الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ 1426 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الرابع عشر

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الباب السادس:

زواج زينب وأحداث أخرى بعد المريسيع

 

الفصل الأول: متفرقات في السنة الخامسة

الفصل الثاني: زينب بنت جحش في بيت الرسول

الفصل الثالث: اكاذيب وأباطيل في حديث الزواج

الفصل الرابع: الحجاب في حديث الزواج

الفصل الخامس: استطرادات على هامش حديث الزواج

 

الفصل الأول:

متفرقات في السنة الخامسة

 

النبي يعلم الغيب:

وبعد أن عالج النبي «صلى الله عليه وآله» ذيول قضية جهجاه، سار بالناس حتى نزل على ماء فويق النقيع، يقال لها: نقعاء. (وعلى حد تعبير البيهقي: لما نزل صنعاء، من طريق عمان سرح الناس أنعامهم الخ..) فهاجت ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها. وضلت ناقة النبي «صلى الله عليه وآله» القصوى، وكان ذلك ليلاً. فقال النبي «صلى الله عليه وآله»: لا تخافوا إنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة.

قيل: من هو؟.

قال: رفاعة بن زيد بن التابوت.

قال أبو نعيم البيهقي: «كان موته غائظاً للمنافقين، فسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهرهم، وفقدت راحلة رسول الله «صلى الله عليه وآله». فسعى الرجال لها يلتمسونها».

فقال رجل من المنافقين، هو زيد بن اللصيت، أحد بني قينقاع: كيف يزعم أنه يعلم الغيب، ولا يعلم مكان ناقته؟! ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي؟!

(فأراد الذين سمعوا منه ذلك أن يقتلوه، فهرب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» متعوذاً به).

فأتى النبي «صلى الله عليه وآله» جبرئيل «عليه السلام»؛ فأخبره بقول المنافق ومكان ناقته؛ وأخبر بذلك رسول الله «صلى الله عليه وآله» أصحابه (وذلك الرجل يسمع)، وقال: ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه، ولكن الله أخبرني بقول المنافق، ومكان ناقتي. هي في الشعب قد تعلق زمامها بشجرة.

فخرجوا يسعون قِبَلَ الشعب، فإذا هي كما قال. فجاؤوا بها. وآمن ذلك المنافق([1]).

فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات. وكان من عظماء اليهود، وكهفاً للمنافقين.

وفي المنتقى: ذكر فقدان الناقة في السنة التاسعة من الهجرة، حين توجه النبي «صلى الله عليه وآله» إلى تبوك، وهبوب الريح بتبوك([2]).

ونقول: إننا نشير هنا إلى الأمور التالية:

1 ـ إن هبوب الريح غير العادية، وإخبار النبي «صلى الله عليه وآله» لناس بأن سبب هذه الريح هو موت عظيم من عظماء الكفار في المدينة. قد جـاء بعد تسجيل نصر حاسم للمسلمين على بني المصطلق، ولعـل هذا النصر قد ترك في نفوسهم بعض الآثار التي يريد الله أن يزيلها. رحمة منه تعالى بالمؤمنين، وتثبيتاً لهم، وتزكية لنفوسهم، وتصفية لأرواحهم من أدران الغرور، حين يظنون أنهم هم الذين صنعوا هذا النصر، بما يملكون من شجاعة، وإقدام وبسالة، وبما أتقنوه من فنون حربية، وبحسن سياستهم، وسلامة تدبيرهم.

فأراد الله سبحانه أن يوجه أنظارهم نحو الغيب، لكي تخشع قلوبهم، وتخضع نفوسهم أمام عظمته سبحانه؛ ليؤكد لديهم الشعور بالرعاية الإلهية، وبالتوفيقات الربانية.

فربط الأمور بالغيب ضروري لهم، في حالات قوتهم، كضرورته لهم في حال ضعفهم، وهو لازم لهم حين يسجلون النصر الحاسم، كما هو لازم لهم حين يواجهون المشكلات الكبرى، ويمسهم القرح والأذى.

2 ـ إننا نلاحظ: أن هذا الإخبار الغيبي لهم بموت عظيم من عظماء الكفار في المدينة، إنما أطلقه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، بعد أن أثار الله تعالى فيهم قدراً من الضعف، أو الخوف والاضطراب أمام أمر لا يجدون لهم حيلة فيه، أو طريقاً لتلافيه. وذلك حين هبت ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها.. فجاء هذا الخبر ليربط على قلوبهم، وليكون أبعد أثراً في نفوسهم، ولكي يبقى محفوراً في ذاكرتهم، ماثلاً أمام أعينهم، لا يحتاجون في تذكره عند الحاجة إليه إلى بذل أي جهد أو عناء.. وهو خبر مفرح لهم من جهة، ومطمئن لهم إلى أنهم في رعاية الله تعالى، وتحت جناح رسول الله «صلى الله عليه وآله» من جهة أخرى..

كما أن ذلك من شأنه أن يؤكد على علاقتهم بالرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله»، ويزيد من ثقتهم بحسن تدبيره، وبصحة كل قراراته، لأنه متصل بالغيب، ومرعي بعين الله تبارك وتعالى.

3 ـ أما فيما يرتبط بناقته «صلى الله عليه وآله».. فإن الرواية قد صرحت: بأن الله تعالى قد تدخل لفضح نوايا زيد بن اللصيت، ومن هم على شاكلته، وأبطل كيدهم في الانتقاص من مقام النبوة الأقدس، والتشكيك بعلمه الغيب قد جاء  في هذا السياق..

ولكن الأهم من ذلك: هو ظهور حرص رسول الله «صلى الله عليه وآله» على تحصين الناس من الخلل في عقائدهم، حين صرح بما يدل على أن علمه بالغيب لم يكن من خلال ذاته، وإنما بالإستناد إلى الله تعالى، والاتصال به، فقال «صلى الله عليه وآله»: ما أزعم أني أعلم الغيب ولا أعلمه، ولكن الله أخبرني بقول المنافق الخ..

سباق الخيل:

وفي السنة الخامسة أيضاً: أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالسبق بين ما ضمِّر من الخيل، وما لم يضمَّر([3]).

(وعن ابن عمر: أجرى «صلى الله عليه وآله» ما ضمِّر من الخيل) فأرسلها من الحَفْيا ـ بفتح الحاء وسكون الفاء ـ إلى ثنية الوداع. وهو خمسة أميال، أو ستة، أو سبعة.

وأجرى ما لم يضمَّر، فأرسلها من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، وهو ميل أو نحوه. قال ابن عمر: فوثب بي فرسي جداراً([4]).

وذكر مغلطاي: أنه «صلى الله عليه وآله» في سنة أربع سابق بين الخيل. وقيل: في سنة ست، وجعل بينها سبقاً ومحللاً([5]).

وسابق أبو سعيد الساعدي([6]) على فرس النبي «صلى الله عليه وآله» الذي يقال له: «الظرب»؛ فسبقت غيرها من الخيل. وكساه النبي «صلى الله عليه وآله» برداً يمانياً([7])، بقيت بقية عند أحفاده إلى زمان الواقدي..

وسبق أيضاً أبو أسيد الساعدي على فرس النبي «صلى الله عليه وآله»، اسمه «لزاز»، فأعطاه النبي «صلى الله عليه وآله» حلة يمانية([8]).

وسابق «صلى الله عليه وآله» بين الخيل مرة، وجلس على سلع، فسبقت له ثلاثة أفراس: «لزاز»، ثم «الظرب»، ثم «السكب»([9]).

سباق الإبل أيضاً:

وقالوا: في هذه الغزوة أيضاً: «أوقع «صلى الله عليه وآله» السباق بين الإبل، فسابق بلال (رض) على ناقته القصواء، فسبقت غيرها من الإبل»([10]).

وعن أنس: كان للنبي «صلى الله عليه وآله» ناقة تسمى العضباء، لا تسبق، أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود، فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، حتى النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه([11]).

ونقول:

1 ـ إن هذا كله يدخل في نطاق التدريب العسكري، ورفع مستوى الخبرة الحربية لدى المقاتلين، لأن الإسلام لا يريد لأهله أن يكونوا ضعفاء، بل يريد أن يكونوا دائماً على أهبة الاستعداد للدفاع عن النفس، وعن الدين، وأهل الدين.

غير أن ما يثير الانتباه هنا، أمران:

أحدهما: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يستثني نفسه من هذا الإعداد والاستعداد، بل هو يشارك في إعداد وسائل الحرب، ويجري فرسه مع أفراس غيره، ويأتي فرسه في المقدمة. مما يعني: أنه «صلى الله عليه وآله» قد أعده أفضل إعداد.

الثاني: أن أعظم رجل بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» فضلاً، وعلماً، وجهاداً، هو علي سيد الوصيين، وأمير المؤمنين، هو الذي كان يتولى أمر التدريب على الرمي في المدينة.

وهذا معناه: أن القيادة المسؤولة لا تكتفي بإصدار الأوامر والنواهي للآخرين، ثم تكون في موقع المتفرج الذي يطلب من الآخرين أن يحموه وأن يضحوا بأرواحهم من أجله. بل تكون في موقع الممارسة جنباً إلى جنب مع كل العاملين والمجاهدين.

كما أن مشاركته «صلى الله عليه وآله» ليست مشاركة عادية، بل هي مشاركة قيادية، وعلى أتم وجه، وفي أفضل حالة، بل هي تصل إلى حد أن يكون القمة والقدوة والمعلم فيما يطلب من الآخرين أن يتعلموه، وأن يحسنوه، ثم يكون ما أعده هو الأمثل والأفضل، ولا يرضى بالمساواة مع ما أعده غيره.

2 ـ إن هذه المسابقات ربما تكون لإعداد آلة الحرب، وهي الخيل والإبل التي يراد رفع مستوى تحملها، ويراد اكتشاف الصالح والأصلح منها، ليمكن الاستفادة منها في المواقع المناسبة في الظروف الحساسة..

3 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» لا يكتفي بإجراء السباق بين ما ضمِّر من الخيل. بل هو يسابق أيضاً بين ما لم يضمَّر، ثم هو يجعل له ميداناً ومدى أقصر من مدى الخيل المضمَّرة، آخذاً بنظر الاعتبار أيضاً قدرات ذلك النوع من الخيل.

ولعل ذلك يعود: إلى أن الخيل غير المضمَّرة أيضاً لها دورها في تسيير الأمور في حالات الحرب، وفي تسريع التنقلات، وإمداد المقاتلين في الجبهات بما يحتاجون إليه من مؤن وعتاد، وغير ذلك..

كما أنه لا بد للقائد الحكيم والمدبر من أن يحتاط للأمر، إذ ربما يحتاج في حالات معينة إلى الاستفادة من هذه الخيل حتى في ساحات القتال..

4 ـ وهكذا يقال بالنسبة للسباق بين الإبل، فإنها كانت هي الوسيلة الأفضل للتنقل في المسافات البعيدة، وقطع البوادي الشاسعة، في بلاد تقل فيها الينابيع، ويشتد فيها الحر، وتمس الحاجة فيها إلى الإبل القادرة على قطع تلك المسافات، وعلى تحمل العطش أياماً في تلك الأجواء الحارة.

5 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» قد جعل للفائزين في السباق جوائز تشجعهم على تحسين الأداء في المستقبل، لتكون هذه الجوائز شارة عز على صدورهم من جهة، وحافزاً لغيرهم ليحسن الإعداد والاستعداد للمرات اللاحقة من جهة أخرى.. ولتكون بمثابة معونة للفائزين، الذين قد يكونون بحاجة إلى أمثالها، من جهة ثالثة.

6 ـ أما ما ذكرته بعض الروايات، من أن أعرابياً سبق على قعوده ناقة رسول الله «صلى الله عليه وآله» المسماة بـ «العضباء»، فشق ذلك على المسلمين وعلى رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فإننا لا نكاد نفقه له معنى مقبولاً، لأنه إذا كان سبب انزعاج المسلمين ورسول الله «صلى الله عليه وآله» هو كون السابق أعرابياً، فإن أعرابيته لا تلغي حقه، ولا تسقط كرامته عند الله، ولا توجب حرمانه من الامتيازات التي يستحقها.

وإن كان السبب هو انتساب العضباء إلى الرسول «صلى الله عليه وآله»، فإن ذلك يثير علامة استفهام حول صدقية سبق أفراس، وإبل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لأن الناس ما كانوا يرضون بأن تسبق، بل إنهم كانوا يعلمون: أن ذلك يزعج الرسول «صلى الله عليه وآله»، وهذا يجعلهم يترددون في التقدم على أفراسه، وإبله «صلى الله عليه وآله»..

ولا مجال لقبول الزعم: بأن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يعتبر المسألة مسألة شخصية بالنسبة إليه، بحيث يكون سبق الأعرابي على قعوده لناقته حطاً من مقامه، وإنقاصاً من قدره.

فإن ذلك ليس فقط يعد طعناً في النبوة، بل هو طعن في توازن شخصيته، وسلامة تفكيره «صلى الله عليه وآله»..

7 ـ ويجوز لنا أن نحتمل: أنه قد كان هناك تعمد للتقليل من شأن العضباء، واعتبارها قد انحط مقامها، ووضع ما ارتفع منها. وبيان أن هذه الناقة التي كانت قوتها مصدر اعتزاز للمسلمين، ولم يكن لها منافس، قد وجد ما تفوَّق عليها من إعرابي عابر.

ونحن وإن كنا لا نملك شيئاً يفيد في تأييد هذا الاحتمال، ولكننا نتجرأ على إطلاقه في ساحات التداول لأننا نعرف أن ثمة كرهاً عميقاً لأهل البيت «عليهم السلام» وكل ما له أدنى ارتباط بهم، وأقل انتساب إليهم.

ولهذه الناقة التي يتحدثون عنها خصوصية تثير ذلك الحقد الدفين، وتدعوهم إلى الحط من قدرها، وإثارة ما يوجب الاستخفاف في أمرها.

وهذه الخصوصية هي: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال للعضباء عند وفاته: أنت لابنتي فاطمة «عليها السلام» تركبك في الدنيا والآخرة.

فلما قبض أتت إلى فاطمة «عليها السلام» ليلاً، فقالت: السلام عليك يا بنت رسول الله قد حان فراقي الدنيا الخ..»([12]).

سقوطه عن الفرس ونسخ حكم شرعي:

قالوا: وفي شهر ربيع الأول، أو في ذي الحجة من سنة خمس سقط رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن فرسه، فجحشت([13]) ساقه، أو كتفه، وجرحت فخذه اليمنى. ولما رجع إلى المدينة أقام في البيت خمساً (أياماً) يصلي قاعداً([14]).

وحسب نص آخر: جحش فخذه الأيمن.

وفي الصحيحين: جحش شقه الأيمن.

وفي غيره: انفكت قدمه([15]).

وفي رواية: أن الأصحاب كانوا يقتدون به قياماً، فأمرهم بالجلوس، وقال: إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا جلس فاجلسوا.

قال الدياربكري: «لكن عند أكثر العلماء هذا الحديث منسوخ؛ لأنه صح أن النبي «صلى الله عليه وآله» صلى في مرض موته جالساً، والأصحاب اقتدوا به قياماً، والنبي «صلى الله عليه وآله» قرره»([16]).

قال الأشخر اليمني: إنه «صلى الله عليه وآله» «كان يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر والناس يصلون خلفه قياماً، كما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة.

هذا هو الصواب، أنه «صلى الله عليه وآله» كان هو الإمام، كما هو صريح الحديث الذي سقته، وهو لفظ مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده عن عائشة الخ..»([17]).

ونقول:

إننا نشك في صحة هذا الحديث بلحاظ شكنا ببعض خصوصياته:

فأولاً: إننا لا نجد مبرراً لسقوطه «صلى الله عليه وآله» عن ظهر فرسه، إلا إذا فرض أنه يعاني من ضعف جسدي، نتيجة مرض مَّا، أو أن سقوطه بسبب أن الفرس جموح، وكلاهما لا شيء في الروايات يشير إليه، أو يدل عليه.

وليس لنا أن نحتمل: أن يكون «صلى الله عليه وآله» لا يحسن ركوب الفرس، ولا بالتماسك فوق ظهره، فإن ذلك من النقص الذي لا يصح نسبته إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولا سيما بعد أن قضى سنوات، يمارس فيها الحروب ضد أعدائه. وكان «صلى الله عليه وآله» يركب الفرس فيها، ويكون هو الأقرب إلى العدو من كل أحد.. مع تعرض الفرس أثناء الحرب لكثير من المحفزات للحركة، وربما تنالها بعض الطعنات، ويلحق بها بعض الجراح أيضاً.

ثانياً: إن الروايات تقول: إنه قد جحشت ساقه، أو فخذه، أو شقه الأيمن، فمع الاقتصار على خصوص ما ورد في هذا النص باعتباره هو المعتمد، والأكثر شيوعاً.

ونقول:

معنى كلمة «جحشت: تقشر جلدها» ومن الواضح: أن تقشر الجلد لا يوجب العجز عن القيام في الصلاة.. فما معنى قولهم: إنه «صلى الله عليه وآله» كان يصلي قاعداً.. وهو ـ على الأقل ـ يقدر على التكبير والقراءة من قيام، ومع القدرة على ذلك، فإن الصلاة من جلوس لا تجزي.

ثالثاً: دعواهم نسخ ذلك بما جرى في آخر حياته «صلى الله عليه وآله».. حيث صلى الناس حينئذٍ قياماً، خلفه، وهو جالس، فقررهم «صلى الله عليه وآله» على ذلك.

إن هذه الدعوى: غير ظاهرة الوجه، إذ لم نجد ما يدل على أنه «صلى الله عليه وآله» قد أمرهم بالقيام، فإن كانوا قد بادروا هم إلى القيام خلفه وهو جالس، من دون أن يأمرهم بذلك، فقررهم على فعلهم.

فالسؤال هو: لماذا وقف الصحابة خلفه، مع أنه «صلى الله عليه وآله» كان قد أمرهم في حادثة وقوعه عن الفرس بأن يصلوا من جلوس، إذا كان الإمام يصلي جالساً. بل كان عليهم أن يبادروا إلى الجلوس، التزاماً بما كان قد علمهم إياه. فلماذا انعكس الأمر؟!

رابعاً: إن دعوى النسخ لا مجال لقبولها، لأنهم يقولون: إن النبي «صلى الله عليه وآله» حين أمر الناس بالجلوس في صلاتهم خلفه قد علل ذلك بقوله: «إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا الخ..»([18]).

فهذا التعليل يمنع من النسخ؛ إذ إن كانت العلة للجلوس هي أن الإمام قد جعل إماماً في جميع الأحوال، فمن الواضح: أنه لم يطرأ شيء يوجب زوال هذه العلة، بل هي لا تزال باقية على حالها، فلا مبرر لادِّعاء النسخ مع بقاء علة ثبوت الحكم.

خامساً: إن ظاهر الرواية التي ذكرت هذا التعليل هو: أنها تريد بيان لزوم متـابعة الإمـام في أفعـاله الصلاتية، فإذا ركع ركعوا، وإذا جلـس جلسوا. وإذا قام قاموا ـ من حيث إن هذه هي أفعال الصلاة ـ.

وليس المقصود: أنه إذا طرأ على الإمام ما يمنعه من القيام، فإن حكمهم يصير هو عدم القيام، إذ لا يصح القول: إذا صلى راكعاً صلوا معه راكعين، وإذا صلى ساجداً أو نائماً فعليهم أن يصلوا نائمين أو ساجدين، وإذا صلى بالإيماء صلوا بالإيماء!! فإنه ليس هناك صلاة على هذه الصفة ولا تلك.

وهذا يعطينا: أن عبارة: «وإذا صلى قاعداً، فصلوا قعوداً أجمعون» مقحمة في هذه الرواية، أو محرفة عن قوله: «وإذا قعد فاقعدوا».

الصحيح في قضية الصلاة:

والصحيح في هذه القضية: هو ما روي عن أبي جعفر «عليه السلام»: من أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» صلى بأصحابه جالساً، فلما فرغ قال: «لا يؤمّن أحدكم بعدي جالساً»([19]).

فيكون جواز اقتداء القائم بالجالس من خصائص رسول الله «صلى الله عليه وآله»([20]).

بركات وفوائد:

وقد كان من بركات هذه الخصوصية: أنها قد فضحت من حاول التعدي على مقام ليس له، والتصدي لما لم يؤذن له به، بهدف التوصل إلى تبرير اغتصاب أعظم مقام بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأعني به مقام الإمامة.

الصحيح في قضية السقوط عن الفرس:

أما حديث سقوطه «صلى الله عليه وآله» عن فرسه فلعل له أصلاً أيضاً، إذا كانوا قد تعمدوا التعتيم على بعض التفاصيل وتجاهلها، مثل أن يكون بعض المنافقين قد نفَّروا به فرسه، حتى وقع عن ظهره، تماماً كما حاولوا قتله بتنفير ناقته به «صلى الله عليه وآله». وذلك أشهر من أن يذكر.

ولعل حساسيتهم تجاه هذا الأمر، هي التي منعت الإمام الصادق «عليه السلام» من ذكر التفاصيل أيضاً، رغم أنه قد صرح به، فقد روي عنه «عليه السلام» قوله:

كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقع عن فرس، فسحج (أي قشر) شقه الأيمن، فصلى بهم جالساً في غرفة أم إبراهيم([21]).

الزلزال في المدينة:

وزعموا: أنه في سنة خمس من الهجرة زلزلت المدينة، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: إن الله عز وجل يستعتبكم فأعتبوه([22]).

ونقول:

إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ..([23]). والناس يخافون من الزلزلة، ويرون أنها مصيبة، بل هم يرون أنها عذاب لهم.

وهم لا يشعرون بالأمن إذا كانت الزلازل تهددهم، مع أن الأحاديث الشريفة قد صرحت: بأن الأئمة «عليهم السلام» أمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء([24]).

ولسوف يتعاظم شعورهم بالسكينة وبالأمن من الزلازل والصواعق، حين يكون الرسول «صلى الله عليه وآله» بين ظهرانيهم.

فحدوث الزلزال والحال هذه سوف يزعزع يقينهم هذا، وسيصيبهم بخيبة أمل، وربما بصدمة عنيفة. وسيثير في أنفسهم الريبة والشك في صحة ما يرونه ويشاهدونه، والله أكرم عليهم، وأرحم بهم، من أن يعرِّضهم لهذا الامتحان الصعب.

ولعل مما يشير إلى ما ذكرناه: ما روي عن أمير المؤمنين «عليه السلام»، قال: إن إبراهيم مرَّ ببانقيا([25])، فكان يزلزل بها، فبات بها، فأصبح القوم ولم يزلزل بهم.

فقالوا: ما هذا؟ وليس حدث!

قالوا: ههنا شيخ ومعه غلام له.

قال: فأتوه، فقالوا له: يا هذا، إنه كان يزلزل بنا كل ليلة، ولم يزلزل بنا هذه الليلة، فبت عندنا، فبات ولم يزلزل بهم..

ثم تذكر الرواية: أنه اشترى منهم منطقة النجف([26]).

فحضور إبراهيم «عليه السلام» في بلدهم قد منع الزلزال عنهم، فكيف لا يمنع حضور النبي «صلى الله عليه وآله»  الزلزال عن أهل المدينة؟!

إلا إذا فرض وجود مصلحة في إحداث هذا الزلزال، كما أشير إليه في بعض الروايات، ففي توحيد المفضل، قال: إن الزلزلة وما أشبهها، موعظة، وترهيب، يرهب بها الناس ليرعووا وينزعوا عن المعاصي([27]).

وكذا الحال لو أريد إظهار آية أو مقام للإمام «عليه السلام»([28]).

النهي عن ادِّخار لحوم الأضاحي:

وفي السنة الخامسة أيضاً: دفَّت دافَّة العرب، أي اجتمعت جموعها وقدموا المدينة، فنهى النبي «صلى الله عليه وآله» عن ادِّخار لحوم الأضاحي، فوق ثلاث، ثم رخص لهم في الادِّخار ما بدا لهم([29]).

والظاهر: أنه «صلى الله عليه وآله» أراد بهذا الإجراء توفير الطعام للعرب الذين اجتمعوا في المدينة، لأن ادِّخار لحوم الأضاحي سوف يقلل من كميات اللحوم التي تعرض في السوق، فإذا كان هناك ازدياد في عدد الناس الذين يحتاجون إلى الغذاء، وكان هناك نقص في كميات اللحوم المعروضة فإن ذلك سيوقع الناس في حرج وإرباك، أو يتسبب في غلاء بعض السلع الأخرى المتداولة. فنهى النبي «صلى الله عليه وآله» الناس عن ادِّخار اللحوم، وألزمهم بعرضها، من أجل تلبية حاجات الناس إليها.

وهذا هو أحد الموارد التي ينشئ الحاكم فيها أوامره التدبيرية، في أمور عامة، ويكون لهذه الأوامر تأثيرها على حق الناس في تصرف بعينه، فيحظر عليهم استعمال هذا الحق، رعاية لصالح المجتمع المسلم.

وبذلك يكون الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله» قد وضع قانون حماية المستهلك من خلال إغراق السوق بالسلع، لكي لا تتسبب قلتها بارتفاع الأسعار والإجحاف بحقه.

فرض الحج:

قالوا: وفي السنة الخامسة نزلت فريضة الحج. لكن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أخَّره إلى السنة العاشرة، من غير مانع، فإنه خرج في ذي القعدة من السنة السابعة لقضاء العمرة ولم يحج، وفتح مكة في رمضان السنة الثامنة، ولم يحج. وبعث أبا بكر أميراً على الحاج في السنة التاسعة، وحج «صلى الله عليه وآله» في السنة العاشرة، وهي المعروفة بحجة الوداع.

وقالوا: اختلف في وقت فرض الحج، فقيل: قبل الهجرة، ووصفوا هذا القول بالغرابة، والمشهور بعدها.

وقيل: في الرابعة وقيل: سنة خمس. وكذا في المنتقى، وجزم به الرافعي في موضع، وقيل سنة ست، وصححه الرافعي أيضاً في موضع آخر، وكذا النووي، وهو قول الجمهور.

وقيل: في سبع، وقيل: في ثمان، وكذا في مناسك الكرماني أيضاً. ورجحه جماعة من العلماء.

وقيل: في تسع وصححه عياض.

وقيل: في العاشرة([30]).

واستدل القائلون: على فرض الحج في سنة ست: بأن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ..﴾ قد نزل في سنة ست..

وقد يناقش في هذا الدليل بأن قوله: ﴿وَأَتِمُّواْ..﴾ يراد به الإكمال بعد الشروع، وليس المراد به ابتداء الفرض([31]).

وقد ذكر الحج في قصة ضـمام بن ثعلبة، وكـان قـدومـه ـ على قـول الواقدي ـ :  سنة خمس([32]).

واستدل القائلون، على فرض الحج في سنة تسع: بأن فرضه قد جاء في أوائل سورة آل عمران، وصدر هذه السورة قد نزل في سنة تسع، وفيها قدم وفد نجران، وصالحهم على الجزية، والجزية نزلت عام تبوك في سنة تسع([33]).

ونقول:

1 ـ قد ذكرنا في بحث لنا حول آيات الغدير([34]): أن الله كان ينزل سورة كاملة، أو شطراً كبيراً من السورة دفعة واحدة إذا كانت من الطوال، ثم يبدأ نزول آياتها تدريجياً، كلما حدث ما يقتضي ذلك.

فلعل سورة آل عمران قد نزلت في أول الهجرة، وإن كانت المناسبات التي اقتضت إعادة إنزال بعض آياتها قد تأخرت إلى سنة تسع..

واستدل القائلون بأن الحج قد فرض قبل الهجرة بما يلي:

1 ـ عن ابن عباس: أن النبي «صلى الله عليه وآله» حج قبل أن يهاجر ثلاث حجج([35]).

2 ـ عن ابن الأثير: أنه «صلى الله عليه وآله» كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر([36]).

3 ـ وعن الثوري: حج النبي «صلى الله عليه وآله» قبل أن يهاجر حججاً([37]).

4 ـ وقال ابن الجوزي: حج حججاً لا يعلم عددها([38]).

5 ـ وقال الحبر الطبري: حج «صلى الله عليه وآله» قبل الهجرة حجتين([39]).

6 ـ عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: لم يحج النبي «صلى الله عليه وآله» بعد قدومه المدينة إلا واحدة، وقد حج بمكة حجات([40]).

7 ـ وعنه «عليه السلام»: حج رسول الله «صلى الله عليه وآله» عشر حجات، مستسراً في كلها([41]).

8 ـ عنه «عليه السلام»: حج رسول الله «صلى الله عليه وآله» عشرين حجة([42]).

9 ـ وعن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله «عليه السلام»: أنه «صلى الله عليه وآله» قد حج عشرين حجة غير حجة الوداع([43]).

وهناك أقوال أخرى، فلتراجع في مظانها.

ولا منافاة بين روايات العشرة والعشرين، فإن العشرة التي استسر بها هي تلك التي كانت في المدينة.

10 ـ وقد يمكن تأييد ذلك: بأن الحج قد شرع في مكة بما روي عن أبي عبد الله «عليه السلام»، قال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّواْ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ..﴾ وإنما نزلت العمرة بالمدينة([44]) ونحوه غيره([45]).

ملاحظات وتوضيحات:

ونحن نسجل هنا الملاحظات والتوضيحات التالية:

ألف: إن حج النبي «صلى الله عليه وآله» بعد الهجرة سراً قد يكون بالاحتجاب عن الناس بطريقة التدخل الإلهي الإعجازي، فإن الله سبحانه قادر على كل شيء.

ب: قد يقال: إن حج النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن لأجل أن الحج كان قد فرض، فلعله كان آنئذٍ على صفة الندب، أو لعله كان واجباً على رسول الله «صلى الله عليه وآله» دون غيره ثم وجب على الناس بعد ذلك.

ولكن الرواية الأخيرة تؤكد: أن الحج والعمرة كانا واجبين على الخلق كلهم.

وعلى كل حال: فإن أحداً لا يستطيع أن ينفي فرض الحج على الناس في مكة، فلعله قد شرع وأبلغه النبي «صلى الله عليه وآله» إلى من أسلم معه، وكانوا يحجون مع الناس، دون أن يظهر منهم ما يوجب الصدام معهم، لأن المشركين أيضاً كانوا يحجون، وإن كان في حجهم مخالفات وتحريفات..

وربما يكون المسلمون قد استعملوا التقية في هذا الأمر، إما في طريقة الأداء، أو بامتناعهم عن الحج، بسبب المخاطر التي تواجههم فيه.

وأما الحج بعد الهجرة، فحتى لو أن النبي «صلى الله عليه وآله» أبلغهم بوجوبه عليهم، فإنهم لم يكونوا قادرين على القيام به، بسبب الحروب القائمة بينهم وبين أهل مكة.. وقد استمر هذا الأمر إلى ما بعد الفتح، كما هو معلوم..

النبي يحيي الموتى:

وفي السنة الخامسة، أو في غيرها كانت قصة أولاد جابر.

فقد روي: أن جابراً دعا النبي «صلى الله عليه وآله» ذات يوم إلى القِرى، فأجابه «صلى الله عليه وآله». وجاء وجلس، ففرح جابر، وذبح له حَمَلاً ليشويه.

وكان لجابر ولدان صغيران، فطلب الكبير من الصغير أن يريه كيف ذبح أبوه الحَمَل، فأضجعه، وربط يديه، ورجليه، ثم ذبحه، وحزَّ رأسه، وجاء به إلى أمه. فدهشت، وبكت، فخاف الصبي، وهرب إلى السطح، فتبعته فرمى بنفسه عنه، فمات أيضاً.

فسكتت المرأة، وأدخلت ابنيها البيت، وغطتهما بمسح في ناحية من البيت. واشتغلت بطبخ الحَمَل، وكانت تخفي الحزن، وتظهر السرور، ولم تُعلم زوجها بالأمر.

فلما تم الطبخ، وقرب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» جاءه جبرئيل، وقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تأكل مع أولاد جابر.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» ذلك لجابر، فطلب جابر ابنيه. فقالت امرأته: إنهما ليسا بحاضرين.

فأخبر جابر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بذلك، فقال: إن الله يأمرك بإحضارهما.

فرجع إلى امرأته فأخبرها، فبكت، وكشفت له الغطاء عنهما، فتحير جابر، وبكى، وأخبر النبي «صلى الله عليه وآله» بالأمر. فنزل جبرئيل، وقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تدعو لهما، ويقول: منك الدعاء، ومنا الإجابة والإحياء.

فدعا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فحييا بإذن الله([46]).

وفي مناسبة أخرى: ذبح جابر شاة، وطبخها، وثرد في جفنة، وأتى به رسول الله «صلى الله عليه وآله». فأكل القوم. وكان «صلى الله عليه وآله» يقول لهم: كلوا ولا تكسروا عظماً. ثم إنه «صلى الله عليه وآله» جمع العظام، ووضع يديه عليها، ثم تكلم بكلمات، فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها([47]).

ونقول:

إن لنا مع هذه الروايات وقفات، هي التالية:

التقليد والمحاكاة:

إن ما ذكرته الرواية عن ذبح الولد لأخيه ليس أمراً محالاً، ولا غريباً. بل له نظائر عبر التاريخ وإلى يومنا هذا؛ فإن اتجاه الأطفال نحو التقليد  والمحاكاة أمر معروف ومألوف للناس، ويرون مظاهره وشواهده في أطفالهم باستمرار.

ولكن تصرف أم الطفلين هو الذي يثير الدهشة حقاً، فكيف واجهت هذه الصدمة بمجرد البكاء، ثم لم تفقد وعيها، ولم تصرخ، ولم تولول، ليجتمع الناس إليها، ويسألوها عما جرى؟!

بل كيف أطاقت حمل طفليها إلى ناحية البيت؟!

وكيف استطاعت أن تقف على رجليها، وتصلح الطعام لرسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

ثم هي لم تخبر زوجها بما جرى؟! بل زادت على ذلك كله: أنها كانت تخفي الحزن، وتظهر السرور برسول الله «صلى الله عليه وآله».

قيمة الدعاء وآثاره:

إن اللافت هو: أن الله تعالى هو الذي أمر جبرئيل بأن يخبر الرسول «صلى الله عليه وآله» بأن عليه أن يدْعو للطفلين، وأن يطلب من الله إحياءهما، ويعده بالإجابة له..

ألا يدل ذلك على: أن الله عز وجل يريد أن يعرِّف الناس بمقام نبيه «صلى الله عليه وآله» عنده، ومحله لديه، وأن يربط على قلوبهم، ويزيد ثقتهم بالله سبحانه، وبالرسول وبالرسالة؟!

كما أنه يريد: أن يعرف الناس بضرورة أن يكون كل شيء حتى الدعاء بأذن من الله سبحانه وبرضاه.

يضاف إلى ذلك: تعريفهم بقيمة الدعاء، وبأنه داخل في سلسلة العلل للتأثير في الكائنات، حتى ما كان بمستوى إحياء الموتى، وليكن إرسال جبرئيل للنبي «صلى الله عليه وآله» ـ ليبلغه أمر الله تعالى له بالدعاء لهما ـ إعلام بهذه الحقيقة الخطيرة والهامة جداً.

التشكيك الخفي:

هذا.. وقد علق الدياربكري على حديث إحياء ولدي جابر بقوله:  «كذا في شواهد النبوة، لكنها لم تشتهر اشتهاراً»([48]).

ونقول:

إنه يقصد: أن إحياء الموتى حدث عظيم، وهائل، من المفترض أن يطير خبره في كل اتجاه.. فإذا لم يحصل ذلك، كان هناك مبرر للتشكيك في صحة النقل.

غير أننا نقول: إن الآيات والمعجزات تارة تكون في مقام التحدي، ومن أجل إثبات النبوة للجاحدين والطغاة مثلاً.. فمن المفترض أن تظهر في الملأ العام، وأن يكون ثمة اهتمام بنشر أخبارها، والتعريف بآثارها..

وتارة يكون المقصود بها: تكريم عبد صالح، وتأكيد اليقين في قلبه، وبعث السكينة في نفسه، من دون أن يكون ثمة غرض من إشاعة أخبارها، بل قد تكون المصلحة في كتمانها، إذا كان نشرها يعطي الفرصة لأصحاب الأهواء للتشكيك بها، أو التسبب ببعض أشكال الحرج لمن يراد تكريمهم وإعزازهم، والحفاظ عليهم.

وهناك أقسام أخرى أشرنا إليها في كتابنا: رد الشمس لعلي «عليه السلام»، فيمكن الرجوع إليه.

لا تكسروا عظماً:

ونحن لا نشك في: أن الله تعالى يحيي الشاة بدعاء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، سواء أكسروا عظامها أم تركوها سالمة، ولكننا نحتمل أن يكون أمر النبي «صلى الله عليه وآله» للآكلين بأن لا يكسروا عظماً لسببين:

أحدهما: أن لا يغلو صغار العقول برسول الله «صلى الله عليه وآله»، بزعم أنه هو الله، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿..قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ..﴾.

الثاني: التوطئة لإظهار هذه المعجزة، وتهيئتهم للاستفادة منها في تقوية إيمانهم إلى أقصى حد ممكن، وذلك حين يعرفون: أن القضية أكثر من مجرد كرامة أظهرها الله لنبيه «صلى الله عليه وآله»، دون أن يكون له «صلى الله عليه وآله» دور في صنعها وإظهارها.. بل هي عمل مقصود لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، سعى إليه خطوة خطوة حتى أتمه وأنجزه وفق ما خطط وأراد، الأمر الذي يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى قد أعطاه القدرة على صنع ما هو من هذا القبيل، ويبلغ هذا الحد أيضاً، فهذا من شؤونه، ومن وظائفه وصلاحياته كنبي ورسول.

إسلام خالد وعمرو بن العاص:

وزعموا: أن خالداً وعمرو بن العاص أسلما في السنة الخـامسة من الهجرة([49]).

ولكن سيأتي، إن شاء الله: أن الصحيح هو: أن إسلام خالد، كان في سنة سبع.

قال ابن حجر: ووهم من زعم أنه أسلم سنة خمس([50]).

وأسلم عمرو بن العاص سنة ثمان.

وقيل: بين الحديبية وخيبر([51]).

  

الفصل الثاني:

 

زينب بنت جحش في بيت الرسول

 

زينب بنت جحش.. في بيت الرسول :

قال الله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً،

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً،

مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ الله فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَّقْدُوراً،

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِالله حَسِيباً،

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾([52]).

ابن حارثة! أم ابن محمد؟!

ويقولون: إن السبي كان قد وقع على زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، فاشتراه رسول الله «صلى الله عليه وآله» من سوق عكاظ، أو أن خديجة اشترته، ثم وهبته لرسول الله «صلى الله عليه وآله».

فلما نبئ رسول الله «صلى الله عليه وآله» دعاه إلى الإسلام، فأسلم.

وكان أبوه يتسقط أخباره، فلما عرف أنه في مكة قدمها، وكان رجلاً جليلاً، فأتى أبا طالب، وقال: سل ابن أخيك: فإما أن يبيعه، وإما أن يفاديه، وإما أن يعتقه.

فلما قال ذلك أبو طالب لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، قال: هو حرٌّ، فليذهب حيث شاء.

فأبى زيد أن يفارق رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال حارثة: يا معشر قريش اشهدوا أنه ليس ابني، أو قال: اشهدوا أنني تبرأت من زيد، فليس هو ابني ولا أنا أبوه.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: اشهدوا أن زيداً ابني.

فكان يدعى زيد بن محمد([53]).

وفي نص آخر: أنه لما اختار النبي «صلى الله عليه وآله»، جذبه أبوه، وقال: يا زيد، اخترت العبودية على أبيك وعمك؟!

فقال: إي والله، العبودية عند محمد أحب إلي من أن أكون عندكم([54]).

وزوَّجه النبي «صلى الله عليه وآله» مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، ولما قدم المدينة زوَّجه زينب بنت جحش.

رسول الله أحب إليه:

ونقول:

إننا نسجل هنا النقاط التالية:

1 ـ إن الإنسان حين يسمع الناس يتحدثون عن بعض العظماء, والأفذاذ منهم, فإن تلك الأحاديث تبهره، وتلهب في نفسه جذوة الشوق لرؤيتهم, والعيش معهم, والكون إلى جانبهم.

ولكنه إذا حصل على ما يتمناه, وعاش  معهم بالفعل, فإنه سيجد أنهم دون المستوى الذي ظنه فيهم, وأقل مما توهمه عنهم, فإذا طالت الصحبة, ودامت مخالطته لهم, فإن مستوى الإعجاب سوف  يتراجع عما هو عليه، ويتضاءل  بصورة  تدريجية, تبعاً لما يتكشف له من نقائص, وما يظهر له من نقاط ضعف فيهم, يسعى الناس عادةً  لإخفائها، والتستر عليها.

ولكن هذا التراجع وظهور نقاط الضعف قد لا يبرر له قطع الرابطة معهم, وذلك لأن عامل الإلف, والعادة, وربما الانجذاب إلى صفات أو حالات أو مصالح معينة يجدها فيهم، تدفعه إلى توثيق العلاقة بهم، وإدامتها، وتحفظ له بعض الحيوية فيها.

ولكن حياة زيد بن حارثة مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» لم تكن على هذه الصفة، بل كان «رحمه الله» يكتشف فيه «صلى الله عليه وآله» كل آن ما هو جديد وفريد من الميزات والخصائص الإنسانية التي لا نظير لها، والتي كان لتنامي قدرات زيد الروحية، والإيمانية، والفكرية، والإدراكية الأثر الفعال في التعرف عليها، والتفاعل معها..

2 ـ ومن جهة أخرى: فإن لعلاقة الرحم بالرحم خصوصية لا توجد فيما عداها، مما عرفه الناس وألفوه، خصوصاً إذا كانت علاقة والد بولده، وولد بأبيه، ولا سيما إذا كان الوالد جليلاً، وكان الولد عاقلاً نبيلاً.. فكيف إذا ذكت هذه العلاقة، وتأجج أوارها بفعل مأساةٍ، تمثلت في التحول من عز الحرية، إلى ذل الأسر والعبودية، حيث لا بد أن يؤذيه إحساسه بالضعف بعد القوة، وبالمهانة والاستهانة، بعد العيش في منازل السؤدد والكرامة؛ فكيف إذا أصبح يواجه بالقسوة بعد الرحمة، وبالإذلال بعد الدلال والإدلال..

فإن من الطبيعي أن يضاعف ذلك حنينه إلى الحياة التي فارقها، وأن يزداد مقته للواقع الذي يعاني منه، ولسوف تتأكد علاقته الروحية بوالديه، وتشتد لهفته للقائهما، والعيش تحت جناحهما، حيث يتبلور شعوره بالقوة وبالكرامة، وبالعزة. وتنتعش روحه بما يفيضانه عليه من حب، وبما يغمرانه به من رأفة ورحمة، ومن دفءٍ وحنان. وليهنأ بالراحة، وليهدأ تحت ظلال السلام والسلامة، والسكينة والأمان.

وكان زيد من أول الأمر شديد الحنين إلى أهله وقومه..

فقد ذكر ابن سعد: أن أناساً من كلب ـ قبيلة زيد ـ حجوا فرأوا زيداً فعرفهم وعرفوه ، فقال: بلغوا أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي، وقال:

أحـن إلى قـومـي وإن كنت نـائيــاً      بـأني قـتـيـل الـبـيت عند المشـاعر

فكفوا من الوجد الذي قد  شجاكم       ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر

فـإني بحمد الله مـن خـير  الـســرة     كـرام وعـد كـابـراً بـعـد كـابر([55])

وقد أشارت هذه الأبيات إلى: أن زيداً كان يعرف شدة محبة أبيه له، وتعلقه به.

فقد ذكر ابن سعد: أن ناساً من كلب ـ قبيلة زيد ـ حجوا فرأوا زيداً.

ولكن زيداً لم يكتف برفض العودة مع أبيه إلى البيت الذي رباه، بل هو قد رضي بالبقاء تحت وطأة آلام كل تلك المعاني التي قد يحيطه بها الكثيرون من الناس من حوله.

ثم زاد على ذلك: بأن تحمل أقسى وأعنف الآلام الروحية، وهو يرى أباه يعلن براءته منه على الملأ من قريش، وهي براءة تدلل على عمق الجرح الذي أحدثه قراره في نفس أبيه المفجوع به، حيث واجهه بأعنف صدمة عاطفية، وهو يرى خيبة آماله في ولده، وفلذة كبده وأعز ما ومن في الوجود عليه.

والذي يزيد في هذه الآلام: أن ولده هذا لم يراع مكانة أبيه، بل هو قد عرض موقعه الاجتماعي للاهتزاز، حين أصر على البقاء في كنف إنسان آخر، عاش معه ردحاً طويلاً  على صفة العبودية. وإذا بهذا العبد يفضل سيده حتى على أهله وعشيرته، وحتى على أبيه وأمه.

فما معنى: أن يفضل هذا الولد حياة العبودية مع سيده هذا على ما سواها، دون أن يطلب لنفسه أي امتياز، أو ضمانة، أو دون أن يفكر بأي تغيير في مسار هذه الحياة، مع من يطلب البقاء معهم، والعيش في كنفهم؟!

ألا يدل ذلك: على أن في الأمر سراً عميقاً ودقيقاً، قد يتجلى هذا السر في بعض وجوهه، في أن السبب في عظمة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» لم يكن هو تميُّزه وتفرُّده في الصفات والسمات البشرية..

وإنما سببها هو: أنه ذلك الإنسان الإلهي الصافي، والخالص، الذي استحال على زيد بن حارثة، رغم طول صحبته له، واطلاعه عن قرب على حـالاته المختلفة ـ لقـد استحـال عليه ـ : أن يجد فيه أي حالة من حالات الضعف البشري..

بل هو يراه دائم التعالي والتسامي والرقي في منازل الكرامة وفي المقامات المحمودة، ويشاهده وهو يزداد بهاءً وسناءً، وتوهجاً وتألقاً في سماء العظمة والسؤدد.

بل إنه كلما زادت معارفه، ونما إدراكه، وتكاملت قواه، يزداد قوة على اكتشاف المزيد من مزايا شخصية الرسول «صلى الله عليه وآله» وأسرارها، ويتأكد انبهاره بأنوارها؛ فيجد نفسه مضطراً لمنحه المزيد من الحب، ويقوي ارتباطه به، ويضاعف حنينه إليه، ولا يفضل شيئاً في الوجود عليه.

بل هو يرفض أباه، ليكون مع الذي تبناه.

وهذا دليل على صحة إيمان زيد، وعلى عمق إدراكه لمفاهيم الإسلام، ومدى تفاعله مع قيمه، وانسجامه مع أحكامه وشرائعه..

3 ـ ومما يؤكد هذا الذي ذكرنا: أن حارثة بن شراحيل قد عرض على النبي «صلى الله عليه وآله» ثلاثة خيارات، تؤكد جميعها على: أن زيداً يواجه حالة من الإذلال في بقائه على الصفة التي هو عليها، ويريد أبوه أن يخرجه منها..

والخيارات الثلاثة هي: العتق، والمفاداة، والبيع([56]).

وفي هذا تهيئة نفسية لزيد ليختار ـ حيث يصبح له الخيار ـ أن يكون إلى جانب أبيه ليتخلص من كل نظرات الاحتقار والاستصغار التي ربما توجه إليه، يحس بلذعاتها، ولسعاتها، النظرات التي أنتجتها ظروف لم يكن لزيد أي دور، أو أي خيار أو اختيار في صنعها.

4 ـ إن مبادرة الرسول «صلى الله عليه وآله» إلى الانتصار لزيد، وإعلانه أنه قد تبناه، يمثل إنقاذاً لموقف زيد، بأفضل أسلوب، وأرشد طريقة، حيث منحه بذلك أعظم وسام، وجعله في أعلى مقام، غير آبه بالأعراف الاجتماعية الخاطئة، التي تنطلق من العنجهيات الفارغة، ومن مفاهيم الجاهلية اللاإنسانية، التي تقضي بالتمييز بين الأحرار والعبيد، وبين السادة والموالي..

وبذلك يكون قد أسقط المفهوم الجاهلي وأدانه، ورفضه، بالأفعال لا بالأقوال من جهة.. وقطع الطريق على حارثة بن شراحيل من جهة أخرى.

ثم يكون قد أصلح ما أفسده موقف حارثة، وجبر الكسر الاجتماعي، والروحي الذي حدث لزيد بسبب تبري أبيه منه، حيث منحه رسول الله «صلى الله عليه وآله» ما لم يكن يحلم به، وحباه شرفاً يغبطه عليه خيار الأمة وكرامها.

5 ـ لا مجال للتوهم الذي يقول: إن حارثة بن شراحيل لم يكن شديد التعلق بولده، ولأجل ذلك سرعان ما أعلن التخلي عنه، والتبرأ منه.. وذلك لأن والده قد قال أبياتاً عبر فيها عن حقيقة ما يختلج في نفسه من شوق لولده، ومن تلك الأبيات:

بكـيـت على زيــد ولم أدر مــا فعل     أحي فـيرجى أم  أتى دونه   الأجل

فوالله ما أدري، وإن كنت سائـــلاً                 أغالك سهل الأرض، أم غالك الجبل

تـذكـرنيـه الشمس عند  طلوعهـا               وتـعـرض ذكراه إذا قاربت الطّفَل

وإن هـبـت الأرواح هـيجنا ذكـره               فيا طول ما حزني عليه، ويا  وجـل

سأعمل نص العيس في الأرض جاهداً              ولا أسـأم التطـواق أو تسأم  الإبل

حيـاتي أو تــأتي عـلـي مـنـيــتـي               وكـل امـرءٍ فان، وإن غره الأمل([57])

6 ـ إن قضية زيد بن حارثة وتبني النبي «صلى الله عليه وآله» له، وبراءة أبيه منه قد حصلت قبل بعثة رسول الله «صلى الله عليه وآله»([58]).

تاريخ زواج النبي بزينب بنت جحش:

ويذكرون: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد تزوج بزينب بنت جحش في شهر ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة([59])، ونزلت آية الحجاب في هذه المناسبة.

وقال أبو عبيدة، وخليفة بن خياط: تزوجها في السنة الثالثة([60]).

وقيل: بعد قريظة([61]).

وقيل: سنة أربع من الهجرة النبوية الشريفة([62]) في ذي الحجة.

وزينب هي ابنة عمة النبي «صلى الله عليه وآله»، لأن أمها هي أميمة بنت عبد المطلب.

قصة هذا الزواج:

وكان من قصتها: أن النبي «صلى الله عليه وآله» خطبها لزيد بن حارثة فظنت أنه يخطبها لنفسه، فرضيت، فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت وترفعت عليه بنسبها وجمالها، وتابعها على ذلك أخوها عبد الله، وقالت: «أنا ابنة عمتك يا رسول الله، فلا أرضاه لنفسي» (أو فلم أكن لأفعل).

قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: إني قد رضيته لك. فبينما هما يتحدثان أنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..﴾.

فرضيت هي وأخوها بذلك، وجعلت أمرها للنبي.. فأنكحها «صلى الله عليه وآله» زيداً، ودخل بها، وساق لها رسول الله «صلى الله عليه وآله» عشرة دنانير، وستين درهماً، وخماراً، ودرعاً، وإزاراً، وملحفة، وخمسين مداً من طعام، وثلاثين صاعاً من تمر..

فمكثت عند زيد ما شاء الله (قريباً من سنة أو فوقها([63])) ثم وقعت الكراهية بينهما. فأتى زيد إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقال له: إني أريد أن أفارق صاحبتي.

فقال: ما لك؟ أرابك منها شيء؟

قال: لا والله يا رسول الله، ما رأيت منها إلا خيراً، ولكنها تتعاظم علي لشرفها، وتؤذيني بلسانها.

فقال له «صلى الله عليه وآله»: أمسك عليك زوجك، واتق الله في أمرها.

ثم طلقها زيد.

فلما انقضت عدتها، قال «صلى الله عليه وآله» لزيد: ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك، اذهب، فاذكرني لها. (أو قال: اخطب علي زينب).

قال زيد: فلما قال ذلك عظمت في نفسي، فذهبت إليها، فجعلت ظهري إلى الباب، فقلت: يا زينب أبشري، فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يخطبك (أو يذكرك).

ففرحت بذلك، وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً، أو ما كنت لأحدث شيئاً حتى إذا أؤامر ربي عز وجل.

فقامت إلى مسجد لها فصلت ركعتين، وناجت ربها، فقالت: اللهم إن رسولك يخطبني، فإن كنت أهلاً له، فزوجني منه.

فنزل القرآن. وهو: ﴿..فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا..﴾ فجاء رسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى دخل عليها بغير إذن([64]).

وفي رواية: لما انقضت عدتها قال له: يا زيد، ائت زينب فأخبرها: أن الله سبحانه قد زوجنيها. فانطلق زيد، واستفتح الباب.

فقالت: من هذا؟

قال: زيد.

قالت: ما حاجة زيد إلي، وقد طلقني؟!

فقال: أرسلني رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقالت: مرحباً برسول الله «صلى الله عليه وآله»، ففتحت له، فدخل عليها وهي تبكي.

فقال زيد: لا أبكى الله عينيك، قد كنت نِعْمَ المرأة، إن كنت لتبرين قسمي، وتطيعين أمري، وتتبعين دعوتي، (وفي نص آخر: «تشبعين مسرَّتي») فقد أبدلك الله خيراً مني.

قالت: من هو؟

قال: رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فخرت ساجدة([65]).

وذكر البلاذري: أن زينب لما بشرت بتزويج الله نبيه إياها، ونزول الآية في ذلك، جعلت على نفسها صوم شهرين شكراً لله، وأعطت من بشَّرها حلياً كان عليها([66]).

موقف عائشة من هذا الزواج:

وتذكر الروايات أيضاً: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان جالساً يتحدث مع عائشة، فأخذته غشية، فسرى عنه، وهو يبتسم، ويقول: من يذهب إلى زينب، ويبشرها: أن الله قد زوجنيها من السماء، وتلا «صلى الله عليه وآله»: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ..﴾ القصة كلها.

قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد، لما يبلغني من جمالها. وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها، ما صنع الله لها، زوَّجها الله من السماء. وقلت: هي تفتخر علينا بهذا.

فخرجت سلمى، خادمة رسول الله «صلى الله عليه وآله» تشتد، فتحدثها بذلك، فأعطتها أوضاحاً عليها. كذا في المنتقى.

قال: وكانت زينب تفتخر على أزواج النبي «صلى الله عليه وآله» تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله عز وجل من فوق سبع سموات([67]).

قالوا: وما أولم على امرأة من نسائه أكثر وأفضل مما أولم على زينب، أولم عليها بتمر وسويق، وشاةٍ ذبحها، وأطعم الناس الخبز واللحم، فترادف الناس أفواجاً، يأكل فوج فيخرج، ثم يدخل فوج، حتى امتد النهار، أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه([68]).

الله المزوج، وجبريل الشاهد:

لكن نصاً آخر يقول: قالت زينب: خطبني عدة من قريش، فبعثت أختي حمنة بنت جحش إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» أستشيره، فأشار بزيد، فغضبت أختي، وقالت: أتُزوج بنت عمتك مولاك؟! ثم أعلمتني، فغضبت أشد من غضبها، فنزلت الآية، فأرسلت إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقلت: زوجني ممن شئت، فزوجني بزيد([69]).

وفي نص آخر عن مذكور مولى زينب، قالت: خطبني عدة من أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله»، (أو من قريش) فأرسلت إليه أخي يشاوره في ذلك.

وفي نص آخر: أرسلت أختي حمنة إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» فقال: فأين هي ممن يعلمها كتاب ربها، وسنة نبيها؟!

قالت: من؟

قال: زيد بن حارثة.

فغضبت حمنة غضباً شديداً وقالت: يا رسول الله، أتُزوج ابنة عمتك مولاك؟ فأخبرتني، فقلت: أشد من قولها، وغضبت أشد من غضبها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..﴾.

فأرسلت إليه: زوجني من شئت. فزوجني منه. فأخذته بلساني، فشكاني إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال له: إذن طلقها. فطلقني فبت طلاقي، فلما انقضت عدتي، لم أشعر إلا والنبي «صلى الله عليه وآله» وأنا مكشوفة الشعر، فقلت: هذا أمر من السماء، دخلت يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة؟!

قال: الله المزوج، وجبريل الشاهد([70]).

المنافقون، وهذا الزواج:

وقالوا: «لما تزوجها تكلم في ذلك اليهود والمنافقون، وقالوا: حرم نساء الولد، وقد تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا..﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ..﴾ الآية..([71]).

وقفات مع حديث الزواج:

وبعد.. فقد كانت تلك طائفة من نصوص قصة زواج زينب، وقبل أن نشير إلى بقية الروايات التي ترتبط بهذا الموضوع لا بد لنا من تسجيل بعض الملاحظات حول بعض ما ورد فيها، والإشارة إلى ما لا بد لنا من الإشارة إليه، وذلك ضمن وقفات هي التالية:

ألف: الكفاءة في النكاح:

قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن حمنة وأخاها، وكذلك زينب أبناء جحش قد غضبوا حين عرض عليهم النبي «صلى الله عليه وآله» تزويج زينب بزيد بن حارثة.. معتبرين أن ذلك يحط من شأنهم، من حيث إن لهم شرفاً ونسباً لا يسمح بذلك.

هذا.. وقد يجد البعض فيما ينسب إلى زينب بنت جحش، من أنها سُمعت وهي تقول: «أنا سيدة أبناء عبد شمس»([72]).

بل في بعض الروايات: أنها قالت لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، عن زيد: «لا أرضاه، وأنا أيم قريش»([73]). ما يدل: على أنها كانت ترى لنفسها مقاماً لم يكن لها، وإنما ساقها إليه طموح غير متواز، وغير واقعي..

ونقول:

أولاً: إن هذا يعيد إلى ذاكرتنا ما يزعمونه: من أن خديجة «عليها السلام» كانت متزوجة قبل رسول الله «صلى الله عليه وآله» برجلين من أعراب بني تميم. وقد كانت «عليها السلام» أعظم قدراً وأشرف نسباً، وأجل موقعاً من زينب بنت جحش، فكيف رضيت هذه المرأة الشريفة العاقلة التي كان كل أشراف، وأمراء قريش حريصاً على الزواج منها([74])، كيف تركتهم جميعاً، ثم اختارت أعرابياً من بني تميم، ليكون زوجاً لها، وأباً لأولادها؟!

مع أن زيد بن حارثة أشرف منزلاً، وأعلى كعباً من ذينك الرجلين التميميين، المجهولين، المزعومين، اللذين لا يعرف عنهما الشيء الكثير، بل إن اسم أحدهما غير معروف ولم يستطع التاريخ أن يفصح عنه بصورة دقيقة([75]).

هذا بالإضافة: إلى أن زيداً كان قد نال شرف الانتساب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالتبني، والأهم من ذلك أنه ظفر بحب رسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى دعي بـ «زيد الحِب». وقد آخى النبي بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، وإليه أوصى حمزة حين أراد القتال يوم أحد.

ألا يدل ذلك على: كذب ما زعموه من زواج خديجة برجلين من الأعراب ليس لهما اسم، ولا رسم، وهي تلك الدرة الفريدة الغالية في تاج قريش كلها؟!

ثانياً: إن غضب أبناء جحش من موضوع زواج زينب من زيد قد ارتكز إلى عناوين لا أهمية ولا دور لها في حياة الناس.

وإنما أوجدتها وغذتها عنجهيات جاهلية فارغة، وخواء وتخيلات باطلة، وأفكار سقيمة وتحديدات خاطئة لمعنى القيمة الإنسانية.

وهي مفاهيم قد حاربها الإسلام في كل مجال ظهرت فيه، حتى في موضوع العلاقات الاجتماعية، ومنها موضوع الزواج، الذي أراد لمفهوم الكفاءة فيه أن يختزن معنى إيمانياً يوحي بالمفهوم الصحيح لمعنى القيمة الإنسانية، الذي يفترض أن تحكم العلاقات الاجتماعية: نشوءاً، وحيوية وثباتاً.

ومن هنا نلاحظ: أنه «صلى الله عليه وآله» قد رفض المفهوم الجاهلي الذي فرض نفسه على قرار أبناء جحش، وأثارَ في داخلهم عاصفة من الغضب. وأفهمهم «صلى الله عليه وآله»: أن الإيمان والتقوى، والعلم، والعمل بكتاب الله، وبسنة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، هو القيمة، وهو المعيار لقياس صلاح البشر، وتحديد مكانتهم..

وأما الأنساب والانتساب، فإنها تنتهي في أحيان كثيرة إلى إثارة كوامن العصبيات، التي يكون قوامها الاعتزاز بالعرق، والارتباط بالآخرين من خلاله، وتحديد الأولويات والامتيازات على أساسه.

رغم أن الإنسان لم يكن له أي دور في اختيار العرق والعشيرة، أو في اختيار اللون والطول، و.. و.. أو في اختيار التخلص منه..

بل هو أمر مفروض عليه، كما أنه ليس له أي تأثير يذكر في صياغة الشخصية الإنسانية، واختيار ميزاتها، وبلورة خصائصها، وتحديد معالمها..

وبذلك يكون «صلى الله عليه وآله» قد كسر عنفوان النزعات الطبقية، وأسقطها بصورة عملية، وبقرار إلهي صارم، فإن التفاضل إنما هو بالتقوى، فلا مجال للتفضيل بغير ذلك، فاعتبار من جرى عليه رق ثم تحرر لا يكافئ من لم يجر عليه رق حتى لو كان أفضل منه علماً وزهداً، وتقوى، واستقامة، ما هو إلا تمييز طبقي مرفوض في منطق الإسلام والقرآن.

ب: ما كان لهم الخيرة:

وقد ذكرت الروايات: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..([76]) قد نزلت رداً على رفض زينب الزواج من زيد، وفرضت عليها أن تتزوج به، فرضخت للأمر الإلهي بالرغم عنها.

والسؤال هو: لماذا حرمت زينب من حقها في أن تختار لنفسها، وكيف نجيب على الأسئلة التي تثار حول صحة وسلامة أسلوب كهذا؟.

ونجيب:

أولاً: إن نزول آية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً..﴾ في زينب بنت جحش غير ثابت على نحو القطع.

فقد ورد: أن هذه الآية نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، التي كانت قد وهبت نفسها للنبي، فقال «صلى الله عليه وآله»: قد قبلت، وزوَّجها زيد بن حارثة.

فسخطت هي، وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فزوجنا عبده!! فنزلت الآية([77]).

وروي أيضاً: أنها نزلت في خطبة النبي «صلى الله عليه وآله» لجلبيب امرأة من الأنصار، فأبت أمها، فنزلت الآية([78]).

ولعل السبب في التشدد في هذا الأمر، هو: أنها إذا كانت قد وهبت نفسها له «صلى الله عليه وآله»، فإن مقتضى الهبة هو: أن يتصرف الموهوب له بالهبة كيف يشاء، فلا معنى لغضبها من أمرٍ هي أوجدت له المبرر، وهيأت له صفة المشروعية! وهل كانت تمزح حين أقدمت على هبة نفسها لرسول الله «صلى الله عليه وآله».

على أن من يقدم على أمر، فإن عليه أن يتحمل تبعاته، حتى لو كان جاهلاً بها، فإن من يشرب السم، لا بد أن يموت حتى لو كان جاهلاً بكونه سماً.. كما أن من يُفطر عامداً عالماً بالحرمة في شهر رمضان، فإن عليه الكفارة حتى لو لم يعلم مقدارها.

وأما ما اعتذرت به تلك المرأة من أنها أرادت نفس الرسول «صلى الله عليه وآله»، فهو غير مقبول منها، لأن الواهب لا يحدد للموهوب كيفيات تصرفه بما ملَّكه إياه.

ثانياً: إنه حتى لو كانت الآية قد نزلت في زينب بنت جحش، فإن ذلك لا ينافي العدل، ولا يخرج زينب عن دائرة الاختيار إلى الإلجاء والاضطرار، فإن ما فعله الرسول «صلى الله عليه وآله» ما زاد على أن خطب زينب لزيد، وقد أخبرها «صلى الله عليه وآله»: أنه قد رضيه لها.

وقد صرحت بعض النصوص: أنها كانت هي التي طلبت من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يختار لها من شاء، وأنها قالت: زوجني من شئت، فأشار بزيد.

فكيف يصح منها هذا التفويض لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، أو التوكيل، ثم ترفض ما صنعه ذلك المفوَّض والوكيل؟!

حتى لقد صرحت في بعض النصوص: بأنها لا ترضى من رضيه النبي «صلى الله عليه وآله» لها.

يضاف إلى ذلك: أن هناك صراحة ظاهرة ومتضافرة في الروايات الكثيرة بأن سبب رفضها لزيد هو تكبرها عليه، واعتدادها بنفسها، وبشرف نسبها.

كما أن بعض الروايات قد ذكرت: أنها رفضته رغم أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد بين لها فيه خصوصية رائعة يرغب المؤمنون الصالحون في مثلها، وذلك حين قال: أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، وسنة نبيها؟!

فكل ذلك يشير: إلى أن من يكون على هذه الحال، ويبلغ به الأمر إلى حد أنه يسخط ويغضب من أمر رضيه له رسول الله «صلى الله عليه وآله».. فإنه يستحق التأديب، ويحتاج إلى تربية، ليستفيد الآخرون درس الطاعة والانقياد لرسول الله «صلى الله عليه وآله».

فأنزل الله على رسوله «صلى الله عليه وآله»: أن هذه المرأة قد أصبحت محكومة بحكم يتناسب مع حالها، ويلائم تصرفاتها، وهو وجوب القبول بالزواج ممن رضيه الرسول «صلى الله عليه وآله»، وليس لها أن تسخط شيئاً رضيه الله ورسوله.

وهذا الحكم الإلزامي لا يخرجها عن صفة الاختيار ـ كما أن إيجاب الصلاة على المكلف لا يوجب ذلك ـ بل هي قادرة أيضاً على الطاعة وعلى العصيان، ولأجل ذلك قال تعالى مباشرة: ﴿..وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً([79]).

كما أن هذا البيان يوضح: أن تزويج زينب من السماء ليس لأجل فضل استحقته، بل هو بمعنى: أن هذا الأمر قد قضاه الله، وألزمها به، وفرضه عليها لأجل تكبرها ولغير ذلك وسيكون من فوائده إبطال أمر التبني، فإذا خالفته فإنها تكون عاصية، وتكون قد عرَّضت نفسها للضلال، ومن ثم للوبال. كما سيأتي توضيحه إن شاء الله.

فاتضح: أن الصحيح هو كون هذه الآية مرتبطة بالآيات التي سبقتها، لتفيد: أن التشريعات المشار إليها، لا يراد بها الإضرار بأحد من الناس، بل هي لمصلحة الجميع، فلا بد من إطاعتها.. كما أنه إذا أمر الله ورسوله بأمر تدبيري فلا بد من إطاعته، وليس لأحد أن يعترض بشيء.

ج: المعلم لكتاب الله أولى:

ولايفوتنا هنا الإشارة إلى: الأهمية التي يوليها الإسلام للمعرفة بكتاب الله، وبسنة النبي.. حيث أطلق «صلى الله عليه وآله» كلمته التي دلت على:

1 ـ ضرورة السعي من المرأة والرجل على حد سواء إلى تعلم الكتاب والسنة.

2 ـ أرجحية من يعلم كتاب الله وسنة النبي «صلى الله عليه وآله» على غيره، فيما لو دار الأمر بينهما، حتى لو كان ذلك الغير ذا نسب شريف، ومقام منيف.

3 ـ إن العلم الشريف هو ذلك الذي يعرِّف الإنسان بشرائع الله وأحكامه، وبكل المعاني التي يريد الله للبشر أن يطلعوا عليها، أما سائر العلوم مثل علم الفلك والحساب والفيزياء مثلاً، فليست في مستوى علم الدين والشريعة، ونحو ذلك مما تكفل ببيانه كتاب الله، وسنة نبيه «صلى الله عليه وآله».

د: زيد يراجع النبي في طلاق زينب:

وعن مراجعة زيد لرسول الله «صلى الله عليه وآله» في طلاق زينب، مع أنه قد كان بإمكانه أن يبادر إلى طلاقها، من دون مراجعة.

نقول:

لعله قد جاء على سبيل التأدب مع الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله». فإن زيداً يدرك أن النبي «صلى الله عليه وآله» فضلاً عن كونه قد تبناه، فإنه كان له بمثابة الوالد الرحيم، وهو الصادق الأمين، والحريص على دلالته على الخير والرشاد، وهدايته إلى الحق والسداد.

وهو بالإضافة إلى ذلك نبيُّه الذي تجب طاعته عليه، وسيِّده الذي غمره بإحسانه إليه، وهو الناصح الشفيق، والمعالج الرفيق، والحبيب الصديق، والهادي إلى سواء الطريق.

بالإضافة: إلى أنه هو «صلى الله عليه وآله» الذي خطبها له، وزوَّجه إياها، وهو الحاكم والقاضي، الذي لا بد أن يستمع لشكواه وشكواها، كما أنه المرجع لها ليمنع عنها أذاه، والمؤمل له ليدفع عنه أذاها.

إفتخار زينب على نساء النبي :

ومن حديث افتخار زينب على نساء الرسول «صلى الله عليه وآله»، بأنهن زوجهن آباؤهن، أما هي فزوجها الله سبحانه، نقول: إنه موضع شك كبير، إذ قد ذكرت الروايات: أن أخاها أبا أحمد بن جحش هو الذي زوجها([80]).

وأما قوله تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَا} فيراد به الإذن بذلك وليس التزويج الذي ينتزع منه معنى التكريم والفضيلة لها.

هـ: أمسك عليك زوجك:

وقد أمر الرسول «صلى الله عليه وآله» زيداً: بأن يمسك عليه زوجه، ولا يطلقها، وليس في هذا الأمر إلزام وإيجاب، بل هو أمر رفق، ومحبة، ورعاية. فلا تحرم مخالفته، إذا آثر زيد أن لا يعمل بالرفق والمحبة، حين يرى أن اللجوء للعمل بالرخصة أيسر عليه.

ولو كان الأمر بالإمساك إلزامياً، لكان يجب أن يعترض رسول الله «صلى الله عليه وآله» على زيد حين يجري ذلك الطلاق. هذا إذا لم يكن الأولى الحكم ببطلان ذلك الطلاق من الأساس.

أخطاء منشؤها الجهل:

زعم بعضهم: أن زيداً، كان يدعى زيد بن محمد، فخفف ذلك عنها إلى حد كبير، إذ قالت: ومن أعز من زيد بن محمد، ولهذا استمرت العشرة بينهما في بداية الأمر، حتى أبطل الله التبني، فصار يقال لزيد: زيد بن حارثة، بدلاً من زيد بن محمد، ومن هنا نشأت بينهما جذور الخلاف، وأخذت تترفع على زيد. وقد فطن زيد لهذا الأمر بلباقة، ولم تكن نفسه الكريمة هينة عليه، فحاول التخلص منها، وعدم إزعاجها الخ..

ونقول:

إن زواج زينب بزيد قد كان بعد نزول سورة الأحزاب التي تضمنت إلغاء التبني، وقد مكثت زينب عند زيد حوالي سنة، ثم طلقها فتزوجها رسول الله «صلى الله عليه وآله» في السنة السادسة.

كيف تمت الخطبة؟!

والمُراجع لروايات زواج زينب بزيد يلاحظ: أن فيها الكثير من التناقض، ويستطيع القارئ الكريم أن يتلمس هذا الأمر من خلال المراجعة للروايات، والمقارنة بينها.

وكمثال على ذلك نذكر:

أنها تارة تقول: إن النبي «صلى الله عليه وآله» أرسل علياً ليخطبها لزيد.

وأخرى تقول: إنه «صلى الله عليه وآله» ذهب بنفسه وخطبها له([81]).

وثالثة، تقول: إنها هي التي أرسلت إلى النبي «صلى الله عليه وآله».

ورابعة: .. الخ..

كما أن بعضها يقول: إن آية: ﴿إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾. قد نزلت في زينب وزيد.

وأخرى تقول: نزلت في جلبيب وامرأة أنصارية.

وثالثة تقول: إنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة.

وعلى هذه فقس ما سواها.

و: واتق الله:

وأما قول النبي «صلى الله عليه وآله» لزيد «رحمه الله»: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، فلا يدل على أن طلاق زينب قد أصبح حراماً على زيد.

كما لا يدل قوله: ﴿وَاتَّقِ اللهَ﴾ على: أن زيداً يظلم زوجته، ويعاملها بالسوء، ولا يتقي الله فيها.

بل المقصود هو: الدعوة إلى معاودة التجربة الإصلاحية معها، مع التزام جانب الدقة في معاملتها، فلا يكون تصرفه إنفعالياً، بحيث يكون فيه شيء من التفريط والعجلة، فتتعرض هي للمضايقة، أو يلحق بها اللوم، على أمرٍ كان يمكن التغاضي عنه، أو التسامح فيه.

بل لا بد من رصد الموضوع، على أساس تطبيق كل مفردة من مفرداته على أحكام الشرع الحنيف، فلعل ما يعانيه منها لايبلغ حد الإضرار بحقوقه الشرعية، أو لا يصل إلى حد أن تكون عاصية لله فيه، وإن كان يسبب لزيد بعض الضيق أو الحرج في حياته العملية..

فكأن الله تعالى يقول لزيد: إنه إذا أراد أن يعاملها على أساس الحسابات الدقيقة، والأخذ بمر الحق ومن دون أي إغماض أو تسامح، أو رفق، أو تفضل، فإن عليه أن ينتظر من الله تعالى مثل ذلك. أما إذا اتقى الله، وعاملها بالرحمة، وبالرفق والإغماض، فإنه سوف يلقى نفس المعاملة عند الله سبحانه أيضاً.

ولا بد للرسول «صلى الله عليه وآله» من أن يتصرف مع زيد على هذا النحو، رغم أنه يعلم أن الأمر سينتهي إلى الطلاق بينهما، ويعلم بأنها ستكون بعد ذلك من زوجاته. لأن عليه «صلى الله عليه وآله» أن يتعامل مع الأمور لا بعلم النبوة، وإنما وفق ما قرره الشرع الشريف، وحسبما تفرضه طبيعة ظواهرها، التي لها أحكامها وسننها التي تجب مراعاتها.

ز: مكانة زيد لدى رسول الله :

وقد ذكرت الروايات: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أمر زيداً بأن يكون هو الذي يخطب له زينب.. فيطيع زيد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويخطبها له..

والمثير للانتباه هنا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» يوسط نفس الرجل الذي كان إلى وقت قريب زوجاً لنفس هذه المرأة. وهذا أمر غير مألوف، بل هو غير مستساغ عند الناس عادة، لأنهم إنما يتعاملون بمنطق الشهوات، ونظرات الريب، التي تختزن معان كَدِرَةٍ، وذات روائح كريهة، وموبوءة، فإن الذي كان زوجاً لامرأة مَّا يحمِّل نظرته إلى المرأة التي طلقها من الخيالات والتصورات للحالات التي كانت فيها معه.. ما يكبت عنفوانها، ويؤذي به كبرياءها، ويجرح به روحها ومشاعرها..

كما أن الذي يريد أن يكون الزوج الجديد لهذه المرأة لن يكون مرتاحاً حينما تقتحم مخيلته صور عن زوجة كانت في عصمة رجل آخر، بل لا بد أن تؤذي تلك الصور روحه، وترهق مشاعره، مهما حاول التخلص منها، وإبعادها عنه، والابتعاد عنها..

ولكن النبي «صلى الله عليه وآله» في روحه الصافية، والفانية في الله تعالى. والتي لا ترى إلا الحق والخير، ولا تتأثر بأي من الأجواء التي تثيرها الغرائز والأهواء، والإثارات المجانبة لرضا الله تعالى.

نعم، إن هذا النبي الكريم «صلى الله عليه وآله» قد قدم النموذج الأكمل والأمثل للإنسان الإلهي، الذي يريد أن يعلم الناس الحق، وأن يسهِّل عليهم الخضوع له، والانصهار به وفيه.. فيرسل زيداً، بالذات ليخطب له زينب بنت جحش، في إشارة واضحة منه «صلى الله عليه وآله» إلى معرفته بطهر ضمير زيد، وسمو نفسه، وبصفاء إيمانه، وخلوص نيته.

كما أنه «صلى الله عليه وآله» ليس فقط لم يتضايق من حضور زيد الدائم عنده، ومن قربه منه، بل بقي القريب والحبيب، الذي يشتاق إليه، ويزداد تعلقه به، وحدبه عليه. وقد كان ولا يزال الأثير عنده، والمكين لديه.

ح: زيد العفيف والتقي:

وتقول الروايات: إنه حين جاء زيد ليخطب زينب لرسول الله «صلى الله عليه وآله» قد أظهر: أنه ذلك الرجل التقي الغضيض البصر، العفيف الضمير، الصافي الإيمان، الذي يرسله الرسول «صلى الله عليه وآله» لخطبة امرأة كانت زوجة له، فلا يمد عينيه إليها، ليتبصر حالها بعد أن تركها، بل يوليها ظهره، ولا يستهين، ولا يستخف بها، بل تعظم في نفسه.

ولكن المفاجأة الكبرى، التي تحمل معها أعظم الخزي، وأبشع صور الإسفاف البشري، أن يجترئ صنَّاع الأساطير على اختلاق روايات أخرى. تصور أعظم نبي، وأكرم مخلوق، وأفضل موجود في هذا العالم، وهو خاتم الأنبياء «صلى الله عليه وآله» وعين الله، وخيرة الله وصفوته، ـ تصوِّره ـ يمد عينيه إلى الأجنبيات، ليخون نفس ذلك الرجل العفيف في نفس هذه المرأة التي كانت في عصمته، فينظر إليها بعين الريب، ويقع في حبالة حبها، بل هو يقتحم عليها إلى داخل دارها فيراها وهي تغتسل.. إلى غير ذلك من تفاصيل حملت قذارات أنفس صانعيها، الذين ضمّنوها كل ما قدروا عليه من ترَّهات وأباطيل، وأعظم الإساءات لرسول الله «صلى الله عليه وآله»..

بل إنهم ليذكرون: أن هذا النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله»، ـ وهو أغير الناس ـ يرضى بأن تبقى زوجته في ليلة عرسها جالسة وحدها بين الرجال، ويخرج هو ليطوف على حجر نسائه.. فضلاً عن رواياتهم حول إصرار عمر بن الخطاب عليه بأن يحجب نساءه، فلا يستجيب له.

ط: زوجناكها:

وقد جاء التعبير القرآني لينسب التزويج بزينب إلى مقام العزة الإلهية، حيث قال تعالى: ﴿..فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا..﴾.

ثم جاءت الروايات لتتحدث عن افتخار زينب على سائر نسائه «صلى الله عليه وآله» بأن الله قد زوجها من السماء، دونهن..

غير أننا نقول:

أولاً: إن هذا التزويج الإلهي لم يأت إجلالاً لزينب، وتقديراً لها على أمر اختارته، وطاعة قدمتها، أو ميزة تفردت بها، ترتبط بإيمانها، أو بأخلاقها، أو عمل قدمته كان فيه رضا الله تعالى.

وذلك، لأن الآية قد صرحت: بأن سبب هذا التزويج هو: ﴿..لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً...

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ..﴾.

فإذا كان هذا هو السبب، فلا مجال لاستفادة التكريم من تزويج كهذا، ولا سيما إذا كان اقتلاع هذا المفهوم الجاهلي يحتاج إلى ممارسة عملية، وإلى تدخل إلهي مباشر.

ثانياً: إن زينب، وإن كانت قد حاولت أن تدَّعي لنفسها هذه الفضيلة، وساعدتها على ذلك صاحبتها عائشة، إلا أنها كانت محاولة فاشلة؛ إذ ليس في الآية ما يدل على أن الله تعالى هو الذي تولى إجراء العقد له «صلى الله عليه وآله» عليها فعلاً، بل الآية تقول: إننا هيأنا لك أسباب الزواج منها من حيث إننا أصدرنا الإذن، والأمر لك بذلك.

فإذا كان ثمة عقد في السماء، فهو يحتاج إلى نص آخر لإثباته. وليس في البين سوى الرواية التي ذكرت: أن الإمام الرضا «عليه السلام» قد قال لعلي بن الجهم في مجلس المأمون، بعد أن ألزم أصحاب المقالات الحجة: «إن الله عز وجل ما تولى  تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حوا من آدم، وزينب من رسول الله «صلى الله عليه وآله» بقوله: ﴿..فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا..﴾ الآية. وفاطمة من علي»([82]).

ولكنها رواية: لا تثبت من ناحية السند.

بـل لـو صح الاستنـاد إليهـا في تحديـد أن المـراد من قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا هو التزويج من قِبَلِه، فهي لا تدل على أنه لأجل التكريم؛ لأن الآية حين حددت سبب هذا التزويج، وأنه هو القضاء على المفهوم الجاهلي البغيض، وليس هناك أي داعٍ آخر.

ومن جهة أخرى، فإن هذه الرواية: صريحة بتكذيب ما يدَّعونه من أن الله قد زوج حفصة ممن هو خير من عثمان، وأعني به رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وزوج عثمان من هي خير من حفصة، وهي بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»([83]).

ثالثاً: إنه إذا كان الله تعالى قد تولى تزويج زينب، ثم جاء «صلى الله عليه وآله» ودخل عليها من غير إذن، فما معنى إرسال النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» زيداً ليخطب له زينب؟!

ملاحظة: واللافت هنا: أن خديجة بنت خويلد التي هي من النساء الأربع اللواتي كملن من بين سائر نساء البشر، لم تنزل آية في تزويجها من رسول الله «صلى الله عليه وآله».. ويلي خديجة في الفضل أم سلمة، ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية، ولم ينزل في تزويجهن برسول الله «صلى الله عليه وآله» آية قرآنية كما كان الحال بالنسبة لزينب.. فلو كان في هذا التزويج تكريم، فقد كان هؤلاء النسوة الكريمات أولى به من زينب فليلاحظ ذلك.

ي: جمال زينب في حسابات عائشة:

إن عائشة تعترف: بأنها لما علمت بموضوع زينب بنت جحش أخذها ما قرب وما بعد، لما يبلغها من جمالها، وأزعجها ما توقعته من افتخارها عليها بتزويج الله لها من السماء.

ومن جهة أخرى: فإن عمر بن الخطاب قد صرح بامتياز زينب على حفصة وغيرها في خصوصية الجمال، فقال لابنته حفصة: «ليس لك حظوة عائشة، ولا حسن زينب»([84]).

ونقول:

إن الملاحظ هو: أن عائشة لا تهتم بالنواحي الإنسانية والإيمانية في نظرتها للأمور وفي سياستها في بيت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، بل تهتم بما يبلغها من جمال ضرتها، وتهتم أيضاً، بأن لضرتها ما تفتخر به عليها، من حيث نزول آية قرآنية تتحدث عن أمر زواج الرسول «صلى الله عليه وآله» بها.

مع أن هذه أمور دنيوية بحتة، وقد فرضتها الظروف على زينب، ولم يكن لزينب أي اختيار أو قرار فيها. ولكن أم سلمة كان كل همها هو أن تكون في موقع رضا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فطلبت من الرسول أن يدعو الله ليذهب عنها الغيرة، لكي لا يصدر منها أي شيء، يزعج أو يسيء إلى الرسول «صلى الله عليه وآله».

كما أن خديجة هي التي تندفع إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وتعمل على الاقتران به، من أجل