الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ 1425 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الثاني عشر

 

 

المركز الإسلامي للدراسات


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الثاني:

 

حصار وإنهيار

 

نزول النبي على بئر (أنا):

ولما سار النبي «صلى الله عليه وآله» إلى بني قريظة نزل على بئر من آبارهم (في ناحية أموالهم) يقال لها: (لنا) أو (أنا) عند حرة بني قريظة وتلاحق به الناس([1]).

وقال ابن زبالة: «عن عبد الحميد بن جعفر: ضرب رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبته حين حاصر بني قريظة على بئر (أنا).

وصلى في المسجد الذي هناك.

وشرب من البئر.

وربط دابته بالسدرة التي في أرض مريم ابنة عثمان»([2]).

كرامة إلهية للنبي الأعظم :

وقد ذكرت بعض المصادر: أن كرامة قد حصلت لرسول الله «صلى الله عليه وآله» حين سار إلى بني قريظة فهي تقول:

«فسار المسلمون إليهم، فوجدوا النخل محدقاً بقصرهم، ولم يكن للمسلمين معسكر ينزلون فيه.

ووافى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: ما لكم لا تنزلون؟!

فقالوا: ما لنا مكان ننزل به، من اشتباك النخل.

فوقف في طريق بين النخل، فأشار بيده يمنة، فانضم النخل بعضه إلى بعض، وأشار بيده يسرة، فانضم النخل كذلك، واتسع لهم الموضع: فنزلوا»([3]).

ونقول:

إن هذه الكرامة، لا بد من أن تزيد من يقين المسلمين وتزيل من نفوسهم وبتعبير أدق من نفوس بعضهم أي تردد أو شك يمكن أن يراودهم ويعترض سبيل يقينهم، ثم هي تكسر عنجهية وعنفوان غيرهم من المعاندين، ولا سيما من اليهود، الذين كانوا يعرفون هذا النبي كما يعرفون أبناءهم ولكنهم يكابرون، ويجحدون ما يعلمون أنه الحق.

وإذا كان ثمة من مبرر لحصول هذه الكرامة الإلهية في هذا الظرف الحساس بالذات، فهو عزاء أولئك الضعفاء من المسلمين الذين كان اليهود يحتلون مكانة متميزة في نفوسهم، لإزالة كل أثر سلبي أو عقدة تنشأ من الصدام معهم، وإلحاق الأذى بهم.

وهو كذلك يكشف كل زيف وخداع يمارسه اليهود لتضليل الناس فيما يرتبط بنبوة نبينا الأكرم «صلى الله عليه وآله».

عدة وعدد المسلمين:

ويقولون: إنه «صلى الله عليه وآله» قد سار إلى بني قريظة في ثلاثة آلاف مقاتل([4]). وكان معه من الخيل ستة وثلاثون فرساً([5])، وكانت للنبي «صلى الله عليه وآله» ثلاثة أفراس([6]).

ونحن نشك في ذلك: وذلك لأن عدد المسلمين في غزوة الأحزاب لم يزد على الألف رجل، بل كانوا أقل من ذلك أيضاً.

والظاهر: أن ما يمكن للمدينة أن تقدمه من الرجال القادرين على القتال لا يزيد على ألف وست مئة رجل فراجع الجزء العاشر([7]) من هذا الكتاب لتجد بعض ما يفيد في هذا المجال.

الراية واللواء مع علي ×:

روي عن جعفر بن محمد، عن أبيه «عليهما السلام»: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعث علياً «عليه السلام» يوم بني قريظة بالراية، وكانت سوداء تدعى العقاب، وكان لواؤه أبيض([8]).

وقال ابن إسحاق: «وقدَّم رسول الله «صلى الله عليه وآله» علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة»([9]).

وصرح القمي: بأنها كانت الراية العظمى([10]).

وقال البعض: وخرج علي بالراية وكانت على حالها لم تطو بعد([11]).

ويظهر من روايات أخرى: أن راية المهاجرين أيضاً كانت مع علي «عليه السلام»، فقد روي أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» دعا علياً، فقال: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة، فقام علي «عليه السلام»، ومعه المهاجرون، وبنو عبد الأشهل، وبنو النجار كلها، لم يتخلف عنه منهم أحد([12]).

ويظهر من روايات أخرى: أنه «صلى الله عليه وآله» قد دفع إلى علي اللواء أيضاً، فهي تقول: «فدعا «صلى الله عليه وآله» علياً فدفع إليه لواءه. وكان اللواء على حاله، لم يحل من مرجعه من الخندق، فابتدر الناس»([13]).

وفي نص آخر: وخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» يحمل لواءه علي بن أبي طالب([14]). وعن عروة بعث علياً رضي الله تعالى عنه على المقدمة، ودفع إليه اللواء، وخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» في أثره([15]).

وجمع نص آخر بين اللواء والراية فهو يقول: «وكان علي قد سبق في نفر من المهاجرين والأنصار فيهم أبو قتادة.. وغرز علي الراية عند أصل الحصن.

إلى أن قال أبو قتادة: وأمرني أن ألزم اللواء فلزمته، وكره أن يسمع رسول الله «صلى الله عليه وآله» أذاهم وشتمهم»([16]).

علي × في بني قريظة:

قال الأربلي: «أنفذ أمير المؤمنين في ثلاثين من الخزرج، وقال: انظر بني قريظة: هل تركوا (نزلوا) من حصونهم؟

فلما شارفها سمع منهم الهجر، فرجع إلى النبي «صلى الله عليه وآله» فأخبره، فقال: دعهم فإن الله سيمكن منهم. إن الذي أمكنك من عمرو لا يخذلك، فقف حتى يجتمع الناس إليك، وأبشر بنصر الله، فإن الله قد نصرني بالرعب من مسيرة شهر.

قال علي: فاجتمع الناس إلي، وسرت حتى دنوت من سورهم، فأشرف عليَّ شخص منهم ونادى: قد جاءكم قاتل عمرو.

وقال آخر كذلك. وتصايحوا بينهم. وألقى الله الرعب في قلوبهم، وسمعت راجزاً يرجز:

قـــتــــل عـــلــــي عـمــروا               صــــاد عــــلــــي صـــقــرا

قـــصــم عــــلــي ظـــهـــرا               أبــــــرم عــــلـــــي أمــــرا

هــتـــك عــــلــي ســــتــرا                . . . .

فقلت: الحمد لله الذي أظهر الإسلام وقمع الشرك.

وكان النبي «صلى الله عليه وآله» قال لي: سر على بركة الله، فإن الله قد وعدكم أرضهم وديارهم.

فسرت متيقناً بنصر الله عز وجل حتى ركزت الراية في أصل الحصن، فاستقبلوني يسبون رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فكرهت أن يسمعه رسول الله، فأردت أن أرجع إليه، فإذا به قد طلع (وسمع سبهم له) فناداهم: يا إخوة القردة والخنازير، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.

فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولاً ولا سباباً.

فاستحيا، ورجع القهقرى قليلاً، ثم أمر فضربت خيمته بإزاء حصونهم([17]).

وارتجاز راجزهم بما تقدم، وقول علي «عليه السلام»: الحمد لله الذي أظهر الإسلام وقمع الشرك، ذكره آخرون أيضاً([18]).

وسيأتي تعليقنا على الفقرات الأخيرة إن شاء الله تعالى.

النبي في بني قريظة:

ويقول المؤرخون: قدَّم رسول الله «صلى الله عليه وآله» علي بن أبي طالب برايته (العظمى) إلى بني قريظة، وابتدرها الناس.

فسار حتى دنا من الحصون، فسمع منها مقالة قبيحة لرسول الله، فرجع حتى لقي النبي «صلى الله عليه وآله» في الطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابيث

(وفي نص آخر: ارجع يا رسول الله، فإن الله كافيك اليهود.)

قال: لِمَ؟ أظنك سمعت منهم لي أذى.

قال: نعم يا رسول الله.

قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً.

فلما دنا منهم (زاد في نص آخر: أمرهم «صلى الله عليه وآله» أن يستروه بجحفهم ليقوه الحجارة حتى يسمع كلامهم، ففعلوا)، فناداهم: يا إخوان القردة (والخنازير)، هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته؟!

فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولاً (أو: ما كنت فاحشاً) الخ..»([19]).

زاد في بعض النصوص قوله: «فدعاهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فأبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فقاتلهم رسول الله ومن معه من المسلمين حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وأبوا أن ينزلوا على حكم النبي «صلى الله عليه وآله»، فنزلوا على داء»([20]).

وفي نص آخر أنهم: «أشرفوا عليه وسبوه وقالوا: فعل الله بك، وبابن عمك، وهو واقف لا يجيبهم»([21]).

غير أن نصاً آخر يشير: إلى أن علياً سمع منهم قولاً سيئاً لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأزواجه رضي الله عنهن، فكره أن يسمع ذلك رسول الله([22]).

ويذكر القمي: أن علياً «عليه السلام» جاء، وأحاط بحصنهم، فأشرف عليهم كعب بن أسيد من الحصن يشتمهم، ويشتم رسول الله الخ..

قالوا: لما قال «صلى الله عليه وآله» لهم: يا إخوة القردة والخنازير، وعبدة الطاغوت أتشتموني؟! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم،

أشرف كعب من أسيد بن الحصن، فقال: يا أبا القاسم، ما كنت جهولاً، فاستحيا رسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى سقط الرداء عن ظهره، حياء مما قاله.

وفي نص آخر: وجعل يتأخر استحياء، مما قاله لهم([23]).

قالوا: وكان علي قد سبق في نفر من المهاجرين والأنصـار فيهم أبو قتادة. وغرز علي الراية عند أصل الحصن، فاستقبلونـا في صياصيهم يشتمون رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأزواجه.

قال أبو قتادة: وسكتنا وقلنا: السيف بيننا وبينكم.

وطلع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فلما رآه علي «عليه السلام» رجع إليه، وأمرني أن ألزم اللواء، وكره أن يسمع رسول الله «صلى الله عليه وآله» أذاهم وشتمهم([24]).

أما الطبرسي «رحمه الله» فيقول: إنه «صلى الله عليه وآله» قال لهم: يا إخوة القردة، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، يا عباد الطاغوت، اخسأوا أخسأكم الله، فصاحوا يميناً وشمالاً: يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً فما بدا لك؟

قال الإمام الصادق «عليه السلام»: فسقطت العنزة من يده وسقط رداؤه من خلفه، وجعل يمشي إلى ورائه، حياء مما قال لهم([25]).

ويقول نص آخر: فلما نزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» بحصنهم، وكانوا في أعلاه نادى بأعلى صوته نفراً من أشرافهم حتى أسمعهم، فقال: أجيبوا يا معشر يهود، يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي الله عز وجل، فحاصرهم([26]).

وعند اليعقوبي: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لما عرف من علي «عليه السلام»: أنهم أساؤوا القول، قال بيده هكذا، وهكذا. فانفرج الجبل حين رأوه.

وقال: يا عبدة الطاغوت، يا وجوه القردة والخنازير، فعل الله بكم وفعل.

فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فاحشاً.

فاستحيا، فرجع القهقرى([27]).

وفي نص آخر أنهم: لما ترسوا عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» وخاطبهم بيا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطواغيت أتشتموني، فجعلوا يحلفون بالتوراة التي أنزلت على موسى ما فعلنا، ويقولون: يا أبا القاسم، ما كنت جهولاً([28]).

ونقول:

إننا نرتاب كثيراً في دعوى أن يكون رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد كلمهم بكلام فاحش، برر اعتراضهم عليه لأجله حتى استحيا مما صدر منه حتى سقطت العنزة من يده، والرداء عن ظهره، ورجع القهقرى استحياء.

وذلك لأنه «صلى الله عليه وآله» إنما يشير بقوله لهم: يا إخوان القردة والخنازير إلى المسخ على صورة القردة والخنازير، الذي وقع في إخوانهم وقومهم من بني إسرائيل، بسبب ما ارتكبوه في حق الدين وأهله.

فهو «صلى الله عليه وآله» لم يكن بذلك فحاشاً، ولا قال لهم ذلك عن جهالة، بل أراد أن يذكرهم بعواقب التمرد على الله الذي لمسوه بأنفسهم، وعرفوا عواقبه السيئة ورأوها بأم أعينهم. فلم يكن تصرف الرسول تجاههم وموقفه منهم عن جهالة أيضاً بل هو في غاية الحكمة والدقة، وليس فيه ما يوجب الاستحياء، ولا ما يستوجب سقوط العنزة من يده والرداء عن ظهره.

مفارقة ما كنت جهولاً!!

إن من غريب الأمور: أن نجد اليهود الغدرة، الفجرة، الذين ما فتئوا يوجهون أنواع السباب للمسلمين، ولخصوص الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» ـ بل لقد ذهبت بهم الجرأة إلى حد التعرض بالسباب لأزواجه عليه وعلى آله الصلاة والسلام ـ هؤلاء اليهود بالذات يتظاهرون الآن بأنهم من أنصار الالتزام بالقيم والمثل، ويذكرون النبي «صلى الله عليه وآله» بها. مع أنه «صلى الله عليه وآله» لم يتجاوز عما تفرضه القيم والمثل قيد أنملة، فإنه لم يخاطبهم إلا بما هو حق وواقع، بهدف ردعهم عن ممارساتهم المشينة واللاأخلاقية.

على أن موقفهم هذا: لم نجد له أثراً في تصحيح مواقفهم، والالتزام بما تمليه قواعد الخلق السامي والنبيل، كما أنهم لم يستفيدوا مما عرفوه ووثقوا به واطمأنوا إليه من صفات النبل والكرامة. إلا في دفع غائلة إظهار بعض واقعهم، وإيقاف ما يتعرضون له من فضح لهذا الواقع، حتى لا تزيد هذه الفضيحة وتنتشر، وتتفاعل، لتعيق وصولهم لبعض ما يطمحون للوصول إليه.

وخلاصة الأمر: إنهم في حالة الأمن يغدرون، ويفعلون كل منكر، ويرتكبون كل ما هو سفه ونذالة.

وإذا قدروا فإنهم لا يتورعون عن ارتكاب أبشع الجرائم في حق من يرون به خطراً على مصالحهم الدنيوية.

وإذا عجزوا؛ فإنهم يتظاهرون بالولاء للقيم، والمثل العليا في حين أنهم يتربصون ويترصدون الفرص لتجاوز حالة العجز تلك ليعودوا للانطلاق في مهمه ضلالاتهم، وممارسة أبشع أنواع الوغول في الدنس والرذالة والرذيلة.

ويقول البعض: «هذه خلال اليهود، يسفهون إذا أمنوا، ويقتلون إذا قدروا، ويذكرون الناس بالمثل العليا إذا وجلوا، ليستفيدوا منها وحدهم لا لشيء آخر»([29]).

موقف مصطنع لابن حضير:

ويقولون: «سار رسول الله «صلى الله عليه وآله» إليهم، وتقدمه أسيد بن حضير، فقال: يا أعداء الله، لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعاً، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في جحر.

قالوا: يا ابن الحضير، نحن مواليكم دون الخزرج، وخاروا، وقال: لا عهد بيني وبينكم، ولا إلٌَّ»([30]).

ونحن نرتاب في صحة هذه الرواية: ونقدِّر أنها مصطنعة لصالح ابن حضير الذي كان ثمة اهتمام بنسبة الفضائل إليه، بسبب مواقفه المؤيدة للحكام بعد رسول الله والمناهضة لبني هاشم. وسبب ريبنا في صحة هذه الرواية هو ما يلي:

أولاً: إن الروايات تقول: إنه «صلى الله عليه وآله» قدم علياً «عليه السلام» إلى بني قريظة، وليس ابن حضير، وقول الحلبي: «تقدم أسيد إلى بني قريظة يجوز أن يكون قبل مقدم علي لهم، ويجوز أن يكون بعده»([31]) ليس له ما يبرره، إذ إن كلامه هذا لا يحل مشكلة التنافي بين تقديم علي «عليه السلام» وتقديم أسيد، لأن الثابت هو تقديم علي دون غيره.

ويمكن المناقشة فيما ذكرناه: بأن النص المذكور لم يصرح بأن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي قدم أسيد بن حضير، فقد يكون أسيد قد ذهب إليهم من تلقاء نفسه وبصفته الشخصية، لا أنه كان على رأس الجيش.

فإن النص يقول: «تقدمه أسيد بن حضير».

ولكن ذلك غير مقبول: فإن تحرك أسيد أو غيره من تلقاء نفسه، ومن دون إذن أو تقديم منه «صلى الله عليه وآله» بعيد وغير سديد.

ثانياً: يلاحظ: أن ابن حضير قد نسب الحلف الذي نفاه إلى نفسه لا إلى قومه حيث قال: «لا عهد بيني وبينكم، ولا إلٌّ»!!

إلا أن يقال: إن نقض أحد زعماء القبيلة لحلف وكذلك عقده له هو عند العرب ملزم لقبيلته كلها.

ثالثاً: إن بني قريظة إنما خافوا وخاروا حينما نادى علي «عليه السلام»: «يا كتيبة الإيمان الخ..»، فحينئذٍ أرسلوا إلى حلفائهم الأوس أن يأخذوا لهم مثلما أخذت الخزرج لبني قينقاع، وسيأتي ذلك تحت عنوان: الفتح على يد علي «عليه السلام».

القتال ثم الحصار:

«ثم قدم رسول الله «صلى الله عليه وآله» الرماة من أصحابه وأمرهم بأن يرموهم، ويراميهم اليهود واستمر الرمي إلى أن ذهبت ساعة من الليل، ورسول الله «صلى الله عليه وآله» واقف على فرسه عليه السلاح، وأصحاب الخيل حوله. ثم أمر «صلى الله عليه وآله» أصحابه بالانصراف.

قال كعب بن عمر المازني: فانصرفنا إلى منزلنا، وعسكرنا، فبتنا. وكان طعامنا تمراً بعث به سعد بن عبادة أحمال تمر، فبتنا نأكل منها، ولقد رئي رسول الله، وأبو بكر، وعمر يأكلون من ذلك التمر»([32]).

وكان طعام الصحابة أيام الحصار: التمر، يرسل به إليهم سعد بن عبادة، وقال «صلى الله عليه وآله» يومئذٍ: نعم الطعام التمر([33]).

وكانوا يقاتلونهم في كل يوم من جوانب الحصن، ويرمونهم بالنبل والحجارة([34]).

وعن عائشة بنت سعد، عن أبيها، قال: قال لي رسول الله «صلى الله عليه وآله»: يا سعد، تقدم فارمهم.

فتقدمت حيث تبلغهم نبلي، ومعي نيف عن الخمسين، فرميناهم ساعة وكأن نبلنا مثل جراد فانجحروا([35])، فلم يطلع منهم أحد، وأشفقنا على نبلنا أن يذهب، فجعلنا نرمي بعضها، ونمسك البعض([36]).

ويظهر من الرواية: أن ذلك قد كان فور وصول رسول الله «صلى الله عليه وآله» إليهم، وبعد أن كلمهم.

وحاصرهم المسلمون أشد الحصار([37]).

وجعل المسلمون يعقب بعضهم بعضاً، أي يقاتلهم فوج ويرتاح فوج. فلما أيقنوا بالهلكة تركوا رمي المسلمين، وأرسلوا نباش بن قيس لمفاوضتهم([38]).

ونقول:

إننا نذكر القارئ الكريم بالأمور التالية:

1 ـ قال الواقدي: «ويقال: إنه لم يطلع منهم أحد، ولم يبادر (يبارز خ ل) للقتال في روايتنا»([39]).

وقال ابن سعد: «ورموا بالنبل، فانجحروا، فلم يطلع منهم أحد»([40]).

وهذا لا ينافي ما تقدم: من أنهم كانوا يرمون المسلمين من حصونهم.

ولا ينافي قول اليعقوبي: «قتل من بني قريظة، ثم تحصنوا فحاصرهم الخ..»([41]).

إذ إن الواقدي إنما يتحدث عن فترة الحصار، وأنه لم يحصل قتال بالسيف إبان هذه الفترة.

وسيأتي: أنهم قد نزلوا لمواجهة بعض كتائب المسلمين التي قادها كبار الصحابة فهزموها. ثم لما جاءهم أمير المؤمنين هزمهم، واضطرهم إلى النزول على حكم الله ورسوله. وقد كان ذلك بعد الحصار وفي اليوم أو الأيام الأخيرة منه.

وسيأتي الحديث عن ذلك: تحت عنوان: الفتح على يد علي «عليه السلام».

2 ـ إننا لا نستغرب: أن يحاول سعد بن أبي وقاص، وابنته تسجيل فضيلة لسعد، لا سيما في مجال الرمي، الذي مارسه المسلمون في هذه الواقعة.

ولكن ما يلفت نظرنا:

أولاً: أن لا يرد هذه الحديث إلا على لسان سعد نفسه، حدث به ابنته التي تفردت بروايته عنه، وكأنه لم يكن يجرؤ على أن يتحدث به أمام الناس، الذين كانوا يعرفون الحقيقة، وقد عاشوها وعاينوها، حتى لا يواجه ما لا يحب.

ثانياً: يستوقفنا أيضاً: أن يتضمن حديث سعد لابنته تلويحاً ظاهر الدلالة إلى أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان هو البادئ في رمي بني قريظة، وهو أمر لا تؤيده الشواهد التاريخية، بل قد ثبت ما ينافيه ويرده، وأن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن يبدأ أحداً بقتال، حتى يبتدئ.

وقد تقدم هذا الأمر عنه وعن علي أمير المؤمنين «عليه السلام» فراجع.

3 ـ قولهم: إن رمي المسلمين لبني قريظة قد استمر إلى أن أيقنوا بالهلكة، فأرسلوا نباش بن قيس لمفاوضة النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله»، فرجع إليهم وأخبرهم: أنه «صلى الله عليه وآله» لا يقبل إلا بأن ينزلوا على حكمه فأرسلوا حينئذٍ بطلب أبي لبابة،

إن هذا القول موضع شك وريب أيضاً: فإن هناك نصوصاً تدل على أنهم بعد أن رجع إليهم نباش استمروا أياماً. صدوا خلالها حملات بقيادة بعض كبار الصحابة، فجاءهم علي «عليه السلام»، فقهرهم، واضطرهم إلى النزول على حكم سعد بن معاذ، كما سيأتي تفصيله.

ولكن هؤلاء يريدون تجاهل دور سيد الوصيين قدر الإمكان، حقداً منهم وحنقاً، وخيانة للدين وللحقيقة.

ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.

مدة الحصار:

قد اختلفت كلمات الرواة والمؤرخين في مدة حصار المسلمين لبني قريظة وذلك على النحو التالي:

1 ـ حاصرهم أياماً، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ([42]).

أو: «فحصرهم حتى نزلوا على حكمه»([43]).

2 ـ حاصرهم إحدى وعشرين ليلة([44]).

وفي نص آخر: بضعاً وعشرين ليلة([45]).

 

3 ـ عشرة أيام([46]).

4 ـ أربع عشرة ليلة([47]).

وفي نص آخر: بضع عشرة ليلة([48]).

5 ـ خمسة عشر يوماً([49]).

6 ـ خمسة وعشرين([50]).

7 ـ وقيل: حصرهم شهراً([51]).

الفتح على يد علي ×:

قد تقدم: أن بني قريظة قد طارت قلوبهم رعباً من علي «عليه السلام» حين قدم إليهم، ونزيد هنا:

أن من الأمور المثيرة: أننا نجد الزبير بن بكار، يذكر لنا في كتاب المفاخرات نصاً يفيد: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد بعث إلى بني قريظة أكابر أصحابه فهزموا، فبعث علياً، فكان الفتح على يديه تماماً كالذي جرى في خيبر.

فقد روى الزبير بن بكار مناظرة بين الإمام الحسن «عليه السلام» وبين عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، عند معاوية فكان مما قاله لهم الإمام الحسن «عليه السلام»:

«وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون.. أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث علياً بالراية، فاستنزلهم على حكم الله، وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها»([52]).

وقال القاضي النعمان مشيراً إلى جهاد علي «عليه السلام» في بني قريظة: «وانصرف رسول الله صلوات الله عليه وآله على بني قريظة، فقتلهم، وسبى ذراريهم، وكان ذلك بصنع الله لرسوله صلوات الله عليه وآله، وللمسلمين، وبما أجراه الله على يدي وليِّه علي صلوات الله عليه، وكان مقامه ذلك من أشهر المقامات وأفضلها»([53]).

ويروي المؤرخون: أنه لما تباطأ اليهود في إجابة طلب النبي «صلى الله عليه وآله» بالتسليم، والنزول على حكمه، صاح علي بن أبي طالب قائلاً:  «يا كتيبة الإيمان».

وتقدم هو والزبير بن العوام، وقال: «والله، لأذوقن ما ذاق حمزة أو اقتحم (أفتحن) حصنهم».

(فخافوا، وقالوا: ننزل على حكم سعد).

فأرسل اليهود إلى حلفائهم من الأوس: أن يأخذوا لهم مثلما أخذت الخزرج لإخوانهم بني قينقاع الخ..»([54]).

ونقول:

ليلاحظ القارئ: حشر اسم الزبير في هذا المقام!!

وقال ابن الحجاج:

أنــا مــولــى الـكـرار يـوم حنين        والـظـبا قـد تحكمت في  النـحـور

أنـا مـولـى لمـن بـه افـتـتـح الإس‍ـ      ـلام حصـني قـريـظـة  والنـضـير

والـذي عـلـم الأرامــل في بـــدر        عـلـى الـمشركين جـز الـشـعـور

مـن مـضــت لـيـلة الهرير وقتلاه               جــزافــاً يحـصـون بـالـتـكبـير([55])

وسام الفتح:

ويحدثنا التاريخ: أن جماعة من الصحابة اعترضوا على أبي بكر على إقدامه على غصب الخلافة من علي بعد وفاة النبي «صلى الله عليه وآله». وكان أول من تكلم منهم خالد بن سعيد بن العاص الأموي فقال له: «اتق الله، وانظر ما تقدم لعلي بن أبي طالب، أما علمت أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال لنا، ونحن محدقون به، وأنت معنا في غزاة بني قريظة، وقد قتل علي «عليه السلام» عدة من رجالهم.

(وعند البياضي: وقد قتل علي رجالهم.

وعند ابن طاووس: وقد قتل علي «عليه السلام» عشرة من رجالهم، وأولي النجدة منهم): وكان الذين يحدقون به «صلى الله عليه وآله» آنئذٍ: جماعة من ذوي القدر والشأن من المهاجرين والأنصار:

يا معاشر قريش، إني أوصيكم بوصية فاحفظوها عني، ومودعكم أمراً، فلا تضيعوه، إن علي بن أبي طالب إمامكم من بعدي، وخليفتي فيكم، وبذلك أوصاني جبرئيل عن الله عز وجل.. ».

ثم تذكر الرواية: احتجاج كل واحد من الاثني عشر، وبعضهم احتج بحديث الغدير.

قال: «وقال في اليوم الرابع (أو في يوم الجمعة) لما جاء معاذ وعثمان (وفي نص آخر: سالم) مولى حذيفة كل في ألف رجل، يقدمهم عمر، (وفي نص ابن طاووس: أتاه عمر، وعثمان، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن عمرو بن نفيل، فأتاه كل منهم متسلحاً الخ..

زاد في نص آخر: مع كل واحد منهم عشرة من رجال عشائرهم).

فلما توسط عمر المسجد، قال: يا أصحاب علي، إن تكلم فيكم أحد بالذي تكلم به الأمس لنأخذن ما فيه عيناه.

فقام إليه خالد (بن سعيد) فقال: يا ابن الخطاب، أبأسيافكم تهددنا؟ أم بجمعكم؟! إن أسيافنا أحد من أسيافكم، وفينا ذو الفقار، وسيف الله، وسيف رسوله، وإن كنا قليلين ففينا من كثرتكم عنده قلة، حجة الله، ووصي رسوله، ولولا أني أؤمر بطاعة إمامي لشهرت سيفي، وجاهدت في الله حتى أبلغي عذري، فقال أمير المؤمنين «عليه السلام»: شكر الله مقالتك، وعرف ذلك لك».

وتذكر نصوص هذه القضية أيضاً: أن عمر أمر خالداً بالسكوت، لأنه ليس من أهل المشهورة، فقال له خالد بن سعيد:

بل اسكت أنت، فإنك تنطق بغير لسانك، وتفوه بغير فيك، وإنك لجبان عند الحرب (كما يظهر) ما وجدنا لك في قريش فخراً.

وفي نص آخر: إنك ألأمها حسباً، وأقلها عدداً (أدباً)، وأخملها ذكراً، وأقلها غناء عن الله عز وجل وعن رسوله، وإنك لجبان عند الحرب، بخيل في الجدب، لئيم العنصر، مالك في قريش مفخر، فأسكته خالد.

زاد في الإحتجاج قوله: وأخسها قدراً([56]). وثمة زيادات أخرى فراجع.

 

قال ابن طاووس: «هذا الحديث روته الشيعة متواترين»([57]).

ولنا مع هذا الحديث وقفات، نقتصر منها على ما يلي:

1 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» إنما يوصي خصوص قريش بهذه الوصية بحضور ذوي القدر والشأن من أصحابه المهاجرين والأنصار.

ولا نبعد إذا قلنا: إنه «صلى الله عليه وآله» كان على معرفة تامة بنوايا قريش تجاه خلافة علي «عليه السلام» بعده، وقد كان وما يزال يلمح ويصرح به لهم في المناسبات المختلفة منذ أوائل بعثته «صلى الله عليه وآله». وكان يدرك تململ قريش، ومن يدور في فلكها من هذا الأمر، ورفضها الباطني له. هذا الرفض الذي كان يترجم في مواقف عملية لهم، وأسلوب تعامل هنا وهناك. وقد ذكرنا بعض ما يوضح هذا الأمر في كتابنا: «الغدير والمعارضون»، فليراجعه من أراد.

2 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» لم يكن ليوصي ذوي القدر والشأن من المهاجرين والأنصار، بهذه الوصية الحساسة والخطيرة، والثقيلة جداً على الكثيرين منهم، إلا حين يكون علي «عليه السلام» قد حقق إنجازاً كبيراً عجز عنه الآخرون.

وقد ألمحت الرواية إلى هذا الانجاز، وهو: أنه «عليه السلام» قد قتل رجالهم، أو عشرة من رجالهم، وأولي النجدة منهم (أي من بني قريظة).

وقد ذكرت النصوص المتقدمة أيضاً: أن فتح قريظة كان على يديه «عليه السلام»، وتحدثت عن رعب بني قريظة منه بمجرد معرفتهم بقدومه إلى حصنهم، وتحدثت عن هزيمة كبار الصحابة الذين أخذوا الراية، ثم فتح الله على يديه، تماماً كما جرى في خيبر.

وكل ذلك يشجعنا على القول: إنه «صلى الله عليه وآله» لم يكن ليطرح قضية إمامة علي «عليه السلام» بعده، وهو يعلم أن في أصحابه من يستميت في سبيل إبطال هذا الأمر وإفشاله، إلا حينما تكون ثمة هزيمة نكراء لأولئك المناوئين، ونصر مؤزر لأمير المؤمنين «عليه السلام» يلجمهم عن التفوه بأي اعتراض، ويصدهم عن السعي لبلبلة الأفكار، وتسميم الأجواء والتشكيك في صوابية ما يوصيهم به «صلى الله عليه وآله»، ويأمرهم بالتزامه.

ويلمح إلى هذا بل يصرح به نفس هذا النص الذي نحن بصدده، حيث ذكر أنه «صلى الله عليه وآله» إنما قال لهم ذلك حين قتل «عليه السلام» رجال بني قريظة، أو عشرة من رجالهم وذوي النجدة منهم، حسبما تقدم.

3 ـ إن الهيئة الحاكمة وأنصارها حين أعوزتهم الأدلة والبراهين لجأوا إلى أسلوب التهديد، والوعيد، والقمع، وعرض العضلات.

ولولا أنهم كانوا على علم بأن قرار علي «عليه السلام» هو تجنب المواجهة المسلحة لكانوا قد حسبوا ألف حساب قبل أن يقدموا على ذلك.

4 ـ إن وقائع هذه القضية تعطينا: أن هؤلاء الأعيان من الصحابة حين أعلنوا عدم شرعية ما أقدم عليه أبو بكر وحزبه، واعتبروا ذلك تعدياً وغصباً، ومخالفة صريحة لأوامر النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»، فإنهم قد انطلقوا في مواقفهم هذه، من ثوابت عقائدية، واستجابة لشعور ديني وضميري وهَّاج ومرهف.

ولكن هذه المواجهة ـ رغم ذلك ـ: لم تتحول إلى غوغائية، أو حالة انفعالية، رغم استفزاز الحكم لهم، ومحاولته تطوير الصراع، لأنه كان يرى: أن من مصلحته تصعيد التحدي ليتفادى المأزق الذي يجد نفسه فيه، وهو يرى نفسه عاجزاً عن تبرير ما أقدم عليه بصورة منطقية ومعقولة.

ومن جهة أخرى: فإن هذه المعارضة قد عبرت في رفضها الاستجابة إلى استفزازت السلطة، عن أن ذلك ينطلق من التزامها الدقيق بطاعة قيادتها، ومن انضباطية صارمة وملفتة للنظر، فهي التي تقرر حجم الصراع ومستواه، وأساليبه ووسائلـه، وهي التي تفرض ما تقرره على خصومها أياً كانوا.

5 ـ إن خالد بن سعيد بن العاص الأموي قد وصف علياً هنا ب‍ «الوصي».

ونود أن نذكِّر القارئ الكريم: بأن هذا اللقب له «عليه السلام» كان معروفاً لدى الصحابة، ولدى عموم الناس، وكانوا يطلقونه عليه صلوات الله وسلامه عليه في كثير من المناسبات، وقد ذكر المعتزلي طائفة من الأشعار والأرجاز التي أوردت هذا اللقب([58]).

وتجده يتكرر كثيراً في كلمات وأشعار وأرجاز الناس في حربي الجمل وصفين، وغيرهما.

بل إن الخوارج قد احتجوا لخروجهم على أمير المؤمنين «عليه السلام» بقولهم: «زعم أنه وصي فضيَّع الوصية»([59]). وتتبع النصوص التي أوردت هذا الوصف له «عليه السلام» يحتاج إلى توفر تام، وتأليف مستقل.

6 ـ لقد أظهر هذا النص: أن عمر بن الخطاب لم تكن له مكانة مرموقة في قريش. وإنما استفاد من الظروف السياسية والاجتماعية في أيام الإسلام الأولى، لينشئ لنفسه موقعاً، ويحيط نفسه بهالة من نوع ما، ولا سيما في مجتمع المدينة، الذي كان أقل تجربة من المجتمع المكي، وأبعد عن أحابيل السياسة ومناورات وكيد السياسيين.

7 ـ لقد هدد خالد بن سعيد عمر بن الخطاب ومن معه بذي الفقار، وبعلي «عليه السلام» سيف الله وسيف رسوله.

ولم يعترض عليه عمر بشيء.

وهذا قد يلمح: إلى أن هذا اللقب «سيف الله» هو من ألقاب علي «عليه السلام»، وقد دلت على ذلك روايات كثيرة عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»([60]).

ولكن الآخرين قد سرقوا هذا اللقب، ومنحوه لخالد بن الوليد، مكافأة له على قتله ذلك الرجل المسلم مالك بن نويرة، ثم الزنى بامرأته ليلة قتله.

وقد برروا قتله له بأنه كان يمتنع عن إعطاء الزكاة للحاكم المغتصب لمقام الخلافة. مع أن السبب الحقيقي هو عشقه لزوجة المقتول.

وقد أعطاه أبو بكر هذا الوسام حينما طالب عمر بمجازاة خالد: «لإحن قديمة بينهما ما كنت لأشيم سيفاً سله الله على أعدائه»([61]).

ثم نسبوا ذلك إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»([62]).

مع أن صاحب اللقب الحقيقي هو علي «عليه السلام» كما أسلفنا.

8 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» قد أعلن لهم (أي للمهاجرين والأنصار) أمر ولاية علي «عليه السلام» في نفس الساعة التي شاهدوا فيها أثر علي «عليه السلام» في نصرة دين الله، حيث تحقق الفتح على يده، ورأوا بأم أعينهم فرار أولئك الذين يدبرون أو يشاركون في التدبير للإستئثار بالأمر، ونقض عهد الله ورسوله فيه.

وسيكون لهذا الكلام وقعه العميق في النفوس. ولا بد من أن تحتفظ به الذاكرة أزمنة طويلة، وسيتذكره الذين سمعوه في نفس اللحظات التي يرون فيها أن وصية الرسول «صلى الله عليه وآله» قد خولفت، وأوامره وعهوده قد نُقضت.

ولذلك بادر خالد بن سعيد بن العاص إلى التذكير بهذه الوصية في هذه اللحظة بالذات، وسجل إدانته الصريحة لمخالفتهم أوامر النبي «صلى الله عليه وآله»، ونقضهم لعهده.

9 ـ إن النبي الكريم «صلى الله عليه وآله» قد حصر عواقب نقض وصيته في علي «عليه السلام» بأمور ثلاثة، هي:

ألف: الإختلاف في الأحكام.

ب: إضطراب أمر دينهم عليهم.

ج: أن يليهم شرارهم.

وهي أمور لا بد أن يولوها أهمية بالغة، لأنها تضر بسعادتهم الدنيوية، والأخروية على حد سواء. فإن ولاية الأشرار تضر بأمنهم، بجميع وجوهه، وفي مختلف مواقعه، فلا أمن على الأوراح، ولا على الأعراض، ولا على الأموال.. كما أنه يفقدهم الثقة بسياسات حكامهم، وبنواياهم، وبصحة تفكيرهم، وسلامة قراراتهم يفقدهم القدرة على التخطيط للمستقبل، الأمر الذي يجعلهم في مهب الريح، تتقاذفهم رياح الأهواء، وتكون قراراتهم مرتجلة، وعشوائية، وغبية، ويكون غيرهم هو الذي يتحكم بمصيرهم، حسبما يحلو له، وبما ينسجم مع ما يراه من مصلحته.. وذلك هو الضياع والخسران المبين في الحياة الدنيا..

كما أن إبعاد من نصبه الله ولياً وحاكماً، وإماماً عن موقعه الطبيعي، يؤدي بهم إلى الاختلاف في الأحكام، لأن الناس إذا تركوا إمامهم صاروا مثل غنم غاب عنها راعيها. ولن يجديهم نفعاً لجوءهم إلى أناس عاديين مثلهم، فإنهم سوف لا يهتدون إلى كثير من الأحكام، لأنهم يملكون من المعرفة بكلام الرسول «صلى الله عليه وآله» وبمواقفه، أو قد يعرفون عدداً منها ما يكفي للأمن من الزلل والخطل.. كما أن ما علموه من أقواله «صلى الله عليه وآله» ومواقفه، يجهلون مبرراته، وحيثياته، فيفهمونه على غير وجهه، فقد يتوهمون العام خاصاً، أو الخاص عاماً، والمقيد مطلقاً وعكسه. وتختلط عليهم أمور كثيرة فيما يرتبط بالقواعد والمناهج..

هذا كله، بالإضافة إلى سعي ذوي النفوذ، وطلاب اللبانات، وأصحاب الأهواء إلى التدخل في الأحكام، وفرضهم التلاعب بها لمصلحتهم .. والأحداث والوقائع التاريخية خير شاهد على ذلك.

10 ـ وآخر ما نذكره في تعليقنا على الحدث المتقدم، أنه يذكر: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أوصى قريشاً بقبول خلافة وإمامة علي «عليه السلام» بعده، بعد أن قتل علي «عليه السلام» بني قريظة، أو رجالاً من أهل النجدة فيهم.. وهذا يؤيد ما قاله ابن واضح اليعقوبي: «وقتل من بني قريظة، ثم تحصنوا فحاصرهم»([63]).

ثم كان الفتح أخيراً أيضاً على يد أمير المؤمنين علي «عليه السلام» كما أكدته سائر النصوص التي قدمناها.

مبارزة الزبير لقريظي:

عن عكرمة: «لما كان يوم بني قريظة، قال رجل من اليهود: من يبارز؟ فقام إليه الزبير، فبارزه.

فقالت صفية: واجدي.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أيهما علا صاحبه قتله، فعلاه الزبير، فقتله، فنفله رسول الله «صلى الله عليه وآله» سلبه»([64]).

ونقول:

1 ـ قال الواقدي: «ولم يسمع بهذا الحديث في قتالهم وأراه، وهل هذا في خيبر»([65]).

2 ـ تقدم أنه لم يطلع أحد من بني قريظة، ولم يبادر (يبارز) للقتال([66]). أما حينما ذهب إليهم غير علي، فإن الذاهبين إليهم قد هزموا بمجرد أن رأوا بني قريظة ينزلون إليهم، وأما حينما ذهب إليهم علي نفسه، فإنه هو استنزلهم من حصونهم فنزلوا منها على حكم سعد بن معاذ([67]).

3 ـ تقدم أيضاً ما يقرب من هذه القصة في غزوة الخندق، وأثبتنا أنها مكذوبة والظاهر: أن هؤلاء الناس متحيرون كيف يمكنهم تسطير الفضائل لمن يحبونهم. والله سبحـانه لم يزل ولا يزال يكشف زيف دعـاويهم العريضة وأقاويلهم وأباطيلهم، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

الحرب خدعة:

ويقولون: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قال يوم بني قريظة: «الحرب خدعة»([68]).

ونحن نستبعد أن يكون «صلى الله عليه وآله» قد قالها في هذه المناسبة، إذ لا مناسبة تقتضي ذلك، ولم يقم المسلمون بأي عمل فيه شيء من الخداع لبني قريظة. بل هم قد حاصروهم، وشددوا عليهم الحصار، وحصلت بعض المناوشات على الطريقة المعروفة والمألوفة.

ولم يوفق الذين قاموا بمهاجمتهم أولاً، حتى هاجمهم علي أمير المؤمنين، فكان الفتح على يديه «عليه السلام».

 

الفصل الثالث:

 

فشل المفاوضات وخيانة أبي لبابة

 

إسلام أبناء سعية:

«وقال ثعلبة، وأسيد أبنا سعية، وأسد بن عبيد عمهم: يا معشر بني قريظة، والله، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وإن صفته عندنا، حدثنا به علماؤنا، وعلماء بني النضير، هذا أولهم ـ يعني حيي بن أخطب ـ مع جبير ابن الهيبان، أصدق الناس عندنا، هو خبَّرنا بصفته عند موته.

قالوا: لا نفارق التوراة.

فلما رأى هؤلاء النفر إباءهم، نزلوا في الليلة التي نزلت قريظة، فأسلموا، فأمنوا على أنفسهم، وأهلهم، وأموالهم»([69]).

وأسيد، وأسد وثعلبة لم يكونوا من بني قريظة ولا النضير بل كانوا فوق ذلك([70]). وهم نفر من هدل، من بني عم قريظة([71])، وليس من هذيل، كما في بعض المصادر التي زعمت أيضاً: أنهم من هذيل إخوة قريظة والنضير([72]).

وكان سبب إسلامهم: أن ابن الهيبان ـ من يهود الشام ـ قدم على بني قريظة فأقام عندهم، وكان يستسقي لهم أيام القحط، فيسقون، فحضرته الوفاة، فأخبرهم: أن سبب خروجه إلى يثرب هو أنه يتوقع خروج نبي قد أظل زمانه، مهاجره المدينة ليتبعه. ثم أوصاهم باتباعه.

فلما كان فتح بني قريظة قال أولئك النفر ـ وكانوا شباناً أحداثاً ـ : يا معشر يهود، والله، إنه الذي كان ذكره ابن الهيبان.

فقالوا: ما هو به.

قالوا: بلى والله، إنه لصفته.

ثم نزلوا، وأسلموا، وخلوا أموالهم، وأولادهم، وأهاليهم.

قال ابن إسحاق: وكانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فتح ردَّ ذلك عليهم([73]).

ونقول:

في النفس من هذه الرواية شيء، فإن ابن الهيبان قد مات قبل بعثة النبي «صلى الله عليه وآله»، والبعثة كانت قبل فتح قريظة بحوالي ثمانية عشر عاماً.

ولا بد أن يكون أبنا سعية حين موت ابن الهيبان شباباً، يدركون مغزى كلام ابن الهيبان، ويفهمون وصيته، ولا أقل من أن يكون لهم من العمر عشر سنين، فيكون عمرهم حين فتح قريظة حوالي ثلاثين سنة، فكيف يكون أولئك النفر عند فتح قريظة شباباً أحداثاً؟!.. إلا إذا كان يصدق على ابن الثلاثين أنه حدث!

وأما السؤال: عن سبب هجرة ابن الهيبان إلى المدينة وليس إلى مكة.

فقد يجاب عنه: بأن مكة لم تكن تقبل بسكنى اليهود فيها، وإن كان هذا الجواب محل نظر وتأمل، ويحتاج إثبات ذلك أو نفيه إلى دراسة وافية لهذا الموضوع.

عمرو بن سعدى ومحمد بن مسلمة:

1 ـ يذكر المؤرخون: أن عمرو بن سعدى اليهودي، قد صارح قومه بأنهم قد عاهدوا محمداً: ألا ينصروا عليه أحداً، وأن ينصروه ممن دهمه، فغدروا ولم يشركهم ابن سعدى في غدرهم، وقال لهم: «فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية، وأعطوا الجزية، فوالله، ما أدري يقبلها أم لا.

قالوا: نحن لا نقر للعرب بخرج في رقابنا، يأخذوننا به. القتل خير من ذلك.

قال: فإني بريء منكم. وخرج في تلك الليلة مع ابني سعية، حتى أتى مسجد رسول الله، فبات فيه، فلما أصبح غدا، فلم يدر أين هو حتى الساعة.

فسئل «صلى الله عليه وآله» عنه، فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه»([74]).

2 ـ وقال المؤرخون أيضاً: «خرج في تلك الليلة (أي ليلة نزول بني قريظة على حكم النبي «صلى الله عليه وآله» عمرو بن سعدى القرظي، فمر بحرس رسول الله «صلى الله عليه وآله» وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟!

قال: أنا عمرو بن سعدى. (وكان قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله «صلى الله عليه وآله».

وقال: لا أغدر بمحمد أبداً).

فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله؛ فخرج حتى أتى مسجد رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالمدينة تلك الليلة.

ثم ذهب، فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا، فقال رسول الله فيه ما سبق.

3 ـ إن البعض يزعم: أنه كان أُوثق بِرِمّة فيمن أُوثق من بني قريظة، فأصبحت رمته ملقاة، ولا يدري أن يذهب، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيه تلك المقالة([75]).

4 ـ إن ابن خلدون يقول: «وفر عنهم عمرو بن سعدى القرظي، ولم يكن دخل معهم في نقض العهد، فلم يعلم أين وقع»([76]).

5 ـ قال الذهبي وغيره: «كان عمرو بن سعدى اليهودي في الأسرى، فلما قدموه ليقتلوه، فقدوه، فقيل: أين عمرو؟!

قالوا: والله، ما نراه، وإن هذه لرمته التي كانت فيها (الرمة قطعة من حبل) فما ندري كيف انفلت.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أفلت بما علم الله في نفسه»([77]).

ونقول:

أولاً: إنك ترى النصوص التاريخية لهذا الحدث مختلفة فيما بينها، مما يشير إلى وقوع تشويه عفوي أو عمدي في هذه القضية.

ثانياً: إذا كان هذا الرجل قد أبى الدخول مع قومه في الغدر، فمن الواضح: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لن يعاقبه بما فعل الآخرون، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى([78]).

بل سوف يجد نفسه معززاً مكرماً في ظل الإسلام، حتى ولو أراد أن يبقى على يهوديته.

وذلك يجعلنا نشك كثيراً فيما يزعمونه من أنه قد ربط مع قومه ليقتل ثم هرب.

وكذا ما يزعمونه من أنهم قدموه ليقتلوه فانفلت منهم دون أن يشعروا.

وكذا القول إنه هرب قبل ذلك، إذ لماذا يربط؟

ولماذا يعرضونه للقتل، ولماذا يهرب؟ وهو لم يفعل ما يستحق به ذلك.

ولماذا لا يعتمد على سماحة الإسلام وعفوه وكرمه؟ وهو يعلم أن الإسلام لا يأخذ البريء بذنب المسيء؟

ولماذا يحتاج إلى تدخل إلهي لإنجائه؟ حتى قال النبي «صلى الله عليه وآله»: ذاك رجل نجاه الله بوفائه.

وهل كان «صلى الله عليه وآله» عازماً على قتله، مع علمه بوفائه، ثم نجاه الله منه؟!

ثالثاً: هل يمكن إفلات أحد من أيدي حراسه دون أن يشعروا به، مع أنهم قدموه ليقتلوه؟!

فهل هو من نوع الجن أو الملائكة، الذين يمكنهم إخفاء أنفسهم والانفلات دون أن يشعر بهم أحد، حتى في هذه اللحظات العصيبة والحساسة، ومع اجتماع الناس لأجل ذلك.

رابعاً: إن حديث إفساح محمد بن مسلمة له المجال لينفلت ويذهب إلى المسجد ليبيت فيه، ثم ذهب.. ينافي حديث ربطه مع قومه، وتقديمه للقتل، ولا ندري كيف نفسر هذا التصرف من محمد بن مسلمة، إذ لماذا لا يراجع فيه ابن مسلمة النبي «صلى الله عليه وآله»، ويستأمره في شأنه بل تصرف من عند نفسه، حتى لا يحرمه الله إقالة عثرات الكرام؟

وإذا كان عمرو بن سعدى لم يدخل مع قومه في الغدر، فأي عثرة له يريد محمد بن مسلمة أن يقيلها؟!

خامساً: ظاهر كلام البعض: أن ابن سعدى قد فر عن قومه، ولم يعلم أين وقع([79]).

ومعنى ذلك: أنه لم يؤسر، ولم يوثق، ولم يهرب من رمته، ولا حين تقديمه إلى القتل.

ونتيجة لما تقدم نقول:

إن الشبهة تحوم حول محمد بن مسلمة، الذي كانت له علاقات من نوع ما مع اليهود، وقد روي أن علياً «عليه السلام» قال لعمار بن ياسر: «ذنبي إلى محمد بن مسلمة: أني قتلت أخاه يوم خيبر، مرحب اليهود»([80]). ولعله كان أخاً له من الرضاعة، أو هو أخ له في الدين.

فَيُظن أنه هو الذي أفسح له المجال للهرب، وفق تفاهم بينهما، لا مجال للتكهن بتفاصيله وأسبابه.

كما أننا نرتاب في ما ينسب إلى النبي «صلى الله عليه وآله» من قول في هذا المجال، ولعل الأقرب هو ما ذكره البعض من أنه «صلى الله عليه وآله» قال: «أفلت بما علم الله في نفسه»([81]) والله هو العالم بحقيقة الحال.

لا يقرون للعرب بأي امتياز:

والشيء الذي رأيناه يتكرر من اليهود هو هذه المشاعر العنصرية التي ألحقت الأذى بهم باستمرار، وأهلكتهم أو كادت.

وقد عمل اليهود أنفسهم على تركيز هذا الإحساس القوي بالعنصر، حتى كأنهم فوق جميع البشر، وذلك من خلال ما انتهجوه من أساليب خادعة وماكرة لفرض هيمنتهم الثقافية على العرب، بعد أن فشلوا فشلاً ذريعاً في صراعهم العسكري معهم.

وهذا في الحقيقة أمر امتحنهم الله فيه، أظهر من خلاله ما يخفونه من روح حاقدة ومتكبرة، ومتغطرسة وشريرة، ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ([82]). ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ([83]).

مفاوضة نباش بن قيس مع النبي :

وحين أيقن بنو قريظة بالهلاك، بسبب رمي المسلمين لهم، أنزلوا نباش بن قيس، فكلم رسول الله «صلى الله عليه وآله» ساعة، وقال: يا محمد ننزل على ما نزلت عليه بنو النضير، لك الأموال، والحلقة، وتحقن دماءنا، ونخرج من بلادكم بالنساء والذراري، ولنا ما حملت الإبل إلا الحلقة، فأبى رسول «صلى الله عليه وآله».

فقالوا: فتحقن دماءنا، وتسلم لنا النساء والذرية، ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: لا، إلا أن تنزلوا على حكمي.

فرجع نباش إلى أصحابه بمقالة رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقال كعب بن أسد: يا معشر بني قريظة: والله، إنكم لتعلمون أن محمداً نبي الله. وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب، حيث لم يكن نبياً من بني إسرائيل، فهو حيث جعله الله. ولقد كنت كارهاً لنقض العهد والعقد، ولكن البلاء، وشؤم هذا الجالس (يعني حيي بن أخطب) علينا وعلى قومه، وقومه كانوا أسوأ منا. لا يستبقي محمد رجلاً واحداً إلا من تبعه.

أتذكرون ما قال لكم ابن حواس، حين قدم عليكم، فقال: تركت الخمر والخمير والتأمير، وجئت إلى السقاء والتمر والشعير؟!

قالوا: وما ذلك؟

قال: يخرج من هذه القرية نبي؛ فإن خرج وأنا حي اتبعته ونصرته، وإن خرج بعدي فإياكم أن تخدعوا عنه، فاتبعوه، وكونوا أنصاره وأولياءه، وقد آمنتم بالكتابين كليهما الأول والآخر.

قال كعب: فتعالوا؛ فلنتابعه، ولنصدقه، ولنؤمن به، فنأمن على دمائنا، ونسائنا وأموالنا، فنكون بمنزلة من معه.

قالوا: لا نكون تبعاً لغيرنا، نحن أهل الكتاب والنبوة، ونكون تبعاً لغيرنا؟!

فجعل كعب يرد عليهم الكلام بالنصيحة لهم.

قالوا: لا نفارق التوراة، ولا ندع ما كنا عليه من أمر موسى.

قال: فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج في أيدينا السيوف إلى محمد وأصحابه، فإن قُتِلنا، قُتِلنا وما وراءنا أمر نهتم به، وإن ظفرنا فلعمري لنتخذن النساء والأبناء فتضاحك حيي بن أخطب، ثم قال: ما ذنب هؤلاء المساكين؟

وقالت رؤساء اليهود: الزبير بن باطا وذووه: ما في العيش خير بعد هؤلاء.

قال: فواحدة قد بقيت من الرأي لم يبق غيرها، فإن لم تقبلوها فأنتم بنو استها.

قالوا: وما هي؟!

قال: الليلة السبت، وبالحري أن يكون محمد وأصحابه آمنين لنا فيها أن نقاتله، فنخرج، فلعلنا أن نصيب منهم غرة.

قالوا: نفسد سبتنا، وقد عرفت ما أصابنا فيه؟!

قال حيي: قد دعوتك إلى هذا وقريش وغطفان حضور، فأبيت أن تكسر السبت، فإن أطاعتني اليهود فعلوا.

فصاحت اليهود: لا نكسر السبت.

قال نباش بن قيس: وكيف نصيب منهم غرة، وأنت ترى أن أمرهم كل يوم يشتد. كانوا أول ما يحاصروننا، إنما يقاتلون بالنهار، ويرجعون الليل، فكان هذا لك قولاً، لو بيتناهم. فهم الآن يبيتون الليل، ويظلون النهار، فأي غرة نصيب منهم؟! هي ملحمة وبلاء كتب علينا.

فاختلفوا، وسقط في أيديهم، وندموا على ما صنعوا، ورقوا على النساء والصبيان. وذلك أن النساء (والصبيان) لما رأوا ضعف أنفسهم هلكوا، فبكى النساء والصبيان، فرقُّوا عليهم([84]).

وقفات مع ما تقدم:

ونقول:

تستوقفنا في هذا الحديث عدة أمور، نذكر منها ما يلي:

1 ـ قد تقدم عدم صحة قولهم: إنهم حين أيقنوا بالهلكة أرسلوا نباش بن قيس، فلما رجع إليهم بالفشل، طلبوا أبا لبابة، ثم نزلوا على حكم ابن معاذ.

والصحيح هو: أنهم بعد عودة نباش بقوا أياماً([85])، صدوا خلالها ـ كما تقدم ـ حملات بقيادة كبار الصحابة، فجاءهم علي، ونادى يا كتيبة الإيمان، وانتهى الأمر باستسلامهم على يديه، وطلبوا أبا لبابة، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، كما تقدم.

2 ـ إن العبارة الأخيرة قد أسندت الأمر إلى القضاء والقدر الذي لا مفر منه، وأنها كما يقول بنو قريظة: «ملحمة وبلاء كتب علينا» وذلك من منطق اعتقادهم بالجبر الإلهي.

رغم أن القرار في إبعاد هذه الملحمة والبلاء عنهم يعود إليهم، وبإمكانهم تغيير مسار الأحداث لو تصرفوا بحكمة وتعقل وإنصاف، وتركوا الانقياد إلى الهوى، وإلى العصبيات والعنجهيات الفارغة.

3 ـ إن صيغة اقتراح قتل النساء والذرية تظهر بوضوح حقيقة نظرة اليهود إلى عنصر المرأة، واعتبارها من شؤون الرجل، وأن لا شخصية ولا كيان لها إلا بمقدار ما تخدم أغراض الرجل وأهواءه، وما تقدم له من متعة، فليلاحظ قوله: «وإن ظفرنا فلعمري لنتخذن النساء والأبناء».

4 ـ إن اليهود الذين هم عبيد الدنيا، إنما يريدون تحقيق انتصارات كبيرة دون أن يكونوا على استعداد لخسارة أي شيء ذي بال، ومن دون أن يخوضوا حرباً، أو أن يقدموا شيئاً من الأموال والنفائس، بل هم يريدون أن يصلوا إلى أهدافهم عن طريق المكر والخديعة والاحتيال.

ولأجل هذا كانت مجالات تحركهم حين يواجهون الأزمات الكبيرة التي لا بد فيها من الصدام العسكري محدودة ومحصورة وضيقة إلى درجة كبيرة.

5 ـ لقد ابتلي اليهود بحب الدنيا، فقتلهم حب الدنيا بسيف الدنيا. وهذا هو غاية المهانة والخيبة، ومنتهى الخذلان والخسران.

6 ـ قد يمكر الإنسان بكل أحد، ويخدع أي إنسان، حتى أقرب الناس إليه؛ ولكنه لم يكن ليخدع نفسه أبداً.

اللهم إلا أن يكون على شاكلة الحطيئة الشاعر، الذي كان مولعاً بهجو الناس، فلما لم يجد أحداً يهجوه هجا نفسه، فقال:

أبـت شـفـتـاي اليوم إلا تـكـلمـاً بهجر فـما أدري الـذي أنـا  قـائـله

أرى لـي شكلاً قـبـح الله وجـهـه                فـقـبـح مـن وجـه وقـبـح حامله

وهذا بالذات هو ما جرى ليهود بني قريظة، فإنهم رغم اعتراف عدد من كبارهم بالحق وتأكيدهم على أن ما جاء به الرسول «صلى الله عليه وآله» هو محض الصدق، وأنه هو النبي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فإنهم أصروا على رفض الاعتراف به، والتسليم والبخوع له.

مع أنهم ما فتئوا يؤكدون على أنهم لم يفارقوا أمر موسى، ولا يريدون مفارقة التوراة، رغم أن نبوة محمد «صلى الله عليه وآله» هي من التوراة، كما أنه ليس في اتباع محمد «صلى الله عليه وآله» ترك للتوراة ولا لموسى، بل هو التزام بهما بنحو أتم وأكمل، وأوفى وأدق وأشمل.

7 ـ لقد امتحن الله سبحانه بني إسرائيل في أمر حساس للغاية، حيث واجههم بالأمر الذي هو أساس الداء الوبيل فيهم، حينما بعث نبياً من غيرهم، فثارت فيهم روح التمييز العنصري، وأكل قلوبهم الحسد. والأنكى من ذلك أنهم كانوا يدركون ذلك ويصرحون به.

ثم يسلمهم اللجاج، وحالة الاستكبار، والصدود عن الحق إلى الدمار والبوار، وبئس المصير، الذي اختاروه لأنفسهم، وفي العذاب هم مشتركون.

خيانة أبي لبابة:

وحين خاف اليهود من مهاجمة علي «عليه السلام» لهم، كما قدمناه، سألوا النبي «صلى الله عليه وآله» أن يرسل إليهم أبا لبابة؛ ليشاوروه في أمرهم فأرسله إليهم. وقال له: «فأتهم، وقل معروفاً»([86]).

قالوا: وكان أبو لبابة مناصحاً لهم، لأن ماله، وعياله، وولده كانت في بني قريظة([87]).

واسم أبي لبابة: زيد بن عبد المنذر، وهو من بني قريظة، ابتاعه النبي «صلى الله عليه وآله» وهو مكاتب، فأعتقه([88]). فلما طلع عليهم انتحبوا في وجهه يبكون، وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بقتال من وراءك([89]).

وبما أن نص الواقدي هو أجمع النصوص لخصوصيات ما حدث، فإننا نختاره على ما سواه ملخصاً عنه ثم نشير إلى سائر المصادر التي ذكرت النص كله أو بعضه أو اختصرته، فنقول:

لما اشتد الحصار على بني قريظة طلبوا من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يرسل إليهم أبا لبابة، فأرسله إليهم (ليلة السبت).

قال أبو لبابة: فقام كعب بن أسد، فقال: أبا بشير، قد علمت ما صنعنا في أمرك، وأمر قومك يوم الحدائق وبعاث، وكل حرب كنتم فيها. وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا، ومحمد يأبى أن يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه، فلو زال عنا لحقنا بأرض الشام، أو خيبر، ولم نطأ له حراً أبداً، ولم نكثر عليه جمعاً أبداً.

ثم أنحى أبو لبابة وكعب بن أسد باللائمة على حيي بن أخطب، فقال حيي: ملحمة وبلاء كتب علينا.

ثم استشاروا أبا لبابة في النزول على حكم النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال لهم: نعم، فانزلوا. وأشار إلى حلقه، هو الذبح.

ثم ذكر أبو لبابة: أنه ندم، فاسترجع، فقال له كعب: ما لك يا أبا لبابة؟!

قال: «فقلت: خنت الله ورسوله، فنزلت، وإن لحيتي لمبتلة من الدموع، والناس ينتظرون رجوعي إليهم».

ثم ذكر: أنـه أخـذ من وراء الحصن طريقـاً إلى المسجد، فـارتبط إلى الأسطوانة «المخلقة» وتسمى أسطوانة التوبة.

قال: وبلغ رسول الله ذهابي، وما صنعت.

فقال: دعوه، حتى يحدث الله فيه ما يشاء، لو كان جاءني استغفرت له.

قال: فكنت في أمر عظيم خمس عشرة ليلة.

ثم ذكر أنه كان قد رأى قبل ذلك رؤيا، فعبرها له أبو بكر، بقوله: «لتدخلن في أمر تغتم له، ثم يفرج عنك»، فكنت أذكر قول أبي بكر (رض) وأنا مرتبط، فأرجو أن تنزل توبتي([90]).

وعن الزهري: كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد استعمل أبا لبابة على قتالهم، فلما أحدث ما أحدث عزله واستعمل أسيد بن حضير.

وارتبط أبو لبابة سبعاً، وفي نص آخر: (عدة ليال) عند الأسطوانة التي عند باب أم سلمة، في حر شديد، لا يأكل فيهن ولا يشرب وقال: لا أزال هكذا حتى أفارق الحياة، أو يتوب الله عليَّ.

قال: فلم يزل كذلك، حتى ما يسمع الصوت من الجهد. ورسول الله «صلى الله عليه وآله» ينظر إليه بكرة وعشية. ثم تاب الله عليه.

وقد نزلت توبته في بيت أم سلمة في السحر. فاستأذنت رسول الله أن تؤذنه بذلك فأذن لها.

قالت: فقمت على باب الحجرة، وذلك قبل أن يضرب الحجاب، فقلت: يا أبا لبابة، أبشر، فقد تاب الله عليك، فثار الناس ليطلقوه فأبى إلا أن يطلقه رسول الله بيده، فلما خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى الصبح أطلقه.

تقول أم سلمة: رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يحل عنه رباطه، وأن رسول الله ليرفع صوته يكلمه، ويخبره بتوبته، ولا يدري كثيراً مما يقول من الجهد والضعف.

ويقال: مكث خمس عشرة مربوطاً. وكانت ابنته تأتيه بتمرات لفطره، فيلوك منهن ويترك، ويقول: والله، ما أقدر أن أسيغها فرقاً ألا تنزل توبتي. وتطلقه عند وقت كل صلاة، فإن كانت له حاجة توضأ، وإلا أعاد الرباط. وكان الرباط حز في ذراعه، وكان من شعر، وكان يداويه بعد ذلك دهراً. وكان يبين في ذراعه بعدما برئ([91]).

ونقول:

إن لنا مع هذه القضية وقفات:

أولاً: يلاحظ تناقض بين الروايات في مقدار المدة التي بقي أبو لبابة مرتبطاً فيها.

فقد تقدم أنها خمسة عشر يوماً، ورووا ذلك عن أم سلمة([92]).

وفي نص آخر: بضع عشرة ليلة، حتى ذهب سمعه، فما يكاد يسمع وكاد يذهب بصره وحتى خر مغشياً عليه([93]).

وقيل: سبع عشرة ليلة([94]).

وقال ابن إسحاق: خمساً وعشرين ليلة([95]).

وتقدم عن الزهري: أنه ارتبط سبعاً بين يوم وليلة([96]) حتى خر مغشياً عليه.

وقيل: ارتبط قريباً من عشرين ليلة أو عشرين ليلة([97]).

وقيل: ست ليال([98]).

ثانياً: لم نعرف السبب في ذهاب سمع أبي لبابة، ثم كاد أن يذهب بصره، فإن ترك الطعام والشراب، لمدة أسبوع أو أسبوعين، لا يوجب الطرش، ولا العمى، فلماذا يحتاح النبي «صلى الله عليه وآله» إلى أن يرفع صوته ليسمعه؟

كما أننا لا نعرف السبب في أنه غشي عليه، فإن ذلك أيضاً ليس من أسباب الإغماء.

ثالثاً: قد ذكرت رواية الزهري: أنه ارتبط في حر شديد([99]). وكان يوماً صائفاً([100]) لا يأكل ولا يشرب، فتسبب ذلك بذهاب سمعه، وكاد أن يذهب بصره.

ونقول:

قد تقدم في الفصل الأول من غزوة الخندق: قولهم: إن الخندق كانت في أيام شاتية، وبردٍ وقرٍّ شديد، بدءاً من حفر الخندق، وانتهاءً برحيل الأحزاب، فراجع، وقريظة بعد الخندق مباشرة.

رابعاً: قد تقدم أنهم لما عرفوا من أبي لبابة أن نزولهم على حكم رسول الله «صلى الله عليه وآله» يعني الذبح،

قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ([101]).

وذكر البعض: رواية أخرى عكس هذه، تقول: إنهم قالوا لأبي لبابة: ما ترى؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ؟!

فأومأ أبو لبابة إلى حلقه: أنه الذبح، فلا تفعلوا([102]).

خامساً: رواية أبي لبابة للقضية تقول: إنه ارتبط إلى الأسطوانة المخلقة، التي يقال لها: أسطوانة التوبة([103]).

لكن الواقدي يقول: «ويقال: ليس تلك، إنما ارتبط إلى أسطوانة كانت وجاه المنبر، عند باب أم سلمة، زوج النبي «صلى الله عليه وآله». وهذا أثبت القولين»([104]) وهو ما ذكرته رواية الزهري، ويفهم أيضاً من الرواية المنسوبة إلى أم سلمة([105]).

وعن ابن عمر: الأسطوان التي ارتبط إليها أبو لبابة هي الثانية من القبر، وهي الثالثة من الرحبة([106]).

وجدير بالملاحظة هنا: أنه يوجد مسجد يقال له مسجد التوبة بالعصبة، منازل بني جحجبا، من بني عمرو بن عوف من الأوس. والعصبة في غربي مسجد قباء، فيها مزارع، وآبار كثيرة([107]).

قال السمهودي: «وما علمت السبب في تسميته بمسجد التوبة»([108]).

ونقول:

إننا نرجح: أن يكون أبو لبابة، بعد أن فعل، ما فعل التجأ إلى هذا المسجد بالذات، لأنه يقع في منطقته. وأما ما جرى في مسجد النبي، فهو ارتباط العشرة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وأبو لبابة معهم، إذ لا معنى لأن يأتوا إلى منازل بني جحجبا من بني عمرو بن عوف ليرتبطوا في مسجدهم.

سادساً: بالنسبة للآيات نقول:

1 ـ اختلفوا في الآية التي نزلت في مناسبة توبة أبي لبابة، فهل نزل قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ..﴾، كما هو الأثبت عند الواقدي، والمقريزي، والحلبي([109])؟

أم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ..([110])؟

أو نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ([111])؟

أم أن آية لا تخونوا الله والرسول نزلت أولاً، ثم نزلت آية: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ حين حصول التوبة([112])؟

2 ـ إن الآيتين الأولى والثانية هما في سورتي التوبة والمائدة، وهما من أواخر ما نزل من القرآن، ومن البعيد جداً أن تبقى هاتان الآيتان معلقتين في الهواء طيلة سنوات عدة، دون أن تجعلا في سورة من السور القرآنية.

3 ـ إن آية سورة التوبة لا تنطبق على قصة أبي لبابة، لأنها تتحدث عن مجموعة من الناس خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، وليس عن رجل واحد.

ولو سلمنا: أنه أريد الفرد في سياق الحديث عن جماعة،

فإننا نقول: إن هذه الآية لا تدل على أن الله سبحانه قد قبل توبة أبي لبابة. بل أبقت الأمر مؤرجحاً بين الخوف والرجاء. وتحدثت عن إمكانية توبة الله عليهم في المستقبل.

وأجاب الحلبي بأن: «الترجي في حقه تعالى أمر محقق»([113]).

ونقول: إنه محقق في صورة تحقق التوبة، وهذا الترجي يشير إلى أن توبة أبي لبابة كانت ظاهرية لا واقع وراءها.

ومن جهة أخرى: فإن أبا لبابة لم يخلط بين العمل الصالح والآخر السيئ، بل ما صدر منه هو محض العمل السيئ، المتمثل بالخيانة، ثم أتبعه بالتظاهر بالتوبة.

4 ـ روي عن ابن عباس من وجوه: أن آية سورة التوبة قد نزلت في أبي لبابة، ونفر معه سبعة، أو ثمانية، أو سبعة سواه، تخلفوا عن غزوة تبوك، ثم ندموا فتابوا، وربطوا أنفسهم بالسواري الخ..([114]).

5 ـ روي عن ابن عباس، وابن المسيب: أن آية سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ..﴾ قد نزلت في أبي لبابة حين تخلف عن غزوك تبوك([115]).

6 ـ إن آية سورة المائدة تثبت الكفر والنفاق لأبي لبابة. مع أن التاريخ لا يحدثنا أنه كان من المنافقين.

إلا أن يقال: إن التاريخ إنما يثبت لنا ظواهر الأشخاص، ولا يمكنه الكشف عن بواطنهم وقلوبهم، فإذا جاء النص القرآني فهو المعيار. إذا ثبت أن هذه الآية قد نزلت في أبي لبابة.

7 ـ إن آية سورة المائدة أيضاً لا تنطبق على قصة أبي لبابة، لأنها أيضاً قد تحدثت عن جماعة من الناس كانوا يسارعون في الكفر وقضية أبي لبابة هي قضية شخص واحد.

أضف إلى ذلك: أن أبا لبابة ـ كما تحكي لنا قصته ـ لم يكن يسارع في الكفر، وإنما هي زلة، تداركها على الفور، وتاب منها. كما أن ما صدر منه ـ كما تحكيه القصة أيضاً ـ لم يكن لأجل عدم إيمان قلبه بهذا الدين، وإنما أخذته الشفقة عليهم لما رآهم يبكون.

ولا يفوتنا التنبيه إلى أن آية سورة المائدة، إن جاءت لتقرع أبا لبابة قبل توبته، فهي تأبى عن قبول حصول التوبة منه، لأنها تجعله من المنافقين، ثم تقرنه باليهود لعنهم الله، مع مزيد من التقريع الحاد والقوي.

سابعاً: «ذكر سعيد بن المسيب: أن ارتباطه بسارية التوبة كان بعد تخلفه عن غزوة تبوك، حين أعرض رسول الله «صلى الله عليه وآله» عنه وهو عليه عاتب بما فعل يوم قريظة، ثم تخلف عن غزوة تبوك في من تخلف»([116]).

وبعبارة أخرى: إنه لما أشار إلى حلقه أخبر عنه رسول الله «صلى الله عليه وآله» بذلك وقال له «صلى الله عليه وآله»: أحسبت أن الله غفل عن يدك حيث تشير إليهم إلى حلقك. فلبث جنباً ورسول الله «صلى الله عليه وآله» عاتب عليه. ثم لما غزا تبوك كان أبو لبابة فيمن تخلف. فلما قفل «صلى الله عليه وآله» جاءه أبو لبابة يسلم عليه، فأعرض عنه «صلى الله عليه وآله»، ففزع أبو لبابة، وارتبط بالسارية([117]).

فهذا يعني: أن رسول الله بقي عاتباً عليه بما فعله يوم بني قريظة، إلى غزوة تبوك، فلو كان أبو لبابة قد تاب وارتبط إلى سارية المسجد، ثم إن الله قبل توبته، وحله رسول الله «صلى الله عليه وآله» بيده، فلماذا يبقى عاتباً عليه بعد ذلك كل هذه المدة؟ وهل يمكن أن يرضى الله عن أبي لبابة، ويبقى الرسول غاضباً عليه؟!

كما أن رواية البيهقي والسيرة الحلبية تكاد تكون صريحة في أنه لم يتب مما فعله في بني قريظة.

ثامناً: إن نفس ما يذكرونه هنا، من أن أبا لبابة ارتبط في المسجد إلى أسطوانة التوبة، حتى نزلت توبته في الآيات المتقدمة، ولم يرض بفك نفسه إلا أن يتوب الله عليه، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً، حتى خر مغشياً عليه، ثم تاب الله عليه وجرى ما جرى من حل رسول الله «صلى الله عليه وآله» له، إنما كان في غزوة تبوك([118]).

تاسعاً: قد ذكرت روايات توبة أبي لبابة: أنه كان لا يأكل ولا يشرب، مع أنه قد تقدم أن ابنته كانت تأتيه بالتمرات، فيلوك منهن ويترك.

إلا أن يقال: إن ذلك كان يسيراً، لا يعتد به.

عاشراً: ذكرت الروايات المتقدمة: أنه لم يرجع إلى النبي «صلى الله عليه وآله» بل أخذ طريقاً إلى المسجد من وراء الحصن، فربط نفسه فيه.

مع أن رواية البيهقي والحلبي السابقة تقول: إنه عاد إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فطالبه النبي «صلى الله عليه وآله» بما فعل، وأن النبي «صلى الله عليه وآله» بقي عاتباً عليه إلى غزوة تبوك.

حادي عشر: زعمت الرواية السابقة: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد استعمل أبا لبابة على قتال بني قريظة، ثم لما صدر منه ذلك استبدله بابن حضير.

مع أن من البديهي: أن النبي لم يكن يؤمِّر أحداً سوى علي إذا كان  حاضراً.

إلا أن يكون: هو وابن حضير من جملة الذين ولاهم قيادة الجيش في بني قريظة فانهزموا، تماماً كما جرى في خيبر. وقد تقدم: أنه «صلى الله عليه وآله» قد بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فنزلوا من حصنهم فهُزموا، فبعث علياً بالراية، فاستنزلهم على حكم الله ورسوله([119]).

أو يقال: إنه كان قد ولاه على بعض الفرق المقاتلة، وكانت القيادة العامة للجيش كله بيد علي «عليه السلام».

ونسجل هنا ملاحظة هامة، وهي: السؤال عن سبب تأخير النبي «صلى الله عليه وآله» إطلاق سراح أبي لبابة إلى حين صلاة الصبح، رغم أنه لم يكن يبعد عنه سوى بضع خطوات.

ثاني عشر: وزعموا: أن أبا لبابة جاء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: أنا أهجر دار قومي التي أصبت فيها هذا الذنب، فأخرج من مالي صدقة إلى الله ورسوله؟

فقال النبي «صلى الله عليه وآله»: يجزي عنك الثلث.

فأخرج الثلث، وهجر دار قومه، ثم تاب الله عليه، فلم يبن في الإسلام منه إلا خير حتى فارق الدنيا([120]).

ونقول:

1 ـ لم نفهم السر في أن يجزيه الثلث إذا تصدق به، فهل عقوبة من يخون الله ورسوله هي أن يتصدق بثلث ماله، أو بأزيد من ذلك، لكن الثلث يجزيه؟!

2 ـ إن ظاهر هذه الرواية: أنه تصدق بثلث ماله وهجر دار قومه، قبل أن يتوب الله عليه.

مع أنهم يقولون: إنه لما أذنب اتخذ طريقاً من خلف الحصن إلى المسجد، وربط نفسه فيه، ولم يأت إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله».

3 ـ قولهم: فلم يبن في الإسلام منه إلا خير حتى فارق الدنيا، غير صحيح، فقد تخلف مع من تخلف في غزوة تبوك، وربط نفسه في المسجد ليتوب الله عليه، كما تقدم.

وبعد هذا فلا ندري مدى صدقه في تعهده بهجران مكان خان فيه ربه ونبيه، وكان له بها أموال فتركها([121])، وما إلى ذلك. إن صح أنه كان قد تعهد بذلك.

بل إننا لا نكاد نصدق: أن يكون أبو لبابة قد تصدق بثلث ماله، فضلاً عن أن يتصدق به كله.

ولا نصدق أيضاً: أنه كانت له أموال في بني قريظة فتركها. وذلك لأن لدينا ما يشير إلى اهتمام أبي لبابة بالدنيا إلى درجة أن يرد طلب رسول الله «صلى الله عليه وآله» في أمر يتيم، من أجل عذق من النخل.

يقول الواقدي ما ملخصه: كان أول شيء عتب فيه رسول الله «صلى الله عليه وآله» على أبي لبابة بن عبد المنذر أنه خاصم يتيماً له في عذق، فقضى رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالعذق لأبي لبابة، فصيَّح اليتيم واشتكى إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقال «صلى الله عليه وآله» لأبي لبابة: هب لي العذق يا أبا لبابة؟ لكي يرده «صلى الله عليه وآله» إلى اليتيم، فأبى أن يهبه له «صلى الله عليه وآله».

فقال «صلى الله عليه وآله» لأبي لبابة: أعطه اليتيم، ولك مثله في الجنة.

فأبى أبو لبابة أن يعطيه.

فقال رجل أنصاري اسمه ابن الدحداحة: أرأيت يا رسول الله، إن ابتعت هذا العذق، فأعطيته هذا اليتيم، ألي مثله في الجنة؟

فقال «صلى الله عليه وآله»: نعم.

فابتاع ابن الدحداحة العذق من أبي لبابة بحديقة نخل كانت له، فأعطاه اليتيم. فلم يلبث ابن الدحداحة أن قتل في حرب أحد شهيداً فقال «صلى الله عليه وآله»: رب عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة([122]).

ما نثق به من قصة أبي لبابة:

وربما يكون لقصة أبي لبابة أساس من الصحة، ولكن ليس بالصورة التي يذكرها المؤرخون.

وذلك بأن يكون قد خان الله ورسوله، وربما تكون توبته قد تأخرت إلى غزوة تبوك، وربما كانت توبته خوفاً من