الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ 1425 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء العاشر

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الثاني:

 

حدث وتشريع

 

ماذا في هذا الفصل؟!

إننا لاستكمال الحديث عن الأمور المرتبطة بغزوة ذات الرقاع نتحدث في هذا الفصل عن عدة أمور بالترتيب التالي:

1 ـ إنهم يقولون: إن صلاة الخوف قد شرعت في غزوة ذات الرقاع، وصلاها النبي «صلى الله عليه وآله» بأصحابه فيها، وهي أول صلاة خوف في الإسلام.

ونحن نرى: أن ذلك غير سليم، وأن صلاة الخوف قد شرعت في الحديبية، وهي قبل ذات الرقاع.

بل قد يقال: إنها قد شرعت قبل الحديبية أيضاً.

2 ـ ثم نشير إلى الاختلافات الواردة في كيفية صلاة الخوف.

3 ـ ونتحدث أيضاً بإجمال عما يقال عن عدم صلاة الخوف في غزوة الخندق، لأنها لم تكن شرعت آنئذٍ..

4 ـ ثم نعقب ذلك بفلسفة تحليلية لتشريع صلاة الخوف في حدود ما تسمح به المناسبة.

5 ـ ثم نتوجه إلى الحديث عن قصر الصلاة، حيث يقال: إن ذلك قد حدث في غزوة ذات الرقاع أيضاً.

6 ـ ثم نستطرد في الحديث إلى موضوع آخر يرتبط بقصر الصلاة، وهو ما اشترطته الآية للقصر، من كونه في مورد خوف الفتنة، وذلك من أجل بيان المراد من هذا الشرط، ثم المبرر لإدراجه في الآية الشريفة.

7 ـ ولا ننسى أن نستطرد أيضاً إلى موضوع قصر عثمان للصلاة في منى وعرفات في أيام الحج، وما نشأ عن ذلك وما انتهى إليه.

ونذكر أيضاً: أعذاراً وتوجيهات لهذا الأمر لا يمكن أن تصح، ولا يصح الاعتماد عليها.

8 ـ ثم نختم الحديث عن هذا الموضوع بالإشارة إلى أن القصر في السفر رخصة أم عزيمة؟ من أجل أن يتضح المقصود من آية القصر، حيث إن الحديث عن القصر فيها إنما هو بصيغة: ليس عليكم جناح أن تقصروا.

9 ـ وأما الحديث عن أن آية التيمم قد نزلت في غزوة ذات الرقاع أيضاً فنرجئه إلى الحديث عن غزوة المريسيع بعد الخندق، حيث يتم التعرض له هناك إن شاء الله تعالى..

هذه خلاصة ما سوف نتحدث عنه في هذا الفصل. وأنت ترى: أنه كله حديث عن تشريعات ادُّعي أنها قد حصلت في غزوة ذات الرقاع، ثم استطرادات مفيدة في نطاق الحديث عن هذه التشريعات.

ونحن نرجو أن يكون فصلاً مفيداً للقارئ وممتعاً له في نفس الوقت.. فإلى ما يلي من مطالب، ومن الله نستمد العون والقوة، وعليه نتوكل..

صلاة الخوف:

يقال: إن صلاة الخوف قد شرعت في غزوة ذات الرقاع، حيث إنه «صلى الله عليه وآله» في هذه الغزوة واجه جمعاً من الأعداء «فتقارب الجمعان، ولم يكن بينهما حرب. وقد خاف بعضهم بعضاً، من غير أن يغيروا عليهم، فصلى بهم النبي «صلى الله عليه وآله» صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس»([1]).

وهي أول صلاة خوف في الإسلام([2]).

ونقول:

إننا نسجل هنا ما يلي:

1 ـ قولهم: إنها أول صلاة خوف صليت في الإسلام لا تؤيده الروايات على اختلافها؛ فقد ذكروا ـ وإن كنا قد رددنا ذلك فيما يأتي ـ: أن صلاة الخوف إنما شرعت في غزوة بني النضير([3]) وهي قبل غزوة ذات الرقاع قطعاً.

2 ـ ومن جهة أخرى ثمة روايات تقول: إن آيات صلاة الخوف قد نزلت في غزوة عسفان، فصلى بهم النبي «صلى الله عليه وآله» صلاة الخوف.

وفي رواية الترمذي وابن جرير: أن جبرئيل هو الذي علَّم النبي «صلى الله عليه وآله» كيف يصليها، وذلك بين ضجنان، وعسفان. وعسفان كانت بعد الخندق([4]).

3 ـ وسأل سليمان اليشكري جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل؟.

فقال جابر بن عبد الله: وعير قريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بنخل..

ثم ذكر ما جرى، وصلاة النبي «صلى الله عليه وآله» بهم صلاة الخوف، ثم قال: فأنزل الله في إقصار الصلاة([5]).

ولكن قال ياقوت: «إن نخلاً موضع بنجد، من أرض غطفان مذكور في غزاة ذات الرقاع»([6]).

وعن السمهودي، أنه قال: «حتى نزل نخلاً، وهي غزوة ذات الرقاع»([7]).

وقال السمهودي أيضاً: «وكأن أبا حاتم رأى اتحادهما، فلم يذكر ذات الرقاع، وهي بنخل عند بعضهم، فلذلك لم يذكرها أيضاً»([8]).

ونقول: إن هذا اشتباه واضح، فإن نخلاً إذا كانت بنجد لم يكن ثمة مناسبة بينها وبين عير قريش الآتية من الشام، فالمراد إذن هو النخل التي من جهة الشام دون سواها.

4 ـ وعن مجاهد أنه قال: بالنسبة لصلاة الخوف في عسفان: «فلم يصل رسول الله «صلى الله عليه وآله» صلاة الخوف قبل يومه، ولا بعده»([9]).

5 ـ عن جابر قال: غزا رسول الله «صلى الله عليه وآله» ست غزوات قبل صلاة الخوف، وكانت صلاة الخوف في السنة السابعة([10]).

فالقول بأنها في ذات الرقاع، وذات الرقاع في السنة الرابعة، لا يصح.

الرواية الأقرب إلى القبول:

والمعتمد عندنا في هذا المجال هو: الرواية التي رواها علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الإمام الصادق «عليه السلام»: «فإنها نزلت لما خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى الحديبية، يريد مكة، فلما وقع الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد في ماءتي فارس كميناً يستقبل رسول الله «صلى الله عليه وآله» [فكان يعارض رسول الله] على الجبال.

فلما كان في بعض الطريق، وحضرت صلاة الظهر، فأذن بلال، فصلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالناس.

فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة لأصبناهم، فإنهم لا يقطعون صلاتهم، ولكن تجيء لهم الآن صلاة أخرى هي أحب إليهم من ضياع أبصارهم، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم.

فنزل جبرئيل «عليه السلام» على رسول الله «صلى الله عليه وآله» بصلاة الخوف في قوله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ..([11]).

ولا يعارض ذلك ما رواه ابن بابويه في الفقيه بسند صحيح إلى عبد الرحمن بن أبي عبد الله: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد صلى بأصحابه صلاة الخوف في ذات الرقاع; فإن هذه الرواية ليس فيها: أن جبرئيل قد نزل بصلاة الخوف آنئذٍ، ولا أن الآية قد نزلت أيضاً في غزوة ذات الرقاع. وإن كان الإمام «عليه السلام» بعد أن ذكر كيفية صلاته «صلى الله عليه وآله» بأصحابه صلاة الخوف، قد أورد الآية، مظهراً بذلك موافقة فعل النبي «صلى الله عليه وآله» لمضمونها، فراجع([12]).

فتشريع صلاة الخوف قد كان في الحديبية التي كانت في سنة ست ثم صلاها «صلى الله عليه وآله» مرة أخرى بأصحابه في غزوة ذات الرقاع، التي كانت في السنة السابعة حسبما قدمنا.

كيفية صلاة الخوف:

قد اختلفت رواياتهم في كيفية صلاة الخوف التي صلاها رسول الله «صلى الله عليه وآله» في مغازيه، حتى ليقول البعض:

«قد رويت صلاة الخوف على ست عشرة صورة كلها سائغ فعله»([13]).

وقال آخر: «ووراء ذلك من الكيفيات المتباينات، والخلافات المتعددات بحسب اختلاف الروايات، ما يطول ذكره، ويعز حصره»([14]).

وقد أغنانا ذلك عن ذكر التناقضات الكثيرة والاختلافات الفاحشة بين الروايات المختلفة.

والحل الأمثل: هو الرجوع إلى أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، فإنهم هم أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما، وهم سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى.

وقد ذكروا: أن صلاة الخوف في ذات الرقاع كانت قصراً([15]).

صلاة الخوف في غزوة الخندق:

وقد زعم البعض: أن صلاة الخوف لم تكن شرعت في غزوة الخندق، وإلا لكان صلاها حينئذٍ، لأنهم حبسوه عن صلاة الظهرين والعشاءين فصلاهن جميعاً، وذلك قبل نزول صلاة الخوف([16]).

ونقول:

إن هذا الاستدلال لا يصح: إذ لعل العدو كان في جهة القبلة فصلاها المسلمون إيماء أو كان الوضع الحربي لا يسمح بالصلاة جماعة بسبب تلاحم المقاتلين، والمناوشة بينهم، حيث يكفي في هذه الحالة التهليل والتسبيح، والتحميد، والدعاء، كما حدث في صفين ليلة الهرير([17]).

وسيأتي: عدم صحة ما يذكرون حول هذا الأمر في موضعه إن شاء الله تعالى..

صلاة الخوف لماذا؟!:

ولربما يراود ذهن البعض سؤال: عن السبب في الإصرار على الصلاة جماعة حتى في حال الحرب، إذ أن بالإمكان أن يصلي المسلمون فرادى متفرقين، مع الاحتفاظ بمواجهة العدو بالكثرة العددية في ساحة القتال. خصوصاً مع اتساع الوقت لأداء الصلاة بصورة متوالية من العناصر، بحيث لا يخل ذلك بالحالة التي يتخذونها تجاه العدو بهدف إرهاقه، أو دفع شره.

وللإجابة على هذا السؤال: لا بد لنا من الإشارة إلى أن هذا أمر مقصود لله عز وجل، لأنه يمثل مطلباً أساسياً في أكثر من اتجاه.

فهو من جهة يمثل إصرار المسلمين على الجهر بمعتقداتهم، وممارسة حقهم بحرية التعبير عنها، وحرية ممارسة شعائرهم الدينية. رضي الناس ذلك أم أبوا.

كما أنه يمثل إظهاراً للالتزام بالقيادة المثلى، والاقتداء بها، والتلاقي عليها ومعها لتكون رمز وحدة الأمة، من خلال وحدة الهدف، ثم وحدة الموقف، وانتهاءً بوحدة المصير.

ومن جهة أخرى: فإن هذا المظهر العبادي الوحدوي التنظيمي ووحدة الشعار، لا بد أن يثير لدى الأعداء أكثر من سؤال يرتبط بالموقف السياسي والعسكري، الذي يتخذه ذلك العدو، ويتحرك ويتعامل معهم على أساسه ومن خلاله، حتى إذا ما راجع حساباته في هذا السبيل، فلسوف يجد أنه لم يكن منطقياً، ولا منصفاً في عدائه لهم، ولا في مواقفه منهم، التي اتخذها انطلاقاً من عدم قناعته بما اقتنعوا به، أو فقل: من عدم قبوله بما هم عليه. فهل عدم اقتناع شخص بأفكار، ومعتقدات، وقناعات، شخص آخر، يعطيه الحق في تدمير ذلك الشخص واستئصاله من الوجود؟!..

وهل إذا قال هؤلاء: ربنا الله، وليس الصنم الفلاني، يستحقون أن يواجهوا بالحرب وبالحرمان وبالقطيعة، وبجميع أشكال الاضطهاد والتنكيل؟!.

إن صلاة الخوف هذه لسوف تقنع هذا العدو بالذات أن ما يحاربهم من أجله، ويصرون هم عليه، إنما يعنيهم هم أولاً وبالذات، وليس له هو حق في اتخاذ أي موقف سلبي منهم لأجل أمر يخصهم ويرجع إليهم، فـ ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ([18]) فإن الدين يقوم على أساس القناعات وعلى أساس المشاعر، وعقد القلب، وإحساسه بالأمن، واستشعاره الإيمان.

ولا يمكن أن يفرض هذا على أحد، ولا يتحقق الإكراه فيه.

ولا يملك أحد أن يصادر حرية الآخرين في أن يعتقدوا ما شاؤوا، ولا يمكنه أن يمنعهم من ممارسة كثير مما يريدون ممارسته.

بل إن هذا يخضع للمنطق وللبرهان وللدليل أولاً، مع إعطاء دور رئيس لتكوّن عامل الثقة، والصراحة والصدق والإنصاف، والحرية، وغير ذلك مما هو ضروري في مجال التحرك الواعي والمسؤول في مجال الدعوة لتحقيق الاستجابة الحقيقية والواعية والمسؤولة.

فصلاة الخوف شعار، وموقف، وبلاغ، ودعوة، وتصميم، ووحدة، وخلوص، والتفاف حول القيادة، وتربية، وتعليم، وتحد، ثم هي حرب نفسية وسلاح قاطع.

وليس ثمة رسالة أبلغ منها للعدو، ليعرف أن هؤلاء الناس قد بلغوا من إصرارهم على مواقفهم، وتمسكهم بمبادئهم، وفنائهم فيها، حداً يجعلهم يرون قضيتهم، ودينهم ودعوتهم، هي الأهم من كل شيء، وأن حياتهم، وكل شيء يملكونه لا بد أن يكون لها ومن أجلها، وفي سبيلها، وهم يمارسون ذلك عملاً، ويقدمون على البذل والعطاء في سبيله، بكل رضاً ومحبة، وصفاء وسخاء.

ومن جهة ثانية: إن ذلك يؤكد للإنسان المسلم مدى أهمية الصلاة، حتى إنها لا تترك بحال، حتى للغريق المشرف على التلف، وحتى للمقاتل الذي يواجه الأخطار الكبرى على حياته ووجوده..

وتأتي الصلاة في هذه الحال بالذات ـ حال الخوف ـ لتربط الإنسان بمصدر الأمن، والسلام، والطمأنينة للقلوب، وانسجام المشاعر وتلاقيها، ليعيش الإنسان في الآفاق الملكوتية روح الطهر والخلوص، ليصبح قادراً على التخلص مما يربطه بهذه الدنيا، ويشده إلى الأرض ليخلد إليها، ويحجبه ذلك عن مصدر القدرة، وعن الانطلاق في رحابه، وفي آفاق ملكوته، ومعاينة آلائه، وتلمسها، والتصديق بها.

قصر الصلاة:

وقالوا: إن الصلاة قد قصرت في غزوة ذات الرقاع([19]) حيث نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً([20]).

ونقول:

إن الكلام هنا في عدة جهات، نذكر منها ما يلي:

1 ـ تاريخ قصر الصلاة:

إن القول: بأن ذلك كان في غزوة ذات الرقاع، تقابله الرواية التي تقول: إن ذلك قد كان في غزوة عسفان.

فقد روي: «عن مجاهد، في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ([21])، قال: أُنزلت يوم كان النبي «صلى الله عليه وآله»، والمشركون بضجنان، فتوافقوا فصلى النبي «صلى الله عليه وآله» بأصحابه صلاة الظهر أربعاً، ركوعهم وسجودهم، وقيامهم معاً جمعاً. فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم، وأثقالهم، فأنزل الله: ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ([22]).

فصلى العصر، فصف أصحابه صفين ثم كبر بهم جميعاً، ثم سجد الأولون لسجوده، والآخرون قيام لم يسجدوا حتى قام النبي «صلى الله عليه وآله» ثم كبر بهم وركعوا جميعاً، فتقدم الصف الآخر، واستأخر الصف المتقدم، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصر العصر إلى ركعتين»([23]).

ونقول:

إن هذه الرواية صريحة في أن آية قصر الصلاة قد نزلت بعد أو حين تشريع صلاة الخوف، وثمة روايات أخرى يظهر منها أنهم يتحدثون عن آية القصر ويقصدون منها صلاة الخوف فقط([24])، ولعل هذا قد نشأ عن كونهما قد نزلتا في زمان واحد.

وقد تقدم: أن صلاة الخوف قد شرعت في الحديبية، ثم صلاها النبي «صلى الله عليه وآله» في ذات الرقاع، التي كانت بعدها، فمعنى ذلك: أن قصر الصلاة قد شرع في الحديبية أيضاً، أو بعدها وذلك واضح لا يحتاج إلى بيان.

لكن ثمة رواية تقول: إن نزول الآية، وتشريع صلاة القصر قد كان قبل نزول آية صلاة الخوف بسنة ; فشرع القصر على لسان رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حين سأله تجار يضربون في الأرض عن كيفية صلاتهم، فراجع([25]).

فيكون تشريع القصر، قبل غزوة الحديبية بسنة!

القصر في حالتي الأمن والخوف:

ومن الأمور التي تساءل بعض الناس عنها هو: أن آية القصر إنما تتحدث عن إيجاب القصر بشرط خوف الفتنة من قِبَل الذين كفروا، مع أن القصر ثابت مع خوف الفتنة وبدونه.

وقد حاول البعض الهروب من هذا الإشكال بدعوى: أن القصر لم يذكر في القرآن أصلاً([26]).

وبعض آخر: كعائشة، وسعد بن أبي وقاص، ادعوا: أن الواجب هو القصر في حال الخوف فقط، أما في حال الأمن، فكانا يتمان في السفر([27]).

وروي عن عائشة خلاف ذلك أيضاً([28]).

وقد يحلو للبعض أن يدعي: أن القرآن قد نسخ بالسنة، حيث إن القرآن نص على القصر في حالة الخوف، ثم نسخ ذلك بقول النبي «صلى الله عليه وآله»، حيث جعله «صلى الله عليه وآله» في مطلق السفر([29]).

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه.

ونقول:

إن مجرد كون القرآن قد نص على القصر في مورد خوف الفتنة، ثم جاء تعميم ذلك إلى مطلق السفر على لسان النبي «صلى الله عليه وآله»، لا يوجب اعتبار ذلك من قبيل نسخ القرآن بالسنة، إذ قد يكون القرآن قد ذكر لهم ما كان محلاً لابتلائهم، أو أورد ذلك مورد الغالب؛ فإذا كان القرآن قد بيَّن قسماً مما يجب فيه القصر، ثم بينت السنة باقي الموارد، فليس ذلك من قبيل النسخ، بل هو إما من باب إلقاء الخصوصية، أو من باب التعميم، والتتميم، إذ ليس فيه إلغاء للحكم الثابت بالقرآن.

وقد أشارت الروايات إلى ذلك أيضاً، فقد روي: أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، وقد أمن الناس.

فقال له عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن ذلك؛ فقال: صدقة تصدق الله عليكم، فاقبلوا صدقته([30]).

وعن أبي العالية، قال: «سافرت إلى مكة، فكنت أصلي بين مكة والمدينة ركعتين، فلقيني قراء أهل هذه الناحية، فقالوا: كيف تصلي؟!

قلت: ركعتين.

قالوا: أسنة أو قرآن؟!

قلت: كل ذلك سنة وقرآن. صلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» ركعتين.

قالوا: إنه كان في حرب.

قلت: قال الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ([31]).

وقال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ([32]) فقرأ حتى بلغ: ﴿فَإِذَا اطْمَأنَنتُمْ([33])»([34]).

إتمام عثمان للصلاة في منى وعرفات:

ومن الأمور التي طعن بها الصحابة والمسلمون على عثمان بن عفان([35]): أنه أتم الصلاة بمنى وبعرفات، فخالف بذلك رسول الله «صلى الله عليه وآله»، الذي قصر الصلاة فيهما، وكذلك أبو بكر وعمر، وعثمان نفسه عدة سنوات أيام خلافته([36]).

الصامدون والمتزلفون:

وقد كان ابن عمر بعد أن يتم خلف عثمان، يعيد صلاته بعد أن يرجع إلى بيته([37]) أما ابن مسعود الذي اعترض على عثمان، لفعله ذاك، فإنه عاد فصار يصلي أربعاً، بحجة أن الخلاف شر([38]) وكذلك تماماً كان من عبد الرحمن بن عوف، فإنه ناقش عثمان أولاً، ثم تابعه وعمل بعمله أخيراً([39]).

ولكن علياً أمير المؤمنين «عليه السلام» وحده الذي أصر على الرفض، فقد روي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: اعتل عثمان وهو بمنى، فأتى علي، فقيل له: صل بالناس.

فقال: إن شئتم صليت لكم صلاة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، يعني ركعتين.

قالوا: لا، إلا صلاة أمير المؤمنين ـ يعني عثمان ـ أربعاً. فأبى([40]).

معاوية والأمويون، وسنة عثمان:

ولكن معاوية حين قدم حاجاً صلى الظهر ركعتين، فجاءه مروان بن الحكم، وعمرو بن عثمان فقالا له: «ما عاب أحد ابن عمك بأقبح مما عبته به.

فقال لهما: وما ذاك؟!

قالا: له: ألم تعلم أنه أتم الصلاة بمكة؟

قال: فقال لهما: ويحكما، وهل كان غير ما صنعت؟ قد صليتهما مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ومع أبي بكر، وعمر.

قالا: فإن ابن عمك قد أتمها، وإن خلافك إياه له عيب.

قال: فخرج معاوية إلى العصر، فصلاها بنا أربعاً»([41]).

وقال ابن عباس، بعد أن ذكر صلاة عثمان شطراً من خلافته قصراً: «ثم صلاها أربعاً، ثم أخذ بها بنو أمية»([42]).

أعذار لا تصح:

قد ذكروا أعذاراً كثيرة للخليفة، ونحن نختار منها نموذجاً، ونحيل القارئ في الباقي إلى المصادر فنقول:

1 ـ لقد اعتذر الخليفة نفسه بأنه إنما فعل ذلك لأنه تأهل بمكة لما قدمها([43]).

وقال العسقلاني: «هذا الحديث لا يصح لأنه منقطع، وفي رواته من لا يحتج به، ويرده الخ..»([44]).

ويرده أيضاً: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يسافر بزوجاته، ويقصر([45]).

وقال العلامة الأميني: «ما المسوغ له ذلك، وقد دخل مكة محرماً؟ وكيف يشيع المنكر، ويقول: تأهلت بمكة مذ قدمت؟ ولم يكن متمتعاً بالعمرة ـ لأنه لم يكن يبيح ذلك أخذاً برأي من حرمها كما يأتي تفصيله ـ حتى يقال: إنه تأهل بين الإحرامين، بعد قضاء نسك العمرة، فهو لم يزل كان محرماً من مسجد الشجرة، حتى أحل بعد تمام النسك بمنى»..

إلى أن قال: «وقد صح من طريق عثمان نفسه عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» من قوله: «لا يَنْكِحُ المحرم، ولا يُنْكِحُ، ولا يخطب»([46]).

ثم ذكر «رحمه الله» نصوصاً أخرى: حول عدم جواز التزوج حال الإحرام فلتراجع([47]).

هذا بالإضافة: إلى أنه لا معنى للحكم بالإتمام للمسافر إذا تزوج امرأة في بلد ما لأن المرأة هي التابعة للرجل وليس العكس.

ولو كان حكم عثمان الإتمام لأنه تزوج امرأة هناك، فلماذا يتم سائر الناس الذين يأتمون به؟! ولماذا يصر على علي «عليه السلام» بالإتمام حينما أراده على الصلاة مكانه؟!

ولماذا يصرون على معاوية بالعمل بسنة عثمان، ثم يستمر بنو أمية على ذلك؟!

ولماذا يصلي ابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف بأصحابه تماماً، لأن الخلاف شر؟!

ولماذا؟. ولماذا؟!..

2 ـ وثمة عذر آخر، وهو أنه إنما أتم في منى وعرفة، لأنه كان له مال بالطائف([48]).

وهو اعتذار لا يصح أيضاً، لأن وجود ملك أو دار في مكة فضلاً عن الطائف لا يوجب الإتمام. وقد قصر الصحابة الذين حجوا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم يأمرهم النبي «صلى الله عليه وآله» بالإتمام، ولا أتموا بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»([49]).

هذا بالإضافة إلى أن الذين ائتموا به لم يكن كلهم لهم أملاك هناك.

ولماذا يصر هو على علي «عليه السلام»، ويصر بنو أمية على الإتمام بعد ذلك؟! ولماذا؟! ولماذا؟!

3 ـ واعتذر أيضاً بأنه خاف أن يظن أهل اليمن والأعراب المقيمون: أن الصلاة للمقيم ركعتان([50]).

ولكن هذا العذر غير مقبول أيضاً، إذ قد كان يمكن تعليم الناس على الحكم الشرعي بأسلوب آخر.

كما أن هذا الفعل قد يوجب أن يظن أهل اليمن، والأعراب: أن الصلاة في السفر أربع ركعات.

أضف إلى ذلك: أن رسول الله لم يفكر في تعليم الناس بهذه الطريقة، مع أنه كان يوجد في زمنه أعراب، وكان أهل اليمن يحجون في عهد أسلاف عثمان أيضاً.

وقد قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» لأهل مكة، بعد أن صلى ركعتين: «أتموا الصلاة يا أهل مكة فإنا سفر أو قال: يا أهل البلد صلوا أربعاً فإنا سفر»([51]).

وروي أن عمر أيضاً كان يفعل ويقول ذلك فراجع([52]).

4 ـ إن منى أصبحت قرية وصار فيها منازل، فتأول عثمان أن القصر إنما هو في حال السفر([53]).

 

ونقول:

معنى هذا: أن عثمان كان لا يعرف حكم القصر، وأنه كان يظن أن القصر إنما يجب في حال المشي في الصحراء فقط، فإذا بلغ المسافر قرية ونزل فيها، فإنه يتم حينئذٍ، مع أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد قصر في مكة نفسها، وقد كانت مكة بلداً كبيراً ومعموراً أكثر من منى وعرفات بمراتب.

5 ـ إنه أقام بها ثلاثاً والمقيم يتم([54]).

وهو عذر واه إذ إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أقام في مكة ما يقرب من عشرة أيام، ولم يزل يصلي فيها قصراً([55]).

6 ـ إنه كان قد نوى الإقامة بعد الحج، والاستيطان بمنى واتخاذها دار الخلافة ثم بدا له بعد ذلك([56]).

وعلى حسب نص آخر: أنه قد نوى الإقامة بعد الحج([57]).

والجواب عن ذلك:

أولاً: ما قاله العسقلاني من أن سنده مرسل.

ثانياً: إن الإقامة في مكة على المهاجرين حرام([58]).

ثالثاً: ولو صح ذلك أيضاً، فلماذا يتم سائر الناس؟.

ولماذا يقتدي به الأمويون؟

ولماذا يصر هو على علي «عليه السلام» بالإتمام؟!

ولماذا كان قصر معاوية عيباً له، ولماذا؟ ولماذا؟!

7 ـ إن الإمام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته، فكأنه وطنه([59]). والأسئلة الآنفة الذكر آتية هنا. هذا بالإضافة إلى أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان إمام الخلائق، فلماذا لم يتم؟!([60]).

وقد قصر أبو بكر وعمر، وعثمان نفسه شطراً من ولايته.

8 ـ إن التقصير في السفر رخصة لا عزيمة([61]) كما اعتذر به المحب الطبري.

ونقول:

أولاً: إن ذلك لا يصح، بسبب ورود أحاديث كثيرة دالة على أن التقصير في السفر حكم إلزامي، ولا يجزي الإتمام عنه، بل لا بد من إعادة الصلاة لو صلى تماماً في موضع القصر عمداً([62]).

ثانياً: لو كان ذلك رخصة فلماذا يصر عثمان على الإتمام، حينما طلب من علي أمير المؤمنين أن يصلي بالناس؟! ولماذا يصر الأمويون بعد ذلك على العمل بسنة عثمان، وترك سنة رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!.

ثالثاً: لماذا يصر عثمان على الإتمام في هذا المورد بالذات، دون سائر الأسفار؟.

ولماذا ينكر عليه الصحابة ذلك، ويعترضون عليه فيه؟!

ولماذا لم يعتذر هو بهذا العذر لهم بالذات ليسكتهم عنه؟! بل اعتذر عن ذلك بأنه رأي رآه([63]).

التقصير رخصة أم عزيمة:

قد تخيل البعض أن القصر في السفر رخصة، ولعل منشأ فهمهم هذا هو أن الآية قد قررت ذلك بعبارة: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ([64]).

قال العامري:

«ظاهرها يدل على أن رخصته مشروطة بالخوف، ودلت السنة على الترخيص مطلقاً..

إلى أن قال: ثم لا يبعد أن يبيح الله الشيء في كتابه بشرط، ثم يبيحه على لسان نبيه بانحلال ذلك الشرط، الخ..»([65]).

وقد قال بعض الفقهاء: بأن التقصير رخصة، فراجع([66]).

ولكن هذا التخيل مردود.

أولاً: للأخبار الكثيرة الدالة على أن التقصير في السفر عزيمة وليس رخصة، وكلام الرسول مفسر للقرآن، ومبين لمعناه، وقد ذكر العلامة الأميني «رحمه الله» طائفة منها([67]).

ثانياً: لقد كان من الواضح: أن الكثيرين سوف لن تطيب نفوسهم بترك ركعتين من الصلاة، ويرون في هذا الأمر تضييعاً للأهداف الإلهية وتساهلاً في امتثال أوامره تعالى، فجاء التعبير بلا جناح ليدفع هذا الوهم، وليطمئنهم إلى أنه لا غضاضة عليهم، لو فعلوا ذلك، ولا نقص ولا حرج فيه.

نزول آية التيمم:

وقالوا في هذه الغزوة: نزلت آية التيمم([68]).

وقيل: بل شرع التيمم في غزوة بني المصطلق.

وقيل: في غزوة أخرى([69]).

ونحن نرجئ الحديث عن ذلك إلى غزوة بني المصطلق؛ فإلى هناك.

 

 

الفصل الثالث:

 

عظات وكرامات أو سياسات إلهية

 

ماذا في هذا الفصل؟!

وهذا الفصل يتعلق ببعض ما يقال: إنه حصل في ذات الرقاع، وهي الأمور التالية:

1 ـ إلقاء الأضواء على قضية شراء النبي «صلى الله عليه وآله» جملاً من جابر بن عبد الله الأنصاري، وذلك في طريق العودة من هذه الغزوة، وظهور كرامة للنبي «صلى الله عليه وآله» بالنسبة لاستعادة ذلك الجمل قوته، بعد أن كان في آخر الركب.

ثم سوغ «صلى الله عليه وآله» جابراً الجمل وثمنه. بالإضافة إلى حديث جرى بين النبي «صلى الله عليه وآله» وجابر في طريق العودة إلى المدينة.. ثم إلقاء الأضواء على القيمة الحقيقية لهذين الحدثين بالمقدار الذي يسمح لنا به المجال.

2 ـ ثم نتحدث عن قضية أخرى لجابر مع النبي «صلى الله عليه وآله»، ترتبط بقضاء دين كان على عبد الله والد جابر، وهي قضية مثيرة وقد تحدثنا عن بعض دلالاتها الهامة بصورة موجزة أيضاً.

3 ـ ونذكر أيضاً ما قاله النبي «صلى الله عليه وآله» في هذه الغزوة، حينما جاء رجل بفرخ طائر، فأقبل أحد أبويه حتى طرح نفسه بين يدي الذي أخذ فرخه، وألقينا الأضواء على هذه الحادثة حسبما اقتضته المناسبة.

4 ـ ثم تكلمنا عن قصة أخرى يقال: إنها حدثت في هذه الغزوة حيث جاءت أعرابية إلى النبي «صلى الله عليه وآله» بابن لها، ليعالجه، فاستجاب «صلى الله عليه وآله» لطلبها، مع إلماحة إلى بعض دلالات هذه القضية بصورة موجزة أيضاً..

5 ـ ثم نشير إلى قصة أخرى في هذه الغزوة ظهرت فيها كرامة للنبي «صلى الله عليه وآله»، حيث أكل أصحابه من ثلاث بيضات نعام، وشبعوا. والبيض في القصعة كما هو، مع إشارة موجزة إلى بعض ما يستفاد من هذا الحدث.

6 ـ وينتهي بنا المطاف إلى الحديث عن قضية أخرى يقال: إنها قد حدثت في هذه الغزوة، وهي قصة ذلك الجمل الذي جاء يستعدي على صاحبه، فبادر النبي «صلى الله عليه وآله» إلى تفريج كربه، وحل مشكلته.

7 ـ ثم استطردنا إلى الحديث عن الكرامات والمعجزات وعن لزوم معرفة النبي «صلى الله عليه وآله» بلغات البشر، وظهر لنا: أن ذلك كله وسواه من التصرفات المتميزة والملفتة إنما هي مقتضيات طبيعية لقيادته «صلى الله عليه وآله» ـ وكذلك الإمام «عليه السلام» ـ لمسيرة البشرية نحو كمالها المنشود، ونحو تحقيق الأهداف الإلهية من الخلق كله..

وقد اقتضى ذلك: أن نشير بصورة موجزة إلى جهات أخرى ترتبط بهذا البحث أو تنتهي إليه؛ فإلى ما يلي من مطالب.

ومن الله نستمد العون، والقوة، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

جمل جابر:

يقول المؤرخون: إن النبي «صلى الله عليه وآله» وهو في طريقه إلى المدينة اشترى من جابر جملاً بأوقية، واشترط له ظهره إلى المدينة، واستغفر له في الطريق خمساً وعشرين مرة، وفي الترمذي سبعين مرة.

زاد ابن سعد: وسأله عن دين أبيه فأخبره به([70]).

وتفصيل ذلك:

أن جابراً كان على جمل ثقال في سفر، في آخر القوم؛ فمر به النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: من هذا؟!

فقلت: جابر بن عبد الله.

قال: فما لك؟!

قلت: إني على جمل ثقال.

قال: أمعك قضيب؟

قلت: نعم.

قال: أعطنيه، فضربه، فزجره؛ فكان من ذلك المكان من أول القوم.

قال: بعنيه.

قلت: بل هو لك يا رسول الله.

قال: بل بعنيه؛ فقد أخذته بأربعة دنانير، ولك ظهره إلى المدينة.

فلما قدمت المدينة، قال: يا بلال، اقضه وزده.

فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطاً.

قال جابر رضي الله عنه: وأعطاني الجمل وسهمي مع القوم([71]).

وفي لفظ عن جابر قال: دخل النبي «صلى الله عليه وآله» المسجد، فدخلت إليه، فعلفت الجمل في ناحية البلاط، فقلت: يا رسول الله، هذا جملك.

فخرج «صلى الله عليه وآله» فجعل يطوف بالجمل، قال: الثمن والجمل لك([72]).

وحسب نص آخر قال جابر: «وتحدثت مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال لي: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟

قال: قلت: يا رسول الله، بل أهبه لك.

قال: لا، ولكن بعنيه.

قال: قلت: فسمنيه يا رسول الله.

قال: قد أخذته بدرهم.

قال: قلت: لا، إذن تغبنني يا رسول الله.

قال: فبدرهمين.

قال: قلت: لا.

قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله «صلى الله عليه وآله» في ثمنه، حتى بلغ الأوقية.

قال: قلت: فقد رضيت يا رسول الله؟

قال: نعم.

قلت: فهو لك.

قال: قد أخذته.

ثم قال: يا جابر، هل تزوجت بعد؟([73]).

قال: قلت: نعم يا رسول الله.

قال: أثيباً أو بكراً؟!

قلت: لا، بل ثيباً.

قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعب؟.

قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي أصيب يوم أحد، وترك بنات له سبعاً([74])؛ فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن، وتقوم عليهن.

قال: أصبت إن شاء الله أما إنا لو قد جئنا صراراً (موضع على ثلاثة أميال من المدينة) أمرنا بجزور؛ فنحرت وأقمنا عليها يومنا ذاك، وسمعت بنا، فنفضت نمارقها([75]).

قال: قلت: والله يا رسول الله ما لنا من نمارق.

قال: إنها ستكون؛ فإذا أنت قدمت فاعمل عملاً كيساً.

قال: فلما جئنا صراراً أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بجزور فنحرت، وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله «صلى الله عليه وآله» دخل ودخلنا.

قال: فحدثت المرأة الحديث، وما قال لي رسول الله «صلى الله عليه وآله».

قالت: فدونك، فسمع وطاعة.

قال: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: ثم جلست في المسجد قريباً منه.

قال: وخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» فرأى الجمل، فقال: ما هذا؟.

قالوا: يا رسول الله، هذا جمل جابر جاء به.

قال: فأين جابر؟

قال: فدعيت له.

قال: يا بن أخي، خذ برأس جملك فهو لك.

ودعا بلالاً، فقال له: اذهب بجابر فأعطه أوقية.

قال: فذهبت معه، فأعطاني أوقية، وزادني شيئاً يسيراً.

قال: فوالله ما زال ينمى عندي، ويرى مكانه من بيتنا، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا، يعني يوم الحرة([76]).

وفي نص آخر: «ثم قدم رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبلي، وقدمت بالغـداة؛ فجئت المسجد فـوجـدته على بـاب المسجد، فقـال: الآن حين قدمت؟

قلت: نعم.

قال: فدع جملك، وادخل فصل ركعتين.

قال: فدخلت فصليت ركعتين الخ..»([77]).

ثم ذكر هبة النبي «صلى الله عليه وآله» الجمل، وثمنه له.

وفي بعض روايات مسلم عن جابر: أن هذه القضية قد حصلت له, وهم مقبلون من مكة إلى المدينة([78]).

اختلافات الرواية في مقدار ثمن الجمل:

إن المراجع لنصوص هذه الرواية يجد: أن فيها العديد من موارد الاختلاف والتناقض، خصوصاً فيما يرتبط بقيمة جمل جابر.

فقيل: اشتراه منه بأوقية([79]) وهي أربعة دنانير.

قال الأشخر اليمني: «وهي أكثر الروايـات، كما نقله البخـاري عن الشعبي»([80]).

وقيل: بأوقيتين([81]).

وقيل: بثلاث([82]).

وقيل: بأربع([83]).

وقيل: بخمس([84]).

وقيل: بست أواق([85]).

وقيل: بثمان مئة درهم([86]).

وقيل: بخمسة دنانير([87]).

وقيل: بدينارين ودرهمين([88]).

وقيل: بعشرين ديناراً([89]).

وحملها البعض على أنها كانت دنانير صغاراً([90]).

وقيل: بأربعة دنانير، بعد أن أعطاه درهماً ممازحاً له([91]).

وهذا القول الأخير: لا ينافي القول بأنه اشتراه بأوقية، لأن ذلك في معنى الأوقية([92]).

الزيادة المباركة:

والروايات تصرح: بأن النبي «صلى الله عليه وآله» زاد جابراً على ثمن جمله.

وتصرح بعض الروايات: بأنه قد زاده قيراطاً.

فقال جابر: «لا تفارقني زيادة رسول الله «صلى الله عليه وآله»؛ فحفظه حتى أصيب منه يوم الحرة، ففيه التبرك بآثار الصالحين»([93]).

تاريخ قصة جمل جابر:

قيل: إن قصة جمل جابر قد كانت في غزوة ذات الرقاع حسبما تقدم.

وبعض الروايات تقتصر على القول بأنها كانت في رجوعه من مكة إلى المدينة([94]).

وقيل: كانت في رجوعه من غزوة تبوك([95])، وهي متأخرة عن غزوة ذات الرقاع.

وقد يناقش في ذلك: بأن سؤال النبي «صلى الله عليه وآله» له عن كونه قد تزوج أو لا، واعتذاره لتزوجه ثيباً بأنه قد لاحظ حال أخواته، اللواتي تركهن له أبوه المستشهد في أُحد يدل على أنه إنما تزوج بعد مقتل أبيه في أُحد، ولم يؤخر ذلك إلى غزوة تبوك.

إلا أن يقال: إنه قد يكون تزوج أكثر من مرة، وتكون مشكلة أخواته موجودة في المرتين، أو يكون قد تأخر زواجه طيلة هذه المدة، وإن كان ذلك بعيداً.

القيمة الحقيقية لهذا الحدث:

وإننا حين نراجع قصة جمل جابر، فإننا نجد فيها:

1 ـ ملامح غنية من الخلق الرفيع لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، لما انطوت عليه من لطف ورقة، ومحبة وأريحية ظاهرة، تظهر لنا: أن علاقاته «صلى الله عليه وآله» بأصحابه إنما كانت من منطلق الحب والعطف والصفاء والمودة، مع إجلال منهم له وإكبار، وتقديس.

2 ـ إننا نجد الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله» في هذه القصة ـ كما هو في غيرها ـ يعيش آلام الآخرين، ويشاركهم الشعور بها. وقد كان والد جابر بن عبد الله قد استشهد في حرب أحد، وأصبح جابر هو المسؤول عن الأسرة بعد أبيه، وكان عليه أن يختار للزواج امرأة تستوعب وتتفهم الواقع الذي استجد نتيجة لذلك، وتشاركه في معالجته بأحسن وجه وأتمه.

وقد ظهرت رقة حال جابر، من الجهة المالية والمعيشية، في أن الجمل الذي أعده لهذه الأسفار البعيدة والشاقة كان من الضعف بحيث أصبح في آخر الركب.

ولم يكن الرسول «صلى الله عيه وآله» بالذي يغفل عن تفقد حال أصحابه، والوقوف عليها عن كثب ليشاركهم حياتهم حلوها ومرها.

وها هو يجد جابراً على جمله الضعيف المكدود في آخر الركب.

3 ـ إن من الملاحظ: أن الرسول «صلى الله عليه وآله» كان يسير مع الناس، وفي أواخرهم أحياناً، فيعرف حال أصحابه في مسيرهم ذاك بصورة أتم وأوفى. ولم يكن ليقتصر على حملة الأخبار إليه «صلى الله عليه وآله»، فكان يندفع للتعرف على الأمور بنفسه، ومن دون أي وسطاء، ربما تؤثر التوجهات السياسية والارتباطات الاجتماعية وغيرها على مستوى دقتهم، واستيعابهم لسائر الخصوصيات التي يكون الوقوف عليها مفيداً بل وضرورياً في كثير من الأحيان.

هذا كله: لو فرض أن هؤلاء النقلة على درجة من الحيطة الدينية والورع والصفاء، والوفاء. وقد لا يكون الكثيرون منهم كذلك بالفعل.

4 ـ قد لاحظنا: أن النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» قد دخل مع جابر ـ بأسلوب رضي وسليم ـ إلى حياته الخاصة، بل وإلى أعماقها، فعرف السر الذي لأجله أقدم جابر على التزوج بامرأة ثيب.

وعرف ما يعاني منه جابر من ضغط الظروف، وما يتحمله من مسؤولية نجمت عن فقد أبيه ووجود أخواته السبع.

ثم عرف أيضاً: أن جابراً لا يملك شيئاً من النمارق، أو غيرها مما يتنعم به المتنعمون.

ثم إنه «صلى الله عليه وآله» لم يترك توصية جابر بأن يعمل عملاً كيساً، يتسم بالعقلانية والتدبير.

كما أنه قد أفسح في آماله وطموحاته حينما أخبره: أن حالته لسوف تتغير، وتتحسن من الناحية المعيشية، ولسوف يملك حتى النمارق في المستقبل، وما عليه من أجل الحصول على ذلك، والوصول إليه إلا أن يعمل عملاً كيساً.

5 ـ إن عرض النبي «صلى الله عليه وآله» على جابر شراء بعيره بطريقة فيها نوع من المداعبة له، ليفتح قلبه، وليسقط حواجز الرهبة لديه، إنما أراد أن يجعل منه ذريعة لإيصال مال إليه، يستعين به على مصاعب الحياة، وعلى إحداث تغيير أساسي فيها، ولكن بطريقة لا تبقي مجالاً للتساؤل ولا للاعتراض من أحد، بخلاف ما لو بادر إلى تقديم هذا المال إلى جابر دون مبرر ظاهر.

6 ـ ولا نريد أن نترك الحديث عن هذه القضية دون الإلماح إلى أن ذلك يعطينا درساً دقيقاً ورائعاً عن طبيعة العلاقات التي تربط بين القائد والرعية؛ فهي ليست علاقات السيد والمسود، والأمير والمأمور، أو القوي والضعيف أو ما إلى ذلك.

وإنما هي علاقات الإنسان بالإنسان من خلال الإحساس بالمسؤولية والواجب الإلهي والإنساني.

ونزيد ذلك توضيحاً حين نقول: إن سلوك النبي «صلى الله عليه وآله» هذا من جهة ذاته ليس تواضعاً منه ولا هو إحسان وتفضل فقط، وإنما هو مقتضى إنسانيته الكاملة وهو عمل بواجبه الإلهي، والإنساني، وإن كان من جهة قياسه بما هو خارج عن مقام ذاته يعد من التواضع والإحسان والتفضل في أعلى درجاتها، وأوضح تجلياتها.

وفقنا الله للسير على هدى النبوة، والتأسي برسوله الأكرم الأعظم «صلى الله عليه وآله».

كرامة وتكريم:

قال الواقدي: وحدثني إسماعيل بن عطية بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال:

لما انصرفنا راجعين([96])؛ فكنا بالشُّقرة، قال لي رسول الله «صلى الله عليه وآله»: يا جابر ما فعل ديَن أبيك؟!

فقلت: عليه، انتظرت يا رسول الله أن يجذَّ نخله.

قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: إذا جذذت فأحضرني.

قال: قلت: نعم.

ثم قال: من صاحب دين أبيك؟

فقلت: أبو الشحم اليهودي له على أبي سقة (جمع وسق) تمر.

فقال لي رسول الله «صلى الله عليه وآله»: فمتى تجذها؟

قلت: غداً.

قال: يا جابر، فإذا جذذتها فاعزل العجوة على حدتها، وألوان التمر على حدتها.

قال: ففعلت، فجعلت الصيحاني على حدة، وأمهات الجرادين على حدة، والعجوة على حدة، ثم عمدت إلى جماع من التمر، مثل نخبة، وقرن، وشقحة، وغيرها من الأنواع، وهو أقل التمر، وجعلته حبلاً واحداً، ثم جئت رسول الله «صلى الله عليه وآله» فخبرته، فانطلق رسول الله «صلى الله عليه وآله» ومعه عِلية أصحابه، فدخلوا الحائط وحضر أبو الشحم.

قال: فلما نظر رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى التمر مصنفاً، قال: اللهم بارك له.

ثم انتهى إلى العجوة؛ فمسها بيده وأصناف التمر، ثم جلس وسطها، ثم قال: ادع غريمك. فجاء أبو الشحم.

فقال: اكتل.

فاكتال حقه كله من حبل واحد وهو العجوة، وبقية التمر كما هو.

ثم قال: يا جابر، هل بقي على أبيك شيء؟

قال: قلت: لا.

قال: وبقي سائر التمر؛ فأكلنا منه دهراً، وبعنا، حتى أدركت الثمرة من قابل، ولقد كنت أقول: لو بعت أصلها ما بلغت ما كان على أبي من الدين الخ..([97]).

مع الحدث في دلالاته وخصوصياته:

وفي وقفة قصيرة مع هذا الحدث نلمح باختصار شديد إلى النقاط التالية:

1 ـ إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا ينسى أولئك الصفوة الأبرار، الذين استشهدوا في سبيل الله سبحانه، فيسعى لحل العقد والمشكلات التي ربما تكون لا تزال عالقة، وبحاجة إلى حل.

فها هو يريد إبراء ذممهم من حقوق الناس وديونهم ما وجد إلى ذلك سبيلاً، لكي تطيب سمعتهم ويذكرهم الناس بالإجلال والإكبار، ومن دون أي حزازة، أو غضاضة.

ثم لتطيب نفوس أبنائهم، وأقاربهم، ويزول شعورهم بالحرج أمام الناس وفي أنفسهم، حتى يواجهوا انفراجاً في حالتهم المعيشية، التي تتسم بشيء من الضيق والصعوبة.

2 ـ رغم أن ذلك الدائن لعبد الله والد جابر كان رجلاً من اليهود، إلا أننا لم نجد تردداً من النبي «صلى الله عليه وآله» في أمر إرجاع المال إليه، ولا أخذ بنظر الاعتبار مواقف اليهود الحاقدة على الإسلام وعلى المسلمين، ومؤامراتهم وكيدهم، والتي كان ولا يزال هو والمسلمون يعانون منها.

وقد يكون من أسباب ذلك ـ بالإضافة إلى أن هذا هو حكم الإسلام، وهذه هي أخلاقياته، حتى مع أعدى أعدائه، وهو ينطلق في ذلك مما يملكه من قيم ومبادئ إنسانية وإلهية سامية ومقدسة ـ هو:

أنه يريد بذلك أن يقيم حركة التعامل فيما بين الناس على أسس وضوابط ثابتة، يمكن للناس أن يعتمدوا عليها، ويرجعوا إليها وأن يطمئنوا إلى هذا الثبات فيها ليمكنهم التحرك الفاعل والمؤثر بالفعل، والتخطيط لبناء الحياة في المستقبل. إذ بدون هذا الثبات، ومن دون وضوح ضوابط التعامل، فإن الحياة تصبح قلقة، وغير مشجعة على القيام بمبادرات ذات طابع حيوي وشمولي.

3 ـ إن والد جابر قد استشهد في حرب أحد، وكانت هذه القضية قد جرت حين رجوع النبي «صلى الله عليه وآله» من غزوة ذات الرقاع التي كانت بعد الحديبية، حسبما أثبتناه فيما سبق.

ومعنى ذلك هو: أنه قد مضت عدة سنوات، ولم يستطع جابر أن يقضي دين أبيه، ولعله قد قضى شطراً من ذلك الدين في السنوات والمواسم السابقة.

نعم، تمضي عدة سنوات، ولا ينسى النبي «صلى الله عليه وآله» ذلك الدين، الذي لم يستطع جابر أن يتخلص منه، ولم تسنح الفرصة بعد لرسول الله «صلى الله عليه وآله» أيضاً للمبادرة إلى ذلك!

4 ـ إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد قبل أن يكون وفاء دين عبد الله من نفس النخلات التي كانت له، ولم يبادر إلى تقديم أية ضمانة في أن يتم وفاؤها من بيت مال المسلمين. إذ إن عبد الله كان قد استفاد من ذلك المال، ولديه ما يمكن الاعتماد عليه في وفاء ذلك الدين. واستشهاده لا ينقل هذا الحق عن ماله ليصبح حقاً على بيت مال المسلمين.

5 ـ إن طريقة وفاء دين عبد الله قد أخذت صفة الكرامة الإلهية من الله لرسوله «صلى الله عليه وآله»، حينما ظهرت البركة في التمر، حتى ليقول جابر، بعد أن استوفى ذلك اليهودي حقه من خصوص العجوة التي هي أفضل أنواع التمر:

«وبقي سائر التمر؛ فأكلنا منه دهراً وبعنا، حتى أدركت الثمرة من قابل، ولقد كنت أقول: لو بعت أصلها ما بلغت ما كان على أبي من الدين».

6 ـ ونلفت النظر هنا إلى أن طريقة تعامل النبي «صلى الله عليه وآله» مع هذه القضية تشير إلى أنه «صلى الله عليه وآله» كان يخطط لإظهار هذا الأمر، بطريقة تجسيد الواقع. حيث نجد أنه «صلى الله عليه وآله» قد خطط ليكون الحدث في البستان نفسه، ولم يقنع بأن يؤتى بالثمرة إلى البيت.

ثم هو يأمره بتقسيم التمر كل قسم على حدة.

ثم هو يلمس العجوة بيده الشريفة، وكذا سائر الأنواع.

ثم يجلس في وسط التمر..

بالاضافة إلى: أنه لا يأتي وحده، بل يأتي ومعه علية أصحابه، وليس خصوص الأشخاص العاديين منهم. ثم يشهد الجميع هذا التكريم لجابر، ويشهدون هذه الكرامة الإلهية التي أظهرها الله على يد رسوله «صلى الله عليه وآله».

إلى غير ذلك من دروس وعبر يمكن استفادتها من هذا الحدث. فصلى الله على رسوله وعلى الأئمة الميامين من آله وسلم تسلمياً كثيراً.

رحمة الله بعباده:

وفي هذه الغزوة أيضاً جاء رجل بفرخ طائر فأقبل أحد أبويه حتى طرح نفسه بين يدي الذي أخذ فرخه، فعجب الناس من ذلك.

فقال «صلى الله عليه وآله»: أتعجبون من هذا الطائر؟ أخذتم فرخه، فطرح نفسه رحمة لفرخه. والله، لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه([98]).

وما يلفت في هذه الرواية ـ على تقدير صحتها، ولا نرى داعياً للوضع فيها ـ هو أننا نجده «صلى الله عليه وآله» يستفيد حتى من مناسبة كهذه ليقوم بدوره في تعريف أصحابه على أمر يلزمهم أن يعرفوه بعمق وصفاء. وذلك من خلال الاستفادة من أسلوب التجسيد الظاهر للحقيقة التي يراد اطلاعهم عليها، وإقناعهم بها. حيث يكون ذلك أوقع في النفس مما لو اكتفى بأسلوب التعليم النظري والمجرد، خصوصاً إذا أدركنا: أن هذا التجسيد قد ترك أثره النفسي فيهم، وأثار فيهم انفعالات ظهرت على شكل تعجب من رحمة ذلك الطائر بولده، فكان لا بد من الاستفادة من هذه الحالة النفسية وتوظيفها لصالح الإدراك الشعوري بالحقيقة التي يراد لهم لمسها، بروحهم وبمشاعرهم بالدرجة الأولى، ثم بعقلهم في مرحلة لاحقة.

النبي يعالج ابن الأعرابية:

وروي: أنه في هذه الغزوة جاءت امرأة بدوية بابنها إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فقالت له: يا رسول الله، هذا ابني قد غلبني عليه الشيطان، ففتح فاه فبزق فيه، وقال: اخسأ عدو الله أنا رسول الله.

ثم قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» لها: شأنك بابنك، لن يعود إليه شيء مما كان يصيبه. فكان كذلك([99]).

وذكرت هذه القصة في غزوة المريسيع أيضاً([100]) التي ستأتي في حوادث السنة السادسة.

ونقول:

1 ـ إن هذه الأعرابية قد جاءت بولدها إلى النبي «صلى الله عليه وآله» ليداويه لها. منساقة في ذلك بدافع من إحساسها الفطري بما لرسول الله «صلى الله عليه وآله» من قداسة وطهر، وكرامة على الله سبحانه، وبأنه مصدر للبركات والكرامات.

وقد استجاب «صلى الله عليه وآله» لها، وعالج ولدها بطريقة تكرس هذا الشعور لديها، ولدى كل من حضر وعاين ما يجري، حيث تفل في فم ولدها، وأخبرها بالنتيجة بصورة قطعية.

وذلك يكذب ما يريد البعض أن يدعيه من أنه صلى الله عليه وآله مجرد طارش ورسول، أبلغ الناس رسالة وانتهى، ولا شيء سوى ذلك.

ثم يقولون: إن القداسة إنما هي لرسالته وليست له، فلا داعي للغلو فيه، ولا للتبرك بآثاره.

2 ـ إن ذلك يشير أيضاً: إلى أن على الناس أن يعوا: أن للأمور المعنوية والروحية دورها في دفع البلايا التي يتعرض لها الإنسان كما أن عليهم أن يؤمنوا بأن ما يعتري الإنسان من أعراض وأمراض، ليس كله ناشئاً عن تحولات مادية فيه، ولا يمكن تفسيره كله على هذا الأساس. فإن هناك قوى خفية تشارك أيضاً في التأثير في حياة الإنسان وفي سلامته. وإن معالجة آثار تصرفاتها لا يكون من خلال الوسائل المادية في أحيان كثيرة، بل لا بد من وسائل أخرى قد لا يؤمن بها كثير من الماديين.

كرامة أخرى لرسول الله :

ويذكر المؤرخون في حوادث هذه الغزوة: أن رجلاً جاء للنبي «صلى الله عليه وآله» بثلاث بيضات من بيض النعام، فقال «صلى الله عليه وآله» لجابر: دونك يا جابر، فاعمل هذه البيضات.

قال جابر: فعملتهن، ثم جئت بهن في قصعة، فجعلنا نطلب خبزاً، فلم نجد، فجعل «صلى الله عليه وآله» وأصحابه يأكلون من ذلك البيض بغير خبز، حتى انتهى كل إلى حاجته، أي إلى الشبع، والبيض في القصعة كما هو([101]).

وذكرت هذه القصة في غزوة المريسيع([102]).

ونقول:

وفيها أيضاً: كرامة ظاهرة لرسول الله «صلى الله عليه وآله». وربما يكون ظهور هذه الكرامات ضرورياً من أجل أن لا يغتر المسلمون بأنفسهم، فيرون: أن ما يحققونه من انتصارات على أعدائهم، ثم ما يحصلون عليه من مكاسب، مادية، ومعنوية، وشوكة، ونفوذ، على مستوى المنطقة بأسرها، إنما كان بالدرجة الأولى بسبب هذه الألطاف الإلهية، التي يشملهم الله بها، وليس التأثير مقتصراً على قدراتهم الذاتية، وحسن تدبيرهم في الاستفادة منها في الوقت المناسب، وفي المحيط المناسب.

ومن جهة ثانية، فإن من الواضح: أن وجود النبي «صلى الله عليه وآله» بين ظهرانيهم، لا ينبغي أن يؤثر على نوع ومستوى العلاقة التي يجب أن تحكم نظرتهم إليه «صلى الله عليه وآله».

فلا يجوز أن يعتادوا عليه، إلى درجة أن يصبح رجلاً عادياً فيما بينهم، بل لا بد من الاحتفاظ بذلك الشعور العفوي لديهم والذي يؤكد على ارتباطه «صلى الله عليه وآله» بالغيب، بالمصدر الأول جل وعلا..

فتأتي هذه الكرامات لتحدث التصحيح في مسار تعاملهم معه ونظرتهم إليه؛ لأن هذا التصحيح ضروري، ولا بد منه، إذا أريد لكل كلمة وموقف منه «صلى الله عليه وآله» أن يحدث الأثر العميق والدقيق في روح الإنسان، وفي مشاعره، وفي سلوكه، فضلاً عن أن يحدث التغيير الجذري في تكوينه الفكري والعقيدي بصورة عامة.

ولأجل ذلك قلنا: إن ظهور هذه الكرامات كان ضرورياً من فترة لأخرى حسبما تقتضيه المصلحة الإيمانية والإسلامية في مختلف المجالات، وعلى جميع المستويات. وهذا واضح لا يكاد يخفى على أحد.

جمل يستعدي على صاحبه:

وفي هذه الغزوة أيضاً ـ كما يقولون ـ: جاء جمل حتى وقف عنده «صلى الله عليه وآله» ورغا، فأخبر النبي «صلى الله عليه وآله» أصحابه بأن هذا الجمل يستعديه على سيده، (يزعم: أنه كان يحرث عليه منذ سنين، وأنه أراد أن ينحره) وقال «صلى الله عليه وآله»:  إذهب يا جابر إلى صاحبه، فأت به.

قال جابر (رض): فقلت: لا أعرفه.

قال: إنه سيدلك عليه.

قال جابر: فخرج بين يدي حتى وقف على صاحبه، فجئته به، فكلمه «صلى الله عليه وآله» في شأن الجمل([103]).

ونقول:

قد ذكرت هذه القصة أيضاً في غزوة بني المصطلق (المريسيع)([104]).

ونحن نسجل هنا النقاط التالية:

1 ـ قد ذكرت هذه الرواية: أن الناس كانوا يحرثون على الإبل في ذلك الزمان ولا ندري مدى صحة ذلك.

2 ـ إن هذه الرواية تؤكد ما ورد في الروايات المتواترة، التي قد تعد بالمئات، وتؤكد على ما للحيوانات من حقوق يلزم مراعاتها، والالتزام بها. وقد ألف سماحة العلامة الحجة الشيخ علي الأحمدي «رحمه الله» كتاباً قيماً لم يطبع بعد، ولنا في هذا المجال كتاب باسم «حقوق الحيوان في الإسلام» فيمكن الرجوع إليه..

معرفة النبي بلغات البشر، والحيوان والجماد، والشجر:

3 ـ قد أوضحت هذه الرواية: ودلت الروايات الكثيرة غيرها على أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يعرف ألسنة الحيوانات عموماً. وقد فهم ما قاله الجمل، الذي جاء إليه «صلى الله عليه وآله» ليشتكي سيده الذي كان يحرث عليه منذ سنين، والآن يريد أن ينحره الخ..

ونجد في كتب الحديث والتاريخ الشيء الكثير مما يتحدث عن كرامات لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، منذ ما قبل بعثته، وحتى وفاته، مثل تسليم الحجر والشجر عليه «صلى الله عليه وآله»، وتسبيح الحصى في كفيه.

وكذلك امتثال الشجر أوامره، وشهادته له، ومجيء الشجرة إليه لتظله، وتسلم عليه، وتأمين أسكفة الباب، وحوائط البيت على دعائه، وتسبيح الطعام بين أصابعه.

وإخبار الشاة له بأنها مسمومة وشكوى البعير له قلة العلف، وكثرة العمل.

وشكوى بعض الطيور له «صلى الله عليه وآله» أخذ بيضه أو فراخه، وسجود البعير والغنم له وتكليم الحمار له، وشهادة الجمل عنده: أنه لصاحبه الأعرابي دون من ادعاه، وسؤال الظبية أن يخلصها لترضع ولدها وتعود، وغير ذلك([105]).

ومن جهة ثانية: فقد دلت النصوص الكثيرة على أنه «صلى الله عليه وآله» كان يعرف لغات البشر أيضاً، وقد تكلم بعدد منها في مناسبات عديدة([106]).

سؤالان يحتاجان إلى جواب:

1 ـ السؤال الأول:

والسؤال الذي يواجهنا بادئ ذي بدء هو:

هل إن هذه القضايا وكثيراً غيرها مما زخرت به المجاميع الحديثية والتاريخية، وغيرها، لا بد من تصنيفها في عداد الكرامات والمعجزات، وخوارق العادات، التي تهدف إلى مواجهة الإنسان المكابر أو الشاك بالصدمة التي توصد أمامه كل أبواب التملص والتخلص، والتجاهل للواقع، ودلائله الظاهرة، وأعلامه الباهرة، وحججه القاهرة؟!.

أم أن الأمر يتعدى ذلك ليصب في خانة تجلي السنن والنواميس الحقيقية التي تحكم المسار العام فيما يرتبط بتبلور الشخصية القيادية الواقعية في نطاق هيمنة هذه القيادة على المسار الواقعي العام، من خلال تلك النواميس، وعلى أساسها؟!

علماً بأن ذلك لا يقلل من قيمة تلك الكرامات والمعجزات، بل هو يجليها بصفتها ضرورة حياتية في نطاق الهداية الإلهية التامة على أساس نواميس الواقع ومقتضياته.

2 ـ السؤال الثاني:

وثمة سؤال آخر نعرض له هنا، وهو:

أنه إذا كان النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» يعرف جميع اللغات؛ فلماذا يصر على مراسلة عظيم فارس، وعظيم الروم وملك الحبشة، والمقوقس، وغيرهم بخصوص اللغة العربية؟!

وهل ثمة خلفيات سياسية، أو تشريعية دينية أو غيرها وراء هذا التمسك باللغة العربية؟!

وأكثر من ذلك: أننا نجد الإسلام لا يرضى في عباداته، وفي موارد معينة أخرى بغير اللغة العربية. فلا تصح الصلاة مثلاً باللغات الأخرى، من أي كان من الناس: العربي، والرومي، والحبشي، والفارسي، وغيرهم. فما هو السر والدافع إلى هذا الإلزام والالتزام، يا ترى؟!.

الإجابة والتوضيح:

ونحن في مقام الإجابة على هذين السؤالين، نقدم الحديث والإجابة على ثانيهما؛ فنقول:

1 ـ الإجابة على السؤال الثاني:

إنه يفترض في كل حضارة تستهدف إحداث تغييرات حقيقية وجذرية في المجالات الحياتية المتنوعة من سياسية واقتصادية، واجتماعية، وفكرية، وغيرها وحتى في بنـاء الشخصية الإنسانيـة، والتـأثير والتغيير في مشـاعـر الإنسان، وأحاسيسه، وعواطفه، فضلاً عن خصائصه ومزاياه، وكل وجوده،

نعم.. إنه يفترض في هكذا حضارة أن تفرض على الشعوب والأمم التي تريد أن تحيا في ظلها هيمنة فكرها، وثقافتها، وأن تزرع فيها مصطلحاتها وتعابيرهـا الخـاصة بهـا، ذات الإيحـاءات والمداليـل المعينة والهادفة، وتنفذ من خلال هذه المصطلحات وعلى أساس ذلك الفكر، وبروافد من تلك الثقافة إلى مناطق اللاوعي في الأحاسيس والمشاعر، وفي القلوب والضمائر لتلك الأمم والشعوب. وتتغلغل في أعماقها؛ لتصبح جزءاً لا يتجزء من وجودها، ومن شخصيتها، ومن كيانها العتيد.

بل لقد رأينا: أنه حتى الدول لا تألو جهداً في فرض لغتها، وعاداتها، ومفاهيمها على الشعوب التي تهيمن عليها.

وإذا كـان الله سبحانه قـد أرسـل نبيه إلى جميع الأمم فلا بـد ـ والحالة هذه ـ من أن تهيمن لغة القرآن، وثقافة الإسلام والإيمان على العالم بأسره. لأن القرآن كتاب العالم، ودستور البشرية جمعاء، ولعل هذا هو الذي يفسر لنا بعض ما ورد في الحث على تعلم اللغة العربية وتعليمها فراجع.

2 ـ الإجابة على السؤال الآخر:

أما الإجابة على السؤال الآخر، وهو أول السؤالين المتقدمين، فإننا نقول:

هناك معجزات وكرامات في اتجاهات ثلاثة:

الأول: من الواضح: أن هناك معجزات قد ظهرت للنبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» وللأنبياء السابقين، وكذلك للأوصياء، حينما كانوا يواجهون التحدي الوقح من أهل الشرك والعناد؛ بحيث لو لم تظهر المعجزة، أو الكرامة لاستطاع أولئك الشياطين أن يثيروا الشبهات المضعفة للدعوة؛ والموجبة لزعزعة درجة الطمأنينة والوثوق لدى كثير ممن آمن بها واطمأن إليها، أو يحدث نفسه بذلك.

فتأتي المعجزة لتثبت أولئك، وتشجع هؤلاء، ولتسحق أيضاً كبرياء المستكبرين، وتكسر شوكتهم، ويكون بها خزي المعاند، وبوار كيد الماكر والحاقد.

الثاني: وثمة معجزات وكرامات، وخوارق عادات أكرم الله بها أنبياءه وأولياءه تشريفاً لهم، وتجلة وتكريماً، وإعزازاً لجانبهم. وقد يستفيد منها المؤمن القوي سمواً ورسوخَ قدم في الإيمان، ويتثبت بها ضعيف الإيمان، فيزداد بصيرة في الأمر، وتسكن نفسه، ويطمئن قلبه، على قاعدة قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي([107]).

وعلى قاعدة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا([108]).

الثالث: ذلك القسم الذي ظهر فيه: أنه يتعامل فيه مع المخلوقات من موقع المدبر، والراعي، والحافظ لها، من موقع أنها جزء من التركيبة العامة، حيث لا بد من التعامل معها على هذا الأساس.

وهذا القسم الأخير هو الذي يعنينا البحث عنه هنا.

فنقول:

إن الله سبحانه قد أراد لهذا الإنسان أن يدخل إلى هذا الوجود، ليقوم بدور هام فيه. وقد اختار الله له هذه الأرض ليتحرك عليها، وينطلق فيها ومنها.

وكان عليه أن يستفيد ممـا خولـه الله إيـاه من طـاقـات وإمكـانـات لإعمارها، وبث الحياة فيها، بل والهيمنة والتسلط على كل ما في هذا الكون، وتسخيره، والاستفادة مما أودعه الله فيه من طاقات وقدرات، من خلال تفعيل نواميسه الطبيعية وإثارة دفائنه وكوامنه وتوظيفها في مجالات البناء الإيجابي، والصحيح، الذي يسهم في إسعاد هذا الإنسان، وفي تكامله، ونموه المطرد في مختلف جهات وجوده، حتى في جوانبه النفسية والروحية، والفكرية، والعقيدية، فضلاً عن النواحي الأخرى، من اجتماعية واقتصادية وغيرها.

كل ذلك وفقاً للخطة المرسومة في نطاق التربية الربانية، والإعداد والمواكبة المستمرة لهذا الإنسان في تحركه نحو الأهداف الإنسانية والإلهية السامية والنبيلة العليا، وهو دائب الكدح إلى الله، ومن أجله وفي سبيله، لا غير، وليس إلا.

﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ..([109]).

ولكي يتضح ما نرمي إليه بصورة أوفى وأصفى، نذكر هنا آيات قرآنية أشارت إلى أن جميع ما في هذا الكون مسخر للبشر.

وآيات أخرى، تتحدث عن وجود درجة من الشعور والإدراك لدى المخلوقات، من حيوانات وغيرها.

بالإضافة إلى نماذج من التعامل الإيجابي وآفاقه، وما يترتب على ذلك، فنقول:

تسخير المخلوقات للإنسان في الآيات القرآنية:

لقد أشارت الآيات القرآنية إلى تسخير الموجودات للإنسان، ويتضح ذلك بالتأمل في الآيات التالية:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..([110]).

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً..([111]).

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ..([112]).

﴿..وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ، وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُم مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا..([113]).

﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأكُلُواْ مِنْهُ لَحماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا..([114]).

الشعور والإدراك لدى المخلوقات:

ثم إن الإنسان يريد أن يتعامل مع كون ليس جماداً بقول مطلق، وإنما كل الموجودات فيه تمتلك درجة من الشعور والإدراك، وإن كنا لا نعرف كنهه ولا حدوده.

وقد تحدث القرآن عن السماوات، والأرض، والجبال والطير وكل الموجودات، بطريقة تركز هذا المعنى، وتدفع أي تشكيك أو ترديد فيه. فلنقرأ معاً الآيات التالية:

قال تعالى مخاطباً نبيه موسى «عليه السلام»: ﴿..قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً..([115]).

وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً([116]).

وقال سبحانه عن داود: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ([117]).

وقال في آية أخرى عن داود أيضاً: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ..([118]).

والمراد بالتأويب ترجيع التسبيح على ما يظهر.

وقال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ([119]).

وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ([120]).

وقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً([121]).

وتسبيح ما في السماوات والأرض، مذكور في عدة آيات([122]).

وقال سبحانه: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ الله([123]).

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ([124]).

وقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ([125]).

فكل ما تقدم يشير بوضوح: إلى أن هذه المخلوقات تملك حالة شعورية وإدراكية معينة، وليست مجرد جمادات أو حيوانات خاوية من ذلك بصورة نهائية.

وهذا ما يفسر لنا: أننا نجد أن الله قد تعاطى معها بطريقة تكرس هذا الفهم، وترسخه، ولا تبقي مجالاً لأي تشكيك أو ترديد فيه.

نماذج حية من تسخير الموجودات العاقلة:

فإذا كان الله سبحانه قد سخر المخلوقات لهذا الإنسان، واتضح أن هذه المخلوقات تمتلك صفة الشعور والإدراك، ولها أعمال عقلانية ومرتبطة بالشعور ومستندة إليه فإننا نذكر هنا نموذجاً قرآنيا حياً، وواقعياً لهذا التسخير تجلت فيه طريقته، وأبعاده ومجالاته بصورة ظاهرة. حيث ذكرت الآيات أن الله سبحانه قد سخر الريح، والطير، والجبال، والجن لسليمان وداود «عليهما السلام». بالإضافة إلى هيمنتهما بدرجة ما على نواميس الطبيعة التي تفيد الهيمنة عليها في تحقيق الغايات التي يتم السعي لها، والتحرك باتجاهها، كما أشار إليه الله سبحانه حين تحدث أنه تعالى قد ألان الحديد لداود.

فلنقرأ ذلك كله في الآيات التالية:

قال تعالى: ﴿.. وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ، وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ([126]).

﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ([127]).

وقال تعالى عن سليمان: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ([128]).

قصة سليمان وداود نموذج فذ:

وإذا راجعنا سورة النمل، فإننا نجد فيها نماذج فذة عن تعاطي سليمان وداود مع ما آتاهما الله سبحانه في هذا المجال. وأول ما يواجهنا في الحديث عنهما «عليهما السلام» هو أنه تعالى قد وفر لهما الأدوات الضرورية للتعامل مع هذه المخلوقات في نطاق رعايتها وهدايتها وتوجيهها. فنجدها تبدأ الحديث بأن الله قد آتاهما علماً، وعُلِّما منطق الطير، وأوتيا من كل شيء، ثم ذكرت الآيات نماذج تطبيقية لهذا العلم، وللمعرفة بجميع الألسنة، ثم لتأثير ما آتاه الله سبحانه في إدارة الأمور، وتوجيهها ورعايتها والهيمنة عليها بصورة حيوية وبناءة وإيجابية، لا تأتي إلا بالخير، ولا تؤدي إلا إلى الفلاح.