الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ 1425 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الثامن

 

المركز الإسلامي للدراسات

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الثاني:

 

سلمان الفارسي حراً

 

تذكير ضروري:

إننا قبل أن ندخل في موضوع تحرر سلمان من الرق، نشير إلى أن هذا البحث قد كتب، بالإضافة إلى بحوث أخرى تتعلق بسلمان، كموضوع التمييز العنصري، الذي عانى منه سلمان كما عانى منه الآخرون، وموضوع بيان السبب في قبوله الإشتراك في الحكم في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، مع أنه يعتبر من المعارضين لخلافة من عدا أمير المؤمنين «عليه السلام»، وموضوعات أخرى.

وقد كتبت هذه البحوث، لتكون جزءاً من هذا الكتاب، ثم رأينا أنها قد أصبحت من السعة بحيث لا مناص من إفرادها، كتأليف مستقل، يمكن الرجوع إليه للراغبين في الاطلاع عليه، فأفردناها في كتاب باسم «سلمان الفارسي في مواجهة التحدي».

ولكننا لم نجد بدَّاً هنا من إيراد الفصل الذي يرتبط بتحرير سلمان من الرق، لأنه يعتبر جزءاً من هذا الكتاب بالذات ولعل الإحالة على ذلك الكتاب فيه لا تخلو من بعض المحاذير.

فرضينا لأنفسنا: أن نقع في محذور إيراد هذا الفصل في كتابين، وهو أمر لم نكن نحب أن يصدر منا؛ من أجل أن نوفر على القارئ معاناة محذور الإحالة على كتاب لربما لا يكون متوفراً لديه: فنقول:

متى تحرر سلمان؟!

ويقولون: إن تحرير سلمان من رق العبودية بصورة كاملة قد كان في أول السنة الخامسة من الهجرة النبوية الشريفة([1]) وذلك قبل وقعة الخندق، التي يرى عدد من المؤرخين: أنها كانت سنة خمس، في ذي القعدة منها([2]).

ولكننا بدورنا نقول: إن ذلك مشكوك فيه من ناحيتين:

الأولى: في تاريخ وقعة الخندق.

الثانية: في تاريخ عتق سلمان.

تاريخ غزوة الخندق:

فأما بالنسبة للناحية الأولى، أعني تاريخ غزوة الخندق، فإننا نقول:

1 ـ لو سلم أنها كانت في السنة الخامسة، فإن مجرد ذلك لا يكفي في تعيين زمان عتقه على النحو المذكور، إذ قد يكون العتق قد تم بعد أُحد بأشهر يسيرة، في السنة الرابعة مثلاً، ثم حضر الخندق بعد ذلك بسنة أو أكثر، أو أقل.

2 ـ لقد جزم البعض بأن الخندق كانت في سنة أربع، وصححه النووي في الروضة، وفي شرحه لصحيح مسلم([3]).

بل لقد قال ولي الدين العراقي عن غزوة الخندق: «المشهور أنها في السنة الرابعة للهجرة»([4]).

وقال عياض: «إن سعد بن معاذ مات إثر غزوة الخندق، من الرمية التي أصابته، وذلك سنة أربع بإجماع أهل السير، إلا شيئاً قاله الواقدي»([5]).

فقوله: «بإجماع أهل السير» يحتمل رجوعه إلى سنة أربع، فيكون قد ادَّعى الإجماع على كون الخندق في سنة أربع، ويحتمل رجوعه إلى موت سعد بن معاذ بعد الخندق، وتكون كلمة: «وذلك سنة أربع» معترضة، ولا تعبر إلا عن رأيه.

ومما يدل على أن الخندق قد كانت سنة أربع:

1 ـ أنهم يذكرون بالنسبة لزيد بن ثابت: أن أباه قتل يوم بعاث وهو ابن ست سنين، وكانت بعاث قبل الهجرة بخمس سنين([6]) وقدم النبي «صلى الله عليه وآله» المدينة وعمر زيد إحدى عشرة سنة([7]).

ثم يقولون: إن أول مشاهد زيد، الخندق([8])، لأن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أجازه يوم الخندق([9]) وهو ابن خمس عشرة سنة([10]).

والخندق إنما كانت في شوال سنة أربع([11]).

ويروى عن زيد قوله: أجازني رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم الخندق، وكساني قبطية([12]).

وعنه: أجزت يوم الخندق، وكانت وقعة بعاث وأنا ابن ست سنين([13]).

وعنه: لم أجز في بدر، ولا في أُحد، وأجزت في الخندق([14]).

وتوفي زيد سنة ثمان وأربعين، وسنه تسع وخمسون سنة([15]).

وقال الواقدي: مات سنة خمس وأربعين وهو ابن ست وخمسين سنة([16]).

وقد استدل النووي، وابن خلدون ـ وربما يظهر ذلك من البخاري ـ على أن غزوة الخندق قد كانت سنة أربع([17]): بأنهم قد أجمعوا على أن حرب أُحد، كانت سنة ثلاث ولم يجز النبي «صلى الله عليه وآله» عبد الله بن عمر أن يشترك فيها؛ لأن عمره كان أربع عشرة سنة، ثم أجازه في وقعة الخندق لأنه كان قد بلغ الخامسة عشرة([18])، فتكون الخندق بعد أحد بسنة واحدة.

وقـد حـاول البعض الإجـابـة على ذلك بطرح بعض الاحتـمالات البعيدة، وقد أجبنـا عنهـا في كتابنـا: «حديث الإفك» ص 96 ـ 99، فليراجعـه من أراد.

ومهما يكن من أمر؛ فإن احتمال أن يكون تحرر سلمان من الرق قد تم قبل السنة الخامسة من الهجرة؛ يصبح على درجة من القوة.

تاريخ الحرية:

وأما بالنسبة لتحديد تاريخ الحرية، فإننا نقول:

إننا نكاد نطمئن إلى أنه قد تحرر في السنة الأولى من الهجرة، بل لقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أنه قد أعتق في مكة([19]).

ويدل على تحرره في السنة الأولى:

1 ـ إن روايات عتقه يدل عدد منها على أنه قد أعتق عقيب إسلامه بلا فصل، وهو إنما أسلم ـ أو فقل: أظهر إسلامه ـ في السنة الأولى من الهجرة([20]).

2 ـ قد صرح البعض ـ كتاريخ كزيده ـ بأن الرسول «صلى الله عليه وآله» قد اشتراه في السنة الأولى من هجرته([21]).

وسيأتي التصريح بذلك عن الشعبي وعن بريدة، وذلك حين الكلام عن كونه من موالي رسول الله «صلى الله عليه وآله».

3 ـ ومما يدل على أن سلمان قد تحرر في أول سني الهجرة:

كتاب النبي في مفاداة سلمان:

حيث يقولون: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أملى كتاب مفاداة سلمان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام»، وهو ـ والنص لأبي نعيم ـ كما يلي:

هذا ما فادى محمد بن عبد الله، رسول الله، فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الأشهل اليهودي، ثم القرظي، بغرس ثلاثمائة نخلة، وأربعين أوقية ذهب؛ فقد برئ محمد بن عبد الله رسول الله لثمن سلمان الفارسي، وولاؤه لمحمد بن عبد الله رسول الله، وأهل بيته، فليس لأحد على سلمان سبيل.

شهد على ذلك: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وبلال مولى أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم.

وكتب علي بن أبي طالب يوم الإثنين في جمادى الأول، مهاجر محمد بن عبد الله رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وقد ذكرت بعض المصادر هذا الكتاب من دون ذكر الشهود([22]).

تأملات في الكتاب:

قال الخطيب: «في هذا الحديث نظر، وذلك أن أول مشاهد سلمان مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» غزوة الخندق، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، ولو كان يخلص سلمان من الرق في السنة الأولى من الهجرة لم يفته شيء من المغازي مع رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وأيضاً، فإن التاريخ بالهجرة لم يكن في عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأول من أرخ بها عمر بن الخطاب في خلافته»([23]).

وقال العلامة المحقق الأحمدي: «أما الشهود فإن فيهم أبا ذر الغفاري «رحمه الله» وهو لم يأت المدينة إلا بعد خندق، مع أن صريح الكتاب أن ذلك كان في السنة الأولى من الهجرة. وتوصيف أبي بكر بالصديق يخالف رسوم كتب صدر الإسلام»([24]).

قال هذا «رحمه الله» بعد أن ذكر: أن الخطيب قد تنظر في الكتاب وأنه لم يذكر الشهود. كما وذكر «رحمه الله»: أن ابن عساكر والنوري في نفس الرحمن لم يذكرا الشهود أيضاً([25]).

الرد على الشكوك المشار إليها:

ونقول:

إن لنا هنا ملاحظات، سواء بالنسبة لما ذكره الخطيب أو بالنسبة لما ذكره العلامة الأحمدي.

فأما بالنسبة إلى ما ذكره الخطيب فنشير إلى ما يلي:

أولاً: قوله: إن أول مشاهد سلمان الخندق، ينافي ما ورد في الكتاب من أنه قد كوتب في السنة الأولى للهجرة.

هذا القول لا يصح وذلك لما يلي:

1 ـ إن من الممكن أن يتحرر في أول سني الهجرة، ثم لا يشهد أياً من المشاهد، لعذر ما، قد يصل إلينا، وقد لا يصل.

2 ـ إن مكاتبته في السنة الأولى لا تستلزم حصوله على نعمة الحرية فيها مباشرة، إذ قد يتأخر في تأدية مال الكتابة، فتتأخر حريته.

وإن كنا قد ذكرنا آنفاً: أن سلمان لم يكن كذلك، بدليل نفس ما ورد في ذلك الكتاب الآنف الذكر، وأدلة أخرى.

ولكننا نريد أن نقول للخطيب: إن ما ذكرته ليس ظاهر اللزوم في نفسه، ولا يصح النقض به، مجرداً عن أي مثبتات أخرى، كما يريد هو أن يدعيه.

3 ـ إن البعض قد ذكر: أن سلمان قد شهد بدراً وأحداً أيضاً([26]).

وهو الذي يظهر من سليم بن قيس، فقد عد سلمان في جماعة أهل بدر([27]).

ولعل هذا يفسر لنا سبب فرض عمر له خمسة آلاف، الذي هو عطاء أهل بدر([28]).

وقد حاول البعض أن يقول: إن مراد القائلين بحضوره بدراً: أنه حضرها وهو عبد، ومراد القائلين بأنه قد شهد الخندق فما بعدها، ولم يحضر بدراً، أنه لم يحضرها وهو حر([29]).

ونقول:

إن هذا جمع تبرعي، لا يرضى به أولئك، ولا هؤلاء، لأن مدار النفي والإثبات هو أصل الحضور والشهود، من دون نظر إلى الحرية والعبودية، ولذا تجد في بعض العبارات المنقولة التعبير بأن لم يفته مشهد بعد الخندق، فإنه يكاد يكون صريحاً في فوات بعض المشاهد قبل ذلك.

ثانياً: قول الخطيب إن التاريخ الهجري لم يكن في عهد الرسول، وأن عمر بن الخطاب هو أول من أرخ به،

لا يمكن قبوله: فقد أثبتنا في كتابنا هذا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» هو واضع التاريخ الهجري وقد أرخ به هو نفسه «صلى الله عليه وآله» أكثر من مرة، وهذا الكتاب يصلح دليلاً على ذلك أيضاً.

وأما بالنسبة لكلام العلامة البحاثة الأحمدي، فنحن نشير إلى ما يلي:

أ ـ قوله: إن الخطيب، وابن عساكر، ونفس الرحمن لم يذكروا الشهود، ليس في محله، كما يعلم بالمراجعة.

ب ـ إن ما ذكره حول توصيف أبي بكر بالصديق صحيح، وقد تحدثنا في كتابنا هذا: أن تلقيبه بهذا اللقب لا يصح لا في الإسراء والمعراج، ولا في أول البعثة، ولا في قضية الغار، حسب اختلاف الدعاوى.

وذكرنا هناك: أن الظاهر: هو أن هذا اللقب قد خلع عليه بعد وفاة النبي «صلى الله عليه وآله» بمدة ليست بالقصيرة.

ونضيف إلى ذلك: أنه إن كان أبو بكر نفسه قد كتب هذه الكلمة على كتاب عتق سلمان، فنقول:

إن من غير المألوف أن يطلق الإنسان على نفسه ألقاب التعظيم والتفخيم، بل إن الإنسان العظيم، الذي يحترم نفسه، يعمد في موارد كهذه إلى إظهار التواضع والعزوف عن الفخامة والأبهة.

وإن كان الآخرون هم الذين أطلقوا عليه لقب «الصديق»، وأضافوه إلى الكتاب من عند أنفسهم، تكرماً وحباً ورغبة في تعظيمه، وتفخيمه.

فذلك يعني: أنهم قد تصرفوا بالكتاب، وأضافوا إليه ما ليس منه، دون أن يتركوا أثراً يدل على تصرفهم هذا، وهو عمل مدان، ومرفوض، إن لم نقل إنه مشين، لا سيما وأنهم أهملوا صديقه عمر بن الخطاب، فلم يصفوه بالفاروق كما أهملوا غيره أيضاً.

ولا يفوتنا التذكير هنا: بأن النوري قد أورد الكتاب في نفس الرحمن عن تاريخ كزيده وليس فيه وصف أبي بكر بـ‍ «الصديق»، بل وصفه بـ «ابن أبي قحافة»، وهو الأنسب، والأوفق لظاهر الحال.

ج ـ وأما قولهم: إن أبا ذر لم يكن قد قدم المدينة حينئذٍ، لأنه إنما قدمها بعد الخندق،

فإننا نقول:

المراد: أنه إنما قدمها مستوطناً لها بعد الخندق، أما قبل ذلك، فلعله قدمها للقاء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أو لبعض حاجاته، فصادف كتابة هذا الكتاب؛ فشهد عليه، ثم عاد إلى بلاده، وثمة رواية أخرى تشير إلى حضوره([30])، فلتراجع.

د ـ أضف إلى ذلك: أن وصف بلال بأنه مولى أبي بكر، قد يكون من تزيد الرواة أيضاً؛ إذ قد ذكرنا فيما سبق من هذا الكتاب: أن بلالاً لم يكن مولى لأبي بكر.

وأخيراً.. فإن مما يدل على أن الرواة والكتاب قد زادوا شيئاً من عند أنفسهم: إضافة عبارة: «رضي الله عنهم» إلى الشهود؛ إذ لا شك في أن ذلك قد حصل بعد كتابة ذلك الكتاب، بل ويحتمل أن يكون الشهود جميعاً قد أضيفوا بعد ذلك، وإن كان هذا احتمالاً بعيداً جداً.

حديث الحرية بطريقة أخرى:

وقد جاء في بعض الروايات: أن الرق قد شغل سلمان حتى فاته بدر وأحد، حتى قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: كاتب يا سلمان، فكاتب سيده على ثلاث مئة نخلة (وقيل: على مئة وستين فسيلة، وقيل: خمس مئة وقيل: مئة فقط) يحييها له، وأربعين أوقية من ذهب.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أعينوا أخاكم بالنخل.

فأعانه أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله» بالخمس والعشر حتى اجتمعت عنده، فأمره «صلى الله عليه وآله» أن يفقّر لها، ولا يضع منها شيئاً حتى يكون النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي يضعها بيده؛ ففعل، فجاء رسول الله «صلى الله عليه وآله» فغرسها بيده، فحملت من عامها.

وقال «صلى الله عليه وآله»: إذا سمعت بشيء قد جاءني فأتني، أغنيك بمثل ما بقي من فديتك، فبينا رسول الله «صلى الله عليه وآله» ذات يوم في أصحابه، إذ جاء رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: ما فعل الفارسي المكاتب؟

فدعي له سلمان، فقال: خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان.

إلى أن تقول الرواية: فأخذها فأوفى منها حقهم كله: أربعين أوقية([31]).

وفي بعض المصادر: أنه بقي منها مثل ما أعطاهم.

وأعتق سلمان، وشهد الخندق ثم لم يفته معه مشهد([32]).

مناقشات لا بد منها:

إننا نشك في بعض ما جاء في هذه الرواية:

1 ـ لأنها تقول: إنه هو الذي كاتب سيده، وأعانه الصحابة على أداء دينه، وأعانه الرسول أيضاً بالذهب.

مع أن صريح كتاب المفاداة: أن الرسول «صلى الله عليه وآله» هو الذي أدى جميع ما على سلمان، وأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد اشتراه وأعتقه، وأن ولاءه لرسول الله «صلى الله عليه وآله» وأهل بيته، وقد دلت على ذلك نصوص أخرى أيضاً ستأتي إن شاء الله تعالى.

2 ـ إن كونه قد أعتق في السنة الخامسة، أو الرابعة، مشكوك فيه أيضاً، وقد قدمنا بعض ما يرتبط بذلك، وأنه قد أعتق في أول سني الهجرة.

3 ـ قول الرواية: إنه قد فاته بدر وأحد، قد عرفنا: أنه غير مُسلَّم، فقد قيل: إنه حضرهما أيضاً.

أضف إلى ذلك، أن رواية أبي الشيخ تنص على أنه قد أخبر النبي بأنه قد كاتب سيده فور إسلامه، حين مجيء النبي «صلى الله عليه وآله» إلى المدينة مباشرة([33]) فراجع.

كما أن القول: بأن الصحابة قد أعانوا النبي «صلى الله عليه وآله» على أداء دينه فيما يرتبط بفداء سلمان هو الآخر لا يصح، إذ قد كان على الراوي أن يقول ذلك، ويصرح به، وكان على النبي «صلى الله عليه وآله»: أن يطلب منهم أن يعينوه هو، لا أن يعينوا أخاهم سلمان، كما هو صريح الرواية.

الرواية الأقرب إلى القبول:

ولعل الرواية الأقرب إلى القبول هو: أنه «صلى الله عليه وآله» قد غرس النوى، وكان علي «عليه السلام» يعينه؛ فكان النوى يخرج فوراً، ويصير نخلاً، ويطعم بصورة إعجازية له «صلى الله عليه وآله» كما ظهرت معجزته «صلى الله عليه وآله» في وزن مقدار أربعين أوقية ذهباً، من حجر صار ذهباً([34])، من مثل البيضة، أو من مثل وزن نواة.

النخلة التي غرسها عمر:

ونجد في بعض المصادر: أن عمر بن الخطاب قد شارك في غرس نخلة واحدة ولكنها لم تعش، فانتزعها النبي «صلى الله عليه وآله» وغرسها بيده، فحملت([35]).

وفي رواية أخرى: أن التي لم تعش كان سلمان هو الذي غرسها([36]).

أما عياض، فلم يسم أحداً، وإن كان قد ذكر غرس غيره أيضاً([37]).

ولعلها كانت فسيلة حاضرة لدى عمر، أو سلمان، فأحب المشاركة في هذا الأمر، فغرسها، ولعله غرس نواة كانت في حوزته، وإن كانت الروايات قد صرحت بالأول لا بالنواة فيتعين ذلك الاحتمال.

وقد حاول البعض الجمع بين الروايتين المشار إليهما، أعني رواية غرس عمر للنخلة التي لم تعش، ورواية غرس سلمان لتلك النخلة:

بأن من الممكن أن يكونا ـ عمر وسلمان ـ قد اشتركا في غرسها، فصح نسبة ذلك لهذا تارة، ولذاك أخرى([38]).

«ويجوز أن يكون كل واحد من سلمان وعمر غرس بيده النخلة، أحدهما قبل الآخر»([39]).

ولنا أن نعلق على ذلك: بأنه بعد نهي النبي «صلى الله عليه وآله» لسلمان عن ذلك؛ فلا يعقل أن يقدم على مخالفة النبي «صلى الله عليه وآله»، وسلمان هو من نعرف في انقياده، والتزامه المطلق بأوامر الله سبحانه ورسوله «صلى الله عليه وآله»، فلا يمكن أن نصدق: أنه قد خالف أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وكيف لم يتدخل في غرس مائتين وتسع وتسعين، وتدخل في خصوص هذا الواحدة دون سواها؟!

هذا بالإضافة إلى صحة سند ما روي عن عمر، وكثرة الناقلين له، وعدم نقل ذلك عن سلمان إلا عند ابن سعد في طبقاته.

وإذا كان الراجح ـ إن لم يكن هو المتعين ـ أن سلمان لم يتدخل في هذا الأمر، ولا خالف النهي المتوجه إليه من قبل رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وإذا كان النهي إنما توجه إلى سلمان، لا إلى عمر، فإن إقدام عمر على هذا الأمر، يصبح أكثر معقولية، وأقرب احتمالاً.

فهو قد أراد أن يجرب حظه في هذا الأمر أيضاً، ولعله يريد إظهار زمالته للرسول «صلى الله عليه وآله»، وهو القائل: «أنا زميل محمد»([40])، فكما أن النخل يثمر على يد رسول الله «صلى الله عليه وآله»؛ فإنه يثمر على يده أيضاً وكما أن الرسول يقوم ببعض الأعمال؛ فإن غيره أيضاً قادر على أن يقوم بها، فليس ثمة فرق كبير فيما بينهم وبينه «صلى الله عليه وآله»، على حد زعمه، أو هكذا خيل له على الأقل.

وأما أنه لماذا لم يغرس سوى نخلة واحدة، فلعله يرجع إلى أنه حين رأى النبي «صلى الله عليه وآله» ينهى سلمان عن أن يغرس شيئاً منها، فإنه قد تردد في ذلك، وحاذر من أن يتعرض لغضب النبي «صلى الله عليه وآله» وإنكاره ثم تشجع أخيراً، وجرب حظه في نخلة واحدة، الأمر الذي تفرد فيه دون سائر الصحابة الآخرين، ولم يقدم عليه لا أبو بكر، ولا غيره. وقد يكون السبب في ذلك هو أنه لم يكن في حوزته سوى هذه النخلة.

ولكن شاءت الإرادة الإلهية: أن يحفظ ناموس النبوة، وأن تخيب كل الطموحات، وتتحطم كل الآمال، التي تريد أن تنال من ذلك الناموس، أو تستفيد منه في مسار انحرافي آخر، لا يلتقي معه، ولا ينتهي إليه، وتجلى هذا اللطف الإلهي في أن النخل قد أثمر كله، سوى هذه، حتى أعاد رسول الله «صلى الله عليه وآله» غرسها بيده الشريفة من جديد، فظهرت البركات، وتجلت الكرامة الإلهية.

دور خليسة في عتق سلمان:

وقد جاء في بعض روايات عتق سلمان: أنه كان لامرأة اسمها خليسة، كانت قد اشترته، ثم بعد أن أسلم سلمان أرسل إليها رسول الله «صلى الله عليه وآله» علياً «عليه السلام»، يقول لها: إما أن تعتقي سلمان وإما أن أعتقه، فإن الحكمة تحرمه عليك.

فقالت له: قل له: إن شئت أعتقه، وإن شئت فهو لك.

قال رسول الله: أعتقيه أنت؛ فأعتقته.

قال: فغرس لها رسول الله «صلى الله عليه وآله» ثلاث مئة فسيلة.

وفي لفظ آخر قالت: ما شئت.

فقال: أعتقته([41]).

ونقول:

1 ـ إن الرواية التي قدمناها في مكاتبته لمولاه على غرس النخل، حتى تطعم، وعلى أربعين أوقية، وغير ذلك مما دل على أن الرسول «صلى الله عليه وآله» قد اشتراه، وأعتقه، ينافي ذلك.

2 ـ إن كتاب المفاداة المتقدم ينافي ذلك أيضاً، لأنه كتب باسم عثمان بن الأشهل القرظي:

إلا أن يدَّعى: أن خليسة كانت زوجة لعثمان هذا، أو من أقاربه أو غير ذلك، فلا مانع من كتب الكتاب باسمه نيابة عنها.

ولكن ذلك مجرد احتمال، يحتاج إلى شاهد وعاضد، وهو مفقود.

3 ـ لماذا يأمرها النبي «صلى الله عليه وآله» بعتق سلمان، ولم يأمر غيرها، من الذين كانوا يملكون أرقاء مسلمين؟!([42]).

4 ـ ما معنى قوله: إما أن تعتقيه أنت، أو أعتقه أنا، فهل يريد الرسول «صلى الله عليه وآله» استعمال ولايته في هذا المجال؟!

5 ـ وإذا كانت قد أسلمت قبل أن يرسل إليها هذا الأمر([43])؛ فما معنى قوله: «صلى الله عليه وآله»: فإن الحكمة تحرمه عليك؟!

فهل كانت قد تزوجته، وهل يصح تملك المرأة لزوجها؟

أم أنه كان أباً لها؟! أم ماذا؟!

هذا مع أنه حتى لو فرض ذلك، فإنه ينعتق عليها قهراً في الفرض الثاني، وينفسخ النكاح في الفرض الأول.

6 ـ وإذا كانت لم تملكه لأنه كان حراً، وقد ظلموه، فباعوه لها؛ فإن ذلك لو صح أنه كاف في ذلك؛ لمنع من أصل عبوديته؛ فلا حاجة بعد ذلك لعتقه، لا من قبله «صلى الله عليه وآله» ولا من قبلها.

7 ـ وإذا كانت تملكه، ولا بد من عتقه؛ فلماذا لا يشتريه منها؟!

أو لماذا لم تكاتبه هي؟! ولماذا تؤمر بعتقه من الأساس، إلا على سبيل الحث والترغيب في الأجر، لا على سبيل التهديد، وبأسلوب القهر؟!

8 ـ وما معنى التناقض في رواية عتقها له تارة، وعتق النبي «صلى الله عليه وآله» له تارة أخرى؟! بقي علينا أن نعرف:

من الذي حرر سلمان؟

هناك نصوص كثيرة تفيد: أن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي حرر سلمان من الرق.

1 ـ فقد عده كثير من العلماء والمؤرخين من موالي رسول الله «صلى الله عليه وآله»([44]).

2 ـ وعن بريدة: «كان لليهود؛ فاشتراه رسول الله «صلى الله عليه وآله» بكذا وكذا درهماً، وعلى أن يغرس له نخلاً، ويعمل فيها سلمان حتى تطعم، فغرس رسول الله «صلى الله عليه وآله» النخل»([45]).

3 ـ وسئل الشعبي: هل كان سلمان من موالي رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟

قال: نعم، أفضلهم. كان مكاتباً؛ فاشتراه، فأعتقه([46]).

4 ـ وقال الخطيب البغدادي: «أدى رسول الله «صلى الله عليه وآله» كتابته، فهو إلى بني هاشم»([47]).

5 ـ وقال المبرد: «وكان «صلى الله عليه وآله» أدى إلى بني قريظة مكاتبة سلمان، فكان سلمان مولى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال علي بن أبي طالب «عليه السلام»: سلمان منا أهل البيت»([48]).

6 ـ وقال أبو عمر: «وقد روي من وجوه: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» اشتراه على العتق»([49]).

7 ـ وتقدم كتاب المفاداة، الذي ينص على أن ولاء سلمان هو لمحمد بن عبد الله رسول الله، وأهل بيته، فليس لأحد على سلمان سبيل.

8 ـ وفي مهج الدعوات، في حديث حور الجنة وتحفها، مسنداً عن فاطمة عليها السلام: «فقلت للثالثة: ما اسمك؟

قالت: سلمى.

قلت: ولم سميت سلمى؟

قالت: خلقت أنا لسلمان الفارسي، مولى أبيك رسول الله»([50]).

9 ـ وفي رسالة سلمان إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، كتب له سلمان: من سلمان مولى رسول الله «صلى الله عليه وآله»([51]).

10 ـ وروى الحاكم أن علي بن عاصم ذكر في حديث إسلام سلمان: أنه كان عبداً، فلما قدم النبي «صلى الله عليه وآله» المدينة، أتاه، فأسلم فابتاعه النبي «صلى الله عليه وآله» وأعتقه([52]).

11 ـ وفي حديث سلام سلمان على أهل القبور، قال «رحمه الله»: سألتكم بالله العظيم، والنبي الكريم إلا أجابني منكم مجيب، فأنا سلمان الفارسي: مولى رسول الله «صلى الله عليه وآله»([53]).

12 ـ وعن ابن عباس قال: رأيت سلمان الفارسي «رحمه الله» في منامي، فقلت له: يا سلمان، ألست مولى النبي «صلى الله عليه وآله»؟

قال: بلى، فإذا عليه تاج من ياقوت الخ..([54]).

13 ـ هذا بالإضافة إلى الحديث الذي يقول سلمان في آخره: فأعتقني رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وسماني سلماناً([55]).

أبو بكر وعتق سلمان:

وبعد كل ما تقدم، فإننا نعرف: أن دعوى: أن أبا بكر قد اشترى سلمان فأعتقه([56]) لا يمكن أن تصح بأي وجه.

ويكفي في ردها حديث كتاب المفاداة المتقدم، بالإضافة إلى النصوص الآنفة الذكر، إلى جانب النصوص الأخرى، التي تدَّعي: أنه قد أعانه الصحابة ورسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى أدى ما عليه من مال الكتابة، وإن كان سيتضح أنها غير خالية عن المناقشة.

لماذا يكذبون؟

ولعل أهمية سلمان، وعظمته وجلالته في المسلمين، قد جعلت البعض يرغبون في أن يجعلوا للشخصيات التي يحترمونها، ويهتمون في حشد الفضائل لها، نصيباً في هذا الرجل الفذ، وفضلاً لها عليه، حتى ولو كان ذلك على حساب كرامات وفضائل رسول الله «صلى الله عليه وآله» نفسه، فإن الإغارة على بعض فضائله وكراماته «صلى الله عليه وآله»، ونسبتها إلى غيره، لا تنقص من شأنه ـ بزعمهم ـ شيئاً، إذ يكفيه شرفاً: أنه النبي الهادي لهذه الأمة، وأنه رسول الله «صلى الله عليه وآله».

كما أن ذلك يمكن أن يكون ردة فعل على تلك الرواية التي لا يجدون دليلاً ملموساً على ردها وتكذيبها، والتي تقول:

إنه أسلم في مكة، وحسن إسلامه، وأن النبي «صلى الله عليه وآله» شاوره ـ امتحاناً له ـ فيمن يبدأ بدعوته في مكة، فجال سلمان في أهل مكة يخبرهم، ويشيرهم، ويجتمع مع النبي «صلى الله عليه وآله» وأبي طالب لهذا الغرض، ثم أشار بدعوة أبي بكر؛ لأنه معروف بين العرب بتعبير الأحلام، وهم يرون فيه ضرباً من علم الغيب، مع معرفته بتواريخ العرب وأنسابها بالإضافة إلى أنه معلم للصبيان، ويطيعه ويجله من أخذ عنه من فتيانهم، ولكلامه تأثير فيهم؛ فإذا آمن فلسوف يكون لذلك أثره، ولسوف تلين قلوب كثيرة، لا سيما وأن معلمي الصبيان راغبون في الرئاسة، فاستصوب النبي «صلى الله عليه وآله» وأبو طالب ذلك، وشرع سلمان في دلالة الرجل، وإدخاله في الإسلام([57]).

فلعل سلمان ـ كما تدل عليه هذه الرواية، ويظهر من غيرها ـ كان في بدء أمره في مكة وأسلم هناك، ثم انتقل إلى المدينة.

وعن تقدم إسلام سلمان، نجد عدداً من الروايات تشير إلى ذلك([58]) ومن ذلك: أن أعرابياً سأل النبي «صلى الله عليه وآله» عنه قال: أليس كان مجوسياً، ثم أسلم؟!

فقال «صلى الله عليه وآله»: يا أعرابي، أخاطبك عن ربي، وتقاولني؟! إن سلمان ما كان مجوسياً، ولكنه كان مضمراً للإيمان، مظهراً للشرك([59]).

 

الفصل الثالث:

 

ولادة الإمام الحسين × وبعض ما قيل حولها

 

 

بـدايـة:

إن الحديث عن ولادة سيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين «عليه السلام»، وما رافق ذلك من اهتمام ظاهر من قبل الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله» بهذا الوليد المبارك، وأهداف ذلك، وأبعاده، ومراميه لهو حديث محبب للنفوس المؤمنة وتتطلبه عقول ذوي النهى، ما دام أن ذلك يجسد لنا المعاني الحقيقية التي تريد الأسوة والقدوة لنا أن نتلمسها ونتحسسها ونتوصل إليها، ونعيشها.

ولكن بما أن هذا الكتاب قد اتخذ ـ عموماً ـ منحى يغلب عليه طابع التعامل مع النصوص تأكيداً، أو تفنيداً، فقد أصبح طرح حقائق كهذه لا يتلاءم مع أسلوب الكتاب، ولا يناسب توجهه العام.

ولأجل ذلك، فنحن نكتفي في طرحنا لقضية ولادة الحسين «عليه السلام» أيضاً ببعض ما لا يخرجنا عن هذا الاتجاه، ولا يضر بذلك المنحى؛ فنقول:

ولادة الإمام الحسين ×:

وفي السنة الرابعة للهجرة، في الخامس من شعبان، أو لثلاث، أو لأربع، خلون منه، كانت ولادة الإمام الحسين بن علي «عليهما السلام» في المدينة المنورة([60]).

وقيل: ولد في آخر شهر ربيع الأول، سنة ثلاث من الهجرة([61]).

وقال قتادة: إنه «عليه السلام» ولد بعد أخيه الحسن بسنة وعشرة أشهر، لخمس سنين وستة أشهر من التاريخ([62]).

وقال الجزري تفريعاً على قول قتادة: فولدته لست سنين، وخمسة أشهر ونصف([63]).

وقال الدولابي: ولد لأربع سنين وستة أشهر من الهجرة([64]).

وقيل: ولد سنة سبع، وليس بشيء([65]).

ومن جهة أخرى؛ فقد قيل: لم يكن بينه وبين أخيه إلا الحمل، والحمل ستة أشهر([66]).

وزاد في بعض الروايات قوله: وعشراً([67]).

وقيل: كان أصغر من الحسن بسنة([68]).

وقول آخر: يفيد أنه كان بين ولادة الحسن وولادة الحسين عشرة أشهر وعشرون يوماً([69]).

وفي رواية أخرى: أنها حملت به بعد وضعها الحسن «عليه السلام» بخمسين يوماً([70]).

وفي نص آخر: لم يكن بينهما إلا طهر واحد([71]).

وقال ابن قتيبة: «حملت به بعد أن وضعت الحسن بشهر واحد واثنين وعشرين يوماً، وأرضعته وهي حامل ثم أرضعتهما جميعاً»([72]).

ومن الواضح أنه لا منافاة بين النصوص الأربعة الأخيرة على تقدير كون الحمل به تسعة أشهر، ولكن العسقلاني يقول: «قلت: فإذا كان الحسن ولد في رمضان، وولد الحسين في شعبان، احتمل أن يكون ولدته لتسعة أشهر، ولم تطهر من النفاس إلا بعد شهرين»([73]).

ونقول: إن في كلامه بعض المناقشة:

أولاً: إنه مبني على ما يذهبون إليه، من أن النفاس يمكن أن يكون أربعين يوماً، ويكون شهرين وأكثر وأقل وغير ذلك.

أما على ما هو الثابت من مذهب أهل البيت «عليهم السلام»، ويؤيده الواقع، من أن أكثر النفاس عشرة أيام ولا حد لأقله، فلا معنى لاستمرار نفاسها إلى شهرين.

ثانياً: إنه حتى على ما ذكره؛ فإن نفاسها يكون خمسين يوماً، إذا كان حملها قد استمر تسعة أشهر، إلا أن يكون كلامه تقريبياً، ولا تحديد فيه.

ثالثاً: قد ورد في الروايات: أنها «صلوات الله وسلامه عليها» لم تر الدم حين الولادة أصلا ً([74]).

الحلق، والعقيقة، والتسمية:

«ولما ولد «عليه السلام»، أخبر النبي «صلى الله عليه وآله» به، فجاءه، وأخذه، وأذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، واستبشر به «صلى الله عليه وآله»، وسماه «حسيناً» وعق عنه كبشاً، وفي رواية كبشين، وقال لأمه: احلقي رأسه، وتصدقي بوزنه فضة، وافعلي به كما فعلت بأخيه الحسن».

وزاد البعض: وأعطى القابلة رجل العقيقة، وختنه يوم السابع من ولادته.

وزاد آخرون: أنه «صلى الله عليه وآله» حنكه بريقه، وتفل في فمه، ودعا له، وسماه حسيناً، يوم السابع([75]).

وعن عمران بن سليمان، قال: الحسن والحسين من أسماء أهل الجنة، لم يكونا في الجاهلية([76]).

لا منافاة بين الروايات:

وفي حين نجد بعض الروايات تقول: إن فاطمة «عليها السلام» قد عقت عن الحسنين «عليهما السلام»([77]).

فإننا نجد الروايات المتضافرة الأخرى تفيد: أنه «صلى الله عليه وآله» هو الذي عق عنهما «عليهما السلام»([78]).

كما أن بعض الروايات تفيد: أن فاطمة «عليها السلام» هي التي حلقت رأسيهما يوم سابعهما، وتصدقت بوزن شعرهما فضة([79]).

بينما غيرها يقول: إن النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه هو الذي تولى ذلك منهما([80]).

ولعله لا منافاة بين جميع ما ذكر، إذ إن الرسول «صلى الله عليه وآله» أمرها بذلك، حسبما صرحت به الروايات، فهي «عليها السلام» قد تولت أمر العقيقة والحلق، والنبي «صلى الله عليه وآله» يكون هو الذي اشترى العقيقة، ودفع الفضة التي تصدقت بها «عليها السلام».

ويمكن أن يكون «صلى الله عليه وآله» قد شارك الصديقة الطاهرة «عليها السلام» في ذبح الكباش وتوزيعها، كما وشاركها في أمر الحلق أيضاً، فصح نسبة الفعل إليه «صلى الله عليه وآله» تارة، وإليها «صلوات الله وسلامه عليها» أخرى([81]) والله العالم.

اليافعي وثقافته الواسعة:

قال اليافعي: «في رمضان منها (أي سنة ثلاث) ولد الحسن رضوان الله عليه.

قلت: ولم أرهم ذكروا تاريخ ولادة أخيه الحسين رضي الله تعالى عنه، والذي يقتضيه ما ذكروا من تاريخ مدة عمرهما، وزمان وفاتهما: أن يكون ولادة الحسين في السنة الخامسة، والله تعالى أعلم.

ثم وقفت على كلام للإمام القرطبي المالكي يذكر فيه: أنه ولد في شهر شعبان في السنة الرابعة.

فعلى هذا ولد الحسين قبل تمام السنة من ولادة الحسن، ومثل هذا غريب في العادة، نادر الوقوع.

ويؤيد هذا ما وقفت عليه بعد ذلك، ومن نقل الواحدي: أن فاطمة رضي الله تعالى عنها علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة والله أعلم»([82]).

وإنما ذكرنا كلام اليافعي ـ وهو من أعلام القرن الثامن الهجري ويعبر عنه بـ «الإمام» ـ بطوله، ليقف القارئ على سعة اطلاع هذا الرجل، ومعرفته بتاريخ حفيد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأحد سبطيه، وسيد شباب أهل الجنة «صلوات الله وسلامه عليه»، مع أنه هو نفسه يذكر تواريخ دقيقة لكثير من الناس الذين لا شأن ولا منزلة لهم إلا من خلال مواقفهم وعداواتهم لأهل البيت «عليهم السلام».

حملته أمه كرهاً:

وجاء في رواية عن أبي عبد الله «عليه السلام»: أنه لما أعلم جبرئيل النبي «صلى الله عليه وآله» بأن أمته ستقتل الحسين «عليه السـلام» ـ وذلك قبل أن يولد «عليه السلام» ـ كرهت فاطمة «عليها السلام» حمله. وحينما وضعته كرهت وضعه، لأنها علمت أنه سيقتل وفيه نزلت:

﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً([83]).

زاد في المناقب: ولم يولد مولود لستة أشهر عاش غير عيسى والحسين.

وفي نصوص أخرى: أنها «عليها السلام» رضيت لما أخبرها بأن الإمامة والولاية في ذريته([84]).

وأقول:

1 ـ لا أستطيع أن أؤكد صحة هذا الخبر، ما دمت أرى أنه لا يناسب فاطمة «عليها السـلام» أن تفكر بهذه الطريقة التي تصب في الاتجـاه الشخصي، وأقول: إن فاطمة ترضى ما يرضاه الله سبحانه لها، ولم تكن لتكره عطيته سبحانه، ولا سيما إذا كانت هذه العطية هي الحسين «عليه السلام» سيد شباب أهل الجنة.

2 ـ كما أنني أريد أن أحتمل هنا: أن المقصود أيضاً هو التقليل من كرامة الحسين «عليه السلام» نفسه، حتى إن أقرب الناس إليه وهو أمه لم ترض بحمله، ولا بوضعه، وكان وجوده ثقيلاً عليها.

3 ـ ويمكن أن يناقش في هذه الرواية بأن الآية قد وردت في سورة الأحقاف، وهي مكية([85])، والحسين «عليه السلام» إنما ولد في المدينة.

وقد يمكن دفع ذلك بأمرين:

الأول: بما ورد في بعض الروايات من أنه «صلى الله عليه وآله» كان إذا نزلت آية يقول لهم ضعوها في المكان الفلاني([86]) ويمكن أن تكون هذه الآية نزلت في المدينة، ووضعها الرسول «صلى الله عليه وآله» في سورة مكية، تقدم نزولها، وقد ورد الاستثناء لهذه الآية بخصوصها فراجع المصاحف المطبوعة.

الثاني: إنه يمكن أن يكون قد تكرر نزول هذه الآية بهذه المناسبة، ولذلك نظائر كثيرة([87]) فلا إشكال.

رواية أسماء:

وأما بالنسبة لرواية أسماء بنت عميس لما جرى حين ولادته وأخيه الحسن «عليهما السلام» وحكم بعض المحققين عليها بأنها غير مستقيمة فقد تقدم في المجلد السادس: أن سبب ذلك هو الاشتباه في قراءة كلماتها.

وإن كان في بعض نصوصها شيء من التهافت الناشئ من خلط الرواة بين بنت عميس وغيرها([88]).

وملخص هذه الرواية حسبما جاء في روضة الواعظين:

قالت أسماء بنت عميس: قبلت فاطمة بالحسن والحسين «عليهم السلام»، فلما ولد الحسن «عليه السلام» جاء النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: يا أسماء (أي وهي غير بنت عميس) هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها النبي «صلى الله عليه وآله» وقال: يا أسماء، ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء؟ فلفته في خرقة بيضاء، ودفعته إليه، فأذن في أذنه اليمنى.

ثم تذكر الرواية تسمية النبي «صلى الله عليه وآله» له، وحلقه رأسه، وتصدقه بزنته ورقاً، وعقه عنه، وطلي رأسه بالخلوق، ثم قال: يا أسماء الدم فعل الجاهلية.

«ولعله لأنهم كانوا في الجاهلية يطلون رأس المولود بالدم، فغيَّر «صلى الله عليه وآله» هذه السنة السيئة».

فلما ولد الحسين، جاء «صلى الله عليه وآله» وقال: يا أسماء «أي وهي غير بنت عميس» هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ووضعه في حجره، وبكى، فقالت أسماء: قلت فداك أبي وأمي مم بكاؤك؟

فقال: على ابني هذا.

قلت: إنه ولد الساعة.

قال: يا أسماء، تقتله الفئة الباغية إلى آخر الرواية([89]).

فأسماء بنت عميس فيها تروي عن أسماء أخرى، ولعلها بنت يزيد الأنصارية.

أما ما روي عن السجاد «عليه السلام»، من أنه قال: لما حان وقت ولادة فاطمة بعث إليها رسول الله «صلى الله عليه وآله» أسماء بنت عميس وأم أيمن، حتى قرأتا؟ عليها آية الكرسي والمعوذتين([90]).

فهو أيضاً موضع إشكال، لأن بنت عميس كانت مع زوجها جعفر بن أبي طالب في الحبشة، ولم تقدم إلى المدينة إلا عام خيبر.

والظاهر ـ أيضاً ـ : أن كلمة «بنت عميس» مقحمة في هذه الرواية من قبل الرواة أو المؤلفين جرياً على عادتهم وما هو المألوف عندهم، وتكون أسماء هي واحدة أخرى من النساء الصحابيات، بنت يزيد، أو غيرها.

ومما يدل على هذا الإقحام: أننا نجد الدياربكري، راوي الرواية السابقة عن علي بن الحسين «عليه السلام» يروي رواية أخرى عن المحب الطبري، فيقحم فيها من عند نفسه كلمة «بنت عميس» فيقول:

«عن أسماء بنت عميس، قالت: قبلت فاطمة بالحسن؛ فلم أر لها دماً؛ فقلت: يا رسول الله إني لم أر لفاطمة دماً في حيض ولا نفاس؟! فقال «صلى الله عليه وآله»: «أما علمت أن ابنتي طاهرة مطهرة، لا يرى لها دم في طمث، ولا ولادة أخرجه الإمام علي بن موسى الرضا»([91]).

فراجعت ذخائر العقبى ص44 فرأيت الرواية نفسها، ولكنها عن أسماء من دون ذكر لعبارة «بنت عميس» فيها.

وهذه هي الرواية الصحيحة، لأن بنت عميس كانت حين ولادة الإمام الحسن «عليه السلام» في الحبشة، لا في المدينة حسبما ألمحنا إليه آنفاً.

وثمة روايات أخرى عن أسماء بنت عميس([92])، والكلام فيها هو الكلام.

أي أننا نحتمل أن يكون لفظ: «بنت عميس» من إقحام الرواة، انطلاقاً مما هو مرتكز في أذهانهم، دون أن يلتفتوا إلى المفارقة المذكورة.

التشريف والتكريم:

هذا وقد روي عن أبي جعفر «عليه السلام»، قال: لما عرج برسول الله «صلى الله عليه وآله»، نزل بالصلاة عشر ركعات: ركعتين، ركعتين، فلما ولد الحسن والحسين، زاد رسول الله سبع ركعات شكراً لله؛ فأجاز الله ذلك([93]).

وقال ابن شهرآشوب: «من كثرة فضلهما، ومحبة النبي إياهما: أنه جعل نوافل المغرب، وهي أربع ركعات، كل ركعتين منهما عند ولادة كل واحد منهما»([94]).

هذا وقد أشرنا في المجلد الرابع من هذا الكتاب في فصل: قضايا وأحداث غير عسكرية إلى موضوع الزيادة في الصلاة فلا نعيد.

ولكننا نشير هنا: إلى أن بعض الروايات تشير إلى أن سبب زيادة الركعتين أمر آخر، وهو إرادة الحفاظ على إتيان الصلاة من قبل المكلفين بصورة معقولة.

وقيل: غير ذلك، فليراجع كتاب الوسائل ج3 باب عدد الفرائض اليومية ونوافلها وجملة من أحكامها.

ولا مانع من كون الداعي إلى ذلك هو كلا الأمرين، كما أن رواية ابن شهرآشوب([95]) لا تنافي الرواية التي قبلها، كما لا تنافي سائر الروايات المبينة لسبب جعل النوافل؛ فإن جعل النافلة عند ولادتهما تشريفاً لهما، لا ينافي أن تكون علة هذا الجعل شيئاً آخر، وذلك ظاهر.

إرضاع الحسين × بلبن قثم لا يصح:

عن أم الفضل بنت الحارث قالت: رأيت فيما يرى النائم: أن عضواً من أعضاء النبي «صلى الله عليه وآله» في بيتي، فقصصتها على النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: خيراً رأيت، تلد فاطمة غلاماً، فترضعيه بلبن قثم، فولدت فاطمة غلاماً، فسماه حسيناً، فدفعه إلى أم الفضل، فكانت ترضعه بلبن قثم([96]).

وفي نص أخر: لم يذكر إرضاعها له بلبن قثم، بل اكتفى بأنه «صلى الله عليه وآله» أخبرها بأنه يكون في حجرها، فكان كذلك، وتفصيل القصة يراجع في مصادرها([97]).

ولكننا قد قدمنا في هذا الكتاب، في فصل: شخصيات وأحداث، حينما تحدثنا عن ولادة الإمام الحسن «عليه السلام» ما يلي:

1 ـ إن العباس لم يكن قد هاجر حينئذٍ إلى المدينة، وقد كانت زوجته عنده في مكة، كما هو الظاهر.

2 ـ إننا نجد البعض ينكر أن يكون لقثم صحبة أصلاً.

وأخيراً، فيحتمل أن تكون رواية أم الفضل هذه هي نفس الرواية التي تقدمت في هذا الكتاب في آخر فصل شخصيات وأحداث.

لكن الرواة بسبب عدم نقط الكلمات وتقارب كلمتي الحسن والحسين، قد صحفوا أحدهما بالآخر، ونضيف هنا:

3 ـ إنه قد ورد في بعض الروايات ـ والنص للبحراني ـ أنه: «لم يرضع الحسين «عليه السلام» من فاطمة «عليها السلام»، ولا من أنثى، كان يؤتى به النبي «صلى الله عليه وآله» فيضع إبهامه في فيه، فيمص منها ما يكفيه، اليومين، والثلاثة، فنبت لحم الحسين من لحم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ودمه من دمه»([98]).

وفي نص آخر: أنه كان يؤتى بالحسين؛ فيلقمه لسانه؛ فيمصه؛ فيجتزئ به، ولم يرتضع من أنثى([99]).

وروي عن أبي عبد الله «عليه السلام»، قال: كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يأتي مراضع فاطمة؛ فيتفل في أفواههم، ويقول لفاطمة: لا ترضعيهم([100]).

وإن كان ربما يقال: إن هذا لا يدل على أنه لم يرضع من أخريات.

وبعد، فقد تقدم: أن الظاهر هو: أن صاحبة القضية المذكورة، وصاحبة المنام المشار إليه، ليست هي أم الفضل، وإنما هي أم أيمن([101])، حسبما جاء في بعض الروايات، وأشرنا إليه في جزء سابق حين الكلام حول ولادة الحسن «عليه السلام».

أوهام لأبي نعيم:

عن هارون عن عبد الله قال: سمعت أبا نعيم يقول: «قتل الحسين على رأس سنة ستين، يوم السبت؛ يوم عاشوراء، وقتل وهو ابن خمس وستين، أو ست وستين».

وفي هذه الرواية وهم من جهتين؛ في القتل، والمولد.

فأما مولد الحسين؛ فإنه كان بينه وبين أخيه الحسن طهر. وولد الحسن للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة.

وأما الوهم في تاريخ موته، فأجمع أهل التاريخ: أنه قتل في المحرم، سنة إحدى وستين، إلا هشام ابن الكلبي، فإنه قال: سنة اثنتين وستين، وهو وهم أيضاً»([102]).

ونزيد نحن في توضيح ذلك: أن معنى كلام أبي نعيم هو: أن الإمام الحسين «عليه السلام»، قد ولد قبل الهجرة بست سنين، مع أن علياً قد تزوج بالزهراء «عليهما السلام» بعد الهجرة، وولدت له الحسن «عليه السلام» في سنة ثلاث.

أضف إلى ذلك: أن أبا الفرج يقول: «إن الأصح هو: أنه «عليه السلام» قد استشهد يوم الجمعة، لا يوم السبت»([103]).

ويقول عن القول بأنه استشهد يوم الإثنين: إنه: «لا أصل له، ولا حقيقة، ولا وردت فيه رواية»([104]).

رواية أخرى لا تصح:

قال أبو الفرج: «وروى سفيان الثوري عن جعفر بن محمد: أن الحسين بن علي قتل وله ثمان وخمسون سنة، وأن الحسن كذلك كانت سنوّه يوم مات، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وأبو جعفر محمد بن علي»([105]).

قال سفيان: «وقال لي جعفر بن محمد: وأنا بهذا السن في ثمان وخمسين سنة، فتوفي فيها رحمة الله عليه»([106]).

قال أبو الفرج: «وهذا وهم، لأن الحسن ولد سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي في سنة إحدى وخمسين، ولا خلاف في ذلك، وسنه على هذا ثمان وأربعون سنة، أو نحوها»([107]).

ونقول:

أولاً: قول أبي الفرج عن الإمام الحسن «عليه السلام»: إنه «توفي سنة إحدى وخمسين، ولا خلاف في ذلك» محل نظر، إذ إن كثيرين يقولون: إنه «عليه السلام» قد توفي في سنة تسع وأربعين، وقيل: في سنة خمسين، وقيل: في سنة ثمان وأربعين، وقيل: غير ذلك([108]).

وبالنسبة لسن السجاد والباقر «عليهما السلام»، فهو أيضاً ليس على حسب ما جاء في الرواية، فليراجع البحار والكافي، وغير ذلك من المصادر المشار إليها في الهامش على الفقرة السابقة.

ثانياً: بالنسبة للمدة التي عاشها الإمام الصادق «عليه السلام»، فالمقل يقول: إنه «عليه السلام» قد عاش ثلاثاً وستين سنة، والأكثر على أنه عاش خمساً وستين، وقيل أكثر من ذلك([109]).

اشتباهات حسابية:

وهذه الاشتباهات كثيرة، نذكر منها ما يلي:

1 ـ قال المقدسي: «قتل الحسين «عليه السلام» سنة إحدى وستين من الهجرة، يوم عاشوراء، وهو يوم الجمعة، وكان قد بلغ من السن ثمانياً وخمسين سنة»([110]).

وقال في موضع آخر: «قتل يوم عاشوراء سنة اثنتين وستين»([111]). والتنافي بين هذين القولين ظاهر.

كما أنه بعد ذكره: أن الحسن «عليه السلام» قد توفي سنة سبع وأربعين([112]) ذكر: «أن الحسين «عليه السلام» قد قتل سنة اثنتين وستين، بعد الحسن بسبع عشرة سنة»([113])، مع أن ما بين سبع وأربعين واثنتين وستين هو خمس عشرة سنة لا أكثر.

وفي مورد آخر يذكر: أن الحسين «عليه السلام» قد ولد بعد الحسن بعشرة أشهر أي في السنة الرابعة([114])، ثم يذكر: أنه استشهد سنة إحدى وستين وعمره ثمان وخمسون سنة. مع أن عمره يكون سبعاً وخمسين سنة.

إلا أن يكون قد أضاف أشهراً يسيرة على العمر الصحيح، الذي هو سبع وخمسون سنة وأشهر.

كما أنه تارة يذكر: أن الحسين «عليه السلام» قد ولد بعد الحسن «عليه السلام» بعشرة أشهر وعشرين يوماً، وأن الحسن قد ولد في السنة الثالثة.

وتارة يذكر: أن الحسين «عليه السلام» قد ولد بعد الهجرة بسنتين([115]).

2 ـ ويصرح ابن الوردي، وغيره: بأن الحسين «عليه السلام» قد ولد سنة أربع([116]) وتوفي سنة إحدى وستين.

ولكنه يغلط بالحساب، فيقول: «والصحيح: أن عمره رضي الله عنه وعنا بهم: خمس وخمسون سنة وأشهر»([117]).

3 ـ وقال الحافظ عبد العزيز: ولد في شعبان سنة أربع، وقتل يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين، وهو ابن خمس وخمسين سنة وستة أشهر([118]).

والخطأ في حساب سني عمره الشريف واضح، والصحيح: أن عمره سبع وخمسون سنة وأشهر.

4 ـ أما الشيخ المفيد «رحمه الله» تعالى، فإنه ذكر أن ولادته «عليه السلام» كانت في شعبان سنة أربع ووفاته في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وعمره ثمان وخمسون سنة([119]).

وقد قدمنا: أن الصواب هو أن عمره سبع وخمسون سنة وأشهر، ولعله «رحمه الله» لم يعتن بهذه الأشهر الباقية، فأطلق حكمه ذاك على سبيل التسامح.

 

الفصل الرابع:

 

عبرة ومناسبة

  

بـدايـة:

نتحدث في هذا الفصل عن وفيات بعض الأشخاص الذين عاشوا في زمن النبي «صلى الله عليه وآله»، وذلك انطلاقاً من المبررات التي ألمحنا إليها في بداية الفصل السابق.

ولكننا نشير هنا إلى أننا سوف نجعل ذلك أيضاً ذريعة إلى التعرض لأمور أخرى ترتبط بهؤلاء الأشخاص من قريب أو من بعيد، من أجل أن نسجل تحفظاً، أو ننوه بما ينبغي التنويه به، والتنبيه إليه، فنقول:

1 ـ عبد الله بن عثمان:

فإنهم يقولون: إن عبد الله بن عثمان بن عفان، سبط رسول الله، حيث إن أمه هي رقية بنت النبي «صلى الله عليه وآله»([120])، قد توفي في جمادى الأولى، من السنة الرابعة([121]).

وكان قد ولد في الإسلام في الحبشة؛ فبلغ ست سنين؛ فنقره ديك في عينه؛ فمرض فمات([122]).

وحين دفن دخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبره([123]).

ونحن نشك في أكثر ما تقدم، ونذكر ذلك ضمن النقاط التالية:

عبد الله بن عثمان سبط الرسول !!

في قولهم: إن عبد الله بن عثمان كان سبط رسول الله «صلى الله عليه وآله».

نقول: قد تقدم في الجزء الثاني من هذا الكتاب شكنا في كون زوجتي عثمان كانتا بنتي رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقلنا: إن الظاهر هو أنهما كانتا ربيبتيه؛ فراجع.

سماه النبي !

إننا لا ننكر أن يكون النبي «صلى الله عليه وآله» كان يؤتى بأولاد الصحابة يسميهم، ويبرّك عليهم حين ولادتهم، وقد حفظ التاريخ لنا وقائع كثيرة من هذا القبيل([124]).

ولكن قولهم: إن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي سمى ابن عثمان ب‍ «عبد الله»([125]) غير ظاهر الوجه، بعد أن كان قد ولد في الحبشة، فهل يعقل أن يبقى طفل هذه المدة الطويلة، التي تصل إلى سنوات من دون تسمية!!

أضف إلى ذلك: أن ظاهر بل صريح كلام مصعب الزبيري، والزهري، وأم عباس «أو عياش» التي يقال: إنها مولاة رقية هو: أن عثمان نفسه هو الذي سمى ولده([126]).

إلا أن يدَّعى: أنهم قد سموه أولاً، ثم لما قدموا المدينة، ورآه رسول الله «صلى الله عليه وآله» جدد له التسمية.

ولكن ذلك يبقى مجرد احتمال لا دليل عليه، وليس ثمة ما يؤيده.

ولعل الهدف هو جعله في مستوى سيدي شباب أهل الجنة، اللذين سماهما النبي «صلى الله عليه وآله»، ولا أقل من أن لا يكون ذلك مختصاً بهما «عليهما السلام».

وفاة عبد الله:

قولهم: إن عبد الله قد توفي في السنة الرابعة، يقابله قول أبي سعد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى: أنه مات قبل أمه بسنة، فيكون قد مات في أول سني الهجرة([127]).

وذكر الدولابي: «أنه مات وهو رضيع»([128]).

دخول النبي قبر ابن عثمان:

قولهم: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد دخل قبره ينافيه قولهم: إن عثمان هو الذي دخل قبره([129]).

إلا أن يقال: يمكن أن يكون النبي «صلى الله عليه وآله» وعثمان أيضاً قد دخلا حفرته.

ولكنه احتمال بعيد، إذ قد كان على ناقل دخول عثمان أن ينبه على دخول النبي أيضاً، لأن ذلك شرف عظيم لا يهمل ذكره ليذكر ما لا شرف فيه، مع توفر الدواعي على تكريس الفضائل والكرامات لعثمان، وكل من يلوذ به.

بل قولهم: «صلى عليه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ونزل في حفرته أبوه عثمان»([130]) يأبى عن هذا التوجيه إن لم يكن ظاهراً في ضده ونقيضه.

ابن عثمان حقيقة أم خيال؟

وأخيراً، فنحن نشك في أصل وجود هذا الطفل، فضلاً عن كل تلك الادعاءات.

قال قتادة: «لم تلد رقية لعثمان»([131]).

وعلقوا على ذلك بقولهم: «وهو غلط، والأصح ما تقدم وإنما أختها أم كلثوم لم تلد له»([132]).

لكن الحقيقة هي: أن قتادة التابعي القريب العهد من عصر النبوة، والذي يأخذ علمه عن الصحابة الشاهدين للأحداث مباشرة، قتادة هذا لا بد أن يكون أعرف بهذا الأمر من الدياربكري وغيره.

ويكفي أن يكون قول قتادة هذا موجباً للشك والشبهة في هذا الأمر الخطير، لا سيما ونحن نعلم: أن هناك من يهتم بصياغة الفضائل والمناقب لعثمان، كما أشرنا إليه غير مرة.

التناقض والاختلاف:

هذا كله، بالإضافة إلى ما تقدم من الاختلاف الفاحش في المدة التي عاشها بين أن تكون ست سنين، ثم مات، أو أنه مات وهو رضيع.

2 ـ زينب بنت خزيمة:

قد أشرنا فيما سبق: إلى وفاة زينب بنت خزيمة، وذلك حين الكلام عن زواج النبي «صلى الله عليه وآله» بها، ولكنها كانت إشارة عابرة وسريعة، فآثرنا هنا أن نذكر ذلك بنحو أكمل وأتم، فنقول:

إنهم يقولون: إن زينب بنت خزيمة، بنت الحارث الهلالية، قد تزوجها النبي «صلى الله عليه وآله» في سنة ثلاث، فلبثت عنده «صلى الله عليه وآله» شهرين، أو ثلاثة، ثم توفيت، ودفنت في البقيع، ذكره الفضائلي، والذهبي.

وعند الدياربكري: أنها مكثت عنده «صلى الله عليه وآله» ثمانية أشهر، ذكره الفضائلي.

وقال البلاذري: أقامت عند النبي «صلى الله عليه وآله» ثمانية أشهر، تزوجها في شهر رمضان سنة ثلاث، وماتت في آخر ربيع الأول سنة أربع: ودفنها في البقيع.

وكانت أولاً تحت عبد الله بن جحش، قتل عنها يوم أُحد، كما قال ابن شهاب، قال في المواهب: وهو أصح.

وقال قتادة: كانت قبله «صلى الله عليه وآله» عند الطفيل بن الحارث.

وقال أبو الحسن علي بن محمد الجرجاني النسابة: كانت عند الطفيل بن الحارث، ثم خلف عليها عبيدة بن الحارث.

قال: وكانت زينب أخت ميمونة، لأمها.

قال أبو عمر: ولم أر ذلك لغيره.

ويقال: إنها كانت تدعى في الجاهلية بأم المساكين، ونزل في قبرها إخوتها.

وكان سنها يوم ماتت ثلاثين سنة، أو نحوها([133]).

تأييد قول الجرجاني:

ونقول: إن الظاهر: أن الصحيح هو قول الجرجاني النسابة، ويؤيده ما ذكره ابن سعد وغيره، من أن الطفيل بن الحارث طلقها، فخلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فقتل عنها يوم بدر([134]).

من اشتباه الأسماء:

وأما ما قاله الزهري، وتبعه غيره، من أنها كانت تحت عبد الله بن جحش، فقد قال التستري:

«لعل الأصل في قول كونها عند عبد الله بن جحش، خلطها بأم حبيبة، فإنها كانت قبل النبي «صلى الله عليه وآله» عند عبد الله بن جحش، والله العالم»([135]).

ولكننا لم نفهم المبرر لهذا الخلط، ولا سيما من الزهري، فهل هو اشتباه نسخ الكتاب الذي قرأ ذلك فيه، أم أن الرواة خلطوا في سماعهم لفظ: أم حبيبة، فسمعوه: بنت خزيمة!!.

كل ذلك بعيد عن الاحتمال المقبول، والمرضي، ولعل دعوى الخلط بين عبد الله بن جحش، وعبد الله بن الحارث أقرب إلى الاعتبار، بملاحظة ما بينهما من الاتفاق والتقارب في اللفظ لو كان ثمة خلط حقيقة.

أسرعكن لحوقاً بي:

قال ابن الأثير: «ذكر ابن مندة في ترجمتها قول النبي «صلى الله عليه وآله»: «أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً» فكان نساء النبي «صلى الله عليه وآله» يتذارعن، أيتهن أطول يداً، فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يداً في الخير».

قال: «وهذا عندي وهم، فإنه «صلى الله عليه وآله» قال: أسرعكن لحوقاً بي، وهذه سبقته، إنما أراد: أول نسائه تموت بعد وفاته، وقد تقدم في زينب بنت جحش، وهو بها أشبه، لأنها كانت أيضاً كثيرة الصدقة من عمل يدها، وهي أول نسائه توفيت بعده»([136]).

ونضيف نحن إلى ذلك: أن من غير المعقول أن يقول النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» كلاماً مبهماً لا يفهم المقصود منه، حتى لقد صدر منهن ما يوجب الضحك والسخرية، وهو أنهن صرن يتذارعن ليرين أيهن أطول يداً؛ لأنه «صلى الله عليه وآله» حين قال لهن ذلك، إنما أراد به حثهن على المسابقة في الصدقات وعمل الخير، وهذا هو اللائق بشأنه «صلى الله عليه وآله»، والمتوافق مع أهدافه ومراميه.

فالحق هو أنها زينب بنت جحش، كما قالوا.

ولا نرى أن قولهم: كان نساء النبي «صلى الله عليه وآله» يتذارعن، يصح بوجه، ولا مبرر له.

3 ـ فاطمة بنت أسد:

وقد كانت فاطمة بنت أسد امرأة صالحة، وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يزورها، ويقيل في بيتها([137]).

وهي أول امرأة بايعت النبي «صلى الله عليه وآله» بمكة بعد خديجة([138]).

قال ابن عباس: «وفيها نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ»([139]).

وأول امرأة هاجرت إلى النبي «صلى الله عليه وآله» من مكة إلى المدينة على قدميها ماشية حافية([140]).

وكانت حادية عشرة، يعني في السابقة إلى الإسلام، وكانت بدرية([141]).

وحينما حضرتها الوفاة أوصت إلى النبي «صلى الله عليه وآله» فقبل وصيتها([142]).

وتوفيت في السنة الرابعة من الهجرة، وصلى عليها رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وتولى دفنها، ونزع قميصه وألبسها إياه، واضطجع معها في قبرها، وقرأ فيه القرآن، وأحسن الثناء عليها.

فلما سوى عليها التراب سئل عن سبب فعله ذلك، فقال: ألبستها لتلبس من ثياب الجنة، واضطجعت معها في قبرها لأخفف عنها ضغطة القبر، إنها كانت أحسن خلق الله صنعاً بي بعد أبي طالب.

وعند السمهودي أنه «صلى الله عليه وآله» نزع قميصه وأمر أن تكفن فيه، وأنه «صلى الله عليه وآله» صلى عليها عند قبرها وكبر عليها تسعاً وأنه «صلى الله عليه وآله» حفر اللحد بيده وأخرج ترابه بيده.

وأضاف السلفي: أنه «صلى الله عليه وآله» تمرغ في قبرها وبكى، وقال: جزاك الله من أم خيراً، لقد كانت خير أم، وكانت ربت النبي «صلى الله عليه وآله»([143]).

وأضاف الكليني: أنه «صلى الله عليه وآله» حمل جنازتها على عاتقه، فلم يزل حتى أوردها قبرها، وأخذها على يديه، ووضعها فيه، وانكب عليها طويلاً يناجيها ولقنها ما تسأل عنه، حتى إمامة ولدها علي «عليه السلام».

وحينما سئل عن ذلك قال: «اليوم فقدت بر أبي طالب، إن كانت لتكون عندها الشيء؛ فتؤثرني به على نفسها وولدها إلى آخر ما قال «صلى الله عليه وآله وسلم»([144]).

وعند الكليني: أنه هو نفسه «صلى الله عليه وآله» قد قال للمسلمين:

«إذا رأيتموني قد فعلت شيئاً لم أفعله قبل ذلك؛ فسلوني: لم فعلته»([145]).

وعند السمهودي: أن قبرها حفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة([146]).

ودفنت رحمها الله تعالى في البقيع، ودفن الحسن عندها كما نص عليه المفيد وغيره([147]).

ولكن أبا الفرج يقول: إنها دفنت في الروحاء مقابل حمام أبي قطيفة([148])، ولم نفهم المبرر لدفنها هناك، لو صح ذلك.

ووصية الإمام الحسن «عليه السلام» بدفنه عندها، ثم دفنه في البقيع تدل على خلاف ذلك، والحسنان «عليهما السلام» أعرف بقبر جدتهما من غيرهما.

وأخيراً، فقد قيل: إنها توفيت في مكة قبل الهجرة، قالوا: وليس بشيء، واستدلوا على ذلك بأن علياً «عليه السلام» قال لها: إكف فاطمة بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله» سقاية الماء و تكفيك الداخل والطحن والعجن([149]).

ونضيف نحن إلى ذلك:

ما روي عن علي «عليه السلام» أنه قال: إنه أهدي إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» حلة استبرق، فقال: اجعلها خُمراً بين الفواطم، فشققتها أربعة أخمرة، خماراً لفاطمة بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وخماراً لفاطمة بنت أسد، وخماراً لفاطمة بنت حمزة، ولم يذكر الرابعة، قال ابن حجر «قلت» ولعلها امرأة عقيل الآتية([150]).

التوازن والتكريم:

وقد تقدم: أنه «صلى الله عليه وآله» حينما أراد أن يقوم ببعض الأعمال، ويتخذ بعض المواقف تجاه فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، يقول للمسلمين: «إذا رأيتموني قد فعلت شيئاً لم أفعله قبل ذلك؛ فسلوني: لم فعلته»؟.

ونرى: أنه «صلى الله عليه وآله» يهدف من وراء ذلك إلى تركيز أمرين اثنين لهما أهمية فائقة:

أولهما: الإشارة إلى أن أهم شيء تقوم عليه التربية الإلهية لهذا الإنسان هو: إقرار حالة من التوازن بين ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان المسلم من لزوم التعبد والتسليم والانقياد لله وللرسول «صلى الله عليه وآله» ولكل ما هو شرع ودين، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا([151]).

وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ([152]). والآيات الآمرة بهذه الإطاعة كثيرة.

وبين أن يبقى العقل والفكر طليقاً يمارس حقه الطبيعي في التأمل، والتدبر والاستنتاج، وإصدار الأحكام، وفقاً للمعايير الصحيحة والسليمة، التي يقبلها العقل وأقرها الشرع حتى إذا ما واجه هذا الإنسان أحياناً مشكلة على مستوى الفهم والنظر والتأمل، فإن عليه أن يبحث، ومن حقه أن يسأل ويستوضح.

ذلك: أن التسليم والتعبد والانقياد لا يتنافى مع هذا الفكر والعقل والفهم، والإدراك الوجداني. وإنما هو ملازم له، وبحاجة إليه في نظر الإسلام.

فالإسلام لا يريد لهذا الإنسان أن يعيش حالة الكبت والقهر، وسلب الاختيار ثم الجمود، ليكون ـ من ثم ـ آلة بلهاء، لا حياة فيها، ولا حركة. وإنما يريده حراً، مختاراً طليقاً، يزخر بالحيوية، ويجيش بالحركة والتطلع والتوثب، يتفاعل مع ما يحيط به، ويعي ما يدور حوله، ويفهمه، ويعيشه بروحه، وعقله، وبوجدانه، وعاطفته، وبكل وجوده.

وذلك من أجل أن يجد السبيل إلى أن يتكامل به ومعه، ويستوعب خصائصه الإنسانية ولينسجم ـ من ثم ـ مع نفسه، وفكره، ومع وجدانه وفطرته.

والإسلام يرى في الفكر والعقل، وفي الفطرة أيضاً خير نصير ومعين له في مجال تحقيق أهدافه، حيث إن ذلك يسهم في تجلي عظمته، ويظهر مزاياه الفريدة، وخصائصه الكريمة والمجيدة.

وقد اهتم القرآن والحديث عن النبي «صلى الله عليه وآله» وعن المعصومين من أهل بيته الطاهرين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» كثيراً في التركيز على الدور الطليعي والرائد للعقل وللفكر، وللنظر وللتدبر، وذم التقليد والانقياد الأعمى، ولا نرى حاجة لإيراد الشواهد على ذلك؛ فإن ذلك أظهر من النار على المنار، وأجلى من الشمس في رابعة النهار.

والعبارة المتقدمة عنه «صلى الله عليه وآله» ليست إلا واحداً من الشواهد الكثيرة على اهتمام النبي «صلى الله عليه وآله» بإثارة دفائن العقول، وتحريكها نحو الفهم والفكر، والتعقل والتدبر، ليصبح التعبد والانقياد مرتكزاً على أساسه القوي المتين، ومستنداً إلى ركنه الشديد الوثيق.

ويشبه ما نقرؤه عن النبي «صلى الله عليه وآله» هنا ما نقرؤه عن سبطه ووصيه ووارثه الإمام الرضا «عليه السلام»، حينما سأله الحسين بن خالد عن نقش خاتم جده أمير المؤمنين علي «عليه السلام» فقال له: «ولم لم تسألني عما كان قبله»؟!

ثم يذكر له خواتيم الأنبياء السابقين «عليهم الصلاة والسلام»([153]).

وفي مورد آخر، نجد الأصبغ بن نباتة يروي عن علي أمير المؤمنين «عليه السلام»، أنه قال: «ما من شيء تطلبونه إلا وهو في القرآن؛ فمن أراد ذلك؛ فليسألني عنه»([154]).

نعم، وقد أثرت هذه التربية الإلهية في شيعة أهل البيت «عليهم السلام» وبلغت حداً فريداً من نوعه، حتى لنجد زرارة ذلك الرجل العالم التقي يواجه إمامه الإمام الباقر «عليه السلام» الذي يعتقد عصمته، وأن قوله قول رسول الله «صلى الله عليه وآله» يواجهه بسؤال: «من أين علمت وقلت: إن المسح ببعض الرأس، وبعض الرجلين؟ فضحك، ثم قال: يا زرارة، قاله رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ونزل به الكتاب من الله (ثم يذكر له آية الوضوء وغير ذلك من استدلالات لا مجال لذكرها هنا)»([155]).

وكتاب علل الشرايع للشيخ الصدوق لخير دليل على مدى اهتمامهم «عليهم السلام» بإيراد علل الأحكام للسائلين عنها، وتفهيمهم إياها بالصورة المقبولة والمعقولة، وذلك لما أشرنا إليه.

أضف إلى ذلك: أنهم «عليهم السلام» كانوا يعلمون شيعتهم كيفية استنباط المعاني والأحكام من أدلتها ومصادرها، وذكر شواهد ذلك له مجال آخر([156]).

ثانيهما: إنه «صلى الله عليه وآله» قد أراد بوصيته للمسلمين بسؤاله عما يفعل في هذه المناسبة أن يفهمهم، وكل من يصل إليه نبأ هذه الواقعة: أن الإسلام يحفظ للمحسن إحسانه، ولا يبخسه منه شيئاً، حيث لا يضيع عند الله عمل عامل من ذكر أو أنثى.

ولكنه في حين يريد: أن يعلن أن هذه المرأة الصالحة قد أعطت وقدمت من التضحيات في سبيل الله سبحانه وتعالى ما يجعلها مؤهلة للتكريم والتقدير، والمعاملة المتميزة وعلى المستوى الأعلى، وبالذات من قبل أفضل الخلق، وخاتم الأنبياء محمد «صلى الله عليه وآله»،

إنه في حين يريد أن يعلن ذلك لسبب أو لآخر نجده يختار لهذا التكريم والتقدير، ولهذه المعاملة المتميزة اتجاهاً لم نعهده من غيره في مجالات كهذه على الإطلاق.

فلقد كان هذا التكريم لا يهدف إلى المكافأة الدنيوية، التي ليس فقط يكون مصيرها ـ كسائر حالات الدنيا وشؤونها ـ إلى الزوال والفناء.

وإنما هي قد تضر بحال من تكون له أو لأجله، نفسياً وروحياً ـ على الأقل، حينما يأخذ العجب والغرور، والإحساس بالتميز بالنسبة لغيره من إخوانه وأقرانه ـ وأقل ما يقال في ذلك: إنه من الأدواء الخطيرة والمرعبة، ولا أخطر من ذلك ولا أدهى.

وإنما اتخذت تلك المكافأة وذلك التكريم منحى أكثر واقعية، وأعظم نفعاً، وأبعد عن مزالق الخطر، ومخاطر الأدواء، حيث ألبسها قميصه لتكسى من حلل الجنة، واضطجع في قبرها لتهون عليها ضغطة القبر.

وهذا في الحقيقة هو محض الخير، ومنتهى الإحسان، وغاية النعمة حيث تحس به الروح الإنسانية إحساساً حقيقياً وواقعياً، وعميقاً، حينما يمكن للروح أن تتلقاه عن طريق العقل بكل ما له من شفافية وطهر وصفاء لم يتكدر صفاؤه، ولا تأثر طهره بأعراض الحياة الدنيا وزخارفها، ولا خفف من درجة الإحساس به حجب الشهوات والأهواء، ولا الانصراف ولا الانشغال بشواغل وصوارف اللهو واللعب. كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلهَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهَ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ([157]).

وما ذلك إلا لأن الدار الأخرة هي التي يتاح للإنسان فيها: أن يعيشها بكل خصائصه الإنسانية، وبكامل قدراته الحياتية، وهي التي يجد الإنسان فيها حقيقته، ويدرك واقعه كإنسان، وكإنسان فقط.

﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ([158]).

4 ـ وفاة عمرة بنت مسعود (أم سعد):

وفي السنة الخامسة في ربيع الأول منها، في غياب النبي «صلى الله عليه وآله» إلى غزوة دومة الجندل توفيت عمرة بنت مسعود، أم سعد بن عبادة، وكان ولدها سعد غائباً مع النبي «صلى الله عليه وآله» أيضاً وكانت من المبايعات.

وقالوا: إنه لما رجع النبي «صلى الله عليه وآله» إلى المدينة أتى قبرها، فصلى عليها وذلك بعد أشهر من موتها([159]). و قد تقدم الحديث عن ذلك فلا نعيد.

5 ـ وفاة أبي سلمة:

ويقال: إن أبا سلمة، عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، ابن عمة رسول الله «صلى الله عليه وآله» ـ لأن أمه هي: برة بنت عبد المطلب([160]) ـ إن أبا سلمة هذا ـ قد توفي في السنة الرابعة كما سيأتي.

وكان قد أسلم «رحمه الله»، بعد عشرة أنفس، وكان الحادي عشر، قاله ابن إسحاق([161]).

وكان قد شهد «بدراً، وأحداً، وجرح فيها، جرحه أبو أسامة الجشمي، رماه بمعبلة([162]) في عضده؛ فمكث شهراً يداوي جرحه فبرئ فيما يرى، وقد اندمل الجرح على بغي لا يعرفه؛ فبعثه رسول الله «صلى الله عليه وآله» على رأس خمسة وثلاثين شهراً من الهجرة في سرية إلى بني أسد، بقطن، فغاب بضع عشرة ليلة، ثم قدم المدينة، فانتقض به الجرح، فاشتكى ثم مات لثلاث ليال بقين من جمادى الآخرة»([163]).

وإذاً.. فقد كانت وفاته في أوائل السنة الرابعة([164])، ونسب ذلك إلى الجمهور.

وقيل: توفي «رحمه الله» في سنة ثلاث، في جمادى الآخرة ونقل هذا عن أبي عمر أيضاً([165]).

وفي نقل آخر عن أبي عمر، وابن مندة: أنه توفي سنة اثنتين([166]).

فيقع التنافي بين كلامي أبي عمر في نفس الكتاب.

وقد قدمنا في الجزء السادس: أن الأقرب هو أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد تزوج بأم سلمة في السنة الثانية، ومعنى ذلك أن زوجها الأول، وهو أبو سلمة كان قد مات قبل ذلك.

وذلك يدل على: أن سرية قطن قد كانت في السنة الثانية أيضاً.

ومهما يكن من أمر، فقد حضر النبي «صلى الله عليه وآله» موت أبي سلمة، وأغمضه بيده([167])، كان قد أتاه ليعوده، فصادف خروج نفسه([168]) فضج ناس من أهله، فقال «صلى الله عليه وآله»: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمّنون.

ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا، وله يا رب العالمين([169]).

«فغسل من (اليسيرة)، بئر بني أمية بن زيد بالعالية، وكان ينزل هناك حين تحول من قباء، غسل بين قرني البئر. وكان اسمها في الجاهلية «العبير» فسماها رسول الله «صلى الله عليه وآله»: (اليسيرة) ثم حمل من بني أمية بن زيد، فدفن في المدينة»([170]).

من حياة أبي سلمة:

وأخيراً.. فإنهم يقولون: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان قد آخى بين أبي سلمة وبين سعد بن خيثمة([171]).

ولما أقطع رسول الله «صلى الله عليه وآله» الدور في المدينة، جعل لأبي سلمة موضع داره، عند دار بني عبد العزيز الزهريين اليوم، وكانت معه أم سلمة، فباعوه بعد ذلك، وتحولوا إلى بني كعب([172]).

واستخلف رسول الله «صلى الله عليه وآله» أبا سلمة على المدينة، لما سار إلى غزوة العشيرة، سنة اثنتين من الهجرة([173]).

وسيأتي حين الكلام على سرية قطن بعض ما يذكرونه عنه: أنه فعله في هذه السرية.

ورغم: أن الكثير مما تقدم يحتاج إلى بحث وتحقيق، ولكننا سوف نعتبره من الأمور التي لا نجد ضرورة ملحة لمعالجتها في الوقت الحاضر، ولأجل ذلك، فنحن نرجئ الحديث عنها إلى فرصة أخرى، ووقت آخر، ونكتفي بتسجيل ملاحظات يسيرة، رأينا في الاشارة إليها بعض الفائدة، أو هكذا خيل لنا، والملاحظات هي التالية.

هجرة أبي سلمة إلى الحبشة وإلى المدينة:

ويقولون: إن أبا سلمة كان قد: «هاجر إلى الحبشة، وكان أول من هاجر إليها.

وقال ابن مندة: هو أول من هاجر بظعينته إلى الحبشة، وإلى المدينة