الصحيج

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ 1425 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء التاسع

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الفصل الرابع:

 

دلالات وعبر

 

 

يكفينيك الله، وابنا قيلة:

قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» يجيب على تهديدات عامر بن الطفيل بقوله: «يكفينيك الله، وابنا قيلة».

والمقصود بـ «ابني قيلة»: الأوس، والخزرج.

وهذه الكلمة تتضمن:

1 ـ إعزازاً لجانب الأوس والخزرج.

2 ـ تحريضاً لهما على إسداء النصر ضد العدو، الذي لا مبرر لعدوانه، إلا الحمية الظالمة الخرقاء، حمية الجاهلية، وإلا الانقياد للهوى، والاستجابة لنزغ الشيطان.

3 ـ إن اعتماده «صلى الله عليه وآله» هو على الله أولاً وبالذات، ولكنه في نفس الوقت يعد العدة، ويعتمد الوسائل المادية في دفع الأخطار المحتملة، وهذا يدلل على واقعية الإسلام، وعلى أنه لا يتعامل مع الأمور بصورة تجريدية وذهنية محضة، كما أنه لا يفرط في الاعتماد على القوة المادية، بل هو يعتمد عليها في صراط اعتماده على الله سبحانه، فالله هو المصدر الأول للقوة.

بل وحتى القوة المادية، إذا لم تنته إلى الله فإنها تتحول إلى ركام وحطام لا أثر له، إن لم نقل: إن له الكثير من الآثار السلبية والهدامة في كثير من الأحيان، وهذا موضوع حساس وخطير، يحتاج إلى توفر أتم، ووقت أوفى.

النبي يُحمِّل أبا براء المسؤولية:

وبعد.. فإننا نجد: أنه «صلى الله عليه وآله» قد اعتبر أبا براء هو المسؤول عما حصل، حينما قال: «هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً».

ونحن نشك في ذلك.

فإن الروايات التي روت لنا ما حصل، لعلها متفقة على أن أبا براء، لم تكن له أية علاقة بما حدث، لا من قريب، ولا من بعيد، وقد صرحت بعضها بأنه كان مستاءً جداً مما حصل.

بل إن بعضها يصرح: بأنه قد مات أسفاً على ما صنع به عامر ابن أخيه. وعليه فيرد هنا سؤال، وهو:

هل إنه لم تبلغ النبي «صلى الله عليه وآله» الأخبار على حقيقتها؟

وإذا كان ذلك، فما بال جبرائيل لا يوقفه على حقيقة ما جرى؟!

أم يعقل أن يكون ما وصل إلينا قد تعمد التعتيم على ما جرى، أو كان محرفاً لسبب أو لآخر؟!

ولعل الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان على علم تام بما حصل، ولكنه أراد تحريض أبي براء ضد مرتكب الجريمة عامر بن الطفيل؛ بالطريقة المشروعة، والمقبولة لدى الناس، فلقد كان أبو براء قد قبل ـ مختاراً ومتبرعاً ـ بأن يكون مسؤولاً عن حياة أولئك النفر، وهو الذي بادر إلى إظهار الرغبة بإرسالهم إلى تلك المنطقة، وحينما عبر النبي «صلى الله عليه وآله» عن مخاوفه من أهل نجد، نجد أبا براء قد قبل أن يجيرهم، ثم يذهب بنفسه، ويخبر أهل نجد بأنه قد أجار أصحاب محمد «صلى الله عليه وآله».

ولعل من نتائج موقف النبي «صلى الله عليه وآله» هذا، ثم مبادرة حسان بن ثابت لتحريض ربيعة بن أبي براء على عامر، أن سأل ربيعة النبي «صلى الله عليه وآله» أو غيره: إن كانت ضربة أو طعنة لعامر تغسل عن أبيه هذه الغدرة، فقال «صلى الله عليه وآله»: نعم.

فطعنه ربيعة في حياة أبيه، فقتله، «كما في معالم التنزيل» أو فأشواه، كما في المصادر الأخرى.

شرف التواضع.. وذل الغطرسة:

وتحدثنا الروايات المتقدمة: أن عامر بن الطفيل لم يستطع أن يميز النبي «صلى الله عليه وآله» من بين أصحابه حيث كان جالساً بينهم كأحدهم حتى يسأل عنه هذا وذاك فيخبرونه.

نعم، وهذه هي أخلاق الإسلام وتعاليمه، وهذه هي تربيته للإنسان، فهو يربي في الإنسان إنسانيته أولاً، ويفهمه أن الحكم ليس امتيازاً وإنما هو مسؤولية وواجب في إطار قاعدة: لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.

فالإسلام يربي في الإنسان روح الرفض والإدانة لكل الامتيازات الظالمة، التي يجعلها المتزعمون، وأصحاب الثروات والوجاهات لأنفسهم، لا لشيء إلا لأنهم أبناء فلان، أو لأنهم يملكون القوة، أو المال، أو ما أشبه ذلك. من دون أن يقدموا لمجتمعهم أدنى ما توجبه عليهم القيم والمثل الإنسانية، ولا حتى أن يعترفوا لغيرهم بأبسط الحقوق، حتى حق الحياة، فضلاً عن حق الحرية، والعيش بكرامة.

الرسل لا تقتل:

ويلاحظ هنا: أن عامر بن الطفيل قد ارتكب عملاً شنيعاً، يرفضه الخلق الإنساني، ويأنف منه حتى أكثر الناس بعداً عن المعاني الإنسانية والاخلاقية. ألا وهو قتل الرسول، (حامل كتاب النبي «صلى الله عليه وآله») وقد جرت عادة العرب قديماً «بأن الرسل لا تُقتَل»([1]) كما أنه يخفر ذمة أبي براء، وما جرت عادة العرب بذلك أيضاً.

وهناك جريمة ثالثة، وهي أن قتله للرسول كان غدراً وغيلة وذلك أمر لا يستسيغه حر يحترم نفسه، ويطمح إلى ما كان يطمح إليه مثل عامر. مع أنه هو نفسه يرسل إلى النبي «صلى الله عليه وآله» يطلب منه دية الرجلين، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في طريقه رغم أن عمرواً لم يكن يعلم بالعهد الذي أعطاهما إياه الرسول، ورغم أن ما فعله عامر، من شأنه أن ينسف كل العهود والمواثيق، ويعطي حق المعاملة بالمثل الذي تقره جميع الأعراف، ولا تمنع منه الشرائع.

ولكن سماحة الإسلام.. وحرص النبي «صلى الله عليه وآله» على أن يعامل الناس بأخلاقه هو، لا على حسب أخلاقهم هم، هو الذي جعله لا يتخذ مواقفه من خلال الانفعالات والمشاعر، التي تنشأ عن إثارات يتعمدها الخصوم في كثير من الأحيان، فإن الإنسان المسلم لا تزله الرياح العواصف، ولا يفقد توازنه، ولا يتخلى عن مبادئه ولا يحيد عن هدفه ليصبح أسير مشاعره الثائرة، وانفعالاته الطاغية ويلبي نداءاتها ويستجيب لإثاراتها.

فنجد النبي «صلى الله عليه وآله» يرسل بدية الرجلين، ولا يذكّر بشيء مما فعله قومهما، بل هو يظهر استياءه من قتل عمرو بن أمية لهما، ويصرح بتصميمه على أن يديهما فور علمه بما جرى عليهما، وقبل أن يرسل إليه عامر بطلب ديتهما.

وبذلك يتميز الإنسان المؤمن عن غيره، يسير كل منهما في خطه الذي ينبغي له، هذا دليله عقله وحكمته، ورائده رضى ربه، وسلامة دينه، والفوز بالآخرة، وذاك دليله هواه ورائده شهواته، وهدفه الدنيا، وزخرفها.

وفي مقابل ذلك نجد عامر بن الطفيل ينقاد لهواه فيقتل الرسول، والرسل لا تُقتَل، ويخفر الذمة، ويستعمل طريقة الختر والغدر، وكل ذلك شنيع، وفظيع.

وهو كذلك ينقاد لهواه لأنه يرفض أن يكون موته بغدة كغدة البعير، ويأنف أن يكون ذلك في بيت سلولية.

أما رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فهو ينسجم مع أخلاقه، كما أنه ينطلق من مبادئه السامية في كل مواقفه ولا يخرجه أي شيء عن توازنه ومتانته، لا يزعزع ثباته، ولا تزله الرياح العواصف مهما كانت هوجاء، وعاتية([2]).

ديَّة الرجلين لماذا؟!

ومن جهة ثانية نلاحظ: أن قبيلة عامر قد رفضت الاستجابة لطلب ابن الطفيل بقتل المسلمين، وذلك وفاء لذمة أبي براء وجواره.

ولا بد أن يكون موقف النبي «صلى الله عليه وآله» هذا مؤثراً في إعطاء صورة حسنة للعامريين، ويفترض البعض أيضاً: أن ذلك يزيد في حالة عدم الانسجام فيما بين هذه القبيلة وبين عامر بن الطفيل، الذي ارتكب تلك الجريمة النكراء، فهو «صلى الله عليه وآله» يريد استمالة بني عامر إلى جانبه، ولهذا قرر التدخل في السياسة الداخلية للقبيلة.

ولكننا نقول: إن بعض النصوص تؤكد أن موقف النبي «صلى الله عليه وآله» هذا قد كان منطلقاً من قيمة أخلاقية، ورسالية، فرضها عليه واقع أن هذين الرجلين كانا من أهل ذمته «صلى الله عليه وآله»، ولم يقتلا من أجل ذنب أتياه، حسبما أشرنا إليه آنفاً.

ويضيف ذلك البعض: أنه كان معيباً في حق بني عامر، ترك الرجال يقتلون، وهم تحت حمايتهم، ولهذا كان الشاعر المسلم كعب بن مالك واضحاً في هذا الصدد.

إلى أن قال: ولم يكن محمد يستطيع التخلي عن بني عامر قبل التخلي عن كثير من الآمال، ولكن هذا لم يمنعه من أن يصلي ويطلب من الله معاقبة عامر([3]).

ولكننا نقول: إنه «صلى الله عليه وآله» قد دعا على رعل وذكوان وعصية، ولم أجد أنه دعا على بني عامر، بل ذكر الواقدي: أنه «صلى الله عليه وآله» قال: اللهم اهد بني عامر، واطلب خفرتي من عامر بن الطفيل([4]). ولعل عدم مشاركة بني عامر في الدفاع عمن أجارهم أبو براء، إنما هو من أجل أن لا تحدث انشقاقات خطيرة بينهم وبين غيرهم ممن استجاب لابن الطفيل.

وأما القول بأن تخلي النبي «صلى الله عليه وآله» عن بني عامر، معناه التخلي عن كثير من الآمال، فإنه غير واضح، إذ ماذا يمثل بنو عامر، وما هو الدور الذي قاموا به، أو يمكنهم أن يقوموا به في نصرته «صلى الله عليه وآله»؟!

الأفق الضيق:

وما أقل عقل عامر بن الطفيل، وما أحقر طموحاته وأحطها، وما أضيق الأفق الذي يفكر فيه، حينما نجده يفعل الأفاعيل انطلاقاً من حالة انفعالية أثارها أمر تافه، وتافه جداً، جعله يرتكب أبشع جريمة، ويخالف كل الأعراف والتقاليد، فيغدر، ويخفر الذمم ويقتل الرسول، ويقتل الكثيرين غيره، ويبادر إلى الزحف نحو المدينة، كل ذلك من أجل أي شيء يا ترى، وفي سبيل أية قضية؟!

إن ذلك كله.. كما ورد في الروايات قد كان من أجل أن صبياً عطس، فشمَّته النبي «صلى الله عليه وآله» لأنه حمد الله، ويعطس عامر فلا يحمد الله، فلا يشمِّته رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وما كان أحراه بأن يستفيد من هذه القضية درساً حياتياً مفيداً، فيتوجه نحو الله سبحانه ويعتبر أن العز، والشرف، والسؤدد بالقرب منه تعالى، والعمل بما يرضاه، وأن كل شيء بدون الله فهو حائل زائل، وزخرف باطل، لا قيمة له، فيربي نفسه على ذكر الله، والتقرب إليه لينال كل ما يصبو إليه من عز وشرف وحياة وسعادة.

ولكنه يتخلى عن ذلك كله، ليتبع خطوات الشيطان، ويشمخ بأنفه، وينظر في عطفه، ويصر مستكبراً صادَّاً عن ذكر الله سبحانه، يتخيل أن بإمكانه أن يحصل على شيء بدون الله، وبدون اللجوء إليه سبحانه، فتكون النتيجة هي أنه يجلب لنفسه الوبال، والدمار، ويخسر الدنيا والآخرة وبئس للظالمين بدلاً.

خلافة النبوة:

أما مطالب عامر بن الطفيل التي عرضها على النبي «صلى الله عليه وآله» فهي تنقسم إلى قسمين:

أحدهما: يجسد طموحاته وأطماعه الدنيوية وحبه للتسلط، والاستئثار، فنجده يساوم النبي «صلى الله عليه وآله» ـ كما فعله مسيلمة الكذاب فيما بعد([5]) ـ ليقاسمه السلطة على الناس، بزعمه، فيقترح عليه أن يكون للنبي «صلى الله عليه وآله» السهل، ويكون لعامر أهل الوبر، من دون أن يكون لديه أي مبرر لذلك، سوى الغطرسة والطغيان، والاعتزاز بألف أشقر وألف شقراء والاعتماد على قوة السيف، الذي يرى فيه المحلل لكل محرم، ويسمح له بارتكاب أي مأثم، ومن دون أن يعطي لأولئك الناس الذين يطمح للتسلط عليهم حق الاختيار، الذي يساوي حق الحياة، وكأن الناس سلع تشرى، وتباع وتوهب.

هذا عدا عن أنه لا يملك هو نفسه أي امتياز يخوله الاستئثار بشيء من الامتيازات دون غيره، فهو لا يملك العلم النافع، ولا يرفع شعار الهداية لسبيل الله والحق، والخير، ولا غير ذلك من مقومات.

الثاني: إنه يرشح نفسه لمنصب خطير وهام، ألا وهو خلافة النبوة، وقيادة الأمة وهدايتها. هذا المنصب الذي لم يكن يملك أي شيء من مقوماته: خلقياً، وإنسانياً، وسلوكياً، فضلاً عن الامتياز العلمي، وسائر القدرات والمؤهلات الذاتية، التي لا بد من توفرها في من يتصدى لمنصب كهذا.

ولا أدل على ذلك من أنه تثور ثائرته، لأن الرسول «صلى الله عليه وآله» يشمِّت غلامه الذي حمد الله، ولم يشمِّته هو، حيث لم يحمد الله تعالى.

وبعد هذا.. فكأنه لم يسمع ما أجاب به النبي «صلى الله عليه وآله» أحد بني عامر بن صعصعة، حينما عرض على النبي «صلى الله عليه وآله» في مكة نفس ما عرضه هو عليه، فأجابه «صلى الله عليه وآله» بقوله: «إن الأمر لله، يضعه حيث يشاء».

فلا مجال لرأي أحد في أمر الإمامة بعده «صلى الله عليه وآله» ولا يثبت ذلك بالانتخاب، ولا بالشورى، ولا هو من صلاحيات النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه، وإنما هو فقط من صلاحيات رب العزة، وخالق الكون دون سواه؛ فهو الذي يختار ومنه يصدر القرار، وقد قدمنا بعض ما يرتبط بهذه القضية في الجزء الثالث من هذا الكتاب في فصل: حتى بيعة العقبة، فراجع.

المشركون في مواجهة الوجدان:

وبعد.. فقد ذكرت الروايات: أن أبا براء، ملاعب الأسنة، قد أرسل إلى النبي «صلى الله عليه وآله» يستشفيه من دبيلة كانت في بطنه، فتناول رسول الله «صلى الله عليه وآله» جبوبة (وهي المدرة) من تراب، فأمرّها على لسانه ثم دفها بماء، ثم سقاه إياها، فكأنما أنشط من عقال([6]).

وفي نص آخر: فتفل فيها وقال: دفها بماء، ثم أسقاه إياه ففعل؛ فبرئ، ويقال: إنه بعث إليه بعكة عسل؛ فلم يزل يلعقها حتى برئ([7]).

ويذكرنا هذا النص بما قدمناه عن مشركي مكة أيضاً، الذين يعلم كل أحد ما لاقاه النبي «صلى الله عليه وآله» منهم، حتى اضطروه إلى الهجرة، فإنهم مع عدائهم له «صلى الله عليه وآله» يودعون أموالهم عنده «صلى الله عليه وآله»، حتى ليضطر إلى إبقاء علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في مكة ثلاثة أيام ـ حين الهجرة ـ ليؤدي الودائع والأمانات إلى أصحابها.

ومعنى ذلك هو: أنهم يرون في هذا النبي «صلى الله عليه وآله»: أنه متصل بالغيب، حتى ليرسلون إليه يستشفونه من أمراضهم، كما ويرون فيه أنه في غاية الأمانة والرعاية لحقوق الناس، وأموالهم.

الأمر الذي لا بد أن يكشف لهم عن ملكات وفضائل أخلاقية نادرة لديه «صلى الله عليه وآله» وأنه لا مطمع له بمال، ولا بمتاع دنيا.

إذاً، فإنهم لا بد أن يتلمسوا التناقض الهائل الذي يجدون أنفسهم فيه، فهم يكرهونه، ويكذِّبونه، ويتهمونه، وهم كذلك يرون طهارته، وعفته وصدقه، وأمانته، حتى لقبوه بالصادق الأمين. فيعيشون حالة الصراع الداخلي مع ذاتهم، ومع وجدانهم، وما أشده من صراع، وما أعظم البركات التي يحصلون عليها لو انتصر عقلهم ووجدانهم. وما أخطرها وأشدها دماراً، لو انتصرت المشاعر والأهواء، والمصالح الشخصية الرخيصة.

وليراجع الجزء الثاني من هذا الكتاب في بحث: العوامل المساعدة على انتصار الإسلام وانتشاره ففيه مطالب أخرى ترتبط بهذا المقام.

ولعل هذا الإحساس الوجداني الصريح، الذي أدركه أبو براء من خلال مصادقته له «صلى الله عليه وآله» ـ فإنه كان له صديقاً ـ هو الذي جعل هذا الرجل يتحمس لأن يرسل النبي «صلى الله عليه وآله» دعاته إلى نجد، ثم يتعهد بأن يكونوا في جواره، وتحت حمايته.

رفضه هدية ملاعب الأسنة منطلقاته ودلالاته:

وتواجهنا في الروايات المتقدمة قضية رفضه «صلى الله عليه وآلـه» هدية أبي براء، ملاعب الأسنة، على اعتبار أنه «صلى الله عليه وآله» لا يقبل هدية مشرك، حتى ولو كان صديقاً له.

وقد تقدم في فصل: أبو طالب مؤمن قريش، موارد أخرى في هذا المجال، وهي تدل على: أن ذلك كان نهجاً له «صلى الله عليه وآله» ويصر على الالتزام به، والتعامل على أساسه.

ونحن في مجال فهم الهدى النبوي في هذا الاتجاه، نشير إلى ما يلي:

ألف: إن من الواضح أن المشركين لا يقيسون الأمور بمقاييس صحيحة، ولا يبنون علاقاتهم مع الآخرين على أساس المثل والقيم والمبادئ عموماً.

وإنما ينطلقون في تقييمهم للأمور من نظرة ضيقة، ومصلحية، قائمة على أساس الأهواء، والطموحات غير المتزنة ولا المسؤولة.

وعلى هذا، فقلما تجدهم يبادرون إلى إتحاف بعضهم بالهدايا ونحوها من منطلق منطقي، أو من شعور إنساني نقي وبريء، أو من مبادئ إنسانية، ومثل عليا.

وإنما غالباً ما يكون ذلك تزلفاً، وتصنعاً؛ بهدف الحصول على ما هو أغلى، وما هو أهم، أو بهدف دفع غائلة من لا يجدون لدفع غائلته وسيلة، ولا عن التصنع والتزلف إليه مهرباً، ومحيصاً.

ولأجل ذلك.. فلو فرض أن النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» قد قبل هديتهم. فعدا عن كون ذلك يدخل في نطاق الموادة لهم، وهو ما ينهى عنه القرآن الكريم صراحة؛ فإنه لو أراد بعد ذلك أن يتخذ من انحرافاتهم وجرائمهم موقفاً رافضاً ومسؤولاً، فلسوف يعتبرون ذلك، ويعتبره كل من هو على شاكلتهم، نكراناً للجميل، وكفراناً للنعمة، الأمر الذي يجعل من هذا الأمر مبرراً لأية سلبية تظهر على مواقفهم منه فيما يأتي من الأيام.

كما أن رفض النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» لهديتهم لا يعتبر مقابلة للإكرام بضده، ولا يعد خلقاً سيئاً، أو تصرف نابياً.

إذ إن النبي «صلى الله عليه وآله» يملك كل الحق في أن يفهمهم أن القضية قضية مصيرية، لا يمكن الإغضاء عنها، ولا التساهل فيها، ولا تخضع للمساومة، ولا للمداهنة، ولا يمكن التنازل عن أي شيء فيها في مقابل المال والنوال.

ولا سيما إذا كان إعطاء المال أو تقديم الهدية يوزن بميزان جاهلي، مصلحي، حسبما ألمحنا إليه.

ب: وبعد فإن إهداء أبي براء ملاعب الأسنة للنبي «صلى الله عليه وآله»، وقول حامل الهدية حينما رد النبي الهدية: «ما كنت أرى أن رجلاً من مضر يرد هدية أبي براء»([8]) يدل على أن أبا براء كان رجلاً ذا أهمية في مجتمعه الذي يعيش فيه، حتى إن أي مضري لا يجرؤ على رد هديته احتراماً وتقديراً له.

فإهداؤه للنبي «صلى الله عليه وآله» يدل على أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان قد ذاع صيته، وظهرت هيبته في مختلف أرجاء المنطقة آنئذٍ، وبدأ يتزلف إليه المتزلفون، ويخطب وده الخاطبون.

ج: كما أن الأمر الذي يثير العجب حقاً هو: أننا نجد أبا براء ذلك الرجل المعروف والمبجل في محيطه، والذي لا يرد هديته مضري ليس فقط يتلقى هذه الصدمة الكبيرة، وهي رد هديته من قبل صديقه، بالإذعان والقبول، وإنما هو يطلب من النبي إرسال دعاته إلى بلاد نجد، ويقبل أن يتحمل مسؤولية حمايتهم، وكونهم في جواره.

هذا كله.. عدا عن طلبه الاستشفاء بالنبي «صلى الله عليه وآله» وعمله بما أرسل به إليه.

مع أننا نجد ابن أخيه عامراً على العكس من ذلك تماماً؛ حيث يثيره تشميت النبي لغلام حمد الله، وعدم تشميته له، وهو لم يحمد الله. ثم يتنامى به الأمر، ويتعاظم حتى يرتكب تلك الجريمة النكراء، بأسلوب رخيص ولئيم، أقل ما يقال فيه: إنه مجلبة للعار الدائم، والذل المقيم.. والمخالف حتى لأعراف الجاهلية، فضلاً عن مناقضته لكل القيم والمثل والمبادئ الإنسانية.

فإن كان ما فعله أبو براء عن سياسة ودهاء فنعم السياسة تلك، وحبذا هذا الدهاء، وإن كان عن عقل وحكمة فالمجد والخلود لهذا العقل، وتلكم الحكمة، وإن كان عن قناعة وجدانية ونفحة إيمانية كانت قد بدأت تذكو في نفسه، فما علينا إلا أن نقبل بالرواية القائلة: إنه قد أسلم قبل أن يموت. ونحن نود أن تكون هذه هي عاقبته، وإن كنا لا نملك الدليل القاطع على ذلك.

المنطق القبلي مرفوض في الإسلام:

وبعد.. فقد رأينا النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» ليس فقط لا يؤيد ما فعله عمرو بن أمية الضمري، من قتل الرجلين، وإنما يعبر عن إدانته واستيائه من هذا الأمر.

ثم هو يتعهد بأن يدي الرجلين، ويفعل ذلك.

وإذا أردنا أن لا نقبل بكون الرجلين كانا قد أسلما حقيقة بقرينة: أنهم يقولون: إنه «صلى الله عليه وآله» أعطى دية حرين مسلمين.

فإننا لا بد أن نستفيد من موقف النبي «صلى الله عليه وآله» هذا حتى ولو كانا كافرين إدانة صريحة للمنطق الجاهلي القبلي الذي يبيح للإنسان أن يقتل أياً من أفراد القبيلة الأخرى، لو ارتكب واحد منها جريمة تجاه قريب له فرضاً.

فهو «صلى الله عليه وآله» يلوم عمرو بن أمية ويدين عمله، ويقول له: بئس ما صنعت، رغم أنه لم يكن يعلم بالعهد، ورغم أن اللذين قتلهما كانا بزعمه مشركين.

ويوضح: أنه «صلى الله عليه وآله» إنما يدين المنطق القبلي الجاهلي قوله «صلى الله عليه وآله»: رجلين من أهل ذمتي قتلتهما لا لأجل دينهما، حسبما روي.

مصير زيد بن قيس، وابن الطفيل:

وتذكر الروايات المتقدمة: أنه بعد أن أراد زيد بن قيس قتل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وحبس الله يده، حتى لم يتمكن من سل سيفه،

كانت النتيجة: أن الله سبحانه وتعالى يرسل على زيد بن قيس صاعقة، فتحرقه، ثم يموت عامر بن الطفيل من غدة كغدة البعير في بيت سلولية.

وما ذلك إلا لأن هذين الرجلين قد رأيا بأم أعينهما الآية الظاهرة، والمعجزة القاهرة له «صلى الله عليه وآله»، ولكنهما يصران على الضلال، والكفر، ولا يعتبران بما رأياه من كرامة إلهية له «صلى الله عليه وآله»، فكانت النتيجة: أن أصبحا عبرة لمن اعتبر، وخسرا الدنيا والآخرة، وبئس للظالمين بدلاً.

فزت والله:

ونجد في الروايات المتقدمة: أن جبار بن سلمى، المشرك، حينما طعن ابن ملحان الأنصاري سمعه يقول: فزت والله، تحير في فهم مغزى كلامه، فقال في نفسه: ما فاز؟ أليس قد قتلت الرجل؟!

ثم يسأل عن هذا الأمر بعد ذلك، فأخبروه: أنه الشهادة، فقال: فاز لعمرو الله. وكان ذلك سبب إسلامه.

ونحن بدورنا ليس لدينا ما يثبت أو ينفي هذه الرواية، ولكننا نعلم: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» حينما ضربه ابن ملجم على رأسه في مسجد الكوفة، قال: فزت ورب الكعبة([9]).

ونقول: إن تحير ذلك المشرك، وقول أمير المؤمنين «عليه السلام» وذلك المسلم لهذه الكلمة طبيعي جداً.

فإن من يفهم الأمور فهماً دنيوياً ومصلحياً بحتاً، يقيس الربح والخسران بمقاييس المادة والماديات وحسب. فلا يمكنه أن يفهم الموت إلا على أنه ضياع وخيبة؛ لأنه يراه عدماً وفناء، وخسارة وجود، ونهاية حياة.

أما الإنسان المسلم القرآني؛ فهو يرى في الموت أمراً آخر، ومعنى يختلف كلياً عن هذا المعنى، وذلك من خلال التعليم القرآني، الذي هو المصدر الأصفى، والأدق والأوفى، ثم التربية النبوية الرائدة، وتوجيهات الأئمة والأوصياء «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

ولا نريد أن نفيض في ذكر الآيات والروايات التي تعرضت لحقيقة الموت، وبينت موقعه في مسيرة الإنسان ومصيره، وإنما نكتفي بالإشارة إلى ما يلي:

1 ـ قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ([10]).

2 ـ عن الإمام الحسين «عليه السلام»؛ في خطبة له في مكة، قبل أن يخرج إلى العراق: خط الموت على ولد آدم، مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف([11]).

3 ـ وفي رواية عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: «ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، ويقلع منابت الغفلة، ويقوي القلب بمواعد الله، ويرق الطبع، ويكسر أعلام الهوى، ويطفئ نار الحرص»([12]).

4 ـ عن الصادق «عليه السلام»: «إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتاً؛ فإن الميت هو الكافر»([13]).

والآيـات والروايـات حـول المـوت والحياة كثيرة، فيهـا الإشـارات والـدلائـل الجمة إلى كثير من الأمور الهامة والخطيرة، ونحن نكتفي هنا بالإشارة إلى ما يلي:

ألف: بالنسبة للآية الكريمة نقول: إننا نلاحظ أنها قدمت ذكر الموت على ذكر الحياة «الموت والحياة».

كما أنها صرحت: بأن الموت مخلوق لله سبحانه، كما أن الحياة مخلوقة له تعالى.

إذاً فللموت دوره كما هو للحياة، وليس هو مجرد فناء وعدم، يظهر معناه ومغزاه من خلال ظهور المعنى المقابل له.

ثم صرحت الآية: بأن السر في خلق هذين العنصرين هو وضع الإنسان على المحك في سوقه نحو الأفضل والأحسن، والأكمل، الأمر الذي يفيد: أن لهما دوراً في بناء شخصية الإنسان وتكامله.

وذلك يعني: أنهما مرحلتان يتجاوزهما الإنسان، ولا يتوقف عندهما في مسيرته الظافرة نحو الحياة الحقيقية ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ([14])، حيث إن بها يبلغ الإنسان مرحلة كماله، وفيها تتساقط الحجب المادية المانعة من الإحساس بالأمور إحساساً واقعياً وحقيقياً وعميقاً.

ب: إن الكلمة المروية عن الإمام الحسين «عليه السلام» قد اعتبرت أن الموت بمثابة قلادة على جيد الفتاة، ومعنى ذلك هو: أن الموت هو زينة للحياة ويزيد في بهجتها، ويعطيها رونقاً، وبهاء وجمالاً، وبدونه تكون باهتة خافتة تماماً كما هو الحال بالنسبة للقلادة التي تزيد في بهجة وبهاء وجمال الفتاة، وتوجب انشداد الأنظار إليها، وتعلق النفوس بها.

ولأجل هذا المعنى جعلها على جيد «فتاة» وليس «المرأة». فإن الفتاة هي التي تميل إليها نفوس الطالبين، وتكون موضعاً لتنافس المتنافسين.

كما أننا نلاحظ: أنه لم يستعمل كلمة «عنق» هنا وإنما اختار كلمة «جيد» الذي هو من الجودة، وهو تعبير مريح للنفس أيضاً، ومثير لكثير من المعاني اللذيذة في أعماقها.

فالموت زينة الحياة، وبهجتها، حينما يثير في الإنسان طموحه إلى ما هو أبعد وأوسع وأعلى وأغلى، ويشد روحه وعقله إلى الآفاق الرحبة، وملاحقة أسرار الكون وخفاياه، وحقائقه ودقائقه ومزاياه، من أجل أن يسخِّر كل ما في الوجود ويستفيد من كل ما تصل إليه يده في مجال إبعاد الشفاء والعناء، ومساعدته على بلوغه مدارج الكمال، ووصوله إلى أهدافه السامية، وتحقيقه مثله العليا، الأمر الذي يحتم عليه التزام الفضائل، والتعالي عن الموبقات والرذائل.

بالإضافة إلى أن حقيقة الموت، وإدراكها بعمق يمنح هذا الإنسان القدرة على الوقوف في وجه شهواته ويهيمن عليها، لأنه يعطي الحياة الدنيا قيمتها الحقيقية، ويمكِّن الإنسان من أن يفهمها بعمق، ويعرف مدى واقعيتها.

حتى ليرى الإنسان المؤمن: أن الموت في بداية الحياة الحقيقية، وأن الخروج من هذه الدنيا المحفوفة بالمخاطر هو السبيل للسلامة من دواعي وطغيان الشهوات، والراحة من مكافحة النفس الأمارة بالسوء.

فالموت إذاً، هو بداية الراحة، والخير، والفوز.

وبه تتساقط الحجب وتزول الموانع عن الإحساس الحقيقي بالوجود، والوصول إلى كنه الحقائق.

وهو يمكّن الإنسان من أن يملك نفسه، ويستفيد من وجوده وطاقاته بصورة كاملة.

ولأجل ذلك، فقد كان الموت للإنسان المؤمن أحلى من العسل([15]). ووصف الحسين «عليه السلام» أصحابه فقال: «يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل إلى محالب أمه»([16]).

وقال أمير المؤمنين «عليه السلام»: والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه([17]).

كما أن الموت يصبح خروجاً من سجن قاس ومرهق، فإن الدنيا سجن المؤمن، والقبر حصنه والجنة مأواه([18]). وما أحلى أن يحصل الإنسان على حريته، ويكون هو سيد نفسه ويواصل انطلاقته نحو الله، ويسرح في رحاب ملكوته. ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ([19]).

أما الكافر فهو يرى الموت فناء وعدماً، وضياعاً، فهو كارثة حقيقية بالنسبة إليه، وخسران لنعيم الدنيا، والدنيا هي جنة الكافر والقبر سجنه، والنار مأواه، حسبما جاء في الحديث الشريف([20]).

وبكلمة.. إن الموت هو سر الحياة، وهو يعطي للحياة معناها وقيمتها، وهو سرُّ الطموح، والحركة والبناء، والعمل الهادف المنتج، وهو سر سعي الإنسان نحو كماله ونحو ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ([21]).

وبالموت تتساقط الحجب والموانع التي تقلل من قدرة الإنسان على الإحساس بالواقع، لأنه إنما يتصل بالواقع عن طريق الحواس المادية، التي لا تسمح بالإحساس بالواقع إلا في مستوى التخيل والتصوير، ولا توصل إلى كنه الحقائق، والاتصال بأسرار الكون والحياة.

هذا بالإضافة إلى أن المعاصي تزيد من طغيان الجسد، وضعف القدرات الروحية، فيتضاءل إحساسه بالحقائق، ويتقاصر فهمه عنها، ولا يعود قادراً على التعامل معها بعمق ذاته ووجوده، وبكنه مواهبه الإلهية.

وكل ما تقدم يفهمنا بعض ما يرمي إليه الحديث الوارد عن الإمام الصادق «عليه السلام» والمتقدم برقم (3 ولعل جانباً مما يرمز إليه الحديث رقم (4) اتضح أيضاً.

ج: ولكننا نزيد في توضيح خلق الموت هنا، فنقول: إنه إذا كان الموت انتقالاً من نشأة إلى نشأة، وتصرفاً في الصورة والشكل، مع بقاء المضمون والحقيقة والماهية على ما هي عليه، فإن خضوع الموت لعملية الخلق يصبح بمثابة من الوضوح، لأن الخلق يختزن هذا المعنى أيضاً، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ﴾ أي وجدت فيها الأشكال والصور البدائية للإنسان، ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ([22]) أي لم يوجد فيها ذلك.

وقال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ([23]).

د: بقي أن نشير إلى أن الحكم على الكافر بالموت في الآخرة، إنما هو بملاحظة: أن نفسه وروحه لن تكون قادرة على نيل درجات القرب، والسير في رحاب ملكوت الله سبحانه، والإحساس بعظيم جلاله، والقرب من ساحة قدسه بل يكون الكافر في ظلمات الجحيم، يأتيه الموت من كل مكان، وما هو بميت، محجوب عن الله، وعن رحمته، مشغول بنفسه وآلامه، عن كل شيء آخر.

هـ: وبعد.. فإننا بملاحظة بعض ما تقدم نستطيع أن نفهم كيف يكون المؤمنون شهداء على الناس، وأن ندرك بعمق معنى الشهيد والشهادة.

فإنها من الشهود، الذي هو الوصول إلى الواقع وملامسته، مع إدراكٍ ووعي له، وإحساس واقعي ووجداني به، ثم معرفة قيمته وحقيقته على ما هو عليه في نفس الأمر.

ومن هنا نعرف: أن الشهود يزيد عن الحضور، فإن الإنسان قد يكون حاضراً لحدث ما، ولكنه ليس شاهداً له إذا لم يدركه بعمق راسخ، تشارك فيه قوى الإدراك الباطنية الظاهرية في الوصول والحصول.

وبما أن الشهادة هي الوصول إلى الحقيقة، مع إدراك وإحساس واقعي بها، بسبب تساقط الحجب، وزوال الموانع المادية، فيستطيع الإنسان حينئذٍ أن يدرك واقع الحياة وسر الوجود، وحقائقه.

فإنها لا يمكن ـ يعني الشهادة ـ أن ينالها الكافر، لأنه محجوب بذنوبه، وبأعماله، وتكون حياته موتاً، أما موته فلا يؤهله إلا لمواجهة مصيره الأسود، حيث تحف به ملائكة العذاب، وتحتوشه زبانية جهنم، ويبقى محجوباً عن ساحة القدس الإلهية، وعن الانطلاق في رحابها، ونيل بركاتها.

كما أن هذه الشهادة تحتاج إلى تربية إلهية، ورعاية ملكوتية، تمنحه المعرفة الحقيقية، والرؤية الصادقة، وتربية سلوكياً وعاطفياً، وتصفي وتزكي نفسه وروحه، وعمله، وكل وجوده؛ ليكون إنساناً إلهياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى.

نعم، وهذا ما يفسر لنا قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء([24]).

فإن الله هو الذي يربيهم، ويزكيهم، ويؤهلهم لتلقي المعارف، ويكشف عن أبصارهم وبصائرهم ليصلوا إلى درجة الشهود والخلود، في مقعد صدق عند مليك مقتدر([25]).

﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ([26]).

أما الكفار، فـ : ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ([27]).

و﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ([28]).

 

و﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ([29]).

و : وعملية الجهاد الأكبر ما هي إلا بذل الجهد من أجل الوصول إلى حالة الشهود هذه؛ ليكون الجهاد الأصغر انعكاساً طبيعياً لدرجة الشهود التي يصل إليها الإنسان، ولمدى إدراكه لحقيقة الكون، والحياة، وإحساسه بالله سبحانه، وبألطافه، والحصول على بركاته.

ولأجل ذلك، فقد كان الجهاد باباً من أبواب الجنة، لا يستطيع كل أحد ولوجه والدخول فيه، بل فتحه الله لخاصة أوليائه وليس كل أوليائه، فهؤلاء الخاصة وحدهم الذين يمكنهم الجهاد، ويستحقون لقب «مجاهد» ويمكنهم أن ينالوا درجة الشهادة، ويكونوا شهداء.

قال علي «عليه السلام»: الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه([30]).

ويلاحظ هنا كلمة: «خاصة أوليائه» أي وليس كلهم.

أما الآخرون، فإنهم لا يستطيعون ذلك، وإن كان يمكن لكل واحد أن يقاتل، وأن يصبح قتيلاً.

وبعد كل ما قدمناه، فإننا نفهم بعمق ما جاء على لسان ذلك الرجل «ما فاز؟! أليس قد قتلت الرجل».

ثم نفهم بعمق أيضاً قول أمير المؤمنين «عليه السلام»: فزت ورب الكعبة.

الباب الخامس:

غزوة بني النضير

 

الفصل الأول: النصوص والآثار

الفصل الثاني: قبل أن تدق الطبول

الفصل الثالث: القرار والحصار

الفصل الرابع: الجزاء الأوفى

الفصل الخامس: كي لا يكون دولة بين الأغنياء

الفصل السادس: أراضي بني النضير والكيد السياسي

 

الفصل الأول:

 

النصوص والآثار

  

تمهيد ضروري:

هناك بعض الأحداث الهامة، والمواقف الحساسة، التي تحمل في طياتها الكثير من العبر والعظات، وتترك لها آثاراً بارزة على منحى وعمق الفكر الإنساني، والرسالي، وعلى الفهم الدقيق للمسار العام في خط الرسالة..

هذا عدا عن التأثير الظاهر لها في البنية العقائدية، وفي اللاشعور، والشعور الوجداني المهيمن على الموقف، والحركة، والسلوك للإنسان في مختلف مراحله وأدواره، وفي كثير من أحواله وأطواره.

ولكن هذه الأحداث والمواقف بالذات، وخصوصاً ما كان منها في العهد النبوي الشريف لم تنل قسطها من البحث والتقصي من قبل العلماء وأهل الفكر بل مروا عليها ـ تقريباً ـ مرور الكرام، فبدت: وكأنها أمور تافهة وحقيرة، ومحدودة وصغيرة، وخُيِّل إلى الكثيرين: أنها ليس فيها ما ينفع ولا ما يجدي.. فكان طبيعياً أن يبقى الكثير من جوانبها، وحقائقها، وظروفها وملابساتها رهن الإبهام، والإهمال، وكأنها ليست حقيقة ثابتة، وإنما هي محض وهم أو خيال.

ولا نبعد كثيراً إذا قلنا: إن غزوة بني النضير كانت واحدة من هذه الأحداث، التي لها هذه الحالة التي أشير إليها، فهي حدث فريد ومتميز، لا يقل في أهميته عن أي من الأحداث الكبرى في العهد النبوي الشريف..

ويتضح ذلك بصورة أجلى وأتم من خلال دراستنا لكثير من النصوص والآثار التي وردت في هذه الواقعة..

ولا أدل على ذلك من أنهم يقولون: إن سورة الحشر ـ بتمامها ـ قد نزلت في هذه المناسبة.. وهذا يبرهن على الأهمية البالغة لهذه الواقعة، وعلى أنها كانت تمثل تحولاً كبيراً وإيجابياً، في مسيرة العمل والعاملين في سبيل الله سبحانه من جهة.. كما أنها تعتبر ـ من الجهة الأخرى ـ ضربة قاسية وقاصمة لأعداء الله، وأعداء دينه من الكافرين..

فقد كان اليهود ـ الذين كان بنو النضير أقواهم شوكة، وأشدهم شكيمة، وأعزهم عزة ـ يعيشون في قلب الدولة الإسلامية، وحيث كان بإمكانهم الاطلاع على أدق دقائقها، وعلى حقائق خفاياها ونواياها، ثم الوقوف على المستوى الحقيقي والدقيق لما تملكه من قدرات وإمكانات مادية ومعنوية.. وعلى كل الـواقـع الـذي كان قائماً في داخل المجتمع الإسلامي، سواء على مستوى العلاقات والارتباطات فيما بين فئات ذلك المجتمع، أو سائر المجالات، ومختلف المواقع.

كما أنهم ـ أعني اليهود ـ كانوا يملكون أذرعة ظاهرة وخفية، ممتدة هنا وهناك، وفي عمق المجتمع الإسلامي الجديد، حتى على مستوى بعض القيادات فيه، والتي كانت تساهم بشكل فعال في صنع القرار، أو في عرقلته وتعطيله. ثم إن لليهود الهيمنة الروحية والثقافية والعلمية على الأكثرية الساحقة، التي يفترض فيها: أن تكون القاعدة الصلبة، والقوية، التي تعتمد عليها تلك القيادة في تنفيذ القرار،، وفي فعاليته، وقوة تأثيره، ثم في الحفاظ عليه وحمايته على المدى القريب أو البعيد على حد سواء..

هذا.. وعلينا أن لا ننسى أن اليهود كانوا يملكون قوة كبيرة في حساب الثروات والأموال..

ويكفي أن نذكر: أنهم كانوا يملكون من (الحلي) الشيء الكثير، قال بعضهم: إنهم كانوا يعيرونه للعرب من أهل مكة وغيرهم. وكان يكون عند آل أبي الحقيق([31]).

وسيأتي في غزوة خيبر: أن آل أبي الحقيق قد قتلوا بسبب ذلك الحلي كما ذكر ذلك غيره أيضاً([32]).

هذا.. بالإضافة إلى ما كان لليهود من ديون على الناس، قد بلغت حداً جعلهم يجدون فيها حائلاً دون تسهيل أمر رحيلهم، لولا أن تصدى النبي «صلى الله عليه وآله» لحل هذا المشكل بالصورة التي لم يبق لهم معها أي خيار، حينما أمرهم بالوضع (أي حذف بعض المال) وبالتعجيل في الآجال([33]).

وعلينا أن لا ننسى: أن هذه الضربة القاسية والقاصمة التي تلقاها اليهود عامة، وبنو النضير بصورة أخص، إنما تمثل إضعافاً لواحد من أهم مصادر القوة والتحدي لدى أعداء الإسلام والمسلمين، ولا سيما بالنسبة إلى المشركين، وكل من يتعاطف معهم من القبائل والطوائف في المنطقة العربية، حيث خسروا واحداً من أهم حلفائهم، وذوي القوة والنفوذ فيهم.

وقد نجد فيما يأتي من فصول إلماحة أو أكثر إلى هذا الأمر، وإلى غيره من أمور فرض علينا البحث التذكير بها، والإلماح إليها.

ولذا.. فإننا سوف نكتفي هنا بهذا القدر، ونبدأ ـ بحول الله وقوته ـ بالحديث عن غزوة بني النضير، حسبما يتهيأ لنا في نطاق مراعاة نسق الكتاب ومستواه، وكثير من الأمور الأخرى التي لا بد لنا من مراعاتها، فيما يرتبط بمقتضيات البحث بصورة عامة..

فنقول.. ومن الله نستمد الحول والقوة، ومنه نطلب التوفيق والتسديد:

إننا نذكر في البداية نصاً لهذه الغزوة، نختاره مما هو بحوزتنا من نصوص، وسوف يكون هذه المرة لابن كثير في سيرته، وفي بدايته ونهايته، مع حذف بعض ما رأينا من المناسب حذفه.. ثم نشير في نهاية النص إلى جانب من المصادر والمراجع، التي يمكن الرجوع إليها للاطلاع على نصوص هذه الغزوة.

فنقول:

نص ابن كثير:

قال ابن كثير: عن سورة الحشر في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه كان يسميها سورة بني النضير.

وحكى البخاري عن الزهري، عن عروة أنه قال: كانت بنو النضير بعد بدر بستة أشهر قبل أحد.

وقد أسنده ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري به.

وهكذا روى حنبل بن إسحاق، عن هلال بن العلاء، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن مطرف بن مازن اليماني، عن معمر، عن الزهري، فذكر غزوة بدر في سابع عشر رمضان سنة اثنتين.

قال: ثم غزا بني النضير، ثم غزا أُحداً في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع.

وقال البيهقي: وقد كان الزهري يقول: هي قبل أُحد.

قال: وذهب آخرون إلى أنها بعدها، وبعد بئر معونة أيضاً.

قلت: هكذا ذكر ابن إسحاق كما تقدم، فإنه بعد ذكره بئر معونة ورجوع عمرو بن أمية وقتله ذينك الرجلين من بني عامر، ولم يشعر بعهدهما الذي معهما من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولهذا قال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «لقد قتلت رجلين لأدينّهما».

قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية، للعهد الذي كان «صلى الله عليه وآله» أعطاهما، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عهد وحلف، فلما أتاهم «صلى الله عليه وآله» قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت.

ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ـ ورسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد ـ فمَن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة ويريحنا منه.

فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله «صلى الله عليه وآله» في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة.

فلما استلبث النبي «صلى الله عليه وآله» أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجـلاً مقبـلاً من المدينة، فسألوه عنه فقـال: رأيته داخـلاً المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.

قال الواقدي: فبعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم ويحرضونهم على المقام ويعدونهم النصر، فقويت عند ذلك نفوسهم، وحمي حيي بن أخطب، وبعثوا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أنهم لا يخرجون، ونابذوه بنقض العهود. فعند ذلك أمر الناس بالخروج إليهم.

قال الواقدي: فحاصروهم خمس عشرة ليلة.

وقال ابن إسحاق: وأمر النبي «صلى الله عليه وآله» بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم.

قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وذلك في شهر ربيع الأول.

قال ابن إسحاق: فسار حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال، ونزل تحريم الخمر حينئذٍ، وتحصنوا في الحصون، فأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟

قال: وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أُبي، ووديعة، ومالك، وسويد، وداعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة.

وقال العوفي: عن ابن عباس، أعطى كل ثلاثة بعيراً يعتقبونه (و) وسقاً([34]). رواه البيهقي.

وروى: من طريق يعقوب بن محمد، عن الزهري، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن مسلمة، أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال.

وروى البيهقي وغيره: أنه كانت لهم ديون مؤجلة، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: ضعوا وتعجلوا.

وفي صحته نظر، والله أعلم.

قال ابن إسحاق: فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف([35]) بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر: سلاّم بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، فلما نزلوها دان لهم أهلها.

فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدث: أنهم استقبلوا بالنساء والأبناء والأموال، معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم بزهاء وفخر، ما رؤي مثله لحي من الناس في زمانهم.

قال: وخلوا الأموال لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، يعني النخيل والمزارع، فكانت له خاصة يضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما، وأضاف بعضهم إليهما الحارث بن الصمة. حكاه السهيلي.

قال ابن إسحاق: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان وهما يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما.

قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال ليامين: ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما همّ به من شأني؟ فجعل يامين لرجل جُعلاً على أن يقتل عمرو بن جحاش، فقتله لعنه الله.

قال ابن إسحاق: فأنزل الله فيهم سورة الحشر بكاملها، يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته، وما سلط عليهم به رسوله، وما عمل به فيهم.

إلى أن قال ابن كثير: فأسرهم بالمحاصرة بجنوده ونفسه الشريفة ست ليال، فذهب بهم الرعب كل مذهب حتى صانعوا وصالحوا على حقن دمائهم وأن يأخذوا من أموالهم ما استقلت به ركابهم، على أنهم لا يصحبون شيئاً من السلاح إهانة لهم واحتقاراً، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

إلى أن قال: وقد روى البخاري ومسلم جميعاً عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ([36]).

وعند البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، ولها يقول حسان بن ثابت:

وهــان عـلـى ســراة بـن لــؤي         حــريــق بـالـبـويـرة  مسـتطيـر

فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول:

أدام الله ذلــك مــن صـنــيـــع            وحــرق فـي نـواحـيـهـا  السعير

ستـعـلـم أيـنــا مــنــهــا بستر           وتـعـلــم أي أرضــيــنــا  نضير

قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل كعب بن الأشرف فالله أعلم:

لقـد خـزيـت بغـدرتهـا الحبور([37])              كـذاك الـدهـر ذو صـرف يـدور

وذلـك أنـهـم كـفــروا بـــرب             عـظـيـم أمــره أمــر  كـبـــيـــر

وقـد أوتــوا مـعـاً فـهـماً وعـلماً                 وجــاءهـم مـن الله   الــنــذيـــر

نــذيــر صـادق أدى كـتـابـــاً             وآيــات مـبــيــنــة   تـــنـــيــر

فـقـالــوا ما أتيت بـأمر صـدقٍ          وأنــت بـمــنــكر مـنــا   جـدير

فـقـال: بلى لـقـد أديـت حـقـاً             يصـدقـنـي بـه الـفـهـم  الخــبـير

فـمـن يـتـبعـه يهـد لكـل رشدٍ            ومـن يـكـفر بـه يـخـز الـكـفـور

فـلـمـا أشـربـوا غدراً وكفــراً           وجـدّ بـهـم عـن الحـق  الـنـفـور

أرى الله الــنــبـي بـرأي  صدق         وكــان الله يــحــكــم لا  يـجور

فــأيــده وســلـطـه عـلـيـهـم              وكــان نــصــيـره نـعـم النصـير

فـغـودر مـنـهم كـعب صريعـاً            فــذلــت بـعـد مصـرعه   النضير

عـلـى الـكـفـيـن ثم وقـد علته            بــأيــديــنــا مـشـهـرة  ذكـــور

بـأمـر مـحـمـد إذ دس  لـيــلاً            إلـى كــعــب أخــا كعـب  يسير

فـمـاكــره فــأنــزلـه بمـكــر              ومـحـمـود أخــو ثـقـة جســور

فـتـلـك بـنـو النضير بدار سوء          أبـارهم بـمـا اجـتـرمـوا المـبـير([38])

غـداة أتاهم في الـزحف رهـواً ([39])             رســول الله وهـــو بـهــم بـصير

وغسـان الـــحـمـاة مــؤازروه           عـلـى الأعــداء وهـو لهـم وزيـر

فـقال السـلـم ويـحكم  فصدوا            وخـالـف أمـرهم كـــذب  وزور

فـذاقـوا غـب أمـرهـم  وبــالاً            لـكـل ثــلاثــة مـنـهـم بـعــيــر

وأجـلـوا عـامـديـن  لـقينقـاع            وغــودر مــنــهـم نــخـل ودور

وقد ذكر ابن إسحاق جوابها لسمال اليهودي، فتركناه قصداً.

قال ابن إسحاق: وكان مما قيل في بني النضير قول ابن لقيم العبسي، ويقال: قالها قيس بن بحر بن طريف الأشجعي:

 

أهـلـي فـداء لامرئ غير  هـالك         أحـل الـيـهود بالحسي  المزنـــم([40])

يـقـيلون في جمـر العضـاة وبدلوا              أهـيـضـب عوداً بالودي المكمم([41])

فـإن يك ظني صــادقـاً  بمحمد           تـروا خـيـله بين الصـلا ويرمرم([42])

يـؤم بهـا عمرو بـن بهثـة إنـهـم                عـدو ومـا حي صديـق كمحـرم

عليهن أبطال مساعير في  الوغى              يهـرون أطـراف الـوشيج المقوم([43])

وكـل رقـيـق الشفرتين  مهـنـد          تـوورثن من أزمـال عـاد  وجرهم

فـمـن مبلغ عني قـريشاً رسـالة         فـهـل بعدهم في المجـد من متكرم

بـأن أخـاهـم فـاعـلـمن محمداً            تليـد النـدى بين الحـجون وزمـزم

فدينوا له بالحق تجسم  أمـوركم                وتسمـو من الـدنـيا إلى كل معظم

نـبـي تـلاقته مـن الله رحــمــة           ولا تسـألــوه أمـر غـيـب  مرجم

فـقد كان في بدر لعمري عسيرة        لـكم يا قريـش والقليب المـلـمـم

غـداة أتـى في الخـزرجية عامداً        إلـيـكم مطيعـاً  للعـظـيـم  المكرم

معـاناً بروح القدس ينكى عدوه        رسـولاً من الـرحمـن حقاً لم يتلعم

رسـولاً مـن الـرحمـن يتلو كتابه                فـلمـا أنــار الـحـق لـم يتـلعثـم

أرى أمره يـزداد في كـل مـوطن        عــلــواً لأمــر حمـه الله  محــكـم

قال ابن إسحاق: وقال علي بن أبي طالب، وقال ابن هشام: قالها رجل من المسلمين، ولم أر أحداً يعرفها لعلي:

عـرفـت ومـن يـعتـدل يعـرف            وأيـقـنــت حقــاً ولـم  أصـدف

عـن الـكـلم المحكـم اللاء من            لــدى الله ذي الــرأفــــة الأرأف

رسـائـل تـدرس في المـؤمنـين          بـهـن  اصطفى أحمـد المـصـطـفى

فـأصبح أحـمـد فـيـنـا عزيزاً             عــزيــز الـمـقــامــة  والمــوقف

فـيـا أيـهـا الموعـدوه سفـاهـاً           ولـم يـأت جــوراً ولـم  يـعـنـف

ألستم تـخـافون أدنى العذاب             ومـــا آمـــن الله  كــالأخـــوف

وأن تـصـرعوا تـحت أسيـافه           كــمــصــرع كعب أبي  الأشرف

غــداة رأى الله  طـغـيـانــــه              وأعــرض كــالجـمـل  الأجـنف

فــأنـزل جـبـريـل فـي  قـتله              بـوحـي إلـى عــبــده  مـلـطـف

فـدس الـرسـول رسـولاً لــه             بـأبــيـض ذي هــبــة مــرهــف

فـبـاتـت عـيـون لـه معولات             مــتــى يــنــع كـعـب لها تذرف

وقـلـن لأحـمـد ذرنـا قليــلاً                فـإنـا مـن الــنــوح لـم نـشـتـف

فـخـلاهـم ثـم قـال اظـعـنوا               دحــوراً عــلــى رغــم  الآنــف

وأجـلى  الـنـضـيـر إلـى غربة           وكــانــوا بـــدار ذوى  أخــرف

إلـى أذرعــات ردافــاً وهـم               عــلـى كـل ذي ذمـر  أعــجـف

وتركنا جوابها أيضاً من سمال اليهودي قصداً.

ثم ذكر تعالى حكم الفيء، وأنه حكم بأموال بني النضير لرسول الله «صلى الله عليه وآله» وملكها له، فوضعها رسول الله «صلى الله عليه وآله» حيث أراه الله تعالى.

كما ثبت في الصحيحين، عن عمر بن الخطاب أنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله «صلى الله عليه وآله» خاصة، فكان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.

إلى أن قال:

قال الإمام أحمد: حدثنا عارم وعفان، قالا: حدثنا معتمر: سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن مالك، عن نبي الله «صلى الله عليه وآله»: أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء الله، حتى فتحت عليه قريظة والنضير، قال: فجعل يرد بعد ذلك.

قال: وإن أهلي أمروني أن آتي نبي الله «صلى الله عليه وآله» فأسأله الذي كان أهله أعطوه، أو بعضه، وكان نبي الله «صلى الله عليه وآله» أعطاه أم أيمن أو كما شاء الله.

قال: فسألت النبي «صلى الله عليه وآله» فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول: كلا والله الذي لا إله إلا هو لا أعطيكهن وقد أعطانيهن أو كما قالت.

فقال النبي «صلى الله عليه وآله»: لك كذا وكذا.

وتقول: كلا والله.

قال: ويقول لك كذا وكذا، وتقول: كلا والله.

قال: ويقول لك كذا وكذا، حتى أعطاها حسبت أنه قال عشرة أمثاله، أو قال قريباً من عشرة أمثاله أو كما قال. أخرجاه بنحوه من طرق عن معتمر به. ثم ذكر ابن كثير وغيره:

قصة عمرو بن سُعدى القرظي:

حين مر على ديار بني النضير وقد صارت بعدها ليس بها داع ولا مجيب، وقد كانت بنو النضير أشرف من بني قريظة، حتى حداه ذلك على الإسلام وأظهر صفة رسول الله «صلى الله عليه وآله» من التوراة.

قال الواقدي: حدثنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: لما خرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمرو بن سعدى فأطاف بمنازلهم، فرأى خرابها وفكر، ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بوقهم، فاجتمعوا.

فقال الزبير بن باطا: يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم لم تزل؟. وكان لا يفارق الكنيسة وكان يتأله في اليهودية.

قال: رأيت اليوم عبراً قد عبرنا بها، رأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز والجلد، والشرف الفاضل، والعقل البارع، قد تركوا أموالهم، وملكها غيرهم، وخرجوا خروج ذل، ولا والتوراة ما سلط هذا على قوم قط لله بهم حاجة، وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف ذي عزهم ثم بيّته في بيته آمناً، وأوقع بابن سنينة سيدهم، وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم وهم أهل جد يهود، وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة، فحصرهم فلم يخرج إنسان منهم رأسه حتى سباهم.

وكلم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب. يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتبع محمداً، والله إنكم لتعلمون أنه نبي قد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان أبو عمير وابن حراش، وهما أعلم يهود جاءانا يتوكفان قدومه وأمرانا باتباعه، جاءانا من بيت المقدس وأمرانا أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما ودفناهما بحرتنا هذه.

فأسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم.

ثم أعاد هذا الكلام ونحوه، وخوفهم بالحرب والسباء والجلاء، فقال الزبير بن باطا: قد والتوراة قرأت صفته في كتاب باطا، التوراة التي نزلت على موسى، ليس في المثاني الذي أحدثنا.

قال: فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتّباعه؟

قال: أنت يا كعب.

قال كعب: فلم؟ والتوراة ما حلتُ بينك وبينه قط.

قال الزبير: بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا فإن اتّبعته اتّبعناه وإن أبيتَ أبينا.

فأقبل عمرو بن سعدى على كعب، فذكر ما تقاولا في ذلك، إلى أن قال عمرو: ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعاً! رواه البيهقي([44]).

والنضير اسم جبل نزلوا به، فسموا باسمه([45]).

القتال في بني النضير:

يقول اليعقوبي، بعد أن ذكر إنذار النبي «صلى الله عليه وآله» إياهم بالخروج من ديارهم وأموالهم، فلم يمتثلوا استناداً لوعود ابن أبي والمنافقين: «..فسار إليهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعد العصر، فقاتلهم، فقتل منهم جماعة، وخذلهم عبد الله بن أبي وأصحابه، فلما رأوا: أنه لا قوة لهم على حرب رسول الله طلبوا الصلح، فصالحهم على أن يخرجوا من بلادهم ولهم ما حملت الإبل، من خرتي([46]) متاعهم. لا يخرجون معهم بذهب، ولا فضة، ولا سلاح»([47]).

وقال ابن الجوزي: «فقاموا على حصنهم يضربون بالنبل والحجارة»([48]).

وعند البعض: أنه لما جاء يستعينهم: «هموا بالغدر به، وخرجوا يجمعون الرجال والسلاح»([49]).

وسيأتي ـ حين الحديث عن خراب بيوتهم ـ ما يدل على ذلك أيضاً..

وبعد أن ذكر الواقدي قدوم النبي «صلى الله عليه وآله» لحصارهم، قال:

«.. وجعلوا يرمون ذلك اليوم بالنبل والحجارة، حتى أظلموا، وجعل أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقدمون من كان تخلف في حاجته، حتى تتاموا عند صلاة العشاء. فلما صلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، عليه الدرع، وهو على فرس، وقد استعمل علياً على العسكر، ويقال: أبا بكر.

وبات المسلمون يحاصرونهم، يكبرون حتى أصبحوا.

ثم أذن بلال بالمدينة، فغدا رسول الله «صلى الله عليه وآله» بأصحابه الذين كانوا معه، فصلى بالناس في فضاء بني خطمة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم»([50]).

وسيأتي عن قريب: أن بعض النصوص تقول: إنه «صلى الله عليه وآله» حصرهم، وطلب منهم: أن يعطوه عهداً، فأبوا. فقاتلهم يومهم ذاك، ثم غدا على بني قريظة، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، ففعلوا، فغدا على بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء.

وإنما قاتلهم لأنه كان بينهم وبين رسول الله «صلى الله عليه وآله» عهد ومدة، فنقضوا عهدهم([51]).

قال السمهودي بعد ذكره رواية ابن إسحاق: «وأصح منه ما رواه ابن مردويه، بسند صحيح: أنهم أجمعوا على الغدر، فبعثوا إلى النبي «صلى الله عليه وآله»: أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك.

فاشتمل اليهود الثلاثه على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم، تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي «صلى الله عليه وآله» بأمر بني النضير قبل أن يصل إليهم، فرجع وصبحهم بالكتائب. فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة، فحاصرهم فعاهدوه. فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء الخ..»([52]).

نصوص أخرى حول قضية بني النضير:

وفي بعض النصوص: أنه «صلى الله عليه وآله» أجلهم عشراً ـ أو ثلاث ليال ـ فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه، فمكثوا أياماً يتجهزون، وأرسلوا إلى ظهر لهم بذي الجدر، وتكاروا من أشجع إبلاً، فأرسل إليهم ابن أُبي: أن معه ألفين من قومه، وغيرهم من العرب، يدخلون معهم حصنهم، ويموتون عن آخرهم، وتمدهم قريظة، وحلفاؤهم من غطفان، فطمع حيي بن أخطب الخ..([53]).

وتذكر بعض النصوص: أنهم حين حاصرهم «صلى الله عليه وآله» وقطع نخلهم، قالوا: نحن نخرج من بلادك..

فقال «صلى الله عليه وآله»: لا أقبله اليوم. ولكن اخرجوا منها، ولكم دماؤكم، وما حملت الإبل، إلا الحلقة، فنزلت يهود على ذلك. وكان حاصرهم خمسة عشر يوماً..

إلى أن قال: وتحملوا على ستمائة بعير([54]).

ونلاحظ هنا: اختلاف النصوص في مدة الحصار، من خمسة عشر يوماً حسبما أشير إليه آنفاً.. إلى: ست ليال([55]).

وقيل: خمساً وعشرين([56]).

أو ثلاثاً وعشرين وفيها نزلت صلاة الخوف([57]).

أو نيفاً وعشرين([58]).

أو قريباً من عشرين([59]).

أو عشرين([60]).

أو إحدى وعشرين([61]).

ومن جهة أخرى روي عن بعض أهل العلم: أن بني النضير قد ألقوا الحجر على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأخذه جبرئيل([62]).

وفي نص آخر: أنه لما أشرف حامل الصخرة بها أخبر النبي «صلى الله عليه وآله» جبرائيل بالأمر([63]).

وكان الذين ذهبوا مع النبي «صلى الله عليه وآله» إلى بني النضير، لا يبلغون عشرة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة([64]).

وفي رواية: لما رأوا قلة أصحابه «صلى الله عليه وآله» قالوا: «نقتله، ونأخذ أصحابه أسارى إلى مكة، فنبيعهم من قريش»([65]).

«ولزم رسول الله «صلى الله عليه وآله» الدرع فبات فيه»([66]).

«وكان سعد بن عبادة يحمل التمر إلى المسلمين»([67]).

ولم يغثهم أحد، ولم يقدر ابن أبي أن يصنع شيئاً، فجهدهم الحصار، وضاقت عليهم الأحوال. فأرسلوا إلى النبي «صلى الله عليه وآله» بقبولهم الجلاء([68]).

وبعد حصارهم، وقطع نخلهم قالوا: «يا محمد نخرج من بلادك، وأعطنا مالنا، فقال: لا، ولكن تخرجون ولكم ما حملت الإبل، فلم يقبلوا ذلك، فبقوا أياماً ثم قالوا: نخرج ولنا ما حملت الإبل، فقال: لا ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئاً، فمن وجدنا معه شيئاً من ذلك قتلناه. فخرجوا على ذلك»([69]).

وكان منهم جماعة من أولاد الأنصار، لأن المرأة من الأنصار كان إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها: إن عاش لها ولد، تهوده، فلما أجليت بنو النضير، قال آباء أولئك: لا ندع أبناءنا، وأنزل الله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ([70])، وهي مخصوصة بهؤلاء الذين تهودوا قبل الإسلام، وإلا.. فإكراه الكفار الحربيين سائغ الخ..([71]).

وقد ذكر البعض: أن ابن يامين قد جعل لرجل عشرة دنانير، ليقتل عمرو بن جحاش([72]).

وذكر البعض: أن المسلمين قد مشوا إلى بني النضير على أرجلهم؛ لأنهم كانوا على ميلين من المدينة، وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» على حمار فحسب([73]) أو على جمل([74]).

وكانت منازلهم بناحية الفرع، وما يقربها، بقرية يقال لها: زهرة([75]).

ليخبرن بما هممتم به:

وتذكر النصوص: أنهم حين ائتمروا بإلقاء الصخرة عليه «صلى الله عليه وآله» قال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا، والله، ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه([76]).

زاد الواقدي: ألا فوالله، لو فعلتم الذي تريدون، ليقومن بهذا الدين منهم قائم إلى يوم القيامة، يستأصل اليهود، ويظهر دينه([77]).

وفي نص آخر: أنه «صلى الله عليه وآله» حين قام من بين أصحابه، وأبطأ، ولم يرجع قال كنانة بن صوريا: جاءه والله الخبر الذي هممتم به([78]).

وفي نص آخر: أنه قال لهم: هل تدرون لم قام محمد؟!

قالوا: لا والله، ما ندري، وما تدري أنت!

قال: بلى والتوارة إني لأدري، قد أخبر محمد ما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، والله، إنه لرسول الله، وما قام إلا لأنه أخبر بما هممتم به، وإنه لآخر الأنبياء، كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون، فجعله الله حيث شاء.

وإن كتبنا، الذي درسنا في التوراة التي لم تغيَّر ولم تبدل: أن مولده بمكة، ودار هجرته يثرب، وصفته بعينها لا تخالف حرفاً مما في كتابنا، وما يأتيكم به أولى من محاربته إياكم، ولكأني أنظر إليكم ظاعنين، يتضاغى([79]) صبيانكم، قد تركتم دوركم خلوفاً وأموالكم، وإنما هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين، والثالثة لا خير فيها.

قالوا: ما هما؟

قال: تسلمون وتدخلون مع محمد، فتأمنون على أموالكم، وأولادكم، وتكونون من علية أصحابه، وتبقى بأيديكم أموالكم، ولا تخرجون من دياركم.

قالوا: لا نفارق التوراة، وعهد موسى.

قال: فإنه مرسل إليكم: أخرجوا من بلدي، فقولوا: نعم، فإنه لا يستحل لكم دماً ولا مالاً، وتبقى أموالكم، إن شئتم بعتم، وإن شئتم أمسكتم.

قالوا: أما هذا فنعم.

قال: أما والله إن الأخرى خيرهن لي، قال: أما والله، لولا أني أفضحكم لأسلمت، ولكن والله، لا تعيَّر شعثاء بإسلامي أبداً، حتى يصيبني ما أصابكم، وابنته شعثاء التي كان حسان ينسب بها، فقال: سلام بن مشكم: قد كنت لما صنعتم كارهاً الخ..»([80]).

ثم أرسل إليهم النبي «صلى الله عليه وآله» محمد بن مسلمة وذكرهم بما كانوا ذكروه له من علامات النبي الموعود، والمنطبقة على رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وتستمر الرواية إلى أن تذكر رفض حيي بن أخطب مغادرة بلادهم، فقال له سلام بن مشكم:

لا تفعل يا حيي، فوالله، إنك لتعلم ونعلم معك: أنه رسول الله، وأن صفته عندنا، وإن لم نتبعه، حسدناه حين خرجت النبوة من بني هارون. فتعال، فلنقبل ما أعطانا من الأمن، ونخرج من بلاده. فقد عرفت أنك خالفتني في الغدر به، فإذا كان أوان الثمر جئنا، أو جاءه من جاء منا إلى ثمره. فباعها وصنع ما بدا له، ثم انصرف إلينا. فكأنَّا لم نخرج من بلادنا إذا كانت أموالنا بأيدينا الخ..([81]).

وفي نص آخر: «فجاء عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة، ليطرحها عليه، فأمسك الله يده، وجاء فأخبره، فخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» راجعاً إلى المدينة.

ثم دعا علياً، وقال: لا تبرح مقامك. فمن خرج عليك من أصحابي، فسألك عني، فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي، حتى انصبوا إليه، ثم تبعوه ولحقوا به»([82]).

كانت تلك طائفة من النصوص الواردة حول قضية بني النضير، وقد حان الآن وقت تسجيل ما يفيد ويجدي في الاستفادة منها، أو في التأييد، أو التفنيد لأي منها، فيما سيأتي في الفصل الثاني.

 

الفصل الثاني:

 

قبل أن تدق الطبول

 

بـدايـة:

قد تقدمت في الفصل السابق طائفة من النصوص التي تتحدث عن غزوة بني النضير، أو عن بعض ما يتصل بها، وسنجد فيما يلي من مطالب وفصول كثيراً من النصوص التي اقتضى البحث إيرادها، لسبب أو لآخر..

وحيث إن لنا الكثير من الوقفات والتساؤلات، بل وتراودنا شكوك قوية حول عدد منها، فإننا نشير إلى شيء من ذلك ضمن البحوث التي أوردناها في هذا الفصل وفيما يليه من فصول، فنقول..

ومن الله نستمد العون، ومنه نطلب التوفيق والتسديد:

إن أول ما يطالعنا في نصوص قضية بني النضير هو:

الاختلافات الفاحشة:

إن هناك الكثير من الموارد التي اختلفت فيها النصوص وتناقضت بصورة فاحشة وظاهرة.

وما دام: أن المهم هو الإلماح إلى أن الواقع لا يمكن أن يكون هو كل ما تضمنته تلك الروايات والمنقولات، وإنما هو واحد، وواحد فقط.. فإننا نكل أمر تقصي هذه الاختلافات إلى القارئ نفسه، إن وجد ضرورة إلى ذلك.

ولأجل ذلك، فنحن نصرف عنان الكلام إلى التركيز على مفاصل أساسية، نجد أنها بحاجة لمزيد من البحث، والجهد. وإن كنا قد اكتفينا فيها بما يتناسب في حجمه ومستواه مع سائر بحوث الكتاب وفصوله.

وأول ما نبدأ الحديث عنه هنا هو:

تاريخ غزوة بني النضير:

قالوا: إن غزوة بني النضير كانت سنة أربع، في شهر ربيع الأول منها، خرج إليهم عشية الجمعة لتسع مضين من ربيع الأول، ثم راح إليهم عشية الثلاثاء.

وقد جعلها ابن إسحاق بعد سرية بئر معونة. وهذا مذكور في معظم المصادر فلا حاجة إلى تعداد مصادره..

ولكن قال الزهري، وكذا روي عن عروة وعن عائشة: إنها كانت بعد غزوة بدر بستة أشهر([83]).

وهو ما جرى عليه البخاري، وذهب إليه النووي وغيره([84]).

أما نحن فنقول:

إن هذا هو الصحيح، وذلك للأمور التالية:

1 ـ إنهم يقولون: إن أبا سلمة بن عبد الأسد قد استفاد من أرض بني النضير([85]).

ومن المعلوم: أن أبا سلمة قد مات قبل شهر ربيع الأول سنة أربع، وقبل بئر معونة.

وقال ابن حبان، بعد ذكره غزوة بني النضير مباشرة: «ثم رجع رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى المدينة، ثم بعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» أبا سلمة بن عبد الأسد إلى ماء لبني أسد الخ..»([86]).

2 ـ إنهم يقولون: إن الحارث بن الصمة قد استفاد هو الآخر من أراضي بني النضير([87]).

مع أنهم يدعون: أن الحارث هذا قد قتل في بئر معونة، فكيف تكون غزوة بني النضير بعدها؟

هذا.. بالإضافة إلى أننا قد قدمنا: أن تاريخ سرية بئر معونة كان قبل السنة الرابعة، فراجع ما ذكرناه هناك.

وجعلُ قتله في بئر معونة دليلاً على ضعف هذا الخبر([88])، ليس بأولى من العكس، أي جعلُ استفادته من أراضي بني النضير دليلاً على عدم صحة قتله في بئر معونة. ولا أقل من أنه يدل على تقدم غزوة بني النضير على تلك الغزوة التي يقال: إنه قد قتل فيها. ويتأكد ذلك إذا عرفنا أن أحدهما ليس ناظراً إلى الآخر، مع ملاحظة: أنه لا داعي للجعل والوضع في أي من الموردين، بالنسبة إلى هذا الرجل بخصوصه.

تذكير بما سبق:

ولنا هنا ملاحظة وهي: أن ابن التين قد قوى أن تكون غزوة بني النضير بعد سرية بئر معونة، وذلك استناداً إلى دليل لا يصح، وقد ذكرناه مع جوابه في سرية بئر معونة في الجزء السابق من هذا الكتاب، فليراجع هناك.

3 ـ إنه لا شك في كون غزوة بني النضير قد كانت قبل حرب الخندق بثمانية أشهر في أقل الأقوال.

وقد قوينا: أن تكون الخندق قد حصلت في السنة الرابعة من الهجرة وليس في السنة الخامسة منها([89])، فتكون غزوة بني النضير قبلها..

بل إن ابن إسحاق ـ الذي ذكر: أن إجلاء بني النضير قد كان بعد أحد أي في السنة الرابعة ـ قد ذكر: أن فتح قريظة كان مرجعه «صلى الله عليه وآله» من الأحزاب (أي الخندق)، وبينهما سنتان([90]).

فإذا كان بينهما سنتان (وإذا كانت قريظة التي هي بعد الخندق مباشرة) في السنة الرابعة فلا شك في كون غزوة بني النضير قد حصلت في السنة الثانية، بعد بدر مباشرة، لا بعد غزوة أحد.

4 ـ