الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ 1425 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

 

الجزء الحادي عشر

 

المركز الإسلامي للدراسات

بسم الله الرحمن الرحيم

  

الفصل السابع:

 

معنويات الجيشين، والرعب والخوف أيام الحصار

الحالة المعنوية لجيش الأحزاب:

لقد حاصر المشركون المسلمين في المدينة مدة طويلة، سنتحدث عنها في الفصل التالي. ولا شك في أن جيش الشرك كان مطمئناً إلى أنه سوف يحقق في مسيره ذاك لحرب المسلمين نتائج طيبة ومثيرة وربما حاسمة، وذلك استناداً إلى ذلك الحشد الهائل الذي استطاع أن يوفره، والذي لم يسبق له مثيل.

ثم فوجئ بالخطة الدفاعية التي اعتمدها المسلمون في المواجهة، ولكنه لم يفقد الأمل، وحرص على متابعة الإعداد والاستعداد، بحمله بني قريظة على نقض العهد، وذلك على أمل أن يجد الوسيلة لتجاوز عقدة الخندق، للتوصل إلى المواجهة الحاسمة التي كان يأمل.

فكان من الطبيعي: أن نجد جيش الأحزاب يتظاهر بالأنفة والشموخ والعنجهية، والاستعلاء والفرح.

قال ابن شهرآشوب: «كان الكفار على الخمر، والغناء، والمدد، والشوكة»([1]).

وكيف لا يكونون كذلك، وهم يرون أنفسهم في موقع من يحاصر أعداءه، ويضيق عليهم الخناق. ويتسبب لهم بالمزيد من الألم والأذى والخوف والرعب، مع ما يعانون من جوع وحاجة، وشدة.

وإن كان فيما بعد ـ وبعد قتل علي لطليعة فرسانهم ـ انقلب السحر على الساحر كما سنرى.

وما يهمنا هنا هو بيان حالة المسلمين في مواجهة الأحزاب فنقول:

المسلمون في مواجهة الأحزاب:

قد تحدث القرآن عن حالة المسلمين بصورة عامة في يوم الأحزاب، وتحدث عن حالات المنافقين ومواقفهم وأساليبهم في هذه المناسبة، وذكر أيضاً حالة أهل الإيمان والإخلاص، وميَّزهم عن غيرهم.

ونحن نذكر هنا: الآيات التي تعرضت للفرقاء الثلاثة فنقول:

الحالة العامة:

لقد كان ثمة حالة من الخوف والرعب تهيمن على الأجواء العامة للمسلمين، الذين لم يستحكم الإيمان في نفوسهم وقلوبهم حتى زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجَنَّةَ وَلمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذِينَ خَلوْاْ مِن قَبْلكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلزِلُواْ حَتَّى يَقُول الرَّسُولُ وَالذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ([2]).

حيث يذكر المفسرون: أن هذه الآية قد نزلت يوم الأحزاب وقيل: نزلت في أحد([3]).

وقد زاد هذا الخوف والرعب باستمرار الحصار، وظهور بعض المناوشات. وقد أشار الله سبحانه إلى ذلك، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَليْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلنَا عَليْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾.

وقال تعالى: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا، هُنَالكَ ابْتُليَ المُؤْمِنُونَ وَزُلزِلُوا زِلزَالاً شَدِيداً([4]).

يقين أهل الإيمان:

أما عن خصوص الثلة المؤمنة الصابرة المجاهدة، فإنهم كانوا مطمئنين إلى نصر الله تعالى لهم على أعدائهم. دون أدنى شك أو ريبة منهم، فقد قال تعالى: ﴿وَلمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَاناً وَتَسْليماً، مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَليْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً، ليَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَليْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً([5]).

حالة المنافقين:

أما المنافقون: فإنهم ما زالوا منذ البداية يشككون في قدرة المسلمين على المواجهة، وقد تقدم أنهم حين حفر الخندق أظهروا نفاقهم الذي رافق جميع مراحل المواجهة وقد حكى الله تعالى ذلك عنهم، فقال:

﴿وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً، وَإِذْ قَالت طَائِفَةٌ مِنهُمْ يَا أَهْل يَثْرِبَ لا مُقَامَ لكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلا فِرَاراً، وَلوْ دُخِلتْ عَليْهِم مِن أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيراً، وَلقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولاً

قُل لن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِن المَوْتِ أَوِ القَتْل وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَليلاً

قُل مَن ذَا الذِي يَعْصِمُكُم مِن اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لهُم مِن دُونِ اللهِ وَليّاً وَلا نَصِيراً

قَدْ يَعْلمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالقَائِلينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِليْنَا وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ إِلا قَليلاً، أَشِحَّةً عَليْكُمْ فَإِذَا جَاء الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِليْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالذِي يُغْشَى عَليْهِ مِنَ المَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلقُوكُم بِأَلسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُوْلئِكَ لمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالهُمْ وَكَانَ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيراً

يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلوْ كَانُوا فِيكُم مَا قَاتَلُوا إِلا قَليلاً﴾([6]).

النصوص التاريخية:

قد ظهر من الآيات الشريفة: أن ما كان يثيره المنافقون من شائعات، وما كانوا يتخذونه من مواقف، قد أثَّر على الحالة العامة، وأسهم في إثارة مشاعر الخوف التي كانت متحفزة، بسبب ما يرونه من حشود هائلة، وبسبب الحصار الذي يعانون منه وترافق مع الحاجة الملحة، الأمر الذي بث روح الإنهزام، والتخاذل والتردد فيما بين ضعفاء النفوس، وقليلي التدبر.

وقد حملت لنا النصوص التاريخية بعض التفاصيل، التي يحسن الوقوف عندها، إلى جوانب أخرى يحسن الإلمام بها والإطلاق عليها، والإستفادة منها.

ونحن نذكر هنا: بعضاً من ذلك ولا نصرف النظر عن جميع ما لدينا من ملاحظات وتحفظات، بل نذكر بعضاً من ذلك، حسبما يقتضيه المقام، فنقول:

عن جابر بن عبد الله، قال: كان خوفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش، حتى فرَّج الله ذلك([7]).

وعن أم سلمة، أنها قالت: إنها شهدت مع النبي «صلى الله عليه وآله» مشاهد فيها قتال وخوف: المريسيع، وخيبر، والحديبية، والفتح، وحنين، ولم يكن من ذلك أتعب لرسول الله «صلى الله عليه وآله» ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري الخ..([8]).

«وكانوا يبيتون بالخندق خائفين، فإذا أصبحوا أمنوا»([9]).

«واشتد البلاء والحصر على المسلمين، وشغلتهم أنفسهم، فلا يستريحون ليلاً، ولا نهاراً»([10]).

وقال ابن شهرآشوب: «وكان الكفار على الخمر، والغناء، والمدد، والشوكة، والمسلمون كأن على رؤوسهم الطير لمكان عمرو.

والنبي «صلى الله عليه وآله» جاث على ركبتيه، باسط يديه، باك عيناه، ينادي بأشجى صوت:

 «يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي، وكربي، فقد ترى حالي»([11]).

ويقولون: لما صح عند رسول الله «صلى الله عليه وآله» نقض بني قريظة للعهد ضاق ذرعاً، وخَشِيَ أن يفت ذلك في أعضاد المسلمين، فعظم البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق، وكثر الخوض.

وأقام رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأصحابه فيما وصف من الخوف والشدة لتظاهر الأعداء عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى كان ما كان من كيد نعيم بن مسعود الخ..([12]).

وستأتي قصة نعيم، وما فيها من هنات وإشكال.

قال ابن الجوزي: «قال علماء السِيَر: كان اشتد الخوف يوم الخندق، وفشل الناس، وخيف على الذراري والأموال»([13]).

وفي نص آخر: «ولما فشا نقض بني قريظة، واشتد الخوف، وعظم عند ذلك البلاء، فبينما هم على ذلك إذ جاءتهم جنود ـ يعني الأحزاب ـ وهم قريش وغطفان، ويهود بني قريظة..

إلى أن قال: فجاء بنو أسد، وغطفان، وفزارة، واليهود من فوقهم، من جهة المدينة، وقائدهم حارث بن عوف، وعيينة بن حصن، وجاء قريش وكنانة من جانب أسفل الوادي، وقائدهم أبو سفيان بن حرب»([14]).

وقال ابن عباس: «كان الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم قريش وغطفان، كذا في الوفاء. ومن هيبة كثرتهم، وشدة شوكتهم رعبت قلوب ضعفاء أهل الإسلام، وزاغت أبصارهم»([15]).

وقال القيرواني: «جاءت قريش من ها هنا، واليهود من ها هنا والمجد من ها هنا، يريد هوازن»([16]).

ومعنى ذلك هو: أن المسلمين كانوا محاصرين من جهات ثلاث

ويقول الطبرسي: «من فوقكم: من فوق الوادي، من قبل المشرق: قريظة والنضير، وغطفان ومن أسفل منكم: أي من قبل المغرب، من ناحية مكة: أبو سفيان في قريش ومن تبعه»([17]).

مواقف المنافقين:

وقال القمي: «لما طال على أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» الأمر واشتد عليهم الحصار، وكانوا في وقت برد شديد، وأصابتهم مجاعة وخافوا من اليهود خوفاً شديداً، وتكلم المنافقون بما حكى الله عنهم ولم يبق أحد من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلا نافق، إلا القليل.

وقد كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» أخبر أصحابه: أن العرب تتحزب ويجيئون من فوق. وتغدر اليهود ونخافهم من أسفل، وإنه ليصيبهم جهد شديد، ولكن تكون العاقبة عليهم.

فلما جاءت قريش، وغدرت اليهود قال المنافقون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً([18]).

وكان قوم لهم دور في أطراف المدينة، فقالوا: يا رسول الله تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا، فإنها في أطراف المدينة، وهي عورة ونخاف اليهود أن يغيروا عليها.

وقال قوم: «هلموا فلنهرب، ونصير في البادية، ونستجير بالأعراب، فإن الذي كان يعدنا محمد كان باطلاً كله»([19]).

وقال البيهقي: إنه بعد حصار دام قريباً من عشرين ليلة، وبعد حصول قتال دام إلى الليل، شغل المسلمين عن صلاة العصر: «فلما اشتد البلاء على النبي «صلى الله عليه وآله» وأصحابه نافق ناس كثير، وتكلموا بكلام قبيح فلما رأى رسول الله ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول: والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمناً، وأن يدفع الله عز وجل إليَّ مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل.

وقال رجل ممن معه لأصحابه: ألا تعجبون من محمد!! يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وأن نقسم كنوز فارس والروم، ونحن ها هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب إلى الغائط، والله ما يعدنا إلا غروراً.

وقال آخرون ممن معه: ائذن لنا، فإن بيوتنا عورة.

وقال آخرون: «يا أهل يثرب، لا مقام لكم فارجعوا»([20]).

ويقول نص آخر: «ونجم النفاق من بعض المنافقين، وقال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر، وأن أموالهما تنفق في سبيل الله، واحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً([21]).

وقال رجال ممن معه: «يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا»([22]).

من الذي قال: بيوتنا عورة؟!

تقدم في النصوص التي أوردناها: أن هناك من قال: بيوتنا عورة، من أجل الحصول على إذن من النبي «صلى الله عليه وآله» لهم بترك مواقعهم والرجوع إلى بيوتهم، فمن هم هؤلاء الذين قالوا ذلك ياترى؟

إن بعض النصوص التاريخية تقول: هم: «عبد الله بن أبي وأصحابه.

وقيل: هم بنو سالم من المنافقين.

وقيل: إن القائل لذلك أوس بن قبطي ومن وافقه على رأيه، عن يزيد بن رومان»([23]).

وقال ابن الكلبي: إن أبا مليل، سليك بن الأزعر ـ شهد بدراً ـ هو الذي قال يوم الخندق بيوتنا عورة([24]).

وقال الدياربكري: «وكان جماعة من المنافقين مثل أوس بن القيظي، ومتابعيه ينفرون جيش الإسلام، ويقولون: ارجعوا إلى منازلكم، واعتلوا بأن منازلكم عورة، خالية عن المحافظة، فإنها خارج المدينة، ونحن نخاف أن يظفر بها جيش العدو»([25]).

ويقول نص آخر: «عظم الأمر، وأحيط بالمسلمين من كل جهة وهمَّ بالفشل بنو حارثة، وبنو سلمة، معتذرين بأن بيوتهم عورة خارج المدينة، ثم ثبتهم الله»([26]).

لكن البعض قال: إن المستأذنين هم بعض بني حارثة لا كلهم، فراجع([27]).

ويروي لنا الواقدي هذه القضية بنحو أكثر تفصيلاً، فيقول:

إن بني حارثة بعثوا بأوس بن قيظي إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، يقولون: إن بيوتنا عورة، وليس دار من دور الأنصار مثل دارنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يرد عنا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا.

فأذن لهم «صلى الله عليه وآله» ففرحوا بذلك، وتهيأوا للانصراف.

فبلغ سعد بن معاذ ذلك، فقال: يا رسول الله، لا تأذن لهم، إنَّا والله، ما أصابنا وإياهم شدة قط إلا صنعوا هكذا، فردهم([28]).

من بقي مع النبي في المواجهة؟!

قال دحلان: «فجعل المنافقون يستأذنون، ويقولون: بيوتنا عورة، أي من العدو، لأنها خارج المدينة، وحيطانها قصيرة، يخشى عليها السرقة، فأذن لنا نرجع إلى نسائنا، وأبنائنا، وذرارينا؛ فيأذن «صلى الله عليه وآله» لهم.

قيل: ولم يبقَ معه تلك الليلة إلا ثلاث مئة»([29]).

وعن حذيفة: «أن الناس تفرقوا عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» ليلة الأحزاب، فلم يبقَ معه إلا اثنا عشر رجلاً»([30]).

وقال القاضي النعمان: «وتسلل عن رسول الله صلوات الله عليه وآله أكثر أهل المدينة، فدخلوا بيوتهم كالملقين بأيديهم»([31]).

وتقدم قول القمي: «ولم يبقَ أحد من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلا نافق إلا القليل».

وهذا يؤيد ما سيأتي: من أن سبب النصر هو بطولات علي «عليه السلام»، وما جرى على المشركين من مكابدة ما تثيره الرياح والأعاصير من متاعب لهم، وما تزرعه من خوف ورعب في قلوبهم، بعد أن آتت النشاطات النبوية لزرع الشكوك فيما بينهم ثمارها، كما سنرى.

وقبل أن نمضي في الحديث عن سائر الوقائع نتوقف قليلاً للإشارة إلى الأمور التالية:

الحارث بن عوف:

ذكرت بعض الروايات المتقدمة: الحارث بن عوف في المشاركين في حصار المدينة، وقد تقدم: أن قومه ينكرون حضوره حرب الأحزاب، فراجع الفصل الأول من هذا الباب.

رهبة الليل:

وقد ذكرت بعض النصوص المتقدمة: أن الليل كان بالنسبة لكثير من المسلمين بمثابة كابوس مخيف لما يتوقعونه من مفاجئات لم يحسبوا لها حساباً، ونحن وإن كنا نصدق أن لليل رهبته، ولكن وجود الرسول «صلى الله عليه وآله» فيما بينهم، وهو الذي لم يزل يطمئنهم إلى نصر الله وعونه، كان ينبغي أن يطمئنهم، ويذهب حالة الخوف والرعب من نفوسهم لو كانوا راسخي القدم في الإيمان، والتسليم لله ولرسوله.

خوف الرسول :

وقد تحدثت بعض كلمات المؤرخين: عن خوف النبي «صلى الله عليه وآله» في حرب الأحزاب.

ونحن لا نشك: في عدم صحة هذه النصوص، ولا أقل من أنها لم تتحر الدقة في نقل الوقائع والأحداث، فإن الرسول «صلى الله عليه وآله» كان يبشر المؤمنين بنصر الله وعونه، ابتداء من حفر الخندق، ثم حين نقض بني قريظة لعهدهم، وفي غير ذلك من مناسبات.

فلم يكن هو ليعاني من حالة الرعب والخوف، وهو الذي كان مصدر السكينة والأمن والطمأنينة للناس.

بل إننا إذا كنا نرى أن القرآن يتحدث عن المؤمنين بأنهم كانوا على درجة من التسليم والتصديق بوعد الله، وما زادهم مجيء الأحزاب، ورؤيتهم لهم إلا إيماناً وتسليماً؛ فإن النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» لن يكون أقل إيماناً منهم.

والذي نراه: هو أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد تعب كثيراً في إنجاز المهام حين صار أصحابه يتركونه، حتى بقي في قلة قليلة منهم.

بل إن بعضهم حتى طلحة وعمر قد تركوه، واختبأوا في حديقة هناك، وقد كشفت عائشة أمرهم، وأحرجتهم بصورة ظاهرة كما ذكرناه في موضعه فيمكن أن يكون بعض المؤرخين خلط بين التعب والمعاناة للنبي «صلى الله عليه وآله» وبين الخوف، فنسب إليه الخوف، مع أن الصحيح هو نسبة التعب كما قالته أم سلمة وغيرها فليلاحظ ذلك.

إتهام أحد البدريين بالنفاق:

وقد ذكرت النصوص المتقدمة: أن متعب بن قشير هو الذي قال: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر الخ..

مع أن ابن هشام يقول: قيل: لم يكن متعب من المنافقين، وقد شهد بدراً([32]).

وقال العسقلاني: «ذكروه في من شهد العقبة. وقيل: إنه كان منافقاً، وأنه الذي قال يوم أحد: ﴿لوْ كَانَ لنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلنَا هَا هُنَا([33]).

وقال: إنه تاب، وقد ذكره ابن إسحاق في من شهد بدراً»([34]).

وقال أبو عمر: «شهد بدراً وأحداً، وكان قد شهد العقبة.

ويقال: إنه الذي قال: ﴿لوْ كَانَ لنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلنَا هَا هُنَا»([35]).

ولا نريد تتبع سائر المصادر التي أشارت إلى بدرية متعب بن قشير. فكيف نـوفـق بين وصـف القرآن لـه بالنفـاق، وبين بدريته، التي توجـب ـ حسبما يزعم هؤلاء ـ أن يغفر له كل ذنب، ويطهر من كل رجس، وقد تحدثنا عن هذا الأمر في غزوة بدر فراجع.

هيكل يخطئ في تصويراته وتصوراته:

قال محمد حسين هيكل: «لأهل يثرب أبلغ العذر إن كان بلغ منهم الفزع وزلزلت قلوبهم، ولمن قال منهم العذر في أن يقول: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وللذين بلغت قلوبهم الحناجر العذر في أن تبلغها. أليس هو الموت الذي يرون آتياً تقدح بالشرر عينه، مصورة في بريق هذه السيوف تلمع في أيدي قريش، وفي أيدي غطفان، وتدب إلى القلب مخافته، متسللة من منازل قريظة الغدرة الخائنين»؟([36]).

ونقول:

لقد اشتبه هيكل في تصوره وفي تصويره أيما اشتباه، وذلك لأمور:

الأول: أن الله سبحانه قد حكى طائفة مما ذكر آنفاً عن المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، فقال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً، وَإِذْ قَالت طَّائِفَةٌ مِنهُمْ يَا أَهْل يَثْرِبَ لا مُقَامَ لكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلا فِرَاراً([37]).

فهل كان المنافقون والذين في قلوبهم مرض على حق في قولهم هذا؟!

وقد صرح المؤرخون ـ حسبما تقدم وسيأتي أيضاً ـ : بأن المنافقين هم الذين قالوا: يعدنا محمد كنوز كسرى الخ..

الثاني: إن هذه الأقوال ـ كما تقدم ـ إنما صدرت بادئ الأمر من المنافقين قبل مجيء الأحزاب، وقبل نقض بني قريظة للعهد، إذ قد صرحت الروايات بأنهم قد قالوا ذلك حين حفر الخندق، توقعاً لمجيء قريش والأحزاب، ثم قالوا بعد اشتداد الحصار.

فلو سلمنا لهيكل قوله ذاك، نقول له: ما هو المبرر لرعبهم قبل مجيء الأحزاب ولم يكن ثمة ما يوجب الخوف إلى هذه الدرجة؟

الثالث: إننا لا نوافق أن من حقهم أن يقولوا ذلك، حتى لو كان القائلون هم المؤمنون، وذلك لأنهم قد رأوا من الآيات والخوارق والكرامات للنبي «صلى الله عليه وآله» وهم يحفرون الخندق الشيء الكثير. فكان من المفروض فيهم أن يتيقنوا بنصر الله سبحانه لهم، وبصدق ما أخبر به نبيهم الأكرم «صلى الله عليه وآله».

ولكن لم تكن تلك الكرامات تقتصر على مجرد التصور العقلي لهم. بل كانت تتعدى ذلك لتكون ممارسة حسية لكل فرد منهم، كما كان الحال بالنسبة لإطعام أهل الخندق جميعاً من وليمة جابر.

الرابع: إن مراجعة الآيات القرآنية تعطينا: أن الذين زاغت أبصارهم وبلغت قلوبهم حناجرهم، وظنوا بالله الظنون هم غير المؤمنين الذين كانوا ثابتين في حصون الإيمان. لكن هؤلاء المؤمنين قد تأثروا من حالة إخوانهم، فوقعوا في البلاء والزلزال، فقد قال تعالى مخاطباً المسلمين:

﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا، هُنَالكَ ابْتُليَ المُؤْمِنُونَ وَزُلزِلُوا زِلزَالاً شَدِيداً([38]).

فترى أنه تعالى قد تحدث عن المؤمنين بطريقة الحديث عن الغائبين، مع أنه لو كان المراد جميع المسلمين لكان السياق يقتضي أن يقول: «هنالك ابتليتم وزلزلتم».

أضف إلى ما تقدم: أنه لو كان الأمر كذلك لم يقل: «هنالك ابتلي» بل كان عليه أن يقول: وابتليتم. فكلمة «هنالك» تشير إلى أن الابتلاء للمؤمنين قد حصل حينما ظننتم بالله الظنون، وبلغت قلوبكم حناجركم.

على أن من الواضح: أن ظن الظنون بالله لا ينسجم مع الإيمان بل هو ينافيه. وقد تحدث تعالى عن المؤمنين فذكر أنهم لم يظنوا الظنون هنا، بل زاد إيمانهم عمقاً ورسوخاً.

فقال تعالى: ﴿وَلمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَاناً وَتَسْليماً، مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَليْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً([39]).

بقي أن نشير هنا: إلى أن المراد بابتلاء المؤمنين هو أن مسؤولياتهم أصبحت أكبر وأخطر من ذي قبل، وأصبحت كل المصائب والآلام الناتجة عن هذا الحصار، من انهزام المسلمين روحياً، والخوف على الذراري والنساء، وما صاحب ذلك من تحمل مشقات وجهد وسهر ـ إن ذلك كله ـ قد انصب على رؤوس ثلة قليلة مجاهدة صابرة، قد لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين أو حتى اليد الواحدة.

إذ إن من الغني عن البيان: أن تحقيق وعد الله ورسوله لهم بالنصر، لا يعني أن لا يتحملوا المشقات والمصاعب والآلام الكبيرة وأن لا يبتليهم بالمواجهات الخطيرة، التي تصل إلى درجة الاستشهاد بالنسبة إلى بعض الأفراد، لأن الوعد إنما هو للمجموع العام ولأهل هذه الدعوة بصفتهم العامة، وإن كان أفراد كثيرون يستشهدون، أو يمتحنون بالمصائب والبلايا والرزايا.

 

الفصل الثامن:

 

عقد عيينة.. مكذوب

 

العقد المزعوم مع عيينة بن حصن:

قال ابن المسيب: «حصر رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأصحابه بضع عشرة حتى خلص إلى كل منهم الكرب.. إلى أن قال: فبينما هم على ذلك من الحال أرسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى عيينة الخ..»([40]).

وذكر نص آخر: أنه بعد أن حوصر المسلمون، ونقض بنو قريظة العهد، وضاقت الأمور على المسلمين، وأحيط بهم، وهمَّ بالفشل بنو حارثة، وبنو سلمة، بعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى عيينة بن حصن، والحرث بن عوف: أن يرجعا، ويخذلا الأعراب، ولهما ثلثا ثمار المدينة ـ كما في بعض المصادر ـ لكن أكثر المصادر تقول: ثلث ثمار المدينة.

زاد في نص آخر قوله: «فجرى بينهما المراوضة في الصلح حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح»([41]).

وشاور «صلى الله عليه وآله» في ذلك: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة فأبيا، وقالا: يا رسول الله، أشيء أمرك الله به فلا بد منه؟! أم شيء تحبه، فتصنعه، فنصنعه لك؟! أم شيء تصنعه لنا؟!

قال: بل أصنعه لكم، إني رأيت أن العرب رمتكم عن قوس واحدة.

فقال سعد بن معاذ: قد كنا معهم على الشرك والأوثان، ولا يطمعون منا بتمرة شراء ولا بيعاً، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟! والله، لا نعطيهم إلا السيف.

فَصَلُبَ رسول الله «صلى الله عليه وآله»([42]).

زاد البعض هنا قوله: «فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: الآن قد عرفت ما عندكم، فكونوا على ما أنتم عليه، فإن الله تعالى لن يخذل نبيه، ولن يسلمه حتى ينجز له ما وعده.

ثم قام رسول الله «صلى الله عليه وآله» في المسلمين، يدعوهم إلى جهاد العدو، ويشجعهم، ويعدهم النصر من الله تعالى([43]) «وترك ما كان هم به من ذلك»([44]).

وقد تفننت بعض الروايات في تصوير وقائع هذه القصة فهي تقول: إنه «صلى الله عليه وآله» أرسل إلى رئيسي غطفان: عيينة بن حصين والحارث بن عوف أن يجعل لهما ثلث ثمار المدينة، ويرجعان بمن معهما.

فجاءا متخفيين من أبي سفيان مع عشرة من قومهما إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فطلبا نصف ثمار المدينة، فأبى عليهما إلا الثلث فرضيا، فجرى بينه وبينهم الصلح، وأحضر رسول الله «صلى الله عليه وآله» الصحيفة والدواة، وأحضر عثمان بن عفان، حتى كتب كتاب الصلح، ولم يقع الإشهاد.

وعند الواقدي والمقريزي: أحضرت الصحيفة والدواة ليكتب عثمان الصلح، وعبادة بن بشر على رأس رسول الله «صلى الله عليه وآله» مقنع بالحديد.

ولما أرادوا أن يكتبوا الشهادة جاء أسيد بن حضير، فرأى عيينة بن حصن قد مد رجله بين يدي رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعلم ما جاء له فأقبل إلى عيينة وقال:

يا عين الهجرس، أتمدَّ رجلك بين يدي رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! فوالله، لولا مجلس رسول الله لأنفذت جنبك بهذا الرمح.

ثم أقبل بوجهه إلى النبي فقال: يا رسول الله، إن كان هذا شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من عمله، أو أمراً تحبه، فاصنع ما شئت، ما نقول فيه شيئاً، وإن كان غير ذلك، فوالله ما نعطيهم إلا السيف، متى كانوا يطمعون منا؟!

فسكت النبي «صلى الله عليه وآله» ولم يقل شيئاً.

وعلى حد تعبير الواقدي: فأسكت رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فدعا سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فاستشارهما فيه (خفية)، فقالا مثل ما قال أسيد (وأبوا إعطاء الدنية، فأمره النبي «صلى الله عليه وآله» بشق الكتاب) فاعتذر «صلى الله عليه وآله» بأنه قد رأى العرب رمتهم عن قوس واحدة.

إلى أن تقول الرواية: فتناول سعد، أي ابن معاذ، الصحيفة وأخذها من عثمان فمحا ما في الكتاب، ومزق الكتاب.

ثم تذكر الرواية: محاورة بين عبادة بن بشر وعيينة. ثم ذكر رجوع عيينة والحارث.

وعلما: أن لا يد لهم في المدينة، لما رأيا من إخلاص الأنصار، واتفاقهم مع رسول الله، ودخل في أمرهما فتور وتزلزل([45]).

وتشير بعض النصوص إلى دور لسعد بن الربيع أيضاً([46]).

نقاط ضعف في هذا الإتفاق:

لقد حفلت هذه القصة بنقاط ضعف كثيرة لا نرى ضرورة للتعرض لها بالتفصيل ونكتفي هنا بالإشارة إلى الأمور التالية:

1 ـ التناقض والاختلاف:

إننا نلاحظ هنا: تناقض واختلاف نصوص هذه الرواية، الأمر الذي يعني أنه لا بد من استبعاد طائفة من هذه النصوص حتى لا يبقى ثمة تناقض واختلاف فيما بينها.

فليلاحظ مثلاً: اختلافها في أنه «صلى الله عليه وآله» أعطاهما ثلث ثمار المدينة، أم الثلثين؟!

وهل كُتِبَ كتاب، ثم رفض السعدان أم رفضا ذلك قبل أن يكتب الكتاب. وهل استشار السعدين، أم استشار السعود.

2 ـ الحارث بن عوف:

وقد تقدم: أن البعض ينكر مشاركة الحارث بن عوف في حرب الخندق، وإن كان الواقدي يصر على هذه المشاركة، فراجع فصل: الأحزاب إلى المدينة. فقرة: تحفظ تاريخي.

3 ـ سعد بن الربيع:

قد ذكرت بعض النصوص: أنه قد كان لسعد بن الربيع دور في هذه القضية أيضاً. مع أن سعداً هذا قد استشهد في حرب أحد، وهي قبل الخندق بزمان طويل، فراجع.

4 ـ استشارة السعود، وإعطاء الدنية:

بعض النصوص تقول: إن عيينة بن حصن جاء مهدداً متوعداً فهي تقول: إنه قال: يا محمد ناصفنا تمر المدينة، وإلا ملأتها عليك خيلاً ورجالاً.

فقال: حتى أستأمر السعود: سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن ربيعة، وسعد بن مسعود.

فكلمهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» في ذلك، فقالوا: لا والله ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله تعالى بالإسلام؟

فرجع الحارث فأخبره، فقال: غدرت يا محمد([47]).

فما معنى هذا التهديد والوعيد من عيينة، ألم يملأها حتى الآن خيلاً ورجالاً؟!

وهل بقي عنده خيل ورجال غير هؤلاء لم يأت بهم لحرب محمد؟!

والملفت في هذا النص: أن جميع الذين يريد النبي «صلى الله عليه وآله» أن يستشيرهم اسمه سعد، فما هذه المصادفة العجيبة!! ألم يكن في الأنصار أحد من الرؤساء له اسم آخر؟!

وأمر ثالث يلفت النظر هنا: وهو أنهم اعتبروا أن ذلك معناه إعطاؤه الدنية. فهل كان النبي بصدد أن يعطي الدنية للأعداء؟

ألم يكن يعلم أنهم لم يعطوها في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله تعالى بالإسلام؟!

5 ـ المراوضة وكتابة الصلح:

والأمر الذي يصعب علينـا تفسيره وهو: أنـه كيف تمت كـل هـذه المراحل، من دون علم السعدين، أو السعود الأربعة، وغيرهم من زعماء الأنصار؟! فالنبي «صلى الله عليه وآله» يرسل للأعداء ويستقدمهم، ويأتون إليه وتجري مراوضة في شأن الصلح، ثم يرسل النبي «صلى الله عليه وآله» وراء عثمان ويأتي، ويكتب الكتاب. كل ذلك يحصل ولا أحد من زعماء الأنصار يعرف بشيء، حتى يرسل إليهم النبي «صلى الله عليه وآله»، ويحضرهم.

فهل كانوا لا يحضرون مجلس النبي، إلا أن يحضرهم إليه «صلى الله عليه وآله» نفسه؟!

وهل صحيح أنهم كانوا يغيبون عنه فترات طويلة هذا المقدار ولا سيما في حرب الخندق، التي يفترض فيها تواجدهم حوله باستمرار ليتلقوا الأوامر؟!

وكيف غاب جميع من كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» بحاجة إلى استشارتهم ولم يحضر ولا أحد منهم ولو صدفة؟! إلا أن أسيد بن حضير حضر بصورة مفاجئة!!

6 ـ العجز والفشل:

ولا ندري بعد هذا كيف يقدم النبي «صلى الله عليه وآله» على أمر لا يثق من قدرته على إنجازه؟

أم يعقل: أنه كان واثقاً من ذلك ثم فوجئ بما أحبط سعيه، وخيب أمله؟!

7 ـ رأي النبي ورأي غيره:

هل صحيح أن للنبي «صلى الله عليه وآله» آراء يطلقها من عند نفسه، ولا تنتهي إلى الإرادة الإلهية؟!

وكيف نفهم قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى؟!([48]).

أم أن هذه الآية تتحدث عن خصوص ما ينطق به من أي القرآن أو عن أمور يطلب منه تبليغها كالأحكام الشرعية، ونحوها؟! وكيف وبماذا نخصص الآية بما ذكر؟! وإذا سلمنا ذلك جدلاً، فهل صحيح أن للنبي بعض الآراء التي يخطئ فيها، أم أنه ذو اجتهاد صواب دائماً؟!

وبعد ما تقدم: لا بد أن نسأل عن الوسائل التي يمكننا أن نفرق فيها بين ما هو رأي واجتهاد له، وبين ما يأتي به من قبل الله سبحانه.

8 ـ اتهام النبي :

ولا ندري أيضاً: كيف نفسر قولهم للنبي: «أم شيء تحبه؛ فنصنعه لك» فهل يتصورون أن النبي «صلى الله عليه وآله» يمكن أن يقوم بعمل خطير كهذا لأنه يحب أن يصنع شيئاً لنفسه دونهم؟! وهل هذه إلا إساءة أدب وسوء ظن خطير برسول الله «صلى الله عليه وآله» يصل إلى حد التهمة؟!

9 ـ فَصَلُبَ رسول الله :

ويستوقفنا هنا قولهم: فَصَلُبَ رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فهل كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد ضعف أمام أعدائه، فبدأ يقدم لهم التنازلات ويعطيهم الامتيازات؟

إن نصاً آخر ذكرناه آنفاً: يكاد يكون صريح الإيحاء بأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان بصدد التخلي عن جهاد العدو، حيث يقول: «ثم قام رسول الله «صلى الله عليه وآله» في المسلمين، يدعوهم إلى جهاد العدو، ويشجعهم، ويعدهم النصر من الله تعالى وترك ما كان هم به من ذلك.

10 ـ الاحتفاظ بسرية هذا العقد:

كيف استمر هذا الأمر خافياً على أبي سفيان، وكيف لم يسر به النبي والمسلمون إلى مسامع زعيم قريش، ليكون مثار خلاف فيما بين زعماء الأحزاب أنفسهم، كما جرى لبني قريظة؟ فإنه إذا كان الأمر بالنسبة لبني قريظة لم يبعد حدود الإعلام بهدف تدمير حالة الثقة القائمة بينهم وبين المشركين، فإن الأمر هنا أصبح أكثر واقعية، بعد أن قطع المتفاوضون مراحل واسعة باتجاه عقد الاتفاق، حتى لقد كتب الكتاب، وإن لم تقع الشهادة والصلح.

إلا ان يقال: إن تسريب أمر خطير كهذا سوف يكون مضراً بالمسلمين، لأنه يعطي للمشركين انطباعاً عن ضعف المسلمين وانهيار معنوياتهم، الأمر الـذي ربما يثير لـدى قـوى الشرك شهية مواصلة الحصـار، ومضاعفة الضغوط للوصول بالمسلمين إلى حالة الإنهيار الكامل.

كما أن هذا التسريب لم يكن في صالح زعماء غطفان؛ لأنه سوف يعقد العلاقات مع حلفائهم، ويثير لهم معهم مشاكل هم في غنى عنها.

أما المنافقون: فلعلهم لم يجدوا في تسريب معلومات كهذه ما يخدم مصالحهم، أو يفيد في إخراجهم من الورطة التي يجدون أنفسهم فيها.

11 ـ أدب عيينة، وغيرة ابن حضير:

ولا يفوتنا الإلماح: إلى أن عيينة بن حصن يمد رجليه بين يدي رسول الله ولا يزجره النبي «صلى الله عليه وآله»، ولا أحد من الصحابة الحاضرين ولا حتى عمر بن الخطاب، ولا أبو بكر، اللذين لم نسمع لهما ذكراً في هذه القضية ولا في غيرها إلا في مواقع ما كنا نحب أن نراهما فيها.

والأهم من ذلك: أن علياً «عليه السلام» أيضاً لا يعترض، ويبقى الجميع ينتظرون قدوم أسيد بن حضير ليقف هو فقط ذلك الموقف الغيور والنبيل والشجاع. حتى إنه يتهدد عيينة بأن ينفذ جنبه بهذا الرمح لولا احترامه مجلس رسول الله «صلى الله عليه وآله».

ولا بد من تسطير الفضائل لأسيد هذا؛ لأنه من المهاجمين لبيت فاطمة «عليها السلام»، ومن موطدي الأمر لأبي بكر، والقائمين به، لما بينهما من قرابة، ولأمور أخرى لا مجال للإفاضة فيها الآن.

12 ـ فأسكت رسول الله :

والأكثر غرابة هنا: ما ذكره الواقدي في هذا السياق من جرأة على مقام النبوة الأقدس، حين ذكر: أنه بعد أن قال أسيد بن حضير ما قال «فأسكت رسول الله».

يا لها من جرأة قاسية، وإهانة وقحة لنبي الإسلام «صلى الله عليه وآله»، من قبل أناس لا يرون إلا مصالحهم، ولا يهمهم إلا تمشية سياساتهم، حتى ولو على حساب كل القيم والمثل الإسلامية والإنسانية.

هذا كله: عدا عن ظهور نبرات فيها ظلال ثقيلة من الاعتداد بالنفس والتحدي في كلمات أسيد في مواجهة النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله». فراجع كلماته وتأمل.

هذا ما أحببنا الإلماح إليه في هذا المجال، ولننظر الآن ماذا يقول الآخرون الذين يهتمون بالتبرير، ويبرعون في التصوير، فنقول:

المساس بشرف الإسلام:

قد حاول البعض شرح ما جرى، بطريقته الخاصة، فهو يقول: «على الرغم من المجاعة التى قاساها المسلمون، والضيق الذي ألم بهم من جراء الحصار المتطاول، والسهر والحراسة الموصولين، فقد رأوا أن في القبول بمثل هذا الذل جرحاً لكرامتهم.

وقال الأنصار الذين عنتهم هذه المساومة المقترحة مباشرة: إنهم لم يدفعوا أي جزية إليهم حتى في الجاهلية، فكيف يطيقون الإذعان لهم، خاصة وأن في الأمر مساساً بشرف الإسلام نفسه»([49]).

وليت شعري كيف يقدم النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» على أمر فيه مساس بشرف الإسلام؟! إلا أن يكون «صلى الله عليه وآله» لم يدرك أن الأمر ينطوي على المخاطرة بهذا الشرف الراسخ، والعز الباذخ؟! أو أن شرف الإسلام لم يكن يعنيه كثيراً، وكان يعنيهم هم وحدهم دونه؟!

إستفادات وتوجيهات:

1 ـ لقد استفادوا من هذا الحدث فوائد وعوائد، فقد قال أبو زهرة: «قد أفاد عرض الصلح أمرين عظيمين:

أولهما: أن النبي «صلى الله عليه وآلـه» علم عزمة أصحـابه، وأنهم يريدون لقاءهم.

ثانيهما: أن ذلك أطمع غطفان ومن معها من القبائل، والطمع إذا سكن حل العزيمة، وقد ترتب على ذلك الإطماع أنهم تململوا بطول الحصار، وجرى بينهم وبين القرشيين خلاف، وهموا أن يعودوا من حيث جاؤوا»([50]).

وقال: «إن ذلك يثير طمعهم، ويفت في عضدهم، وإن كان أمر الصلح لم يبت فيه، ولكن بابه مفتوح ولم يغلق»([51]).

وقال: إنه «صلى الله عليه وآله» أراد «أن يخذل المشركين بعضهم عن بعض بإثارة الطمع في بعضهم، فيتخلون عن باقيهم»([52]).

ولعل هذا هو ما يرمي إليه البعض، حين اعتبر أن هذا الصلح يهدف إلى «صرفهم عن قريش، ليفت ذلك في عضدهم، فيرجعوا أيضاً».

«وقد تجلت حنكته السياسية في مساومته غطفان لزلزلتها عن موقفها إلى جانب قريش»([53]).

وقال: «لما فاوض الرسول «صلى الله عليه وآله» غطفان، وأطمعهم في ثلث غلة المدينة، ثم عدل عن ذلك، ورفضه، توهمت غطفان: أن مركزه قد تحسن، وأنه مقبل على حرب الأحزاب وإجلائهم.

ومما زاد هذا الوهم تحقق غطفان من عدول بني قريظة عن مناصرة الأحزاب، وعزمها على تقديم سادات قريش وغطفان إلى الرسول ليقتلهم»([54]).

وثمة هدف آخر له «صلى الله عليه وآله» وهو: أنه كان يريد أن يطمئن إلى ما يتمتع به أصحابه من قوة معنوية واعتماد على نصر الله وتوفيقه؛ لأنه لم يكن يحب أن يسوق أصحابه إلى حرب أو مغامرة لا يجدون في أنفسهم شجاعة لخوضها، أو لا يؤمنون بجدواها، ولذلك عرض عليهم رأيه، وأبلغهم أنه ليس تبليغاً من الله تعالى([55]).

وبعد أن ذكر البعض: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان «يعرف حق المعرفة: أن دوافع غطفان للغزو هي مادية قبل أي شيء آخر»([56]).

قال: «وقد حققت هذه المناورة السياسية أغراضها على الرغم من أنها لم تنته إلى اتفاق مكتوب كما علمنا، ذلك أن كل المصادر التاريخية تُجمِع: أنه لم يكن لغطفان أي دور عسكري بعد هذه المقابلة التي أكدت لهم إصرار رجال الثورة الإسلامية على القتال في سبيل عقيدتهم. ولكنهم ظلوا مرابطين في معسكراتهم حتى أمرهم القائد أبو سفيان بالانسحاب وفك الحصار»([57]).

2 ـ وأما بالنسبة للدلالات لهذا الحدث، فهم يقولون:

ألف: إنها محصورة في مجرد مشروعية مبدأ الشورى في كل ما لا نص فيه([58]).

ب: إنها تدل أيضاً على: «جواز إعطاء المال للعدو لمصلحة المسلمين.

وقد صالح معاوية ملك الروم على الكف عن ثغور الشام بمال دفعه إليه، ذكره أبو عبيدة».

قال السهيلي: قيل: كان مئة ألف دينار([59]).

ج: وزعم البعض: أن هذا الحدث يدل على أنه يجب على المسلمين أن يدفعوا الجزية إلى غير المسلمين إذا اقتضت الحاجة. وعلى جواز صرف المسلمين أعداءهم عن ديارهم باقتطاع شيء من أرضهم أو خيراتهم لهم وقد ناقش ذلك البعض بما حاصله:

أولاً: إن الرأي المعروض للاستشارة، لا يعتبر دليلاً تشريعياً لأن المقصود بالاستشارة مجرد استطلاع ما في النفوس، فهي ممارسة لعمل تربوي بحت. والذي يحتج به من تصرفاته «صلى الله عليه وآله» وأقواله هو خصوص ما لم يرد اعتراض عليه من كتاب الله تعالى. أما ما كان في حدود الاستشارة والرأي، فلا يعتبر دليلاً بحال.

ثانياً: «لسنا ندري ما الصلة بين الجزية، وما يمكن أن يتصالح عليه فريقان متحاربان.

إن قلت: إن اضطر المسلمون ـ بسبب ضعف طارئ ـ إلى التخلي عن بعض أموالهم حفظاً لحياتهم، وحذراً من استئصال شأفة المسلمين، أليس لهم أن يفعلوا ذلك؟!

فالجواب: أن قد تستلب أموال المسلمين، ويغنمها أعداؤهم ولكن ليس ذلك عن اختيار من المسلمين، ولا لأجل تشريع ذلك فتوائياً، وإنما هو إلجاء وإكراه لهم. والأحكام الشرعية لا يخاطب بها المكره، ولا الملجأ، ولا الصبي ولا المجنون.

فهذه الحالة التي هي من وراء حدود التكليف لا ينتزع فيها حكم تكليفي، يختار على أساس الرأي والمصلحة والمراوضة»([60]).

هذا ما ذكره ذلك البعض هنا، ولنا فيه ومعه مناقشات ووقفات نجملها في النقاط التالية:

مناقشة سريعة:

ألف: قول أبي زهرة: إن إطماع غطفان نشأ عنه تململهم بطول الحصار، لا ندري كيف نفهمه، إذ ما هو الربط بين إطماعهم، وبين تململهم؟

ب: كما أن ما ذكره من حدوث خلافات بين قريش وبين غطفان لا ندري من أين جاء به، وعن أي مصدر نقل ذلك؟!

ج: هل كان النبي «صلى الله عليه وآله» جاهلاً بعزمة أصحابه، وبمقدار استعدادهم للقاء عدوهم؟ إن ما لدينا من وصف دقيق لحالتهم، ومن نصوص سجلت لنا مواقفهم وتصرفاتهم لا تترك مجالاً للشك في حقيقة النوايا، ودرجة الاستعداد عندهم للقاء عدوهم، سلباً أو إيجاباً. ولا في مستوى القوة المعنوية والاعتماد على نصر الله لدى أصحابه.

د: ما معنى قوله: إن أمر الصلح لم يبت فيه، وبابه مفتوح لم يغلق؟ ألم يغلق السعدان باب هذا الصلح.. وبتَّا الأمر فيه؟!

ه‍: لا ندري كيف توهمت غطفان أن مركز النبي قد تحسن حين عدل عن الصلح؟ وهم قد رأوا بأم أعينهم سبب العدول عن الصلح، وأنها ضغوط تعرض لها، ورفض من أصحاب الثمار أنفسهم، ولم يطرأ أي شيء على الحالة العسكرية، ولا على التحالفات القائمة بين الفرقاء من كلا الجانبين..

فكيف تتوهم غطفان أن مركز النبي «صلى الله عليه وآله» قد تحسن إلى درجة أنه مقدم على حرب الأحزاب وإجلائهم؟

و: وأما أن هذه المناورة قد جعلت غطفان تحجم عن الاضطلاع بأي دور عسكري خوفاً من مقاومة المسلمين، ولكنهم ظلوا في معسكراتهم حتى أمرهم أبو سفيان بالانسحاب. فهو كلام عجيب غريب. فإن دور غطفان العسكري لا يقل عن دور غيرها فالكل يحاصرون المسلمين، والكل يتناوبون على الخندق.

وسيأتي حديث أم سلمة عن هجوم خيل غطفان على بعض نواحي الخندق، وأن غطفان قد شاركت في الهجوم الشامل على المسلمين الذي فوت على المسلمين بعض صلواتهم كما سيأتي..

ز: الشورى فيما لا نص فيه: وأما بالنسبة للشورى فيما لا نص فيه، فلا يصح استفادتها من هذا المورد.

إذ إن المفروض: أنه «صلى الله عليه وآله» قد قضى في المورد بالصلح، فما معنى اعتراض أسيد بن حضير عليه، ونقض ما كان قد أبرمه؟!

ثم إن مبدأ الشورى إنما يعمل به قبل اتخاذ القرار، فما معنى أن يستشير النبي «صلى الله عليه وآله» بعد اتخاذه القرار، واستقدام عيينة وأصحابه؟!

ح: ولا يصغى بعد هذا لما ذكره البوطي، من أن ما صدر من النبي لم يخرج عن حدود الاستشارة والرأي، فلا يعتبر دليلاً تشريعياً على جواز إعطاء الجزية للمشركين.

فإن ما صدر عن النبي «صلى الله عليه وآله» كان أكثر من مجرد استشارة في هذا الأمر، بل قد تعداه إلى استقدام عيينة، ثم استدعاء عثمان وكتابة الكتاب.

ط: وأما بالنسبة لغنيمة الأعداء لأموال المسلمين بسبب ضعف طارئ، فإن ذلك لا يغير الحال، بل يبقى عنوان غنيمة أموال المسلمين بالكره عنهم.

ولو اضطروا لإعطاء الجزية، فإن إكراههم على ذلك لا يرفع عنوان الجزية عن إعطائهم ذاك. بل هي جزية سواء كان من يعطيها مختاراً أو مضطراً لأجل الحفاظ على وجوده وحياته.

ي: ثم إن البوطي قد خلط بين المكره والمضطر، فإن الاضطرار إلى شيء لا يرفع الحكم التكليفي، والإكراه غير الاضطرار. فطلاق المكره وهو الذي تخضع إرادته لإرادة الغير، لا يصح. أما طلاق المضطر، وبيعه، فلا إشكال فيه، كمن اضطر لبيع بيته بثمن زهيد لأجل علاج ولده.

فالخلط بين المكره والمضطر في غير محله..

المشورة وقيمة رأي النبي :

قال المعتزلي: «وكيف يقول المرتضى: إنه «صلى الله عليه وآله» لم يكن محتاجاً إلى رأي أحد، وقد نقل الناس كلهم رجوعه من رأي إلى رأي عند المشورة؟ نحو ما جرى يوم بدر من تغير المنزل لما أشار عليه الحباب بن المنذر، ونحو ما جرى يوم الخندق من فسخ رأيه في دفع ثلث تمر المدينة إلى عيينة بن حصن ليرجع بالأحزاب عنهم؛ لأجل ما رآه سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة من الحرب، والعدول عن الصلح، ونحو ما جرى من تلقيح النخل بالمدينة، وغير ذلك»؟!([61]).

ونقل عن الإسكافي في رده على الجاحظ قوله: «ولقد كان أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله» يشيرون عليه بالرأي المخالف لما كان أمر به وتقدم فيه، فيتركه ويعمل بما أشاروا به، كما جرى يوم الخندق في مصانعته الأحزاب بثلث تمر المدينة، فإنهم أشاروا عليه بترك ذلك فتركه وهذه كانت قاعدتهم معه، وعادته بينهم»([62]).

ونقول:

وقد ناقشنا في كل ما استشهد به المعتزلي والإسكافي حول تغيير رأي النبي «صلى الله عليه وآله»، وخطإه في آرائه في قصة تأبير النخل، ثم قصة مشورة الحباب في بدر فراجع. وقصة عيينة في الخندق قد ظهر عدم إمكان قبولها بأي وجه، فلا معنى لاعتراض المعتزلي على السيد المرتضى فيما قاله.

الصحيح والمقبول في هذه القضية:

ولا نمنع أن يكون ثمة عمل دبره النبي «صلى الله عليه وآله» من خلال إطلاق إشاعة عن أمر كهذا، من شأنها أن تحدث فجوة في جدار الثقة الذي يحمي جسم جيش الشرك وصفوفه من التصدع، تماماً كما كان الحال بالنسبة لما فعله «صلى الله عليه وآله» بين قريظة وقريش وجيش الشرك كما سيأتي.

ولم يتعدّ الأمر حدّ الشائعة، التي يمكن للمسلمين أن يتفهموا مراميها. ولكن الرواة حرَّفوا هذه القضية ونسجوا حولها من خيالهم الشيء الكثير، ثم استفاد المصطادون في الماء العكر من ذلك، فنفثوا سمومهم للنيل من الشخصية النبوية الشريفة، ثم لتبرير ما صدر من معاوية من عمل ذليل مخز، حين قَبِلَ أن يعطي ملك الروم مئة ألف دينار ذهباً، كي يتفرغ لحرب سيد الوصيين علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بهدف الإجهاز على آخر حصون الإسلام المنيعة، وإعادة حكم الجاهلية.

بل لقد وجدنا في كلمات الزبير بن باطا ما يشهد على أن غطفان هي التي أرسلت إلى النبي «صلى الله عليه وآله» تعرض عليه أن يعطيها بعض ثمار المدينة مقابل الإنسحاب من المواجهة معه، فأبى «صلى الله عليه وآله» أن يعطيها إلا السيف.

يقول الزبير بن باطا وهو يحاول إقناع أصحابه بعدم طلب الرهن من قريش: «وهذه غطفان تطلب إلى محمد أن يعطيها بعض ثمار المدينة فأبى أن يعطيهم إلا السيف»([63]).

 

الباب الثاني:

 

معركة الخندق

الفصل الأول: الحصار والقتال

الفصل الثاني: ضربة علي × يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين

الفصل الثالث: كيف انتهت حرب الخندق

 

الفصل الأول:

 

الحصار والقتال

 

بداية الحديث:

من الواضح: أن وجود الخندق قد أفشل خطة الأحزاب، وشل حركتهم، ولكنهم لم يفقدوا الأمل، فقد كان الأمل لا يزال يراودهم بإمكانية أن يجدوا فرصة، ويحدثوا ثغرة تمكنهم من توجيه ضربة قاسية للوجود الإسلامي، ولو بالتعاون مع يهود بني قريظة، الذين يتواجدون في مؤخرة الجيش الإسلامي، مع علم المشركين بالحالة الصعبة التي كان يعاني منها المسلمون خصوصاً من حيث التموين ووسائل الدفاع والصمود، مع وجود المنافقين الذين يمكن التعاون مع بعضهم أيضاً لإحداث إرباكات خطيرة داخل الجيش الإسلامي.

وقد تحدثنا في الفصل السابق عن معنويات كلا الجيشين بالإضافة إلى موضوعات أخرى، ونتحدث الآن عن الحصار، وعن بعض الأحداث التي حصلت فيه، فنقول، وعلى الله نتوكل، ومنه نستمد العون والقوة:

مدة الحصار:

قد تقدم: أن المشركين أحاطوا بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبه، وأخذوا بكل ناحية([64]). وقد استمر هذا الحصار مدة طويلة. اختلف فيها المؤرخون وهل كانت خمسة عشر يوماً([65])

أو عشرين يوماً([66]).

أو أكثر من عشرين يوماً([67]).

أو شهراً([68]).

أو قريباً من شهر([69]).

أو تسعة وعشرين ليلة([70]).

وقيل: سبعة وعشرين([71]).

ولعل أحدهما: (السبعة، والتسعة) تصحيف للآخر، فلا يخالفه.

وبعض آخر يقول: أربعة وعشرين يوماً([72]).

ونذكر أخيراً قول من قال: بضع عشرة ليلة أو يوماً([73]).

ونقول:

الصحيح هو: أن الحصار قد دام شهراً كاملاً بل أكثر، فقد قال ضرار بن الخطاب يوم الخندق في جملة أبيات له:

فـأحـجرنـاهـم([74]) شـهراً كـريـتـاً([75])  وكـنــا فـوقـهـم  كـالـقـاهـريـنا

نـراوحـهـم ونــغــدو كـل يــوم عـلـيـهم في السـلاح  مـدججينا([76])

بل لقد ذكر عبد الله بن الزبعرى: أن مدة الحصار قد دامت أكثر من شهر، وبلغت أربعين يوماً، فهو يقول:

حتى إذا وردوا المـديـنـة وارتـدوا             لـلـمـوت كــل مجـرب قـضـاب

شـهـراً وعشـراً قـاهـريـن محمداً               وصحابه في الحرب خير صحاب([77])

إذن، فلا يمكن قبول قولهم: إن الحصار دام مدة خمسة عشر يوماً، أو عشرين أو بضع عشرة ليلة، أو ما إلى ذلك.

الحراسة:

وقد كانت الحراسة المستمرة واليقظة الدائمة من الأمور الضرورية، وكان المسلمون يقومون بها باستمرار، وكانت حراستهم تتركز على الأمور الرئيسية بالدرجة الأولى، وهي:

1 ـ مركز القيادة: النبي «صلى الله عليه وآله».

2 ـ العسكر.

3 ـ الخندق.

4 ـ المدينة.

5 ـ الرصد لتحركات العدو.

6 ـ النساء والذراري وتعاهدهم في الآطام.

7 ـ أبواب الخندق.

وقد ذكرت هذه الأمور وغيرها من تفاصيل في النصوص التاريخية، والحديثية، التي نختار منها ما يلي:

ألف: قال النويري وغيره: «كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يبعث سلمة بن أسلم في ماءتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاث مئة يحرسون المدينة ويظهرون التكبير. وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة وكان عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله «صلى الله عليه وآله» مع غيره من الأنصار، يحرسونه كل ليلة»([78]).

وكانت المدينة تحرس حتى الصباح، يسمع فيها التكبير حتى يصبحوا خوفاً([79]).

ب: وفي بعض المصادر: «وجعل المسلمون يتحارسون في عسكرهم»([80])

ج: وقال النويري: «ورسول الله «صلى الله عليه وآله» والمسلمون وجاه العدو، لا يزولون، يعتقبون خندقهم ويحرسونه، والمشركون يتناوبون الخ..»([81]).

ويفصل لنا الواقدي ذلك، فيقول: إن المسلمين كانوا «على خندقهم يتناوبون، معهم بضعة وثلاثون فرساً، والفرسان يطوفون على الخندق ما بين طرفيه، يتعاهدون رجالاً وضعوهم في مواضع منه إلى أن جاء عمر (رض) فقال: يا رسول الله، بلغني أن بني قريظة قد نقضت الخ..»([82]).

وتقدم: أنه «صلى الله عليه وآله» كان قد جعل للخندق أبواباً، وجعل على الأبواب حرساً.

وقال الواقدي: «كانوا يطيفون بالليل حتى الصباح يتناوبون. وكذلك يفعل المشركون أيضاً، يطيفون بالخندق حتى يصبحوا»([83]).

«ورسول الله «صلى الله عليه وآله» والمسلمون قبالة عدوهم، لا يستطيعون الزوال عن مكانهم، يعتقبون خندقهم يحرسونه»([84]).

وأسيد بن حضير كان يحرس في جماعة على الخندق أيضاً([85]).

د: وتقول عائشة: «كان في الخندق موضع لم يحسنوا ضبطه إذ أعجلهم الحال، وكان يخاف عليه عبور الأعداء منه، وكان النبي «صلى الله عليه وآله» يختلف ويحرسه بنفسه. ثم تذكر قصة حراسة سعد بن أبي وقاص لذلك الموضع في تلك الليلة([86]).

وكان النبي «صلى الله عليه وآله» بنفسه في الليالي يحرس بعض مواضع الخندق([87]).

وسيأتي حديث أم سلمة في ذلك في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

ه‍ : وكان عباد بن بشر ـ كما يدَّعون ـ ألزم الناس لقبة رسول الله «صلى الله عليه وآله» يحرسها([88]). وذكروا الزبير بن العوام في جملة من حرس النبي «صلى الله عليه وآله» يوم الخندق([89]).

بل جاء أن عباد بن بشر، والزبير بن العوام كانا على حرس رسول الله «صلى الله عليه وآله»([90]).

وقد ظهر من بعض النصوص المتقدمة: أن المسلمين كانوا يتناوبون الحراسة([91]) أو حراسة نبيِّهم([92]).

و: كان بنو واقف قد جعلوا ذراريهم ونساءهم في أطمهم وكانوا يتعاهدون أهليهم بأنصاف النهار، فينهاهم النبي «صلى الله عليه وآله» فإذا ألحُّوا أمرهم «صلى الله عليه وآله» أن يأخذوا السلاح، خوفاً عليهم من بني قريظة فإنهم على طريقهم»([93]).

وكان كل من يذهب منهم إنما يسلكون على سلع، حتى يدخلوا المدينة، ثم يذهبون إلى العالية([94]).

وقال «صلى الله عليه وآله» للنساء حين جعلهن في أطم بني حارثة: «إن لم يكن أحد فالمعن بالسيف»([95]).

ز: حراسة العسكر ورصد العدو: أما بالنسبة لحراسة العسكر ورصد تحركات العدو، فإن القمي يقول: «كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل، وكان أمير المؤمنين «عليه السلام» على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحد من قريش نابذهم، وكان أمير المؤمنين «عليه السلام» يجوز الخندق، ويصير إلى قرب قريش، حيث يراهم، فلا يزال الليل كله، قائماً وحده يصلي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه.

ومسجد أمير المؤمنين «عليه السلام» هناك معروف، يأتيه من يعرفه، فيصلى فيه، وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشابة([96])»([97]).

وقفات مع ما تقدم:

ونقول:

إن الحذر من العدو، وسد المنافذ في وجهه، وحرمانه من فرصة تسديد ضربة هنا وضربة هناك، بهدف إرباك صفوف الجيش الإسلامي، أو إحداث ثغرات خطيرة فيه، وهو الذي كان بأمس الحاجة إلى التماسك والتقوي ببعضه البعض ـ إن ذاك ـ هو أولى مهمات القيادة الحكيمة والواعية، التي تريد أن تصل إلى أهدافها بأقل قدر ممكن من الخسائر، وأعلى درجة من الانضباطية والانسجام.

ومن الواضح: أن الأساليب الأمنية التي كان النبي «صلى الله عليه وآله» ينتهجها كانت ولا تزال كسائر أفعاله، وأقواله، ومواقفه مصدر إلهام لكل المؤمنين والواعين، الذين رأوا في هذا النبي الكريم أسوة وقدوة لهم. في كل الحالات والظروف.

وقد تمثل النشاط الأمني للمسلمين في غزوة الأحزاب ـ بعد إيجاد المـوانـع الطبيعية، التي يصعب على العـدو اختراقهـا مثل حفر الخندق، وتشبيك سائر المنافذ بالبنيان ـ في الأمور التالية:

1 ـ جعل الحرس على أبواب الخندق، بطريقة يصعب على العدو إيجاد مواضع نفوذ فيها، حين جعل الحرس من فئات شتى، ومتنافسة يرقب بعضهم بعضاً، حيث اختار من كل قبيلة رجلاً لهذه المهمة، كما تقدم بيانه.

2 ـ إن من الواضح: أن جعل الحرس في نقاط ثابتة ربما يهيئ للعدو فرصة للتخطيط للنفوذ إلى الداخل، بطريقة يتحاشى معها الصدام بنقاط الحراسـة، أو حتى إمكانية التفاتهـا إلى حقيقة مـا يجري فكانت الطريقة الأفضل والأمثل هي أن تنضم إليها دوريات للحراسة غير خاضعة لقيد الـزمـان ولا المكان. الأمر الذي يضيع على العـدو الإحساس بالأمن والنجاح والفلاح في أية محاولة يبادر إليها، ويقدم عليها. فكان «صلى الله عليه وآله» يبعث بالحرس على المدينة خوفاً من بني قريظة، وكانوا يتجولون فيها، ويظهرون فيها التكبير.

3 ـ بديهي أن التعرض للنساء يمثل ضربة روحية قاسية للمسلمين والمقاتلين، الذي قد يصل إلى درجة الإحباط لدى البعض، ويدفع البعض الآخر إلى التحرك بصورة غير واعية، ولا مسؤولة، الأمر الذي يؤثر على درجة الانضباط والتماسك. والنبي «صلى الله عليه وآله» يعرف: أن العدو لن يتأخر عن تسديد ضربة في هذا الاتجاه لو سنحت له الفرصة، ويعتبر ذلك من الأهداف الإستراتيجية والهامة له. فكان تجميع النساء والأطفال في الآطام من شأنه أن يسهل أمر حمايتهم من أي اعتداء، مع كونه يهيئ للمسلمين جواً من الطمأنينة وتمركزاً في مواضع الاهتمام والتحرك لو دهم أمر.

كـما أنه لا بد من الاحتياط لـلأمر، وعدم الاكتفاء بالحراسة الثابتة والمتنقلة، فوضع فيما بينه وبين النساء رمزاً يمكن الاستفادة منه لإفشال أية محاولة تستهدفهن وحين يرين أن الحالة الأمنية غير مؤايتة، مع عدم وجود أحد يمكن الاعتماد عليه في المواجهة ودفع غائلة العدو.

قال «صلى الله عليه وآله» لهن: «إن لم يكن أحد فالمعن بالسيف».

ويلاحظ هنا: أنه «صلى الله عليه وآله» قد اعتمد هذا الأسلوب، ولم يطلب منهن الصراخ والاستغاثة ونحوها مما يمثل إثارة عاطفية للمقاتلين والمسلمين، وقد ينشأ عنها حالة من التضعضع والإرباك وانشغال الخواطر إلى درجة الإخلال بالنشاط الحربي المطلوب، في مواجهة أحزاب الشرك في الجهة الأخرى.

4 ـ وغني عن القول أخيراً: أن بني واقف كانوا يخطئون في ترددهم إلى أهليهم بأنصاف النهار بلا سلاح، وقد يطمع ذلك العدو فيهم، وقد يفاجئهم العدو وهم على غير استعداد فتقع الكارثة.

أضف إلى ذلك: أنه لا بد من الابتعاد عن النساء والأطفال في أيام الحرب، لأن ذلك يثبط من عزائم المقاتلين ويشدهم إلى الأرض ويمنعهم من السمو في تفكيرهم وفي طموحاتهم وتصبح التضحيات واقتحام الأهوال، والصبر على المكاره أكثر صعوبة عليهم، وأشد وقعاً على نفوسهم، ويهيئهم نفسياً للابتعاد عن مواطن الخطر، أو التعب والضرر، ولو كان ذلك بتوطين أنفسهم على مواجهة عار الهزيمة، وخزي عصيان أمر النبي «صلى الله عليه وآله».

5 ـ ونلمح في النص المتقدم إصراراً من بني واقف على زيارة نسائهم وعوائلهم في الأطم الذي كانوا فيه رغم نهي النبي «صلى الله عليه وآله» لهم وربما يكون أمر النبي «صلى الله عليه وآله» لهم بحمل السلاح يرمي إلى الإيحاء غير المباشر لهم بأجواء الحرب، والاحتفاظ بدرجة من الاستعداد الروحي والنفسي لها، بالإضافة إلى أن ذلك هو مقتضى العمل بالحيطة والحذر، وهما الأمران المطلوبان في ظروف كهذه بصورة أكيدة وقاطعة، ولا أقل من أن ذلك يفيد في نطاق التعليم والتأسي لكل من يأتي بعده «صلى الله عليه وآله».

6 ـ والأهم من ذلك هو حراسة العسكر، الذي كان يتولاه علي «عليه السلام»، هذا العسكر الذي كان بأمس الحاجة إلى بعض الشعور بالامن والراحة في هذه الأجواء المثقلة بالهموم والشدائد، والمشحونة بالخوف الذي يصل لدى الكثيرين إلى حد الرعب. حتى لقد بلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنون الباطلة والسيئة.

ولقد كانت أدنى حركة في أي موضع في أطراف ذلك العسكر كفيلة بإحداث إرباك خطير في ذلك العسكر كله.

فكانت هذه الحراسة ضرورية لهذا الجيش، الذي يطمئن إلى أنه لن يؤخذ والحال هذه على حين غرة، بل هناك من يبصر له وينذره في الوقت المناسب.

7 ـ وكان لا بد من رصد جيش الأعداء أيضاً، لأن حراسة المعسكر، وإن كانت تعطي قدرة إلى حد ما على التصدي، إلا أن معرفة تحركات العدو، وحجمها، واتجاهها في وقت مبكر يعطي هو الآخر، فرصة أكبر من مواجهته بالأساليب وبالمستوى الملائم، ويمنع من العجلة والتشويش في اتخاذ الإجراءات المؤثرة في دفع غائلة هذا العدو.

وكان علي «عليه السلام»، يقوم بدور الراصد لكل تحركات الأعداء، وكان هو العين الساهرة في المواقع المتقدمة في خط المواجهة، التي لم يكن يجرؤ عليها أحد سواه، كما ظهر من تجربة المسلمين مع عمرو بن عبد ود.

8 ـ وبعد، فرغم أن الله قد وفق لبقاء المسجد الذي يشهد لجهاد وتضحيـات علي «عليه السـلام»، وكـان هـذا المسجد معروفـاً، ويقصده المؤمنون للصلاة فيه، فإننا لا نكاد نجد لعلي «عليه السلام»