الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ  1426 هـ . ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الــصــحـيـــح

من سيرة النبي الأعظم

(صلى الله عليه وآله)

 

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

 

الجزء الرابع

 

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل السابع:

 

أبــو طـــالــب ×

 

البحث الأول

أبو طالب × مؤمن قريش

 

إيمان أبي طالب × عند أهل البيت ^:

لا بد لنا هنا من الحديث بإيجاز عن موضوع ما زال بين أخذ ورد بين المسلمين ألا وهو إيمان أبي طالب «رحمه الله»، فمن مؤيد، ومن منكر.

فأما أهل البيت «عليهم السلام» وشيعتهم، فإنهم مجمعون على إيمانه وإسلامه «عليه السلام»([1])، بل في بعض الأحاديث عنهم «عليهم السلام»: أنه من الأوصياء([2])، وأن نوره يطغى في يوم القيامة على كل نور، ما عدا نور النبي محمد «صلى الله عليه وآله»، والأئمة «عليهم السلام»، والسيدة فاطمة الزهراء «عليها السلام»([3]).

أهل البيت ^ أدرى:

والأحاديث الدالة على إيمانه، والواردة عن أهل بيت العصمة «عليهم السلام» لا تنحصر بما ذكرناه في هذه الدراسة، وقد جمعها العلماء في كتب مفردة([4]).

وقد ذكر العلامة المجلسي في كتابه العظيم «بحار الأنوار» والطبسي في كتاب «منية الراغب» وكذلك الخنيزي في كتاب «أبو طالب مؤمن قريش» وصاحب كتاب: «مواهب الواهب» وغيرهم الشيء الكثير جداً مما يدل على إيمانه صلوات الله وسلامه عليه..

ونحن سوف نقتصر في هذا المعرض على أقل القليل من ذلك ونحيل من أراد التوسع إلى كتاب البحار الآنف الذكر، وإلى غيره..

غير أننا نقول هنا: إن هذه الأخبار هي من الكثرة والصراحة بحيث تعطي الانطباع الحاسم عما لأبي طالب من شأن عظيم، ومقام كريم عند الله تعالى.

وواضح: أن أهل البيت أدرى بما فيه من كل أحد.

يقول ابن الأثير: «وما أسلم من أعمام النبي «صلى الله عليه وآله» غير حمزة والعباس، وأبي طالب عند أهل البيت»([5]).

تآليف في إيمان أبي طالب ×:

وعدا عن ذلك، فما أكثر الأدلة الدالة على إيمانه، وقد أُلف في إثبات إيمانه الكثير من الكتب من السنة والشيعة على حد سواء.

وقد أنهاها بعضهم إلى ثلاثين كتاباً، ومنها كتاب: «أبو طالب مؤمن قريش» للأستاذ عبد الله الخنيزي، الذي كاد أن يدفع مؤلفه حياته ثمناً له، حين حاول الوهابيون اتخاذ ذلك ذريعة للتخلص منه، فتداركه الله برحمته، وتخلص من شرهم.

هذا عدا عن البحوث المستفيضة المبثوثة في ثنايا الكتب والموسوعات، ونخص بالذكر هنا ما جاء في كتاب الغدير للعلامة الأميني قدس سره..([6]).

وقد نقل العلامة الأميني عن جماعة من أهل السنة: أنهم ذهبوا إلى ذلك أيضاً، وكتبوا الكتب والبحوث في إثبات ذلك، كالبرزنجي في أسنى المطالب([7]) والأجهوري، والإسكافي، وأبي القاسم البلخي، وابن وحشي في شرحه لكتاب: شهاب الأخبار، والتلمساني في حاشية الشفاء، والشعراني، وسبـط ابن الجـوزي، والقـرطبـي، والسبـكي، وأبي طـاهـر، والسيوطي، وغيرهم.

بل لقد حكم عدد منهم ـ كابن وحشي والأجهوري، والتلمساني ـ بأن من أبغض أبا طالب فقد كفر، أو من يذكره بمكروه فهو كافر([8]).

من أدلة إيمان أبي طالب ×:

ونحن نذكر فيما يلي طرفاً من الأدلة على إيمان أبي طالب، فنقول:

أهل البيت ^ أعرف:

وقد تقدم بعض ما روي عن الأئمة «عليهم السلام»، والنبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» مما يدل على إيمانه، وقد قلنا:

إن أهل البيت أدرى بما فيه، وأعرف بأمر كهذا من كل أحد.

التضحيات والمواقف:

ويدل على ذلك أيضاً: ما تقدم من مناصرته للنبي «صلى الله عليه وآله»، وتحمله المشاق والصعاب العظيمة، وتضحيته بمكانته في قومه، وحتى بولده، وتوطينه نفسه على خوض حرب طاحنة تأكل الأخضر واليابس في سبيل هذا الدين..

ولو كان كافراً؛ فلماذا يتحمل كل ذلك؟!

ولماذا لم نسمع عنه ولو كلمة عتاب أو تذمر مما جرَّه عليه النبي محمد «صلى الله عليه وآله»؟!.

واحتمال: أن يكون قد طمع بمقام دنيوي أعظم.

يرده: أن الطامع إنما يسعى للحفاظ على حياته لينال ما طمع به، أما أبو طالب فكان على استعداد لأن يقتل هو وجميع أولاده، وعشيرته في سبيل هذا الدين.

تشنيع الأعداء:

وقد استدل سبط ابن الجوزي على إيمانه بأنه لو كان أبو الإمام علي «عليه السلام» كافراً لكان شنع عليه معاوية وحزبه، والزبيريون وأعوانهم، وسائر أعدائه «عليه السلام»، مع أنه «عليه السلام» كان يذمهم، ويزري عليهم بكفر الآباء والأمهات، ورذالة النسب([9]).

أشعاره الصريحة بالإيمان:

أما تصريحاته وأقواله الكثيرة جداً؛ فإنها كلها ناطقة بإيمانه وإسلامه.

ويمكننا أن ندَّعي: أن هذه التصريحات قد جاءت بعد قضية إسلام حمزة، أو بعد الهجرة إلى الحبشة.

أما قبل ذلك فكان «عليه السلام» يعمل بالتقية أمام قريش على الخصوص.

ويكفي أن نذكر نموذجاً من أشعاره التي عبر عنها ابن أبي الحديد المعتزلي بقوله: إن كل هذه الأشعار قد جاءت مجيء التواتر، من حيث مجموعها([10]).

فمن الشواهد على توحيده، قوله:

مليـك النــاس ليس لــه شريـك         هو الــوهــاب، والمبـدي  المعـيـد

ومـن تـحـت الســماء لــه بحـق        ومـن فـوق الـسـمــاء لــه عبيـد

ومن الشواهد على إيمانه بنبوة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، نذكر:

1ـ ألم تعلمـوا: أنـا وجـدنـا محمداً             نبيـاً كمـوسى خط في أول  الكتب

2ـ نـبـي أتـاه الـوحي من عند ربه              ومن قـال: لا، يقرع بهـا  سن نادم

3ـ يــا شـاهـد الله علي فـاشـهــد                إنـي عـلى ديــن النبي  أحــمـــد

أنـت الرسـول رسول الله نعلمه             عليـك نــزل من ذي العزة الكتب

5ـ أنــت الـــنــبـي مــحــمــد             قـــــرم أغـــــر مــــســــــوَّد

6ـ أو تـؤمنـوا بكتاب منزل عجب              على نبي كمـوسى أو كـذي  النون

7ـ وظـلم نبي جاء يدعو إلى الهدى   وأمر أتى من عند ذي الـعرش قيم

8 ـ لـقـد أكـرم الله النـبـي محـمـداً              فـأكـرم خـلـق الله في الناس أحمـد

9ـ وخــيــر بنـي هــاشـم أحمــد رســول الإلـــه عـلـى فــتــرة([11])

10ـ والله لا أخــذل الــنــبـي ولا                يــخــذلـه مـن بـني ذو حـسـب

11ـ وقال «رحمه الله» يخاطب ملك الحبشة، ويدعوه إلى الإسلام:

أتعلـم مـلك الحبش أن محمـداً نبياً              كـمـوسى والمسيح  ابـن  مــريــم

أتـى بـالهـدى مثل الـذي أتيـا بــه              فكـل بـأمــر الله يهــدي ويعصـم

وإنــكـم تتلـونـه في كـتـابـكـــم          بصدق حديث لا  حديث الترجـم

فــلا تجـعـلـوا لله نــداً فــأسلمـوا        فــإن طـريــق الحـق ليس بمظلم

12ـ وقال مخاطباً أخاه حمزة «رحمه الله»:

فـصـبراً أبـا يـعـلى عـلى ديـن أحمد                      وكن مظهراً للـديـن وفقت صابرا

وحـط مـن أتـى بـالحـق مـن عنـد ربه                   بصدق وعـزم لا تكن حمز  كـافـرا

فـقـد سـرني أن قلت: إنـك مؤمن                فكن  لـرســول الله في الله نــاصرا

وبـاد قـريشــاً في الـذي قـد أتـيـته              جهـاراً،  وقل: ما كان أحمد ساحرا

13 ـ نصرت الرسول رسول المليك                     ببـيض تـلالاً كـلــمع الـــبـروق

أذب وأحــمــى رســول الإلــــه          حـمـايــة حــام عـلـيــه شـفـيق

14 ـ لقد علموا: أن ابننا لا مكذب             لدينـا ولا نعبـأ بقـول الأبــاطــل

15ـ أقـيـم عـلى نـصـر النبي محمد                      أقـاتـل عنه بـالقنـا والقـنـــابــل

16ـ أنـت ابـن آمـنـة النبي محمــد                       عـنـدي بمـثـل مــنــازل   الأولاد

17ـ ألا إن أحـمـد قـد جــاءهـم                  بحق ولـم يــأتــهــم بـالـكـذب

18ـ أوصـي بـنـصر نبي الخير مشهده              علياً ابني وشيخ القـوم  عبــاســـا

19ـ ودعـوتـنـي وعلمت أنك صادق        ولـقــد صدقت وكنت ثـم  أمينـا

ولـقـد عـلـمـت بأن دين محمد من                        خــيـر أديــان الـبــريــة ديـنـــا

وأشعار أبي طالب «عليه السلام» الناطقة بإيمانه كثيرة، وقد اقتصرنا منها على هذا القدر؛ لنفسح المجال لذكر لمحة عن سائر ما قيل، ويقال في هذا الموضوع.

مدائح أبي طالب × للنبي :

قال المعتزلي: «قلت: كان صديقنا علي بن يحيى البطريق «رحمه الله» يقول: لولا خاصة النبوة وسرها لما كان مثل أبي طالب، وهو شيخ قريش، ورئيسها، وذو شرفها، يمدح ابن أخيه محمداً وهو شاب قد ربي في حجره، وهو يتيمه ومكفوله، وجارٍ مجرى أولاده بمثل قوله:

وتـلقـوا ربـيـع الأبطحـين محـمـداً              عـلى ربـوة في رأس عـنقـاء عيطل

وتــأوي إلـيـه هــاشـم إن هـاشماً              عـرانـين كـعـب آخـر بـعـد أول

ومثل قوله:

وأبـيـض يـسـتـسقى الغمام بوجهه    ثـمـال اليـتـامى عصمـة للأرامـل

يـطـيـف بـه الهـلاك مـن آل هاشم      فـهـم عـنـده في نـعمة وفـواضـل

فإن هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذنابى من الناس، وإنما هو من مديح الملوك والعظماء.

فإذا تصورت: أنه شعر أبي طالب، ذاك الشيخ المبجل العظيم في النبي محمد «صلى الله عليه وآله»، وهو شاب مستجير به، معتصم بظله من قريش، قد رباه في حجره غلاماً، وعلى عاتقه طفلاً، وبين يديه شاباً، يأكل من زاده، ويأوي إلى داره، علمت موضع خاصية النبوة وسرها، وأن أمره كان عظيماً»([12]).

كما أن قصيدته اللامية تلك التي يقول فيها:

وأبـيـض يـسـتـسـقى.. الخ..                     ......

وهي طويلة، وكان بنو هاشم يعلمونها أطفالهم([13])، فيها الكثير مما يدل على إيمانه العميق الصادق، وقد ذكرها ابن هشام وابن كثير، وغيرهما.

وهي ظاهرة الدلالة على عظمة الرسول «صلى الله عليه وآله» في نفس أبي طالب «عليه السلام»، وهي عظمة أوجبت خضوع قلبه له «صلى الله عليه وآله»، وتعامله معه تعامل التابع، المؤمن المصدق، والمسرور بهذا الإيمان، والمبتهج بذلك التصديق، والملتذ بذلك الانقياد.

النار محرمة على أبي طالب ×:

ومما يدل على إيمانه ما روي عنه «صلى الله عليه وآله»: أن الله عز وجل قال له على لسان جبرائيل: حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك.

أما الصلب فعبد الله، وأما البطن فآمنة، وأما الحجر فعمه، يعني أبا طالب «عليه السلام»، وفاطمة بنت أسد، وبمعناه غيره مع اختلاف يسير([14]).

النبي يحب عقيلاً حبين:

ومما يدل دلالة واضحة على إيمانه: حب النبي «صلى الله عليه وآله» إياه، حتى لقد روي عن ابن عباس؛ قال: قال علي «عليه السلام» للنبي «صلى الله عليه وآله»: إنك لتحب عقيلاً.

قال: إي والله إني لأحبه حبين، حباً له، وحباً لحب أبي طالب له، وإن ولده لمقتول في محبة ولدك.. الخ..([15]).

ورسول الله «صلى الله عليه وآله» لا يحب أعداء الله سبحانه، ولا يحب إلا من يحبه الله.

كان على دين الله:

وكان الإمام علي «عليه السلام» يعجبه أن يروى شعر أبي طالب «عليه السلام»، وأن يدوَّن، وقال: تعلموه، وعلموه أولادكم، فإنه كان على دين الله، وفيه علم كثير([16]).

المسلم المؤمن:

وعن أبي بصير عن الإمام الباقر «عليه السلام»، قال: مات أبو طالب بن عبد المطلب مسلماً مؤمناً([17]).

خلاصة جامعة:

وبعد كل ما تقدم نقول: إن إسلام أي شخص أو عدمه، إنما يستفاد من أمور أربعة:

1 ـ من مواقفه العملية، ومعلوم أن مواقف أبي طالب «عليه السلام»، قد بلغت الغاية التي ما بعدها غاية في الوضوح والدلالة على إخلاصه وتفانيه في الدفاع عن هذا الدين.

2 ـ من إقراراته اللسانية بالشهادتين، وقد تقدم قدر كبير من ذلك في شعره وفي غيره في المناسبات المختلفة.

3 ـ من موقف نبي الإسلام ورائد الحق الذي لا ينطق عن الهوى، والموقف الرضي هذا أيضاً ثابت منه «صلى الله عليه وآله» تجاه أبي طالب «عليه السلام» على أكمل وجه.

4 ـ من إخبار المطلعين على أحواله عن قرب، وعن حس، كأهل بيته، ومن يعيشون معه.

وقد قلنا: إنهم مجمعون على ذلك.

بل إن نفس القائلين بكفره لما لم يستطيعوا إنكار مواقفه العملية، ولا الطعن بتصريحاته اللسانية، حاولوا: أن يخدعوا العامة بكلام مبهم، لا معنى له؛ فقالوا: «إنه لم يكن منقاداً»!!([18]).

كل ذلك رجماً بالغيب، وافتراء على الحق والحقيقة، من أجل تصحيح ما رووه عن المغيرة بن شعبة وأمثاله من أعداء آل أبي طالب «عليه السلام»، كما سنشير إليه حين ذكر أدلتهم الواهية إن شاء الله تعالى.

رواياتهم تدل أيضاً على إيمانه:

ومن أجل أن نوفي أبا طالب «عليه السلام» بعض حقه، نذكر بعض ما يدل على إيمانه من الروايات التي رويت في مصادر غير الشيعة عموماً ونترك سائره، وهو يعد بالعشرات، لأن المقام لا يتسع لأكثر من أمثلة قليلة معدودة، نجملها في العناوين التالية:

النبي يرجو الخير لأبي طالب ×:

قال العياض: يا رسول الله، ما ترجو لأبي طالب؛ قال: كل الخير أرجوه من ربي([19]).

أبو بكر فرح بإسلام أبي طالب ×:

جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقوده، وهو شيخ أعمى، يوم فتح مكة.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: ألا تركت الشيخ في بيته حتى نأتيه؟!

قال: أردت أن يؤجره الله، لأنا كنت بإسلام أبي طالب أشد فرحاً مني بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرة عينك الخ([20]).

والعلامة الأميني في الغدير، لا يوافق على أن يكون الرسول «صلى الله عليه وآله» قد قال لأبي بكر: ألا تركت الشيخ حتى نأتيه.

ونحن نوافقه على ذلك أيضاً، فإن الشيوخ الذين أسلموا على يديه «صلى الله عليه وآله» كثيرون، وكان إسلام كثير منهم أصح من إسلام أبي قحافة.

وربما تكون هذه العبارة زيادة من بعض المتزلفين، كما عودونا في أمثال هذه المناسبات.

التشهد قبل الموت:

قال المعتزلي: «روي بأسانيد كثيرة، بعضها عن العباس بن عبد المطلب، وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة: أن أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله»([21]).

وتقدم في شعره تصريحات كثيرة بذلك أيضاً.

استغفار النبي لـه:

وفي المدينة حينما استسقى النبي «صلى الله عليه وآله» لأهلها، فجاءهم الغيث، ذكر «صلى الله عليه وآله» أبا طالب «عليه السلام»، وقال «صلى الله عليه وآله»:

لله در أبي طالب، لو كان حياً لقرت عينه، من ينشدنا قوله.. فأنشده الإمام علي «عليه السلام» من قصيدته أبياتاً فيها قوله:

وأبيض يستسقى الغمــام بوجهـه              ثمـال اليتـامى عصمة لــلأرامــل

ورسول الله «صلى الله عليه وآله» يستغفر لأبي طالب «عليه السلام» على المنبر([22]).

تشييع جنازته ومراسم دفنه:

ولما مات أبو طالب «عليه السلام» تبع رسول الله «صلى الله عليه وآله» جنازته، مع أنهم يروون أن ثمة نهياً عن المشي في جنازة المشرك.

كما أنهم يروون أنه «صلى الله عليه وآله» أمر الإمام علياً «عليه السلام» بأن يغسله ويكفنه ويواريه([23]).

وحين التشييع اعترض النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» نعشه، وقال برقة وحزن وكآبة: وصلت رحماً، وجزيت خيراً يا عم، فلقد ربيت وكفلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً([24]).

لماذا لم يأمر بالصلاة عليه؟:

وإنما لم يأمر علياً «عليه السلام» بالصلاة عليه، لأن صلاة الجنازة لم تكن فرضت بعد.

ولأجل ذلك قالوا: إن خديجة لم يصل عليها النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» حينما توفيت، مع أنها سيدة نساء العالمين.

وقد فصلت ذلك: الرواية التي رواها علي بن ميثم، عن أبيه عن جده: أنه سمع علياً «عليه السلام» يقول: تبع أبو طالب عبد المطلب في كل أحواله حتى خرج من الدنيا وهو على ملته، وأوصاني أن أدفنه في قبره، فأخبرت رسول الله «صلى الله عليه وآله» بذلك، فقال: اذهب فواره، وانفذ لما أمرك به.

فغسلته، وكفنته، وحملته إلى الجحون، ونبشت قبر عبد المطلب، فرفعت الصفيح عن لحده، فإذا هو موجه إلى القبلة، فحمدت الله تعالى على ذلك، ووجهت الشيخ، وأطبقت الصفيح عليهما، فأنا وصي الأوصياء وورثت خير الأنبياء.

قال ميثم: والله ما عَبَدَ علي، ولا عَبَدَ أحد من آبائه غير الله تعالى، إلى أن توفاهم الله تعالى([25]).

رثاء علي × لأبيه:

وقد رثاه ولده الإمام علي «عليه السلام» حينما توفي بقوله:

أبــا طــالـب عـصـمـة المستجـير       وغـيـث المحول ونـور الـظـلــم

لقـد هــدّ فـقـدك أهــل الحـفـاظ           فـــصــلى عــليـك ولـي النـعم

ولــقـــاك ربـــك رضــــوانـــه            فـقـد كنت للطهر مـن خير عم([26])

ولا أبو سفيان كأبي طالب ×:

وكتب أمير المؤمنين «عليه السلام» رسالة مطولة لمعاوية جاء فيها:

«ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق»([27]).

فإذا كان أبو طالب «عليه السلام» كافراً وأبو سفيان مسلماً، فكيف يفضل الكافر على المسلم، ثم لا يرد عليه ذلك معاوية بن أبي سفيان؟.

ولكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً؛ فإن أبا سفيان هو الذي قال: «إنه لا يدري ما جنة ولا نار» كما ذكرناه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم في أواخر غزوة أحد([28]).

ويلاحظ هنا أيضاً: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» يشير في كلامه الآنف الذكر إلى عدم صفاء نسب معاوية، ولهذا البحث مجال آخر.

أبو طالب × الداعية إلى الإسلام:

كما أن أبا طالب «عليه السلام» الذي يدعو ملك الحبشة إلى الإسلام، هو الذي دعا ولده جعفر إلى ذلك، وأمره بأن يصل جناح ابن عمه في الصلاة([29]).

وهو أيضاً الذي دعا زوجته فاطمة بنت أسد إلى الإسلام([30]).

وأمر حمزة بالثبات على هذا الدين، وأظهر سروره بإسلامه ومدحه على ذلك.

وكذلك الحال بالنسبة لولده أمير المؤمنين «عليه السلام».

الاعتراف بممارسة التقية:

وقد صرح أبو طالب «عليه السلام» في وصيته بأنه كان قد اتخذ سبيل التقية في شأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» من قريش، وأن ما جاء به الرسول «صلى الله عليه وآله» قد قبله الجنان وأنكره اللسان؛ مخافة الشنآن، وأوصى قريشاً بقبول دعوة الرسول، ومتابعته على أمره، ففي ذلك الرشاد والسعادة([31]).

موقف النبي من أبي طالب ×:

ثم هناك ترحم النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» عليه، واستغفاره له باستمرار، وجزعه عليه عند موته([32]).

ولا يصح الترحم إلا على المسلم، ولأجل ذلك قال «صلى الله عليه وآله» لسفانة بنت حاتم الطائي: لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه([33]).

أنا على دين أبي طالب ×:

وحمل محمد بن الحنفية يوم الجمل على رجل من أهل البصرة، قال: فلما غشيته قال: أنا على دين أبي طالب، فلما عرفت الذي أراد كففت عنه([34]).

شفاعة النبي لـه:

وورد عنه «صلى الله عليه وآله» أيضاً قوله: إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي، وأمي، وعمي أبي طالب، وأخ لي كان في الجاهلية([35]).

فإن الشفاعة لا تحل لمشرك، كما سيأتي.

إقراره على زواجه بمسلمة:

وسئل الإمام السجاد «عليه السـلام» عن إيـمان أبي طـالب «عليه السلام»، فقال: واعجباً، إن الله نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر؛ وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام، ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات([36]).

ونزول آية النهي عن الإمساك بعصم الكوافر في المدينة لا يوجب بطلان هذه الرواية، لإمكان أن يكون النهي عن ذلك نهياً قولياً على لسانه «صلى الله عليه وآله»، قبل نزول القرآن.

وعدم خضوع بعض المسلمين لذلك حينئذ ربما كان لظروف معينة فرضت عليهم ذلك.

من لم يقر بإيمان أبي طالب ×:

وأخيراً، فقد كتب بعضهم يسأل الإمام علي بن موسى الرضا «عليه السلام» عن إسلام أبي طالب «عليه السلام»، فإنه قد شك في ذلك، فكتب «عليه السلام» إليه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بعد ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ([37]).

وبعدها: إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار([38]).

دفاع النبي عن أبي طالب ×:

وسيأتي في غزوة بدر: أن الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله» لم يقبل من شهيد بدر عبيدة بن الحارث أن يعرض بعمه أبي طالب «عليه السلام»، ولو بمثل أن يقول: إني أولى بما قال منه.

بعد قتل الفرسان الثلاثة:

وفي بدر العظمى، وبعد قتل عتبة وشيبة والوليد، وقطع رجل عبيدة بن الحارث، حمل حمزة والإمام علي «عليهما السلام» عبيدة بن الحارث من المعركة، وأتيا به إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وألقياه بين يديه، وإن مخ ساقه ليسيل، فاستعبر، وقال: يا رسول الله، ألست شهيداً؟!

قال: بلى، أنت أول شهيد من أهل بيتي (مما يشير إلى أنه لسوف تأتي قافلة من الشهداء من أهل بيته «صلى الله عليه وآله»، وهكذا كان).

فقال عبيدة: أما لو كان عمك حياً لعلم أني أولى بما قال منه، قال: وأي أعمامي تعني؟

قال: أبو طالب، حيث يقول:

كــذبـتــم وبـيـت الله يُبْـزى محمد               ولمـا نطــاعـن دونــه وننـاضــل

ونـســلــمــه حتى نـصـرع دونـه                ونــذهـل عـن أبنـائنـا والحـلائل

فقال «صلى الله عليه وآله»: أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله، وابنه الآخر في جهاد الله بأرض الحبشة؟!.

قال: يا رسول الله، أسخطت علي في هذه الحالة؟

قال: ما سخطت عليك، ولكن ذكرت عمي، فانقبضت لذلك([39]).

وبلغ عبيدة مع النبي «صلى الله عليه وآله» الصفراء، فمات، فدفن بها..

وقد روى كثير من المؤرخين هذه القضية من دون ذكر القسم الأخير منها.

قالوا: ونزل في هؤلاء الستة قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ([40]).

وفي البخاري: أن أبا ذر كان يقسم: أنها نزلت فيهم([41]).

ونزل في علي، وحمزة، وعبيدة أيضاً قوله تعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ([42]).

وقيل: نزلت في علي وحده([43]).

وثمة عدة آيات أخرى نزلت في بدر في الثناء على أمير المؤمنين «عليه السلام»([44]) فراجع.

غضب النبي لأبي طالب ×:

ونقول:

إنه إذا كان الرسول «صلى الله عليه وآله» يغضب لذكر عمه، ولو بهذا النحو من التعريض المهذب، والمحدود، فماذا سيكون موقفه ممن يرمي أبا طالب «عليه السلام» بالشرك والكفر، ويعتبره مستحقاً للعذاب الأليم في نار الله المؤصدة؟! وفي ضحضاح من نار يغلي منه دماغه؟!

فهل تراه سوف يكون مسروراً ومرتاحاً لهذا الكلام، الذي لا سبب له إلا السياسة، وما أدراك ما السياسة؟!

وما لأحد عنده من نعمة تجزى:

ثم إننا نجد النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه يقول: «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة»([45]).

كما أنه «صلى الله عليه وآله» قد رد هدية حكيم بن حزام؛ لأنه كان مشركاً، قال عبيد الله:

حسبت أنه قال: إنا لا نقبـل من المشركين شيئـاً، ولكن إن شئت أخذناها بالثمن([46]).

ورد أيضاً هدية عامر بن الطفيل، لأنه لم يكن قد أسلم بعد.

ورد أيضاً هدية ملاعب الأسنة، وقال: لا أقبل هدية مشرك([47]).

عن عياض المجاشعي: أنه أهدى إلى النبي هدية فأبى قبولها، وقال: إني نهيت عن زبد المشركين([48]).

ولم يكن ذلك منه «صلى الله عليه وآله» إلا لأن قبولها يوجب احتراماً ومودة من المهدى إليه بالنسبة لمن أهدى.

ملاحظة: معالجة رواية الكشي:

إلا أن الكشي ذكر رواية تقول: «إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لم يرد هدية على يهودي ولا نصراني»([49]).

وهذا إن صح فهو يشير إلى الفرق بين هدية الكتابي وهدية المشرك، فكان «صلى الله عليه وآله» يرد هدية الثاني، دون الأول، وذلك يدل على عدم صحة قوله لهم: إنه «صلى الله عليه وآله» في هدنة الحديبية قد استهدى أبا سفيان أدماً([50]).

 

البحث الثاني

أبو طالب × المظلوم المفترى عليه

 

الأدلة الواهية:

لقد حاول الذين يشتهون إثبات كفر أبي طالب «عليه السلام» أن يتشبثوا بطحالب واهية زعموا: أنها أدلة، نشير ههنا إليها، فنقول:

1 ـ حديث الضحضاح:

عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي «صلى الله عليه وآله»، وقد ذكر عنده عمه، فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح([51]) من نار، يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه.

وحسب نص آخر: أن العباس قال للنبي «صلى الله عليه وآله»: ما أغنيت عن عمك؟! فوالله كان يحوطك ويغضب لك!!.

قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار([52]).

ونقول:

أولاً: لقد ناقش كل من الأميني والخنيزي جميع أسانيد هذه الرواية، وبيَّنا وهنها وضعفها، وتناقض نصوصها العجيب، إلى حد أن بعض الروايات تجزم بأنه قد جعل في ضحضاح من نار، وأن الشفاعة قد نفعته فعلاً.

لكن بعضها الآخر يقول: لعله تنفعه شفاعتي، فيجعل في ضحضاح يوم القيامة.

ونحن نحيل القارئ الذي يرغب في التوسع إلى ما ذكره الأميني والخنيزي في كتابيهما حول هذا الموضوع([53]).

ثانياً: إنه إذا كان «صلى الله عليه وآله» قد نفع أبا طالب «عليه السلام»، وأخرجه من الدرك الأسفل إلى الضحضاح؛ فلماذا لا يتمم معروفه هذا، ويخرجه من هذا الضحضاح أيضاً؟!.

ثالثاً: لقد رووا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد طلب من أبي طالب حين حضرته الوفاة: أن يقول كلمة لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ ليستحل له بها الشفاعة يوم القيامة، فلم يعطه إياها.

فهذا يدل على أنه قد أناط «صلى الله عليه وآله» مطلق الشفاعة بكلمة لا إله إلا الله([54]).

فلماذا استحل هذه الشفاعة، مع أنه لم يعطه الكلمة التي توجب حليتها؟!.

رابعاً: إنهم يروون: أن الشفاعة لا تحل لمشرك، فلماذا حلت لهذا المشرك بالذات، بحيث أخرجته من الدرك الأسفل إلى الضحضاح؟([55]).

خامساً: قال المعتزلي: إن الإمامية والزيديـة «قالوا: وأما حديث الضحضاح، فإنما يرويه الناس كلهم عن رجل واحد، وهو المغيرة بن شعبة، وبغضه لبني هاشم، وعلي «عليه السلام» بالخصوص مشهور ومعلوم، وقصته وفسقه غير خاف»([56]).

غير أننا نقول: إنه يمكن المناقشة في ذلك بأنهم قد رووا ذلك عن غير المغيرة أيضاً، فراجع البخاري وغيره.

فلعل رواية غير المغيرة قد حدثت في وقت متأخر بهدف تكذيب الشيعة، ونقض استدلالهم، فتلقفها البخاري.

وذلك لأن من غير المعقول أن يورد الشيعة على غيرهم بذلك إن لم يكن له واقع..

وقد سكت المعتزلي عن هذا الرد، وعن جوابه، وكأنه يحتمل ما احتملناه، ولو وسعه التأكيد على الرد لفعل.

سادساً: سئل الإمام الباقر «عليه السلام» عما يقوله الناس: إن أبا طالب في ضحضاح من نار؟

فقال: لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان، وإيمان هذا الخلق في كفة أخرى لرجح إيمانه.

ثم قال: ألم تعلموا: أن أمير المؤمنين علياً «عليه السلام» كان يأمر أن يحج عن عبد الله، وابنه، وأبي طالب في حياته، ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم([57])؟!

سابعاً: سئل الإمام علي «عليه السلام» في رحبة الكوفة عن كون أبيه معذباً في النار أو لا، فقال للسائل: مه، فض الله فاك!! والذي بعث محمداً بالحق نبياً، لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله فيهم. أبي معذب في النار، وابنه قسيم الجنة والنار؟!([58]).

ثامناً: روى عبد العظيم بن عبد الله العلوي: أنه كان مريضاً، فكتب إلى أبي الحسن الرضا «عليه السلام»: عرفني يا بن رسول الله عن الخبر المروي: أن أبا طالب في ضحضاح من نار، يغلي منه دماغه.

فكتب إليه الرضا «عليه السلام»: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد، إن شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار([59]).

تاسعاً: بالإسناد إلى الكراجكي، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: يا يونس ما يقول الناس في أبي طالب؟!

قلت: جعلت فداك، يقولون هو في ضحضاح من نار، وفي رجليه نعلان من نار، تغلي منها أم رأسه.

فقال «عليه السلام»: كذب أعداء الله، إن أبا طالب من رفقاء النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً([60]).

وفي رواية أخرى عنه «عليه السلام»: كذبوا، والله إن إيمان أبي طالب لو وضع في كفة ميزان، وإيمان هذا الخلق في كفة ميزان، لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم([61]).

2 ـ إرث عقيل لأبي طالب ×:

واستدلوا: بأن ولده عقيل هو الذي ورثه، ولم يرثه الإمام علي وجعفر «عليهما السلام»، لأنه كان مشركاً، وهما مسلمان.

فهما من ملتين مختلفتين، وأهل ملتين لا يتوارثان([62]).

ولكن ذلك لا يصح أيضاً.

فأولاً: من أين ثبت لهؤلاء أن الإمام علياً وجعفر «عليهما السلام» لم يرثاه.

ثانياً: إن قوله أهل ملتين لا يتوارثان.

نقول بموجبه؛ لأن التوارث تفاعل، ولا تفاعل عندنا في ميراثهما، واللفظ يستدعي الطرفين، كالتضارب، فإنه لا يكون إلا من اثنين، ولأجل ذلك نقول: إن الصحيح هو مذهب أهل البيت «عليهم السلام»، من أن المسلم يرث الكافر، ولا يرث الكافر المسلم([63]). فالإرث إذاً من طرف واحد، لا من طرفين!.

ثالثاً: لقد روي عن عمر قوله: «أهل الشرك نرثهم ولا يرثونا»([64]).

وقد حكم كثير من العلماء بأن ميراث المرتد للمسلمين لا يصح؛ وقالوا: نرثهم ولا يرثونا([65]).

رابعاً: إنهم يقولون: إن الميراث في وقت موت أبي طالب لم يكن قد فرض بعد، وإنما كان الأمر بالوصية؛ فلعل أبا طالب قد أوصى بماله لعقيل محبة له، أو لما يراه من فقره وخصاصته، فأنفذ أولاده وصيته.

أو أن علياً وجعفر قد تركا لأخيهما نصيبهما من الإرث على سبيل الإيثار له، لما يرونه من حاجته، وضيق ذات يده.

بل قد يكون أبو طالب قد تنازل عن ماله لعقيل في حال حياته، فلم يبق شيء لكي يرثه علي وجعفر بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين([66]).

3 ـ آية: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ:

لقد ذكروا: أن آية: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ..([67]).. قد نزلت في أبي طالب «عليه السلام»، الذي كان ينهى الناس عن أذى الرسول، وينأى عن أن يدخل في الإسلام([68]).

ونقول:

أولاً: لقد تحدث الأستاذ الخنيزي حول أسانيد هذه الرواية بما فيه الكفاية([69]) فليراجعه من أراد.

ثانياً: إن هذه الآية لا تنطبق على أبي طالب «عليه السلام» بأي وجه؛ لأن الله تعالى يقول قبلها:

﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولينَ، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ([70]).

فضمائر الجمع، وهي كلمة: «هم»، وفاعل «ينهون» و «ينأون» ترجع كلها إلى من ذكرهم الله في تلك الآية، وهم المشركون، الذين إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، ويجادلون الرسول في هذه الآيات، ويصفونها من عنادهم بأنها أساطير الأولين.

ولا يقف عنادهم عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى أنهم: ينهون الناس عن الاستماع إلى النبي محمد «صلى الله عليه وآله»، كما أنهم هم أنفسهم يبتعدون عنه.

وهذه الصفات كلها لا تنطبق على أبي طالب «عليه السلام»، الذي لم نجد منه إلا التشجيع على اتباع النبي «صلى الله عليه وآله»، والنصرة له باليد واللسان. وقد حض أشخاصاً بأعيانهم على أن يدخلوا في هذا الدين، وأن يصبروا عليه، كما كان الحال بالنسبة لزوجته، وحمزة، وجعفر، وعلي، وملك الحبشة، حسبما تقدم.

كما أن المفسرين قد فهموا من الآية عمومها لجميع الكفار، وأن معناها: ينهون عن استماع القرآن، واتباع الرسول، ويتباعدون عنه.

وهذا هو المروي عن ابن عباس، والحسن، وقتـادة، وأبي معاذ، والضحاك، وابن الحنفية، والسدي، ومجاهد، والجبائي، وابن جبير([71]).

ثالثاً: ويقول الأميني «رحمه الله»: إن هذه الرواية تقول: إن آية سورة الأنعام: وهي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ.. قد نزلت حين وفاة أبي طالب «عليه السلام».

مع أن ثمة رواية أخرى تقول: إن آية سورة القصص، وهي قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ..([72]) قد نزلت حين وفاته أيضاً.

مـع أن سورة القصص قد نزلت قبل الأنعام ـ التي نزلت جمـلـة واحـدة ـ ([73]) بخمس سور.

وهذا يدل: على أن سورة الأنعام قد نزلت بعد وفاة أبي طالب «عليه السلام» بمدة، فما معنى قولهم: إنها نزلت حين وفاة أبي طالب «عليه السلام» أعني السنة العاشرة من البعثة؟!

بل إن البعض قد ذكر: أن سورة القصص هي من آخر ما نزل من القرآن في المدينة (ولعله استند في ذلك إلى بعض ما ورد في شأن نزول بعض آياتها) فإذا تم هذا، فإن نزولها في أبي طالب «عليه السلام» يصبح غير مقبول أيضاً، لأن أبا طالب «عليه السلام» مات في عنفوان الإسلام، والنبي «صلى الله عليه وآله» في مكة([74]).

رابعاً: إنهم يقولون: إن سورة الأنعام قد نزلت دفعة واحدة وكانت أسماء بنت يزيد الأنصارية ممسكة بزمام ناقته «صلى الله عليه وآله»([75]) وذلك إنما كان بعد بيعة العقبة، التي كانت بعد وفاة أبي طالب «عليه السلام»، بمدة طويلة.

4 ـ آية النهي عن الاستغفار للمشرك:

روى البخاري ومسلم، وغيرهما: عن ابن المسيب، عن أبيه، ما ملخصه: أن النبي محمداً «صلى الله عليه وآله» طلب من أبي طالب «عليه السلام» حين وفاته أن يقول كلمة: لا إله إلا الله، ليحاج بها له عند الله.

فقال له أبو جهل، وعبد الله بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟!

فلم يزل الرسول يعرضها عليه، ويقولان له ذلك، حتى قال أبو طالب آخر كلمة: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك.

فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بعدما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ([76]).

ونقول:

إننا لا نريد أن نناقش في أسانيد هذه الرواية([77])المقطوعة، ولا أن نفيض في إيراد الدلائل والشواهد على أن ابن المسيب، فضلاً عن غيره، متهم في ما يرويه مما له ارتباط بالإمام علي «عليه السلام»، كما نص عليه البعض([78]).

ولكننا نشير فقط إلى ما يلي:

أولاً: إن آية النهي عن الاستغفار للمشرك قد وردت في سورة التوبة، ولا ريب في كونها من أواخر ما نزل عليه «صلى الله عليه وآله» في المدينة، بل لقد ادَّعى البعض أنها آخر ما نزل([79]).

ولا يعقل أن تكون هذه الآية قد بقيت أكثر من عشر سنوات معلقة في الهواء، والقرآن ينزل، حتى إذا نزلت سورة التوبة، أضيفت إليها، لأن الآيات التي كانت تلحق بالسور ـ لو صح أنها كانت تلحق بها بعد أن لم تكن منها ـ فإنما تلحق بما نزل سابقاً عليها، وكان ذلك في الأكثر في السور الطوال، التي كانت تنزل أجزاء متتابعة دون سائر السور التي كانت تنزل دفعة واحدة.

فلا بد إذاً من أن نقول: إن النهي عن الاستغفار إنما حصل بعد نزول سورة التوبة، فكيف بقي «صلى الله عليه وآله» يستغفر لأبي طالب «عليه السلام» طيلة هذه المدة، ويترحم عليه؟!

ثانياً: إن الاستغفار للمشرك، والترحم عليه من أظهر مصاديق المودة للكافر، وقد نهى الله عن مودتهم في آيات كثيرة، نزلت قبل سورة التوبة، كما في قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ([80]).

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ([81]).

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً([82]).

وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ المُؤْمِنِينَ([83]) إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه.

ثالثاً: قال تعالى: في سورة المنافقين، التي نزلت في غزوة بني المصطلق، سنة ست على ما هو المشهور، ونزلت قبل سورة التوبة على كل حال:

﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهَ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ([84]).

فإذا كان النبي «صلى الله عليه وآله» يعرف أن الله لن يغفر للمنافق سواء استغفر له أم لا.. والمنافق هو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، فإنه يعرف أيضاً: أن الله لا يغفر لمن كان يبطن الشرك، ويظهره، ويأبى عن أن يعترف بإسلام أو بإيمان..

فلماذا يتعب نفسه في أمر يعرف أنه لا نتيجة له؟

 فإن ذلك أمر لا يقره العقلاء، ولا يقدمون عليه.

رابعاً: ذكر الشريف النسابة العلوي، المعروف بالموضح، بأسناده:

أن أبا طالب لما مات لم تكن الصلاة على الموتى، فما صلى النبي عليه، ولا عـلى خـديجـة، وإنما اجتازت جنازة أبي طـالب، وعلي وجعفر([85]) وحمزة جلوس، فقاموا، وشيعوا جنازته، واستغفروا له.

فقال قوم: نحن نستغفر لموتانا وأقاربنا المشركين أيضاً ـ ظناً منهم أن أبا طالب مات مشركاً؛ لأنه كان يكتم إيمانه ـ فنفى الله عن أبي طالب الشرك، ونزه نبيه، والثلاثة المذكورين رحمهم الله عن الخطأ في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أوْلِي قُرْبَى([86]).

فمن قال بكفر أبي طالب «عليه السلام» فقد حكم على النبي بالخطأ، والله تعالى قد نزهه عنه في أقواله وأفعاله الخ..([87]).

خامساً: لقد روي بسند صحيح ـ كما يقول الأميني ـ عن علي: أنه سمع رجلاً يستغفر لأبويه، وهما مشركان؛ فذكر الإمام علي «عليه السلام» ذلك للنبي «صلى الله عليه وآله»، فنزلت آية النهي عن الاستغفار للمشركين([88]).

وفي أخرى: أن المسلمين قالوا: ألا نستغفر لآبائنا؟ فنزلت([89]).

وأما القول: بأنها نزلت حينما استأذن «صلى الله عليه وآله» الله في الاستغفار لأمه فلم يأذن له، ونزلت الآية، فسأله أن يزور قبرها، فأذن لـه([90]).

فهو لا يصح: حيث تقدم في بحث إيمان آباء النبي «صلى الله عليه وآله»: أن أم النبي «صلى الله عليه وآله» كانت مؤمنة موحدة.

وعلى هذا فإن الجزم بأن الآية المذكورة قد نزلت في أبي طالب يصبح في غير محله، خصوصاً إذا أضيف إليه ما قدمناه من شواهد وأدلة على إيمان شيخ الأبطح، وأضيف إليه أيضاً أن الآية بصدد نهي طائفة من المؤمنين عن الاستغفار لأقاربهم من أهل الشرك، ويكون ذكر النبي «صلى الله عليه وآله» في جملتهم من أجل طمأنتهم، وتأنيسهم، والرفق بهم، والمداراة لهم، لا لأنه «صلى الله عليه وآله» كان يفعل كفعلهم، فإن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن ليقدم على أمر حتى يعرف رضا الله به، ويستأذنه سبحانه وتعالى فيه.

مـلاحظـة:

قد أثبتنا في كتابنا هذا إيمان آبائه «صلى الله عليه وآله» إلى آدم وكانت أمه «صلى الله عليه وآله» موحدة، بل إن الروايات التي تحدثت عن أنه لا يريد أن تكون لكافر أو مشرك عنده نعمة تجزى تدل على ذلك أيضاً.

فإن تربية أبي طالب للنبي «صلى الله عليه وآله» من النعم، والأيادي عنده، التي تستوجب منه الشكر والجزاء.

وهذا ما يجعلنا نعتقد: أن الرواية الأخيرة التي ذكرت كفر والدة النبي «صلى الله عليه وآله» بعيدة عن الصحة أيضاً.

سادساً: إن آية النهي عن الاستغفار للمشركين قد جاءت عامة ولا يظهر منها أنها تتحدث عن أمر قد حصل أصلاً، ولو سلمنا: أنها تشير إلى واقعة من نوع ما، فلا يمكن أن تكون هي استغفار النبي «صلى الله عليه وآله» لأمه، لأنه «صلى الله عليه وآله» لا يفعل إلا ما يعلم أنه مرضي لله تعالى، ولا يقدم على أي فعل من تلقاء نفسه.

على أنه لا بد من الإجابة على السؤال عن السبب الذي جعل النبي «صلى الله عليه وآله» ينسى الاستغفار لأمه إلى آخر أيام حياته؟

سابعاً: إن قول أبي طالب: بل على دين عبد المطلب، هو من أدلة إيمانه، لا من أدلة كفره؛ إذ إن عبد المطلب لم يكن كافراً ولا مشركاً، بل كان مؤمناً على دين الحنيفية.

وقد صرح المسعودي في بعض كتبه أيضاً بأنه قد مات مسلماً([91]).

فقول أبي طالب «عليه السلام»: بل على ملة عبد المطلب، قد جاء على سبيل التورية، حيث إنه بذلك يكون قد أثبت إيمانه، وأقر به من جهة، ثم يكون قد عمّى الأمر على فراعنة قريش، لمصالح يراها، لا بد له من ملاحظتها في تلك الفترة، من جهة أخرى.

5 ـ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ:

ويقولون: إن الله تعالى قد أنزل في أبي طالب «عليه السلام»: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء([92])، حيث ادَّعى الزجَّاج إجماع المسلمين على نزول هذه الآية في أبي طالب «عليه السلام»([93]).

ونقول في الجواب:

أولاً: قد تقدم: النهي عن موادة من حاد الله، وعن اتخاذ الكافرين أولياء.

ثانياً: قد تقدم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» دعا الله، وتعامل مع الناس كلهم على قاعدة: أن لا يجعل لكافر ولا لمشرك نعمة عنده.

ثالثاً: إن آية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ يقال: إنها نزلت يوم أحد، حينما كسرت رباعيته، وشج وجهه «صلى الله عليه وآله»، فقال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ الخ..([94]).

وقيل: إنها نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل، الذي كان الرسول «صلى الله عليه وآله» يرغب في إسلامه، بل لقد ادعي الإجماع على ذلك([95]).

رابعاً: إذا كان النبي «صلى الله عليه وآله» يحب إيمان أبي طالب «عليه السلام»، فالله يحب ذلك أيضاً، لأن الرسول لا يحب إلا ما أحب الله.

وقولهم: كان «صلى الله عليه وآله» يكره إيمان وحشي، ثم آمن، لا يصح، لأنهما لو لم يتوافقا فإنه يدخل في دائرة التضاد بين الرسول وبين مرسله، لأن الرسول «صلى الله عليه وآله» يكره إيمان شخص ومرسله يحب إيمان ذلك الشخص نفسه.. وإذا توافقا، بأن كان الله ورسوله يكرهان إيمان ذلك الشخص، فإن السؤال هو: كيف يمكن أن يكره الله ورسوله إيمان أحد؟! ([96]).

خامساً: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ لا يمنع من إيمان أبي طالب «عليه السلام»، فإن الله قد شاء الهداية لأبي طالب «عليه السلام» أيضاً كما دلت عليه النصوص.

والآية إنما تريد تعليم النبي «صلى الله عليه وآله»: أن محبته لهداية شخص غير كافية، بل لا بد معها من مشيئة الله سبحانه.

وأما دعوى إجماع المسلمين على نزول هذه الآية في أبي طالب «عليه السلام»، فيكذبها: أن الأئمة «عليهم السلام» وشيعتهم، وأكثر الزيدية، وكثير من علماء السنة يثبتون إيمان أبي طالب «عليه السلام»، وتآليفهم في هذا الصدد كثيرة وشهيرة..

6 ـ ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ:

زعموا: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ([97]).. قد نزلت في أبي طالب «عليه السلام».

ونقول:

إن سياق الآيات قبلها وبعدها يعطي أن الآية إنما نزلت في اليهود.. وهذا كاف في رد هذه المزعمة.

وقد قال النقدي في كتابه مواهب الواهب في فضائل أبي طالب: وأما ما قيل من أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ نزلت في أبي طالب فقد قال ابن دحلان: هو ضعيف جداً كالقول بأنها نزلت في أبوي النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فإن ذلك ضعيف أيضاً، بل قيل: إن ذلك باطل لا أصل له والآية إنما نزلت في اليهود.

قال أبو حيان في البحر: وسوابق الآيات ولواحقها تدل على ذلك الخ..([98]).

7 ـ الذي ينجي من الوسوسة:

زعموا: أن الرسول «صلى الله عليه وآله» قال لأبي بكر، حول ما ينجي من الوسوسة: «ينجيكم من ذلك: أن تقولوا مثل الذي أمرت به عمي عند الموت؛ فلم يفعل.

يعني شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله»([99]).

وفي رواية عن عمر: إن كلمة التقوى التي ألاص([100]) عليها نبي الله عمه أبا طالب عند الموت: شهادة الخ..([101]).

ونقول: إنه فضلاً عن سقوط الرواية من ناحية السند، نلاحظ:

أولاً: إن من الواضح: أن الذين يسألونه «صلى الله عليه وآله» عما ينجي من الوسوسة كانوا يقولون تلك الكلمة، ويشهدون الشهادتين، ولكنهم كانوا ـ مع ذلك ـ مبتلين بالوسوسة، فكيف يأمرهم «صلى الله عليه وآله» بقولها للنجاة من ذلك؟!.

إلا أن يقال: إن المراد هو: كثرة التلفظ بها وتكرارها.

غير أننا نقول: إن إرادة هذا المعنى بعيدة عن مساق الرواية، فإن ما طلبه من أبي طالب ـ لو صحت الرواية ـ هو مجرد التلفظ بالشهادتين..

ثانياً: إن نفس هذه الرواية مروية بسند صحيح، وتفيد:

أن الخلاف كان بين سعد وعثمان، وأن الذي حكم بينهما هو عمر بن الخطاب، وذكر: دعوة ذي النون: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّيِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ([102]). ولم يذكر أبا طالب «عليه السلام»([103]).

أبو بكر حين أسلم أبوه:

وزعموا أيضاً: أنه لما مد أبو قحافة يده ليسلم، بكى أبو بكر، فقال له «صلى الله عليه وآله»: ما يبكيك؟!

قال: لأن تكون يد عمك مكان يده، ويسلم، ويقر الله به عينك أحب إلي من أن يكون([104]).

ونقول:

أولاً: قد تقدمت هذه الرواية بنحو يدل على إيمان أبي طالب «عليه السلام» عن عدد من المصادر، فلا نعيد. وتلك الرواية هي التي تنسجم مع هذا الحشد الهائل من دلائل إيمانه صلوات الله وسلامه عليه.

ثانياً: قد جاء أنه لما أسلم أبو قحافة لم يعلم أبو بكر بإسلامه، حتى بشره النبي «صلى الله عليه وآله» بذلك([105]) فكيف يكون أبو بكر قد قال ذلك حين مد أبو قحافة يده؟!.

أبو طالب × الشيخ المهتدي:

وزعموا أيضاً: أنه لما توفي أبو طالب، جاء علي «عليه السلام» إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، وقال له: إن عمك الشيخ الضال قد توفي.

بل في رواية: أن الإمام علياً «عليه السلام» رفض ما أمره به النبي «صلى الله عليه وآله» من تغسيله، ودفنه، فأمر أن يتولى ذلك غيره([106]).

ونقول:

أولاً: قد روى أحمد في مسنده هذه الرواية، وفيها: إن عمك الشيخ قد توفي، من دون ذكر كلمة «الضال»([107]).

ثانياً: إن نفس أن يخاطب علي «عليه السلام» رسول الله «صلى الله عليه وآله» بهذه الطريقة: «إن عمك الشيخ الضال.. الخ..» لهو أمر لا ينسجم مع أدب الخطاب مع الرسول، في الوقت الذي كان يمكن له يقول: إن أبي الشيخ الضال قد توفي.

ولا يمكن أن يحتمل أحد أن يصدر من علي «عليه السلام» ما ينافي الآداب مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» أو مع غيره.

ثالثاً: لو لم يكن مؤمناً فلماذا يأمره بتغسيله؟. فهل يغسل الكافر؟!

رابعاً: كيف يتناسب هذا مع كونه «صلى الله عليه وآله» قد حزن، وترحم عليه، ودعا له، وعارض جنازته، ومشى فيها، وغير ذلك مما تقدم، مع أنهم يروون: أنه لا يجوز المشي في جنازة المشرك؟!([108]).

خامساً: ماذا يصنع هؤلاء بما ورد في كثير من المصادر، من أن الإمام علياً «عليه السلام» هو الذي تولى تغسيل أبي طالب ودفنه، واغتسل بعد تغسيله إياه غسل المس الواجب على من مس أي ميت مسلم([109]).

هل صلى أبو طالب ×؟:

قالوا: إنه لم ينقل عن أحد: أن أبا طالب «عليه السلام» قد صلى، وبالصلاة يمتاز المؤمن عن الكافر([110]).

ونقول في الجواب:

أولاً: إنه لم ينقل أيضاً عن كثير من الصحابة أنهم قد صلوا.. فهل يمكن الحكم عليهم بأنهم لم يسلموا؟! فإن عدم نقل ذلك لا يعني عدم حدوثه.

ثانياً: إنه إذا كان مثل أبي طالب «عليه السلام» كمثل مؤمن آل فرعون، الذي كان يكتم إيمانه، فعلينا أن لا نتوقع مجاهرة أبي طالب «عليه السلام» بالصلاة، أو بغيرها من الشعائر الدينية أمام الملأ، فإن ذلك لا يتلاءم مع كتمان الإيمان.

أبو طالب × خير الأخيار:

وزعموا: أن محمد بن عبد الله بن الحسن قد كتب إلى المنصور يقول مفتخراً: أنا ابن خير الأخيار، وأنا ابن شر الأشرار.

وهذه الرسالة هي التي أوجبت توقف ابن أبي الحديد المعتزلي في إيمان أبي طالب «عليه السلام»، كما زعم في شرحه لنهج البلاغة([111]).

ونقول:

أولاً: إن أبا طالب «عليه السلام» لم يكن شر الأشرار، إذ إنه «عليه السلام» لم يكن أشر من أبي لهب ولا من أبي جهل، ولا من ابن ملجم، ولا من الشمر، ولا.. ولا..

فهذا كذب صريح، هل يمكن صدوره من مدَّعي المهدية.. الذي يطالب الناس بالبيعة له؟!

ثانياً: ما معنى أن يفتخر إنسان بأنه ابن شر الأشرار؟! فهل في هذا مفخرة لأحد؟

ثالثاً: إنه ليس في الرواية ما يدل على أن المقصود بهذا الكلام هو أبو طالب «عليه السلام»، إذ لعل المقصود به طلحة بن عبيد الله، الذي هو أبو أم إسحق، جدة محمد بن عبد الله بن الحسن، أو لعله يقصد زمعة بن الأسود، أو عبد العزى؟! أو غير هؤلاء من آبائه..

رابعاً: لماذا أخذ المعتزلي بشهادة محمد بن عبد الله بن الحسن، الذي قتل في أواسط القرن الثاني للهجرة، ولم يأخذ بشهادة الإمام علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في حق أبيه، وهو القائل: والذي بعث محمداً بالحق نبياً، إن أبي لو شفع في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله، بالإضافة إلى كثير من النصوص الأخرى التي سلفت عنه «عليه السلام» في حقه؟

هذا فضلاً عن شهادات الإمام السجاد، والباقر، والصادق «عليهم السلام».

ألم يكن عهد هؤلاء الأطهار «عليهم السلام» بأبي طالب «عليه السلام» أقرب من عهد محمد بن عبد الله بن الحسن؟!..

خطابيات وأرجاز المديني:

وبعد ما تقدم، فإنه إذا كان أبو طالب «عليه السلام» مسلماً مصدقاً؛ فلا يصغى لأرجاز وخطابيات أمثال المديني، التي لا توافق العقل والدين مهما حاول أن يتظاهر هو بالصلاح، أو أن يسطر التملقات الباردة، مثل أن يقول:

«وددت أن أبا طالب كان أسلم، فسر به رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأني كافر»!!([112]).

 

 

البحث الثالث

مـؤمـن آل فـرعـون

 

سرية إيمان أبي طالب ×:

إننا إذا تتبعنا سير الدعوة، ومواقف أبي طالب «عليه السلام» فإننا نجد: أنه كان بادئ ذي بدء يكتم إيمانه، تماما كمؤمن آل فرعون، والظاهر أنه قد استمر يظهر ذلك تارة، ويخفيه أخرى إلى أن حصر الهاشميون في الشعب، فصار يكثر من إظهار ذلك وإعلانه.

وقد ورد عن الإمام الصادق «عليه السلام» قوله:

«إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان، وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين»([113]).

وعن الشعبي، يرفعه، عن أمير المؤمنين «عليه السلام» قال:

كان والله أبو طالب بن عبد المطلب بن عبد مناف مؤمناً مسلماً، يكتم إيمانه؛ مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش.

وكذا عن ابن عباس([114]).

وقد تقدم: أن محمد بن الحنفية حمل في حرب الجمل على رجل من أهل البصرة، قال: فلما غشيته قال: أنا على دين أبي طالب، فلما عرفت الذي أراد كففت عنه([115]).

وثمة أحاديث أخرى عديدة بهذا المعنى لا مجال لذكرها([116]).

لا بد من كتمان الإيمان:

ونستطيع أن نقول: إن سرية إيمان أبي طالب «عليه السلام» كانت ضرورة لا بد منها؛ لأن الدعوة كانت بحاجة إلى شخصية اجتماعية قوية تدعمها، وتحافظ على قائدها، شرط أن لا تكون طرفاً في النزاع.

فتتكلم من مركز القوة لتتمكن الدعوة من الحركة، مع عدم مواجهة ضغط كبير يشل حركتها، ويحد من فاعليتها.

قال ابن كثير وغيره:

«إذ لو كان أسلم أبو طالب ـ ونحن نقول لابن كثير: إنه قد أسلم، ولكنه كتم إيمانه وإسلامه مدة ـ لما كان له عند مشركي قريش وجاهة، ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه، ولاجترؤوا عليه، ولمـدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه»([117]).

مفارقات محيِّرة:

وكيف يحكمون لزيد بن عمرو بن نفيل ابن عم عمر بن الخطاب، ولولده سعيد بن زيد، ولورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة، ولأبي سفيان الذي ما فتئ كهفاً للمنافقين، والذي ذكرنا لمحة عن تصريحاته ومواقفه في أواخر غزوة أحد في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله».

نعم، كيف يحكمون لهؤلاء بالإسلام؟! بل يروون عنه «صلى الله عليه وآله»: أنه قال عن أمية بن أبي الصلت: أنه كاد أن يسلم في شعره([118]).

ويقول الشافعي عن صفوان بن أمية: «وكان كأنه لا يشك في إسلامه»، لأنه حين سَمع يوم حنين قائلاً يقول: غلبت هوازن، وقُتل محمد، قال له:

«بفيك الحجر، فوالله، لرب قريش أحب إلي من رب هوازن».

نعم، كيف يحكمون لكل هؤلاء بالإسلام، أو بالاقتراب منه، وهم لم يدركوا الإسلام، أو أدركوه ولم يسلموا، أو أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر؟

ثم يحكمون بالكفر على أبي طالب «عليه السلام»، الذي ما فتئ في الفترة الأخيرة، ربما بعد الهجرة إلى الحبشة يؤكد ويصرح عشرات المرات في أقواله وفي أفعاله، ويعلن بالشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه «صلى الله عليه وآله» بالنبوة والرسالة؟!.

ذنب أبي طال