الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الخامسة

2005 م. ـ 1426 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الخامس عشر

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الخامس:

بعوث وسرايا (قبل خيبر)

 

1 ـ بعث علي إلى بني سعد.

2 ـ بعث زيد بن حارثة إلى أم قرفة.

3 ـ سرية ابن عتيك إلى أبي رافع.

4 ـ سرية ابن رواحة إلى ابن رزام.

5 ـ سرية زيد بن حارثة إلى مدين.

 

1 ـ بعث علي × إلى بني سعد:

وفي شعبان سنة ست، بعث النبي «صلى الله عليه وآله» علي بن أبي طالب «عليه السلام» في مائة رجل إلى بني سعد بن بكر بفدك التي كان بينها وبين المدينة ست ليال، وفي لفظ: ثلاث مراحل.

وسببه: أنه بلغ رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «أن لهم جمعاً، يريدون أن يمدوا يهود خيبر، وأن يجعلوا لهم تمر خيبر، فسار «عليه السلام» إليهم، وفي الطريق أخذوا رجلاً هناك فسألوه، فأقر أنه عين لبني سعد، وأنه مرسل من قبلهم إلى خيبر، يعرض على يهودها نصرهم مقابل التمر.. ثم دلهم على موضع تجمعهم.

فسار علي «عليه السلام» بمن معه، فأغاروا عليهم، وهم غارون بين فـدك وخيبر. فأخـذوا خمس مـائة بعير، وألفي شـاة، وهربت بنو سعـد بالظعن.

وعزل علي طائفة من الإبل الجياد، صفيّ المغنم لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، وفيها ناقة حلوب قريبة عهد بنتاج، تدعى الحفيدة، أو الحفدة لسرعة سيرها.

ثم عزل الخمس، وقسم الباقي على السرية.

وقدم بمن معه المدينة، ولم يلقوا كيداً»([1]).

وفي نص آخر: أنه قبل أن يصل إليهم نزل «عليه السلام» بمن معه محلاً بين خيبر وفدك، فوجدوا به رجلاً، فسألوه عن القوم، فقال: لا علم لي، فشدوا عليه، فأقر أنه عين لهم. وقال: أخبركم على أن تؤمنوني، فأمنوه، فدلهم([2]).

ويفهم من النص:

أن أهل خيبر كانوا يتوقعون الحرب فيما بينهم وبين المسلمين، فكانوا يسعون لإقامة تحالفات مع من يحيط بهم، لضمان أن يكونوا إلى جانبهم وتقوية لموقعهم ضد المسلمين..

ولكن الحقيقة هي أكثر من ذلك، فإنهم كانوا يجمعون الرجال استعداداً لمهاجمة المدينة.

إذ يلاحظ: أن النص يقول: إن لهم جمعاً يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فإن هذا معناه: أنهم يجمعون الرجال للانضمام إلى اليهود، وليكونوا معهم في عملية حربية مُتَوَقَّعَة كان اليهود يخططون لها..

ولا شك في أن تسديد هذه الضربات لمن يدبرون للحرب من شأنه أن يفقدهـم قوتهم الاقتصادية، وأن يهزمهم نفسيـاً، ويضعف من درجة إصرارهم على الحرب، حين يدب اليأس وتثور أمامهم شكوك قوية في قدرتهم على النيل من هذه القدرة الضاربة، بل قد لا يحصلون إلا على الهزائم، ولا يحصدون إلا الخيبة، والبوار والخسران.. الأمر الذي لا بد أن يثير أمامهم ضرورة التفكير في السعي إلى تجنب هذه الحرب التي تتنامى احتمالات خسرانهم فيها..

2 ـ بعث زيد بن حارثة إلى أم قرفة:

وفي شهر رمضان من سنة ست، بعث «صلى الله عليه وآله» زيد بن حارثة إلى أم قرفة، فاطمة بنت ربيعة بن زيد الفزاري، بناحية وادي القرى، على سبع ليالٍ من المدينة.

وكان سببها: أن زيد بن حارثة خرج في تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب النبي «صلى الله عليه وآله»، فلما كانوا بوادي القرى لقيه أناس من فزارة، من بني بدر، فضربوه، وضربوا أصحابه، وظنوا: أنهم قُتلوا، وأخذوا ما كان معهم.

فقدم على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأخبره، ونذر زيد أن لا يغسل رأسه من جنابة حتى يغزو بني فزارة. فلما برئ من جراحته، بعثه رسول الله «صلى الله عليه وآله» إليهم، وأمره بأن يكمن بأصحابه بالنهار، ويسير بهم بالليل، ففعل، وكان معه دليل من بني فزارة.

فعلم بنو فزارة بالأمر، فراقبوا الطريق. ولكن الدليل ـ حين لم يبق لهم إلى بني فزارة سوى مسيرة ليلة ـ ضل الطريق الذي كان بنو فزارة يرصدونه، بواسطة ناظرٍ لهم، ينظر لهم من رأس جبل مشرف مسيرة يوم في الصباح، ويقول لهم: اسرحوا، فلا بأس عليكم. وينظر لهم مسيرة ليلة مساءً، ويقول لهم: ناموا، فلا بأس عليكم. فحين ضل الدليل عن الطريق من مسيرة ليلة، أوصلهم إلى مقصدهم من طريق آخر.

فحمدوا خطأهم الذي وقعوا فيه، وكمن زيد لهم تلك الليلة. ثم صبحهم هو وأصحابه، فكبروا، وأحاطوا بالحاضر، وأخذوا أم قرفة، وكانت ملكة ورئيسة.

وفي المثل يقال: أمنع وأعز من أم قرفة؛ لأنه كان يعلق في بيتها خمسون سيفاً لخمسين رجلاً، كلهم لها محرم. وهي زوجة مالك بن حذيفة بن بدر.

وأخذوا ابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر.

وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة، وهي عجوز كبيرة، فقتلها قتلاً عنيفاً، حيث ربط برجليها حبلين، ثم ربطهما بين بعيرين، ثم زجرهما، فذهبا بها، فقطَّعاها.

وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك، فقرع باب النبي «صلى الله عليه وآله»، فقام إليه عرياناً ـ كما يزعمون ـ يجر ثوبه حتى اعتنقه، وقبَّله، وسأله، فأخبره بما ظفره الله به([3]).

ولقي رسول الله «صلى الله عليه وآله» سلمة بن الأكوع، فطلب منه الفتاة المذكورة، فأعطاه إياها، فأهداها «صلى الله عليه وآله» إلى خاله، الذي كان في مكة.

وقفات للتوضيح والتصحيح:

وهناك العديد من النقاط التي لا بد لنا من الوقوف عندها، للتصحيح تارة، وللتوضيح أخرى، وذلك على النحو التالي:

أمير الغزوة: أبو بكر.. أم زيد؟!

ورد في صحيح مسلم وغيره، عن سلمة بن الأكوع: أن النبي «صلى الله عليه وآله» بعث أبا بكر ليشن الغارة على بني فزارة في وادي القرى.

قال سلمة: «وخرجت معه، حتى إذا صلينا الصبح، أمرنا، فشنينا الغارة، فوردنا الماء، فقتل أبو بكر ـ أي جيشه ـ من قَتَل. ورأيت طائفة فيهم، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فأدركتهم، ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، وفيهم امرأة ـ أي وهي أم قرفة ـ  عليها قشع من أدم ـ أي فروة ـ خلقة، معها ابنتها من أحسن العرب.

فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر (رض) ابنتها، فلم أكشف لها ثوباً، فقدمنا المدينة، فلقيني رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: يا سلمة، هب لي المرأة لله أبوك (أي كان قد وصف لرسول الله «صلى الله عليه وآله» جمالها).

فقلت: هي لك يا رسول الله، فبعث بها رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى مكة، ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين»([4]).

ونقول:

إن الكلام مشكوك فيه، فإن ابن إسحاق، وابن سعد، وغيرهما يقولون: إن أمير السرية التي أخذت فيها أم قرفة، وابنتها، هو زيد بن حارثة..

واحتمل البعض ـ جمعاً بين الأمرين ـ: أن يكون هناك سريتان، اتفق فيهما لسلمة بن الأكوع أن أصاب في كل واحدة منهما بنتاً لأم قرفة، فأخذهما منه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فوهب إحداهما لخاله المكي، وهي السرية التي كان أميرها زيد بن حارثة، وفدى بالأخرى أسرى المسلمين في مكة، وهي السرية التي كان أبو بكر أميرها..

ونقول:

إن هذا الوجه وإن كان يحل مشكلة بنت أم قرفة ولكنه لا يحل مشكلة أم قرفة نفسها، فإنها لا يمكن أن تؤسر وتقتل في كلتا السريتين.

ولأجل استبعاد التوافق في جميع الخصوصيات لم يرتض الحلبي ذلك: إذ من البعيد أن تتعدد أم قرفة، وأن يكون لكل واحدة بنتاً من أحسن العرب، وأن يأسرهما معاً ابن الأكوع، ثم يطلبهما رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويرسلهما أيضاً إلى مكة.

ما كشف ابن الأكوع لها ثوباً:

والغريب في الأمر: أن يترك ابن الأكوع هذه الوليدة، التي هي من أجمل نساء العرب، فلا يكشف لها ثوباً حتى يرجع بها إلى المدينة،  ويطلبها منه الرسول «صلى الله عليه وآله» مرتين أو ثلاثاً حين لقيه في السوق في يومين، فهل كان هذا نتيجة ورع من ابن الأكوع؟!

أم أنه كان لا إرب له في النساء؟

أم أن الله صرفه عن ذلك؟!

ولماذا يصرفه الله عن امرأة ستصبح لأحد مشركي مكة؟!..

القسوة والبشاعة في قتل أم قرفة:

وذكروا: أن زيد بن حارثة أمر بقتل أم قرفة، لأنها كانت تسب رسول الله «صلى الله عليه وآله»([5]).

وذكروا في كيفية قتلها ما تقدم: من أنهم ربطوا حبلين برجليها، وربطوهما إلى بعيرين، وزجروهما فشقاها نصفين..

ولكننا لا يمكن أن نصدق ذلك، فقد ذكروا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» نهى عن المثلة، إما في غزوة أحد ـ حسبما تقدم في الحديث عنها ـ وإما في قضية أصحاب اللقاح، حسبما تقدم في سرية كرز بن جابر..

ولا نرى أن زيداً يرضى بمخالفة رسول الله «صلى الله عليه وآله» مخالفة صريحة، ولو أنه رضي بذلك فسيجد في جيشه من يعترض عليه، ويشتكيه إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

ولا بد أن يصدر منه «صلى الله عليه وآله» ما يدل على عدم رضاه بهذا الأمر، إن لم يصل الأمر إلى تأنيب الفاعلين، وتقبيح ما صدر منهم.

مصير بنت أم قرفة:

وقد زعم ابن الأكوع: أن النبي «صلى الله عليه وآله» طلب منه بنت أم قرفة فوهبها له.. فأرسلها إلى مكة ففدى بها جماعة من المسلمين..

مع أن رواية أخرى تقول: إنه فدى بها مسلماً واحداً([6]).

ونص آخر يقول: إنه أرسلها هدية إلى خاله، حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بمكة([7]).

مع أن سلمة قد قال للنبي «صلى الله عليه وآله» حينما طلب منه الجارية: «رجوت أن أفدي بها امرأة منا في بني فزارة، فأعاد رسول الله «صلى الله عليه وآله» الكلام في مرتين، أو ثلاثاً، فعرف أنه «صلى الله عليه وآله» يريدها، فوهبها له..».

وفي نص آخر: «لقيني رسول الله «صلى الله عليه وآله» في السوق، فقال: يا سلمة، هب لي المرأة.

فقلت: يا رسول الله، قد أعجبتني، وما كشفت لها ثوباً.

فسكت، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله «صلى الله عليه وآله» في السوق، ولم أكشف لها ثوباً، فقال: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك.

فقلت: هي لك يا رسول الله الخ..»([8]).

فما هذا الإصرار من النبي «صلى الله عليه وآله» على استيهاب جارية يريد صاحبها أن يفدي بها أسيرة من أقاربه؟!

ولماذا يعيد «صلى الله عليه وآله» الكلام مرتين أو ثلاثاً؟! مع أن فداء الأسير من الأقارب ـ خصوصاً إذا كانت امرأة ـ أولى من الهدية إلى الخال المقيم على الشرك في مكة.. خصوصاً، وأنه قد كان بالإمكان أن يهيئ له هدية أخرى تكون من مال نفس المهدي، لا من مال رجل آخر لم يتنازل عن جاريته إلا بعد الإصرار وربما حياءً وخجلاً من رسول الله!!

ولا ندري، لماذا أصر «صلى الله عليه وآله» على الاستيهاب ولم يعرض عليه أن يبيعها له!! ألم يكن هو الأولى والأنسب بمقامه «صلى الله عليه وآله»؟!

سوء أدب ووقاحة:

قالوا: ولما قدم زيد بن حارثة المدينة جاء إلى بيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقرع الباب، فخرج إليه رسول الله «صلى الله عليه وآله» عرياناً، يجر ثوبه، واعتنقه، وقبله وسأله، فأخبره بما ظفَّره الله تعالى به([9]).

ونقول:

1 ـ إنه ليس هناك أي داع لخروج رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى زيد على هذه الحالة، إذ ليس ثمة ما يشير إلى وجود أمر مستعجل، أو غير عادي يمنعه من تناول ثوبه، ووضعه على عاتقه في ثوان قليلة.

2 ـ هل كان «صلى الله عليه وآله» يستقبل، ويقبل ويعانق كل عائد من الغزو، وخصوصاً بهذه الحرارة؟ وبهذه العجلة؟!

أم أنه كان يعانق ويقبل خصوص المنتصر الذي جاء بالغنائم والأسرى؟

أم أن هذه خصوصية لزيد بن حارثة دون كل من عداه، حتى علي بن أبي طالب «عليه السلام»؟! الذي لم يجد هذه المعاملة حينما عاد من فتح خيبر، أو حينما عاد من قتل عمرو بن عبد ود العامري.. أو في فتح حنين، أو في حرب بدر، وأحد.. وغير ذلك.

أم أن لهذه الغزوة ـ غزوة أم قرفة ـ خصوصية عنده «صلى الله عليه وآله»؟ وما هي تلك الخصوصية؟!

3 ـ إذا كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» أشد حياءً من العذراء في خدرها، فكيف يخرج إلى زيد بن حارثة عرياناً يجر ثوبه، ثم يعانقه ويقبِّله..

4 ـ لماذا كان النبي «صلى الله عليه وآله» عرياناً؟ هل كان يغتسل؟ أو كان يمارس حقه الطبيعي مع زوجته؟! أو كان بصدد تبديل ملابسه؟!

إن ذلك كله مما يأنف الناس من الإيحاء به للآخرين، أو أن  يسوقهم إلى أن يتصوروه عنهم، فكيف برسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

3 ـ سرية ابن عتيك إلى أبي رافع:

وفي شهر رمضان من سنة ست، كانت سرية عبد الله بن عتيك، لقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي بخيبر.

وقيل: كان ذلك في ذي الحجة سنة خمس.

وقيل: في جمادى الآخرة سنة ثلاث.

وكان أبو رافع ممن حزَّب الأحزاب يوم الخندق.

وأرسل «صلى الله عليه وآله» مع ابن عتيك أربعة رجال هم: عبد الله بن أنيس، وأبو قتادة، وخزاعي بن الأسود، ومسعود بن سنان. وأمرهم بقتله، فقتلوه([10]).

وقد تقدم الحديث عن هذه السرية في أوائل الجزء السابع، فراجع.

4 ـ سرية ابن رواحة إلى ابن رزام اليهودي:

قالوا: وفي شوال من سنة ست، كانت سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير (أو اليسير) بن رزام (أو رازم) اليهودي بخيبر.

وسببها: أنه لما قَتَل أبو رافع ابنَ أبي الحقيق، أمَّرت يهود عليها أسيراً هذا، فسار في غطفان وغيرهم يجمع لحرب النبي «صلى الله عليه وآله»، ليغزوه في عقر داره بزعمه، فبلغ النبي «صلى الله عليه وآله» ذلك؛ فوجه ابن رواحة في ثلاثة نفر، في شهر رمضان سراً، فسأل عن خبره، وعربه، ثم رجع، فأخبر النبي «صلى الله عليه وآله» بذلك..

فندب «صلى الله عليه وآله» الناس، فانتدب مع ابن رواحة ثلاثون رجلاً، فساروا إلى أسير، فقالوا له: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعثنا إليك لتخرج إليه، يستعملك على خيبر، ويحسن إليك، فاستشار اليهودَ، فأشاروا عليه بعدم الذهاب، وقالوا: ما كان محمد ليستعمل رجلاً من بني إسرائيل.

قال: بلى قد ملَّ الحرب.

فخرج معهم في ثلاثين رجلاً من اليهود، مع كل رجل من المسلمين رديفه من اليهود، فلما كانوا بقرقرة ضربه عبد الله بن أنيس بالسيف، فسقط عن بعيره، ومالوا على أصحابه فقتلوهم غير رجل، ولم يصب من المسلمين أحد.

ثم قدموا على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: قد نجاكم الله من القوم الظالمين([11]).

وفي نص آخر: أن ابن أنيس حمل اليسير على بعيره، فلما صاروا بقرقرة، على ستة أميال من خيبر، ندم اليسير على مسيره إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ففطن به ابن أنيس، وهو يريد السيف، فاقتحم به، فضربه بالسيف، فقطع رجله، وضربه اليسير بمخرش في يده، فأمَّه..

ثم قتلوه مع أصحابه غير رجل واحد أعجزهم هرباً.

فلـما قدم ابن أنيس على رسول الله «صلى الله عليه وآلـه» تفل على شجته، فلم تقح، ولم تؤذه([12]).

قال: وقطع لي قطعة من عصاه، فقال: امسك هذه معك، علامة بيني وبينك يوم القيامة، أعرفك بها، فإنك تأتي يوم القيامة متخصراً.

فلما دفن عبد الله بن أنيس، جعلت معه على جلده، دون ثيابه([13]).

ونقول:

إننا نسجل هنا النقاط التالية:

ألف ـ التثبت في الأمر:

إن النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» حين سمع بسعي أسير بن رزام لجمع غطفان لحربه «صلى الله عليه وآله» لم يبادر إلى اتخاذ القرار بمهاجمته، بل أرسل من يتثبت له من هذا الأمر.

فلما تأكد له صحته، بادر لتسديد ضربته الوقائية، التي اقتصرت على تدمير موقع الخطر دون سواه، فعمل على التخلص من خصوص الساعي في تأليب الناس وجمعهم لحرب المسلمين، وهو ابن رزام نفسه، أما قومه، فلم يردهم رسول الله «صلى الله عليه وآله».. لاحتمال أن يكون لهم عذرهم في الانقياد لأسير، والانخداع بما كان يقدمه لهم من مبررات..

وهذا في الحقيقة: إحسان من النبي «صلى الله عليه وآله» إليهم، وإعطاء الفرصة لهم لإعادة النظر في الأمور بروية وتعقل.

وهذا يدلنا: على أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن همه إرسال عصابات القتل، والسلب، والنهب في كل اتجاه، كما ربما يراد الإيحاء به، أو التسويق له، بل كان يريد دفع شر الأعداء عن أهل الإسلام، حينما يتضح له بصورة قاطعة أنهم بصدد تسديد ضربتهم للإسلام والمسلمين.

ب ـ استعمال أسير على خيبر:

وما ذكروه لأسير بن رزام: من أن النبي «صلى الله عليه وآله» يريد أن يستعمله على خيبر، غير ظاهر الوجه، لأن المفروض: أن هذه السرية كانت سنة ست، أي قبل فتح حصون خيبر بمدة طويلة، إلا إذا كان المقصود هو استعماله على حصون خيبر، التي كانت بيد اليهود، وهم لم يكونوا تحت سيطرة رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

بل كان جعله على خيبر يكون من قبيل تحصيل الحاصل، لأن المفروض حسب زعم الرواية: أن يهود خيبر قد أمَّروا أسير بن رزام عليهم بعد قتل ابن أبي الحقيق، فما معنى هذا العرض؟!

فلعل الصحيح: هو أن هذه السرية قد كانت بعد فتح خيبر، ويكون اليهود الذين تفرقوا في البلاد، أو أبقاهم النبي «صلى الله عليه وآله» ليعملوا في أرض خيبر قد جعلوا عليهم ابن رزام، فسعى لنقض العهد، وجمع الجموع لحرب رسول الله «صلى الله عليه وآله».. فجاءه ابن رواحة في ثلاثين رجلاً، وكان ما كان، من تطميعه بالولاية على خيبر من قبل رسول الله «صلى الله عليه وآله».. ثم انتهى الأمر بقتله، وقتل من معه..

وأبقى «صلى الله عليه وآله» اليهود على أعمالهم في خيبر؛ لأنهم لم يشاركوا ابن رزام في مساعيه..

ولعل هذا أولى بالقبول من القول: بأن القضية قد حصلت قبل خيبر، وأن المقصود: أنه «صلى الله عليه وآله» أراد أن يجعله على غطفان، وغيرها من القبائل الساكنة في تلك المناطق.

أو أنهم أرادوا طمأنته إلى أن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يأبى من أن يكون أميراً على خيبر، بل هو يعطيه أيضاً تفويضاً بذلك، ويستعمله عليها، فقبل ابن رزام، المتوجس خيفة من الحرب ذلك منهم، لأنه رأى أنه قد ضمن السلام والسلامة، وأبعد عن مخيلته شبح الحرب، وكابوسها المخيف والمرعب الذي رأى بعض فصوله في حروب المسلمين مع بني قينقاع، والنضير، ومع المشركين في بدر وفي أحد.

وقد يهوِّن عليه تصديق هذه المقولة: ما دخل في وهمه من أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد ملَّ الحرب([14]).

ولكن في نص آخر قال أسير بن رزام: «بلى قد مللنا الحرب»([15]).

وهذا يؤيد: أنه كان يريد أن يتخلص من شبح الحرب، التي ملها الناس من حوله.

وفي جميع الأحوال نقول: إن الأرجح هو أن تكون هذه السرية قد حصلت بعد فتح خيبر حسبما أوضحناه.

ج ـ من هو الغادر؟

وذكروا: أنهم حين ساروا برفقة أسير بن رزام «حمل عبد الله بن أنيس أسير بن رزام على بعيره، قال عبد الله بن أنيس: فسرنا حتى إذا كنا بقرقرة ثبار, وندم أسير, وأهوى بيده إلى سيفي, ففطنت له, ودفعت بعيري, وقلت: أغدراً أي عدو الله؟!

فدنوت منه لأنظر ما يصنع, فتناول سيفي، فغمزت بعيري, وقلت: هل من رجل ينزل يسوق بنا؟!

فلم ينزل أحد.

فنزلت عن بعيري, فسقت بالقوم, حتى انفرد لي أسير, فضربته بالسيف, فقطعت مؤخرة الرجل, واندرت عامة فخذه وساقه, وسقط عن بعيره, وفي يده مخرش الخ..»([16]).

ونقول:

إن هذا النص وأمثاله على درجة كبيرة من الغموض بل هو موضع شك وريب أيضاً.. فإنه إذا كان ابن أنيس قد فطن لغدر ابن رزام, وصرح فعله عن غدره هذا, فمن المتوقع أن يحتاط أسير لنفسه, ويتباعد عن مرافقه، ويفر منه, وأن يعلن عزمه على العودة من مسيره ذاك.

ومن جهة ثانية، نقول:

قد روي أن قتل أسير كان على يد عبد الله بن رواحة فراجع([17]).

ومن جهة ثالثة، نقول:

كيف لم يسمع أحد من المرافقين, وهم ما يقرب من ستين رجلاً ما قاله ابن أنيس لرفيقه؟..

وكيف لم يروا ما دار بينهما من تجاذب للسيف؟! وثمة أسئلة أخرى تحتاج إلى الإجابة هنا، وهي التالية:

كيف صار اليهود ردفاء للمسلمين؟! ألم يكن لدى ذلك الرئيس المطاع أعني أسير بن رزام ولدى سائر من معه، خيل، أو إبل يركبونها, حتى احتاجوا إلى الارتداف خلف أناس, كانوا إلى  ما قبل ساعة يسعون لجمع الناس لحربهم؟!.

وهل فكر أولئك اليهود الرؤساء بكيفية رجوعهم من مسيرهم ذاك؟ وهل سوف يرجعون سيراً على الأقدام؟ أم على الخيل؟ أم على الإبل؟!

وعلى أية خيل أو إبل سيعودون إلى بلادهم؟.

وإذا لم يكن هناك ارتداف وكان كل واحد منهم يركب بعيره الخاص به, فكيف وصلت يد أسير بن رزام إلى سيف ابن أنيس؟.

وهل جاء ابن رواحة ومن معه في مهمتهم تلك على الخيل؟ أم على الإبل؟

فإن كانوا جاؤوا على الخيل، فمن أين جاءت الإبل؟ وإن كانوا جاؤوا على الإبل, فهل الإبل هي المراكب المناسبة لمهمات كهذه؟.

وعن قصة قتل ابن أبي الحقيق نقول:

قد تقدم: أن ابن عتيك هو الذي قتله، وقد أصيب ابن عتيك، وبانت يده فمسح النبي «صلى الله عليه وآله» عليها فلم تكن تعرف من اليد الأخرى([18]).

د ـ ابن أنيس وقصة العصا:

وعن قصة العصا التي أعطاها النبي «صلى الله عليه وآله» لابن أنيس، نقول:

أولاً: إن نفس هذه الدعوى قد ادَّعاها ابن أنيس لنفسه في قضية قتل سفيان بن خالد, حيث زعم: أنه هو الذي أنجز هذه المهمة، وأعطاه النبي «صلى الله عليه وآله» العصا ليعرفه بها، ثم جعلها بين كفنه وجلده..

فهل تكررت هذه الواقعة كما يحلو للبعض أن يتخيل؟!

فإن كان الأمر كذلك، فإن نفس الحلبي الشافعي ربما تتشوق للسؤال عن حكمة تكرير ذلك له, وتخصيصه بهذه المنقبة دون بقية الصحابة.

ثانياً: لا ندري لماذا يحتاج ابن أنيس إلى علامة تعرّف النبي «صلى الله عليه وآله» به!! فهل يحتاج النبي حقاً في معرفته لابن أنيس إلى علامة؟!

ولماذا لا يعرفه إذا رآه، من حيث إنه يحفظ صورة وجهه في ذاكرته؟!

أم أن ذاكرته «صلى الله عليه وآله» سوف تضعف حين يدخله الله الجنة؟!

وإذا كان الأمر كذلك، فما هي العلامات التي كان «صلى الله عليه وآله» يعرف بها نساء أصحابه .

إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تحتاج إلى جواب..

5 ـ سرية زيد بن حارثة إلى مدين:

قالوا: وبعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» زيد بن حارثة إلى مدين، فأصاب سبياً من أهل ميناء، وهي السواحل، فبيعوا، ففرقوا بين الأمهات وأولادهن. فخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهم يبكون، فقال: ما لهم؟!

فأُخبر خبرهم.

فقال: لا تبيعوا إلا جميعاً([19]).

تحفظ على سرية مدين:

ونقول:

إن لنا تحفظاً على هذه السرية، يتلخص في أن «مدين» هي قرية شعيب، وقد سميت باسم مدين بن إبراهيم، وكان بينها وبين مصر ثمان مراحل([20]). ولكنها لم تكن في سلطة فرعون.

وفي معجم ما استعجم: أنها بلد بالشام، معلوم، تلقاء غزة. وهو منزل جذام، وشعيب النبي المبعوث إلى أهل مدين أحد بني وائل، من جذام([21]).

والسؤال هو:

كيف استطاع زيد أن يخترق كل تلك التجمعات السكانية، وكانت كلها معادية له ولدينه، ويقطع هذه المئات من الأميال، ولا يعارضه أحد من أهل الشرك والكفر، الذين كانوا في تلك المفاوز والقفار النائية، والتي قد يكون لقيصر الروم حساسية خاصة تجاه غزوها، كما ظهر في قضية غزوة مؤتة؟

ثم هو يحارب أهل مدين، ويأسر النساء والأطفال من أهل ميناء، ثم لا ينجد هؤلاء المنكوبين أحد من أهل نحلتهم، ومن هم على دينهم..

إننا، وإن كنا لا نستطيع أن نعتبر هذه التساؤلات دليلاً قاطعاً على النفي، ولكنها ترشد إلى لزوم التريث في الحكم القاطع بصحة هذه النقولات.

إحترام المشاعر الإنسانية:

إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أمر بعدم التفريق بين الأم وولدها في البيع. والذي نريد أن نوجه النظر إليه هو:

أن هناك اختلافاً في النظرة إلى هذا الكائن الإنساني، وفي مبررات تكريمه، أو إهانته، ينشأ عنها اختلاف في التعامل معه في هذا الاتجاه أو ذاك أيضاً.

فقد تعطى القيمة للإنسان على أساس العصبيات العرقية أو القومية، وقد تبنى العلاقة بالإنسان على أساس المنفعة والمصلحة، أو اللذة العاجلة. وما إلى ذلك..

وهناك من يعطي القيمة للإنسان استناداً إلى مجرد كونه كائناً بشرياً وحسب.

ولكن القيمة في الإسلام تستند إلى عنصرين أساسيين:

أحدهما: كونه بشراً ونظيراً لك في الخلق.

والثاني: كونه أخاً لك في الدين.

وفَقْدُ أحد هذين العنصرين لا يلغي الحق الثابت له من خلال توفر العنصر الآخر.. وإن اختلفت طبيعة هذا الحق الثابت، بالنسبة إلى كل واحد منهما..

وعلى هذا الأساس نقول:

إنه إذا فقد الالتزام الديني لدى الإنسان، واتجه نحو ممارسة العدوان، فإن ذلك، وإن كان يسلبه الحق الذي ينشأ عن الالتزام الديني، ولكنه لا يستطيع أن يسقط الحق الثابت له بالاستناد إلى بشريته، وإلى نوع خلقته وتكوينه.

فمن يؤسَرُ أو يُسْبى، نتيجة ظروف الصراع معه، من أجل امتلاك حرية التدين التي يسعى لسلبها منك، وإن كان يحرم الحقوق التي تثبتها الأخوة الدينية، ولكن الحقوق التي يثبتها له كونه نظيراً في الخلق، لا يمكن إسقاطها..

ولذلك نهى النبي «صلى الله عليه وآله» عن التفريق بين الأم وولدها، وفرض أن لا يباعا إلا جميعاً، حسبما تقدم.

ولهذا نقول:

إن نهي النبي «صلى الله عليه وآله» عن هذا التفريق ليس مجرد قرار شخصي، أو نتيجة توهج عاطفي، بل هو حكم إلهي مستند إلى مبرراته الموضوعية، وينطلق من طبيعة النظرة إلى الحقوق، وإلى مناشئها..

 

 

الفصل السادس:

حديث الاستسقاء..

 

حديث الاستسقاء:

وفي شهر رمضان من سنة ست استسقى رسول الله «صلى الله عليه وآله» لأهل المدينة فمطروا، فقال «صلى الله عليه وآله»: أصبح الناس مؤمناً بالله، كافراً بالكواكب.

وذلك لأن الناس كانوا قد قحطوا، فطلبوا منه «صلى الله عليه وآله» أن يستسقي لهم، فخرج، ومعه الناس يمشون بالسكينة والوقار، إلى المصلى، فصلى بهم ركعتين، يجهر بالقراءة فيهما، وقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسبح اسم ربك الأعلى، والثانية بفاتحة الكتاب، وهل أتاك حديث الغاشية..

ثم استقبل الناس بوجهه، وقلب رداءه، لكي ينقلب القحط إلى الخصب، ثم جثا على ركبتيه، ورفع يديه، وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي، ثم قال: اللهم اسقنا وأغثنا غيثاً مغيثاً، وحياءً ربيعاً.. الخ..

فما برحوا حتى أقبل قزع من السحاب، فالتأم بعضه إلى بعض، ثم أمطرت سبع أيام بلياليهن، فأتاه المسلمون، وقالوا: يا رسول الله، قد غرقت الأرض، وتهدمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله تعالى أن يصرفها عنا.

فضحك رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهو على المنبر حتى بدت نواجذه، تعجباً لسرعة ملالة بني آدم. ثم رفع يديه، ثم قال:

حوالينا، ولا علينا، اللهم على رؤوس الظراب، ومنابت الشجر، وبطون الأودية، وظهور الآكام.

فتصدعت عن المدينة حتى كانت مثل ترس عليها، كالفسطاط، تمطر مراعيها، ولا تمطر فيها قطرة([22]).

ثم قال: لله أبو طالب، لو كان حياً لقرت عيناه، من الذي ينشدنا قوله!

فقام علي «عليه السلام»، فقال: يا رسول الله، كأنك أردت:

وأبيض يستسقى الغـمام بوجهـه     ثـمال اليتـامى عصـمـة  لـلأرامـل

يلـوذ به الهـلاك من آل  هـاشـم         فـهـم عـنـده في نـعـمـة وفواضل

كـذبتم وبيت الله يـردى  محمـد         ولمـا نـقـاتـل دونـــه   ونـنـاضـل

ونسلمه حتى نـصـرع حـولــه           ونـذهــل عـن أبـنـائـنا والحلائل

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أجل.

فقام رجل من كنانة يترنم، ويذكر هذه الأبيات:

لـك الحمد  والشـكـر ممن شكـر                 سـقـيـنـا بـوجـه الـنـبـي المـطــر

دعـــــا الله  خــالـقـنـا  دعــوة              إلـيـه وأشـخـص مـنــه الـبـصر

ولــم يـك  إلا كـقـلـب  الـرداء            وأسـرع حـتـى رأيـنـــا المــــطر

دفــاق الـغــرائــل جـم  البعاق           أغــــاث بــــه عـلـيــنـا  مـضر

وكـــان كـــــما قــــالـــه عمه            أبــو طــالــب أبـيـض ذو غــرر

بــه الله يـسـقـي صيـوب الغـمام                وهـذا الـعــيــان لـــذاك الخــبر

فـمـن يـشـكــر الله يـلــق المزيد         ومـن يـكـفـر الله يـلــق الـعـبر([23])

ونقول:

إن لنا ههنا وقفات، هي التالية:

الاستسقاء أكثر من مرة:

إن مراجعة النصوص التاريخية يفيد: أنه «صلى الله عليه وآله»، قد استسقى أكثر من مرة، إحداها حين رجع من تبوك في سنة تسع، بطلب من وفد بني فزارة([24]).

وسيأتي الحديث عنها في موضعه إن شاء الله تعالى، وبيان ما فيها من روايات مكذوبة تضمنت التجسيم، ونسبة الضحك إلى الله سبحانه، وغير ذلك من أكاذيب، وترهات وأباطيل، وفيها أيضاً الكثير من الجرأة والوقاحة، فيما ينسبونه لرسول الله «صلى الله عليه وآله» من أنه تنبأ بأن أبا لبابة يقوم عرياناً، يسد ثعلب مربده وغير ذلك..

اللهم حوالينا ولا علينا:

واللافت هنا: أن الناس حين استمر المطر أسبوعاً كاملاً طلبوا من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أن يدعو الله أن يكف بعضاً من ذلك عنهم، فدعا الله بقوله: «اللهم حوالينا ولا علينا»، فانجابت السحابة عن المدينة، واستمر المطر ينهمر على أطرافها..

وتحكى هذه الحادثة في مختلف وقائع الاستسقاء، التي رويت.. وهي شاهد على أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد استجاب لهم، وتصدى للتصرف في أمور التكوين، ولكن بطريقة الطلب من الله تعالى، فجاءت الاستجابة الإلهية متوافقة مع إرادته «صلى الله عليه وآله». ولتكن هذه القضية شاهداً لما اصطلح عليه العلماء بالولاية التكوينية للمعصوم، والتي تعني أن تكون إرادته «عليه السلام» في سلسلة العلل لحدوث أمثال هذه الأمور.

وقد أوضحنا هذا الأمر في كتابنا خلفيات كتاب مأساة الزهراء «عليها السلام»، فيمكن للقارئ أن يرجع إليه ويطلع عليه..

لا يرفع يديه إلا في الاستسقاء:

وقد ذكرت بعض الروايات: أن النبي «صلى الله عليه وآله»، حين استسقى رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، ودعا.. وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الإستسقاء([25]).

ونقول:

أولاً: إن رواية الاستسقاء التي تقدم ذكرها لم تذكر: أنه «صلى الله عليه وآله» في الركعة الأولى قد كبر بعد قراءة الحمد والسورة خمس تكبيرات، وقنت خمس قنوتات، ولا أنه قد كبر في الركعة الثانية أربع تكبيرات وقنت أربع قنوتات، مع أن هذا هو ما يميز هذه الصلاة عما عداها، لأنها ليست مجرد ركعتين كصلاة الصبح، ولا شيء أكثر من ذلك.

ثانياً: إن الأحاديث دلت على أنه «صلى الله عليه وآله»، كان يرفع يديه في الدعاء كثيراً، وقد ذكر الصالحي الشامي أنه يوجد في صحيحي البخاري ومسلم، أو في أحدهما: نحو ثلاثين حديثاً صرح بذلك([26]).. فكيف بما في غيرهما من كتب الحديث والسيرة؟!

عبد المطلب يستسقي برسول الله :

وقد ذكر الشهرستاني: أنه لما أصاب أهل مكة ذلك الجدب العظيم، وأمسك السحاب عنهم سنتين أمر عبد المطلب ولده أبا طالب أن يحضر المصطفى «صلى الله عليه وآله»، وهو رضيع في قماط، فوضعه على يديه، واستقبل الكعبة، ورماه إلى السماء, وقال: يا رب، بحق هذا الغلام([27]).

ورماه ثانياً وثالثاً، وكان يقول: بحق الغلام، اسقنا غيثاً مغيثاً، دائماً هاطلاً.

فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء، وأمطر حتى خافوا على المسجد.

وأنشد أبو طالب ذلك الشعر اللامي، الذي منه:

وأبـيـض يستسقى الغـمام بوجهه              ثــمال اليتـامى عصمـة  للأرامــل

ثم ذكر أبياتاً من القصيدة([28]).

ولكن من يلاحظ لامية أبي طالب يجد أنها تشير إلى أحداث وقعت بعد نبوة رسول الله «صلى الله عليه وآله».. الأمر الذي يدل على أنه رحمه الله لم ينظمها دفعة واحدة، بل هو قد نظم بعض مقاطعها في زمن أبيه عبد المطلب، ثم أتمها في أزمنة لاحقة، بعد بعثة رسول الله «صلى الله عليه وآله».

أبو طالب يستسقي بالرسول ثلاث مرات:

هذا.. وقد روي: أن أبا طالب استسقى برسول الله «صلى الله عليه وآله» أيضاً في صغره، لما تتابعت عليهم السنون، فأهلكتهم، فخرج به «صلى الله عليه وآله» إلى أبي قبيس، وطلب السقيا بوجهه، فسقوا، فقال يمدحه «صلى الله عليه وآله»:

وأبـيـض يستسقى الغـمام بوجهه              ثـمال اليتــامى عصمـة للأرامـل([29])

والظاهر: أنه كرر إنشاد هذه الأبيات، بعد أن كان قد قالها حين استسقاء عبد المطلب به.

وروى ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة، قال: «قدمت مكة، وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: اعتمدوا اللات والعزى.

وقائل منهم يقول: اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى.

فقال شيخ وسيم، حسن الوجه، جيد الرأي: أنى تؤفكون، وفيكم بقية إبراهيم، وسلالة إسماعيل؟!

قالوا: كأنك عنيت أبا طالب؟

قال: إيها.

فقاموا بأجمعهم، وقمت معهم، فدققنا عليه بابه، فخرج إلينا رجل حسن الوجه، عليه إزار قد اتشح به، فثاروا إليه، فقالوا: يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال! فهلم فاستسق لنا!!

فخرج أبو طالب، ومعه غلام، كأنه شمس دجنة، تجلت عليه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة. فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأصبعه الغلام، وما في السماء قزعة. فأقبل السحاب من ههنا وههنا، فأغدق واغدودق، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي.

وفي ذلك يقول أبو طالب:

وأبـيـض يستسقى الغـمام بوجهه              ثــمال اليتــامى عصمـة للأرامـل

يـلــوذ بـه الهلاك مـن آل هاشـم        فـهـم عنـده في نعمـة وفــواضـل

وقال ابن سعد: حدثنا الأزرق، حدثنا عبد الله بن عون، عن عمرو بن سعيد: أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز مع ابن أخي، يعني النبي «صلى الله عليه وآله»، فأدركني العطش، فشكوت إليه، فقلت: يا بن أخي قد عطشت. وما قلت له ذلك، وأنا أرى عنده شيئاً إلا الجزع، قال: فثنى وركه.

ثم قال: يا عم عطشت؟

قلت: نعم.

فأهوى بعقبه إلى الأرض، فإذا أنا بالماء، فقال: اشرب، فشربت.

وله طرق أخرى، رواها الخطيب، وابن عساكر»([30]).

عمر يتوسل ويستسقي بعم الرسول :

وقد صرحت الروايات أيضاً: بأن عمر بن الخطاب استسقى بعد وفاة الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله»، وتوسل بالعباس عم النبي «صلى الله عليه وآله»، ومعه غيره من بني هاشم، وطلب العباس من الناس أن لا يخالطوهم وقال مخاطباً عمر بن الخطاب: «لا تخلط بنا غيرنا».

فكان من دعاء عمر بن الخطاب في الاستسقاء قوله: اللهم إنا توجهنا (أو نتوسل، أو نتقرب) إليك بعم نبيك([31]).

وذلك كله، وكثير سواه يوضح لنا: أن مشروعية التوسل بالأنبياء، والأولياء «عليهم السلام» كانت من المرتكزات الأولية لدى المسلمين، يعرفها الكبير والصغير فيهم، فلا معنى ولا مبرر لمكابرة أهل الباطل، وخصوصاً الناصبة منهم، بالإصرار على المنع من ذلك، واعتباره شركاً أو كفراً!!

نظرة أبي طالب لرسول الله :

وبعد.. فإن الكل يعلم: أن من يعاشر إنساناً مدة طويلة، ويطلع على حالاته المختلفة، ويتلمس فيه الضعف والقوة، والمرض، والصحة، والملالة، والضجر، والأريحية والانشراح، والحزن، والسرور. ويراه في حالات الغضب والرضا، والتبذل والترسل، والانقباض، والانبساط، والجدية، والترسم، واللعب، واللهو، والعمل، والمثابرة، والنشاط، والكسل، والفراغ، والشغل، وما إلى ذلك، فإن كل من يرى هذه الحالات في إنسان ما، سوف تتضاءل وتنكمش، وقد تتلاشى وتندثر الهالة التي ربما تبهر الناس في ذلك الإنسان، حتى إنه قد لا يبقى لديه سوى بعض الإعجاب بلفتة جمال هنا، أو بلمحة ذكاء هناك!!

ولكن الأمر بالنسبة لأبي طالب مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان مختلفاً تماماً، فقد كان اطلاع أبي طالب على جميع أحوال النبي «صلى الله عليه وآله»، وأدق خصوصياته يزيد من درجات تقديسه له، ويضاعف مراتب إعجابه به، وانبهاره بأنوار حقيقته، وتجليات فضائله، وميزاته، إلى الحد الذي يجعل ذلك الشيخ الكبير يرى هذا الفتى اليافع وسيلته إلى الله وشفيعه، الذي يبلغه حاجاته، ورائده وقائده، ومثله الأعلى، حتى إنه ليستسقي به مرة بعد أخرى، وينشئ به قصيدته اللامية التي بهرت بأنوارها الساطعة، وبلألائها اللامع كل من سمعها، أو قرأها. بل هي قد أخذت بمجامع القلوب، وهيمنت على المشاعر، وأنست بباهر أنوارها حتى القلوب التي غرقت في ظلمات النصب والانحراف عن بني هاشم، وكل من له بهم أدنى صلة أو رابطة، حتى إن ابن كثير يصف هذه القصيدة العصماء، بقوله:

«قلت: هذه قصيدة عظيمة، بليغة جداً، لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه. وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها إلخ..»([32]).

وبعد، فإن قول النبي «صلى الله عليه وآله»: لله در أبي طالب: إنما يريد به أن در أبي طالب وعطاءه هذا، كان خالصاً لله تعالى.

وهو كلام فيه المزيد من الثناء، والتأكيد على صحة ما رتبه عليه من نتيجة، وهي أن أبا طالب لو كان حياً لقرت عيناه برؤية استجابة الله دعاء نبيه، وظهور المعجزة على يديه.

وهذا يدل على حرص رسول الله «صلى الله عليه وآله» على أن تقر عين أبي طالب حتى وهو في قبره، بظهور الإيمان والإسلام على أهل الشرك والإلحاد والطغيان.

وما دام أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يحب لهذه القصيدة أن تذكر في محافل أهل الإيمان، فإنني أحب أن أثبتها هنا: ليرغم بها أنف الشانئ والناصب، ولتقر بها عين رسول الله «صلى الله عليه وآله» وعين أبي طالب، وعين ابنه أسد الله الغالب، وعين من هو لشفاعته طالب، والقصيدة هي التالية:

خلـيــلي مـــا أذني لأول عــــاذل         بصـغـواء في حـق ولا عنـد باطـل خليـلي إن الـرأي ليـس بشـركـــة                                                        ولا نـهـنـهٍ عـنـد الأمـور التلاتـل ولمــا رأيـت الـقــوم لا ود  فيـهـم                                                          وقـد قطعوا كل العرى والوسائـل وقــد صـارحونـا بـالعداوة  والأذى                                                       وقـد طـاوعـوا أمـر العدو المـزايل

وقـد حـالفـوا قومـاً علينـا أظِـنَّـةً         يـعـضـون غيـظـاً خلفنـا بالأنامل

صبـرت لهم نفسي بسمـراء سمـحــةٍ        وأبيضَ عضب من تـراث المَقَـاوِل

وأحضرت  عند  البيت رهطي وإخوتي      وأمسكت من أثـوابـه بالـوصـائل

قيـامـاً  مـعـاً مسـتـقبـلين رتـاجـه        لدى حيث يقضِي نسكه كل نـافـل

وحيث ينيخ الأشعرون ([33]) ركـابهـم                بمفضى السيول من أساف ونـائـل

مـوسَّمـةِ الأعـضـاد أو قـصـراتِهـا      محبـَّسـة بـين الـسَّـديـس وبـــازل

تـرى الـودْع فـيـهـا والرُّخام وزينةً                  بـأعنـاقهـا معقودة  كـالعثـاكـل([34])

أعـوذ برب الناس من كـل طـاعن       عـلـيـنـا بـسـوء أو ملـح  بباطـل

ومن كـاشـح يسـعـى لنا بمعـيـبة        ومن ملحق في الـديـن ما لم نحاول

وثور ومـن أرسـى ثـبـيراً مـكـانـه      وراقٍ لـيـرقـى في حـراء ونـــازل

وبالبيت ركن البيت من بطن  مكـة      وبـالله إن الله لـيـس بـغـــافــــل

وبالحجر المـسـود إذ يمسـحـونــه      إذا اكتنفوه بالـضحى  والأصـائـل

وموطئ إبراهيم في الصخرة  وطـأة                على قـدمـيـه حـافـيـاً غـير  نـاعل

وأشواط بيـن المـروتـين إلى الصفـا                ومـا فـيـهـما من صـورة وتمـاثــل

ومن حج بيت الله من كـل  راكـب       ومـن كـل ذي نـذر من كل راجل

وبـالمـعـشر الأقصى إذا عمدوا لــه                  إلال إلى مـفـضـى الشراج القوابل

وتـوقـافـهـم فـوق الجبال  عشيــة      يقيمون بالأيدي صـدور الرواحل

ولـيـلـة جمَـع والمنـــازل في مـنــى                 ومـا فـوقهـا من حرمـة ومـنــازل

وجـمـع إذا مـا المقربـات أجـزنــه      سراعاً كما يفزعن([35]) من وقع  وابـل

وبـالجمرة الكبرى إذا صمدوا لهــا                  يـأمـون قـذفـاً رأسـهـا بـالجنـادل

وكندة إذ تـرمي الجـمار عــشـيـــة      تجـيـز بهـا حجـاج بكـر بـن  وائل

حليفان شـدا عقـد مـا  احتلفـا لـه        وردا عليه عـاطـفـات الـذلائـــل

وحطمِهم سمر الرماح مـع الظـبى      وإنـقـاذهـم مـا يـنـتـقي كل نابل

ومشيهم حـول البَسـال  وسرحــه      وسـلـمـيّـه وخد النعام  الجوافل([36])

فهـل فـوق هـذا من معـاذ لعـائـذ         وهـل مـن مـعـيـذ يتقي الله  عادل

يطـاع بنـا أمـر الـعــدا ودَّ  أنـنـــا        يسـد بنـا أبـواب تـرك  وكـــابـل

كـذبـتـم وبـيـت الله نـترك مكــة          ونـظـعـن إلّا أمـرَكـم في بـلابــل

كـذبـتم وبـيـت الله نُبْزى ([37])  محمداً               ولمـا نـطـاعن دونـه ونـنــاضـــل

أبـيـت بحـمـد الله تــرك  محــمـد         بـمـكــة أسـلـمـه لشـر القبـائـل

وقـال لي الأعـداء قـاتـل  عصـابـة      أطـاعـوه، وابـغـه جمـيـع  الغوائل

نـقـيـم عـلى نـصـر الـنـبي محـمـد       نقاتـل عنه بالظـبى  والعـواسـل([38])

ونـسـلـمـه حـتـى نـصرَّع حـولـه        ونـذهـل عـن أبـنـائـنـا والحلائل

ويـنـهـض قـوم بالحـديـد إليـكـم         نهوض الروايا تحت ذات  الصلاصل

وحتى نرى ذا الضغن يركب رَدْعَه([39])                       من الطـعن فعل الأنكب  المتحامل

وإنـا لـعـمـر الله إن جـد مــا  أرى       لـتـلـتـبـسـن أسيـافنـا بالأمـاثـل

بـكفي فتى مثـل الشهاب سميـدع        أخي ثـقـة حـامي الحقيقة بـاسـل

شـهـوراً وأيـامـاً وحـولاً مجرمـاً ([40])               عـلـيـنـا وتـأتي حـجـةٌ بعد قـابل

ومـا تـرك قوم ـ لا أبا لك ـ سـيـداً        يحـوط الـذمـار غـير ذرب مواكل

وأبـيـض يستسقى الـغـمام بوجهـه                  ثـمال([41]) الـيـتـامى عصمة لـلأرامل

يلـوذ به الهــلاك مـن آل هـاشـــم        فـهـم عـنـده في رحمـة  وفـواضـل

لعمري لقـد أجـرى أسيد وبكره ([42])                 إلى بـغـضـنـا إذ جـزآنـا لآكــــل

جزت رحم عـنـا أسيـداً وخـالـداً          جـزاء مسـيء لا يـؤخـر  عـاجـل

وعـثـمان لـم يـربـع عـلينـا  وقنفذ       ولـكـن أطـاعـا أمـر تلك  القبائل

أطـاعـا أبيـاً وابـن عـبـد يغوثهم([43])                ولـم يـرقبـا فـيـنـا مقـالـة  قـائـل

كما قـد لقينـا مـن سـبـيـع ونـوفل       وكـلٌ تـولى مـعـرضـاً لم يجـامــل

فـإن يُـلـفَـيـا أو يُـمْـكِنِ الله منهـما       نَـكِـلْ لهـما صـاعـاً بصـاع المكايل

وذاك أبـو عـمـرو أبـى    غير بغضنا                ليظعننـا في أهـل شـاء وجـامـل([44])

ينـاحي بنـا في كـل ممسى ومصبـح                 فـنـاج أبـا عمـرو بنـا، ثم خـاتِـل

ويـؤلي لـنـا بـالله مـا إن يـغـشـنــا       بـلى قـد تـراه جـهـرة غير  حـائـل

أضـاق عـلـيـه بـغـضـنـا كلَّ تلعة        من الأرض بين أَخْشَبٍ فمجادل([45])

وسـائـل أبـا الـوليـد ماذا  حبوتنـا       بسـعـيـك فينا معرضـاً كالمخـاتل

وكـنـت امـرءاً ممن يعـاش  بـرأيـه                  ورحمـتـه فـيـنـا ولـسـت بجـاهل

فـلـسـت أبـالـيـه عـلى ذات نفسه        فعش يابن عمي ناعـماً غير  ماحـل

وعـتـبـة لا تسمع بنـا قـول كاشح       حسود كذوب مبغض ذي دغـاول

وقد خفت إن لم تزدجرهم وترعووا                 تـلاقي ونلقى  منك إحدى البلابل

ومـر أبـو سفيـان عـني  مـعـرضـاً      كـما مـر قيـل من عظـام المـقــاول

يـفـر إلى نـجــد وبَــرْدِ مـيــاهــه         ويـزعم أني لست عـنـهـم  بـغافل

وأعـلـم أن لا غـافــل عـن مساءة        كـذاك الـعـدو عنـد حـق وبـاطل

فـمـيـلـوا عـلـينا كلكم إن  ميلكم         سـواء عـلـيـنـا والـريـاح بهاطـل

يخبِّـرنــا فـعـل المـنـاصــح أنــــه        شـفـيق ويخفي عارمات  الدواخل

أمـطـعـم لم أخـذلـك في يوم نجدة        ولا عند تلـك المعظـمات  الجـلائل

ولا يـوم خـصـم إذ أتـــوك ألــدةً         أولى جـدل مثل الخصوم المساجـل

أمـطـعـم إن الـقـوم ساموك  خطة       وإني متى أوكـل فـلـست بـوائل([46])

جـزى الله عـنـا عبد شمس ونوفلاً      عـقـوبـة شر عـاجــلاً غير آجــل

بـمـيـزان قسـط لا يخيس شـعـيرة       لـه شـاهـد مـن نـفـسه غير  عائل

لـقـد سـفـهت أحـلام قـوم تبدلوا         بني خـلـف قـيـضـاً بنا  والغياطل

ونـحـن الـصميم من ذؤابـة هاشم       وآل قـصـي في الخـطوب  الأوائـل

وكـان لنـا حـوض السقـايـة  فيهم       ونحن الذرى منهم وفوق  الكواهل

فـما أدركــوا زحلاً  ولا سفكوا دماً      وما خـالـفـوا إلا شـرار  القبـائـل

بـنـي أمــة مجـنـونــة هـنـدكــيـة        بني جمح عـبـيـد قـيـس بن عـاقل

وسـهـم ومخـزوم تمـالـوا  وألـبــوا                 علينا العدى من كل طِمْلٍ  وخامل

وحـث بـنـو سـهـم عـلـينا عديَّهم        عدي بن كعب فاحتبوا في  المحافل

يـعـضُّـون من غيـظ علينـا  أكفهم       بـلا تـرةٍ بـعـد الحـمى والتـواصل

وشـأيـظ كـانت في لؤي بن  غالب      نـفـاهـم إلـينـا كل صقر  حلاحل

ورهـط نـفيـل شر من وطئ الحصى                 وألأم حـاف مـن مـعـد ونـاعــل

فـعـبـد منـاف أنـتـم خـير قومكم          فـلا تشركـوا في أمركـم كل واغل

فـقـد خفت إن لم يصلح الله أمركم       تكـونـوا كـما كانت أحاديث وائل

لـعـمـري لقـد وهَّـنـتـم وعجزتم          وجـئـتـم بـأمـر مخـطئ للمفاصل

وكنتم حـديثـاً حـطْبَ قـدر  فأنتم          الآن حـطـابُ أقـدر  ومــراجــل

لـيـهـن بـنـي عـبـد المناف عقوقها      وخـذلانهـا وتـركـهــا في المعاقـل

فـإن يـك قـوم سرهـم ما صنعتـم         سـتـحـتـلـبـوهـا لقحة غير باهل

فـأبـلـغ قـصـيـاً أن سينشر أمرنــا       وبشِّر قـصـيـاً بـعـدنـا بالتخــاذل

ولـو طـرقـت ليـلاً قصيـاً عظيمـة        إذن ما لجـأنـا دونهم في  المـداخــل

ولـو صـدقـوا ضـرباً خلال بيوتهم      لـكـنـا أُسـى عنـد النسـاء المطافل

فـإن تـك كـعـب من لؤي تجمعت         فـلا بـد يـومـاً مـرة مـن تـزايـــل

وإن تـك كـعـب من كعوب كبيرة         فـلابــد يـومـــاً أنهــا في مجـاهـل

وكـنـا بـخـير قبـل تسويـد معشـر        هـم ذبـحـونـا بـالمـدى  والمقـاول

فـكـل صـديـق وابـن أخـت نعده          لـعـمـري وجـدنا غبَّه غير طائل([47])

سـوى أن رهـطاً من كلاب بن مرة      بـراء إلـيـنـا مـن مـعـقَّـة خــاذل

بـنـي أسـد لا تُطْرِقَنَّ على الـقـذى        إذا لم يـقـل بـالحـق مـقـول قـائـل

ونعم ابن أخـت القوم  غير مكذب       زهـير حسـامـاً مـفـرداً مـن حمائل

أَشَمُّ مـن الـشُّـمِ الـبـهـاليل ينتمي        إلى حَسَبٍ في حومة المجد فـاضـل

لـعـمـري لقـد كلفت وجداً  بأحمد        وإخـوتـه دأب المـحـب  المـواصل

 

فـلا زال في الـدنـيـا جمـالاً لأهـلها       وزيـنـاً عـلى رغم العدو المخابل ([48])

فـمـن مـثـله في  الناس أي مـؤمـل      إذا قـاسـه الحكـام عنـد التفـاضل

حـلـيـم رشـيـد عـادل غير طائش        يـوالي إلهـاً لـيـس عـنــه بـغـافـل

وأيـده رب الـعـبـــاد  بـنـصـــره          وأظـهـر ديـنـاً حـقـه غـير زائــل

فـوالله لـــولا أن أجــيء بـســبـة        تجـر عـلى أشـيـاخـنـا في  المـحافل

لـكـنــا تـبـعـنـاه على كـل حـالـة          من الـدهـر جـداً غير قول التهازل

وداسـتـكـم مـنــا رجــال أعــزة          إذا جـردوا أيـمانـهـم بـالمنـاصــل

لـقـد عـلـمـوا أن ابـنـنا لا مكذب         لـديـنـا ولا يعنى بقـول الأبـاطـل

رجـال كـرام غـير مِـيـلٍ نـــماهـم        إلى الـعـز آبـاء كـرام المـخـاصل([49])

وقـفـنـا لهـم حـتـى تـبـدد  جمعهم       وحُسِّرَ عـنـا كـل بـاغ  وجـاهــل

شـبـاب مـن المـطَّـلِّـبـين  وهـاشم       كبيض السيوف بين أيدي الصياقـل

بـضـرب تـرى الفتيـان فـيه  كأنهم      ضواري أسود فـوق لحـم خـرادل

ولـكـنـنـا نـسـلٌ كــرام لـســادة           بهم يـعـتـلي الأقـوام عند  التطاول

سـيـعـلـم أهـل الضغن أيي وأيهم        يـفـوز ويـعـلـو في لـيـال قـلائـل

وأيهـم مـنـي ومـنـهـم بـسـيـفــه        يـلاقي إذا مـا حـان وقت التنـازل

ومـن ذا يـمـل الحـرب مني ومنهم      ويحـمـد في الآفـاق في قـول  قـائل

فـأصـبـح مـنـا أحمـد في أرومــــة       تـقـصر مـنـهـا سـورة المـتـطـاول

كـأني بـه فــوق الجـيـــاد يـقودها       إلى مـعـشر زاغـوا إلى كـل  بـاطل

وجُـدْتُ بـنـفـسـي دونـه  وحمـيته       ودافـعـت عنـه بالذرى والكلاكل

ولا شـك أن الله رافــــع أمـــــره         ومـعـلـيـه في الدنيا ويوم  التجادل

كـما قد  أري في اليوم والأمس جده                 ووالـده رؤيـاهمــا خــير آفـــل([50])


 

 

 

 

القسم الثامن:

من الحديبية إلى فتح مكة..

الباب الأول: حتى بيعة الرضوان

الباب الثاني: عهد الحديبية.. وقائع.. وآثار

الباب الثالث: سرايا وقضايا بين خيبر والحديبية

الباب الرابع: دعوة ملوك الأرض..

 

الباب الأول:

حتى بيعة الرضوان

 

الفصل الأول: من المدينة.. إلى عسفان..

الفصل الثاني: من عسفان.. إلى الحديبية..

الفصل الثالث: حابس الفيل.. وحقوق الحيوانات

الفصل الرابع: تعمد صنع المعجزة

الفصل الخامس: اتصالات.. ومداولات

الفصل السادس: عثمان في مكة

 

الفصل الأول:

من المدينة.. إلى عسفان..

 

 

الحديبية: اسماً وموقعاً:

الحديبية بتخفيف الياء، تصغير حدباء، وهي اسم بئر أو شجرة، سمي باسمها المكان الذي تقع فيه، قرية قريبة من مكة، أكثرها واقع في الحرم، وهناك المسجد المعروف بمسجد الشجرة، وبين الحديبية والمدينة تسع مراحل وبينها وبين مكة مرحلة واحدة، أي تسعة أميال([51]).

التحرك نحو الحديبية:

ومجمل الحديث في أمر الحديبية: أن النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» رأى في منامه: أنه دخل مكة هو وأصحابه، آمنين، محلقين رؤوسهم، ومقصرين. وأنه دخل البيت، وأخذ مفتاحه، وأدى عمرته، وعرَّف مع المعرفين([52]) (أي جعل على الناس عرفاء).

فلما أخبر «صلى الله عليه وآله» أصحابه بما رأى فرحوا، وظنوا أنهم يدخلون مكة في عامهم ذاك. ثم أخبرهم أنه يريد الخروج للعمرة، فتجهزوا للسفر، واستنفر «صلى الله عليه وآله» العرب إلى ذلك وأهل البوادي من الأعراب حول المدينة، من أَسْلَمَ: من غفار، وجهينة، ومزينة، وأسلَمْ، ثم خرج «صلى الله عليه وآله» معتمراً.

وكان خروجه من منزله بعد أن اغتسل ببيته، ولبس ثوبين، وركب راحلته القصوى من عند بابه، وأحرم هو وغالب من معه من ذي الحليفة، بعد أن صلى ركعتين في المسجد هناك. وبعض أصحابه أحرم بالجحفة. ثم ركب راحلته، من باب المسجد، وانبعثت به وهو مستقبل القبلة.

وكان خروجه «صلى الله عليه وآله» في ذي القعدة.

وقيل: خرج في شهر رمضان.

وخرجت أم سلمة، وأم عمارة، وأم منيع، وأم عامر الأشهلية، ومعه المهاجرون والأنصار، ومن لحق بهم من العرب، وأبطأ عنه كثير منهم وسلك طريق البيداء.

وساق «صلى الله عليه وآله» معه الهدي، سبعين بدنة. وبعد أن صلى الظهر في ذي الحليفة أشعر عدة منها، وهي موجهات إلى القبلة في الشق الأيمن من سنامها. ثم أمر ناجية بن جندب (وفي معالم التنزيل: ناجية بن عمير) فأشعر الباقي، وقلدهن، أي علق برقابهن كل واحدة نعلاً.

وأشعر المسلمون بدنهم، وقلدوها.

وكان الناس سبع مائة رجل.

وقيل: ألفاً وأربع مئة.

وهناك أقوال أخر سوف نشير إليها إن شاء الله تعالى.

وسار حتى بلغ عسفان([53]).

وقفات مع ما تقدم:

وقبل أن نتابع الحديث عن هذا الحدث الكبير نلقي نظرة على بعض الخصوصيات والأمور التي تذكر من بداية خروج النبي «صلى الله عليه وآله» من المدينة إلى حين وصوله إلى عسفان.

فنقول:

الخروج إلى العمرة:

وأول ما يواجهنا من ذلك هو دلالات هذا التحرك الجديد، الذي يدلنا على الأمور التالية:

1 ـ إن خروج النبي «صلى الله عليه وآله» محرماً، معظماً للبيت، زائراً له، من شأنه أن يطمئن أهل مكة، ومن حولها إلى أنه «صلى الله عليه وآله» لا يريد الحرب في تحركه هذا، وأن بإمكانهم أن يشعروا بالأمن من هذه الجهة.

ولكن ذلك لا يمنع من أن يعتبر هذا التحرك في الوقت ذاته تحدياً لزعماء الشرك، وإقداماً جريئاً، بل هو الغاية التي ما بعدها غاية في الجرأة.. على أمرٍ يستبطن كسر عنفوان الشرك، وهو يدل على شعور المسلمين بالقوة والعزة، إلى حد أنهم يقتحمون على عدوهم داره، ولا يخشونه.

2 ـ وفيه أيضاً تأكيد على حق الناس بمقدساتهم، وبممارسة عباداتهم بحرية تامة، وفق ما يعتقدونه وحسبما ثبت لهم.

3 ـ وفيه أيضاً إظهار لقريش على أنها باغية ومعتدية، وأنها لا تملك من المنطق والحجة ما يبرر لها ذلك، بل حجتها في هذا البغي هو ما تتوسل به من قوة وقهر، وما تمارسه من ظلم وعدوان..

4 ـ والأهم من ذلك هو كسر هيبة الشرك والمشركين، وقريش بالذات في المنطقة كلها، وإفساح المجال للناس للاعتقاد بأن بإمكانهم التفكير بعيداً عن الضغوط التي يمارسها عليهم الآخرون، وأن بإمكانهم أن يختلفوا مع قريش وأن يخالفوها إذا وجدوا الحق في خلافها.

5 ـ إن الناس حين يشعرون بقوة هذا الدين، فإنهم إن لم يتجرأوا على الدخول فيه، سوف تكون لهم الجرأة على الدخول في تحالفات معه، خصوصاً القبائل القريبة من المدينة، وسيتريثون كثيراً في اتخاذ قرار التحالف مع أعدائه، والدخول إلى جانبهم، في حروبهم ضده.

فائدة المنامات:

وقد ذكرت النصوص: أن النبي «صلى الله عليه وآله» رأى في المنام: أنه دخل مكة هو وأصحابه آمنين، محلقين رؤوسهم، مقصرين، وأنه دخل البيت، وأخذ مفتاحه، الخ..

وقد تحققت رؤيا الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» ولكن في عام آخر وقد أشار القرآن إلى ذلك حين قال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾.

كما أن في القرآن حديثاً عن الرؤيا وعن تأويلها، في أكثر من موضع. وذلك مثل: ما حكاه سبحانه عن رؤيا إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام: أنه يذبح ولده إسماعيل وتأويلها. ورؤيا يوسف أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر وتأويلها.

ومن المعلوم: أن رؤيا الأنبياء «عليهم السلام» هي طرائق الوحي الإلهي إليهم.

وتحدث القرآن الكريم أيضاً: عن رؤيا صاحبي السجن وتأويل يوسف الصديق «عليه السلام» لها.

ورؤيا عزيز مصر ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾.. ثم تأويل يوسف لهذه الرؤيا..

فالرؤيا وتأويلها، وارتباطها بالواقع الخارجي، أمر ثابت لا مرية فيه، ولا شبهة تعتريه إذا كانت رؤيا من نبي أو وصي، وقد تصدق وقد تكون أضغاث أحلام، إذا كانت من غيره.

نعم.. إن ذلك كله مما لا مجال لدفعه، ولا للنقاش فيه.. وفي النصوص القرآنية، والنبوية، وكذلك ما روي عن الأئمة الطاهرين «عليهم السلام»، الكثير مما يؤيده ويدل عليه..

وقد ذكروا: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان كثير الرؤيا. ولا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح([54]). وما ذلك إلا لأن الرؤيا هي من طرائق الوحي للأنبياء «عليهم السلام»، حسبما تقدم.

والرؤيا هي من وسائل هداية البشر، وتذكيرهم بالله، وهي رحمة إلهية لهم، ولأجل ذلك تجد أنه حتى الذي لا يبالي كثيراً بأمور دينه يحدثك عن أنه رأى النبي «صلى الله عليه وآله»، أو رأى أحد الأئمة الطاهرين «عليهم السلام»، أو رأى الجنة، أو النار، أو غير ذلك مما من شأنه أن يذكِّره بالله، وبالآخرة.

كما أن الكثير من هؤلاء يتأثرون بما يرونه فيتوب بعضهم إلى الله تعالى، ويؤوب إليه سبحانه، ويعيد النظر في حساباته.

وقد ورد في الأحاديث الشريفة ما يدل على ذلك أيضاً، فقد روي عن الإمام أبي جعفر «عليه السلام»: أن الرؤيا الصالحة من البشارات المقصودة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيَا..([55]).

وعن فائدة الرؤيا ودورها في هداية الناس، وفي تذكيرهم نقول:

روي عن الصادق «عليه السلام» أنه قال: «إذا كان العبد على معصية الله عز وجل، وأراد الله به خيراً، أراه في منامه رؤيا تروعه، فينزجر بها عن  تلك المعصية، وإن الرؤية جزء من سبعين جزءاً من النبوة»([56]).

لماذا الصدق والكذب في الرؤيا؟!:

ويدل على خصوصية التدبير الإلهي فيما يتعلق بارتباط الرؤيا بالواقع، وصدقها تارة، وعدم صدقها أخرى ما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال للمفضل:

«فكر يا مفضل في الأحلام، كيف دبر الأمر فيها!! فمزج صادقها بكاذبها؛ فإنها لو كانت كلها تصدق، لكان الناس كلهم أنبياء..

ولو كانت كلها تكذب لم يكن فيها منفعة، بل كانت فضلاً لا معنى له.

فصارت تصدق أحياناً، فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدى لها، أو مضرة يتحذر منها. وتكذب كثيراً، لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد»([57]).

إذا تم الإيمان رفعت الرؤيا:

وجاء في الحديث الذي ذكر قصة الحسن بن عبد الله، وأنه اهتدى على يد أبي الحسن موسى بن جعفر صلوات الله وسلامه عليه، قوله: «وكان قبل ذلك يرى الرؤيا الحسنة، وترى له، ثم انقطعت عنه الرؤيا. فرأى ليلة أبا عبد الله «عليه السلام» فيما يرى النائم؛ فشكى إليه انقطاع الرؤيا، فقال: لا تغتم، فإن المؤمن إذا رسخ في الإيمان رفع عنه الرؤيا»([58]).

وهذا يشير إلى أن الهداية إذا تمت لم يعد للرؤيا حاجة.

وهذا في غير ما يراه الأنبياء «عليهم السلام»، حيث إن رؤياهم صلوات الله وسلامه عليه من طرائق الوحي إليهم، حسبما أشرنا إليه.

سبب وضع الرؤيا:

عن الحسن بن عبد الرحمن، عن أبي الحسن «عليه السلام»، قال: إن الأحلام لم تكن فيما مضى من أول الخلق، وإنما حدثت.

فقلت: وما العلة في ذلك؟!

فقال: إن الله عز ذكره بعث رسولاً إلى أهل زمانه، فدعاهم إلى عبادة الله وطاعته.

فقالوا: إن فعلنا كذا، فما لنا؟! فوالله، ما أنت بأكثرنا مالاً، ولا بأعز عشيرة.

فقال: إن أطعتموني أدخلكم الله الجنة، وإن عصيتموني أدخلكم الله النار.

فقالوا: وما الجنة؟ وما النار؟!

فوصف لهم ذلك، فقالوا: متى نصير إلى ذلك؟!

فقال: إذا متم.

فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاماً ورفاتاً..

فازدادوا له تكذيباً، وبه استخفافاً.

فأحدث الله عز وجل فيهم الأحلام، فأتوه فأخبروه بما رأوا، وما أنكروا من ذلك.

فقال: إن الله عز وجل ذكره أراد أن يحتج عليكم بهذا. هكذا تكون أرواحكم إذا متم، وإن بليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتى تبعث الأبدان([59]).

وآخر كلمة نقولها هنا هي: أن الكثيرين ممن قد يظن ظان بأنهم قد عاشوا في بيئة الانحراف، ولم يصل إلى مسامعهم النداء الإلهي، ولم يكن هناك من يذكِّرهم بالله تعالى، ويخوِّفهم من عقابه، ويرشدهم إلى جزيل ثوابه، ويعرِّفهم على فواضل نعمائه، وبديع صنعه، وباهر آياته وآلائه.. ويلفت نظرهم إلى ألطافه ورحماته، ونعمه، وبركاته..

إن هؤلاء لا يمكن الجزم بأن الله تعالى لم يُرِهِم في منامهم، أو في يقظتهم، ما يرشدهم إليه، ويدلهم عليه.. فإن لله الحجة البالغة، والبراهين الساطعة، والآيات البينات، والدلالات الباهرات..

رؤيا رسول الله هي المحور:

ولسنا بحاجة إلى التأكيد على: أن من المعجزات الكبرى لرسول الله «صلى الله عليه وآله» هي رؤياه في مناسبة الحديبية، التي كانت هي الإطلاقة القوية، وهي العامل الأعمق تأثيراً في صناعة هذا الحدث الفريد، الذي غيَّر وجه التاريخ..

لقد بدأ النبي «صلى الله عليه وآله» كل إنجازه العظيم، وكل عملية التغيير بهذه الرؤيا، التي أثرت على روحيات أصحابه ومعنوياتهم، ونقلتهم إلى أجواء جديدة فيها الكثير من الصور الرائعة، التي باتت تراود خواطرهم، ويحتاج الربط فيما بينها إلى نظام علاقات تتبلور فيه خصائصها، وتنسجم فيه ميزاتها، وتتعانق ملامحها، وتتجاذب أطياف السعادة آفاقها الرحبة..

وهذه الرؤيا بالذات، وطريقة تداولها، هي التي أربكت حركة النفاق وفضحت المنافقين..

ووضعت إيمان أهل الإيمان على المحك، فنجح من نجح عن جدارة واستحقاق.

وأخفق من أخفق عن تقصير، وعن قلة تدبير، وخطل رأي، وخمول ضمير..

هذا بالإضافة إلى أن هذه الرؤيا قد جرَّت أهل الشرك والكفر إلى مزالق خطيرة، لم يحسبوا لها حساباً، ووضعتهم في مواقع الحيرة والتيه، حتى أظهر الله الحق، وأهل الحق. وفتح الله لنبيه فتحاً مبيناً، فتح به القلوب، وأزال كل رين وريب منها وعنها، وكشف عن الأبصار وعن البصائر كل الغشاوات، وبطلت الترهات، وفُضِحت الأضاليل، والأباطيل، وأسفر الصبح لذي عينين.

فكانت هذه الرؤيا ـ المعجزة ـ هي الحجة البالغة، والبرهان القاطع، والبلسم الشافي، ولله الحمد..

إستنفار العرب.. ومراسم السفر:

وعن الحركة العملية لرسول الله «صلى الله عليه وآله» نقول:

1 ـ إنهم يقولون: قد اغتسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبل الشروع في السفر، ولبس ثوبين، وركب راحلته من عند باب بيته..

ولعل هذه التصرفات التي لم تعهد منه في سائر أسفاره، هي للتأكيد على أن هذا السفر يختلف عن غيره مما سبقه، فهو سفر له حرمته، وله مراسمه الخاصة به، التي تتوافق مع حالة التعظيم والتقديس لبيت الله عز وجل، من حيث إنه يمهد لإطلالة على واحة من العبادات الروحية بما يناسبها من حركات، وتصرفات..

وقد ظهر من رؤياه التي أخبر بها أصحابه، ومن إعلانه لوجهة سيره، أن الهدف هو أداء مراسم العمرة، ما يؤكد هذه الحقيقة، ويزيل أي احتمال في أن تكون هناك أهداف قتالية، وعمليات حربية..

بل إن قوله في رؤياه: إنه يعرِّف مع المعرِّفين، أي أنه يحضر عرفة، دليل قاطع على أن المراد ليس هو العمرة، وإنما هو أداء مراسم الحج التي تتضمن الوقوف بعرفات. وليس في العمرة ذلك.

فإخباره لهم: أنه يريد العمرة دليل على أن هذا السفر ليس هو التعبير لتلك الرؤيا التي أخبرهم بها. فما معنى امتناعهم عن الإحلال حينما أمرهم بذلك؟! وما معنى استدلالهم عليه بتلك الرؤيا التي تضمنت إسقاط دعواهم هذه بصورة دقيقة وصريحة؟!

وقد أكد هذه الأجواء أنه «صلى الله عليه وآله» قد أحرم من ذي الحليفة، وصلى بالمسجد الذي بها ركعتين، وركب من باب المسجد هناك، وانبعثت به راحلته، وهو مستقبل القبلة، وأشعر البدن هناك وهي موجهات إلى القبلة، وقلدها، وكذلك فعل المسلمون معه.

فهذه الأجواء كلها تشير إلى أنه لا يريد حرب أحد، فإن المحرم لا يحارِب.

2 ـ وكل ذلك يجعل مشركي مكة أمام خيار صعب، ومحرج، فإن البيت للناس كلهم، وهؤلاء القوم قد جاؤوا لزيارة بيت ربهم، فكيف يمكن دفعهم عنه، فضلاً عن مواجهتهم بالحرب؟! بل كيف يمكن منعهم من تأدية مناسكهم، ولو من دون قتال؟!

إن ذلك سيفضح قريشاً بين العرب، وسوف يقلل من مستوى الثقة بها، وسيظهر المسلمين أنهم مظلومون وممنوعون من أبسط حقوقهم..

خصوصاً، وأن هذا الإجراء قد جاء في الأشهر الحرم التي يمنع القتال فيها، من كل أحد. وقد كانت قريش بالذات بحاجة إلى هذه الأشهر، من أجل مراجعة علاقاتها مع المحيط الذي تعيش فيه، ثم من أجل تجاراتها في موسم الحج، والتأكيد على ارتباطاتها، وعلاقاتها وتحالفاتها مع القبائل الوافدة.. ليكون لها بذلك بعض القوة في حربها مع محمد «صلى الله عليه وآله» الذي لم يزل يسجل عليها النصر تلو النصر، ولم تزل تخسر مواقعها لصالحه، وينحسر نفوذها عنها ليحتل رسول الله «صلى الله عليه وآله» مواقع هذا النفوذ، ولكن دون أن تتمكن من انتزاع تلك المواقع منه، لأنه يحتلها بالدين، وبالإيمان، ويكون التزام الناس معه من موقع التقديس له، والطاعة لله تعالى، لا لأجل المصالح الفردية، والفئوية، أو القبلية، ولا لغير ذلك من غايات دنيوية..

3 ـ والأمرُّ والأدهى بالنسبة لقريش: أنه «صلى الله عليه وآله» قد جاءها بجموع كثيرة من العباد، ومن مختلف القبائل، ومن كثير من البلاد، ليكونوا شهوداً على ما تمارسه من ظلم واضطهاد ليس ضد النبي «صلى الله عليه وآله» وحسب، وإنما ضد جميع الذين أتوا معه، لا لذنب أتوه إليها، بل لمجرد أنهم يقولون: ربنا الله..

عامل النبي على المدينة:

ويقولون: إنه «صلى الله عليه وآله» قد استعمل على المدينة ابن أم مكتوم.

وقيل: أبا رهم، كلثوم بن الحصين.

وقيل: نميلة بن عبد الله الليثي..

وقيل: استعمل ابن أم مكتوم وأبا رهم جميعاً، فكان ابن أم مكتوم على الصلاة، وكان أبو رهم حافظاً للمدينة([60]).

ونقول:

إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد استعمل ابن أم مكتوم على المدينة عدة مرات.. مع أن هذا الرجل كان ضريراً. فاختيار هذا الرجل الضرير بالذات يشير إلى أن كونه أعمى لا يسلب منه الأهلية للتصدي للأمور حتى الحساسة منها، إذا كان فقد بصره، أو ابتلاؤه بأية عاهة أخرى، لا يمنع من قيامه بما يوكل إليه من مهام. فما معنى تعطيل طاقاته، وهدر قدراته لأجلها؟!

وربما يزيد هذا الأمر وضوحاً إذا كان قد تصدى ابن أم مكتوم للصلاة وغيرها من شؤون الناس.. وأوكل أمر الحراسة والحفظ إلى أبي رهم، فإنه لا يشترط سلامة النظر في إمامة الجماعة، ولا في تقريب وجهات النظر لحل خلافات الناس..

أسلم وغفار، وسائر العرب:

والذي نلاحظه هنا: أنه «صلى الله عليه وآله» قد استنفر العرب، والأعراب حول المدينة بما فيهم أسلم وغفار، وجهينة، ومزينة..

وقد حدثنا عكرمة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ..([61]).

أن المراد بهذه الآية: جهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار([62]) وزاد بعض المفسرين مزينة([63]).

وهذا هو ما قاله المفسرون أيضاً، وزاد الثعالبي على هؤلاء: مزينة، وعصية، ولحيان([64])

فإذا كان النبي «صلى الله عليه وآله» قد دعا هذه القبـائـل وغيرهـا للمشاركة معه في سفره ذاك، فإن ذلك يستبطن رفع مستوى الأمن لسكان المدينة في مدة غيابه «صلى الله عليه وآله»، لأنه إذا كان لكل تلك القبائل جماعات تحت سمع وبصر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإن الذين يبقون في ديارهم منهم سوف لن يجرؤوا على مهاجمة المدينة، وهم يعلمون أن طائفة من قبيلتهم عند رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وتحرك المنافقين في غيابه «صلى الله عليه وآله» ليس بالأمر المستبعد ففي غزوة تبوك اضطر النبي «صلى الله عليه وآله» إلى أن يبقي علياً «عليه السلام» مكانه في المدينة خوفاً من أن يتحرك المنافقون في غيبته حركة خطيرة على مستوى الأمن العام للمدينة وأهلها..

هذا كله.. لو فرضنا: أن الذين رافقوا رسول الله «صلى الله عليه وآله» في عمرته تلك هم خصوص الخلَّص من مؤمني تلك القبائل، أو خليطاً منهم ومن المنافقين، أما إذا كان المنافقون هم الذين رافقوه «صلى الله عليه وآله» لأسباب، ومطامع معينة، فإن احتمالات مهاجمة الباقين الذين هم في الأكثر مؤمنون ستصبح ضئيلة، وبلا مبرر.

والنتيجة ـ على كلا الحالين ـ هي: أن هذا التدبير النبوي كان على درجة كبيرة من الأهمية، والواقعية.

وسيكون من يتولى المدينة في غياب رسول الله «صلى الله عليه وآله» غير مطالب بكثير من الجهد في الحراسة والحفظ..

لماذا تثاقل الأعراب عنه؟!

ذكرت النصوص: أن جماعات من الأعراب الذين كانوا حول المدينة، وكذلك غيرهم قد تثاقلوا عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، خشيةً من قريش أن يحاربوه، أو أن يصدوه عن البيت، كما صنعوا، وقالوا: أنذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فنقاتلهم؟!

واعتلُّوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم، وأنه ليس لهم من يقوم بذلك. فأنزل الله تعالى تكذيبهم في اعتذارهم هذا، فقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.. ([65]).

وذكرت النصوص أيضاً: أنه «صلى الله عليه وآله» سلك طريق البيداء، ومر فيما بين مكة والمدينة بالأعراب من بني بكر، ومزينة، وجهينة، فاستنفرهم فتشاغلوا بأموالهم، وقالوا فيما بينهم: يريد محمد يغزو بنا إلى قوم معدين في الكراع والسلاح، وإنما محمد وأصحابه أكلة جزور، لن يرجع محمد وأصحابه من سفرهم هذا أبداً، قوم لا سلاح معهم ولا عدد([66]).

ونقول:

1 ـ ظاهر كلامهم هذا: أنهم أناس يحبون أنفسهم، ويهتمون بمصالحهم، وأن إيمانهم ليس خالصاً، ولا صحيحاً، لأنهم قد اتخذوا قرارهم بعدم المسير مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» حين وجدوا أن أعداءه أقوياء إلى حد أنهم غزوه في عقر داره، وقتلوا أصحابه..

2 ـ إنهم قد صرحوا: بأن دعوة رسول الله «صلى الله عليه وآله» لهم للعمرة هي في واقعها دعوة لهم للمشاركة في الحرب.

3 ـ إنهم يريدون الإبقاء على خط الرجعة إلى التفاهم مع قريش، إن كانت هي المنتصرة في نهاية الأمر، مع كونهم آمنين جانب المسلمين لإظهارهم: أنهم على دينهم.

ولكن الله قد فضحهم بما أنزل من آيات تحكي قصتهم، وتشير إلى مكرهم هذا، وتدل عليه، لكي لا يظنوا أنهم قد خدعوا الله ورسوله، ولكنه سبحانه لم يوصل الأمور إلى نقطة اللاعودة، بل هو يبقي الباب مفتوحاً، والمجال مفسوحاً أمامهم لإعادة النظر في حساباتهم، مقدماً لهم بإخباراته الغيبية عما أسروه من تزوير وتدبير ماكر، الدليل المقنع لهم: بأن هذا النبي «صلى الله عليه وآله»، متصل بالله العالم بالسرائر، والواقف على ما في القلوب والضمائر، ليسهل عليهم أمر التوبة والعودة إليه.

عدد المسلمين:

قالوا: «وكان الناس سبع مائة رجل.

وقيل: كانوا أربع عشرة مائة.

وقيل: خمس عشرة.

وقيل: ست عشرة.

وقيل: كانوا ألفاً وثلاث مائة.

وقيل: وأربع مائة.

وقيل: وخمس مائة وخمسة وعشرين.

وقيل: ألف وسبع مائة.

وقيل: ألف وثمان مائة»([67]).

ونقول:

قد يقال: إن الرواية القائلة: إن الذين ساروا معه كانوا سبع مائة رجل هي الراجحة، فقد روى البخاري وغيره عن النبي «صلى الله عليه وآله» قوله: «اكتبوا لي كل من تلفظ بالإسلام، فكتب حذيفة بن اليمان له ألفاً وخمس مائة رجل».

وفي رواية: ونحن ما بين الست مائة إلى السبع مائة.

قال الدماميني: قيل: كان هذا عام الحديبية([68]).

وإنما رجحنا رواية السبع مائة، لأن المفروض: أن كثيراً من العرب وكذلك غيرهم من الأعراب حول المدينة، وكذلك جماعات من أهل المدينة أنفسهم، لم يسيروا معه «صلى الله عليه وآله» في وجهه ذاك، حسبما قدمناه..

مع ملاحظة: أن كثيرين ممن أسلموا كانوا في أرض الحبشة آنئذٍ.

ومع ضرورة إبقاء جماعة قادرة على حراسة المدينة في غيابه «صلى الله عليه وآله».

هل المدينة في خطر؟!

ويبقى أمام الباحث أمر هام, وهو أنه لا بد من اكتشاف العناصر الأساسية, التي من خلالها انطلق القرار النبوي بدعوة الناس إلى العمرة, والخروج من المدينة بمعظم العناصر القادرة على الحماية, والمؤثرة في حسابات القوة والضعف, حتى خلت المدينة أمام الطامعين والطامحين, والحاقدين والموتورين من قبائل الشرك في المنطقة..

وخلت أيضاً أمام يهود خيبر, الذين يبعدون عنها حوالي ثمانين ميلاً, والذين قد يقال: إنهم كانوا قادرين على دخول الحرب مع الإسلام والمسلمين بعشرة ألاف مقاتل, إن لم يكن من اليهود وحدهم, فمنهم ومن القبائل المتحالفة معهم في المنطقة..

واليهود من أشد الناس حقداً على الإسلام, بعد أن رأوا ما حل بإخوانهم بني النضير , وقينقاع, وقريظة..

فكيف أمكن أن يتخذ النبي «صلى الله عليه وآله» قراره بالخروج بأكثر المقاتلين إلى هذه المسافات البعيدة, وترك المدينة في هذا المحيط المعادي, الذي يتربص بها الدوائر؟!.

ولعلنا نستطيع أن نجيب على هذه التساؤلات على النحو التالي:

1 ـ أما بالنسبة لقبائل العرب المحيطة بالمدينة فإن السرايا الكثيرة التي حركها الرسول «صلى الله عليه وآله» قبل الحديبية مباشرة لضرب القوة المعادية, والمتآمرة والمتربصة بهم شراً قد حسمت الأمور مع هؤلاء الأعداء, بصورة تامة.. وقد أضعفتهم وشلت حركتهم من الناحية الاقتصادية.. وأرعبتهم, وأسقطت كبرياءهم، وجعلتهم يعيشون حالة اليأس من إمكانية النيل من هذه القوة الضاربة, وأدركوا أن التمادي في التصدي لها لا يفيد إلا تعريض أنفسهم للمزيد من النكبات, والبلايا، والرزايا.

فالرأي الصواب هو: أن ينأوا بأنفسهم عن التعرض لها، حتى حينما تخلو ربوعها من المقاتلين, لأن مهاجمتهم للمدينة سوف يصاحبه تعرضهم لمن تبقَّى فيها من النساء, والأطفال, وسبيهم, واستلاب أموالهم، ذلاً شاملاً، وعقاباً صارماً وحازماً, لا طاقة لأحد به، فقد عوَّدهم المسلمون: أنهم يلاحقون من يعتدي عليهم، وينزلون به القصاص العادل ولا يستطيع أن يفوتهم في كل زمان ومكان..

2 ـ وأما بالنسبة لليهود فالأمر لا يختلف عن ذلك أيضاً..

وقد جرب إخوانهم من بني النضير، وقينقاع وقريظة، نقض العهود، والتحدي والتعدي على المسلمين, فنزلت بهم الضربات الماحقة والساحقة, في مرات ثلاث، كانت كل واحدة أقسى عليهم من سابقتها..

ولا يزال يهود خيبر, وتيماء وغيرهما يعيشون الهلع من أن يكون مصيرهم هو نفس مصير أولئك.. وقد نبههم رسول الله «صلى الله عليه وآله» بصورة قوية وحاسمة حينما جربوا القيام بخطوات عملية تؤدي إلى توجيه ضرباتهم للمسلمين, فقد أنزل المسلمون ضربتهم القاضية بزعمائهم الغادرين, الذين تصدوا لهذا الأمر.. فقتلوا أبا رافع سلام بن أبي الحقيق وأسير بن رزام.. وغيرهما ممن تقدم الحديث عنهم في هذا الكتاب.

3 ـ ومن جهة أخرى, فإن التجارب قد أظهرت لهم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يترك لهم ولا لغيرهم ثغرة ينفذون منها تمكنهم من الإيقاع بالمسلمين بسهولـة, بـل هو يراعي أدق التفاصيـل, ولا يهمـل الاحتيـاط لأي طارئ.

وأظهرت الوقائع في بدر, وأُحد, والخندق وغيرها: كيف تحول ما كان يراه الناس يتعرض للبوار والدمار، والفناء المحتم, إلى نصر مؤزر، وفتح مبين، ومدهش.

من أجل ذلك كله: فإنهم كانوا غير مستعدين للمغامرة معه, بل لا بد من حساب الأمور بدقة, ولا بد لهم من رصد خططه «صلى الله عليه وآله», حتى لا تنتهي الأمور إلى مفاجآت ماحقة لهم..

كما أن عليهم أن يعرفوا: أن القوة الضاربة والمقاتلة لم يصبها أي وهن أو ضعف، بل هي لو عرفت أنهم قد اعتدوا على من خلَّفوه من نساء وأطفال وأموال، سوف يتضاعف اندفاعها وحماستها لإنزال أقسى الضربات بهم. وقد رأى الناس من هذا الجيش العجائب في الحالات العادية، فكيف إذا تطورت الأمور على هذا النحو المثير.

وذلك كله يوضح: أن لا خوف على المدينة من أحد في غياب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حتى لو استمرت غيبته شهراً، أو شهرين أو أكثر.. فلا معنى لخوف الأعراب، ولا معنى لأن يتصوروا أن محمداً وأصحابه اكلة جزور لقريش، وأنه لن يرجع هو وأصحابه من سفره هذا إلا إذا كان ثمة من يبث الشائعات، ويخوف الناس لمصلحة قريش.

حضور المنافقين في الحديبية:

لقد اعتقد كثير من المنافقين: أنه ليس من مصلحتهم أن يكونوا مع النبي «صلى الله عليه