول: بعد أن ذكرت: أن خديجة أخبرت ورقة بالأمر، فأخبرها أنه نبي هذه الأمة ـ إنه بعد مدة التقى بالنبي >صلى الله عليه وآله< وهما يطوفان، فسأله ورقة عما رأى وسمع؛ فأخبره، فأخبره ورقة أنه نبي هذه الأمة([8]).

3 ـ إنه لما أخبر النبي >صلى الله عليه وآله< خديجة بما رأى، بشرته بأنه نبي هذه الأمة، وأن الذي أخبرها بذلك هو غلامها ناصح، وبحيرا الراهب، وأمرها أن تتزوجه منذ أكثر من عشرين سنة، ولم تزل برسول الله حتى طعم، وشرب، وضحك، ثم خرجت إلى الراهب، وكان قريباً من مكة فأخبرته، فأخبرها: أن جبرئيل هو أمين الله، ورسوله إلى الأنبياء >عليهم السلام< ثم أتت عداساً، فسألته، فأخبرها بمثل ذلك.

ثم أتت ورقة، فأخبرها بمثل ذلك، ولكنها حلفته أن يكتم الأمر، فطلب منها أن ترسل ابن عبد الله إليه؛ ليسأله، ويسمع منه؛ مخافة أن يكون الذي جاءه هو غير جبرئيل، فإن بعض الشياطين يتشبه ليضل ويفسد، حتى يصير الرجل بعد العقل الرضي مدلّهاً مجنوناً، فرجعت إلى النبي >صلى الله عليه وآله<، وأخبرته بمقالة ورقة، فنزل قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}([9]).

ولكنها أصرت عليه أن يذهب إلى ورقة، ففعل، وصدقه ورقة، فذاع قول ورقة وتصديقه لرسول الله >صلى الله عليه وآله<، فشق ذلك على الملأ من قومه([10]).

4 ـ إن خديجة طلبت منه أن يخبرها حين يأتيه الملك ففعل، فأمرته أن يجلس إلى شقها الأيمن؛ ففعل، فلم يذهب الملك، فأجلسته في حجرها، فلم يذهب، فتحسرت فشالت خمارها، ورسول الله >صلى الله عليه وآله< في حجرها، فذهب الملك، فقالت: ما هذا بشيطان، إن هذا لملك يا ابن عم، فاثبت وابشر.

وفي رواية: أنها أدخلت رسول الله بين جلدها ودرعها، وأخرجت رأسه من جيبها؛ فذهب جبرئيل >عليه السلام< عند ذلك([11]).

وفي رواية: أن ذلك كان بإشارة ورقة([12]).

5 ـ في رواية: إن ورقة قال لخديجة: إسأليه من هذا الذي يأتيه، فإن كان ميكائيل، فقد أتاه بالخفض والدعة واللين وإن كان جبرئيل، فقد أتاه بالقتل والسبي؛ فسألته، فقال: جبرئيل، فضربت خديجة جبهتها([13]).

6 ـ وفي رواية: أنه لما أتاه الوحي قال:

>.. إن الأبعد ـ يعني نفسه ـ لشاعر أو مجنون، لا تُحَدّث بها قريش عني أبداً، لأعمدن إلى حالق من الجبل؛ فلأطرحن نفسي منه، فلأقتلنها، ولأستريحن<.

قال: فخرجت أريد ذلك حتى إذا كان في وسط جبل سمع صوتاً من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله.

ثم تستمر الرواية حتى تذكر: أنه ذكر لخديجة: أن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك بالله من ذلك، ثم التقت بورقة؛ فأرسل إليه بالثبات، ثم التقى به في الطواف، فجرى له معه ما جرى([14]).

وعند السهيلي وغيره: أن خديجة سألت ورقة، وعداساً، ونسطوراً، عن أمر رسول الله >صلى الله عليه وآله<([15]).

7 ـ وفي رواية: أن عداساً أعطاها كتاباً لتضعه على النبي >صلى الله عليه وآله<؛ فإن كان مجنوناً شفي، وإلا لم يضره شيئاً، فلما عادت إليه بالكتاب وجدت معه جبرئيل يقرئه الآيات من سورة القلم، ففرحت، وأخذته إلى عداس، فكشف عداس عن ظهره؛ فوجد خاتم النبوة بين كتفيه إلخ..([16]).

ويروي البعض: أنه >صلى الله عليه وآله< لما أخبرها بجبرئيل كتبت إلى بحيرا الراهب، وقيل: سافرت بنفسها إليه لتسأله عن الأمر([17]).

8 ـ في رواية: أنه >صلى الله عليه وآله< حين ذهب ليتردّى من شواهق الجبال، كان إذا ارتقى بذروة جبل، تبدّى له جبرئيل، ويخاطبه بالرسالة، فيسكن جأشه، وتطمئن نفسه([18]).

9 ـ ويروون أيضاً: أنه كان >صلى الله عليه وآله< قبل النبوة يتعرض للرعدة، وتغميض العينين، وتربّد الوجه، ولما يشبه الإغماء، ويغط كغطيط البكر([19]).

10 ـ وفي رواية: أنه >صلى الله عليه وآله< عاد إلى أهله مسروراً موقناً: أنه قد رأى أمراً عظيماً، فلما دخل على خديجة قال: أريتك الذي كنت حدثتك: أني رأيته في المنام؛ فإن جبرئيل استعلن إلي، أرسله إلي ربي عز وجل، وأخبرها بالذي جاءه من الله، وما يسمع منه، فقالت له: أبشر، فوالله لا يفعل الله بك إلا خيراً، واقبل الذي جاءك من أمر الله، فإنه حق، وأبشر؛ فإنك رسول الله حقاً.

ثم انطلقت إلى عداس النصراني، غلام عتبة بن ربيعة من أهل نينوى، فسألته عن جبرئيل؛ فتعجب من ذكر جبرئيل بتلك الأرض، ثم أخبرها بأنه أمين الله بينه وبين الأنبيـاء >عليهم السـلام<، ثم جاءت إلى ورقـة إلخ..([20]).

هذا غيض من فيض، مما قيل ويقال حول ما جرى حين بدء الوحي، وكيفيته وملابساته، من روايات، وأقاويل متضاربة ومتناقضة.

ولننتقل الآن إلى الإشارة إلى بعض ما لنا من مناقشات في تلك الأراجيف المتقدمة، متوخين الإيجاز والاختصار مهما أمكن فنقول:

مناقشة روايات بدء الوحي:

إننا في مجال بيان ما في تلك الروايات من خلل وخطل، لا نستطيع أن نستوعب كل ما فيها من نقاط ضعف؛ لأن استيعاب ذلك ـ كما يبدو ـ يحتاج إلى وقت طويل، بل إلى مؤلف مستقل.. ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، لأننا نريد أن نسهم بدورنا في الذب عن مقام النبوة الأقدس، ولو بشكل محدود ومقتضب، وما نريد أن نشير إليه هنا هو:

أولاً: من حيث السند، وحيث إن العمدة في ذلك هو ما ورد في الصحيحين وغيرهما، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فنحن نكتفي بالإشارة الإجمالية إلى حال هؤلاء، فنقول:

ألف ـ الزهري: كان من أعوان الظالمين، ومن الذين يركنون لهم([21])، وكان عاملاً لبني أمية([22]) ويقول المحقق التستري: إنه كان كاتباً لهشام بن عبد الملك، ومعلماً لأولاده([23]).

وعده الثقفي من فقهاء الكوفة الذين خرجوا عن طاعة علي >عليه السلام<، وكانوا أهل عداوة له وبغض، وخذلوا عنه([24]).

وجلس هو وعروة في مسجد المدينة فنالا من علي >عليه السلام<، فبلغ ذلك السجاد >عليه السلام<، فجاء حتى وقف عليهما.

فقال: أما أنت يا عروة، فإن أبي حاكم أباك، فحكم لأبي على أبيك وأما أنت يا زهري؛ فلو كنت أنا وأنت بمكة لأريتك كنّ([25]) أبيك([26]).

ونحن لا نستطيع أن نثق بأعوان الظلمة، وبمبغضي علي >عليه السلام<، كيف وقد قال >صلى الله عليه وآله<: >من سب علياً فقد سبني<؟([27]).

ب ـ عروة بن الزبير، عن عروة قال: أتيت عبد الله بن عمر بن الخطاب (رض)؛ فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء، فيتكلمون بالكلام، نعلم أن الحق غيره؛ فنصدقهم، ويقضون بالجور، فنقويهم، ونحسنه لهم؛ فكيف ترى في ذلك؟

فقال: يا بن أخي، كنا مع رسول الله >صلى الله عليه وآله< نعد هذا النفاق؛ فلا أدري كيف هو عندكم([28]).

فعروة يعتبر أئمة الجور أئمته، وابن عمر يحكم عليه بالنفاق، وعده الإسكافي من التابعين، الذين كانوا يضعون أخباراً قبيحة في علي >عليه السلام<([29])، وكان يتألف الناس على روايته([30]).

وروى عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة، عن عائشة في علي >عليه السلام<، فسألته عنهما يوماً.

فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما؟ إني لأتهمهما في بني هاشم([31]).

وكان عروة إذا ذكر علياً نال منه([32])، ويصيبه الزمع؛ فيسبه، ويضرب إحدى يديه على الأخرى إلخ([33]).

وبعد ذلك كله؛ فإنه لم يثبت سماع الزهري عنه، ولكن أهل الحديث اتفقوا على ذلك([34]).

ج  ـ أما عائشة: التي حاربت علياً وعادته، والتي يتهمها الزهري بأنها لا تؤمن في بني هاشم؛ فقد أرسلت هذه الرواية، ولم تبين لنا عمن روتها، فإنهم يقولون: إنها قد ولدت بعد البعثة، وإن كنا نحن نناقش في ذلك([35]).

وأخيراً، فإن لنا كلاماً طويلاً في بقية الأسانيد في الصحاح وغيرها لا مجال له هنا، ونكتفي بهذا القدر، لنشير إلى بقية ما في الرواية من هنات.

ثانياً: تناقض الروايات الظاهر لدى كل أحد، ويظهر ذلك بالملاحظة والمقارنة، ونكل ذلك إلى القارئ نفسه، وهذا يعطي أن هناك طائفة من الروايات مكذوبة لأن هذا الاختلاف لم يكن بالزيادة والنقيصة ليمكن قبوله؛ على اعتبار أن أحد الرواة قد حفظ ولم يحفظ الراوي الآخر.. أو تعلق غرضه بهذا النحو من النقل، وذاك بنحو آخر، وكذا لو كان التناقض في مورد واحد مثلاً، فلربما يمكن الاعتذار عن ذلك بأن من الممكن وقوع الاشتباه غير العمدي من أحد النقلة.

ولكن الأمر هنا أبعد من ذلك، فإن التناقض والاختلاف إن لم يكن في كل ما تضمنته تلك الروايات من نقاط، ففي جلها مما يعني أن ثمة تعمداً للوضع والجعل، وقديماً قيل: >لا حافظة لكذوب<.

هذا كله، مع غض النظر عن المناقضة بين هذه الروايات وبين الرواية التي يذكرها البخاري نفسه في أول كتابه بعد هذه الرواية مباشرة من أن أول ما نزل عليه >صلى الله عليه وآله< هو سورة المدثر، ويلاحظ أنه ليس في تلك الرواية ذكر لأي شيء من تلك الأمور الغريبة والعجيبة التي تضمنتها رواية عائشة السابقة عليها؛ فإن عدم ذكرها لشيء من ذلك يورث الشك والريب، ويثير أكثر من سؤال عن السبب في إهمال التعرض لذلك.

ثالثاً: إن رواية الصحاح، بل وسائر الروايات تذكر:

أن جبرئيل قد أخذ النبي >صلى الله عليه وآله< فغطه، أي عصره وحبس نفسه أو خنقه حتى بلغ منه الجهد، أو حتى ظن أنه الموت، ثم أرسله، وأمره بالقراءة؛ فأخبره النبي >صلى الله عليه وآله<: أنه لا يعرفها، فلم يقنع منه، بل عاد فغطه، ثم أرسله، وهكذا ثلاث مرات.

ولنا على هذا الكلام العديد من الأسئلة.

فإننا لا نعرف ما هو المبرر لذلك كله؟

وكيف جاز لجبرئيل أن يروع النبي الأعظم >صلى الله عليه وآله<، وأن يؤذيه بالعصر والخنق، إلى حد أنه >صلى الله عليه وآله< يظن أنه الموت، يفعل به ذلك، وهو يراه عاجزاً عن القيام بما يأمره به ولا يرحمه، ولا يلين له!!

ولماذا يفعل به ذلك ثلاث مرات، لا أكثر ولا أقل؟!.

ولماذا صدقه في الثالثة، ولا يصدقه في المرة الأولى؟ أو الثانية؟!

وإذا كان النبي >صلى الله عليه وآله< قد كذب عليه أولاً، فكيف بقي أهلاً للنبوة؟! وإذا كان قد صدقه فلماذا لم يقتنع جبرئيل بكلامه، وعاد فخنقه حتى ليظن أنه الموت؟!.

وأيضاً، هل جاء جبرئيل إليه بكتاب ليقرأه؛ إذ إن قوله >صلى الله عليه وآله<: >ما أنا بقارئ< إنما يصح لو كان >صلى الله عليه وآله< قد فهم أن جبرئيل يأمره بالقراءة نفسها ـ لا بتعلم القراءة ـ كما ذكره السندي([36]).

وإذا كان المراد: القراءة بمعنى التلاوة؛ فلماذا يطلب منه جبرئيل ذلك، قبل أن يتلو عليه شيئاً؟. ثم لماذا يعاند هو ويرفض ذلك؟!

وبعد هذا كله، لماذا يستسلم النبي >صلى الله عليه وآله< لجبرائيل ليعذبه على هذا النحو الذي لا مبرر له؟

ثم لماذا يرجع مرعوباً خائفاً؟! ألم يكن باستطاعته أن يلطمه لطمة يقلع بها عينه؟ كما فعل موسى بملك الموت من قبل؟! حيث إنه لما جاء ليقبض روحه، لطمه على عينه فقلعها، كما نص عليه البخاري، وكثير من المصادر الأخرى!!([37]).

أم يعقل: أنه كان ـ والعياذ بالله ـ جباناً إلى هذا الحد؟! وكانت الشجاعة من مختصات نبي الله موسى وحده؟!

وأخيراً، كيف يخاف نبينا هنا، والله تعالى يقول: {يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ}([38]).

قد ورد أن زرارة بن أعين سأل الإمام الصادق >عليه السلام<: كيف لم يخف رسول الله >صلى الله عليه وآله< فيما يأتيه من قبل الله أن يكون مما ينزع به الشيطان؟

فقال: إن الله إذا اتخذ عبداً رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه([39]).

إشارة:

هذا، ومن المضحك المبكي هنا: أن نجد البعض يحاول أن يستدل بهذه الرواية على رأي يكذبه العقل والنقل، وبالذات يكذبه نص القرآن الكريم؛ فنراه يجعل ذلك دليلاً على جواز التكليف بما لا يطاق([40]) ـ كما هو مذهبهم ـ الأمر الذي يصادم العقل والفطرة، ويخالف القرآن، كما في قوله تعالى:

{لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}([41])، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}([42])، وقوله: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}([43]) وغير ذلك كثير.

رابعاً: حول ما يذكر من خوفه >صلى الله عليه وآله<، ودور زوجته وورقة وغيرهما في بعث الطمأنينة في نفسه نذكر:

ألف: كيف يجوز إرسال نبي يجهل نبوة نفسه، ويحتاج في تحقيقها إلى الاستعانة بامرأة، أو نصراني؟ ألم تكن هي فضلاً عن ذلك النصراني أجدر بمقام النبوة من ذلك الخائف المرعوب الشاك؟

وحتى لو قبلنا ذلك، فمن أين علم: أن تلك المرأة وذلك الرجل قد صَدَقاه، وقالا الحقيقة؟

ولماذا لم يستطع هو أن يدرك ما أدركته تلك المرأة، وذلك النصراني؟! أم يعقـل أن يكون كــلاهما أكبر عقـلاً وأكثر معرفة بـالله وتفضلاته منه؟! نعوذ بالله من الزلل في القول والعمل.

وإذا جاز أن يرتاب هو مع معاينته لما يأتيه من ربه، فكيف ينكر على من ارتاب من سائر الناس، مع عدم معاينتهم لشيء من ذلك؟!.

قال السندي: >مقتضى جواب خديجة، والذهاب إلى ورقة: أن هذا كان منه على وجه الشك، وهو مشكل بأنه لما تم الوحي صار نبياً، فلا يمكن أن يكون شاكاً بعد في نبوته، وفي كون الجائي عنده ملكاً من الله، وكون المنزل عليه كلام رب العالمين<!! ثم حاول السندي توجيه ذلك بأنه >صلى الله عليه وآله< أراد اختبار خديجة، وأن يمهد لإعلامها بالأمر([44]).

وهو توجيه عجيب، فإننا لم نعهد منه >صلى الله عليه وآله< اتباع مثل هذه الأساليب الملتوية في الوصول إلى مقاصده ونحن نجله >صلى الله عليه وآله< عن نسبة الكذب إليه على خديجة، معاذ الله، ثم معاذ الله!!.

ثم.. كيف يتناسب ذلك مع كونه أراد أن يلقي نفسه من شواهق الجبال، وغير ذلك مما تقدم مما ذكرته روايات الوحي؟!

وأيضاً، كيف يبعث الله رجلاً، لم يتعهده بالتربية والإعداد، بحيث يستطيع أن يكون في مستوى الحدث العظيم الذي ينتظره؟!

نعم، كيف أهمله هكذا، حتى إنه حين بعثته ليبدو مذعوراً خائفاً، ظاناً بنفسه الجنون، يريد أن يلقي بنفسه من شواهق الجبال، حتى كأنه طفل تائه، يملأ قلبه الهم، يحتاج إلى من يطمئنه، ويهديه، ويأخذ بيده، ولو امرأة أو أي إنسان عادي آخر؟!

هذا كله عدا عن أن ذلك يدل والعياذ بالله على ضعف إرادته، وضالة شخصيته.

وأين ذهبت عن ذاكرته تلك الكرامات التي كان يواجهها، دون كل أحد، كتسليم الشجر والحجارة عليه([45])، والرؤيا الصادقة، وغير ذلك مما ذكره المؤلفون والمؤرخون؟!.

ب: قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}([46]).

وقال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالحقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}([47]).

وقال: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي}([48]) وقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}([49]).

إذن، فالنبوة، وتنزيل القرآن، ليسا إلا لتثبيت المؤمنين، ولتثبيت فؤاد النبي >صلى الله عليه وآله<، وهذا يتنافى مع قولهم: إن نفسه الشريفة قد سكنت اعتماداً على قول نصراني، أو امرأة.

كما أن من الواضح: أنه لا حجة بينة في قول ورقة، أو خديجة، فكيف صح أن يقول: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني؟

خامساً: لا بد من الإشارة إلى بعض الكلام حول ورقة، ونسطور، وعداس، وبحيرا وغيرهم، ممن ذكرت أسماؤهم فيما تقدم، وعمدة الروايات تتجه نحو ورقة، وتركز عليه، لا سيما وأنه هو الذي نص عليه البخاري، وغيره من المصادر الموثوقة لدى غير الشيعة.

ألف ـ أما نسطور، وبحيرا، فهما الراهبان اللذان تنسب إليهما القضية التي جرت للنبي >صلى الله عليه وآله< في صغره، حينما سافر مع أبي طالب إلى الشام، وبصرى حيث بشر نسطور أو بحيرا بنبوة النبي >صلى الله عليه وآله<، وأمر بإعادته >صلى الله عليه وآله< إلى مكة كما تقدم.

وإذا كان بحيرا أو نسطور في بصرى ـ وهي قصبة كورة حوران في الشام من أعمال دمشق ـ فيرد السؤال: كيف سافرت خديجة من مكة إلى الشام هذه السفرة الطويلة؟ أو متى كتبت إليه فأجابها؟

مع أنهم يقولون: إنه >صلى الله عليه وآله< بعث في أول يوم، فأسلم علي وخديجة >عليهما السلام< في اليوم الثاني، وصليا معه مسلمين مؤمنين بنبوته([50]).

وهل كان في ذلك الزمان طائرات؟ أو أنها سافرت على بساط الريح، أو طويت لها الأرض؟! ولا ندري، فلعلهما قد انتقلا ليسكنا قرب مكة، لتتمكن خديجة من استشارتهما في الوقت المناسب، ثم لا يعود يسمع لهما ذكر أصلاً، لأن مهمتهما قد انتهت (!!!).

ب ـ وعداس، أليس هو الذي أسلم على يد النبي >صلى الله عليه وآله< في الطائف بعد عشر سنين من البعثة أي بعد وفاة أبي طالب >عليه السلام<؟ وتروى القصة بنحو يدل أن عداساً لم يكن يعرف النبي >صلى الله عليه وآله< قبل ذلك([51]) ولا سمع به.

كما أن الروايات تنص على أن جوابه هو نفس جواب ورقة، وعلى أنه كان ـ كورقة ـ راهباً، كبير السن، قد وقع حاجباه على عينيه، وقد ثقل سمعه إلخ. وهذه الأوصاف يشاركه فيها غيره ممن سألتهم خديجة ما عدا ثقل السمع، الذي عوض عنه ورقة المسكين بالعمى..

واحتمال أن يكون عداس هذا غير ذاك، ليس له ما يؤيده، أو يشير إليه.

ويبقى هنا سؤال أخير، وهو: أنه كيف لم يسمع بإسلام هؤلاء: بحيرا، وعداس، ونسطور، من حين بعثته >صلى الله عليه وآله<، مع معرفتهم بأن النبي >صلى الله عليه وآله< قد بعث، ومع أن سند نبوته قد تلقاه >صلى الله عليه وآله< منهم، حسب نص الروايات المتقدمة؟.

كما أن رواية عداس تقول: إنه لما عادت خديجة من عند عداس، إذا بجبرئيل يقرئ النبي >صلى الله عليه وآله< سورة القلم، وهذا مخالف لما يذكره المفسرون:

من أن هذه السورة إنما نزلت حينما وصف المشركون النبي >صلى الله عليه وآله< بأنه مجنون([52])، وواضح: أن هذا لم يحصل إلا بعد انتهاء فترة الدعوة السرية، وحينما صدع بما يؤمر به، كما هو معلوم.

ج ـ أما ورقة: فإنهم بالإضافة إلى ما ينسبونه إليه من دور هام في تثبيت نبوة نبينا الأعظم >صلى الله عليه وآله<، نجدهم يذكرون: أنه >صلى الله عليه وآله< قد قال عن ورقة كلاماً يدل على أنه في الجنة، ولكنهم اختلفوا في نص ذلك الكلام.

ففي رواية أنه >صلى الله عليه وآله< قال: >لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة، أو جنتين..< أو >رأيته في ثياب بيض<.

وفي أخرى: >لقد رأيت القس ـ يعني ورقة ـ في الجنة عليه ثياب الحرير<.

وفي ثالثة: >أبصرته في بطنان الجنة وعليه ثياب السندس<.

وفي رابعة: >قد رأيته فرأيت عليه ثياباً بيضاً، وأحسبه لو كان من أهل النار لم تكن عليه ثياب بيض<([53]).

وعده ابن مندة في الصحابة، وعده الزين العراقي على: أنه أول من أسلم، ومال إليه البلقيني([54]).

وتقدم في الروايات حول بدء الوحي، التي هي موضع المناقشة: أنه صدق النبي >صلى الله عليه وآله<، وعرفه أنه نبي، ووعده النصر، ثم لم ينشب أن توفي.

هذا ما قيل عنه، ولكننا نجد في مقابل ذلك:

1 ـ إن ابن عساكر يقول: >لا أعرف أحداً قال: إنه أسلم<([55]).

2 ـ وابن الجوزي يقول إنه: >آخر من مات في الفترة، ودفن في الحجون، فلم يكن مسلماً<. وكذا قال غيره([56]).

3 ـ وابن عباس يقول: >مات على نصرانيته<([57]).

4 ـ لقد مات على نصرانيته، مع أنه عاش بعد البعثة عدة سنوات، فكيف يدخل الجنة إذاً؟ ويدل على أنه عاش بعد البعثة عدة سنوات، ما رواه غير واحد، من أنه كان يمر ببلال وهو يعذب، ونهاهم عنه فلم ينتهوا؛ فقال: والله، لئن قتلتموه لأتخذن قبره حناناً([58]) وتعذيب بلال إنما كان بعد الإعلان بالدعوة كما هو معروف.

وكيف يصح قول البعض: إنه مات بعد النبوة وقبل الرسالة؟! ([59]).

وقد أسلم علي وخديجة، وصلَّيا ثاني يوم البعثة، بدعوة منه >صلى الله عليه وآله<، فلماذا بقي ورقة على نصرانيته هذه السنين المتعددة؟.

هذا، عدا عن أن البعض قد استنتج مما رواه البخاري وغيره، من أن سورة المدثر كانت أول ما نزل عليه >صلى الله عليه وآله<، وبالذات من قوله: {قُمْ فَأَنذِرْ} ـ استنتج ـ : أن البعثة كانت مقترنة بالنبوة([60]).

5 ـ قال في الإمتاع وغيره: إن ورقة قد توفي في السنة الرابعة للمبعث أو بعد تتابع الوحي([61]).

6 ـ نقل عن الواقدي: أنه توفي بعد الأمر بالقتال([62]) ـ وكان ذلك بعد الهجرة، وعليه فكيف يكـون ورقة في الجنة عليه ثياب السندس أو الحرير؟! ـ وكيف يكـون هو في الجنة، وأبو طالب حامي الإسلام والدين في ضحضاح من نار؟!.

وبعد ذلك كله، فإننا لم نفهم سبب تردد النبي >صلى الله عليه وآله< في أن يكون له جنة أو جنتان، ولا نفهم أيضاً،لماذا قال:

وأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض، أم لعله نسي أنه قد قال: إنه رآه في الجنة عليه ثياب السندس أو الحرير؟! أو أن النبي نفسه >صلى الله عليه وآله< قد ترقى وتدرج في التعرف على ما لورقة من مقام؟! أم أن ورقة نفسه قد ترقى في مدارج القرب والزلفى؟!.

وأخيراً، فإننا لا ندري بعد ورود تلك الأقوال فيه لمـاذا لم يحكم المسلمون جميعاً بأنه أول من أسلم، لا علي ولا خديجة، ولا غيرهما؟! ولماذا لا يعدونه من جملة الصحابة؟!.

وكيف يقولون: إنه توفي وهو على نصرانيته، ثم كيف يدخل هذا النصراني الجنة؟!.

كانت تلك بعض الأسئلة التي تحتاج إلى جواب. وأنى؟!.

وثمة أسئلة أخرى:

هذا غيض من فيض مما يرد على تلك الروايات، وبقي فيها الكثير من الأسئلة، التي تحتاج إلى جواب:

فمثلاً: حول ذهاب الملك حينما كشفت خديجة قناعها، وأدخلته >صلى الله عليه وآله< بين درعها وجلدها.

يرد سؤال: هل كان الحجاب في ذلك الوقت مفروضاً تلتزم به النساء؟، وكيف ذلك؟ وهم يقولون: إن الحجاب قد فرض في المدينة بعد الهجرة؟ وبعد وفاة خديجة >عليها السلام< بسنوات؟! فكيف إذن أدركت خديجة أن الملك يذهب إذا كانت بلا قناع؟!.

وأيضاً هل الملك مكلف بعدم النظر إلى نساء البشر؟! وهل للملك شهوة كشهوة الإنسان لا بد من الاحتراس منه لأجلها؟ ومن أين عرفت خديجة كل ذلك؟!.

إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي لن تجد لها عند هؤلاء الجواب المقنع والمفيد.

ومن الطعن في النبوة أيضاً:

وبالمناسبة، فإن كل ما تقدم لم يكفهم، بل زادوا عليه قولهم: إنه قد كان للنبي >صلى الله عليه وآله< عدو من شياطين الجن يسمى الأبيض، كان يأتيه في صورة جبرئيل، ولعله هو الشيطان الذي أعانه الله عليه فأسلم ـ كما يقولون([63]).

وشيطانه هذا الذي أسلم كان يجري منه مجرى الدم([64]).

وكان يدعو الله بأن يخسأ شيطانه؛ فلما أسلم ذلك الشيطان ترك ذلك([65]).

ورووا أنه عرض للنبي >صلى الله عليه وآله< في صلاته قال: فأخذت بحلقه فخنقته فإني لأجد برد لسانه على ظهر كفي([66]).

ويروون أيضاً: أنه >صلى الله عليه وآله< قد صلى بهم الفجر، فجعل يهوي بيديه قدامه، وهو في الصلاة؛ وذلك لأن الشيطان كان يلقي عليه النار؛ ليفتنه عن الصلاة([67]).

ونقول:

ونحن لا نشك في أن هذا كله من وضع أعداء الدين؛ بهدف فسح المجال أمام التشكيك في النبوة، وفي الدين الحق، وقد أخذه بعض المسلمين ـ لربما ـ بسلامة نية، وحسن طوية، وبلا تدبر أو تأمل، سامحهم الله، وعفا عنهم.

والغريب في الأمر: أننا نجدهم في مقابل ذلك يروون عنه >صلى الله عليه وآله< قوله لعمر:

>والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً، إلا سلك فجاً غير فجـك<([68])، وقـولـه لـه: >إن الشيطان ليخـاف أو ليفـرق منك يـا عمر<([69]) وقوله: >إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه<([70]).

وعن مجاهد: كنا نتحدث، أو نحدث: أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر، فلما أصيب بُثّت([71]).

وصارع عمر الشيطان مرات، وفي كل مرة يصرعه عمر([72]).

هذا عمر! وهذه حالة الشيطان معه! وذلك هو نبي الإسلام الأعظم >صلى الله عليه وآله<، وتلك هي حالته مع الشيطان عند هؤلاء الذين تروق لهم مثل هذه الترهات، ويتقبلونها من أعداء الإسلام، والمتاجرين به بسذاجة هي إلى الغباء أقرب.

فهم يقولون هذا عن رسول الله >صلى الله عليه وآله<، مع أنهم يدعون:

أن الملائكة قد أجرت له >صلى الله عليه وآله<، خمس عمليات جراحية في صدره، لكي تخلصه من حظ الشيطان، كما في الحديث المزعوم عن شق صدره الشريف.

ولربما يكون الدافع لدى بعضهم أن يجد لأبي بكر الذي قال حين أصبح خليفة:

إن له شيطاناً يعتريه أن يجد له نظيراً، ولكن من مستوى لا يدانى ولا يجارى؛ فوقع اختياره على النبي الأعظم >صلى الله عليه وآله<، ليكون هو ذلك النظير؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ما هو الصحيح في قضية بدء الوحي؟!

والذي نطمئن إليه هو أنه قد أوحي إلى النبي >صلى الله عليه وآله<، وهو في غار حراء فرجع إلى أهله مستبشراً مسروراً بما أكرمه الله به، مطمئناً إلى المهمة التي أوكلت إليه ـ كما يرويه ابن إسحاق، وأشارت إليه الرواية الأخيرة التي تقدمت عند ذكر نصوص الروايات ـ وإن كان قد زيد فيها ما لا يصح ـ فشاركه أهله في السرور، وأسلموا، وقد روي هذا المعنى عن أهل البيت >عليهم السلام<.

فعن زرارة أنه سأل الإمام الصادق >عليه السلام<: كيف لم يخف رسول الله >صلى الله عليه وآلـه< فيما يأتيه من قبـل الله: أن يكـون ممـا ينزع بـه الشيطان؟.

فقال: إن الله إذا اتخذ عبداً رسولاً، أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي يأتيه من قبل الله، مثل الذي يراه بعينه([73]).

وسئل >عليه السلام<: كيف علمت الرسل أنها رسل؟

قال: كشف عنهم الغطاء([74]).

وقال الطبرسي: >إن الله لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين الـنـيرة، والآيات البينة، الدالة على أن ما يوحى إليه إنما هو من الله تعالى؛ فلا يحتاج إلى شيء سواها، ولا يفزع، ولا يفرق<([75]).

وقال عياض: >لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك، ويلبّس عليه الأمر، لا في أول الرسالة ولا بعدها، والاعتماد في ذلك على دليل المعجزة، بل لا يشك النبي أن ما يأتيه من الله هو الملك، ورسوله الحقيقي، إما بعلم ضروري يخلقه الله له، أو ببرهان جلي يظهره الله لديه؛ لتتم كلمة ربك صدقاً وعدلاً، لا مبدل لكلمات الله<([76]).

لماذا الكذب والإفتعال إذن؟!

وبعد كل ما تقدم؛ فإننا نرى أن افتعال تلك الأكاذيب يعود لأسباب، أهمها:

1 ـ أن حديث الوحي هو من أهم الأمور التي يعتمد عليها الاعتقاد بحقائق الدين وتعاليمه، وله أهمية قصوى في إقناع الإنسان بضرورة الاعتماد في التشريع، والسلوك، والاعتقاد، والإخبارات الغيبية، وكل المعارف والمفاهيم عن الكون، وعن الحياة، على الرسل والأنبياء، والأئمة والأوصياء >عليهم السلام<، وله أهمية كبرى في إقنـاعه بعصمة ذلـك الرسول، وصحة كل مواقفه وسلوكه، وأقواله وأفعاله.

فإذا أمكن أن يتطرق الشك في نفسه إلى الوحي، على اعتبار أنه إذا لم يستطع النبي >صلى الله عليه وآله< نفسه أن يفرق بين الملاك والشيطان، والوسوسة، والحقيقة، وهو يعاين ويشاهد؛ فإن غيره وهو لا يتيسر له الاطلاع الحسي على شيء من ذلك يكون أولى بالشك، وعدم الاعتماد.

وقد نقل الحجة البلاغي أن بعض أهل الكتاب قد نقض على المسلمين بذلك فقال:

>الشيطان قرين محمد، وتشبث بنقله عن بعض المفسرين قولهم: إنه كان لرسول الله عدو من شياطين الجن، كان يأتيه بصورة جبرئيل، وإنه يسمى الأبيض<([77]).

وبعد هذا، فإننا نستطيع أن نعرف سر محاولات أعداء الإسلام الدائبة للتشكيك في اتصال نبينا الأعظم >صلى الله عليه وآله< بالله تعالى، فافتعلوا الكثير مما رأوه مناسباً لذلك، من الوقائع والأحداث التي رافقت الوحي في مراحله الأولى، أو حرفوه وحوروه حسب أهوائهم، وخططهم، ومذاهبهم، على اعتبار أنها فترة بعيدة نسبياً عن متناول الأيدي عادة.

فلما فشلوا في ذلك حاولوا ادعاء أن ما جاء به نبينا >صلى الله عليه وآله< كان نتيجة عبقريته ونبوغه، وعمق تفكيره، ومعرفته بطرق استغلال الظروف، وانتهاز الفرص، وليس لأجل اتصاله بالمبدأ الأعلى تبارك وتعالى.

وهكذا، فإننا نستطيع أن نتهم يد أهل الكتاب في موضوع الأحداث غير المعقولة، التي تنسب زوراً وبهتاناً إلى مقام نبينا الأعظم >صلى الله عليه وآله< حين بعثته، ولا أقل من تشجيعهم لمثل هذه الترهات.

2 ـ كما أنه لا بد أن يحتاج نبينا >صلى الله عليه وآله< إليهم لإمضاء صك نبوته، وتصديق وحيه، ويكون مديناً لهم، وعلى كل مسلم أن يعترف بفضلهم، وبعمق وسعة اطلاعهم، ومعرفتهم بأمور لا يمكن أن تعرف إلا من قبلهم؛ فكان اختراع هذا الدور لورقة، وعداس، وبحيرا، وناصح، ونسطور، وكلهم من أهل الكتاب!!.

3 ـ وأما سؤال: لماذا اختص نبينا الأعظم >صلى الله عليه وآله< بكل تلك المصاعب والأهوال، وبهذه المعاملة السيئة من جبرئيل، حتى لقد صرح البعض: بأنه لم يُنْقَل عن أي من الأنبياء >عليهم السلام< السابقين: أنه تعرض لمثل ذلك عند ابتداء الوحي، حتى عد ذلك من خصائص نبينا >صلى الله عليه وآله<([78]).

إن هذا السؤال لا يبقى له وقع، إذا لاحظنا: أن بعض الأمور والأحوال غير المعقولة، قد تسربت إلى بعض المسلمين من قبل أهل الكتاب، حتى أصبحت جزءً من التاريخ، والفقه، والعقائد والخ.. وذلك من أجل أن يكون لنبي المسلمين نفس الحالات التي تذكر لغيره من الأنبياء في كتب أهل الكتاب.

وإذن، فليس غريباً أن نجد ملامح هذه القصة موجودة في العهدين، فقد جاء في الكتابين اللذين يطلق عليهما اسما التوراة والإنجيل:

أن دانيال خاف وخر على وجهه، وزكريا اضطرب، ووقع عليه الخوف، ويوحنا سقط في رؤياه كميت، وعيسى تغيرت هيئة وجهه، وبطرس حصلت له غيبوبة وإغماء، وهكذا الحال بالنسبة ليعقوب وإبراهيم وغيرهم([79]).

ولكن ذلك لا يعني: أننا ننكر ثقل الوحي عليه >صلى الله عليه وآله<: فإن ذلك بحث آخر([80])، ولكننا ننكر اضطرابه وخوفه >صلى الله عليه وآله<، حتى أراد أن يتردى من شواهق الجبال، وخاف على نفسه الجنون، وننكر ما فعله به جبرئيل، حسب ما ذكرته الروايات المتقدمة، فإن الظاهر أن ذلك قد تسرب من قبل أهل الكتاب إلى المحدثين الأتقياء.

أو فقل: الأغبياء! الأشقياء، كما هو الحال في كثير من نظائر المقام، حسبما يظهر للناقد البصير، والمتتبع الخبير.

4 ـ إنك تجد في العهدين أن الشيطان يتصرف بالأنبياء وغيرهم حتى بابن الإله بزعمهم فيقولون:

إن الروح أصعد المسيح إلى البرية أربعين يوماً ليجرب من قبل إبليس، فأصعده الشيطان إلى جبل عال، وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان، وقال له: أعطيك هذا السلطان كله واسجد لي إلخ..([81]).

وقال في موضع آخر: ولما أكمل إبليس كل تجربة (أي مع المسيح) فارقه إلى حين([82]).

ويقول بولس الرسول: ولئلا أرتفع بفرط الإعلانات أعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني؛ لئلا أرتفع؛ من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني([83]).

وفي موضع آخر: لذلك أردنا أن نأتي أنا وبولس مرة ومرتين، وإنما عاقنا الشيطان([84]).

كما أن الإنجيل يذكر: أن المسيح قد عبر عن بطرس بأنه شيطان([85])، إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه([86]).

5 ـ وعدا عن ذلك كله، فإننا لا نستبعد: أن يكون الهدف من جعل تلك الترهات، هو الحط من كرامة النبي الأعظم >صلى الله عليه وآله<، والطعن في قدسيته ومقامه في نفوس الناس، وتصويره لهم على أنه رجل عادي مبتذل، ولا أدل على ذلك من احتياجه إلى أبسط الناس حتى النساء ليرشده إلى طريق الهدى، ويدله على الحق؛ مما يدل على أنه قاصر محتاج باستمرار إلى مساعدة الآخرين؛ الذين هم أحسن تصرفاً وأكثر تعقلاً منه.

وقد أشرنا في تمهيد الكتاب إلى بعض ما يمكن أن يقال في ذلك، وقلنا: إن الظاهر هو أن تلك خطة السياسيين، الذين يريدون أن يرغموا أنوف بني هاشم، ويُبزّونهم سياسياً، من أمثال:

معاوية الذي أقسم على أن يدفن ذكر النبي >صلى الله عليه وآله<، ومع معاوية سائر الأمويين وأعوانهم.

ومن أمثال عبد الله بن الزبير، الذي قطع الصلاة على النبي >صلى الله عليه وآله< مدة طويلة، لأن له أهيل سوء إذا ذكر شمخت آنافهم([87]).

6 ـ لقد كان الزبيريون يواجهون وينافسون الأمويين، ويعادون الهاشميين، ويحسدونهم على ما لهم من شرف وسؤدد.

وإذا لاحظنا: نصوص الرواية المتقدمة لقضية ورقة بن نوفل، فإن عمدة رواتها هم من الزبيريين وحزبهم، كعروة بن الزبير، الذي اصطنعه معاوية ليضع أخباراً قبيحة في علي.

وكإسماعيل بن حكيم ـ مولى آل الزبير.

وكذلك وهب بن كيسان.

ثم أم المؤمنين عائشة خالة عبد الله بن الزبير.

ثم لاحظنا في المقابل:

أن خديجة هي بنت خويلد بن أسد، وورقة هو ابن نوفل بن أسد، والزبير هو ابن العوام بن خويلد بن أسد، فتكون النسبة بين الجميع واضحة المعالم([88]) ـ إذا لاحظنا ذلك كله ـ فإننا نستطيع أن نعرف:

أنه كان لا بد أن يكون لأقارب عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومن ثم للزبيريين بشكل عام، دور حاسم في انبعاث الإسلام، إذ لولاهم لقَتَل النبي >صلى الله عليه وآله< نفسه، أو على الأقل لم يستطع أن يكتشف نبوة نفسه!!

وإذا كان للزبيريين هذا التاريخ المجيد، فليس للأمويين أن يفخروا عليهم بخلافة عثمان، وليس للهاشميين أن يفخروا بمواقف أبي طالب، وولده علي أمير المؤمنين >عليه السلام<.

وإذن، فلا بد من دعوى: أن ورقة قد تنصر، وأنه كان يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء، إلى آخر ما قيل ويقال في ذلك.

النتيجة:

وهكذا فإن النتيجة تكون هي:

أن الأمويين يستفيدون من افتعال القصة على هذا النحو، ويحققون أعز أهدافهم وأغلاها، كما أن الزبيريين أيضاً يستفيدون منها، أما أهل الكتاب فيكون لهم منها حصة الأسد.

وبذلك ينعقد الإجماع من قبل مسلمة أهل الكتاب، الذين لم يسلموا ولكنهم استسلموا، إلى جانب منافقي هذه الأمة وطلقائها، وطلاب الدنيا، فأدخلوا في الإسلام من إسرائيليات أولئك، وترهات هؤلاء كل غريبة، ونسبـوا إلى نبي الإسلام كل عجيبة، بعد أن نجحوا في إبعاد أهل البيت >عليهم السلام< عن موقعهم الذي جعله الله سبحانه لهم، ليحتل القصاصون وأذناب الحكام محلهم.

وكانت هذه الجريمة النكراء حينما التقت المصالح والأهواء، واجتمعت على هذا الأمر، فلماذا لا يدلي كل بدلوه؟ أو كيف لا تشجع أمثال هذه الترهات والأباطيل؟!.

عصمنا الله من الزلل، في القول والعمل.

 

الفصل الثالث:

 

الدعوة في مراحلها الأولى

 

أول من أسـلـم:

إن أول من أسلم، واتبع وصدق، وآزر وناصر، هو أمير المؤمنين، وإمام المتقين، علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه وعلى أبنائه الأئمة الطاهرين.

وأورد العلامة الأميني في كتابه القيم([89]): أقوالاً عن العشرات من كبار الصحابة، والتابعين، وغيرهم من الأعلام، وعن العشرات من المصادر غير الشيعية، تؤيد وتؤكد على أن أمير المؤمنين >عليه السلام< هو أول الأمة إسلاماً.

ومن هؤلاء الأعلام:

1 ـ علي >عليه السلام< نفسه.

2 ـ الإمام الحسن >عليه السلام<.

3 ـ الإمام الباقر >عليه السلام<.

4 ـ عمر بن الخطاب.

5 ـ سلمان الفارسي.

6 ـ أنس بن مالك.

7 ـ ابن عباس.

8 ـ أبو ذر.

9 ـ المقداد بن عمرو.

10 ـ خباب بن الأرت.

11 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري.

12 ـ أبو سعيد الخدري.

13 ـ حذيفة بن اليمان.

14 ـ عبد الله بن مسعود.

15 ـ أبو أيوب الأنصاري.

16 ـ خزيمة بن ثابت >ذو الشهادتين<.

17 ـ عمرو بن العاص.

18 ـ سعد بن أبي وقاص.

19 ـ زيد بن أرقم.

20 ـ محمد بن أبي بكر.

21 ـ جرير بن عبد الله البجلي.

22 ـ بريدة الأسلمي.

23 ـ عفيف الكندي.

24 ـ أبو رافع.

25 ـ أبو مرازم.

26 ـ هاشم المرقال.

27 ـ عبد الله بن حجل.

28 ـ أبو عمرة >بشير بن محصن<.

29 ـ عبد الله بن خباب بن الأرت.

30 ـ عبد الله بن بريدة.

31 ـ مالك الأشتر.

32 ـ عدي بن حاتم.

33 ـ محمد بن الحنفية.

34 ـ طارق بن شهاب الأحمسي.

35 ـ عبد الله بن هاشم المرقال.

36 ـ عمرو بن الحمق.

37 ـ سعيد بن قيس الهمداني.

38 ـ عبد الله بن أبي سفيان.

39 ـ كعب بن زهير.

40 ـ ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب.

41 ـ الفضل بن أبي لهب.

42 ـ أبو الأسود الدؤلي.

43 ـ جندب بن زهير.

44 ـ مالك بن عبادة.

45 ـ زفر بن يزيد بن حذيفة الأسدي.

46 ـ النجاشي بن الحارث بن كعب.

47 ـ عبد الله بن حكيم.

48 ـ عبد الرحمن بن حنبل.

49 ـ عامر الشعبي.

50 ـ الحسن البصري.

51 ـ قتادة.

52 ـ ابن شهاب الزهري.

53 ـ محمد بن المكندر.

54 ـ أبو حازم سلمة بن دينار.

55 ـ ربيعة بن عبد الرحمن.

56 ـ محمد بن السائب الكلبي.

57 ـ جنيد بن عبد الرحمن.

58 ـ محمد بن إسحاق.

59 ـ الوليد بن جابر.

 

وزاد العسقلاني:

60 ـ عبد الله بن فضالة المزني.

61 ـ عمر بن مرة الجهني([90]).

بعض ما جاء في سبق علي × إلى الإسلام:

هذا كله، عدا عن الكثير من الروايات الواردة عن النبي الأعظم >صلى الله عليه وآله<، وكلمات أمير المؤمنين >عليه السلام< نفسه، وعدا عن كلمات الصحابة والتابعين وأشعارهم، بل لقد ادعى البعض الإجماع عليه([91]).

ولعل حصر ذلك متعذر على أي باحث ومتتبع، ولذا فلا محيص لنا عن الإكتفاء بأمثلة قصيرة لتكون عنواناً وإشارة لغيرها من الكثير الطيب الذي لم نذكره، ونحيل القارئ إلى ما كتبه العلامة الأميني([92]) فليراجعه إن أراد.

فإنهم يقولون:

لقد بعث النبي >صلى الله عليه وآله< يوم الإثنين، وأسلم علي >عليه السلام< يوم الثلاثاء([93]).

ومما ورد عن النبي الأعظم >صلى الله عليه وآله< بسند صحيح قوله: أولكم وروداً علي الحوض، أولكم إسلاماً علي بن أبي طالب([94]).

وعنه >صلى الله عليه وآله<: إنه لأول أصحابي إسلاماً، أو أقدم أمتي سلماً([95]).

وعنه أنه أخذ بيد علي >عليه السلام<، فقال: هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الأكبر([96]).

وعنه >صلى الله عليه وآله<: هذا أول من آمن بي، وصدقني، وصلى معي([97]).

وعنه >صلى الله عليه وآله<: إن أول من صلى معي علي([98]).

تصريحات أمير المؤمنين × في ذلك:

وعلي نفسه يصرح في كثير من المناسبات بذلك؛ فيقول عن نفسه: إنه لم يسبقه أحد في الصلاة مع رسول الله، وإنه أول من أسلم مع رسول الله >صلى الله عليه وآله< وإنه الصديق الأكبر >عليه السلام<، وإنه لا يعرف أحداً في هذه الأمة عَبَدَ الله قبله غير النبي >صلى الله عليه وآله<، وإنه صلى قبل أن يصلي الناس سبع سنين([99]).

ولعل المراد التعبد مع النبي >صلى الله عليه وآله< قبل البعثة بسنتين، أو خمس سنين؛ حيث بدأت إرهاصات النبوة، ثم يضم إليها ثلاث أو خمس سنين فترة الدعوة الاختيارية غير المفروضة بعد البعثة، أو لعله عَبَدَ الله حقاً مع رسول الله قبل البعثة سبع سنين إذا كان قد أسلم >عليه السلام< وهو ابن اثني عشر سنة أو حتى عشر سنين، حيث كان الرسول >صلى الله عليه وآله< يتعبد قبل البعثة وكان >صلى الله عليه وآله< على دين الحنيفية، فكان علي >عليه السلام< يَعْبُدُ الله معه >صلى الله عليه وآله<.

إلا أن يكون الصحيح في الرواية هو ما ذكره ابن بطريق أنه >صلى الله عليه وآله< قال: صلت الملائكة عليّ وعلى علي سبع سنين([100]).

ومهما يكن من أمر، فإن الكلمات الدالة على هذا الأمر كثيرة، كما أنه >عليه السلام< قد كتب هو نفسه بهذا الأمر إلى معاوية، وردده في كلماته الكثيرة المتضافرة([101]).

دليل آخر:

وإن احتجاجه >عليه السلام< بأنه أول من أسلم، واحتجاج أصحابه من الصحابة والتابعين بهذه الكثرة العجيبة على خصومهم في صفين وغيرها واهتمامهم الواضح بهذا الأمر ليدل على ذلك دلالة واضحة.

ولم نجد أحداً من أعدائه >عليه السلام< حاول إنكار ذلك، أو التشكيك فيه، أو طرح اسم رجل آخر على أنه هو صاحب هذه الفضيلة دونه، رغم توفر الدواعي لذلك، ورغم أن الطرف المقابل لا يتورع حتى عن الاختلاق والكذب على الرسول الأعظم >صلى الله عليه وآله<، بل على الله سبحانه وتعالى.

فلو أنهم عرفوا: أن كذبتهم هذه تجوز على أحد لكانوا لها من المبادرين، ولكن التسالم على هذا الأمر كان بحيث لا يمكنهم معه التوسل بأية حيلة، فكل ذلك يدل على أن ذلك قد كان أمراً مسلماً به ومجمعاً عليه، ولا يمكن إنكاره لأحد.

وكشاهد على هذا التسالم نذكر هنا حادثة واحدة فقط، جرت لسعد بن أبي وقاص، الذي كان منحرفاً عن علي >عليه السلام<، ـ كما سيأتي في معركة أحد إن شاء الله تعالى ـ ونترك ما عداها وهو كثير جداً، وهذه الحادثة هي أنه:

سمع رجلاً يشتم علياً، فوقف عليه وقرره بقوله: يا هذا، على ما تشتم علي بن أبي طالب؟ ألم يكن أول من أسلم؟ ألم يكن أول من صلى مع رسول الله >صلى الله عليه وآله<؟ ألم يكن أعلم الناس؟ الخ..([102]).

كما أن المقداد كان يتعجب من قريش لدفعها هذا الأمر عن أول المؤمنين إسلاماً، يعني علياً >عليه السلام<([103]).

خاتمة المطاف:

وأظن أن ما ذكرناه كافٍ ووافٍ في هذا المجال، ومن أراد المزيد فعليه بالمراجعة إلى الكتب المعدة لذلك.

وبعد هذا، فلا يصغى لقول النواصب والحاقدين، الذين يهتمون في طمس فضائله >عليه السلام< بكل وسيلة، ولو عن طريق الدجل والتزوير، ومنهم ابن كثير، الذي قال: >وقد ورد في أنه أول من أسلم أحاديث كثيرة، لا يصح منها شيء<([104]).

لا يا بن كثير: لقد تجنيت على الحقيقة وعلى التاريخ كل التجني، ولم تستطع أن تكتم ما يعتلج في صدرك من إحن، فجرّك ذلك إلى المكابرة، وإلى إنكار ما يكاد يلحق بالضروريات.

فإن الروايات الصحيحة والصريحة الدالة على هذا الأمر كثيرة وكثيرة جداً، كما يعلم بالمراجعة([105]).

القول بأن خديجة أول من أسلم:

ونجد في مقابل ذلك قولاً  آخر مفاده: أن خديجة كانت هي السباقة إلى الإسلام وأنها أول مخلوق آمن به، بل لقد ادعى البعض الإجماع على هذا القول([106]).

ولكنه قول مردود، لأن العديد من الروايات عن النبي >صلى الله عليه وآله<، وعن علي >عليه السلام<، وعن الصحابة والتابعين تعبر بأن علياً >عليه السـلام< أول من صلى، أو أول من آمن، أو أول الأمة أو الناس إسلاماً([107])، ولا يمكن أن يكون المقصود بالأمة أو الناس خصوص الرجال بناءً على هذا القول، ولا خصوص الصبيان، بناءً على قولٍ آخر يأتي.

 أبو بكر، وسبقه إلى الإسلام:

وبعد كل ما تقدم نعرف: أن ادعاء سبق غير أمير المؤمنين >عليه السلام< إلى الإسلام قد جاء متأخراً عن عهد الخلفاء الأربعة، ووضع بعد وفاة أمير المؤمنين >عليه السلام<، ولربما يكون قد حصل ذلك حينما كتب معاوية إلى الأقطار يأمرهم أن لا يدعوا فضيلة لعلي إلا ويأتوه بمثلها لغيره من الصحابة([108]).

ومن هنا، فإننا نعتقد: بأن القول بأولية إسلام أبي بكر، والمروي عن:

1 ـ ابن عباس.

2 ـ الشعبي.

3 ـ أبي ذر.

4 ـ عمرو بن عبسة.

5 ـ إبراهيم النخعي.

6 ـ حسان بن ثابت، الذي يروى عنه قوله:

إذا تـذكـرت شجــواً من أخي ثقـة                        فـاذكـر أخـاك أبـا بكر ومـا فعـلا

خير البـريـة أتقــاهــا وأعـدلهـــا               إلا الـنـبـي وأوفـاهـا بمـا  حصلا

والثـاني الصـادق المحمـود مشهده            وأول النـاس منهـم صدق الرسلا

عـاش حميـداً، لأمــر الله متـبـعــاً               بهدي صاحبه الماضي وما  انتقـلا([109])

نعم، إننا نعتقد: أن ذلك كله موضوع في وقت متأخر، تزلفاً للأمويين، كما أن شعر حسان هذا لا يبعد أن يكون منحولا‌ً، إذ لا يمكن أن يبادر إلى مخالفة ما كان متسالماً عليه بين الأمة، ولا سيما الصحابة منهم.

كما أننا نلاحظ: أن البيتين الأخيرين فيهما حشو ظاهر، وليس لهما صياغة منسجمة([110]).

ولربما يقال: إنهما بعيدان عن نَفَس حسان، وعن شاعريته، وعن سبكه، وطريقته ومما يدل على عدم صحة ذلك بالإضافة إلى ما تقدم:

أولاً: إنه قد تقدم: أن ابن عباس، والشعبي، وأبا ذر الذين روي عنهم القول بأولية أبي بكر هم أنفسهم يقولون:

إن أمير المؤمنين >عليه السلام< هو أول من أسلم، ويقول الإسكافي([111]):

إن حديثهم في علي أقوى سنداً، وأشهر من الحديث الآخر المنسوب إليهم في أبي بكر.

وأما رواية أبي ذر، وعمرو بن عبسة، فهي مضطربة، لأنها تذكر:

أن أبا ذر، وعمرو بن عبسة كلاهما ربع الإسلام، وأن بلالاً أسلم قبل أبي بكر، ولا تذكر علياً >عليه السلام<، ولا خديجة، وهذا يعني: أن بلالاً قد أسلم قبل خديجة وعلي؛ مع أن العكس هو الصحيح، فإذا كانت خديجة >رحمها الله< وعلي >عليه السلام< وبلال، وعمرو بن عبسة قد أسلموا أولاً؛ فأين يكون إسلام أبي بكر بعد هذا؟!

ثانياً: إن عائشة نفسها تعترف بأن أباها كان رابعاً في الإسلام، وقد سبقه إلى ذلك خديجة، وزيد بن حارثة، وعلي >عليه السلام<([112]).

ثالثاً: قد تقدم: أننا لم نجد أحداً يعترض على الصحابة، ولا على التابعين، ولا على أمير المؤمنين >عليه السلام< في احتجاجاتهم المتعددة على معاوية وغيره بأن علياً >عليه السلام< هو أول الأمة إسلاماً ـ لم نجد أحداً يعترض، ويقول: بل أبو بكر هو الأول.

وما روي من ذلك: من أن أبا بكر قد احتج به، فقد فنده العلامة الأميني في الغدير وأثبت أنه غير صحيح فليراجع([113]).

فإلى متى يدخرون هذه الحجة؟! ولماذا يدخرونها؟!

بل إننا لم نجد أبا بكر، ولا أحداً من أنصاره ومحبيه يحتج له بأنه أول من أسلم، رغم احتياجاتهم الشديدة إلى ذلك، ولا سيما في السقيفة؛ حيث لم يجدوا ما يحتجون به من فضائله إلا كونه كبير السن، وصاحب رسول الله >صلى الله عليه وآله< في الغار ـ كما احتج به صاحبه عمر، وغيره ثمة([114]) ـ وستأتي الإشارة إلى احتجاجاتهم تلك حين الحديث عن قضية الغار إن شاء الله تعالى.

هذا كله، عدا عن تصريح البعض بأن أبا بكر كان رابع أو خامس من أسلم([115]).

وعدا عن قول أمير المؤمنين علي >عليه السلام<: أنا الصديق الأكبر، أسلمت قبل أن يسلم أبو بكر([116]).

وعدا عن الرواية التي تقول: إن العباس قد أخبر عفيفاً بأنه لم يسلم سوى خديجة وعلي، فلو أن عفيفاً أسلم حينئذٍ كان في الإسلام ثانياً([117]).

رابعاً: إننا نقول: إن إسلام أبي بكر قد تأخر عن البعثة عدة سنوات ويدل على ذلك ـ ونحن نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم ـ الأمور التالية:

ألف ـ ما قـالـوه من أنه لمـا أسلم سماه النبي >صلى الله عليه وآلـه< صديقاً([118]) مع أن تسميته هذه ـ كما يدَّعون ـ إنما كانت بعد الإسراء حين صدقه أبو بكر وكذبته قريش([119]).

أو حين الهجرة في الغار (وكلاهما لا يصح أيضاً كما سيأتي في حديث الغار إن شاء الله تعالى).

وهم يدّعون: أن الإسراء كان بعد البعثة باثنتي عشرة سنة وإن كنا نحن نعتقد بخلاف ذلك.

وأنه كان في السنة الثانية أو الثالثة، كما سيأتي في الفصل الآتي.

ب ـ يروي البعض: أنه أسلم وآمن بعد الإسراء والمعراج فسمي يومئذٍ بـ >الصديق<([120]) مع قولهم: أن الإسراء والمعراج كان قبل الهجرة بقليل ـ كما سنرى ـ .

ج ـ لـقـد روى الطبري ـ بسند صحيح كـما يقول الأميني([121]) ـ عن محمد بن سعيد، قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أولكم إسلاماً؟

فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين([122]).

وهذا يعني: أنه قد أسلم بعد انتهاء الفترة الاختيارية للدعوة، وبعد خروجه >صلى الله عليه وآله< من دار الأرقم، لأنهم قد خرجوا بعد أن تكاملوا أربعين رجلاً، كما يقولون، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، حين الكلام حول إسلام عمر بن الخطاب.

د ـ ولسوف نذكر إن شاء الله في أواخر حديث الغار: أن أبا قحافة يذكر: أن ابن مسعود قد أسلم هو وجماعة قبل إسلام أبي بكر، وابن مسعود قد أسلم قبل إسلام عمر كما ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات.

هـ ـ لقد ورد: أنه >صلى الله عليه وآله< قد بعث وأبو بكر غائب في اليمن، قال أبو بكر، فقدمت مكة، وقد بعث النبي >صلى الله عليه وآله< فجاءني صناديد قريش، إلى أن قال:

>فقالوا: يا أبا بكر، أعظم الخطب، وأجل النوائب، يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي ولولا أنت ـ أو: ولولا انتظارك ـ ما انتظرنا به؛ فإذ قد جئت فأنت الغاية والكفاية<([123])، والذي عند أبي هلال، عن الشعبي، عن أشياخه، منهم جرير، في خبر طويل هو: >قال أبو بكر: فلما قدمت مكة استبشروا، وظنوا أنه فتح عليهم بقدومي فتح، واجتمعوا إلي، وشكوا أبا طالب، وقالوا: لولا تعرضه دونه لما انتظرنا به.

قلت: ومن تبعه على مخالفة دينكم؟

قالوا: بنو أبي طالب<([124]).

ولكن لنا تحفظ على هذا النص الذي يعطي لأبي بكر منزلة كبيرة في قريش، وهي منزلة لا يؤيد التأريخ أن أبا بكر كان قد بلغها أصلاً، كما سنشير إليه في موضعه.

و ـ وعن ابن إسحاق، قال: إن أبا بكر لقي رسول الله >صلى الله عليه وآله<، فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد، من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آباءنا إلخ.. ثم ذكر إسلام أبي بكر([125]).

وإن كنا نشك في صحة هذا النص الأخير، إذ أن رسول الله >صلى الله عليه وآله< لم يعبد تلك الآلهة قط، فما معنى سؤاله عن ذلك؟!

إلا إذا قلنا إنه لم يكن يتجاهر برفضها، فصح أن يسأله عن ذلك.

ويؤيد ذلك ما رواه المقدسي، قال: >إسلام أبي بكر ـ زعم بعض الرواة: أنه كان في تجارة له بالشام، فأخبره راهب بوقت خروج النبي >صلى الله عليه وآله< من مكة، وأمره باتباعه، فلما رجع سمع رسول الله يدعو إلى الله، فجاء وأسلم<([126]).

ويؤيد ذلك أيضاً قولهم: إن أبا بكر قال للنبي >صلى الله عليه وآله<: فقدت من مجالس قومك، واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها فدعاه >صلى الله عليه وآله< إلى الإسلام فأسلم([127]).

فكل ذلك يدل على أن إسلام أبي بكر كان بعد الفترة السرية وبتعبير أدق بعد (فترة الدعوة الاختيارية، وغير المفروضة) التي استمرت ثلاث أو خمس سنوات.

وبعد أن أنذر عشيرته الأقربين، وبعد أن أُمر بالصدع بالأمر، ودعوة الناس عامة.

وبعد تكفيره للآباء والأمهات.

وبعد عرض قريش على أبي طالب أن يقنع ولده بالعدول عن هذا الأمر.

وبعد عرضهم عليه ولداً آخر على أن يخلي بينه وبينهم.

وبعد وقوع المواجهة بين قريش وبينه، ثم قيام أبي طالب دونه، ولولا انتظارهم لأبي بكر ما انتظروا به، وكل ذلك يدل على أن إسلامه قد تأخر إلى السنة الرابعة أو الخامسة إن لم يكن بعد ذلك أيضاً؛ فقد قال أبو القاسم الكوفي:

إن أبا بكر قد أسلم بعد سبع سنين من البعثة([128]).

ولربما يكون ذلك صحيحاً أو قريباً من الصحيح، إذا أخذنا بالروايات المتقدمة الدالة على أنه قد أسلم بعد اشتداد المواجهة بين الرسول وبين المشركين، وقيام أبي طالب دونه، وبعد أكثر من خمسين رجلاً، فلربما يكون المراد بالخمسين هو خصوص من أسلم بعد الإعلان بالدعوة، أو بعد الهجرة إلى الحبشة.

وهكذا يتضح: أن القول بأن أبا بكر هو أول من أسلم لا يمكن إلا أن يكون من القول الجزاف، والدعوى الفارغة، ومن المختلقات التي افتعلت في وقت متأخر.

طريق جمع فاشل:

وقال البعض: الأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال([129]).

وهو كلام فارغ، بعد أن ثبتت أولية علي >عليه السلام< على كل أحد.

وقولهم: إنه أول من أسلم من الصبيان عجيب، وذلك لما يلي:

1 ـ إنه قد جاء عنه >عليه السلام<، وعن غيره القول: بأنه أول رجل أسلم([130])، مما يعني أنه كان حينئذٍ رجلاً بالغاً.

وقد قلنا: إنه قد أسلم وعمره عشر سنوات أو اثنتا عشرة سنة.

ومن الواضح: أن الرجولية والبلوغ لا ينحصر بالسن، فإن عمرو بن العاص ـ كما يقولون ـ كان يكبر ولده عبد الله باثنتي عشرة سنة فقط([131])، والراشد بالله قد وطئ جارية وهو ابن تسع سنين، فحملت منه كما يدَّعون([132]).

كما أن ثمة أقوالاً كثيرة في سن علي >عليه السلام< حين إسلامه، وقد رأينا الحافظ عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والكليني، والحسن البصري، والإسكافي وغيرهم كثير، يذكرون في سن علي رقماً يتراوح ما بين 12 سنة إلى 16 سنة، وبعضهم يتجاوز ذلك أيضاً؛ كما تقدم بيانه في مبحث ولادته >عليه السلام<.

2 ـ قد ذكر غير واحد: أن البلوغ قد حدد بعد الهجرة، أي في غزوة الخندق، في قضية رد ابن عمر وقبوله في الغزو، أما قبل ذلك فقد كان المعتمد هو التمييز والإدراك([133])، وعليه يدور مدار التكليف، والدعوة إلى الإسلام والإيمان وعدمه.

ولـولا أن أمير المؤمنين >عليه السلام< كـان في مستوى الإسلام والإيمان، لم يقدم النبي الأعظم >صلى الله عليه وآله< على دعـوتـه إلى الإسلام، ثم قبوله منه، وإلا لكان ذلك سفهاً، ولا يمكن صدور السفه من الرسول الأكرم >صلى الله عليه وآله<.

3 ـ بل إننا نستطيع أن نستفيد من دعوته إلى الإسلام وهو صبي امتيازاً له خاصاً، يؤهله لأن يكون هو الوصي له >صلى الله عليه وآله<، أوليس قد تكلم عيسى في المهد صبياً، ويحيى أيضاً قد أوتي الحكم صبياً كما نص عليه القرآن؟

4 ـ وأيضاً، لو كان الأمر كما ذكروه؛ فلا يبقى معنى لقول النبي >صلى الله عليه وآله< عنه: إنه أول من أسلم، أو: أولكم إسلاماً؛ فإن معنى ذلك هو أن أوليته بالنسبة إلى النساء والرجال والعبيد والأحرار على حد سواء.

5 ـ وأخيراً، فإن هذا الورع المصطنع لم يوجد إلا عند هؤلاء المتأخرين، ولم نجد أحداً واجه احتجاج أمير المؤمنين والصحابة والتابعين بحجة من هذا القبيل، ولعله لم يكن لديهم ورع يبلغ ورع هؤلاء الغيارى على أبي بكر وعلى فضائله!!.

هدف الورعين (!!!) من الجمع بين الروايات.

ونستطيع أن نرجح: أن هدف أولئك الورعين من هذا الجمع بين الروايات هو إظهار:

أن إسلام غير علي >عليه السلام< كان أفضل من إسلامه، لأن إسلام غيره كان عن تدبر وتعقل، ونظر وتبصر، أما أمير المؤمنين >عليه السلام<، فقد كان إسلامه عن طيش وتقليد، كما هو شأن الصبيان كما ذكره الجاحظ([134]).

ولا نريد أن نفيض في الرد على هذه المزعمة، فإن إسلام علي >عليه السلام< كان عن تدبر وتعقل، وعن تفكير وتأمل وقد أسلم استناداً إلى فكره ورأيه، ولم يستشر حتى أباه رضوان الله تعالى عليه([135])، وقد أجاب الإسكافي وابن طاووس عن كلام الجاحظ بما فيه الكفاية، فليراجع([136]).

تنبيه:

وبالمناسبة فإن من الملاحظ: أن عمر بن الخطاب كان يعتبر البلوغ بالشبر؛ فمن بلغ ستة أشبار أجرى عليه الأحكام، ومن نقص عنها ولو أنملة تركه، وكذلك كان رأي ابن الزبير أيضاً([137]).

وعلى ذلك جرى العباسيون من بعد، فقد أمر إبراهيم الإمام العباسي أبا مسلم الخراساني: أن يقتل في خراسان كل من يتهمه، إذا كان قد بلغ خمسة أشبار([138]).

ونحن لا نريد التعليق على هذا، ونكل ذلك إلى القارئ نفسه؛ ليحكم حسبما يقتضيه ضميره ووجدانه.

مقارنة، وهدف:

وجدير بالملاحظة هنا: أن البعض يذكر: أن النبي >صلى الله عليه وآله< قال لعلي >عليه السلام<: