الصحيج

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ 1425 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

 

الجزء الخامس

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الثاني:

 

قضايا وأحداث غير عسكرية

 عودة بعض المهاجرين من الحبشة:

وبلغ المسلمين في الحبشة نبأ هجرة الرسول «صلى الله عليه وآله» والمسلمين إلى المدينة، فرجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً، وثماني نسوة، فمات منهم رجلان في مكة، وحبس سبعة، وانتهى بقيتهم إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» في المدينة، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون([1]).

واستمروا يخرجون إليه «صلى الله عليه وآله» إلى المدينة([2]) إلى أن قدم جعفر «عليه السلام» مع الجماعة الباقية في سنة سبع، حين فتح خيبر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وهؤلاء الثلاثون المشار إليهم هنا، هم غير الذين عادوا إلى مكة في السنة الخامسة من البعثة، قبل الهجرة إلى المدينة بثماني سنوات.

وأما السبب في مرورهم على مكة، مع أنها البلد الذي فروا منه، فهو أن طريقهم إلى المدينة كان يمر بقرب مكة، على ما يظهر.

ويدل على ذلك ما ورد عن الصنعاني حيث قال: «فلما قاتل رسول الله «صلى الله عليه وآله» كفار قريش، حالت بين مهاجرة أرض الحبشة، وبين القدوم على رسول الله، حتى لقوه بالمدينة زمن الخندق»([3]) انتهى.

لكن قوله: «زمن الخندق» لا يمكن تأكيده ولعله تصحيف خيبر، وبالنسبة لهؤلاء الذين نحن بصدد الحديث عنهم، فإن المعروف هو ما ذكرناه، ولعل عدداً منهم قد دخل مكة، سراً أو جهراً، بهدف الحصول على أموالهم التي كانت في مكة، وتجديد العهد بأهلهم وذويهم، وبالبيت العتيق، ثم يسافرون إلى المدينة.

ولكن قريشاً واجهتهم بالعنف والقسوة، ولم ترع لهم حرمة، ولا غربة، ولا قرابة.

وواضح: أن وصول هذه الثلة من مهاجري الحبشة إلى المدينة، كان بعد عدة أشهر من وصول النبي «صلى الله عليه وآله» إليها، إذ أن وصول نبأ هجرة النبي «صلى الله عليه وآله» إليهم، ثم هجرتهم إلى مكة، وتصفية بعضهم علاقاتهم بها، ثم ما جرى لهم مع قريش، ثم سيرهم إلى المدينة، يحتاج إلى وقت طويل.

حتى إن البعض يذكر: أن ابن مسعود قد كان من جملة الثلاثين العائدين إلى مكة، فالمدينة، فوصل إلى المدينة حين كان النبي «صلى الله عليه وآله» يتجهز إلى بدر([4]).

عائشة في بيت النبي :

وفي السنة الأولى من الهجرة، وقيل في التي بعدها، انتقلت عائشة إلى بيت النبي «صلى الله عليه وآله»، وذلك في شهر شوال.

وقالوا: إنه «صلى الله عليه وآله» لم يتزوج بكراً غيرها، ولكننا لا نطمئن إلى صحة ذلك، لأمور:

أولاً: لما تقدم حين الكلام على زواجه «صلى الله عليه وآله» بخديجة حيث قلنا: إن زواج خديجة برجل آخر سوى رسول الله «صلى الله عليه وآله» أمر مشكوك فيه إلى حد كبير، ولربما نشير إلى ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى.

ثانياً: سيأتي في هذا الكتاب ما يدل على أن عائشة كانت متزوجة برجل آخر غير رسول الله «صلى الله عليه وآله» وكان لها منه ولد.

مراسم الزفاف:

ولا نعرف لماذا كان زفاف عائشة غير ذي أهمية لدى النبي «صلى الله عليه وآله»؟!

فقد روي: أنه «صلى الله عليه وآله» ما أولم على عائشة بشيء ـ رغم توقع الناس منه ذلك وقدرته عليه في تلك الفترة ـ غير أن قدحاً من لبن أهدي إليه من بيت سعد بن عبادة، فشرب النبي «صلى الله عليه وآله» بعضه، وشربت عائشة منه!!([5]). ولا يصح أن يعد ذلك وليمة عرس لها؛ إذ من الطبيعي أن لا يغفل النبي عن عرض الطعام على جليسه، فضلاً عن زوجته.

استدلال طريف:

وقد كانت عائشة تستدل على حظوتها عند النبي «صلى الله عليه وآله» بأنه قد تزوجها في شوال، فتقول:

تزوجني رسول الله «صلى الله عليه وآله» في شوال، فأي نساء رسول الله «صلى الله عليه وآله» كانت أحظى عنده مني؟([6]) وهو استدلال طريف حقاً، فمتى كان لشوال هذه الفضيلة العظيمة التي تدل على الحظوة؟!

أضف إلى ذلك: أن خديجة، وأم سلمة، وسائر نسائه «صلى الله عليه وآله» قد كن أحظى عنده منها، ولذا فقد كانت تحسدهن، وتؤذيهن، وتسيء إليهن كثيراً، حتى أمام رسول الله «صلى الله عليه وآله» نفسه، وقد تقدم بعض ما يدل على ذلك حين الكلام عن العقد على عائشة قبل الهجرة.

وأطرف من ذلك: أننـا نجد البعض يحكم باستحباب العقد في شوال([7]).

ويبدو أن حبهم لعائشة، وتقديرهم لرغباتها، وهي التي كانت الساعد الأيمن للهيئة الحاكمة بعد النبي، والتي حاربت علياً الشوكة الجارحة في أعينهم، الذي لم تكن تقدر أن تذكره بخير أبداً([8]) ـ إن ذلك هو الذي دفعهم إلى وضع هذا التشريع ـ مع أنهم يروون: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد تزوج بجويرية، وبحفصة في شعبان، وبزينب بنت خزيمة في شهر رمضان، وبزينب بنت جحش في ذي القعدة كما يقال، فالنبي إذاً، قد ترك هذا المستحب، ولم يفعله إلا بالنسبة لعائشة وحدها، ووحدها فقط!! إن ذلك عجيب حقاً وأي عجيب!!.

فاتحة عهد جديد:

وعلى كل حال، فإن بدخول عائشة إلى بيت النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» قد بدأت في هذا البيت، الذي كان مثالاً للهدوء والسكينة، والجلال ـ حتى عهد قريب ـ تحولات وتغيرات ذات طابع معين، حينما صار مجالاً لكثير من التناقضات، التي كانت مصدراً لهمّ النبي «صلى الله عليه وآله» وغمه أحياناً كثيرة، وكانت عائشة هي السبب المباشر والمحرك في القسم الأعظم منها.

ولا نقول ذلك من عند أنفسنا، وإنما نستند في ذلك إلى ما أثبته التاريخ والحديث المتواتر عنها، بل إنها هي نفسها تصرح: بأنها كانت السبب في كل ما كان يجري في بيته «صلى الله عليه وآله» من مشاحنات وتناقضات كما جاء في بعض المصادر، على ما ذكره لي بعض المحققين.

آية الصلح بين المؤمنين:

ويذكر البعض: من الحوادث التي كانت قبل غزوة بدر([9]): أن الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» ذهب ليعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي بن سلول؛ فمر «صلى الله عليه وآله» ـ وهو على حماره ـ بمجلس ابن أبي، وفي المجلس أخلاط من المسلمين، والمشركين، واليهود، وفيهم عبد الله بن رواحة؛ فثار غبار من مشي الحمار، فخمر ابن أبي أنفه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا.

فنزل إليهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ودعاهم إلى الله؛ فقال له ابن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً؛ فلا تؤذينا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك؛ فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال ابن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشانا، فإنا نحب ذلك.

فاستب المسلمون والمشركون، حتى كادوا يتبادرون، فلم يزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» يخفضهم حتى سكنوا.

ثم دخل على سعد بن عبادة، فحدثه بما جرى، فطلب منه سعد أن يصفح عن ابن أبي؛ لأنهم كانوا على وشك أن يتوجوه قبل قدومه «صلى الله عليه وآله»، فلما قدم انصرفوا عن ذلك.

وفي رواية أخرى: إنه «صلى الله عليه وآله» ذهب ومعه المسلمون إلى ابن أبي تألفاً لقومه، فلما أتاه قال له: إليك عني، والله لقد آذاني ريح حمارك.

فقال أحد الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحاً منك، فتعصب لابن أبي رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والنعال؛ فنزل قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا..}([10]).

وفي مجمع البيان: أن الذي قال لابن أبي ذلك، هو عبد الله بن رواحة، وأن التضارب كان بين رهط ابن رواحة من الأوس، ورهط ابن أبي من الخزرج، ولكن لا تخلو كلتا الروايتين من الإشكال.

فأولاً: إن آية الصلح بين المؤمنين لا يمكن أن تنطبق على الرواية الأولى؛ فإن النزاع فيها كان بين المشركين والمسلمين، وليس بين طائفتين من المؤمنين.

بل لم يظهر من الرواية الثانية كون النزاع كان بين طائفتين من المؤمنين، فإذا جعلنا الروايتين رواية واحدة؛ لتقارب سياقهما ومضمونهما، لم يمكن الاطمئنان إلى صحة كون الآية قد نزلت بهذه المناسبة.

وثانياً: إن الآية موجودة في سورة الحجرات، وهي قد نزلت بعد سنوات من الهجرة، لأنها نزلت بعد المجادلة والأحزاب، التي نزلت في مناسبة الخندق وغيرهما.

وتقدم قولهم: إن هذه القضية قد حصلت قبل بدر.

هذا كله عدا عن التنافي بين مضمون كل من الروايتين كما هو ظاهر.

ولكن ذلك لا يعني أن الرواية مختلقة من الأساس؛ فلربما تكون قد حصلت بعد سنوات من الهجرة، بعد نزول سورة الحجرات، وبعد إظهار ابن أبي للإسلام؛ ويكون النزاع قد حصل بين طائفتين من المؤمنين، وبذلك تكون الرواية الثانية هي الأرجح.

إسلام سلمان المحمدي:

وفي السنة الأولى من الهجرة، ويقال: في جمادى الأولى منها([11]) كان إسلام سلمان المحمدي، المعروف بسلمان الفارسي، حشرنا الله معه وفي زمرته، والذي قال النبي «صلى الله عليه وآله» وغير واحد من الأئمة عنه: سلمان منا أهل البيت([12]).

وكان سلمان قد هاجر من بلاده في طلب الدين الحق، وتعرض في هجرته تلك إلى المصائب والمصاعب، حتى ابتلي بالرق، وأعتق على يد النبي «صلى الله عليه وآله».

وملخص ذلك ـ على ما ذكره الصنعاني: أنه كان في بلده راهب، فأخذ عنه بعض التعاليم، وعلم أهله بالأمر فأخرجوا الراهب من البلد، فخرج معه بالسر عن أهله، فجاء الموصل، فوجد أربعين راهباً، وبعد أشهر ذهب مع أحدهم إلى بيت المقدس، ورأى عبادة الراهب واجتهاده، ثم ضاع عنه، فسأل عنه ركباً من الأنصار، فقالوا:

هذا عبد آبق، فأخذوه إلى المدينة، وجعلوه في حائط لهم، وكان الراهب قد أخبره أن نبياً من العرب سيخرج، لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة، وأمره باتباعه([13]).

وفي المدينة ـ وبالذات في قباء كما يقولون ـ التقى بالنبي «صلى الله عليه وآله»، فقدم إليه رطباً على أنها صدقة، فأبى النبي «صلى الله عليه وآله» أن يأكل منها، وأمر أصحابه فأكلوا، وعدها سلمان واحدة.

ثم التقى به في المدينة، فقدم إليه رطباً على أنها هدية، فقبلها وأكل منها، فعدها سلمان ثانية.

ثم التقى به في بقيع الغرقد وهو في تشييع جنازة بعض أصحابه، فسلم عليه، ثم استدار خلفه، فكشف النبي «صلى الله عليه وآله» عن ظهره، فرأى خاتم النبوة، فانكب عليه يقبله ويبكي، ثم أسلم وأخبره بقصته، وبعد ذلك كاتب سيده، واستمر يعمل من أجل أداء مال الكتابة، وأعانه النبي «صلى الله عليه وآله» على ذلك.

وكان أول مشاهده الخندق، ثم شهد ما بعدها من المشاهد.

وقال ابن عبد البر: إن أول ما شهده بدر؛ وهو المناسب لمعونة النبي «صلى الله عليه وآله» له، فراجع في سيرة سلمان وفضائله كتب الحديث والتراجم([14]) بالإضافة إلى ما كتبناه عنه في كتابنا: «سلمان الفارسي في مواجهة التحدي».

ملاحظة:

ويلاحظ هنا: أن سلمان لم يسلم بدافع عاطفي، أو مصلحي؛ ولم يسلم أيضاً استجابة لضغوط أو لجو معين، وإنما دخل في الإسلام عن قناعة فكرية خالصة، وبعد أن سعى من أجل الوصول إلى الدين الحق، ولاقى المصاعب والمتاعب الطويلة في سبيل ذلك، وذلك يؤيد فطرية هذا الدين، وكونه ينسجم مع أحكام العقل، ومقتضيات الفطرة السليمة، وقد أشرنا إلى ذلك أيضاً حين الكلام عن إسلام أبي ذر، فليراجع.

بئر رومة في صدقات عثمان:

وقد ذكروا في جملة فضائل عثمان: أنه لما قدم رسول الله «صلى الله عليه وآله» المدينة، وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، قال: من يشتري بئر رومة من خالص ماله؛ فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة؟.

فاشتراها عثمان من صلب ماله، وجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين، ثم لما حصر عثمان منعوه من الشرب منها حتى شرب ماء البحر.

وللروايات نصوص مختلفة جداً كما سنرى، وسنشير إلى بعض مصادرها فيما يأتي.

ونحن نشك في صحتها، وذلك استناداً إلى ما يلي:

أولاً: تناقض نصوصها الشديد جداً، حتى إنك لا تجد نصاً إلا ويوجد ما ينافيه ويناقضه، ونذكر على سبيل المثال:

أنهم يروون: أن عثمان قد ناشد الصحابة بقضية بئر رومة، وذلك حين الثورة عليه.

فرواية تقول: إنه اطلع عليهم من داره وهو محصور فناشدهم.

وأخرى تقول: إنه ناشدهم في المسجد.

ورواية تقول: إنه اشترى نصفها بمائة بكرة، والنصف الآخر بشيء يسير.

وأخرى تقول: إنه اشتراها بأربعين ألفاً.

وثالثة: بخمس وثلاثين.

ورابعة: إنه اشترى نصفها باثني عشر ألف درهم، والنصف الآخر بثمانية آلاف.

ورواية تقول: إن هذه البئر كانت ليهودي لا يسقي أحداً منها قطرة إلا بثمن.

وأخرى: إنها كانت لرجل من مزينة.

وثالثة: لرجل من بني غفار.

ورواية تقول: إنه اشترى البئر.

وأخرى تقول: إنه حفرها.

والجمع بأنه اشتراها، ثم احتاجت إلى الحفر([15]) لا يصح، لأنهم يقولون: إن عثمان قال ذلك حين المناشدة، والمناشدة كانت واحدة ولم تتكرر.

ورواية تقول: إنها كانت عيناً (أي فيها نبع وسيلان على وجه الأرض).

وأخرى تقول: كانت بئراً.

ورواية تقول: إنه اشتراها عند مقدم النبي «صلى الله عليه وآله» والمسلمين المدينة.

وأخرى تقول: إنه اشتراها وهو خليفة.

ورواية تقول: إن النبي طلب منه ذلك.

وأخرى تقول: إنه «صلى الله عليه وآله» ناشد المسلمين من يشتريها منهم.

وثالثة تقول: إن غفارياً أبى بيعها للنبي بعينين في الجنة!! فبلغ ذلك عثمان فاشتراها منه بخمسة وثلاثين ألفاً([16]).

وثمة تناقضات كثيرة أخرى لا مجال لذكرها؛ فمن أراد المزيد فليراجع وليقارن.

ثانياً: إن ما ورد في الرواية ـ كما عند النسائي وأحمد والترمذي ـ من أنه «صلى الله عليه وآله» قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب، لا يصح بوجه، فقد كان في المدينة آبار كثيرة عذبة، وقد استمر النبي «صلى الله عليه وآله» على الاستقاء والشرب منها إلى آخر حياته، ومنها بئر السقيا، وبئر بضاعة، وبئر جاسوم، وبئر دار أنس التي تفل فيها النبي «صلى الله عليه وآله» فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها([17])، وغير ذلك من آبار كثيرة لا مجال لذكرها([18]).

ثالثاً: لو صح حديث بئر رومة؛ فلا بد إذاً من الإجابة على التساؤلات في المجالات التالية:

أ ـ إنه إذا كان عثمان قد قدم من الحبشة جديداً، ولم يكن له مال؛ فمن أين جاء عثمان بالأربعين، أو الخمسة والثلاثين، أو العشرين ألفاً من الدراهم، أو المئة بكرة؟! ومتى وكيف اكتسب هذا المال؟!.

ب ـ لماذا لا يعين المسلمين في حرب بدر بشيء من تلك المبالغ الهائلة من الدراهم؟ أو بشيء من تلك البكرات التي أخرج منها مئة من صلب ماله، حسبما تنص عليه الرواية؟!. مع أن المسلمين كانوا في بدر بأمس الحاجة إلى أقل القليل من ذلك، وكان الاثنان والثلاثة منهم يعتقبون البعير الواحد، ومع أنه لم يكن معهم إلا فرس واحد، ولم يكن معهم إلا ستة أدرع وثمانية سيوف، والباقون يقاتلون بالعصي وجريد النخل، كما سيأتي بيانه مع مصادره.

أم يعقل أن يكون قد بذل كل ما لديه في بئر رومة حتى أصبح صفر اليدين؟!.

أو لماذا لا يطعم المسلمين، ويسد حاجاتهم، ويكفيهم معونة الأنصار؟!

ولماذا لا يعين النبي نفسه بشيء من ماله، وقد كان يعاني أشد الصعوبات، ولم يتسع الحال عليه وعليهم إلا بعد سنوات من الهجرة؟!

ج ـ وتقول روايات المناشدة: إنهم قد منعوه من الشرب منها حتى اضطر إلى الشرب من ماء البحر، وهذا عجيب حقاً!! فإنه إذا كان يستطيع الحصول على الماء فلماذا لا يشرب من غيرها من العيون العذبة التي كانت في المدينة والتي تعد بالعشرات؟!.

كما أن من كان يمنعه من شرب الماء، فإنه لم يكن ليسمح بدخول أي ماء كان إليه، ومن أي مصدر كان.

ويقولون: إن عماراً أراد أن يدخل إليه روايا ماء؛ فمنعه طلحة([19]) ولم يستطع الحصول على الماء إلا من قبل علي الذي أرسل إليه الماء مع أولاده، وعرضهم للأخطار الجسيمة، كما هو معلوم.

وهل يمكن أن نصدق أنه شرب من ماء البحر حقاً؛ مع أن البحر يبعد مسافة كبيرة جداً عن المدينة، أم أن ذلك كناية عن شربه للمياه غير العذبة والمالحة؟!

د ـ وإذا كان عثمان قد بذل هذا المال حقاً، فلماذا لم تنزل فيه ولو آية واحدة تمدح فعله، وتثني عليه؟! وكيف استحق علي أن تنزل فيه آيات حينما تصدق بثلاثة أقراص من شعير، وحينما تصدق بخاتمه، وحينما تصدق بأربعة دراهم، وحين قضية النجوى؟! وهذا عثمان يبذل عشرات الآلاف، ومئة بكرة من الإبل، ولا يذكره الله بشيء، ولا يشير له بكلمة ولا بحرف؟! بل إن الرواية التي تنقل هذه الفضيلة الكبرى عنه نراها متناقضة متهافتة، لا تقوى ولا تثبت أمام النقد العلمي الحر والصريح.

وبعد.. لماذا امتنع ـ كغيره ـ عن التصدق بدرهم في آية النجوى، حتى نزل القرآن يلوم الصحابة وهو معهم على إشفاقهم: أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة؟!!.

بئر أريس:

وأخيراً: فلسنا ندري لماذا اختصت بئر رومة بهذا التعظيم والتبجيل، دون بئر أريس، مع أنها أيضاً ـ كما يدَّعون!! ـ قد اشتراها عثمان؛ وقد اشتراها أيضاً من يهودي، وكذلك هو قد تصدق بها!!([20]) بارك الله في آبار عثمان، وليمت اليهود بغيظهم، فإنهم يملكون الآبار، ويشتريها منهم عثمان، ويتصدق بها، وينال الأوسمة، ويحصل على الفضائل والكرامات!!.

حقيقة القضية:

وبعد كل ما تقدم، فإن الظاهر: أن الصحيح في القضية هو ما رواه ابن شبة: «عن عدي بن ثابت، قال: أصاب رجل من مزينة بئراً يقال لها: رومة؛ فذكرت لعثمان بن عفان، وهو خليفة، فابتاعها بثلاثين ألفاً من مال المسلمين، وتصدق بها عليهم»([21]).

وقد ضعف السمهودي الرواية بأن في سندها متروكاً، ورواها الزبير بن بكار في عتيقه، وردها بقوله: وليس هذا بشيء، وثبت عندنا أن عثمان اشتراها بماله، وتصدق بها على عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله»([22]).

ونقول نحن: لقد ثبت عدم صحة تلك الروايات التي أشار إليها الزبير بن بكار بأي وجه، ولا سيما مع تناقضها، ومع ما تقدم من الإيراد عليها ومن وجوه الإشكال فيها، مما لا دافع له.

هذا، عدا عما في أسانيدها من نقاش كبير وكثير، فوجود المتروك في سند هذه الرواية لا يضر، ما دامت منسجمة مع الواقع التاريخي، ومع الظروف التي كانت قائمة آنذاك.

وما دام لا يمكن أن يصح غيرها، فالظاهر: أنها قد حرفت وحورت ليمكن الاستفادة منها في إثبات فضيلة لعثمان لا يمكن أن تثبت له بدون هذا التحوير والتزوير.

ولكننا لم نفهم قوله: «ابتاعها بثلاثين ألفاً من مال المسلمين، وتصدق بها عليهم»؛ فإنها إذا كانت من مالهم، فما معنى الصدقة بها عليهم؟

إلا أن يقال: إن عثمان والهيئة الحاكمة كانوا يرون أنهم يملكون بيوت الأموال حقاً، وقد ذكرنا بعض الشواهد والدلائل على نظرتهم هذه في مورد آخر، فراجع([23]).

تأبير النخل:

ويقولون: إن النبي «صلى الله عليه وآله» لما قدم المدينة مر بقوم يؤبرون النخل، أي يلقحونه ـ أو سمع ضجتهم ـ فقال: لو لم تفعلوا لصلح، فتركوا تلقيحه، فخرج شيصاً([24])، فمر بهم (أو قيل له) فقال: ما لنخلكم؟

قالوا: قلت: كذا وكذا.

قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم، أو قال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل([25]).

ونحن نشك في صحة ذلك، إذ مضافاً إلى الاختلاف الظاهر في نصوص الرواية، كما يظهر بالمراجعة والمقارنة، لا بد أن نسأل:

لماذا يتدخل النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» فيما لا يعنيه، وما ليس من اختصاصه؟!

ألا يعلم: أن الناس يهتمون بكل كلمة تصدر منه، ويرتبون الأثر عليها، ويلتزمون بها؟!.

ولماذا يعرض الناس إلى هذا الضرر الجسيم؟!.

ومن هو المسؤول عن هذه الأضرار التي سببتها مشورته تلك؟!.

ثم إنه كيف يقول ذلك لهم، وهو الذي أمر عبد الله بن عمرو بن العاص بأن يكتب عنه كل ما يسمع؛ فإنه لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق؟!.

وقد قدمنا الرواية مع مصادرها في الجزء الأول فلتراجع هناك.

وأيضاً: لقد كان النبي «صلى الله عليه وآله» يعيش في قلب المنطقة العربية، وقد جاوز الثلاث وخمسين سنة؛ فهل يمكن أن نصدق أنه لم يكن يعرف تأبير النخل وفائدته، وأن النخل لا ينتج بدونه؟

وكيف لم يسمع طيلة عمره المديد شيئاً عن ذلك، وهو يعيش بينهم ومعهم؟ أو على الأقل بالقرب منهم؟!.

وأخيراً: هل صحيح: أنه ليس على الناس أن يطيعوه في أمور دنياهم؟! وأنه إنما كان يقول برأيه فيها؟!.

وهل صحيح: أن الإسلام يفصل بين الدين والدنيا؟ وأن مصب اهتماماته هو ما عدا أمور دنياهم؟!

أليس هذا بهتاناً على الإسلام وافتراء عليه؟!! ألا يتنافى ذلك مع القرآن والسنة، ومع الإسلام بمجموعه؟!.

 الباب الثاني:

 

أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة

 

الفصل الأول: التاريخ الهجري أولاً

الفصل الثاني: بناء مسجد المدينة

الفصل الثالث: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

الفصل الرابع: أسس العلاقات في المجتمع الجديد

  

بـدايـة:

فور وصوله «صلى الله عليه وآله» إلى المدينة، باشر بالقيام بأعمال تأسيسية، ترتبط بمستقبل الدعوة الإسلامية، وهي كثيرة ومتنوعة، ولكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى ما يلي:

1 ـ صلاة الجمعة.

2 ـ تأسيس مسجد قباء، وقد تحدثنا عنهما فيما سبق.

3 ـ بناء المسجد في المدينة، ولسوف نتحدث عنه في فصل مستقل.

4 ـ وضع التاريخ الهجري، وقد خصصنا له فصلاً مستقلاً أيضاً.

5 ـ المؤاخاة.

6 ـ تحديد نوع ومستقبل العلاقات بين المسلمين، وبينهم وبين غيرهم.

7 ـ موادعة اليهود الذين يعيشون في المنطقة.

وهذه الأشياء الأخيرة أيضاً قد تحدثنا عنها في فصل على حدة ونبدأ بالحديث عن التاريخ الهجري، فنقول:

 

الفصل الأول:

 

التاريخ الهجري أولاً

 

التاريخ الهجري:

إن ضبط الأحداث، والمعاملات، وغير ذلك من الشؤون لهو من الأمور التي لا بد منها في قيام أية حضارة تريد أن تهيمن على شعب أو أمة، وتقود مسيرتها نحو الأهداف التي تتوخاها.

فكيف إذا كانت هذه الحضارة تحظى بالرعاية الإلهية، وبرضى الباري جل وعلا، وتريد أن تهيمن على مسيرة الإنسانية جمعاء في مختلف الأحوال والشؤون، وعلى مر الأحقاب والقرون؟.

ومن هنا: فإنه يصبح من البديهي أن يكون من جملة المبادرات الأولى لنبي الإسلام هو وضع التاريخ، تماماً كما كان من أولى اهتماماته بناء المسجد كما سنرى إن شاء الله تعالى..

ولكن ما يؤسف له هو أن ثمة يداً تحاول ـ أو فقل قد حاولت ـ التعتيم على هذا الحدث الهام، فكان لا بد من بحث هذا الحدث، في الناحية التاريخية، ولسوف يثبت لنا الدليل العلمي بصورة قاطعة أن الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله» هو الذي وضع هذا التاريخ، وأرخ به في أكثر من مرة، وأكثر من مناسبة.

فإلى ما يلي من مطالب لنعرف:

من هو أول من أرخ بالهجرة النبوية؟.

فنقول:

يقول المؤرخون: إن أول من أرخ بالهجرة النبوية، هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وأكثرهم يذكر: أن اختياره الهجرة مبدأ للتاريخ كان بإشارة علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه([26]).

وبعض منهم يقول: إن المشير عليه بذلك ليس علياً فقط، بل معه بعض الصحابة أيضاً([27]).

وثالث يروي: إشارة بعض الصحابة على عمر بذلك، ولكنه لا يصرح بإسم المشير([28]).

وبعض رابع: يسكت عن ذكر الإشارة، ويكتفي بذكر: أنه أول من أرخ بالهجرة([29]).

الحكاية كما يرويها المؤرخون:

ويحكون السبب في وضع التاريخ على أنحاء مختلفة، ونختار هنا النمق الذي ذكره ابن كثير، وقد وضعناه بين قوسين، وأشرنا خلاله إلى مصادر بعض التوضيحات، فنقول:

قال ابن كثير: «قال الواقدي: وفي ربيع الأول من هذه السنة ـ أعني سنة ست عشرة أو سبع عشرة أو ثماني عشرة([30]) ـ كتب عمر بن الخطاب التاريخ، وهو أول من كتبه.

قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين، يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة، أم التي قبلها، أم التي بعدها؟.

ثم جمع الناس (أي أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله») فقال: ضعوا للناس شيئاً يعرفون به حلول ديونهم، فيقال: إنهم أراد بعضهم (الهرمزان)([31]): أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك.

ومنهم من قال (وهم بعض مسلمي اليهود)([32]): أرخوا بتاريخ الروم، من زمان إسكندر، فكرهوا ذلك لطوله أيضاً.

وقال قائلون: أرخوا من مولد رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وقال آخرون: من مبعثه، وأشار علي بن أبي طالب «عليه السلام» وآخرون:

«أن يؤرخ من هجرته إلى المدينة، لظهوره لكل أحد، فإنه أظهر من المولد، والمبعث، فاستحسن عمر ذلك والصحابة، فأمر عمر: أن يؤرخ من هجرة رسول الله «صلى الله عليه وآله»([33]).

وروي عن سعيد بن المسيب: أنه قال: «جمع عمر الناس فسألهم: من أي يوم يكتب التاريخ؟

فقال علي بن أبي طالب «عليه السلام»: من يوم هاجر رسول الله «صلى الله عليه وآله» وترك أرض الشرك، ففعله عمر رضي الله عنه.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الأسناد، ولم يخرجاه»([34]).

وقال اليعقوبي في حوادث سنة 16 ه‍ : «وفيها أرخ الكتب، وأراد أن يكتب التاريخ منذ مولد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ثم قال: من المبعث، فأشار عليه علي بن أبي طالب «عليه السلام»: أن يكتبه من الهجرة»([35]).

إلى غير ذلك من النصوص، التي تؤكد على أن عمر هو أول من وضع التاريخ الهجري الإسلامي.

الرأي الأمثل:

ولكننا بدورنا نشك كثيراً في صحة هذا القول، ونعتقد أن التاريخ الهجري قد وضع من زمن النبي «صلى الله عليه وآله»، وقد أرخ به النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة.

وما حدث في زمن عمر هو فقط: جعل مبدأ السنة شهر محرم بدلاً من ربيع الأول كما أشار إليه الصاحب بن عباد([36]).

وقد اختلفوا في ذلك أيضاً، فقال بعضهم: إنهم جعلوا مبدأ السنة الهجرية محرم السنة الأولى، وهو ما ذهب إليه الجمهور، وبعضهم إلى أنهم جعلوا محرم السنة الثانية مبدأ للسنة الهجرية، وألغوا ما قبله، وهو ما حكاه البيهقي، وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوى، فراجع([37]).

من المشير بمحرم؟!:

أما من الذي أشار بمحرم بدلاً من ربيع الأول، فقد اختلفت الروايات في ذلك أيضاً فيقال: إن ذلك كان بإشارة عثمان بن عفان([38]).

وقيل: بل ذلك هو رأي عمر نفسه([39]).

وبعضهم قال: إن عبد الرحمن بن عوف قد أشار بشهر رجب، فأشار علي «عليه السلام» في مقابل ذلك بشهر محرم، فقبل منه([40]).

ويقول آخرون: إن عمر ابتدأ من المحرم، بعد إشارة علي «عليه السلام» وعثمان بذلك([41]).

وفريق آخر يقول: فاستفدنا من مجموع هذه الآثار: أن الذي أشار بالمحرم عمر، وعثمان، وعلي «عليه السلام»([42]).

ويفهم من كلام العسكري: أن عمر هو الذي ارتأى جعل محرم أول السنة، لتكون الأشهر الحرم في سنة واحدة([43]).

ولكننا نستبعد كثيراً: أن يكون علي «عليه السلام» قد أشار بترك ربيع الأول، والأخذ بشهر محرم، الذي كان أول السنة عند العرب([44]) بل نكاد نجزم بخلافه، وأنه «عليه السلام» كان مصراً على شهر ربيع الأول مدة حياته صلوات الله وسلامه عليه.

ولم يكن ذلك رأيه وحده، بل كان رأي جمع كبير من المسلمين الأبرار، والصحابة الأخيار، ونستند في ذلك إلى النقاط التالية، فإنها تدل بمجموعها على ذلك:

1 ـ قد تقدم أنه «عليه السلام» قد أشار عليهم بأن يكتبوا التاريخ من «يوم هاجر»، أو من «يوم ترك النبي «صلى الله عليه وآله» أرض الشرك» كما هو صريح رواية ابن المسيب المتقدمة، وإنما كان ذلك في شهر ربيع الأول كما هو معلوم.

2 ـ لقد جاء فيما كتبه علي «عليه السلام» على عهد أهل نجران العبارة التالية: «وكتب عبد الله([45]) بن أبي رافع، لعشر خلون من جمادى الآخرة، سنة سبع وثلاثين، منذ ولج رسول الله «صلى الله عليه وآله» المدينة»([46])، وإنما ولجها رسول الله «صلى الله عليه وآله» في شهر ربيع الأول كما هو واضح، هذا بالنسبة لعلي «عليه السلام».

وأما بالنسبة لسائر الصحابة، فنذكر:

1 ـ أن مالك بن أنس على ما حكاه السهيلي، وغيره، يقول: «أول السنة الإسلامية ربيع الأول، لأنه الشهر الذي هاجر فيه رسول الله «صلى الله عليه وآله»([47]).

2 ـ ونقل عن الأصمعي قوله: إنهم «إنما أرخوا من ربيع الأول شهر الهجرة»([48]) وكذا عن الزهري.

3 ـ وقال الجهشياري: «روي في خبر شاذ: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما ورد المدينة مهاجراً من مكة يوم الإثنين لاثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة من حين نبئ، أمر بالتاريخ»([49]).

وسيأتي قوله «صلى الله عليه وآله»: يقتل الحسين على رأس ستين من مهاجري، وثمة روايات أخرى قريبة من هذا المضمون تدل على أن رأس السنة الهجرية قد كان شهر ربيع الأول، لأن الحسين إنما قتل سنة إحدى وستين على تقدير كون أول السنة هو محرم، وهو في أواخر سنة ستين على تقدير كون أول السنة هو ربيع الأول.

4 ـ وسيأتي أيضاً: أن الصاحب بن عباد وغيره يقولون: إن أول السنة كان ربيع الأول، ثم رد إلى محرم.

5 ـ عن سهل بن سعد قال: أخطأ الناس في العدد، ما عدوا من مبعثه، ولا من وفاته، إنما عدوا من مقدمه المدينة([50]).

6 ـ وكان الصحابة ـ وتبعهم المؤرخون كما سيأتي ـ يعدون بالأشهر من مهاجره «صلى الله عليه وآله» الذي هو شهر ربيع الأول، إلى أواسط السنة الخامسة للهجرة.

فما تقدم يدل على أن علياً «عليه السلام» ليس فقط لم يشر على عمر بشهر محرم، بل كان من المصرين على أن يبقى أول السنة هو شهر ربيع الأول، الذي خرج النبي «صلى الله عليه وآله» من مكة، أو من الغار، أو ولج المدينة في أول يوم منه، شأنه صلوات الله وسلامه عليه شأن كثيرين ممن لم يرضوا بمثل هذا التغيير، لكنهم غلبوا على أمرهم.

ولا يفوتنا أخيراً التنبيه: على أن جعل علي «عليه السلام» اليوم الذي ولج فيه النبي «صلى الله عليه وآله» المدينة مبدأ للتاريخ، ربما يؤيد قول من قال: إنه «صلى الله عليه وآله» دخلها في أول يوم من ربيع الأول.

وسيأتي بعض الكلام أيضاً في ذلك، وإن لم يكن هو محط نظرنا في هذا البحث.

فإن ما يهمنا هنا: هو البحث عن أول من أرخ بالسنة الهجرية، وقد قلنا: إننا نعتقد: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان أول من أرخ بالهجرة.

الموافقون على هذا الرأي:

وإننا وإن كنا لا نرى كثيرين يوافقوننا على هذا الرأي، ونرى بعضهم يتردد في إصدار حكم جازم في ذلك، وبعضهم ربما يظهر منه الميل إلى الرأي الشائع، إلا أن مرد ذلك كله إلى عدم اطلاعهم على النصوص الكافية للجزم بالأمر، وتكوين قناعة تقاوم ما يرونه قد اشتهر وذاع على ألسنة الرواة والمؤرخين.

ومهما يكن من أمر، فنذكر ممن وافقنا على ما نذهب إليه: السيد عباس المكي في نزهة الجليس، كما سيأتي، ونقله السيوطي عن ابن القماح، عن ابن الصلاح، عن أبي مجمش الزيادي، كما سيأتي أيضاً، أما صاحب المواهب فقد قال: «وأمر «صلى الله عليه وآله» بالتاريخ، وكتب من حين الهجرة.

قال الزرقاني: رواه الحاكم في الإكليل عن الزهري مفصلاً، والمشهور خلافه، وأن ذلك في زمان عمر، كما قال الحافظ»([51]).

ونقل ذلك عن الأصعمى وغيره أيضاً كما سيأتي.

وقال الصاحب بن عباد: «ودخل المدينة يوم الإثنين لاثني عشرة خلت من ربيع الأول، وكان التاريخ من ذلك، ثم رد إلى المحرم»([52]).

وقال ابن عساكر: «وهذا أصوب» ثم أيده السيوطي ببعض ما يأتي([53]).

وقال السيد علي خان، بعد ذكره عهد النبي «صلى الله عليه وآله» لسلمان الفارسي، الآتي:

يستفاد من هذا العهد: أن التاريخ كان من زمن النبي «صلى الله عليه وآله»، وهو خلاف المشهور من أن التاريخ بالهجرة إنما وضعه عمر بن الخطاب في أيام خلافته»([54]).

وقال القسطلاني: «وأمر «صلى الله عليه وآله» بالتاريخ فكتب من حين الهجرة، وقيل إن عمر أول من أرخ وجعله من المحرم»([55]).

وقال مغلطاي: «وأمر عليه الصلاة والسلام بالتاريخ، فكتب من حين الهجرة.

قال ابن الجزار: ويعرف بعام الأذن، وقيل إن عمر «رض» أول من أرخ وجعله من المحرم»([56]).

هذا وقد سميت كل سنة من السنين العشر باسم خاص، والعام الأول أطلق عليه: عام الأذن([57]) فراجع.

قال ابن شهرآشوب: «قال الطبري ومجاهد في تاريخيهما: جمع عمر بن الخطاب الناس يسألهم من أي يوم نكتب؟

فقال علي «عليه السلام»: من يوم هاجر رسول الله ونزل المدينة، و (ترك ظ) أرض أهل الشرك.

فكأنه أشار: أن لا تبتدعوا بدعة، وتؤرخوا كما كانوا يكتبون في زمان رسول الله؛ لأنه قدم النبي «صلى الله عليه وآله» المدينة في شهر ربيع الأول أمر بالتاريخ، فكانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت له سنة، ذكره التاريخي عن ابن شهاب»([58]).

كما أن المجلسي «رحمه الله» قد قال بهذا القول، ورأى: «أن جعل مبدأ التاريخ من الهجرة مأخوذ من جبرائيل «عليه السلام» ومستند إلى الوحي السماوي، ومنسوب إلى الخبر النبوي»([59]).

كلام السهيلي:

أما السهيلي: فهو يصر على أن التاريخ الهجري قد نزل به القرآن، ويقول ما ملخصه:

إن اتفاق الصحابة على جعل الهجرة مبدأ للتاريخ، إن كان مستنداً إلى استفادتهم ذلك من القرآن، فنعم الاستفادة هي، وذلك هو الظن بهم، وإن كان اجتهاداً ورأياً منهم، فهو أيضاً نعم الاجتهاد والرأي، أشار القرآن إلى صحته من قبل أن يفعلوا.

فإن قوله تعالى: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ..}([60]).

قد علم: أنه ليس المقصود منه: أول الأيام كلها؛ كما أنه لا يوجد لفظ ظاهر، أضيف إليه لفظ: يوم، فتعين إضافته إلى مضمر، ولا يعقل قول القائل: فعلته أول يوم، إلا بالإضافة إلى عام، أو شهر، أو تاريخ معلوم.

ولا قرينة هنا، لا حالية ولا مقالية، تدل إلا على تقدير: «من أول يوم حلول النبي «صلى الله عليه وآله» المدينة»، وهو أول يوم من التاريخ.

وقول بعض النحاة: لا بد من تقدير: «من تأسيس أول يوم»، لأن (من) لا تدخل على الزمان، لا يصح، لأنه حتى على هذا لا بد من تقدير الزمان أيضاً، فيقال: «من وقت تأسيس»، فإضمار كلمة تأسيس لا يفيد شيئاً، هذا بالإضافة إلى أن كلمة (من) تدخل على الزمان، وعلى غيره، قال تعالى: {مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}. انتهى كلام السهيلي ملخصاً([61]).

وقال الكتاني ما ملخصه: وقد عقب الحافظ في فتح الباري على كلام السهيلي هذا بقوله: كذا قال، والمتبادر أن معنى قوله: من أول يوم، أي دخل النبي «صلى الله عليه وآله» وأصحابه المدينة([62]).

لكن ابن منير يرى: أن كلام السهيلي هذا تكلف وتعسف، وخروج عن تقدير الأقدمين الذين قدروه: «من تأسيس أول يوم» أي من أول يوم وقع فيه التأسيس، وهذا ما تقتضيه العربية، وتشهد له القواعد.

قال الكتاني: قلت: كلام السهيلي ظاهر المأخذ، فتأمله بإنصاف ترى أنه الحق، ولذا اقتصر عليه معجباً به شهاب الدين الخفاجي، في عناية القاضي، وكفاية القاضي، إلى آخر كلامه([63]).

وقال ياقوت الحموي: «إن قوله من أول يوم يقتضي مسجد قباء، لأن تأسيسه كان في أول يوم من حلول رسول الله «صلى الله عليه وآله» دار هجرته، وهو أول التاريخ للهجرة المباركة، ولعلم الله تعالى بأن ذلك اليوم سيكون أول يوم من التاريخ سماه أول يوم أرخ فيه، في قول بعض الفضلاء.

وقد قال بعضهم: إن ههنا حذف مضاف، تقديره: تأسيس أول يوم، والأول أحسن»([64]).

هذا، ويلاحظ: أنه نقل عن ابن عباس في تفسير الآية المذكورة نفس ما تقدم عن السهيلي فراجع([65]).

وإذا صح كلام هؤلاء، فمن المناسب أن يبادر النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه قبل كل أحد إلى العمل بمقتضى الآية، وهو ما حصل فعلاً، كما سنرى.

وإذا قيل: ما ذكره هؤلاء ـ السهيلي وغيره ـ بعيد في بادئ الرأي.

فإننا نقول: هو على الأقل من المحتملات في معنى الآية الشريفة، وإن لم يكن متعيناً، ونحن إنما ذكرناه استئناساً به وتأييداً، لا لنستدل به، ونستند إليه.

ما نستند إليه:

أما ما نستند إليه في اعتقادنا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» هو أول من أرخ بالهجرة، فهو الأمور التالية:

1 ـ ما روي عن الزهري: من أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما قدم المدينة مهاجراً أمر بالتاريخ، فكتب في ربيع الأول([66]).

وفي رواية أخرى عن الزهري قال: التاريخ من يوم قدم النبي «صلى الله عليه وآله» مهاجراً([67]).

قال القلقشندي: «وعلى هذا يكون ابتداء التاريخ عام الهجرة»([68]) وتقدمت وستأتي كلمات غيره في ذلك.

ولكن البعض قد وصف هذا الحديث بأنه: خبر معضل، والمشهور خلافه([69])، ولعله هو الذي وصفه الجهشياري بأنه خبر شاذ([70])، ويقرب منه كلام غيره([71]).

أما المسعودي فقد أورد عليه: بأنه خبر مجتنب من حيث الآحاد، ومرسل من عند من لا يرى قبول المراسيل، وإن ما حكاه أولاً من أن عمر هو الذي أرخ بالهجرة، بإشارة علي «عليه السلام» هو المتفق عليه، إذ كان ليس في هذا الخبر وقت معلوم أرخ به، ونقل كيفية ذلك([72]).

لكن إيراد المسعودي وغيره لا يرد على خبر الزهري، لأن إرساله ـ لو سلم ـ وكونه خبر واحد لا يصحح اجتنابه، بل لا بد من الأخذ به، حتى ممن لا يرى قبول المراسيل، وذلك لوجود روايات وأدلة أخرى في المقام تدل على ذلك، كما سنرى([73]).

2 ـ ما رواه الحاكم وصححه، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: كان التاريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله «صلى الله عليه وآله» المدينة، وفيها ولد عبد الله بن الزبير([74]).

3 ـ قال السخاوي: «وأما أول من أرخ التاريخ، فاختلف فيه، فروى ابن عساكر في تاريخ دمشق عن أنس، قال: كان التاريخ من مقدم رسول الله «صلى الله عليه وآله» المدينة، وكذا قال الأصمعي: إنما أرخوا من ربيع الأول شهر الهجرة»([75])، ثم ذكر رواية الزهري المتقدمة.

وذلك يدل على أن واضع التاريخ ليس هو عمر؛ لأن عمر قد أرخ من المحرم كما تقدم.

ثم أورد السخاوي على ذلك بمخالفته للصحيح والمشهور: من أن الأمر به كان في زمن عمر، وأن أول السنة ليس شهر ربيع الأول، وإنما شهر محرم.

ولكن إيراده غير وارد، لأن مجرد كون ذلك خلاف المحفوظ والمشهور لا يوجب فساده، بل لا بد من الأخذ به، والعدول عن المحفوظ والمشهور، حين يقوم الدليل القاطع على خلافه.

ولسوف نرى: أن لدينا بالإضافة إلى ما ذكرنا ما يزيل أي شك، أو ريب في ذلك.

4 ـ إن المؤرخين يقولون: إن الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله»، قد هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول، ويرى الزهري وغيره: أنه وصلها في أول يوم منه، وجزم ابن إسحاق والكلبي بأنه إنما خرج من مكة في اليوم الأول منه.

وبعضهم يرى: أنه خرج من الغار في أوله([76]).

ويمكن تأييد دخوله للمدينة في أول ربيع الأول بما تقدم من كتابة علي «عليه السلام» في كتابه: «منذ ولج رسول الله «صلى الله عليه وآله» المدينة»، ولكن هناك ما يؤيد الرأي الآخر أيضاً، وهو إشارته «عليه السلام» بأن يجعل مبدأ التاريخ: منذ ترك الرسول «صلى الله عليه وآله» أرض الشرك أو منذ هاجر، إلا أن يدعى الإجمال في هذه الفقرة، لأنهم كانوا في صدد تعيين السنة التي يبدأون بها، فلا تصادم ظهور الفقرة الأولى فيما قلناه.

المهم في الأمر هنا: أن الهجرة كانت في أول ربيع الأول، فإذا أضفنا إلى ذلك ما تقدم عن مالك، والأصمعي، وكذلك ما رواه الزهري واستظهرناه من علي «عليه السلام»: من أن أول السنة الإسلامية كان ربيع الأول؛ فإننا سوف نطمئن إلى أن التاريخ كان قد وضع قبل زمان عمر، الذي جعل أول السنة شهر محرم، بدلاً من ربيع الأول.

فهذا التغيير من عمر يدل على أنه ليس هو أول من وضع التاريخ الهجري.

ويؤيد ذلك: أن بعض الصحابة كانوا يعدون بالأشهر من مهاجره «صلى الله عليه وآله» الذي هو شهر ربيع الأول إلى أواسط السنة الخامسة.

فأبو سعيد الخدري يقول: إن فرض رمضان، كان بعد ما صرفت القبلة في شعبان بشهر على رأس ثمانية عشر شهراً([77]).

ويتحدث عبد الله بن أنيس عن سريته إلى سفيان بن خالد، فيقول: «خرجت من المدينة يوم الإثنين، لخمس خلون من المحرم، على رأس أربعة وخمسين شهراً([78]).

ومحمد بن مسلمة أيضاً يقول عن غزوة القرطاء: «خرجت في عشر ليال خلون من المحرم، فغبت تسع عشرة، وقدمت لليلة بقيت من المحرم، على رأس خمسة وخمسين شهراً» ([79]).

وبعد هذا يبدأ العد بالسنين، كما يظهر من قول سلمة بن الأكوع، وخالد بن الوليد، وغيرهما([80]).

لقد كانت تلك هي طريقة الصحابة، وعلى ذلك جرى ديدنهم، وتبعهم المؤرخون على ذلك أيضاً، فأرخوا بالأشهر إلى أواسط السنة الخامسة، بل إلى آخرها، ومنها يبدأون بذكر السنين([81]).

وذلك يدل: على أن التاريخ كان قد وضع من أول سني الهجرة، وإلا فلا معنى لأن يسأل صحابي عن واقعة حدثت له في سنة خمس، فيعدل عن ذكر السنة، ويشرع في إجراء حساب، ويقوم بعملية عد تحتاج إلى تفكير وتأمل، وبعد مدة من التأمل والتفكير يعطى الجواب!!

إلا أن يكون ذلك محفوظاً لديه، وجرى ديدنه وطريقته عليه مدة من الزمان، حتى انغرس في ذهنه، وحفظه ووعاه.

كما أن ذلك يعبر عن مدى اهتمام الصحابة في المحافظة على جعل ربيع الأول مبدأ للتاريخ، وإن كانوا قد غلبوا على ذلك فيما بعد.

5 ـ إن بين أيدينا نصاً لعهد النبي «صلى الله عليه وآله» لسلمان الفارسي مؤرخاً بسنة تسع للهجرة.

قال أبو نعيم: عن «الحسن بن إبراهيم بن إسحاق البرجي المستملي، وأخبرنيه عنه محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، قال: سمعته يقول:

سمعت أبا علي الحسين بن محمد بن عمرو الوثابي يقول: رأيت هذا السجل بشيراز، بيد سبط لغسان بن زاذان بن شاذويه بن ماه بنداذ، أخي سلمان.

وهذا العهد بخط علي بن أبي طالب «عليه السلام»، مختوم بخاتم النبي «صلى الله عليه وآله»، فنسخ منه ما صورته:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله، سأله سلمان، وصية بأخيه ماه بنداذ، وأهل بيته، وعقبه.

ثم ساق أبو نعيم الكتاب إلى أن قال في آخره: وكتب علي بن أبي طالب «عليه السلام»، بأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» في رجب، سنة تسع من الهجرة، وحضر أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، و عبد الرحمن، وسعد، وسعيد، وسلمان، وأبو ذر، وعمار، وعيينة، وصهيب، وبلال، والمقداد، وجماعة آخرون من المؤمنين.

وذكر أيضاً أبو محمد بن حيان، عن بعض من عني بهذا الشأن: «أن رهطاً من ولد أخي سلمان بشيراز، زعيمهم رجل يقال له: غسان بن زاذان، معهم هذا الكتاب، بخط علي بن أبي طالب، بيد غسان، مكتوب في أديم أبيض، مختوم بخاتم النبي «صلى الله عليه وآله» وخاتم أبي بكر وعلي «رضي الله عنهما»، على هذا العهد حرفاً بحرف، إلا أنه قال: وكتب علي بن أبي طالب، ولم يذكر عيينة مع الجماعة»([82]).

وأورد عليه البعض: بانقطاع سنده وركاكة لفظه، وبأن أول من أرخ بالهجرة هو عمر([83]).

ونقول:

إن انقطاع سنده لا يضر ما دام معتضداً بغيره من النصوص والشواهد التي تقدمت وستأتي.

وأما ركاكة لفظه، فهي دعوى غير ظاهرة.

وأما بالنسبة لكون عمر هو أول من أرخ بالهجرة، فهو أول الكلام.

6 ـ كتاب مفاداة سلمان من عثمان بن الأشهل اليهودي، وقد جاء في آخره قوله: «وكتب علي بن أبي طالب الإثنين في جمادى الأولى، مهاجر محمد بن عبد الله رسول الله «صلى الله عليه وآله»([84]).

وقد شكك بعض العلماء في هذا الكتاب، وناقش فيه، وقد ذكرنا كلماتهم وأجبنا عنها في كتابنا سلمان الفارسي في مواجهة التحدي ص 25 ـ 30 فليراجعه من أراد.

7 ـ قد أورد البلاذري نصاً للكتاب الذي كتبه النبي «صلى الله عليه وآله» ليهود بلدة «مقنا، وبني حبيبة. وقد صالحهم فيه على ربع عروكهم (خشب يصطاد عليه)، وغزولهم، وربع كراعهم، وحلقتهم، وعلى ربع ثمارهم».

قال البلاذري: «وأخبرني بعض أهل مصر: أنه رأى بعينه في جلد أحمر، دارس الخط، فنسخه، وأملى علي فنسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى بني حبيبة، وأهل مقنا: سلم أنتم، فإنه أنزل علي: أنكم راجعون إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا، فإنكم آمنون، ولكم ذمة الله وذمة رسوله».

ثم ساق البلاذري الكتاب إلى أن قال في آخره:

«وليس عليكم أمير إلا من أنفسكم، أو من أهل بيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» وكتب علي بن أبو طالب «عليه السلام» في سنة تسع»([85]).

وقد أورد المعلق على فتوح البلدان، محمد بن أحمد بن عساكر على هذه الرسالة بإيرادين:

أحدهما: أن علياً الذي اخترع علم النحو، حتى لا يختلط بكلام النبط، لا يمكن أن يصدر منه اللحن ويقول: (علي بن أبو طالب) برفع كلمة أبو.

الثاني: أن صلح النبي «صلى الله عليه وآله» لأهل مقنا، كان في غزوة تبوك على ما هو مذكور في كتاب البلاذري، ولا خلاف في أن علياً لم يكن فيها، فكيف يكون علي «عليه السلام» هو كاتب هذا الكتاب([86])؟

ونحن نكتفي في الإجابة على هذين الإيرادين بما ذكره العلامة المحقق الشيخ علي الأحمدي، حيث قال ما ملخصه مع إضافات وزيادات في النصوص وغيرها، قد اقتضاها المقام.

أما الجواب عن الأول: فقد ذكر الملا علي القاري في شرحه لشفاء القاضي عياض، نقلاً عن نوادر أبي زيد الأصمعي عن يحيى بن عمر: أن قريشاً كانت لا تغير الأب في الكنية، بل تجعله مرفوعاً أبداً: رفعاً، ونصباً، وجراً.

وفي نهاية ابن الأثير، في لفظ (أبي) وشرح القاري لشفاء عياض: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كتب إلى المهاجر بن أمية: (المهاجر بن أبو أمية)، ثم قالا: ولما كان أبو أمية مشتهراً بالكنية ولم يكن له اسم معروف غيره، تركه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ومثل القاري لذلك، فقال: (كما يقال: علي بن أبو طالب).

ونضيف هنا قول الزمخشري: «وكتب لوائل بن حجر: من محمد رسول الله إلى المهاجر بن أبو أمية؛ إن وائلاً..

إلى أن قال الزمخشري: أبو أمية ترك في حال الجر على لفظه في حال الرفع، لأنه اشتهر بذلك، وعرف، فجرى مجرى المثل الذي لا يغير، وكذلك قولهم: علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان» انتهى([87]).

وقال العلامة الأحمدي أيضاً: وفي مجموعة الوثائق السياسية عن الصفدي: أن بعضهم يكتب: علي بن أبو طالب بالواو، ويلفظ: أبي، بالياء، وبعد أن نقل في المجموعة عن التراتيب الإدارية، ما تقدم عن نوادر الأصمعي قال: وفوق ذلك كله: إني لما كنت في المدينة، في شهر محرم سنة 1358، وجدت في الكتابة القديمة التي في جنوب سلع: (أنا علي بن أبو طالب).

وقد تكون هذه الكتابة بخط علي «عليه السلام».

وقال في مجموعة الوثائق أيضاً: إنه وجد كلمة: (علي بن أبو طالب) بالواو، في أربعة مواضع في الكتب المقروة عن الشيوخ.

ونزيد هنا قول العسقلاني: «قال الحاكم: أكثر المتقدمين على أن اسمه (يعني أبا طالب) كنيته»([88]).

وقال مغلطاي: «وقيل: اسمه كنيته فيما ذكر الحاكم، وفيه نظر»([89]).

وذكر المسعودي([90]): أنه قد تنوزع في اسم أبي طالب، فمنهم من رأى أن كنيته اسمه، وأن علياً «عليه السلام» قد كتب ليهود خيبر، بإملاء النبي «صلى الله عليه وآله»: (وكتب علي بن أبي طالب)، فإسقاط الألف من كلمة: ابن، يدل على أنه واقع بين علمين، لا بين علم وكنية.

وقال البلاذري: وقال يحيى بن آدم: وقد رأيت كتـاباً في أيدي النجرانيين، كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة، وفي أسفله: (وكتب علي بن أبو طالب)، ولا أدري ما أقول فيه([91]).

وفي كتابه بين ربيعة واليمن نراه قد كتب في آخره ـ وهي الرواية المشهورة ـ : (كتب علي بن أبو طالب)([92]).

وقال ابن عنبة: عن محمد بن إبراهيم النسابة: أنه رأى خط أمير المؤمنين في آخره: (وكتب علي بن أبو طالب). وقال: إنه كان في المشهد الغروي الشريف مصحف بخط علي «عليه السلام»، احترق حين احترق المشهد سنة 755 ه‍. يقال: إنه كان في آخره: وكتب علي بن أبو طالب.

ثم ذكر: أن الواو مشتبهة بالياء لتقاربهما في الخط الكوفي، وأن الصحيح هو (علي بن أبي طالب) حسبما نقله له جده وغيره([93]).

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه.

ونستطيع أن نستخلص مما تقدم: أن وجود كلمة: (أبو) لا يضر، ولا يوجب إشكالاً في الرواية، ولا سيما إذا لاحظنا ما نقلوه من لغة قريش المتقدمة، ومن ثم، فإننا لا نحتاج إلى تأويل عمدة الطالب، أو غيره.

وأما الجواب عن الإيراد الثاني: فيقول العلامة الأحمدي: إنه لا صراحة في كلام البلاذري، ولا دلالة له على أن هذا الكتاب قد كتب في تبوك، كما أن الكتاب نفسه ليس فيه ما يدل على ذلك، بل فيه ما يدل على وفادة جماعة منهم إلى النبي «صلى الله عليه وآله» وأنهم سوف يرجعون إلى بلدتهم، فلعل وفادتهم إليه كانت إلى المدينة لغرض تجاري، أو لأجل الحصول على هذا الكتاب، أو غير ذلك، فكتب النبي «صلى الله عليه وآله» لهم هذا الكتاب.

ويلاحظ هنا: أن عدداً من المصادر يكتفي بالإشارة إلى أنه «صلى الله عليه وآله» قد كتب لأهل مقنا كتاباً في سنة تسع([94]).

هذا ما ذكره العلامة الأحمدي بزيادات وتصرف وتلخيص، وهو كاف وواف في دفع الإيراد على هذا الكتاب.

8 ـ كتاب صلح خالد بن الوليد لأهل دمشق قال ابن سلام: «حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي عن ابن سراقة: أن خالد بن الوليد كتب لأهل دمشق:

«هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل دمشق: أني قد أمنتهم على دمائهم، وأموالهم، وكنائسهم، قال أبو عبيد: ذكر كلاماً فيه لا أحفظه، وفي آخره: شهد أبو عبيدة الجراح، وشرحبيل بن حسنة، وقضاعي بن عامر، وكتب سنة ثلاث عشرة»([95]).

واحتمال أن تكون العبارة الأخيرة ليست من أصل الكتاب، وإنما هي من تعابير المؤرخين أو الرواة.

يدفعه: أن ذلك خلاف ظاهر العبارة.

أضف إلى ذلك: أنه قد روي عن الواقدي: أن خالداً لم يؤرخ الكتاب ولكن لما أراد المسلمون النهوض إلى اليرموك، جدد خالد للنصارى كتاب الصلح وأثبت فيه شهادة أبي عبيدة وشرحبيل ويزيد بن أبي سفيان، وأرخه بسنة خمس عشرة في ربيع الآخر([96]).

وأضاف ابن كثير إلى الشهود: عمرو بن العاص.

ولا يمنع أن يكون هذا كتاب آخر كتبه لهم فيما يتعلق بكنائسهم حين نهوضه إلى اليرموك، كما ربما يستظهر من عبارة ابن كثير فراجع([97]).

وحتى لو كان تاريخ الكتاب هو سنة 15، فإن ذلك لا يضر في دلالته على المطلوب لأن من المتفق عليه أن قضية عمر كانت بعد ذلك، أي في سنة 16 ه‍. أو 17 ه‍ .

ولا أحد يدَّعي إطلاقاً: أن وضعه للتاريخ قبل ذلك، ولا سيما بملاحظة: أن فتح دمشق كان أول خلافة عمر، بل قبل أن يصل إلى جند المسلمين في الشام خبر وفاة أبي بكر وتولي عمر.

نقول هذا على الرغم من أننا نرى: أن كلمات أهل المغازي قد اختلفت في وقت فتح دمشق: هل كان في سنة 13 ه‍ أو في سنة 14 ه‍، وفي أن من صالح أهلها: هل هو أبو عبيدة، أم خالد بن الوليد، وكذلك في أن أيهما كان الأمير على جند المسلمين في الشام؟.

وذلك لأن لدينا ما يشبه اليقين بأن فتح دمشق كان قبل وصول الخبر بوفاة أبي بكر في سنة 13 ه‍، أو على الأقل قبل إظهار أبي عبيدة للخبر، وأن الذي صالحهم هو خالد بن الوليد، الذي كان أميراً على الجند آنئذٍ.

فقد نصَّ أبو عبيدة، وابن قتيبة، والواقدي، والبلاذري([98])، وكثيرون غيرهم: على أن المصالحة كانت على يد خالد، مما يعني أنه هو الذي كان أمير الجيش إلى حين الصلح.

بل يذكر لنا الواقدي: مشادة عنيفة، حصلت بين أبي عبيدة وخالد، بسبب صلح خالد لهم، تظهر لنا بوضوح مدى عناد خالد في موقفه، وضعف أبي عبيدة معه([99]) الأمر الذي ينسجم كثيراً مع ما نذهب إليه، من أن قيادة الجيش كانت لخالد آنذاك.

يضاف إلى ما تقدم: أن البلاذري وغيره قد ذكروا: أن أبا عبيدة كان على الباب الشرقي، فدخلها عنوة، فجاء أهل المدينة إلى خالد، فصالحوه، وكتب لهم كتاباً، وفتحوا له الباب، ثم نقل البلاذري قول أبي مخنف، الذي يعكس القضية، ثم قال: والأول أثبت([100]).

ويدل على أن ذلك هو الأثبت: أن أكثر المؤرخين يذكرون أن خالداً كان هو المصالح لأهل دمشق، ومن ثم كان هو أمير الجيش.

وتلك الرسالة المذكورة في أول هذا الكلام ونصوص أخرى، تدل دلالة قاطعة على ذلك أيضاً.

وأما عزل خالد، فقد جاءهم وهم محاصرون لدمشق، فكتمه عنه أبو عبيدة نحو عشرين ليلة، حتى فتحت دمشق، حتى لا يوهن أمر خالد، وهم بإزاء العدو([101]).

وقال الواقدي: إن فتحها كان في ليلة وفاة أبي بكر([102]).

وقال زيني دحلان: «وقيل: إنما جاء خبر وفاة أبي بكر، بعد فتح دمشق في سنة ثلاث عشرة، وأن وفاة أبي بكر (رض) كانت في الليلة التي دخلوا فيها دمشق، وكان ذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، والقائلون بأن خبر وفاته إنما جاء بعد فتح دمشق هم القائلون بأن وقعة اليرموك كانت بعد فتح دمشق، وأنها سنة خمس عشرة»([103]).

وقال ابن كثير: «ظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي: أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة، ولكن نص سيف على ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة»([104]).

وعن عبد الرحمن بن جبير: أن أبا عبيدة نفسه قد ذهب ليبشر أبا بكر بفتح دمشق، فوجده قد توفي وأمره عمر على الناس، فلما عاد إلى دمشق قالوا: «مرحباً بمن بعثناه بريداً فقدم علينا أميراً»([105]).

وعلى كل حال، فإن كتاب الصلح المتقدم، وسائر ما قدمناه يشهد: بأن خالداً هو الذي صالح أهل الشام وفاقاً لأكثر المؤرخين.

وقد قلنا: إنه حتى لو كان الكتاب مؤرخاً بسنة 15، أو كان ذلك كتاباً آخر، فإنه أيضاً يدل دلالة واضحة على أن التاريخ كان قد وضع قبل خلافة عمر.

وأما لماذا يعدل الرواة والمؤرخون عن الحقيقة، ألا وهي مصالحة خالد لأهل الشام قبل وفاة أبي بكر، فلعل تقارب الأحداث وتتابعها قد أوقعهم في الخلط والاشتباه، ولعله حين نريد أن نحسن الظن بهم ـ وهم أهل ومحل لذلك!! ـ قد كان لتعمد إظهار: أن عهد عمر كان عهد الفتوحات العظيمة، والتوسع الكبير، ولا بد أن يكون فتح الشام، وهي هامة جداً، في عهده هو لا في عهد أبي بكر.

وأيضاً فثمة اهتمام خاص ظاهر للعيان بإثبات شجاعة خالد وإظهار قوته، وبطولاته في مواقفه، وأنه ـ دون كل أحد ـ رجل السيف والسنان، فلا بد أن يكون قد فتحها عنوة، وأن يكون الذي صالح أهلها غيره!! ولو كان ذلك عن طريق الكذب والدجل والتزوير.

وأما أن أي ذلك الذي ذكرناه هو السبب الحقيقي في العدول عن الحقيقة، فلست أدري، ولعل القارئ الفطن الذكي يدري.

9 ـ  ونقل السيوطي عن مجموعة بخط ابن القماح ذكر فيها: أن ابن الصلاح قال: «ذكر أبو طاهر، محمد بن محمش الزيادي في تاريخ الشروط:

أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أرخ بالهجرة حين كتب الكتاب لنصارى نجران وأمر علياً أن يكتب فيه: أنه كتب لخمس من الهجرة.

قال: فالمؤرخ بهذا إذاً رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعمر تبعه في ذلك»([106]).

وقال السيد عباس المكي: «التاريخ سنة ماضية، وطريقة راضية، أمر بها رسول الله «صلى الله عليه وآله» حين كتب إلى نصارى نجران، فأمر علياً «رضي الله عنه»: أن يكتب فيه: (كتب لخمس من الهجرة)»([107])، ثم نقل رواية ابن شهاب المتقدمة.

وقال السخاوي: «فإن ثبت، فيكون عمر متبعاً، لا مبتكراً»([108]).

وقال السيوطي أيضاً: «وقد يقال: هذا صريح في أنه يقال: أرخ سنة خمس.

والحديث الأول (يعني رواية الزهري المتقدمة) فيه: أنه أرخ يوم قدوم المدينة.

ويجاب: بأنه لا منافاة، فإن الظرف وهو قوله: «يوم قدم المدينة» ليس متعلقاً بالفعل وهو أمر، بل بالمصدر وهو (التاريخ)، أي أمر بأن يؤرخ بذلك اليوم، لا أن الأمر كان في ذلك اليوم»([109])، هذا كلام السيوطي.

ولكن ثمة جواب أوضح وأظهر، وهو: أنه «صلى الله عليه وآله» قد أمر بالتاريخ من أول قدومه، وجعل مبدأه أول ربيع الأول؛ واستعمله النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه حين كتب لنصارى نجران في سنة خمس.

10 ـ خبر الصحيفة السجادية الذي يظهر منه: أن جعل هجرة الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله» مبدأ للتاريخ كان مرتبطاً بالمبدأ الأعلى جل وعلا، حيث جاء في الخبر: أن جبرائيل «عليه السلام» قال للنبي «صلى الله عليه وآله»: «تدور رحى الإسلام من مهاجرك؛ فتلبث بذلك عشراً، ثم تدور رحى الإسلام على رأس خمس وثلاثين من مهاجرك، فتلبث بذلك خمساً»([110]).

11 ـ  وعن أم سلمة قالت: «قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقتل حسين بن علي على رأس ستين من مهاجري»([111]).

12 ـ وعن أنس قال: «حدثنا أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله»: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: لا تأتي مئة سنة من الهجرة ومنكم عين تطرف»([112]).

13 ـ وقد ذكر البعض نصاً للكتاب الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة، وجاء في آخره: «وإن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة، وكتب في شهر ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة»([113]).

ومن المعلوم: أن فتح الحيرة على يد خالد كان في زمن أبي بكر، وذلك معناه أن التاريخ كان قد وضع واستعمل قبل خلافة عمر، فكيف يكون عمر هو واضع التاريخ في سنة ست عشرة؟ وقد يمكن تأييد ذلك بما تقدم عن السهيلي وابن عباس، وغير ذلك مما لا مجال لذكره.

هذا، واحتمال أن تكون العبارة الأخيرة من كلام الرواة أو المؤرخين ليس له ما يؤيده، كما ألمحنا.

14 ـ ما رواه الحافظ عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة الخ..»([114]).

15 ـ ما رواه عبد الرزاق أيضاً عن ابن مسعود قال: «إذا كانت سنة خمس وثلاثين حدث أمر عظيم، فإن تهلكوا فبالحرا، وإن تنجوا فعسى. وإذا كانت سبعين رأيتم ما تنكرون»([115]).

فإن ابن مسعود وأبا هريرة إنما علما ذلك عن طريق النبي «صلى الله عليه وآله»؛ لأنه تنبؤ بالغيب، وهذا يدل على أنه «صلى الله عليه وآله» هو واضع التاريخ الهجري.

16 ـ  وفي حديث رواته ثقات: «نعوذ بالله من رأس الستين وفي رواية: من سنة ستين، ومن إمارة الصبيان»([116]).

وعن أبي هريرة أنه قال: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان([117]).

17 ـ  عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر «رض» مرفوعاً: «إذا كان على رأس السبعين ومئة فالرباط بجدة من أفضل ما يكون من الرباط»([118]).

عود على بدء:

وبعد كل ما قدمناه، يتضح: أن ما اشتهر بين الناس من أن واضع التاريخ الهجري الإسلامي هو عمر بن الخطاب، مما لا يمكن القبول به ولا المساعدة عليه؛ وأن ما حدث في زمن عمر هو فقط: جعل مبدأ السنة الهجرية شهر محرم، بدلاً من ربيع الأول، إما باقتراح من عمر نفسه، أو بإشارة من عثمان، ومحرم ـ كما هو معلوم ـ كان مبدأ السنة في الجاهلية!!([119]).

وليس من البعيد: أن يكون التاريخ الهجري الذي وضعه النبي «صلى الله عليه وآله»، وأرخ به أكثر من مرة، لم يكن قد اشتهر بين الناس، بسبب قلة احتياجهم للتاريخ في تلك الفترة، فجمع عمر الصحابة ليتفقوا على تاريخ، حسبما تقدم بيانه([120]).

ولكننا رأينا في الاجتماع دعوات مغرضة لتناسي ذلك التاريخ الذي أمر به ووضعه الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله»، فهذا يشير بتاريخ الروم؛ وبعض مسلمي اليهود يشير بالتاريخ الذي يرجع إلى زمان الإسكندر والهرمزان، يستشيره عمر ـ مع أن عمر كان يكره الفرس كراهية شديدة ـ فيشير عليه بتاريخ الفرس، كلما هلك ملك أرخوا من ولاية الذي بعده.

ورابع: يشير بجعل مبدأ التاريخ مولد النبي «صلى الله عليه وآله» ـ عام الفيل ـ الذي كان العرب يؤرخون به في جاهليتهم المتأخرة، وهكذا،  «وكثر منهم القول وطال الخطب في تواريخ الأعاجم وغيرها» على حد تعبير المسعودي([121]).

ولكن علياً «عليه السلام» حافظ الدين ورائد الحق، قد أعلن في الوقت المناسب: التاريخ الهجري الذي وضعه الرسول «صلى الله عليه وآله»، وأرخ به هو نفسه في حياة النبي «صلى الله عليه وآله» العديد من الكتب والمعاهدات.

فلم يكن ثمة بد من قبول رأيه والإذعان لمشورته، لأنها حق، والحق يعلو ولا يعلى عليه.

واتخاذه الهجرة مبدأ للتاريخ دون يوم ولادته ووفاته «صلى الله عليه وآله»، إنما هو لأهمية الهجرة من دار الشرك؛ حيث الذل والهوان إلى دار الإسلام حيث العزة والكرامة، فهي مهمة جداً في صنع التاريخ والإنسانية، كما أنه يكون بذلك «صلى الله عليه وآله» قد أبعد كل المواقف المخزية، والأحداث التي تختص بالطواغيت والظلام عن أن تجعل مبدأ للتاريخ، وعن أن تصبح في جملة الرواسب والمرتكزات، التي يعتادها الإنسان ويألفها، وتستقر في وعي الناس كجزء من التراث، والثقافة، والحياة.

والتاريخ المسيحي إذاً لماذا؟:

وبعد.. فإننا نسجل هنا بكل أسف وأسى حقيقة: أن الغربيين وغير المسلمين يحافظون على تراثهم وعلى خصائصهم، مهما كانت تافهة وحقيرة، وغير ذات أهمية، ولا يتنازلون عنها في أي من الظروف والأحوال، بل هم يطمحون إلى بثها وترسيخها لدى غيرهم من الجماعات والأمم، ولو على حساب تدمير تاريخ وتراث تلك الجماعات؛ فنجد أنهم عندما يكتبون عن الشؤون والتواريخ الإسلامية يصرون على تحوير التاريخ الهجري، الذي ضبطت به الحوادث إلى الميلادي الشمسي، مهما كان ذلك موجباً لضياع كثير من الحقائق، والغلط والخلط فيها نتيجة للاختلاف فيما بين التاريخين.

أما نحن: فإننا نتنازل عن كثير من الأشياء التي قد يكون الكثير منها رئيسياً وأساسياً، بدعوى التقدمية والرقي، وغير ذلك من ألفاظ خلابة، وشعارات براقة، تخفي وراءها الكثير الكثير من المهالك والأخطار، بل لقد تخلت بعض البلاد الإسلامية حتى عن الخط العربي، واستبدلته بالخط اللاتيني، بالإضافة إلى تخليهم عن كثير من شؤونهم الحياتية حتى زيهم ولباسهم، وحتى طريقة عيشهم أيضاً.

وهكذا كان حالنا بالنسبة للتاريخ الهجري، حيث قد تخلينا عنه، وبكل يسر وسهولة رغم أنه من موجبات عزتنا، وعليه يقوم تاريخنا وتراثنا، فاستبدلناه بالتاريخ المسيحي الشمسي، المستحدث بعد ظهور الإسلام ببرهة طويلة، لأن النصارى كانوا يؤرخون برفع المسيح «عليه السلام»([122])، لا بميلاده، وعلى حسب نص آخر: إنهم كانوا يؤرخون بعهد الإسكندر ذي القرنين([123])، حتى إن ابن العبرى، وهو من اليعاقبة المسيحيين، وقد بلغ إلى درجة تعادل درجة الكاردينال، وتوفي سنة 685 ه‍. لم يؤرخ في كتابه بتاريخ المسيح أصلاً، بل اعتمد تاريخ الإسكندر في مواضع عديدة في كتابه فراجع.

فلو كان تاريخ المسيح شائعاً أو معروفاً في عصره لم يعدل عنه.

ويظهر من كلام السخاوي المتقدم، والمتوفى سنة 902 ه‍ أن التاريخ بميلاد المسيح لم يكن متداولاً إلى أوائل القرن العاشر الهجري.

وها نحن نرى العديد من الدول التي تطلق على نفسها اسم الإسلام، قد اتخذت هذا التاريخ المسيحي، لا الفارسي ولا الرومي اللذين سبق أن اقترحا على الصحابة في الصدر الأول.

نعم، لقد اعتمدوا التاريخ المسيحي، بدعوى الحضارة والتقدمية، وما إلى ذلك من شعارات، وتركوا ما هو مصدر عزتهم، وما عليه يقوم تاريخهم وتراثهم، كما تنازلوا عن الكثير الكثير مما هو أعظم وأهم، والتنازل عنه أخطر، وأدهى.

ملاحظة:

قيل لأبي عبد الله «عليه السلام» فيما روي: إن النصارى يقولون: إن ليلة الميلاد في أربعة وعشرين من كانون؟

فقال: كذبوا، بل في النصف من حزيران، ويستوي الليل والنهار في النصف من آذار([124]).

والملاحظ: أن الآية قد صرحت بوجود الرطب في وقت ميلاد عيسى «عليه السلام» قال تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}([125])، إلا أن يدعى: أن وجود الرطب كان على سبيل الإعجاز.

ومن جهة أخرى نقول: إن مريم قد انتبذت من أهلها مكاناً قصياً وشرقياً أيضاً، وكان في مكان الولادة نخل ورطب..

وهذا يشير إلى صحة الروايات التي تقول: أنها ولدت عيسى في مسجد براثا في بغداد فراجع..

دعوة مخلصة:

فنحن ندعو الأمم الإسلامية إلى اعتماد التاريخ الهجري القمري في تقاويمهم وتواريخهم، لأن ذلك يصل ماضيهم بحاضرهم، ويذكرهم بسر مجدهم وعزتهم، وهو هذا الدين الذي اختاره الله لهم وللإنسانية جمعاء.

مضافاً إلى أنه لو كان المفروض جعل أعظم الحوادث مبدأ للتاريخ، فأي حادثة أعظم من ظهور نبي الإسلام، وما تلا ذلك من الحوادث العظام؟.

قال العلامة المجلسي: «والعلة الواقعية في ذلك، يمكن أن تكون ما ذكر من أنها مبدأ ظهور غلبة الإسلام والمسلمين، ومفتتح ظهور شرائع الدين، وتخلص المؤمنين من أسر المشركين، وسائر ما جرى بعد الهجرة من تأسيس قواعد الدين المبين»([126]).

نقول ذلك للأمم الإسلامية جمعاء وللعرب على الخصوص، فإننا حتى لو تنزلنا عن ذلك من حيث الدين، فإن عليهم أن يلتزموا به بما أنهم عرب، وأذكرهم هنا بالكلمة القوية التي أطلقها الحسين سيد الشهداء «عليه السلام» حينما قال: «إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنيـاكم هذه، وارجعوا إلى أحسـابكم، إن كنتم عربـاً كـما تزعمون»([127]).

نسأل الله أن يعيد إليهم صوابهم، ويجعلهم يسترشدون بعقولهم وضمائرهم.

وإذا كانوا يقلدون غيرهم في كل شيء تحت ظل مثل تلكم الشعارات، فليقلدوهم في هذه النقطة أيضاً، أي في عدم التنازل عن الخصائص الخيرة، والتراث العظيم، ثم الاستجداء من الآخرين والأخـذ منهم ما قـد يكـون ـ بل هو كائن فعلاً ـ ضرره أكثر من نفعه.

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}([128]).

 

  

الفصل الثاني:

 

بناء مسجد المدينة

 

بناء المسجد:

واشترى النبي «صلى الله عليه وآله» ـ أو وهب له ـ موضع المسجد، الذي يقال: إنه كان مربداً([129]) ليتيمين من الخزرج، كانا في حجر أسعد بن زرارة، أو غيره اشتراه ـ على ما قيل ـ بعشرة دنانير.

فأسس «صلى الله عليه وآله» المسجد في ذلك الموضع، ونقلوا إليه الحجارة من منطقة الحرة، وشارك «صلى الله عليه وآله» بنفسه في نقلها، الأمر الذي دفع الصحابة إلى الدأب في العمل، والجد فيه، حتى قال قائلهم:

لـئـن قـعـدنـــا والنبي يـعـمــل           لـذاك مـنـا الـعـمـل المـضـلـــل

وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون:

الـلـهـم إن الأجـر أجـر الآخـرة          فـارحـم الأنـصـار والمـهــاجـرة

أو نحو ذلك([130]).