الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ 1426 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

 

الجزء الثالث عشر

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الباب الخامس: حديث الإفك

 

الفصل الأول: النصوص والآثار

الفصل الثاني: نقد أسانيد حديث الإفك

الفصل الثالث: لا حافظة لكذوب (تناقض الروايات)

الفصل الرابع: عائشة في حديث الإفك

الفصل الخامس: شخصيات ومضامين غير معقولة

الفصل السادس: مفارقات تاريخية

الفصل السابع: القرآن .. وروايات الإفك

الفصل الثامن: نصوص غير معقولة في حديث الإفك

الفصل التاسع: نقاط ضعف أخرى في حديث الإفك

الفصل العاشر: الكيد السياسي في حديث الإفك

الفصل الحادي عشر: الإفك على مارية

الفصل الثاني عشر: قضية مارية بين الأخذ والرد

الفصل الثالث عشر: نهاية المطاف في حديث الإفك

الفصل الرابع عشر: ما عشت أراك الدهر عجباً

 

 

بـدايـة:

وحيث إنهم يذكرون «حديث الإفك» في مناسبة غزوة المريسيع، فقد آثرنا أن نورده في نفس هذا المورد أيضاً رغم اعتقادنا بأن الصحيح هو أنه قد حدث بعد ولادة إبراهيم ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله» من مارية.

وإنما ذكرناه هنا، لتيسير الوصول إليه على القارئ الكريم، فنقول:

حديث الإفك في فصول:

إننا قبل أن ندخل في الحديث حول موضوع الإفك نذكر القارئ بالأمور التالية:

الأول: إن ما نذكره هنا، وإن كان يعتمد بصورة أساسية وكبيرة على كتابنا: «حديث الإفك»، الذي كان قد صدر قبل أكثر من عشرين سنة.. إلا أن ما أجريناه من توضيحات، وتصحيحات، واستدراكات.. ثم ما نال مطالبه من تقليم وتطعيم.. قد جعل هذه الدراسة أكثر فائدة، وأوضح بياناً، وأدق مضموناً، وأعم فائدة، ولأجل ذلك كان لا بد من إيرادها في سياق حديث السيرة النبوية الصحيحة.. وهكذا كان.

الثاني: إن علماءنا الأبرار، وهم جهابذة العلم، والفكر والتحقيق يلتزمون ويؤكدون بإصرار بالغ على حقيقة: أن زوجة أي نبي من الأنبياء يمكن أن تكون كافرة كما ذكره الله سبحانه في سورة التحريم حين تعرض لامرأتي نوح ولوط عليهما وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام. ولكنها منزهة عن الفجور ـ والعياذ بالله ـ بدون أدنى شبهة أو ريب.

وذلك هو ما نريد أن يجعله القارئ الكريم نصب عينيه، وأن يلتزم به، ولا يفرط فيه.

فزوجات رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذن منزهات مبرءات من كل تهمة من هذا القبيل.

الثالث: إنه قد يظهر من كلمات بعض علمائنا الأبرار: أن ثمة تسالماً على أن الإفك إنما كان على عائشة.

فقد سئل العلامة الحلي «رحمه الله»: «ما يقول سيدنا في قصة الإفك، والآيات التي نزلت ببراءة المقذوفة، هل ذلك عند أصحابنا كان في عائشة، أم نقلوا: أن ذلك كان في غيرها من زوجات النبي صلى الله عليه وآله»؟!.

فأجاب:

«ما عرفت لأحد من العلماء خلافاً في أن المراد بها عائشة»([1]).

وقال الشيخ المفيد: «ولا خلاف أن حسان كان ممن قذف عائشة، وجلده النبي «صلى الله عليه وآله» على قذفه»([2]).

غير أننا نقول: أما بالنسبة لكلام العلامة الحلي «رحمه الله».. فيحتمل أمرين:

أحدهما: أن يكون «رحمه الله» قد فهم من السؤال: أن الحديث هو عن خصوص الإفك على زوجاته «صلى الله عليه وآله»، فلا شأن لسراريه «صلى الله عليه وآله».. فإذا كان يرى أن مارية كانت من السراري لا الزوجات فيصح له أن يقول: إنه لم يرد حديث سوى عن عائشة..

الثاني: وهو الأقرب: أن يكون «رحمه الله» غير مطلع على صنوف الأحاديث حول الإفك الذي تعرضت له مارية القبطية.. وسيأتي شطر مما رواه الشيعة والسنة في ذلك..

ولأجل ذلك قال: «ما عرفت لأحد الخ..». فنفى معرفته بذلك، ولم ينف وجوده. وهو إنما كان مهتماً بالفقه وعلم الكلام.. وما إلى ذلك كما يظهر من ملاحظة تآليفه «رحمه الله»..

وأما بالنسبة للشيخ المفيد، فإن من العلماء من اعتبر كلامه موجهاً لأهل السنة ووفق ما هو متسالم عليه عندهم، وذلك إلزاماً لهم بما يلزمون به أنفسهم.

ووجود الخلاف الذي ينفيه يحتم اللجوء إلى هذا الاحتمال، أو الإقرار بأنه هو الآخر لم يطلع على هذا الخلاف، بسبب عدم تقصيه وتتبعه للأقوال وللروايات..

وأخيراً نقول:

إنه لا ريب في عدم دقة كلام الشيخ المفيد، فقد اختلفت الأقوال في ضرب الإفكين وعدمه.. بل لقد أنكر قوم أن يكون حسان قد خاض في أمر الإفك من الأساس.. فلا معنى لقوله: لا خلاف أن حساناً كان ممن قذف عائشة الخ.. وستأتي أقوالهم في ذلك في فصل: (لا حافظة لكذوب) وفي غيره من الفصول إن شاء الله.. فانتظر..

 


 

آيات الإفك:

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّ الذِينَ جَاؤُوا بِالإفك عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لكُم بَل هُوَ خَيْرٌ لكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالذِي تَوَلى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ، لوْلا جَاؤُوا عَليْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لمْ يَأتُوا بِالشُّهَدَاء فَأوْلئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ، وَلوْلا فَضْلُ اللهِ عَليْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلقَّوْنَهُ بِأَلسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا ليْسَ لكُم بِهِ عِلمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ، وَلوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلتُم مَّا يَكُونُ لنَا أَن نَّتَكَلمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللهُ لكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، إِنَّ الذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الذِينَ آمَنُوا لهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلمُونَ، وَلوْلا فَضْلُ اللهِ عَليْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشَاء وَالمُنكَرِ وَلوْلا فَضْلُ اللهِ عَليْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وَلا يَأْتَلِ أوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أوْلِي القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَليَعْفُوا وَليَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، إِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَليْهِمْ أَلسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ، الخَبِيثَاتُ لِلخَبِيثِينَ وَالخَبِيثُونَ لِلخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أوْلئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}([3]).

                                                                               صدق الله العلي العظيم

 

الفصل الأول:

 

النصوص.. والآثار

 

 

 بـدايـة:

إن الأولوية في إيراد النصوص ستكون لروايات كتب الصحاح، على أن تكون روايات صحيح البخاري هي الأساس في ذلك.

وسوف لا نتردد في إيراد ما ورد في سائر الكتب والمؤلفات، وذلك ليمكن إعطاء صورة متكاملة ووافية، لما قيل ويقال من تفاصيل لهذا الحدث فنقول:

النصوص الصريحة:

1 ـ الرواية المشهورة والمعروفة، والتي أوردها أصحاب الصحاح وغيرهم..

وهي..

والنص للبخاري في كتاب التفسير من الصحيح: «حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة رضي الله عنها زوج النبي «صلى الله عليه وآله»، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها الله مما قالوا. وكلٌّ حدثني طائفة من الحديث. وبعض حديثهم يصدّق بعضاً، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض.. الذي حدثني عروة عن عائشة زوج النبي «صلى الله عليه وآله»، قالت:

كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله «صلى الله عليه وآله» معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعدما نزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله «صلى الله عليه وآله» من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين: آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي من جزع ظفار([4]) قد انقطع، فالتمست عقدي، وحبسني ابتغاؤه.

وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت، وهم يحسبون أني فيه ـ وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل العلقة من الطعام([5]) ـ فلم يستنكر القوم خفة الهودج الذي رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا..

فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها داعٍ ولا مجيب، فأممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي. فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، من وراء الجيش، فأدلج([6]) فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة.

فهلك من هلك، وكان الذي تولىّ الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي.. أني لا أعرف من رسول الله «صلى الله عليه وآله» اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذاك الذي يريبني، ولا أشعر حتى خرجت بعدما نقهت، فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع([7]) ـ وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا.. وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا ـ .

فانطلقت أنا وأم مسطح ـ وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر، وابنها مسطح بن أثاثة ـ فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها([8])، فقالت: تعس مسطح.

فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟!

قالت: أي هنتاه([9])، أولم تسمعي ما قال؟

قالت: قلت: وما قال؟!

فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً على مرضي.

فلما رجعت بيتي، ودخل علي رسول الله «صلى الله عليه وآله» ـ تعني سلم ـ ثم قال: كيف تيكم؟!

فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ ـ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ـ قالت: فأذن لي رسول الله «صلى الله عليه وآله». فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟

قالت: يا بنية، هوّني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله، ولقد تحدث الناس بهذا؟!

قالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى أصبحت أبكي.

فدعا رسول الله «صلى الله عليه وآله» علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد (رض) حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد، فأشار على رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله، أهلك، وما نعلم إلا خيراً.

وأما علي بن أبي طالب، فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك.

قالت: فدعا رسول الله «صلى الله عليه وآله» بريرة فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟

قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.

فقام رسول الله «صلى الله عليه وآله» فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، قالت: فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهو على المنبر: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي.

فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك.

قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمرو الله، لا تقتله، ولا تقدر على قتله.

فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمرو الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين.

فتثاور الحيان: الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا. ورسول الله «صلى الله عليه وآله» قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» يخفضهم، حتى سكتوا وسكت.

قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم.

قالت: فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوماً، لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع، يظنان أن البكاء فالق كبدي.

قالت: فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها: فجلست تبكي معي.

قالت: فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني.

قالت: فتشهد رسول الله «صلى الله عليه وآله» حين جلس، ثم قال:

أما بعد: يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله تاب الله عليه.

قالت: فلما قضى رسول الله «صلى الله عليه وآله» مقالته قلص([10]) دمعي. حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيما قال.

قال: والله، ما أدري ما أقول لرسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقلت لأمي: أجيبي رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقالت: ما أدري ما أقول لرسول الله «صلى الله عليه وآله».

قالت: فقلت ـ وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيراً من القرآن ـ : إني والله، لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف:

{..فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}([11]).

قالت: ثم تحولت، فاضطجعت على فراشي.

قالت: وأنا حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله «صلى الله عليه وآله» في النوم رؤيا يبرئني الله بها.

قالت: فوالله، ما رام رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شاتٍ، من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت: فلما سرّي عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، سرّي عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة، أما الله عز وجل فقد برأك، فقالت أمي: قومي إليه.

قالت: فقلت: والله، لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل. وأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإفك عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ..}([12]). العشر آيات كلها.

فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق ـ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة، لقرابته منه وفقره ـ: والله، لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً، بعد الذي قال لعائشة ما قال.

فأنزل الله: {وَلا يَأْتَلِ أوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أوْلِي الْقُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهَ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}([13]).

قال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله، لا أنزعها منه أبداً.

قالت عائشة: وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يسأل زينب ابنة جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ماذا علمت، أو رأيت؟!

فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً.

قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك.

وزاد البخاري في روايته في المغازي: بعد أن ذكر عروة: أنه لم يسم غير الأربعة: ابن أُبي ـ متولي الكبر ـ، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة»، ثم ذكر كراهية عائشة: أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي يقول:

فـإن أبــي ووالــده وعـرضـي           لـعـرض محـمـد منـكـم وقـــاء

ثم ذكرت: ان الذي قيل له ما قيل، ليقول:

«سبحان الله، فوالذي نفسي بيده، ما كشفت من كنف أنثى قط، ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله»([14]).

2 ـ قال البخاري أيضاً: وقال أبو أسامة، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن عائشة، قالت:

لما ذكر من شأني الذي ذكر، وما علمت به، قام رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيَّ خطيباً، فتشهد، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أشيروا عليَّ في أناس أبنوا أهلي، وأيم الله، ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي.

فقام سعد بن معاذ، فقال: ائذن لي يا رسول الله أن نضرب أعناقهم. وقام رجل من بني الخزرج، وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت، أما والله أن لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم، حتى تكاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد، وما علمت.

فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي، ومعي أم مسطح، فعثرت، وقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أم تسبِّين ابنك؟! وسكتت.

ثم عثرت ثانية، فقالت: تعس مسطح.

فقلت لها: تسبِّين ابنك؟!

ثم عثرت ثالثة، فقالت: تعس مسطح. فانتهرتها، فقالت: والله ما أسبُّه إلا فيك.

فقلت: في أي شأني؟!

قالت: فبقرت لي الحديث.

فقلت: وقد كان هذا؟

قالت: نعم والله.

فرجعت إلى بيتي، كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً، ووعكت، فقلت لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: أرسلني إلى بيت أبي.

فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في السفل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟

فأخبرتها، وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني، فقالت: يا بنية، خفضي عليك الشأن، فإنه والله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها، لها ضرائر إلا حسدنها، وقيل فيها. وإذا هو لم يبلغ منها ما بلغ مني.

قلت: وقد علم به أبي؟

قالت: نعم.

قلت: ورسول الله «صلى الله عليه وآله»؟

قالت: نعم، ورسول الله «صلى الله عليه وآله»، واستعبرت، وبكيت.

فسمع أبو بكر صوتي، وهو فوق البيت يقرأ، فنزل، فقال لأمي: ما شأنها؟!

قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه.

قال: أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت.

ولقد جاء رسول الله بيتي، فسأل عني خادمتي، فقالت: لا والله ما علمت عليها عيباً، إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها، أو عجينها.

وانتهرها بعض أصحابه، فقال: أصدقي رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حتى أسقطوا لها به.

فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر.

وبلغ الأمر إلى ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط، قالت عائشة: فقتل شهيداً في سبيل الله.

قالت: وأصبح أبواي عندي، فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد صلى العصر، ثم دخل، وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا عائشة، إن كنت قارفت سوءاً، أو ظلمت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده.

قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار، فهي جالسة بالباب.

فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئاً؟

فوعظ رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فالتفتّ إلى أُبي.

فقلت: أجبه.

قال: فماذا أقول؟

ثم إن الرواية تمضي في الحديث، بما يقرب من الرواية الأولى، مع اختلافات غير مهمة، إلا أنها تذكر: أنها التمست اسم يعقوب فلم تقدر عليه، وأن أبويها قالا لها: قومي إليه.

فقالت: «والله لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله عز وجل، الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه، فما أنكرتموه، ولا غيرتموه».

وتمضي في الحديث إلى أن تقول: «إن الذي كان يتكلم فيه: مسطح، وحسان بن ثابت، والمنافق عبد الله بن أُبي، وهو الذي كان يستوشيه، ويجمعه. وهو الذي تولى كبره منهم، هو وحمنة».

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب([15]).

3 ـ والنص للبخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن أبي وائل، قال: حدثني مسروق بن الأجدع، قال: حدثتني أم رومان ـ وهي أم عائشة ـ قالت: بينا أنا قاعدة، أنا وعائشة، إذ ولجت امرأة من الأنصار، فقالت: فعل الله بفلان وفعل.

فقالت أم رومان: وما ذاك؟

قالت: ابني فيمن حدث الحديث.

قالت: وما ذاك؟

قالت: كذا وكذا، قالت عائشة: سمع رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟

قالت: نعم.

قالت: وأبو بكر؟

قالت: نعم، فخرت مغشياً عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض، فطرحت عليها، فغطيتها.

فجاء النبي «صلى الله عليه وآله» فقال: ما شأن هذه؟

قلت: يا رسول الله أخذتها الحمى بنافض.

قال: فلعل في حديث تحدث به؟

قالت: نعم، فقعدت عائشة، فقالت: والله، لئن حلفت لا تصدقوني، ولئن قلت لا تعذروني، مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه، والله المستعان على ما تصفون.

قالت: وانصرف، ولم يقل شيئاً، فأنزل الله عذرها، قالت: بحمد الله، لا بحمد أحد، ولا بحمدك.

وأخرج البخاري أيضاً قطعة منه في كتاب التفسير، عن محمد بن كثير عن سليمان، عن حصين الخ..

وأخرجه بتمامه في قصة يوسف، عن محمد بن سلام، عن ابن فضيل عن حصين، عن سفيان، عن مسروق([16]).

4 ـ روى البخاري وغيره أيضاً، عن القاسم، وعن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: أنه استأذن على عائشة حين موتها، وقرضها بأمور منها: أنه «صلى الله عليه وآله» لم ينكح بكراً غيرها، وأنه نزل عذرها من السماء.

وزادت المصادر الأخرى أموراً مثل: أن الملك نزل بصورتها، وأنها كانت أحب النساء إليه، وأنه تزوجها وعمرها سبع، وبنى بها لتسع سنين، وأنها رأت جبرائيل، وأن الوحي كان يأتيه، وهو معها في لحاف واحد، وأنه «صلى الله عليه وآله» قبض وهو في بيتها، ولم يله أحد غيرها وغير الملك، وما إلى ذلك([17]).

وفي نص آخر عن ابن عباس أيضاً قال فيه: «وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سماواته»([18]).

وروي عنها: أنها فضلت على نساء النبي بتسع، وفي رواية أخرى: بعشر. فذكرت شطراً مما تقدم، بالإضافة إلى أنه «صلى الله عليه وآله» لم ينكح بكراً غيرها، ونزل عذرها من السماء، فراجع([19]).

5 ـ قال البخاري: «وشاور علياً وأسامة، فيما رمى أهل الإفك عائشة فسمع منهما، حتى نزل القرآن، فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله»([20]).

وزعموا: أن أبيات حسان بن ثابت وفيها:

حصــان رزان مـا تـزن بـريــبـة         وتصبح  غرثى من لحـوم الغـوافل

إنما هي في مدح عائشة. والاعتذار من الذي كان منه في شأنها وفيها:

فـإن كـان مـا قـد قيـل عنـي قلته        فـلا رفعت سـوطي إلـيّ  أنـامـلي

وإن الـذي قـد قيـل لـيـس بـلائط بهـا الـدهـر بل قيل امرئ  متماحل

فـكـيف وودي مـا حييت ونصرتي     لآل رسـول الله زيــن المـحـافــل

حليلة خـيـر الـخلـق دينـاً ومنصباً      نبي الهدى والمكرمات  الفـواضـل

لـه رتـب عـالٍ على النـاس كلهـم               تقـاصـر عنه سـورة  المتـــطـاول

أتـيـتـك وليغفر لــك الله حـــرةً          من المحصنات غير ذات غوافـل([21])

وذكر البخاري وغيره عدة روايات تقول: إنها كانت تكره: أن يسب عندها حسان، رغم أنه كان ممن كثّر عليها..([22]).

6 ـ والنص للبخاري أيضاً، في كتاب المغازي: حدثني عبد الله بن محمد، قال أملى عليّ هشام بن يوسف من حفظه، أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن علياً كان فيمن قذف عائشة؟

قلت: لا. ولكن قد أخبرني رجلان من قومك، أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: أن عائشة قالت لهما: كان علي مسلماً في شأنها، فراجعوه فلم يرجع، وقال: مسلماً بلا شك فيه وعليه، وكان في أصل العتيق كذلك(!).

7 ـ والنص للترمذي: حدثنا بندار، أنبأنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، قالت: لما نزل عذري قام رسول الله «صلى الله عليه وآله» على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم. هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق.

وفي سنن أبي داود فسر الرجلين بحسان ومسطح، ثم قال: قال النفيلي: يقولون: المرأة حمنة بنت جحش.

وفي لفظ الدر المنثور: فضربوا حدّين، وفسر الحلبي الرجلين: بعبيد الله بن جحش، ومسطح، والمرأة بحمنة([23]).

8 ـ عن ابن عباس: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، قال: ..عائشة خاصة([24]).

ورواه البلاذري عن عكرمة فقط([25]).

9 ـ وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أن صفوان كان: «لا يقرب النساء». وأن النبي «صلى الله عليه وآله» قد اعتزل عائشة، واستشار فيها زيد بن ثابت وغيره، فقال: يا رسول الله، دعها، لعل الله أن يحدث أمره فيها، فقال علي بن أبي طالب: النساء كثير..

وفيها: أن عائشة لما أخبرتها أم مسطح بالأمر: خرّت مغشياً عليها، فنزلت آيات الإفك، فأمر النبي «صلى الله عليه وآله» أبا بكر أن يأتيها ويبشرها، فجاءها أبو بكر فأخبرها بالعذر وبالآيات، فقالت: بحمد الله، لا بحمدك، ولا بحمد صاحبك([26]).

10 ـ وفي رواية عن ابن عمر، عن عائشة أيضاً: أن القرعة أصابت عائشة، وأم سلمة. فخرج بهما معه، فلما كانوا في بعض الطريق مال رحل أم سلمة، فأناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها. فاغتنمت عائشة الفرصة، وذهبت لقضاء حاجتها، ولم يعلم بها أحد، فأتت خربة، فانقطعت قلادتها، فاحتبست في جمعها ونظامها.

فبعث القوم إبلهم، ومضوا، فلما خرجت لم تر أحداً، فاتبعتهم حتى أعيت، فقامت على بعض الطريق فمر بها صفوان ـ وكان رفيق رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكان سأل النبي «صلى الله عليه وآله» أن يجعله على الساقة فجعله ـ فظن أنها رجلاً، فقال: يا نومان قم، فإن الناس قد مضوا. فأخبرته أنها عائشة، فاسترجع، وأمرها بالركوب..

ثم ساق القصة، ثم ذكر أن ابن أُبي قال: فجربها ورب الكعبة..

إلى أن ذكر: أن أم مسطح قد وقع السطل من يدها، فقالت: تعس مسطح، فسألتها، فحكت لها، فأخذتها حمى بنافض، ولم تجد المذهب، فرجعت.

ثم استأذنت النبي أن تأتي أهلها، فأذن لها، فذهبت، فسألها أبوها، فقالت: «أخرجني رسول الله من بيته.

قال لها أبو بكر: فأخرجك رسول الله من بيته، وأؤويك أنا؟ والله لا آويك حتى يأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فأمره رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أن يؤويها، فقال لها أبو بكر: والله، ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام؟

فبكت عائشة، وأمها أم رومان، وأبو بكر، وعبد الرحمن، وبكى معهم أهل الدار.

وبلغ ذلك رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فصعد المنبر، فاستعذر ممن يؤذيه. فقام سعد بن معاذ، فسل سيفه، وقال: ..إلى أن اتهمه سعد بن عبادة، بأنه إنما طلبه بذحول في الجاهلية.

فقال هذا: يا للأوس.

وقال هذا: يا للخزرج، فاضطربوا بالنعال، والحجارة، وتلاطموا..

فقام أسيد بن حضير، فقال: فيم الكلام، هذا رسول الله يأمرنا بأمره فنفعله على رغم أنف من رغم.

ونزل جبرائيل وهو على المنبر، فلما سري عنه تلا عليهم ما نزل به جبرائيل: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا..}([27]) إلى آخر الآيات، فصاح الناس: رضينا بما أنزل الله.

وبعد ذلك بعث النبي «صلى الله عليه وآله» إلى علي «عليه السلام»، وأسامة، وبريرة، وكان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يعد علياً، وأسامة بن زيد، بعد موت أبيه زيد، فأشار علي بطلاقها.

أما أسامة، فقد قال: سبحان الله، ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم.

أما بريرة فقالت: إنها نؤوم، تنام حتى تجيء الداجن، فتأكل عجينها، وإن كان شيء من هذا ليخبرنك الله.

فذهب النبي «صلى الله عليه وآله» إلى بيت أبي بكر، وجرى بينه وبين عائشة ما جرى، حسبما تقدم في الرواية الأولى.

وذكرت أنها أُنسيت اسم يعقوب من الأسف.

وأنها قالت لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: بحمد الله لا بحمدك.

ثم طلب منها النبي «صلى الله عليه وآله» أن تقوم إلى البيت، فقامت، وخرج رسول الله إلى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح، فجمع الناس، ثم تلا عليهم ما أنزل الله في براءة عائشة، وبعث إلى عبد الله بن أبي، فضربه حدين، وبعث إلى حسان، ومسطح، وحمنة، فضربوا ضرباً وجيعاً، ووجئ في رقابهم.

قال ابن عمر: إنما ضرب رسول الله «صلى الله عليه وآله» ابن أُبي حدين، لأنه من قذف أزواج النبي «صلى الله عليه وآله» فعليه حدان..

فبعث أبو بكر إلى مسطح: لا وصلتك بدرهم أبداً، ولا عطفت عليك بخير أبداً، ثم طرده أبو بكر، وأخرجه من منزله.

ثم ذكر ابن عمر نزول الآيات في ذلك، فضاعف أبو بكر على مسطح النفقة([28]).

11 ـ وعن أنس: أنه كان جالساً عند عائشة، ليقر عينها بالبراءة: وهي تبكي، فقالت: والله، لقد هجرني القريب والبعيد، حتى هجرتني الهرة، وما عرض علي طعام ولا شراب، وكنت أرقد، وأنا جائعة ظامئة، فرأيت في منامي فتى، فقال لي: ما لك؟

فقلت: حزينة مما ذكر الناس.

فقال لي: ادعي بهذا الدعاء يفرج عنك ـ ثم ذكرت الدعاء ـ وقالت: فانتبهت وأنا ريانة، شبعانة، وقد أنزل الله منه فرجي.

قال ابن النجار: خبر غريب([29]).

12 ـ وروى أحمد عن هشيم، عن منصور، عن عبد الرحمن بن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما نزل عذري من السماء جاءني النبي «صلى الله عليه وآله» فأخبرني، فقلت: بحمد الله عز وجل لا بحمدك([30]).

13 ـ عن علي «عليه السلام»: «ومنه الحديث في أمر عائشة وما رماها به عبد الله بن أبي سلول([31]) وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإفك..}([32]) الآية. فكل ما كان من هذا أو شبهه في كتاب الله، فهو مما تأويله قبل تنزيله»([33]).

14 ـ وذكر الشيخ المفيد: أن عائشة تحدثت عن أمر الإفك: «واستشارته في أمرها أسامة بن زيد.

قالت: وكان عبداً صالحاً مأموناً، وذكر له قذف القوم بصفوان، فقال له أسامة: لا تظن يا رسول الله إلا خيراً، فإن المرأة مأمونة، وصفوان عبد صالح.

ثم استشار علياً «عليه السلام»، فقال له: يا رسول الله، صلى الله عليك، النساء كثير، وسل بريرة خادمتها، وابحث عن خبرها منها.

فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: فتولّ أنت يا علي تقريرها.

فقطع له علي «عليه السلام» عسباً من النخل، وخلا بها يسألها عني، ويتهددها ويرهبها، لا جرم أني لا أحب علياً أبداً»([34]).

15 ـ وروى مثل ذلك عن علي أمير المؤمنين أيضاً([35]).

16 ـ وروى المفيد «رحمه الله» عن محمد بن عمر الجعابي، عن أحمد بن محمد بن عقدة، عن علي بن الحسن بن فضال في كتابه المعروف بالمنبي، عن أبان بن عثمان، عن الأجلح، عن أبي صالح، عن عبد الله بن عباس قال:

لما رمى أهل الإفك عائشة استشار رسول الله «صلى الله عليه وآله» علياً «عليه السلام» فيها، فقال: يا رسول الله، النساء كثيرة، وسل الخادمة، فسألوا بريرة، فقالت: ما علمت إلا خيراً.

فبلغ ذلك عائشة، فقالت: لا أحب علياً بعد هذا أبداً، وكانت تقول: لا أحب علياً أبداً، أليس هو الذي خلا وصاحبه بجاريتي يسألونها عني؟!([36]).

17 ـ وذكر الحديث المروي عن عروة عن عائشة: أن الناس تحدثوا في أمر الإفك وشاع فيهم، وقام رسول الله «صلى الله عليه وآله» خطيباً، ولم تشعر به عائشة.

ثم خرجت ذات ليلة مع أم مسطح، فعلمت منها بالأمر وذهبت إلى منزل أبيها.. فعلمت بالأمر منهم، فقال أبو بكر:

«مكانك حتى نغدو معك على رسول الله، فغدونا على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعنده امرأة من الأنصار، فما منع النبي «صلى الله عليه وآله» مكانها أن تكلم، فقال: يا عائشة إن كنت أسأت أو أخطأت فاستغفري الله وتوبي إليه.

فقلت لأبي: تكلم.

فقال: بم أتكلم؟

فقلت لأمي: تكلمي.

فقالت: بم أتكلم»؟

إلى أن تذكر أنه «صلى الله عليه وآله» سأل بريرة فبرأتها.. فصعد «صلى الله عليه وآله» المنبر فبرأها.. ثم نزل الوحي عليه «صلى الله عليه وآله» ببراءتها.

وذكرت أيضاً: أن الذي تولى كبر الإفك هم حسان ومسطح وحمنة «وكان يتحدث به عند عبد الله بن أبي، فكان يسمعه ويستوشيه الخ..».

وذكرت أيضاً: أن حساناً قال يكذب نفسه:

حصـان رزان مـــاتـزن بـريــبـــة       وتصـبـح غرثى من لحوم الغوافل

فإن كنت قد  قلت الذي قد زعمتم       فلا حملت سوطـي إلـى أنـامـلـي

وكيف وودي  ما حييت ونصـرتـي    لآل رسـول الله زيــن المـحـافـل

أأشتم خير النـاس بعـلاً والـــــداً        ونفسـاً لـقـد أنزلت شر المنازل([37])

18 ـ عن الحكم بن عتيبة: لما فاض الناس في الإفك أرسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى عائشة، قالت: فجئت وأنا انتفض من غير حمى، فقال: يا عائشة، ما يقول الناس؟!

فقلت: لا، والذي بعثك بالحق لا أعتذر بشيء إليك. قالوه حتى ينزل عذري من السماء.

فأنزل الله فيها خمس عشرة آية الخ..([38]).

19 ـ وعن الحيين الأوس والخزرج حين تثاوروا والرسول يخفضهم، قال ابن جريج: قال مولى لابن عباس: «قال بعضهم لبعض: موعداً لكم الحرة، فلبسوا السلاح وخرجوا إليها، فأتاهم النبي «صلى الله عليه وآله». فلم يزل يتلو عليهم هذه الآية: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ..}([39]) حتى تنقضي، يرددها عليهم حتى اعتنق بعضهم بعضاً، وحتى إن لهم لحناناً، ثم انصرفوا قد اصطلحوا».

ثم تذكر سؤال النبي «صلى الله عليه وآله» لأسامة وعلي، ثم تقول: «فمكثت يومين وليليتين، لا تكتحل عيني بنوم، ولا يرقأ لي دمع. وأصبح أبواي عندي الخ..».

ثم تذكر الرواية: نزول الوحي على رسول الله «صلى الله عليه وآله» ثم تقول: «قال أبو بكر: فجعلت أنظر إلى رسول الله، فأخشى أن يأتي من السماء ما لا مرد له، وأنظر إلى وجه عائشة فإذا هو مفيق، فيطمعني في ذلك منها، فإنما أنظرها هنا وههنا»([40]).

وفي نص آخر: أنها بكيت ليلتين ويوماً([41]).

20 ـ وفي رواية أخرى: أنه لما وجدها صفوان بن المعطل: سألها عن أمرها فسترت وجهها عنه بجلبابها، وأخبرته بأمرها فقرب بعيره، فوطّأ على ذراعه، وولاها قفاه حتى ركبت، وسوت ثيابها، فأقبل يسير بها حتى دخلا المدينة نصف النهار أو نحوه.

ثم ذكرت جفاء النبي «صلى الله عليه وآله» لها.. ثم ذهبت هي وأم مسطح لقضاء حاجتها، ثم استشار علياً «عليه السلام» وأسامة، فأشار عليه «عليه السلام» بأن يتوعد الجارية بريرة، ففوضه «صلى الله عليه وآله» ذلك. فلم تقر بشيء.. ثم ذكرت خطبة النبي «صلى الله عليه وآله»، وما جرى بين الأوس والخزرج، قالت:

«فدخل النبي «صلى الله عليه وآله» بيتي، وبعث إلى أبوي، فأتياه، فحمد الله وأثنى عليه الخ..» ثم تسوق القصة إلى أن تقول:

«وقعد صفوان بن المعطل لحسان بن ثابت بالسيف، فضربه ضربة، فقال صفوان لحسان في الشعر حين ضربه:

تلق ذباب السيـف مــني فـإنـني           غــلام إذا هـوجيت لـسـت بشاعر

ولكنني أحـمي حمـاي وأنتـقـم              مـن البـاهـت الرامي البراة الطواهر

ثم صاح حسان فاستغاث الناس على صفوان، فلما جاء الناس فر صفوان، فجاء حسان إلى النبي «صلى الله عليه وآله» فاستعداه على صفوان في ضربته إياه، فسأله النبي «صلى الله عليه وآله» أن يهب له ضربة صفوان إياه، فعاضه منها حائطاً من نخل عظيم، وجارية. ثم ذكرت أن معاوية اشترى الحائط من حسان بمال عظيم.

قالت عائشة: قال أبو بكر لمسطح في رميه عائشة، فكان يدعى عوفاً:

يا عـوف ويحك هـلا قـلت عارفة               مـن الكلام ولـم تبغ لـه  طــمعـا

فــأدركـتـه حميــاً معـشـر أنــف        فلم يكن قاطع يـا عوف  من قطعا

هلا حربت من الأقوام إذ حسدوا                فـلا تـقـول وإن عـاديـتـم قـذعـا

لمـا رميـت حصـانـاً غيــر مقرفـة               أمينة الجيب لـم يـعـلم لهـا خضعا

في من رماها وكنتم معشـراً أفـكاً              في سيئ القول  من لفظ الخنا شرعا

فـأنـزل الله عـذراً فـــي بـراءتهـا                وبين عـوف وبـيـن الله مـا  صـنعا

فإن أعش أجب عوفـاً في مقالـتـه              سـوء الــجـزاء الغـيـبة  تبــــعـا

وقالت أم سعد بن معاذ في الذين رموا عائشة من الشعر:

شـهـد الأوس كلهــا وفناؤهـــا          والخمـاسـي مـن نسلهـا والنظيـم

ونـسـاء الخزرجييــــن  يـشهدن                بـــــحق  وذلـكـم  مـعـــلـــوم

أن ابنة الصـديق كـانت حصـانـاً        عـفـة الـجـيب دينهــا  مستقيــم

تتقـي الله فـي المـغـيـب  عليهـــا                نـعـمــة اللـه سـترها  ما يـريـــم

خير هـدي النساء حـالاً و نـفسـاً                وأبـاً للـعـلى نمـاهــا  كــريــــم

للمـوالـي إذا رمـوهـــا   بـإفـك          أخـذتـهـم مـقـامـع وجـحـيـــم

لـيـت مـن كـان قدر رماها بسوءٍ                فـي حـطـام حتى يـبــول الـلئـيم

وعـوان مــن الحــروب  تـلــظى                نـفـسـاً قـوتـهـا عــقـار صـريـم  

لـيـت سعداً ومـن رمـاهـا بسوءٍ        في كـظـاظ حتى يـتـوب  الـظلوم

وقال حسان، وهو يبرئ عائشة:

حصـان رزان ما تــزن بريــبــــةٍ               وتصبح غرثـى من لحـوم  الغوافل

خليلـة خيـر الناس دينـاً ومنصبـاً              نبي الهدى والمكـرمـات الفواضـل

عقـيـلـة حي من لـؤي بـن غالب                كـرام المسـاعـي  مجدها غير زائـل

مهذبة قـد طيب اللـه  خـيمـهـــا         فـطـهـرهـا من كل سوء وبـاطـل

فـإن كـان مـا قـد جـاء عنـي قلته               فــلا رفـعـت سوطي إلـى أنامـل

إلى أن تقول الرواية: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا الحد جميعاً.

وقال حسان بن ثابت في الشعر حين جلدوا:

لـقـد كـان عبد الله مـا كـان  أهله                وحمنة إذ قـالـوا: هجـيراً ومسطح

تعـاطـوا برجم القول زوج نبيهم               وسخطه ذي العرش الكريم فأترحوا

فـآذن رسـول الله فيهـا وعمـموا                مخـازي سـوءٍ حللوها وفضحوا([42])

21 ـ وذكرت رواية أخرى عن عائشة: أنها حين أخبرتها أم مسطح بالأمر خرت مغشياً عليها، قالت: «فبلغ أم رومان أمي، فلما بلغها الأمر أتتني، فحملتني فذهبت إلى بيتها. فبلغ رسول الله أن عائشة قد بلغها الأمر، فجاء إليها فدخل عليها، وجلس عندها وقال:

يا عائشة، إن الله قد وسع التوبة، فازددت شراً إلى ما بي، فبينا نحن كذلك، إذ جاء أبو بكر، فدخل علي، فقال: يا رسول الله، ما تنتظر بهذه التي خانتك وفضحتني؟!

قالت: فازددت شراً إلى شر.

قالت: فأرسل إلى علي، فقال: يا علي، ما ترى في عائشة؟..».

إلى أن تقول: «فأرسل إلى بريرة، فقال لها: أتشهدين أني رسول الله؟

قالت: نعم.

قال: فإني سائلك عن شيء فلا تكتميني.

قالت: نعم الخ..»([43]).

22 ـ وفي نص آخر: أن الآيات قد نزلت ببراءتها حين كان النبي «صلى الله عليه وآله» مع أصحابه.. فبشروا أبا بكر ببراءة ابنته، وأمره بأن ينطلق إلى عائشة ويبشرها قالت: «وأقبل أبو بكر مسرعاً يكاد أن ينكب.

قالت: فقلت: بحمد الله لا بحمد صاحبك الذي جئت من عنده.

فجاء رسول الله، فجلس عند رأسي، فأخذ بكفي، فانتزعت يدي منه، فضربني أبو بكر وقال: أتنزعين كفك من رسول الله؟ أوَ برسول الله تفعلين هذا؟ فضحك رسول الله»([44]).

23 ـ وعن عائشة: لما بلغني ما تكلموا به هممت أن آتي قليباً فأطرح نفسي فيه([45]).

24 ـ وعن ابن عباس في رواية: «فعرس رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأصحابه، وخرجت عائشة للحاجة، فتباعدت، ولم يعلم بها، فاستيقظ النبي «صلى الله عليه وآله»، والناس قد ارتحلوا، وجاء الذين يحملون الهودج فحملوه، ولا يعلمون إلا أنها فيه. وساروا فأقبلت عائشة فوجدتهم قد ارتحلوا فجلست مكانها. فاستيقظ رجل من الأنصار، يقال له: صفوان بن المعطل، وكان لا يقرب النساء، فتقرب منها، وكان معه بعير له، فلما رآها حملها..».

ثم تذكر الرواية: أنه «صلى الله عليه وآله» استشار فيها زيد بن ثابت وغيره. ثم تذكر خروجها مع أم مسطح، وإخبارها إياها بما يجري، وأنها وقعت مغشياً عليها..

وتذكر أيضاً: أن النبي «صلى الله عليه وآله» أمر أبا بكر «أن يأتيها ويبشرها، فجاء أبو بكر، فأخبرها بعذرها، وبما أنزل الله، فقالت: لا بحمدك ولا بحمد صاحبك»([46]).

مؤيدات أخرى:

ثم إنهم يوردون في سياق الحديث عن الإفك على عائشة نصوصاً قد يقال: إنها غير ظاهرة الدلالة على ذلك. بل هي تتحدث عن هذا الأمر بصورة عامة من دون تحديد الشخص المعني بها.. ولكن المحدثين أحبوا أن يتحفوا عائشة بها.

و بعض ما يلي هو من هذا القبيل..

1 ـ والنص للبخاري: حدثني محمد بن حرب، حدثنا يحيى بن أبي زكريا الغساني، عن هشام بن عروة، عن عائشة: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» خطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي؟

إلى أن قالت: وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم..([47]).

2 ـ والنص للبخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: والذي تولى كبره، قالت: عبد الله بن أبي بن سلول([48]).

3 ـ واللفظ للبخاري في كتاب المغازي: حدثني بشر بن خالد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: دخلنا على عائشة، وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعراً، يشبب بأبيات له، وقال:

حصـان رزان مـا تـزن بـــريـبـةٍ        وتصبح غـرثى من لحـوم  الغوافل

فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك.

قال مسروق: فقلت لها: لم تأذني له أن يدخل عليك، وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}؟!

فقالت: وأي عذاب أشد من العمى؟

قالت له: إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله..([49]).

4 ـ قالوا في حديث الإفك: ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف، حين بلغه ما يقول فيه. وقد كان حسان قال شعراً ـ مع ذلك ـ يعرض بابن المعطل فيه، وبمن أسلم من مضر، فقال:

أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا   وابن الفـريعة أمسى بيضة  الـبلـد

الأبيات.. فاعترضه صفوان بالسيف، فضربه، ثم قال:

تلق ذبـاب السيف عنــي فـإنّـني            غـلام إذا هـوجـيـت لست  بشاعر

فأخذوا صفوان فقيدوه، فلما علم عبد الله بن رواحة، أمرهم بإطلاقه فأطلقوه، وأتوا الرسول، فقال ابن المعطل: يا رسول الله آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب، فضربته.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» لحسان: يا حسان، أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام؟

ثم قال: أحسن يا حسان في الذي قد أصابك، قال: هي لك يا رسول الله. فأعطاه رسول الله عوضاً منها بيرحاً، وهي قصر بني حديلة، وأعطاه سيرين أمة قبطية، أخت مارية، فولدت له عبد الرحمن بن حسان([50]).

5 ـ في كتاب الإشارات للفخر الرازي: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان في تلك الأيام التي تكلم فيها بالإفك يقضي أكثر أوقاته في البيت، فدخل عليه عمر فاستشاره «صلى الله عليه وآله» في تلك الواقعة، فقال: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله، أنا قاطع بكذب المنافقين، لأن الله عصمك عن وقوع الذباب على جلدك، لأنه يقع على النجاسات، فيتلطخ بها، فلما عصمك عن ذلك القدر من القذر، فكيف لا يعصمك عن صحبة من تكون متلطخة بمثل هذه الفاحشة؟! فاستحسن «صلى الله عليه وآله» كلامه..

ودخل عليه عثمان، فاستشاره، فقال: إن الله ما أوقع ظلك على الأرض، لئلا يضع إنسان قدمه على ذلك الظل، أو تكون الأرض نجساً، فلما لم يمكن أحداً من وضع القدم على ظلك، كيف يمكن أحداً من تلويث عرض زوجتك؟!

ودخل عليه علي، فاستشاره، فقال: يا رسول الله، كنا نصلي خلفك فخلعت نعليك في أثناء الصلاة، فخلعنا نعالنا، فلما أتممت الصلاة سألتنا عن سبب الخلع، فقلنا: الموافقة.

فقلت: أمرني جبرائيل بإخراجهما لعدم طهارتهما، فلما أخبرك أن على نعلك قذراً وأمرك بإخراج النعل من رجلك بسبب ما التصق من القذر، فكيف لا يأمرك بإخراجها، بتقدير أن تكون متلطخة بشيء من الفواحش؟! وفي المشكاة عن أبي سعيد مثله.

قال الحلبي: ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن خلع إحدى نعليه في أثناء الصلاة، لنجاسة بها، واستمر في الصلاة»([51]).

 

الفصل الثاني:

 

نقد أسانيد حديث الإفك

 

 

رواة حديث الإفك من الصحابة:

لقد روى الرواة حديث الإفك عن ثمانية من الصحابة هم:

1 ـ ابن عمر.                         2 ـ ابن عباس.

3 ـ عبد الله بن الزبير.             4 ـ أبو هريرة.

5 ـ أبو اليسر الأنصاري.                   6 ـ عائشة.

7 ـ أم رومان.                       8 ـ أنس بن مالك.

أما رواية أبي هريرة، وأبي اليسر، وأنس، وابن عباس، وابن عمر: فلم ترد في صحاح أهل السنة، وهي مجرد نتف صغيرة، باستثناء رواية ابن عباس ففيها بعض التفصيل. وكذا رواية ابن عمر.

أما رواية ابن الزبير فلم نجدها، غير أن البخاري، بعد أن ذكر رواية الزهري، ساق سنداً آخر إلى عبد الله بن الزبير، وقال: مثله..

تفاصيل حول الأسانيد:

وإذا أردنا أن نعطي القارئ لمحة موجزة عن بعض ما يرتبط بالأسانيد، فإننا نقول:

1 ـ رواية ابن عمر:

أما بالنسبة لرواية ابن عمر، فإنها لم ترد في كتاب الصحاح ـ تماماً كما هو الحال بالنسبة لرواية ابن الزبير ـ وهي رواية ضعيفة السند، وهي في الحقيقة نفس رواية عائشة، كما يظهر من ملاحظة سياقها.. وقد رواها الطبراني، وابن مردويه.. حسبما تقدم في الفصل السابق.

فالحديث عنها يرجع إلى الحديث عن رواية عائشة. خصوصاً فيما يرتبط بمناقشة المضمون، كما سنرى..

هذا، مع أن ابن الزبير، كابن عمر وابن عباس، بل وكذا سائر الرواة، لا بد أن يرووا هذه الرواية عن عائشة نفسها، أو عن أمها وأبيها، لأن هؤلاء هم الذين يعرفون ما جرى بينها وبين أم مسطح، وما جرى بينها وبين أبيها، وأمها.. وبينهم وبين رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وما جرى لها مع صفوان.. وما إلى ذلك.. فإذا ذكر ابن عمر وغيره رواية فيها هذه التفاصيل فإن ذلك يحتم أن يكون الراوي قد أخذ من هؤلاء فقط، فما هو المقدار الذي أخذه منهم؟! هل هو كل هذه التفاصيل، أم بعضها؟ وهل أخذ ذلك منهم مباشرة أو بواسطة آخرين؟ كل ذلك غير واضح.. فلا مجال إذن لنسبة الرواية ـ خصوصاً مع احتوائها لهذه التفاصيل ـ لخصوص راويها، وهو ابن الزبير أو ابن عمر، أو ابن عباس، أو غير هؤلاء..

2 ـ رواية ابن عباس:

أما ابن عباس، فإن كان راوياً لحديث الإفك حقاً، فلا شك أنه رواه عن غيره. وذلك:

أولاً: لأنه كان حين قضية الإفك طفلاً صغيراً، لا يحسن رواية أحداث كهذه، حتى لو شهدها، لأنه ولد سنة الهجرة، أو قبلها بثلاث سنوات..

ثانياً: إنه حتى لو كان رجلاً كاملاً، فإنه لم يكن حين قضية الإفك في المدينة لأنه إنما قدم إليها مع أبيه في سنة ثمان([52])، أي بعد قضية الإفك بعدة سنوات.

على أن هناك الكثير الكثير من الشك حول ما يروى عن ابن عباس.

فقد ذكر العسقلاني: أن غندراً قال: «ابن عباس لم يسمع من النبي «صلى الله عليه وآله» إلا تسعة أحاديث. وعن يحيى القطان عشرة. وقال الغزالي في المستصفى: أربعة»([53]).

مع أنهم يذكرون: أن البخاري قد روى عن ابن عباس مئتين وسبعة عشر حديثاً([54]).. فتبارك الله أحسن الخالقين.

ولا نستطيع أن نقول: إنه قد روى ذلك عن الصحابة الموثوقين جزماً، فقد روى عن غير المؤمنين، وعن غير الصحابة، وروى حتى عن مسلمة أهل الكتاب، فقد روى عن معاوية، وأبي هريرة، وكعب الأحبار، وتميم الداري، وغيرهم..

هذا كله، بالإضافة إلى ضعف سند حديث الإفك، الذي ينتهي إليه. ولذلك لم ترد روايته في الكتب التي يعتبرها أهل السنة صحاحاً.

3 ـ عبد الله بن الزبير:

أما بالنسبة لابن الزبير، فإننا نقول:

أولاً: قد ذكرنا فيما تقدم بحثاً مفصلاً حول تاريخ ولادة ابن الزبير، وقلنا هناك: إن الأرجح هو: أنه قد ولد سنة اثنتين، أو ثلاث من الهجرة، وذلك استناداً إلى العديد من الأدلة والشواهد، فراجع.

فيكون عمره حين الإفك ثلاث أو أربع أو حتى خمس سنوات.

ثانياً: إنه قد روى الحديث عن عائشة نفسها، كما يظهر من رواية البخاري([55]).

ثالثاً: إن حديث ابن الزبير ضعيف السند برجال آخرين، سوف يأتي الحديث عنهم إن شاء الله.

4 ـ أنس بن مالك:

إن أنس حين قضية الإفك لم يكن قد بلغ الحلم.. بل لقد أنكرت عليه عائشة روايته عن النبي «صلى الله عليه وآله».. فقد روى: «علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن ابيه: أن عائشة قالت: ما علم أنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري بحديث رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإنما كانا غلامين صغيرين»([56]).

5 ـ أبو هريرة:

سنده ليس بمتصل، لأن أبا هريرة قد أسلم بعد حديث الإفك، وبالذات في سنة خيبر.. فعمن روى أبو هريرة ذلك؟ عن كعب الأحبار؟ عن عائشة؟ لا ندري..

غير أن ما نعلمه هو: أن علاّمة مصر الشيخ محمود أبو رية، والإمام شرف الدين في كتابه «أبو هريرة: شيخ المضيرة..» قد وضعا علامات استفهام كبيرة على كل ما يرويه أبو هريرة..

6 ـ أبو اليسر الأنصاري:

لم ترد روايته، ولا رواية أنس، ولا رواية أبي هريرة في الصحاح.. كما أنه يناقض في روايته جميع روايات الإفك على الإطلاق، ولذا فلا يمكن الاعتماد عليه.

7 ـ وأما رواية أم رومان ففيها:

1 ـ قد جاء في سندها: أن الراوي عن أم رومان هو مسروق بن الأجدع، الذي تبنته عائشة. والذي كان ولاه زياد على السلسلة([57]). ومسروق لم ير أم رومان، لأنها توفيت في حياة النبي «صلى الله عليه وآله»، وهو إنما قدم المدينة بعد وفاته «صلى الله عليه وآله»([58]).. ولسوف يأتي ما يثبت أنها توفيت قبل حديث الإفك، أي في حين كان عمر مسروق ـ في بلده ـ لا يزيد عن خمس سنين، فكيف حدثته أم رومان بحديث الإفك، فروايته مرسلة؟!.

واحتمل أبو عمر صاحب الإستيعاب أن يكون سمع ذلك من عائشة([59]).

هذا.. عدا عن أن لنا في مسروق نفسه مقالاً، لأنه كان منحرفاً عن علي، معادياً له. فقد روى سلمة بن كهيل: أن مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد كانا يمشيان إلى بعض أزواج النبي «صلى الله عليه وآله» (ولا نستبعد أنها عائشة)، فيقعان في علي «عليه السلام».

كما أن زوجة مسروق نفسه تصرح: بأنه كان يفرط في سب علي «عليه السلام».

وروى أبو نعيم، عن عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق: قال: ثلاثة لا يؤمنون على علي بن أبي طالب: مسروق، ومرة، وشريح. وروي أن الشعبي رابعهم، وروي أنه عاد إلى موالاته «عليه السلام» في أواخر أيامه..

وعده الثقفي ممن كان بالكوفة من فقهائها أهل عداوة لعلي، وبغض له، الخارجين عن طاعته([60])..

وصرح ابن سعد: بأنه أبطأ عن علي، وعن مشاهده، ولم يشهد معه شيئاً. وكان يحتج لإبطائه هذا، ويدافع عنه بما لا مجال لذكره هنا([61]).

2 ـ وفي السند أيضاً: أبو وائل: شقيق بن سلمة..

وكان عثمانياً يقع في علي «عليه السلام».

ويقال: إنه كان يرى رأي الخوارج. ولا خلاف في كونه خرج معهم على علي «عليه السلام».

وقد روى خلف بن خليفة قال: قال أبو وائل: خرجنا أربعة آلاف، فخرج إلينا علي، فما زال يكلمنا، حتى رجع منا ألفان..

وعده الثقفي فيمن خرج عن طاعة علي، ومن فقهاء الكوفة، ممن كان أهل عداوة له وبغض([62]).

وقال لمن سبّ الحجاج وذكر مساوئه: لا تسبّه! وما يدريك؟ لعله قال: اللهم اغفر لي، فغفر له([63]).

وقال عاصم بن أبي النجود: قلت لأبي وائل: شهدت صفين؟!

قال: نعم، وبئست الصفوف كانت([64]).

3 ـ وفي السند محمد بن كثير العبدي، قال ابن معين: لم يكن بثقة.

وقال ابن قانع: ضعيف.

وقال ابن معين أيضاً: لم يكن يستاهل أن يكتب عنه([65]).

وقال أيضاً: لا تكتبوا عنه([66]).

4 ـ وفي السند أيضاً: غندر، والحصين بن عبد الرحمن السلمي. وفيهما أيضاً كلام يراجع في كتب الرجال والتراجم([67]).

وفيما ذكرناه كفاية.

8 ـ وأما الرواية عن عائشة:

فقد رواها عنها، حسب إحصائية العسقلاني، عشرة من التابعين، وهم:

1 ـ عروة بن الزبير.

2 ـ سعيد بن المسيب، ولكن في سيرة ابن هشام: سعيد بن جبير.

3 ـ علقمة بن وقاص.

4 ـ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.

5 ـ القاسم بن محمد بن أبي بكر.

6 ـ عمرة بنت عبد الرحمن.

7 ـ عباد بن عبد الله بن الزبير.

8 ـ أبو سلمة بن عبد الرحمن.

9 ـ الأسود بن يزيد.

10 ـ مقسم مولى ابن عباس.

وقد رواها الزهري عن الأربعة الأول، ورواها عن الزهري ثلاثة وعشرون رجلاً، خمسة منهم روايتهم في الصحاح، وهم:

1 ـ يونس بن يزيد الأيلي.

2 ـ فليح بن سليمان.

3 ـ صالح بن كيسان.

4 ـ معمر.

5 ـ النعمان بن راشد.

ورواها في غير الصحاح ـ حسب إحصائية العسقلاني ـ ثمانية عشر رجلاً.. وقد تقدمت أسماؤهم، عند ذكرنا لمصادر رواية الزهري، في الفصل الأول في الهوامش. فلا نعيد. ولسوف تأتي المناقشة في غالبهم إن شاء الله تعالى.

أما رواية عروة:

ففي أسانيدها عدد ممن لا يمكن قبول روايتهم، وهم:

1 ـ عروة بن الزبير نفسه:

فقد عده الإسكافي من التابعين، الذين كانوا يضعون أخباراً قبيحة في علي([68]).

ويقولون أيضاً: إنه كان يتألف الناس على روايته([69]).

وروى عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة، عن عائشة في علي «عليه السلام»، فسألته عنهما يوماً، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما؟ إني لأتهمهما في بني هاشم([70]).

وقال يحيى بن عروة: كان عروة إذا ذكر علياً نال منه([71]).

وكان عروة أيضاً إذا ذكر علياً أخذه الزمع، فيسبه ويضرب بإحدى يديه على الأخرى الخ..([72]).

وقال لابن عمر: إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء، فيتكلمون بالكلام نعلم أن الحق غيره، فنصدقهم، ويقضون بالجور فنقويهم، ونحسّنه لهم، فكيف ترى في ذلك؟!

فقال له ابن عمر: يا ابن أخي، كنا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» نعدّ هذا النفاق؛ فلا أدري كيف هو عندكم([73]).

2 ـ هشام بن عروة:

كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام عن أبيه، وربما مكث سنة لا يكلمه.

وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، ونقم عليه حديثه لأهل العراق.

وقال العسقلاني: في كبره تغير حفظه، فتغير حديث من سمع منه([74]).

وقد حاول أن يقبل يد المنصور، فيمنعه إكراماً له([75]).

وقال ابن حبيب: «..وحدّ أبو بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري، وهو عامل عبد الملك على المدينة، هشام بن عروة بن الزبير في فرية على رجل من بني أسد بن عبد العزى..

وحد عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، وهو عامل المدينة للوليد بن عبد الملك هشام بن عروة بن الزبير في فرية افتراها على رجل من بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم([76]).

3 ـ أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة:

قال ابن سعد: كان يدلس، ويبين تدليسه.

وقال وكيع: نهيت أبا أسامة أن يستعير الكتب. وكان دفن كتبه..

وقال سفيان بن وكيع: كان أبو أسامة يتبع كتب الرواة، فيأخذها وينسخها، قال لي ابن نمير: أن المحسن لأبي أسامة يقول: إنه دفن كتبه، ثم تتبع الأحاديث بعد من الناس.

قال سفيان بن وكيع: إني لأعجب كيف جاز حديث أبي أسامة، كان أمره بيناً، وكان من أسرق الناس لحديث جيد، وذكره الأزدي في الضعفاء([77]).

وعدّه المسترشد فيمن يحمل على علي «عليه السلام»([78]).

4 ـ فليح بن سليمان:

ممن روى عن هشام بن عروة، حسب رواية البخاري، ووقع أيضاً في رواية الزهري عند البخاري ومسلم معاً..

قال ابن معين، وأبو حاتم، ومظفر بن مدرك، والنسائي، وأبو داود وأبو أحمد، علي بن المديني ـ كلهم قالوا ـ: ضعيف..

وقال الطبري: ولاّه المنصور على الصدقات، لأنه كان أشار عليهم بحبس بني حسن([79])..

وقال ابن معين: ليس قوي ولا يحتج به، وكذا قال أبو حاتم، وكان يحيى بن معين يقشعر من أحاديث فليح بن سليمان([80]).

وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وذكره العقيلي، وابن عدي، وابن الجوزي، والذهبي في جملة الضعفاء([81]).

وهكذا الحال بالنسبة لـ :

5 ـ يونس بن بكير.

6 ـ يحيى بن زكريا.

7 ـ حماد بن سلمة.

8 ـ أبي أويس، عبد الله بن عبد الله الأصبحي.

وغيرهم.

رواية الزهري:

قلنا فيما سبق: إنها وردت في الصحيح عن خمس من الرواة عن الزهري، وفي غير الصحيح عن ثمانية عشر، رووها عنه أيضاً حسب إحصائية العسقلاني..

ونحن نتكلم أولاً على ما ورد في صحاح أهل السنة منها، ثم نعطف الكلام للإشارة إلى حال بعض من رواها عن الزهري في غير الصحيح.. غير أننا نبدأ حديثنا حول الذين روى الزهري عنهم، حسبما ورد في صحاح أهل السنة، فنقول:

الزهري ومن روى عنهم الزهري:

لقد رواها الزهري، عن: عروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة.. فأما:

1 ـ عروة بن الزبير:

فقد تقدم بعض ما يشير إلى حاله، وأن الزهري، وغيره، قد اتهموه بوضع الأحاديث، والكذب على بني هاشم، وعلي.. وأما:

2 ـ سعيد بن المسيب:

فنحن لا نثق بروايته أيضاً، لانحرافه عن علي «عليه السلام».. وقد جبهه عمر بن علي بكلام شديد، حيث جعله من المنافقين، وفهم هو نفسه ذلك، فقال له: يا  ابن أخي، جعلتني منافقاً؟!

قال: ذلك ما أقول لك.

قال: ثم انصرف([82]).

وقال المفيد «رحمه الله»: وأما ابن المسيب فليس يدفع نصبه، وما اشتهر عنه من الرغبة عن الصلاة على زين العابدين..

قيل له: ألا تصلي على هذا الرجل الصالح، من أهل البيت الصالح؟

فقال: صلاة ركعتين أحب إلي من الصلاة على هذا الرجل الصالح، من أهل البيت الصالح([83])..

وروي عن مالك: أنه كان خارجياً([84]).. وإذا كان عدواً لعلي «عليه السلام» فهو عدو الله عز وجل، لما روي من قول النبي «صلى الله عليه وآله»: عدوك عدوي، وعدوي عدو لله عز وجل..

وبعد هذا، فكيف يصح الاعتماد على روايته، والوثوق بأقواله؟!

3 ـ وأما عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فإننا لم نجد تاريخ ولادته..

ولكن قال علي بن المديني: إنه لم يصح له سماع من زيد بن ثابت. ولا رؤية([85])..

فإذا أضفنا إلى ذلك: أن من الأقوال في وفاة زيد هو سنة55 هـ . فإننا لا نستطيع حينئذ أن نجزم برؤيته لعائشة، وسماعه منها أيضاً، لأنها إنما توفيت في سنة سبع، أو ثمان وخمسين..

4 ـ وأما الزهري نفسه، فهو أيضاً كان منحرفاً عن علي «عليه السلام».

قال محمد بن شيبة: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري، وعروة بن الزبير قد جلسا، فذكرا علياً، فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين، فجاء حتى وقف عليهما، فقال: أما أنت يا عروة، فإن أبي حاكم أباك إلى الله. فحكم الله لأبي على أبيك.. وأما أنت يا زهري، فلو كنت أنا وأنت بمكة لأريتك كنّ أبيك([86]).

وعدّه الثقفي من فقهاء الكوفة، الذين خرجوا عن طاعة علي، وكانوا أهل عداوة له وبغض، وخذلوا عنه([87])..

وكان الزهري يرى بني أمية في عداد المؤمنين، وأن الخارج عليهم يعد من جملة البغاة([88])

وتزلفه لهم، وتعليمه لأولادهم، وتوليه القضاء لهم معروف ومشهور([89])

وعن عبيد الله بن عمر: كنت أرى الزهري يعطى الكتاب فلا يقرؤه ولا يقرأ عليه، فيقال له: نروي ذلك عنك؟

فيقول: نعم([90]).

وعن سفيان الثوري قال: أتيت الزهري فتثاقل علي، فقلت له: لو أنك أتيت أشياعنا فصنعوا بك مثل هذا.

فقال: كما أنت، ودخل فأخرج إليَّ كتاباً فقال: خذ هذا فاروه عني، فما رويت عنه حرفاً([91]).

5 ـ وأما علقمة.. فلا يمكن الاعتماد على روايته بمجردها، لأننا لا نعرف ما الذي رواه عن الزهري بالتحديد.. وخاصة بعد أن كنا لا نثق بسماع الزهري من عروة، ولا بسماع عبيد الله من عائشة..

وبالأخص إذا لاحظنا: أن الروايات التي نقلت عن بعض هؤلاء تتناقض وتختلف مع بعضها البعض بشكل واضح وملموس.

الرواة عن الزهري:

وأما من روى حديث الإفك عن الزهري في الصحاح فهم:

1 ـ النعمان بن راشد مولى بني أمية:

علقه عن الزهري في البخاري، في كتاب المغازي.. وقد ضعفه يحيى القطان جداً.

وقال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث، روي له أحاديث مناكير.

وقال العقيلي: ليس بالقوي، يعرف فيه الضعف.

وقال النسائي: ضعيف كثير الغلط.

وقال البخاري، وأبو حاتم: في حديثه وهم كثير.

وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في الضعفاء.

وقال أبو داود: ضعيف.

وقال ابن معين: ضعيف.

وقال مرة: ليس بشيء([92])..

2 ـ فليح بن سليمان:

وقد تقدم الحديث عنه في رواية عروة.

3 ـ يونس بن يزيد الأيلي:

قال وكيع: كان سيئ الحفظ.

وقال أحمد: لم يكن يعرف الحديث، وكان يشتبه عليه.

وقال: إن في حديثه عن الزهري منكرات.

وقال ابن سعد: حلو الحديث كثيره، وليس بحجة، وربما جاء بالشيء المنكر..

وقال ابن يونس: كان من موالي بني أمية([93]). هو مولى معاوية بن أبي سفيان.

4 ـ عبد الرزاق الصنعاني:

هو الراوي عن معمر، عن الزهري.

قال ابن شبويه: كان بعدما عمي يلقن.

وقال أحمد: كذلك.

وقال أيضاً: من سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع.

وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بآخرة، كتب عنه أحاديث مناكير.

وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه.

وقال العباس العنبري ـ حين قدم من صنعاء ـ : لقد تجشمت إلى عبد الرزاق، وإنه لكذاب، والواقدي أصدق منه، وعن زياد قال: لم يخرج أحد من هؤلاء الكبار من ههنا إلا وهو مجمع ألا يحدث عنه([94])..

وعن زيد بن المبارك قال: كان عبد الرزاق كذاباًَ يسرق الحديث([95]).

وقال فيه سفيان بن عيينة: أخاف أن يكون من الذين أضل سعيهم في الحياة الدنيا([96]).

5 ـ صالح بن كيسان:

والرواية عن صالح بن كيسان الذي كان معلماً لأولاد الوليد بن عبد الملك([97]) نجد في سندها:

أ ـ عبد العزيز بن عبد الله الأويسي. وقد ضعفه أبو داود([98]).

ب ـ إبراهيم بن سعد، الذي ولي بيت المال ببغداد، وقد ذكر عند يحيى بن سعيد، فجعل كأنه يضعفه. وكان يجيز الغناء بالعود، وقال صالح جزرة: كان صغيراً حين سمع من الزهري([99]).

ج ـ الحسن بن علي الحلواني، قال أبو سلمة بن شبيب عنه: يرمى في الحش، من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر.

وقال الإمام أحمد: ما أعرفه بطلب الحديث، ولا رأيته يطلبه، ولم يحمده، ثم قال: يبلغني عنه أشياء أكرهها.

وقال مرة: أهل الثغر عنه غير راضين، أو ما هذا معناه([100]).

هؤلاء هم الذين وردت روايتهم عن الزهري في الصحاح، وقد رأينا أنهم والزهري، ومن يروي عنه الزهري جميعاً لم يسلموا من الطعن والتجريح، من قبل العلماء والرجاليين..

وقد بقي عدد ممن رواها عن الزهري، في غير الصحاح، تقدمت أسماؤهم عن فتح الباري، عند ذكر مصادر رواية الزهري.

ونحن نكتفي بالإشارة إلى حال طائفة منهم على سبيل المثال.. فنقول:

1 ـ يعقوب بن عطاء:

قال أحمد: منكر الحديث.

وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ضعيف.

وقال أحمد: ضعيف.

وقال أبو حاتم: ليس بالمتين. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه([101]).

2 ـ عبد الرحمن بن إسحاق:

فإن كان هو الذي يقال له: عباد بن إسحاق..

فقد قال القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه، ومثل ذلك نقل عن إسماعيل بن إبراهيم، وعلي بن المديني.

وقال العجلي: ليس بالقوي.

وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به.

وقال الحاكم: لا يحتجان «يعني مسلم والبخاري» به، ولا واحد منهما.

وقال السعد