الصحيج

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ 1425 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 الجزء السابع

  

المركز الإسلامي للدراسات


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 الفصل السادس: 

 

جـزاء الـغـادر

 

1 ـ قتل أبي عفك:

كان الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» قد عاهد اليهود على الموادعة، وعدم تعرض أي من الفريقين للآخر. ولكن ازدياد سرايا المسلمين في المنطقة، وما تبع ذلك من إجراءات على صعيد بناء المجتمع الجديد وتقويته، قد زاد من قوة المسلمين، ورفع من معنوياتهم، وجعل منهم قوة لها خطرها؛ مع أنه لم يمض بعد عامان على قدومهم كلاجئين، يبحثون عن مأوى وملجأ وملاذ.

إذاً، فلا بد ـ برأي اليهود ـ من تطويق هذا الخطر، والحد من هذا النفوذ قبل فوات الأوان؛ حتى يتسنى لهم الاستمرار في الاحتفاظ بالتفوق السياسي والاقتصادي في المنطقة.

وقد بدأت محاولات اليهود في هذا السبيل من أوائل الهجرة، وقبل حرب بدر، ثم كانت حرب بدر ونتائجها المذهلة، فزاد ذلك من مخاوف اليهود، والمشركين، والمنافقين على حد سواء، فصعدوا من نشاطاتهم، وتحدياتهم بشكل ملحوظ كما سنرى.

وقد بدأ اليهود قبل بدر بالتحريض على الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» والمسلمين، والتعرض لهم بمختلف أنواع الأذى، فكان (أبو عفك) اليهودي يحرض على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويقول فيه الشعر؛ فنذر سالم بن عمير أن يقتله، أو يموت دونه؛ فذهب إليه فقتله([1]). ويبدو أن قتله كان قبل حرب بدر، كما سيظهر من العبارات التالية:

2 ـ قتل العصماء بنت مروان:

فلما قتل أبو عفك، تأففت العصماء بنت مروان (وهي من بني أمية بن زيد، وزوجة يزيد الخطمي) من قتله، فصارت تعيب الإسلام وأهله، وتؤنب الأنصار على اتباعهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وتقول الشعر في هجوه «صلى الله عليه وآله»، وتحرض عليه، واستمرت على ذلك إلى ما بعد بدر. فجاءها عمير بن عوف ليلاً لخمس بقين من شهر رمضان المبارك، فوجدها نائمة بين ولدها، وهي ترضع ولدها ـ وعمير ضعيف البصر ـ فجسها بيده؛ فوجد الصبي على ثديها يرضع، فنحاه عنها، ثم وضع سيفه في صدرها حتى أخرجه من ظهرها، ثم ذهب إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال له «صلى الله عليه وآله»: أقتلت ابنة مروان؟

قال: نعم.

قال «صلى الله عليه وآله»: لا ينتطح فيها عنزان. أي لا يعارض فيها معارض([2]).

هكذا زعم المؤرخون: وإن كنا نشك في صحة ذلك، إذ لا يعقل أن ينحي ولدها عنها ولا تلتفت إليه، وتبقى ساكنة ساكتة، حتى يضع سيفه في صدرها.

هذا، وقد جاء في شواهد النبوة: أن عمير بن عدي الخطمي سمع أبياتها التي قالتها حين كان النبي «صلى الله عليه وآله» في بدر، والتي قالتها في ذم الإسلام والمسلمين، وكان ضريراً، فنذر: لئن رد الله رسوله سالماً من بدر ليقتلنها.

ففي ليلة قدومه «صلى الله عليه وآله» ذهب إليها عمير فقتلها؛ فلما رآه النبي «صلى الله عليه وآله» قال له: أقتلت ابنة مروان؟

قال: نعم.

فأقبل «صلى الله عليه وآله» على الناس، وقال: «من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة الله ورسوله؛ فلينظر إلى عمير بن عدي».

فقال عمر: إلى هذا الأعمى؟ بات في طاعة الله ورسوله!!.

فقال النبي «صلى الله عليه وآله»: مه يا عمر، فإنه بصير، أو كما قال([3]).

ورجع عمير إلى قومه من بني خطمة؛ فقال لهم: يا بني خطمة، أنا قتلت ابنة مروان، فكيدوني جميعاً، ولا تنظرون.

فذلك أول ما عز الإسلام في دار بني خطمة، وكان من أسلم منهم يستخفي بإسلامه، ويومئذٍ أسلم رجال منهم بما رأوا من عز الإسلام([4]).

ولعل ما في شواهد النبوة من أن عميراً كان أعمى، وقد جاء هذا على لسان عمر أيضاً، قد جاء على سبيل المبالغة؛ لأنه كان ضعيف البصر بالفعل، فإن من الصعب على الضرير أن يقوم بعملية كهذه، وهي نائمة ليلاً بين ولدها.

إلا أن يقال: إنه إذا عرف مكانها الذي تنام فيه، فإن بإمكانه تمييز الطفل عن غيره بواسطة تلمس أبدانهم، كما هو صريح الرواية. ولكنها ـ كما قلنا ـ تبقى عملية صعبة على الرجل الضرير.

ولذلك فنحن نرجح طريقة المبالغة كما قلنا.

3 ـ قتل كعب بن الأشرف:

قال الواقدي: إن قتل كعب بن الأشرف كان في ربيع الأول في سنة ثلاث.

وخلاصة ما جرى: أن اليهود كانوا يتوقعون: أن يستأصل المشركون شأفة المسلمين والإسلام، وكان لانتصار المسلمين في بدر وقع الصاعقة عليهم، وثارت ثائرتهم، وطاشت عقولهم.

قال ابن اسحاق: لما أصيب المشركون في بدر؛ بلغ ذلك كعب بن الأشرف، وكبر عليه قتل من قتل في بدر، وبكاهم، وهجا النبي «صلى الله عليه وآله» وأصحابه في شعره، وكان يشبب بنساء المسلمين (وأضاف البعض([5]): نساء النبي «صلى الله عليه وآله» أيضاً) حتى آذاهم([6]).

فسار إلى مكة، وحرض على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على حرب رسول الله.

وسأله أبو سفيان: أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدى في رأيك، وأقرب إلى الحق: إنّا لنطعم الجزور الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبت الشمال؟!

فقال له: أنتم أهدى منهم سبيلاً([7]).

فلما عاد إلى المدينة، قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: من لي بابن الأشرف؟

فانتدب له محمد بن مسلمة، وقال: يا رسول الله، لا بد لنا أن نقول.

قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك.

فذهب إليه هو وأبو نائلة، أخو كعب من الرضاعة، وآخرون. فاجتمع به أبو نائلة، وأظهر له تبرمه من الوضع المعيشي الذي نجم عن قدوم النبي «صلى الله عليه وآله» إليهم، وطلب منه: أن يبيعه طعاماً في مقابل رهن، فطلب ابن الأشرف أن يرهنوه نساءهم، فرفض أبو نائلة، ثم طلب أبناءهم، فرفض أيضاً، وعرض عليه رهن السلاح، حتى لا ينكر كعب السلاح إذا جاء مع أصحابه؛ فقبل كعب. ورجع المفاوض إلى جماعته، فجاء بهم، ومعهم السلاح، وشيعهم «صلى الله عليه وآله» إلى بقيع الغرقد؛ ودعا لهم، فلما انتهوا إلى الحصن صاحوا به، فقالت له زوجته ـ وكان حديث عهد بعرس ـ : أسمع صوتاً يقطر منه الدم.

فقال لها كعب: إن أبا نائلة لو رآه نائماً ما أيقظه. ونزل إليهم، فأخذ أبو نائلة رأسه فشمه، وتعجب من طيبه، وكرر ذلك حتى اطمأن كعب.

ثم أخذ بفوديه، وقال: اضربوا عدو الله، فخبطوه بأسيافهم، وقتلوه، وجرح منهم بأسيافهم الحارث بن أوس بن معاذ، فتفل «صلى الله عليه وآله» على جرحه. فأصبحوا وقد خافت يهود مما جرى لكعب «فليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه»([8])، وذهبوا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»؛ فقالوا: قتل صاحبنا غيلة.

فذكرهم النبي «صلى الله عليه وآله» بما كان يهجوه في أشعاره ويؤذيه.

قال: ثم دعاهم النبي «صلى الله عليه وآله» إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحاً، قال: أحسبه قال: فذلك الكتاب مع علي([9]).

وقال كعب بن مالك بهذه المناسبة أبياتا منها:

فـغـودر مـنـهم كعب صـريـعـاً           فـذلـت بعـد مصـرعــه النضير([10])

قال العلامة الحسني: «ومع ذلك فلم يتراجعوا عن الدس والتحريض على المسلمين والتصدي لهم، والنيل من النبي «صلى الله عليه وآله»، وطلب منهم النبي أن يكفوا عما هم عليه، وأن يلتزموا بالعهد الذي أعطوه على أنفسهم، حين دخوله المدينة، فلم يزدهم ذلك إلا عتوَّاً وتمادياً في إيذاء المسلمين، ونشر الفساد، والنبي «صلى الله عليه وآله» من جانبه يوصي المسلمين بالهدوء وضبط الأعصاب»([11]).

ولا بد أن يكون ذلك ـ لو صح ـ باستثناء ناقضي العهد من الشخصيات الخطرة، التي كانت تحرض على الإسلام والمسلمين، وتشكل خطراً جدياً عليهم، كما يظهر مما يأتي:

ملاحظة: قد تقدم أن الكتاب الذي كتبه النبي «صلى الله عليه وآله» بينه وبين اليهود قد كان مع علي «عليه السلام».

ونحن نستثير القارئ ليطرح سؤاله حول السر في أن يكون ذلك الكتاب عند علي «عليه السلام» دون غيره، فهل ذلك يشير إلى خصوصية لعلي «عليه السلام» بالنسبة إلى النبي «صلى الله عليه وآله» في المجال السياسي، أو حتى فيما يرتبط بالإمامة من بعده «صلى الله عليه وآله»؟!.

4 ـ قتل ابن سنينة:

ويذكر المؤرخون: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي، فقتله، فقال له أخوه حويصة ـ ولم يكن قد أسلم بعد ـ: يا عدو الله قتلته؟! أما والله لرب شحم في بطنك من ماله.

فقال محيصة: لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك.

قال: فوالله، إن كان لأول إسلام حويصة. فاستحلفه على ذلك؛ فحلف له فقال: إن ديناً بلغ بك ما أرى لعجب! ثم أسلم([12]).

5 ـ قتل أبي رافع:

وفي جمادى الآخرة من السنة الثالثة([13])، وقيل: سنة أربع([14]).

وعند البعض: بعد أحد من دون تعيين.

كان قتل أبي رافع بن الحقيق بخيبر، الذي كان يظاهر ابن الأشرف في معاداته للنبي «صلى الله عليه وآله»، ويؤذي النبي «صلى الله عليه وآله»، ويبغي عليه.

وذلك أنه: بعد قتل الأوس لابن الأشرف قالت الخزرج: والله لا يذهبون بها علينا عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»؛ فوقع اختيارهم على ابن الحقيق هذا، المعروف ببغيه وأذاه، والمظاهر لابن الأشرف؛ فاستأذنوا رسول الله «صلى الله عليه وآله» في قتله فأذن لهم. فخرج إليه خمسة نفر أو ثمانية، عليهم عبد الله بن عتيك، فأتوا داره ليلاً، فأغلقوا أبوابه على أهله، وكان هو في علية، فاستأذنوا عليه؛ بحجة: أنهم جاؤا يطلبون الميرة([15])، فدخلوا عليه، وأغلقوا باب العلية، فوجودوه على فراشه؛ فابتدروه، فصاحت المرأة؛ فأرادوا قتلها، ثم ذكروا نهي النبي «صلى الله عليه وآله» عن قتل النساء والصبيان، فقتلوه، وخرجوا. ولكنهم لم يطمئنوا إلى أنه قد مات؛ فأرسلوا أحدهم، فدخل بين الناس، وعرف الخبر منهم، ورجع إليهم فأخبرهم بهلاكه.

ثم رجعوا إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، واختلفوا فيمن قتله، فأخذ النبي «صلى الله عليه وآله» أسيافهم، فرأى على سيف ابن أنيس أثر الطعام؛ فقال: هذا قتله([16]).

وأضاف ابن الأثير في روايته المفصلة: أن ابن عتيك وصل إلى غرفة أبي رافع المظلمة، فناداه، فأجابه، فضرب جهة الصوت، فصاح؛ فهرب ابن عتيك، ثم عاد إليه، فقال: ما هذا الصوت؟!

فأجابه: إن رجلاً في البيت، فضرب نحو الصوت، فأثخنه، ثم وضع السيف في بطنه، حتى خرج من ظهره، ونزل من درج فوقع، فانكسرت ساقه؛ فعصبها بعمامة؛ ثم جلس عند الباب، ليعرف إن كان قد قتل حقاً، فسمع أول الفجر نعيه، فانطلق إلى أصحابه، ثم جاء إلى النبي، فمسح «صلى الله عليه وآله» رجله، فكأنه لم يشتكها قط([17]).

وقبل المضي في الحديث لا بد من تسجيل النقاط التالية:

ألف: الإسلام قيد الفتك:

إنه ربما يتخيل: أن الاغتيالات التي تحدثنا عنها لا تناسب ما ورد من أن الإسلام قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن، حتى ليقال: إن هذا كان هو المانع لمسلم بن عقيل من قتل عبيد الله بن زياد في بيت هاني بن عروة([18]).

ولكن الحقيقة هي: إن المقصود بالفتك هو القتل غدراً لمن يكون في أمن من ناحيتك. والغدر أعم من الفتك.

وثمة رواية تفيد: أن الفتك لا يجوز إلا بإذن الإمام «عليه السلام»، وقد حكم على من فتك بشاتمي أمير المؤمنين «عليه السلام» أن يذبح كبشاً. ولو أنه قتلهم بإذن الإمام «عليه السلام» لم يكن عليه شيء([19]).

وذلك لأن الفتك لو شاع لانعدم الأمن، وسلبت الراحة من كل أحد.

وقد كان عبيد الله بن زياد في بيت هاني بن عروة يرى نفسه في أمن من ناحيتهم، ولم يكن ثمة إعلان حرب فيما بينه وبينهم، إنما كان ثمة إرهاصات بالحرب فيما بينه وبين الحسين «عليه السلام»، ولم يكن ذلك قد اتضح بصورة تامة في ذلك الحين.

وليس الأمر بالنسبة لليهود كذلك، لأنهم كانوا قد عاهدوا النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله»: أن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوه.

وهؤلاء هم الذين آذوا المسلمين، وهجوهم، وحرضوا المشركين عليهم، وناحوا على قتلى بدر، بل ذهب ابن الأشرف إلى مكة للتحريض عليهم، وشبب بالنساء المسلمات، وحتى بنساء رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى آخر ما تقدم.

إذاً، فقد صار هؤلاء من أظهر مصاديق (المحاربين)، وناقضي العهود، ولا بأس بالخدعة على المحارب لقتله؛ فإن (الحرب خدعة)([20]).

وقد كان «صلى الله عليه وآله» إذا أراد غزوة ورى بغيرها([21])، كما أنه «صلى الله عليه وآله» قد أجاز لهم أن يقولوا ما شاؤوا حينما ذهبوا إلى قتل ابن الأشرف، وذلك لأن شر هذا المحارب وفساده في الأرض، ووقوفه في وجه كلمة الله، وإقامة العدل والحق، أعظم من أي قول يقولونه، وأي أسلوب يتبعونه.

وأخيراً: فهل يشك أحد في أن من يكون في ساحة الحرب، فإن لعدوه أن يختله من خلفه، ويتخلص منه؟!.

ومن كان محارباً، فليس له أن يأمن عدوه، وينام قرير العين، فارغ البال!

ويدل على ما قلناه: أن نفس امرأة كعب بن الأشرف قد حذرته، وقالت له: «إنك امرؤ محارب، إن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة»!!

ومما يدل على ذلك أيضاً: أنهم قد احتاجوا إلى تجديد العهد الذي نقضوه، وكتابة عهد آخر كان عند علي أمير المؤمنين، وصي النبي ووارثه، صلوات الله وسلامه عليه([22]).

جريمة معاوية:

و­بعدما تقدم، فإننا نجد معاوية يحاول ـ كعادته ـ أن ينتقص رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويظهر ابن الأشرف على أنه قد قتل مظلوماً؛ فعن عباية، قال: ذكر قتل كعب بن الأشرف عند معاوية، فقال: كان قتل غدراً.

فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية أيغدر عندك رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟ لا يظلني وإياك سقف بيت أبداً([23]).

وحسبنا هنا أن نقول عن معاوية، ومواقفه، ومخزياته: وكل إناء بالذي فيه ينضح.

ب: رعب اليهود:

إن عمليات قتل هؤلاء الأفراد، التي نظمت ونفذت ببراعة فائقة، وذكاء وعبقرية، قد أرعبت اليهود، وأخافتهم، ولا سيما بعد قتل ابن الأشرف الغادر، حتى إنه (ليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه). وحتى قال كعب بن مالك:

فـغـودر مـنـهم كعب صـريـعـاً           فـذلـت بعـد مـصـرعــه   النضـير

وقد كان يهود بني النضير أعز من بني قريظة، وغيرهم، ممن كان لا يزال في تلك المنطقة. وكان لهذه الضربة فيهم أثر هام في رعب سائر اليهود آنئذٍ. وأصبح القضاء على من يغدر من اليهود أسهل وأيسر، فالمسلمون يملكون الجرأة الكافية، واليهود أصبحوا خائفين على أنفسهم، والقضاء على الخائف المرعوب أسهل وأيسر من القضاء على غيره، وكان ذلك واحداً من مصاديق قوله «صلى الله عليه وآله»: (نصرت بالرعب).

وذلك أمر طبيعي بالنسبة لمن لا يؤمن بالمعاد، ويعتقد أن جنته هي هذه الدنيا، وأنه إذا فقد حياته، فقد كل شيء، حسبما ألمحنا إليه من قبل.

ج: مع موقف عمير في أصالته ونبله:

1 ـ يلاحظ: أن عمير بن وهب ينحي ولد العصماء عن صدرها، ثم يقتلها.

وهذا يؤكد: على أن الإسلام قد ربى أتباعه على أنه ليس ضد الإنسان، وإنما هو ضد مواقفه وتصرفاته المنحرفة عن الحق، والعدل، والفطرة.

فهو يريد فقط: أن يقضي على مصدر الخطر على الحق والفطرة.

وحينما لا يبقى ثمة سبيل إلا القضاء على مصدر الفتنة؛ وحيث يكون آخر الدواء الكي؛ فإنه لا بد أن يكتفى بالحد الأدنى، الذي يتحقق فيه الهدف الأقصى، وهو إقامة الدين والحق.

2 ـ ثم إننا لنكبر هذا التعقل النادر لعمير في موقف حرج وخطير كهذا، حتى إنه ليملك في هذه اللحظات الحساسة جداً أن يتخذ القرار الحاسم والمبدئي، وكما يريده الإسلام، بعيداً عن كل اضطراب وانفعال، لا سيما وهو ضرير، كما قيل، أو ضعيف البصر.

نعم، إنه يتصرف بهدوء واطمئنان، ووعي، حتى في أحرج اللحظات، وأكثرها إثارة للأعصاب، وتشويشاً للحواس.

ومثل ذلك يقال بالنسبة لامتناعهم عن قتل المرأة التي كادت تفضحهم بصياحها في قضية أبي رافع، حين تذكروا نهي النبي «صلى الله عليه وآله» عن قتل النساء والصبيان.

وهذه هي الشخصية الإسلامية التي يريدها الإسلام، واستطاع أن يصدر للعالم الكثير من النماذج الحية لها، من أمثال سلمان، وعمار، وأبي ذر، والمقداد، والأشتر، وفوق هؤلاء جميعاً سيدهم، وإمامهم، وأميرهم، أمير المؤمنين علي «عليه السلام»، والأئمة من ولده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ويكفي أن نذكر مثالاً وقدوة لكل الأحرار، والذين يعيشون المبدأ بكل وجودهم: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» حينما أراد أن يقتل عمرو بن عبد ود، فشتمه عمرو، وتفل في وجهه، قام عنه، حتى ذهب عنه غضبه، ثم عاد إليه فقتله، فعل ذلك ليكون قتله له خالصاً لله، لا يتدخل فيه عنصر حب الانتقام لنفسه، وغضبه لها، ولو بشكل لا شعوري.

هـذه مـن عـلاه إحـدى المـعـالي                 وعـلى هـذه فـقـس مــا سـواهــا

3 ـ ثم هناك رواية شواهد النبوة، التي تضيف: أن بعض الصحابة قد نفس على عمير هذا الوسام النبوي الذي ناله عن جدارة واستحقاق، ولم يستطع أن يخفي ذلك في نفسه، بل ظهر في فلتات لسانه بتعبير فيه شيء من الجفاء الجارح، دعا الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله» إلى محاولة حسم الموقف، ثم التلطيف والتخفيف من وقع تلك العبارة، ثم معاودة التأكيد على جدارة عمير، واستحقاقه للثناء، وعرفان حقه، بقوله «صلى الله عليه وآله»: «مه يا عمر، فإنه بصير».

4 ـ وهناك أيضاً موقف آخر لعمير في قومه، الذي أدى إلى أن يعز الإسـلام فيهم، ويسلم منهم رجـال. فإن في ثقـة عمير بنفسه وبدينه، وصلابته في التعبير عن هذه الثقة، حتى لقد صرح لهم: أنه لم يعد يخشى أحداً على الإطلاق ـ إن في ذلك ـ ما يجعل كل من يتردد في قبول الإسلام، بسبب خوفه، وضعف نفسه، يشعر بأن بإمكانه أن يجد في الإسلام نصيراً ومعيناً وحامياً له، ولم يعد ثمة ما يبرر موقفه السلبي منه.

ولأجل هذا نجد: أن عدداً منهم يدخل في الإسلام، حينما شعر بعزة الإسلام وبقوته في تلك القبيلة.

د: ابن الأشرف وأبو سفيان:

وفي قضية ابن الأشرف يواجهنا سؤال أبي سفيان لكعب عن الدين الحق، ثم محاولة أبي سفيان الاستدلال على أحقية دينه بما تقدم، من أنهم يطعمون الجزور الكوماء، ويسقون اللبن على الماء الخ.

ونحن هنا نسجل ما يلي:

1 ـ إن ذلك يؤيد ما قدمناه، من أن العرب كانوا يرون في اليهود مصدراً للمعرفة والثقافة.

وقد استقر ذلك في نفس عمر بن الخطاب، حتى إنه كان يأتي بترجمة التوراة إلى النبي «صلى الله عليه وآله» حتى أظهر النبي «صلى الله عليه وآله» انزعاجه من ذلك، حسبما قدمناه في مدخل هذه الدراسة، حين الكلام حول المرسوم العام، حيث قال النبي «صلى الله عليه وآله» لعمر بن الخطاب: أمتهوكون أنتم؟!

هذا بالإضافة إلى أننا وإن كنا نكاد نطمئن إلى أن أبا سفيان لم يكن يجهل بأحقية دين الإسلام، وأنه من أجلى مصاديق قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ([24]) وإنما هو يحارب الإسلام من أجل الحفاظ على مصالحه الشخصية، وامتيازاته غير المشروعة ولا المعقولة، التي كرسها له ولأمثاله العرف الجاهلي الظالم والمنحرف.

الا أننا نعتقد: أن أبا سفيان كان يهدف من سؤاله هذا لابن الأشرف اليهودي إلى خداع البسطاء والسذج من قومه وأتباعه، من أجل ضمان استمرارهم معه في حرب الإسلام والمسلمين، وجديتهم في ذلك.

2 ـ إننا نلاحظ: أن كرم العرب هو أقصى ما استطاع أن يأتي به أبو سفيان كدليل على أحقية دينه.

وقد تقدم في أوائل هذا الكتاب ما يرتبط بقيمة ما عرف عن العرب من ميزات وخصائص فلا نعيد.

ه‍: تساؤل حائر:

إنهم يذكرون: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أعلن بشكل عام رغبته في قتل ابن الأشرف، فقال: من لي بابن الأشرف؟

فانتدب له محمد بن مسلمة. ثم يذكرون كيفية احتيالهم عليه، وقتلهم إياه.

ولكن السؤال هنا هو: كيف يعلن النبي «صلى الله عليه وآله» ذلك، ثم لا يصل الخبر إلى مسامع ابن الأشرف عن طريق مشركي المدينة أو يهودها، أو على الأقل منافقيها؟!. وكيف جازت عليه حيلتهم بهذه السهولة، وهو يعلم: أنه محارب؟!.

وعن محمد بن مسلمة ودوره في قتل ابن الأشرف، تساورنا شكوك وشكوك، فإن من يراجع كتب السيرة يلاحظ: أن ثمة كثيراً من التركيز على دوره في هذه القضية، مع أن من يتأمل في وقائعها لا يجد له كبير أثر فيها، بل الدور الأكبر هو لأبي نائلة. وابن مسلمة لو كان معهم، فإنما كان كغيره ممن حضر.

كما ويلاحظ: أن ثمة اهتماماً في إعطائه بعض الأدوار الهامة في الدفاع عن الإسلام، والدين. ونحن نشك في ذلك، ولا نستبعد أن يكون للسياسة يد في هذا الأمر، لإظهاره على أنه رجل شجاع، مناضل، مخلص الخ..

في مقابل الآخرين ممن تهتم السلطة بإيجاد بدائل لهم وعنهم، فإن محمد بن مسلمة كان ممن امتنع عن بيعة أمير المؤمنين «عليه السلام»([25]).

وروي: أن علياً «عليه السلام» قال لعمار رحمه الله: «ذنبي إلى محمد بن مسلمة: أني قتلت أخاه يوم خيبر، مرحب اليهود»([26]) ولعله كان أخاً له من الرضاعة.

وفي شرح المعتزلي: أنه كان من المهاجمين لبيت فاطمة «عليها السلام»، وأنه هو الذي كسر سيف الزبير([27]) وكان أيضاً أحد ثقات الخليفة الثاني ومعتمديه، كما نص عليه البلاذري وغيره([28]).

كما أن عمر قد بعثه إلى الشام في مهمة قتل سعد بن عبادة كما يقول البعض([29]).

وقد عينه عمر لاقتصاص أخبار العمال، وتحقيق الشكايات التي تصل إلى الخليفة من عماله([30]).

و: التنافس القبلي:

ولقد رأينا: أن التنافس القبلي بين الأوس والخزرج، حينما وظف في خدمة الإسلام والمسلمين آتى ثماراً خيرة. فكان قتل الخزرج لأبي رافع واحدة من تلك الثمار، وكان هو النتيجة البناءة الطبيعية لهذا التنافس، الذي سعى النبي «صلى الله عليه وآله» إلى تغيير منطلقاته، وأهدافه، لتكون في خدمة الدين والحق والخير للإنسان، الفرد والجماعة على حد سواء.

ز: جهل وغرور ابن الأشرف:

إن غرور كعب بن الأشرف، واعتداده الزائد بنفسه، حتى ليقول لزوجته عن أبي نائلة: إنه لو وجده نائماً لما أيقظه، والأهم من ذلك جهله بالتغيير الجذري الذي يحدثه الإسلام في نفس وفي شخصية الإنسان، هو الذي أوقعه في الفخ الذي نصبه له أولئك المجاهدون البواسل، الذين نذروا أنفسهم لخدمة دينهم الحق.

ولو أنه كان قد أدرك ما كان حويصة قد أدركه في أخيه محيصة، وعاش الواقع الحي الذي يواجهه، وحاول أن يتفاعل معه، وتخلى عن عنجهيته وغروره، لما كان ينبغي أن يسبقه حويصة إلى التشرف بالإسلام.

ح: الإسلام والإنسان:

وقد سبق: أن حويصة حينما عرف أن هذا الدين قد بلغ بأخيه: أنه لو أمره الرسول «صلى الله عليه وآله» بقتل أخيه لقتله، أدرك أحقية هذا الدين، وتشرف بالدخول فيه.

وسبق كذلك: أن أحد الإخوة يبارز أخاه في صفين، ويلقيه على الأرض، ويجلس على صدره ليذبحه، فلما رأى وجهه عرف أنه أخاه، ولكنه بقي مصراً على قتله، رغم تدخل الآخرين لمنعه، ولم يقبل أن يتركه إلا إذا أذن له أمير المؤمنين «عليه السلام»، فأذن له، فتركه حينئذٍ([31]).

وهذه الدرجة من اليقين، هي التي دعت عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى: أن يستأذن الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» في قتل أبيه المنافق، إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا مجال لاستقصائها([32]).

كما أن هذا اليقين هو الذي أشار إليه عمار بن ياسر رضوان الله تعالى عليه، حينما قال عن الجيش الذي جاء لمحاربة أمير المؤمنين «عليه السلام»: «والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر، لعرفت أنَّا على حق وهم على باطل»([33]).

فعمار لم ير النصر العسكري، والقوة العسكرية مقياساً للحق والباطل، كما هو شأن ضعاف النفوس. بل هو يجعل النصر والهزيمة رهن الحق والباطل. فالمحق منتصر دائماً، حتى حينما يكون منهزماً عسكرياً وسياسياً، والمبطل هو المنهزم، وإن كان منتصراً على الصعيد العسكري والسياسي وغير ذلك في ظاهر الأمر.

نعم، إن قضية «حويصة ومحيصة» تمثل لنا الشخصية التي يريد الإسلام، واستطاع الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» والأئمة «عليهم السلام» من بعده: أن يصنعوا منها نماذج متفوقة، تَعتَبر حب الله متفوقاً على كل حب، ورابطة العقيدة تسمو على كل رابطة([34]).

ولكن لم تستطع سائر الأجهزة التي حكمت باسم الإسلام، وتحت شعار خلافة النبوة، أن تصنع ولو نموذجاً واحداً من هذا القبيل، حتى ولو في المستوى الأدنى، إلا إذا كان ذلك عن طريق خداع بعض السذج ببعض الشعارات البراقة، والأساليب الشيطانية، فينقادون لهم، ويؤخذون بسحرهم.

وهذا ليس هو محط كلامنا، فنحن نتكلم عن الإيمان العميق المدعوم بالعقيدة الراسخة، والمنطلق من الوعي والفكر، والرؤية الصحيحة. فإذا لوحظ وجود فرد يتجه في هذا السبيل، فإنك ستجده ـ حتماً ـ يرتبط بأهل بيت النبوة ومعدن الرسالة بنحو من الارتباط والاتصال.

وبعد ما تقدم، فإننا لا بد أن نفسح المجال أمام الحديث عن المرحلة الثانية، وهي مرحلة الحرب العلنية، فإلى الصفحات التالية..

الفصل السابع:

 

حروب علنية بين المسلمين واليهود

 

قريش تحرض اليهود على نقض العهد:

قال عبد الرزاق: وكتب كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: «إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا، أو لنفعلن كذا وكذا. ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم، وهو الخلاخل ـ (شيء) ـ فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير [على] الغدر الخ..».

ثم يذكر قضية غدر بني النضير، وما جرى بينهم وبين المسلمين([35]).

ونحن نستقرب أن يكون بنو قينقاع هم أول من استجاب لطلب قريش هذا، لا سيما وأن قريشاً قد كتبت لهم بعد بدر، وكان نقض بني قينقاع للعهد بعد بدر أيضاً. أما قضية بني النضير فقد كانت في السنة الرابعة بعد أحد، كما يقولون. وسيأتي الكلام حول ذلك في جزء آخر من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

كما أن المؤرخين يقولون: إن بني قينقاع لما كانت وقعة بدر، أظهروا البغي والحسد، ونبذوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي «صلى الله عليه وآله»: أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه عدوه، نبذوه إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكانوا أول من غدر من اليهود([36]).

تصعيد التحدي:

قالوا: وكان بنو قينقاع أشجع وأشهر قوم من اليهود، وأكثر اليهود أموالاً وأشدهم بغياً، وكانوا صاغة، وكانوا حلفاء لعبد الله بن أُبي، وعبادة بن الصامت. فبينما هم على مجاهرتهم وكفرهم، إذ جاءت امرأة مسلمة إلى سوقهم([37])؛ فجلست عند صائغ منهم، لأجل حلي لها؛ فأرادوها على كشف وجهها، فأبت. فعمد الصائغ، أو رجل آخر إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، وهي لا تشعر.

فلما قامت انكشفت سوأتها؛ فضحكوا منها؛ فصاحت، فوثب مسلم على من فعل ذلك، فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستنصر أهل المسلم بالمسلمين، فغضب المسلمون.

وقال «صلى الله عليه وآله»: «ما على هذا قررناهم»؛ فتبرأ عبادة بن الصامت من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار.

وتمسك ابن أُبي بالحلف، وأصر على الرسول «صلى الله عليه وآله» بتركهم، وقال: «إنه امرؤ يخشى الدوائر، فنزل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ([38]) إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ([39])»([40]).

فجمعهم النبي «صلى الله عليه وآله» في سوقهم، وقال لهم: يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا؛ فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم.

قالوا: يا محمد، إنك ترى أنَّا قومك؟! ولا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت لهم فرصة. إنّا والله، لو حاربناك، لتعلمن أنا نحن الناس.

فأنزل الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَار([41]).

وقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء([42]). كذا يقول المؤرخون.

فتحصن بنو قينقاع في حصونهم، فاستخلف «صلى الله عليه وآله» على المدينة أبا لبابة، وسار إليهم، ولواؤه الأبيض (أو راية العقاب السوداء) يحمله أمير المؤمنين «عليه السلام».

(وقولهم: بيد حمزة ينافيه ما تقدم وسيأتي من الأدلة الكثيرة على أن علياً «عليه السلام» كان صاحب لواء رسول الله «صلى الله عليه وآله» في كل مشهد).

وحاصرهم النبي «صلى الله عليه وآله» خمس عشرة ليلة، ابتداء من النصف من شوال السنة الثانية، أو في صفر السنة الثالثة، (وهو بعيد بملاحظة: أنهم إنما غضبوا من انتصار المسلمين في غزوة بدر).

وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع؛ فسألوا رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أن يخلي سبيلهم، ويجليهم عن المدينة، وأن لهم نساءهم والذرية، وله الأموال والسلاح.

فقبل «صلى الله عليه وآله» منهم، وفعل بهم ذلك، وأخذ أموالهم وأسلحتهم، وفرقها بين المسلمين، بعد أن أخرج منها الخمس، وأجلاهم عن المدينة إلى أذرعات (بلد بالشام).

فيقال: إنه لم يدر عليهم الحول حتى هلكوا.

وفي نص آخر: أنهم أنزلوا من حصونهم وكتفوا، وأراد «صلى الله عليه وآله» قتلهم، فأصر ابن أبي عليه «صلى الله عليه وآله»: أن يتركهم له بحجة أنه امرؤ يخشى الدوائر فلا يستطيع أن يتركهم، وهم أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوه من الأحمر والأسود، على حد تعبيره؛ فاستجاب النبي «صلى الله عليه وآله» إلى طلبه وإصراره، وأجلاهم.

ونزل في ابن أبي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ([43]) إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ([44]).

وقبل أن نمضي في الحديث لا بد من تسجيل النقاط التالية:

ألف: نزول الآية في ابن أبي:

إن نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء﴾ في ابن أبي محل شك، وذلك لما يلي:

1 ـ إن ابن أبي لم يكن مؤمناً، والآية تخاطب الذين آمنوا.

هذا بالإضافة إلى ذكر النصارى في الآية، ولم يكن للنصارى دور في قضية بني قينقاع.

الا أن يقال: إن الخطاب للمؤمنين، وذكر النصارى إنما هو لإعطاء قاعدة كلية، وتحذير المؤمنين من موقف يشبه موقف ابن أبي، فما فعله ابن أبي كان سبب نزول الآية في تحذير المؤمنين من موقف كهذا.

2 ـ إن الظاهر بل المصرح به هو أن سورة المائدة قد نزلت جملة واحدة في حجة الوداع سنة وفاته «صلى الله عليه وآله»([45])، وقضية بني قينقاع إنما كانت قبل أحد.

فهل تأخر نزول الآية عن مناسبتها ما يقرب من ثماني سنين؟!!.

حقيقة القضية:

ولعل السر في دعوى نزول مجموع الآيات في هذه المناسبة، هو الخداع والتضليل للسذج والبسطاء، وتشكيكهم في قضية الغدير، التي كانت ولا تزال الشوكة الجارحة في أعين شانئي علي «عليه السلام» ومبغضيه.

فالظاهر هو: أن هذه الآيات قد نزلت لتحذير المسلمين من الاتجاه الذي كانت بوادره تظهر وتختفي بين الحين والآخر، من الاندفاع نحو أهل الكتاب بصورة عامة.

حتى لقد كان الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» نفسه يواجه بعض ما يعبر عن هذا الاندفاع نحو الثقافة اليهودية، والخضوع لهيمنة فكر أهل الكتاب عموماً!!

وقد رأى النبي «صلى الله عليه وآله» في يد عمر (رض) ورقة من التوراة، فغضب، حتى تبين الغضب في وجهه، ثم قال: ألم آتكم بها بيضاء نقية؟! والله، لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي.

وفي رواية: أمهوكون فيها يا بن الخطاب؟ الخ..

وفي أخرى: أن عمر نسخ كتاباً من التوراة بالعبرية، وجاء به، فجعل يقرؤه على رسول الله «صلى الله عليه وآله»([46]).

وقد قدمنا هذا الحديث مع مصادره في المدخل لدراسة هذه السيرة، فراجع.

وقد ازداد هذا الاتجاه نحو ثقافة أهل الكتاب، عنفاً وقوة بعد وفاة الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله». وهذا موضوع هام جداً، ومتشعب الأطراف؛ حيث إن علامات التأثر بأهل الكتاب قد ظهرت بشكل أو بآخر في كثير من المجالات: العقائدية، والفكرية، والفقهية، وغير ذلك.

وقد بحثنا فيما سبق هذا الموضوع، وتوصلنا فيه إلى العديد من النتائج المذهلة على صعيد الفكر، والسياسة، والعقيدة، والتشريع. فليراجع.

ب: حول الراية:

إن ما يبدو: هو أن الراية في هذه الحرب كانت سوداء، لأن هذه هي راية حرب، وغضب رسول الله «صلى الله عليه وآله» على أهل الكفر والشرك والضلال، يقول الكميت مشيراً إلى ذلك:

وإلا فـارفـعـوا الـرايـات ســوداً         عـلى أهـل الـضـلالــة والـتـعدي

وقد كانت رايته «صلى الله عليه وآله» يوم فتح مكة سوداء، وكانت راية أمير المؤمنين «عليه السلام» في حربه لأعدائه سوداء أيضاً، ولعل في هذا إلماماً إلى أن من يحاربهم «عليه السلام» لا يفترقون عمن حاربهم الرسول «صلى الله عليه وآله» فيما سبق.

وسنشير في أوائل غزوة أحد إلى أن حامل لواء النبي «صلى الله عليه وآله» في جميع حروبه هو أمير المؤمنين «عليه السلام»، فكل ما يذكر خلاف ذلك ما هو إلا عربدة وتضليل.

وأما أن راية العُقاب كانت قطعة من برد لعائشة، كما ذكره الحلبي([47])، فنحن نشك في ذلك، لأنه هو نفسه قد ذكر في وقعة خيبر: أن «المقريزي لما ذكر رتب الرياسة في الجاهلية، ذكر: أن العُقاب كان في الجاهلية راية تكون لرئيس الحرب. وجاء الإسلام وهي عند أبي سفيان، وجاء الإسلام والسدانة واللواء عند عثمان بن أبي طلحة، من بني عبدالدار»([48]).

والعبارة مشوشة كما ترى، ولكنها تدل على أي حال على أن العقاب لم تكن من مرط عائشة. ثم إننا لا ندري لماذا اختار برد عائشة ليكون راية له!!.

ج: الخمس:

1 ـ وقد تقدم: أن الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» قد فرق السلاح والأموال التي غنمها من بني قينقاع على المسلمين، مع أنها كانت مما أفاء الله عليه، فهي له دون غيره.

ولكنه «صلى الله عليه وآله» آثر أن يفرقها بين المسلمين بعد إخراج الخمس منها، إعانة لهم، ولطفاً بهم، وعطفاً عليهم.

2 ـ وقالوا: إن خمس بني قينقاع كان أول خمس قبضه رسول الله «صلى الله عليه وآله»([49]).

وهذا محل شك أيضاً، فقد تقدم قولهم: إنه قد خمس ما غنمه المسلمون من المشركين في غزوة «قرقرة الكدر». وكذا قيل في غزوة بدر، وفي سرية ابن جحش.

وتوجيه ذلك بأن المراد هنا: أنه أول خمس قبضه، وفيما تقدم كان «صلى الله عليه وآله» لا يقبض الخمس، وإنما يرده على المسلمين، خلاف الظاهر، خصوصاً إذا أثبت البحث العلمي: أنه «صلى الله عليه وآله» قد بقي يقسم الخمس على المسلمين، كما فعل في غزوة حنين، فلعل الرواة قد رووا هذه الأوليات بحسب حضورهم. فالذي حضر هذه الغزوة ورأى النبي «صلى الله عليه وآله» قد خمس غنائمها، لعله لم يحضر التي قبلها، وكذا الحال بالنسبة للراوي الآخر في الغزوة الأخرى، فلا بد من التحقيق حول هذا الموضوع.

د: بعض أهداف ونتائج حرب بني قينقاع:

إن حرب المسلمين لبني قينقاع، وهم أشجع اليهود، وأكثرهم مالاً، والقضاء عليهم معناه:

1 ـ أنه «صلى الله عليه وآله» لا يريد أن يفسح المجال لهم ـ كما يقول العلامة الحسني ـ لأن (يطمعوا به، ويكتلوا حولهم من يشاركهم الرأي من المنافقين والأعراب)، لأن صبر النبي «صلى الله عليه وآله» عليهم، وأمره للمسلمين بالتحمل مهما أمكن، جعل اليهود يظنون: أن هذا ناتج عن ضعف وخور؛ فاستمروا في تحرشاتهم([50]).

2 ـ أن يسهل القضاء على الآخرين من الأعداء، ممن هم أقل منهم قوة وعدداً، وعدة ومالاً، لأنهم إذا رأوا أن أصحاب الشوكة لم يستطيعوا أن يأتوا بشيء، فإنهم سوف يقتنعون بأنهم ـ وهم الأضعف ـ أولى أن لا يأتوا بشيء أيضاً.

3 ـ إن ما غنمه المسلمون من بني قينقاع، من شأنه أن يزيد من طموح عدد من الناس من المسلمين للقضاء على أعدائهم، ويسهل عليهم الوقوف في وجههم؛ حيث يرتاح بالهم من جهة معاشهم، ولا يبقى ما من شأنه أن يثير مخاوفهم، ويستبد بتفكيرهم.

4 ـ كما أن ذلك: إنما يعني التخلص من عدو داخلي، يعرف مواضع الضعف والقوة، وربما يكون أخطر من العدو الخارجي بكثير.

5 ـ ثم إن القضاء على اليهود كان يتم على مراحل، وذلك بطبيعة الحال أسهل وأيسر من القضاء عليهم فيما لو كانوا مجتمعين دفعة واحدة، وفي صعيد واحد، يعين بعضهم بعضاً، ويشد بعضهم أزر بعض.

6 ـ والمسلمون أيضاً، إذا رأوا أنفسهم قد استطاعوا القضاء على أشجع اليهود، وأكثرهم قوة ونفوذاً، فإنهم سوف يتشجعون للقضاء على من سواهم، ولا يبقى مجال للخوف ولا للتردد.

ه‍: الحجاب:

إن قضية المرأة التي أرادوها على كشف وجهها، قد يقال: إنها تدل على أن الحجاب كان مفروضاً حينئذٍ، أي في السنة الثانية للهجرة، مع أن المعروف هو: أن الحجاب قد فرض بعد ذلك بعدة سنين.

إلا أن يقال: إن الحجاب قد كان موجوداً في الجاهلية.

أو يقال: صحيح إن فرض الحجاب وإيجابه قد كان في سنة خمس، أو بعدها، لكن الالتزام بالحجاب، على اعتبار أنه محبوب ومطلوب لله، وأمر راجح وحسن قد كان قبل ذلك بسنين. وذلك اتباعاً لتوجيهات النبي «صلى الله عليه وآله»، وترغيباته، ودعواته إلى ذلك، إذ لا يبعد أن يكون تشريع الحجاب قد جاء تدريجاً؛ لتتقبله النفوس، وتألفه العادة.

ولا سيما إذا لاحظنا: أنه ربما كان أمراً صعباً على نساء الجزيرة العربية، اللواتي يعشن في جو حار جداً، كما هو معلوم.

وعلى كل حال، فإن هذا الأمر يحتاج إلى تحقيق، ولسوف نتحدث عنه بشيء من التفصيل فيما يأتي إن شاء الله تعالى.

و: الغرور والإيمان:

إننا نلاحظ: أنه «صلى الله عليه وآله» حتى حينما انتصر على المشركين في بدر ذلك الانتصار الباهر والساحق، وكذلك حينما انتصر عليهم في غيرها من المواقف الصعبة، فإنه لا ينسب انتصاراته إلى نفسه، أو إلى جيشه.

ولا يسمح لنفسه بأن تتوهم: أنها هي التي انتصرت بالقوة، والعدة، والعدد، أو بالعبقرية الحربية؛ لأنه يعلم أن الانتصار الذي سجل في بدر مثلاً، لم يكن في المقاييس المادية انتصاراً.

وإنما هو معجزة إلهية، لا يمكن لأحد أن يحترم نفسه إلا أن يذعن إلى هذه الحقيقة، ويسلم بها. وهذا هو ما قرره الله تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ([51]).

كما أنه تعالى قد تعرض لحالة العجب بالنفس في حنين، فقال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً([52]).

بينما نجد بني قينقاع مغرورين بقوتهم وشوكتهم، حتى قالوا له: لو حاربناك لتعلمن: أنا نحن الناس. فأوعدهم الله بالهزيمة والخذلان. وصدق الله وعده، فزاد ذلك من يقين المؤمنين وتصميمهم، ومن ذل الكافرين وخزيهم.

ز: الاستجابة لابن أُبي:

وإن استجابة النبي «صلى الله عليه وآله» لابن أُبي في بني قينقاع، كانت تهدف إلى الحفاظ على الجبهة الداخلية من التصدع. ولولا ذلك فلربما كان ينتهي الأمر إلى النزاعات المكشوفة، والمواجهات العلنية، الأمر الذي لم يكن في صالح الإسلام والمسلمين في تلك الفترة؛ فإن الإبقاء على العلاقات الحسنة مع المنافقين في تلك الظروف كان أمراً ضرورياً؛ لكسب أكبر عدد منهم في المستقبل، عن طريق التأليف والترغيب، وكذلك من أبنائهم، ثم توفير الطاقات لعدو أشد وأعتى.

كما أن إجلاء بني قينقاع، كما يعتبر ضربة روحية ونفسية لغيرهم من اليهود، كذلك هو يعتبر إضعافاً لابن أبي ومن معه من المنافقين. فخسران الأعداء متحقق على كل تقدير.

ح: بنو قينقاع تحت الأضواء:

وأما لماذا تجرأ بنو قينقاع على نقض العهد، فالظاهر:

أن ذلك يرجع: إلى غرورهم واعتدادهم بشجاعتهم، وبكثرتهم، ولعلهم كانوا يتوقعون نصر حلفائهم من الخزرج لهم، كما يظهر من قولهم له «صلى الله عليه وآله»: لتعلمن أنا نحن الناس.

ثم هناك اعتمادهم على ما يملكونه من خبرة عسكرية، ومعرفة بالحرب، وقد عبروا عن ذلك أيضاً بقولهم له «صلى الله عليه وآله»: لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب. وإلا، فإننا لا نرى مبرراً لأن تعلن قبيلة واحدة الحرب على كثير من القبائل في المدينة، إن كانت لا تملك شيئاً من مقومات النصر المحتمل. ولكن كثرتهم وخبرتهم الحربية لم تغن عنهم شيئاً، كما أن حلفاءهم من الخزرج لم يفعلوا لهم شيئاً، لأن المؤمنين منهم تخلوا عنهم، لأن الوفاء لهم خيانة لعقيدتهم ومبدئهم وإيمانهم، الذي يبذلون أرواحهم في سبيل الحفاظ عليه.

وأما المنافقون منهم فلم يتمكنوا من نصرهم، بسبب ما قذف الله في قلوبهم من الرعب، وكون ذلك سوف يتسبب لهم بانشقاقات وخلافات داخلية.

وأقصى ما استطاع ابن أُبي أن يقدمه لهم، هو أن يمنع من استئصالهم، مع الاكتفاء بإجلائهم إلى مناطق بعيدة لن يمكنهم الصمود فيها أكثر من سنة، وليواجهوا من ثم الفناء والهلاك.

وأما لماذا لم يهب اليهود لنصرة بني قينقاع، فإن ذلك يرجع إلى أنه قد كان بينهم وبين سائر اليهود عداوة، وذلك لأن اليهود كما قال ابن اسحاق:

«كانوا فريقين، منهم بنو قينقاع ولفهم([53])، حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة ولفهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم. وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان: لا يعرفون جنة، ولا ناراً، ولا بعثاً، ولا قيامة، ولا كتاباً، ولا حلالاً، ولا حراماً.

فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أساراهم، تصديقاً لما في التوراة، وأخذ به بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع من كان من أسراهم من أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما في أيدي الخزرج منهم، ويطلون ما أصابوه من الدماء وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم»([54]).

وكانوا بذلك مصداقاً لقوله تعالى وهو يخاطب اليهود: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ([55]) صدق الله العلي العظيم.


 

 

 

 

القسم السادس:

 

حتى الخندق

 

الباب الأول: غزوة اُحد.. آثار ونتائج

الباب الثاني: أحداث وقضايا

الباب الثالث: حتى بئر معونة

الباب الرابع: سرية بئر معونة

الباب الخامس: غزوة بني النضير

 

الباب الأول:

 

غزوة أحد .. آثار ونتائج

 

الفصل الأول: قبل نشوب الحرب

الفصل الثاني: نصر وهزيمة

الفصل الثالث: في موقع الحسم

الفصل الرابع: بعد ما هبت الرياح

الفصل الخامس: غزوة حمراء الأسد، وإلى السنة الرابعة

 

الفصل الأول:

 

قبل نشوب الحرب

 

أجواء ومواقف:

وفي سنة ثلاث ـ وشذ من قال في سنة أربع([56]) في شهر شوال، يوم السبت على الأشهر ـ كانت غزوة أحد([57])، وهو جبل يبعد عن المدينة حوالي فرسخ. وذلك أن نتائج حرب بدر كانت قاسية على مشركي مكة، ومفاجأة لليهود والمنافقين في المدينة.

فقريش لا يمكن أن تهدأ بعد الآن حتى تثأر لكرامتها، ولمن قتل من أشرافها. حتى لقد أعلنوا المنع عن بكاء قتلاهم؛ لأن ذلك يذهب الحزن، ويطفئ لهيب الأسى من جهة. ولأنه يدخل السرور على قلوب المسلمين من الجهة الأخرى.

ولكنهم عادوا فتراجعوا عن هذا القرار؛ فسمحوا للنساء بالبكاء، لأن ذلك ـ بزعمهم ـ يثير المشاعر، ويذكر الرجال بالعار الذي لحق بهم.

ومضت قريش تستعد لقتال النبي محمد «صلى الله عليه وآله»، وتعبئ النفوس، وتجهز القوى الحربية لأخذ الثأر، ومحو العار. ومضى اليهود الذين أصبحوا يخافون على مركزهم السياسي، والاقتصادي في المنطقة، وعلى هيمنتهم الثقافية أيضاً يحرضون المشركين على الثأر ممن وترهم، وأعلنوا بالحقد، ونقض العهد، حتى كال لهم المسلمون ضربات صاعقة، هدت كيانهم، وجرحت وأذلت كبرياءهم وغرورهم.

ومن جهة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»، ومن معه من المسلمين؛ فإنهم لن يتخلوا عن قبلتهم، الكعبة، ولن يتركوا قريشاً وغطرستها وغرورها، لا سيما بعد تعدِّيها عليهم، وظلمها القبيح لهم، حتى اضطرهم ظلمها وتعدِّيها إلى الهجرة من ديارهم، تاركين لها أوطانهم، وكل ما يملكون.

وكذلك، فإن النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» قد حاصر قريشاً بمعاهداته للقبائل التي في المنطقة، وموادعاته لها، وأصبح يسيطر على طريق تجارتها، ولم يعد هذا الطريق آمناً لها، وأصبحت ترى نفسها بين فكي (كماشة)، فلا بد لها إذاً من كسر هذا الطوق، وتجاوز هذا المأزق.

وهذا ما عبَّر عنه ذلك الزعيم القرشي ـ كما تقدم في سرية القردة ـ بقوله لقريش:

«إن محمداً وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه؟ لا يبرحون الساحل.

وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك، وإن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا، ونحن في دارنا هذه فلم يكن لنا بقاء. إنما نزلناها على التجارة إلى الشام في الصيف، وفي الشتاء إلى أرض الحبشة»([58]).

جيش المشركين إلى أحد:

وكانت العير التي كانت وقعة بدر من أجلها ـ وهي ألف بعير كما قالوا ـ قد بقيت سالمة ومحتبسة في دار الندوة. واتفقوا مع أصحابها على أن يعطوهم رؤوس أموالهم، وهي خمسة وعشرون أو خمسون ألف دينار ـ على اختلاف النقل ـ على أن يصرف الربح في قتال المسلمين. وكان كل دينار يربح ديناراً، وهو مبلغ هائل في وقت كانت للمال فيه قيمة كبيرة، والقليل منه يكفي للشيء الكثير.

وبعثوا الرسل إلى القبائل يستنصرونهم، وحركوا من أطاعهم من قبائل كنانة، وأهل تهامة، واشترك الشاعر أبو عزة الجمحي في تحريض القبائل على المسلمين، وكان قد أسر في بدر، ومنّ عليه النبي «صلى الله عليه وآله» بشرط أن لا يظاهر عليه.

وقد شارك في ذلك بعد أن ألح عليه صفوان بن أمية، وضمن له إن رجع من أحد أن يغنيه، وإن أصابه شيء أن يكفل بناته.

وخرجت قريش بحدها وجدها، وأحابيشها ومن تابعها.

وأخرجوا معهم بالظعن خمس عشرة امرأة، فيهن هند بنت عتبة، لئلا يفروا، وليذكرنهم قتلى بدر. يغنين ويضربن بالدفوف، ليكون أجد لهم في القتال.

وخرج معهم الفتيان بالمعازف، والغلمان بالخمور، وكان جيش المشركين ثلاثة آلاف مقاتل.

وقيل: خمسة آلاف.

ونحن نرجح الأول؛ لقول كعب بن مالك:

ثـلاثــة آلاف ونـحـن نـصـيـبـه          ثـلاث مـئـين إن كـثـرنا وأربـع([59])

أي: وأربع مئين.

وكان في جيش المشركين سبعمائة دارع، ومئتا فارس على المشهور.

وقيل: مئة، ومئة رام، ومعهم ألف ـ وقيل ثلاثة آلاف ـ بعير.

ولا يبعد صحته([60]) كلهم بقيادة أبي سفيان الذي صار زعيم قريش بعد قتل أشرافها في بدر.

وكان معهم أبو عامر الفاسق، الذي كان قد ترك المدينة إلى مكة مع خمسين رجلاً من أتباعه من الأوس كراهية لمحمد، خرج إلى مكة يحرض على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويقول لهم: إنهم على الحق، وما جاء به محمد باطل.

فسارت قريش إلى بدر، ولم يسر معهم، وسار معهم إلى أحد.

وكان يزعم لهم: أنه لو قدم على قومه لم يختلف عليه اثنان منهم، فصدقوه، وطمعوا في نصره، ولكن الأمر كان على عكس ذلك كما سنرى.

وكان مع المشركين أيضاً: وحشي غلام جبير بن مطعم، الذي وعده سيده بالحرية، إن هو قتل محمداً، أو علياً، أو حمزة بعمه طعيمة بن عدي؛ فإنه لا يدري في القوم كفؤاً له غيرهم([61]).

فقال وحشي له ـ أو لهند ـ : أما محمد؛ فلن يسلمه أصحابه، وأما حمزة فلـو وجـده نائماً لمـا أيقظه من هيبته، وأما علي فـإنه حـذر مرس، كـثير الالتفات([62]).

وسيأتي: أنه تمكن من الغدر بحمزة، أسد الله وأسد رسوله.

سؤال وجوابه:

ويرد هنا سؤال: وهو أنهم إذا كانوا قد أخرجوا معهم النساء لئلا يفروا، فلماذا فروا حين حميت الحرب، وتركوا النساء؟!.

والجواب عن ذلك سيأتي حين الكلام عن هذا الموضوع، إن شاء الله تعالى.

وصول الخبر إلى المدينة:

ويقولون: إن العباس بن عبد المطلب كتب إلى النبي «صلى الله عليه وآله» يخبره بمسير قريش، وبكيفية أحوالهم، وبعددهم، مع رجل غفاري، على أن يصل إلى المدينة في ثلاثة أيام، فقدم الغفاري المدينة، وسلم الكتاب إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، وهو على باب مسجد قباء، فقرأه له أبي بن كعب، فأمره «صلى الله عليه وآله» بالكتمان([63]).

ووقعت الأراجيف بالمدينة، وقال اليهود: إن الغفاري ما جاء بخبر يسر محمداً. وفشا الخبر بخروج المشركين قاصدين المدينة بعدتهم وعددهم، هكذا قالوا.

ولكننا في مقابل ذلك: نجد الواقدي يذكر: أن نفراً من خزاعة فيهم عمرو بن سالم سروا من مكة أربعاً، فوافوا قريشاً، وقد عسكروا بذي طوى، فلما وصلوا المدينة أخبروا رسول الله «صلى الله عليه وآله» الخبر، ثم انصرفوا، فلقوا قريشاً ببطن رابغ على أربع ليال من المدينة.

فقال أبو سفيان: أحلف بالله، إنهم جاؤوا محمداً فخبروه بمسيرنا، وعددنا، وحذروه منا، فهم الآن يلزمون صياصيهم، فما أرانا نصيب منهم شيئاً في وجهنا.

فقال صفوان بن أمية: إن لم يصحروا لنا عمدنا إلى نخل الأوس والخزرج فقطعناه، فتركناهم ولا أموال لهم؛ فلا يختارونها أبداً. وإن أصحروا لنا فعددنا أكثر من عددهم وسلاحنا أكثر من سلاحهم، ولنا خيل، ولا خيل معهم، ونحن نقاتل على وتر لنا عندهم، ولا وتر لهم عندنا([64]).

وقد يقال: لا مانع من أن يكون الخبر قد وصل إلى النبي «صلى الله عليه وآله» من قبل الغفاري، ومن قبل هـؤلاء معـاً. وقبل أن نمضي في الحديث نشير في ما يلي إلى بعض النقاط، وهي التالية:

سؤال يحتاج إلى جواب:

ويرد هنا سؤال وهو: كيف قبلت قريش بـإقامـة العباس في مكة مسلماً ـ إذا صح أنه أسلم في بدر ـ وقريش لم تكن لترحم أحباءها وأبناءها إذا علمت بإسلامهم، ولا سيما بعد تلك النكبة الكبرى التي أصابتها على يد ابن أخيه في بدر، حيث قتل أبناءها وآباءها وأشرافها؟

إلا أن يقال: إنه كان مسلماً سراً، وقد أمره «صلى الله عليه وآله» بالبقاء في مكة؛ ليكون عيناً له، ولازم ذلك هو أن يتظاهر بالشرك، وأنه معهم، وعلى دينهم.

وقد تقدمت بعض تساؤلات حول وضع العباس في مكة في غزوة بدر، فلا نعيد.

المشركون وأزمة الثقة:

ويلاحظ هنا: أن أبا سفيان لم يكن يثق بمن هم على دينه، ولا يستطيع أن يعتمد عليهم، ولذلك نراه يبادر إلى اتهامهم بأنهم قد أخبروا محمداً بمسيرهم، وعددهم، وحذروه منهم.

وقد أشير إلى هذه الحالة في حديث سدير، قال: قلت لأبي عبد الله: إني لألقى الرجل لم أره ولم يرني فيما مضى قبل يومه ذلك؛ فأحبه حباً شديداً، فإذا كلمته وجدته لي مثلما أنا عليه له، ويخبرني: أنه يجد لي مثل الذي أجد له.

فقال: صدقت يا سدير، إن ائتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا ـ وإن لم يظهروا التودد بألسنتهم ـ كسرعة اختلاط قطر السماء مع مياه الأنهار، وإن بُعد ائتلاف قلوب الفجار إذا التقوا ـ وإن أظهروا التودد بألسنتهم ـ كبُعد البهائم عن التعاطف، وإن طال اعتلافها على مذود واحد([65]).

ويمكن أن يستفاد هذا المعنى أيضاً من بعض الآيات القرآنية، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ([66]).

وقال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ([67]).

وقال: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً([68]).

وموجز القول في سر ذلك: وهو ما أشار إليه الطباطبائي أيضاً، الذي سنكتفي بتلخيص كلامه لما فيه من الخصوصيات، وإن كان أصل الكلام قد كان محط نظرنا أيضاً: أن الكفار إنما يلتقون على مصالحهم الدنيوية الشخصية، ويتفقون ويختلفون على أساسها؛ وذلك لأن الإنسان يحب بطبعه أن يخص نفسه باللذائذ والنعم، وعلى هذا الأساس يحب هذا ويبغض ذاك.

وحيث إنه لا يستطيع أن يلبي كل ما يحتاج إليه من ضروريات حياته؛ فإنه لا بد له من حياة اجتماعية تعينه على ذلك، ويتبادل مع الآخرين ثمرات الأتعاب، حيث إن كل شخص له مؤهلات تجعله يختص ببعض الامتيازات لنفسه: من مال، أو جمال، أو طاقات فكرية، أو نفسية، أو غريزية، أو غير ذلك.

هذه الامتيازات التي تطمح إليها النفوس، ويتنافس فيها البشر عموماً. وبسبب الاحتكاكات المتوالية، وما يصاحبها من وجوه الحرمان، والبغي، والظلم، والشح، والكرم في هذه الأمور التي يتنافسون فيها، فإن العداوات والصداقات تنتج عن ذلك.

وأما محاولات بذل النعم لفاقديها، فإنهـا لا ترفع هذه النزاعـات والعداوات وغيرها إلا في موارد جزئية. أما الحالة العامة فتبقى على حالها؛ لأن هذا البذل لا يبطل غريزة الاستزادة، والشح الملتهب، على أن بعض النعم لا تقبل إلا الاختصاص والانفراد، كالملك، والرئاسة، فالشرور والأحقاد التي تتولد عن ذلك باقية على حالها. هذه حالة المجتمع الكافر بالله، الذي لا يؤمن إلا بالمصلحة الدنيوية الشخصية، واللذات الحاضرة. ولكن الله قد منَّ على المسلمين، وأزال الشحَّ من نفوسهم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ([69]) وألَّف بين قلوبهم، وذلك لأنه عرَّفهم: أن الحياة الإنسانية حياة خالدة، وأن الحياة الدنيا زائلة لا قيمة لها، وأن اللذة المادية لا قيمة لها، واللذة الواقعية هي أن يعيش الإنسان في كرامة عبودية الله سبحانه، ورضوانه، والقرب والزلفى منه تعالى، مع النبيين والصديقين، وهناك اللذة الحقيقية الدائمة، قال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ([70]).

كما أنه لا يملك أحد لنفسه نفعاً ولاضرراً، ولا موتاً ولا حياة، بل هو في تصرف الله الذي بيده الخير والشر، والنفع والضر، والغنى والفقر. وكل نعمة هي هبة من ربه، وما حرم منه احتسب عند ربه أجره، وما عند الله خير وأبقى. وإذ لم يعد للمادة قيمة عند المؤمنين؛ فإن أسباب الضغن والحقد تزول، ويصبحون بنعمته إخواناً، ولا يبقى في نفوسهم غل، وحسد، ورين([71]).

وهكذا يتضح: أن موقف الخزاعيين، وعدم التزامهم بنصر قومهم، والحفاظ على أسرارهم أمر طبيعي.

كما أن سوء ظن أبي سفيان، وعدم ثقته بهم هو أيضاً نتيجة طبيعية للشرك، وعدم الإيمان.

ومن كل ذلك نعرف أيضاً سر عدم تأثير تشجيع النساء في ثبات المشركين، ولم يمنعهم عار أسر نسائهم من الهزيمة، وتركوهن في معرض السبي، مع أنهم أخرجوهن لهدف هو عكس ذلك تماماً.

ولكن الأمر بالنسبة للمسلمين (الحقيقيين) كان على عكس ذلك تماماً كما سنرى.

عنصر السرية لتلافي الأخطار المحتملة:

قد رأينا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» يأمر أُبياً بكتمان خبر مسير قريش، ويستفيد من عنصر السرية، كي لا يفسح المجال أمام الحرب النفسية، التي لا بد أن يمارسها اليهود والمنافقون ضد المسلمين؛ وليفوت الفرصة عليهم، ويحبط مؤامراتهم المحتملة؛ لأنهم في الحقيقة ـ وهم العدو الواقعي ـ هم العدو الأخطر، والمطلع على مواطن الضعف والقوة لدى المسلمين. أي أن إعلان الأمر في وقت مبكر لسوف يستدعي إصراراً على معرفة خطة المواجهة مع العدو، وهذا يسهل على المتآمرين والخونة وضع الخطط اللازمة لإفشال خطة المسلمين في الدفاع عن أنفسهم.

كـما أنـه يعطي أعداءهـم الفـرصة لإعـلام قـريـش بـالأمـر، وبكـل الخصوصيات اللازمة لمواجهة خطة المسلمين وإفشالها، أو على الأقل تكبيد المسلمين أكبر عدد ممكن من الخسائر. وعنصر السرية هذا قد اعتمده النبي «صلى الله عليه وآله» في أكثر من موقف في معركة أحد هذه وفي غيرها، كما سنرى.

المشركون في طريق المدينة:

ولما انتهت قريش إلى الأبواء، ائتمروا في أن ينبشوا قبر أم محمد «صلى الله عليه وآله»، وقالوا: «فإن النساء عورة؛ فإن يصب من نسائكم أحداً، قلتم: هذه رمة أمك. فإن كان براً بأمه ـ كما يزعم ـ فلعمري لنفادينهم برمة أمه، وإن لم يظفر بأحد من نسائكم، فلعمري ليفدين رمة أمه بمال كثير، إن كان بها براً»([72]).

وكانت زعيمة هذا الرأي هند زوجة أبي سفيان، فاستشار أبو سفيان أهل الرأي من قريش، فقالوا: لا تذكر من هذا شيئاً؛ فلو فعلنا نبشت بنو بكر وخزاعة موتانا.

وسارت قريش حتى نزلت بذي الحليفة، وسرَّحوا إبلهم في زروع المدينة، التي كان المسلمون قد أخلوها من آلة الزرع قبل ذلك، وأرسل النبي «صلى الله عليه وآله» بعض العيون لمراقبتهم، وأرسل أيضاً الحباب بن المنذر سرَّاً لمعرفة عددهم وعدتهم، وقال له: إذا رجعت فلا تخبرني بين أحد من المسلمين، إلا أن ترى في القوم قلة، فرجع إليه فأخبره خالياً، وأمره الرسول «صلى الله عليه وآله» بالكتمان([73]).

ونشير نحن هنا إلى أمرين:

الأول: معرفة النبي بواقع أصحابه:

إن سبب أمره «صلى الله عليه وآله» عينه الذي أرسله إليهم بذلك واضح، فإن معرفة المسلمين بعددهم وعدتهم سوف يثبط من عزائم بعضهم، ممن اعتادوا أن يقيسوا الأمـور بالمقاييس المـادية، ولم يتفاعلـوا بعد مع دينهـم وعقيدتهم، بشكل كامل، ولا اطلعوا على تعاليم الإسلام وأهدافه، وارتبطوا بها عقلياً، ووجدانياً، وعاطفياً، وسلوكياً، بنحو أعمق وأقوى، وإنما دخلوا في الإسلام، إما عن طريق الإعجاب، أو القناعة العقلية. ولم تمض على دخولهم فيه إلا فترة قصيرة جداً.

الثاني: الإفلاس على كل صعيد:

إن ما فكر به القرشيون من نبش قبر أمه «صلى الله عليه وآله»، إنما يعبر عن مدى الإسفاف الفكري لدى قريش، حتى إنها لتفكر باتباع أبشع أسلوب وأدناه في حربها مع المسلمين. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أمور:

أحدها: إفلاسهم على صعيد المنطق والفكر، وحتى على صعيد الخلق الإنساني، بل والعلاقات والضوابط المعقولة، في المواجهة مع المسلمين الذين هم القمة في كل ذلك.

الثاني: مدى حقدهم الدفين على الإسلام والمسلمين.

الثالث: مدى عمق الجرح، وعنف الصدمة الساحقة التي تلقتها قريش في بدر، ولا تزال تتلقاها على صعيد طرق قوافل تجارتها إلى الشام، ويحتمل إلى الحبشة أيضاً.

النبي يستشير أصحابه:

ويقول المؤرخون: إنه لما نزل المشركون قرب المدينة، وبثَّ المسلمون الحرس عليها، وخصوصاً على مسجد الرسول، وأراد «صلى الله عليه وآله» الشخوص، فجمع أصحابه للتشاور في أمر جيش لم يواجه المسلمون مثله من قبل، عدة وعدداً.

ويذكرون أيضاً: أنه «صلى الله عليه وآله» أخبرهم برؤيا رآها، رأى بقراً يُذبح، وأن في سيفه ثلمة، وأنه في درع حصينة، فأول البقر: بناس من أصحابه يقتلون.

والثلمة: برجل من أهل بيته يقتل.

والدرع: بالمدينة.

وللرواية نصوص أخرى لا مجال لها.

وإذا كانت رؤيا النبي «صلى الله عليه وآله» من الوحي، وكانت هذه الرواية صحيحة؛ فإن ذلك يكون توطئة لإعلامهم بالموقف الصحيح، وأن عليهم أن يلتزموا بتوجيهات رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيما يرتبط بالتخطيط والتنفيذ في المواجهة مع العدو.

ولكنهم اتجهوا في مواقفهم وقراراتهم نحو العكس من ذلك، حيث يقولون: إن ابن أبي قد أشار بالبقاء في المدينة، فإذا أقبل العدو رماه الأطفال والنسوة بالحجارة، وقاتله الرجال بالسكك. وإن أقام في خارج المدينة أقام في شر موضع.

وكان «صلى الله عليه وآله» ـ كما يقولون ـ كارهاً للخروج من المدينة أيضاً. ولكن من لم يشهد بدراً، وطائفة من الشباب المتحمسين الذين ذاقوا حلاوة النصر في بدر، ومعهم حمزة بن عبد المطلب، وأهل السن، قد رغبوا بالخروج وأصروا عليه، لأنهم ـ كما يقول البعض ـ يرون خيل قريش وإبلها ترعى زروعهم، وتعيث فيها فساداً.

واحتجوا لذلك: بأن إقامتهم في المدينة ستجعل عدوهم يظن فيهم الجبن، فيجرؤ عليهم.

وقالوا: (وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل؛ فأظفرك الله بهم، ونحن اليوم بشر كثير).

بعد أن ذكروا: أن هذا أمر قد ساقه الله إليهم في ساحتهم.

قال نعيم بن مالك: يا نبي الله، لا تحرمنا الجنة؛ فوالذي نفسي بيده لأدخلنها.

فقال له «صلى الله عليه وآله»: بم؟

قال: بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر من الزحف.

فقال له «صلى الله عليه وآله»: صدقت.

وقال له أنصاري: متى نقاتلهم يا رسول الله، إن لم نقاتلهم عند شعبنا؟

وقال آخر: إني لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها لتقول: حصرنا محمداً في صياصي يثرب وآطامها؛ فتكون هذه جرأة لقريش، وها هم قد وطأوا سعفنا، فإذا لم نذبَّ عن عرضنا فلم ندرع؟!.

وقال آخر: إن قريشاً مكثت حولاً تجمع الجموع، وتستجلب العرب في بواديها، ومن اتبعها من أحابيشها، ثم جاؤونا قد قادوا الخيل، واعتلوا الإبل، حتى نزلوا ساحتنا؛ فيحصروننا في بيوتنا وصياصينا؟ ثم يرجعون وافرين لم يكلموا؟! فيجرؤهم ذلك علينا، حتى يشنوا الغارات علينا، ويصيبوا أطلالنا، ويضعوا العيون والأرصاد علينا. مع ما قد صنعوا بحروثنا، ويجترئ علينا العرب حولنا الخ..

وثمة كلام آخر هنا يروى عن حمزة وغيره لا مجال له هنا، فمن أراد المزيد فعليه بمراجعة المصادر.

وأبى كثير من الناس إلا الخروج، فنزل «صلى الله عليه وآله» على رأي غالبية الناس، ثم دخل بيته ليلبس لامة الحرب. ففي هذه الأثناء أدركهم الندم على إصرارهم على النبي «صلى الله عليه وآله» واستكراههم له، وهو أعلم بالله وما يريد، ويأتيه الوحي من السماء.

فلما خرج النبي «صلى الله عليه وآله» عليهم وقد لبس لامته، ليتوجه مع أصحابه إلى حرب قريش، قالوا: يا رسول الله، امكث كما أمرتنا.

فقال «صلى الله عليه وآله»: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب أن يرجع حتى يقاتل([74]).

ثم وعظهم وعقد الألوية، وخرج بجيشه لحرب قريش وجمعها.

وفي رواية: أنهم لما صاروا على الطريق قالوا: نرجع.

قال «صلى الله عليه وآله»: ما كان ينبغي لنبي إذا قصد قوماً أن يرجع عنهم.

وههنا أمور هامة لا بد من التنبيه عليها:

ألف: هل النبي يحتاج إلى رأي أحد؟!

قد تقدم في أوائل هذا الكتاب في فصل «سرايا وغزوات قبل بدر»، وفي نفس موقعة بدر بعض الكلام حول استشارة الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله» لأصحابه في أمر الحرب.

ونعود هنا للإشارة إلى هذا الأمر من جديد، على أمل أن يضم القارئ ما كتبناه هنا وهناك، وهنالك، بعضه إلى بعض، ويستخلص النتيجة المتوخاة من طرح هذا الموضوع، والإشارة إلى جوانبه المختلفة فنقول: إنه لا ريب في حسن المشاورة وصلاحها.

وقد ورد الحث عليها في الأخبار الكثيرة.

ويقولون: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد شاور أصحابه في أكثر من مرة ومناسبة، حتى نزل في مناسبة حرب أحد قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ، إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ..([75]).

وعن ابن عباس بسند حسن: لما نزلت: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي؛ فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً([76]).

والسؤال هنا هو: إنه إذا كان الله ورسوله غنيين عنها، فلماذا يأمر الله تعالى نبيه بأن يشاور أصحابه في الأمر؟!.

وسؤال آخر، وهو: هل يمكن بضم الآية التي في سورة الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ([77])، وبضم سـائر الروايـات التي تحث على الاستشارة ـ هل يمكن ـ أن نفهم من ذلك: ضرورة اتخاذ الشورى كمبدأ في الحكم والسياسة، وفي الإدارة، وفي سائر الموارد والمواقف، حسبما تريد بعض الفئات أن تتبناه، وتوحي به على أنه أصل إسلامي أصيل ومطرد؟!.

الجواب عن السؤال الأول:

أما الجواب عن السؤال الأول: فنحسب أن ما تقدم في الجزء السابق من هذا الكتاب في فصل سرايا وغزوات قبل بدر، وكذا ما تقدم من الكلام حول الشورى في بدر([78]) كاف فيه، ونزيد هنا تأييداً لما ذكرناه هناك ما يلي:

1 ـ قد يقال: إن بعض الروايات تفيد: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن يستشير أصحابه إلا في أمر الحرب.

فقد روي بسند رجاله ثقات، عن عبد الله بن عمرو، قال: كتب أبو بكر إلى عمرو بن العاص: إن رسول الله شاور في الحرب، فعليك به([79]).

وإن كنا نرى: أن هذا لا يفيد نفي استشارته «صلى الله عليه وآله» في غير الحرب.

2 ـ إن قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ خاص بالمشاورة في الحرب، لأن اللام في الآية ليست للجنس بحيث تشمل كل أمر، بل هي للعهد، أي شاورهم في هذا الأمر الذي يجري الحديث عنه، وهو أمر الحرب، كما هو واضح من الآيات السابقة واللاحقة؛ فالتعدي إلى غير الحرب يحتاج إلى دليل.

3 ـ إن الآية تنص على أن استشارة النبي «صلى الله عليه وآله» لأصحابه لا تعني أن يأخذ برأيهم حتى ولو اجتمعوا عليه؛ لأنها تنص على أن اتخاذ القرار النهائي يرجع إلى النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه، حيث قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾.

4 ـ لقد ذكر العلامة السيد عبد المحسن فضل الله «رحمه الله»: أن الأمر في الآية ليس للوجوب؛ وإلا لكانت بقية الأوامر في الآية كذلك، ويلزم منه وجوب العفو عن كبائرهم حتى الشرك. وإذا كان الضمير في الآية يرجع إلى الفارين فهو يعني: أن الشورى تكون لأهل الكبائر من أمته، مع أن الله قد نهى رسوله عن إطاعة الآثم، والكفور، ومن أغفل الله قلبه([80]).

فالحق: أن الأمر وارد عقيب توهم الحظر عن مشاورة هؤلاء، ليبيح مشاورتهم، ومعاملتهم معاملة طبيعية ([81]).

5 ـ إن رواية ابن عباس المتقدمة تفيد: أن استشارته «صلى الله عليه وآله» أصحابه لا قيمة لها على صعيد اتخاذ القرار؛ لأن الله ورسوله غنيان عنها، لأنهما يعرفان صواب الآراء من خطئها، فلا تزيدهما الاستشارة علماً، ولا ترفع جهلاً، وإنما هي أمر تعليمي أخلاقي للأمة؛ بملاحظة فوائد المشورة لهم؛ لأنها تهدف إلى الإمعان في استخراج صواب الرأي بمراجعة العقول المختلفة. فعن علي أمير المؤمنين «عليه السلام»: من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها([82]).

وعنه أيضاً: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه([83]).

وعن أنس عن النبي «صلى الله عليه وآله»: ما خاب من استخار، وما ندم من استشار([84]).

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه.

وإذا كانت الاستشارة أمراً تعليمياً أخلاقياً، فلا محذور على الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» فيها.

ب: من أهداف استشارته لأصحابه:

يقول الشهيد السعيد، الشيخ مرتضى مطهري، قدس الله نفسه الزكية: إن النبي «صلى الله عليه وآله» وهو في مقام النبوة، وفي حين كان أصحابه يتفانون في سبيله، حتى ليقولون له: إنه لو أمرهم بأن يلقوا أنفسهم في البحر لفعلوا، فإنه لا يريد أن ينفرد في اتخاذ القرار، لأن أقل مضار ذلك هو أن لا يشعر أتباعه بأن لهم شخصيتهم وفكرهم المتميز، فهو حين يتجاهلهم كأنه يقول لهم: إنهم لا يملكون الفكر والفهم والشعور الكافي، وإنما هم مجرد آلة تنفيذ لا أكثر ولا أقل، وهو فقط يملك حرية إصدار القرار، والتفكير فيه دونهم.

وطبيعي أن ينعكس ذلك على الأجيال بعده «صلى الله عليه وآله»، فكل حاكم يأتي سوف يستبد بالقرار، وسيقهر الناس على الانصياع لإرادته، مهما كانت، وذلك بحجة أن له في رسول الله «صلى الله عليه وآله» أسوة حسنة. مع أنه ليس من لوازم الحكم، الاستبداد بالرأي، فقد استشار النبي «صلى الله عليه وآله» ـ وهو معصوم ـ أصحابه في بدر وأحد([85]) انتهى.

ونزيد نحن هنا: أن ظروف وأجواء آية: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ تشعر بأنه قد كان ثمة حاجة لتأليف الناس حينئذٍ، وجلب محبتهم وثقتهم، وإظهار العطف والليونة معهم، وأن لا يفرض الرأي عليهم فرضاً، رحمة لهم، وحفاظاً على وحدتهم واجتماعهم، ولمّ شعثهم، وجمع كلمتهم، وكبح جماحهم؟!

فالآية تقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ([86]).

فكأنه كان قد بدر من أصحابه أمر سيء يستدعي العفو عنهم واللين معهم، وإرجاع الاعتبار إليهم، ليطمئنوا إلى أن ما بدر منهم لم يؤثر على مكانتهم عنده، فلا داعي لنفورهم منه.

يضاف إلى ذلك: أنه حين يكون الأمر مرتبطاً بالحرب، فإن الأمر يحتاج إلى قناعة تامة بهـا، واستعداد لتحمل نتائجها، وإقـدام عليها بمحض الإدارة والإختبار من دون ممارسة أي إكراه أو إجبار في ذلك..

هذا كله، عدا عما قدمناه حين الكلام على بدر، وعلى السرايا التي سبقتها، في الجزء السابق من هذا الكتاب، فليراجع.

الجواب عن السؤال الثاني:

نشير إلى ما يلي:

1 ـ ما قدمناه: من أن قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ([87]) ليس إلا أمراً تعليمياً أخلاقياً، وليس إلزامياً يوجب التخلف عنه العقاب، وإنما يمكن أن يوجب وقوع الإنسان في بعض الأخطاء، فيكون عليه أن يتحمل آثارها، ويعاني من نتائجها.

2 ـ إن الضمير في ﴿أَمْرُهُمْ﴾ يرجع إلى المؤمنين، والمراد به الأمر الذي يرتبط بهم؛ فالشورى إنما هي في الأمور التي ترجع إلى المؤمنين وشؤونهم الخاصة بهم، وليس للشرع فيها إلزام أو مدخلية، كما في أمور معاشهم ونحوها، مما يفترض في الإنسان أن يقوم به. أما إذا كان ثمة الزام شرعي ف‍ـ ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ([88]) ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ([89]). فمورد الحكم، والسياسة، والإدارة، وغير ذلك، لا يمكن أن يكون شورائياً إلا إذا ثبت أن الشارع ليس له فيه حكم، ونظر خاص.

وقد قال العلامة الطباطبائي «رحمه الله»: «والروايات في المشاورة كثيرة جداً، وموردها ما يجوز للمستشير فعله وتركه بحسب المرجحات.

وأما الأحكام الإلهية الثابتة، فلا مورد للاستشارة فيها، كما لا رخصة فيها لأحد، وإلا كان اختلاف الحوادث الجارية ناسخاً لكلام الله تعالى»([90]).

3 ـ قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر([91]) ظاهر في كون ذلك في ظرف كونه حاكماً ووالياً عليهم؛ فإن عليه أن يستشيرهم في هذا الظرف. وهذا لا يعني أبداً أن يكون نفس الحكم شورائياً وانتخابياً، بأي وجه.

هذا كله، عدا عن احتمال أن يكون هذا الأمر وارداً في مقام توهم الحظر، فلا يدل على أكثر من إباحة المشاورة، ولا يدل على الإلزام بها. وهو احتمال قوي كما أوضحناه في ما سبق.

4 ـ إن القرار النهائي يتخذه المستشير نفسه، ولربما وافق رأي الأكثر، ولربما خالفهم.

ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله([92]).

وليس في الآية إلزام برأي الأكثرية، بل ولا برأي الكل لو حصل إجماعهم على رأي واحد.

5 ـ إن هذه الشورى التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ([93]) ليست لكل أحد، وإنما هي خاصة بأولئك المؤمنين الذين لهم تلك الصفات المذكورة في الآيات قبل وبعد هذه العبارة، وليس ثمة ما يدل على تعميمها لغيرهم، بل ربما يقال بعدم التعميم قطعاً، فقد قال تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللهَ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُون