الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

  

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2005 م. ـ 1426 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء السادس عشر

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الباب الثاني:

عهد الحديبية.. وقائع.. وآثار

الفصل الأول: بيعة الرضوان..

الفصل الثاني: عهد الحديبية: أحداث وتفاصيل..

الفصل الثالث: إدانة البريء..

الفصل الرابع: تبرئة المذنب..

الفصل الخامس: اللمسات الأخيرة..

الفصل السادس: عهد الحديبية.. نتائج وآثار

 

الفصل الأول:

بيعة الرضوان..

 

حديث البيعة:

قال الصالحي الشامي: لما بلغ رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن عثمان قد قتل، (وقتل معه العشرة الآخرون([1]))، دعا الناس إلى البيعة، وقال: «لا نبرح حتى نناجز القوم».

وأتى رسول الله «صلى الله عليه وآله» منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من الحديبية، فجلس في رحالهم تحت شجرة خضراء، ثم قال: «إن الله تعالى أمرني بالبيعة».

فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكوا، فما بقي لبني مازن متاع إلا وطئ، ثم لبسوا السلاح وهو معهم قليل.

وقامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به، فأخذته بيدها، وشدت سكيناً في وسطها.

وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سلمة بن الأكوع، والبيهقي عن عروة، وابن إسحاق عن الزهري، ومحمد بن عمر عن شيوخه، قال سلمة: بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله «صلى الله عليه وآله»:

«أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس، فاخرجوا على اسم الله».

قال سلمة: «فسرنا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه»([2]).

وفي صحيح مسلم عنه قال: فبايعته أول الناس..

ثم بايع، وبايع، حتى إذا كان في وسط من الناس قال: «بايع يا سلمة».

قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس([3]).

قال: «ورآني رسول الله «صلى الله عليه وآله» عزلاً، فأعطاني حجفة ـ أو درقة ـ.

ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: «ألا تبايعني يا سلمة»؟

قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس، وفي وسط الناس.

قال: «وأيضاً»، فبايعته الثالثة.

ثم قال لي: «يا سلمة أين حجفتك ـ أو درقتك ـ التي أعطيتك»؟

قال: قلت: يا رسول الله، لقيني عمي عامر عزلاً فأعطيته إياها.

قال: فضحك رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقال: إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيباً هو أحب إلي من نفسي([4]).

وفي صحيح البخاري عنه قال: بايعت رسول الله «صلى الله عليه وآله» تحت الشجرة.

قيل: على أي شيء كنتم تبايعون؟

قال: على الموت([5]).

وروى الطبراني عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عمر: أشهدت بيعة الرضوان مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟

قال: نعم.

قلت: فما كان عليه؟

قال: قميص من قطن، وجبة محشوة، ورداء وسيف، ورأيت النعمان بن مُقَرِّن المازني قائم على رأسه، قد رفع أغصان الشجرة عن رأسه يبايعونه.

وفي صحيح مسلم، عن جابر قال: بايعنا رسول الله «صلى الله عليه وآله» وعمر آخذ بيده، تحت شجرة ـ وهي سمرة ـ فبايعناه غير الجد بن قيس الأنصاري، اختفى تحت بطن بعيره.

وعند ابن إسحاق، عن جابر بن عبد الله: فكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته، قد خبا إليها، يستتر بها من الناس. بايعناه على ألا نفِرَّ، ولم نبايعه على الموت([6]).

وروى الطبراني عن ابن عمر، والبيهقي عن الشعبي، وابن منده عن زر بن حبيش قالوا: لما دعا رسول الله «صلى الله عليه وآله» الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي، فقال: ابسط يدك أبايعك.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «علام تبايعني»؟

قال: على ما في نفسك.

زاد ابن عمر: فقال النبي: وما في نفسي؟

قال: أضرب بسيفي بين يدك حتى يظهرك الله أو أقتل. فبايعه، وبايعه الناس على بيعة أبي سنان([7]).

وروى البيهقي عن أنس، وابن إسحاق عن ابن عمر، قال: لما أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» ببيعة الرضوان كان بعث عثمان رسولُ الله «صلى الله عليه وآله» إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «اللهم إن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله «صلى الله عليه وآله» لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم([8]).

وروى البخاري وابن مردويه عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟

قال: خمس عشرة مائة.

قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: أربع عشرة مائة.

قال: يرحمه الله توهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة([9]).

وروى الشيخان، وابن جرير عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلاثمائة، وكانت أسلم ثُمن المهاجرين([10]).

أفاد الواقدي: أن أسلم كانت في الحديبية مائة رجل.

وروى سعيد بن منصور والشيخان عن جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فقال لنا رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «أنتم خير أهل الأرض»([11]).

وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن جابر بن عبد الله، ومسلم عن أم مبشر: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»([12]).

فلما نظر سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص، ومن كان معهم من عيون قريش من سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتد رعبهم وخوفهم، وأسرعوا إلى القضية([13]).

 ثم أتى رسولَ الله «صلى الله عليه وآله»: «أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل»([14]).

أول من بايع:

وقالوا: إن أبا سنان الأسدي أول من بايع..

وقالوا: إن هذا هو الأشهر، وعليه الأكثر([15]).

ولكن نصاً آخر يقول: إن أولهم هو ولده سنان بن أبي سنان([16]).

ولعل هذا هو الصحيح، وذلك لأن أبا سنان نفسه قد مات في حصار بني قريظة، ودفن بمقبرتهم([17]).

وقيل: أول من بايع هو عبد الله بن عمر([18]).

وقيل: هو سلمة بن الأكوع([19]).

ولعل السبب في ظهور هذين القولين هو: أن ابن عمر قد بايع مرتين: مرة في أول الناس، ومرة في آخر الناس([20]).

كما أن سلمة بن الأكوع قد بايع ثلاث مرات: مرة في أول الناس، ومرة في وسط الناس، ومرة في آخر الناس([21]).

فظنوا، أن المراد بقوله: بايع أول الناس وآخر الناس: أنه لم يبايع النبي «صلى الله عليه وآله» أحد قبله.

مع أن المراد: أنه كان في أوائل المبايعين تارة، وفي أواخرهم أخرى.

لماذا تعددت بيعة ابن الأكوع؟!

وقد أثار طلب النبي «صلى الله عليه وآله» من سلمة بن الأكوع أن يكرر بيعته ثلاث مرات تساؤلاً حول سبب ذلك..

فادَّعى البعض: أن ذلك كان فضيلة لسلمة؛ لأنه «صلى الله عليه وآله» أراد أن يؤكد بيعته لعلمه بشجاعته، وعنايته بالإسلام، وشهرته في الثبات. بدليل ما وقع له في غزوة ذي قرد، بناء على تقدمها على ما هنا، أو تفرس فيه «صلى الله عليه وآله» ذلك، بناء على تأخرها([22]).

ونقول:

1 ـ قد أشرنا فيما سبق: إلى أن ما يذكرونه عنه في غزوة ذي قرد ظاهر الفساد، ولا يمكن تأييد صحته..

2 ـ ومع غض النظر عن ذلك نقول: لماذا لم تظهر لسلمة هذا أية مواقف أخرى في سائر المشاهد، بل هو قد فر مع الفارين، وأحجم مع المحجمين؟! وتلك هي غزوة حنين، وخيبر، وسواهما، شاهد صدق على ما نقول.

3 ـ لماذا لا يطلب النبي «صلى الله عليه وآله» تكرار البيعة من جميع من عرفوا بالشجاعة، مثل علي، والمقداد، وأبي دجانة و.. و..؟!

4 ـ إن الشجاعة لا تناسب طلب تجديد البيعة، بل تناسب إعطاء المناصب، وإطلاق الكلمات المادحة في حق ذلك الشجاع.. أما البيعة فهي أخذ عهد، وإبرام عقد يطلب الوفاء به..

5 ـ إن تجديد العهود، إنما يكون بهدف تأكيد الإلزام بها، والحمل على الالتزام بالوفاء , وهذا إنما يطلب ممن يظن فيه الغدر، ويتهم بالخيانة وعدم الوفاء..

فليكن طلب البيعة مرة بعد أخرى يهدف إلى التلويح بإمكانية صدور هذه الخيانة منه..

6 ـ ويمكن تأييد ذلك بما ظهر في نفس ذلك المجلس، حيث يذكرون: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد أعطى سلمة في المرة الثانية دَرَقَةً ـ أو جَحَفَةً ـ فما لبث أن أعطاها لغيره، ثم طلب منه البيعة الثالثة فبايعه، فسأله عن جحفته أو درقته التي أعطاه إياها آنفاً، فأخبره أنه أعطاها لعمه عامر([23]).

فلم يحتفظ بهذه الدرقة سوى هذا الوقت القصير.

مع أن المفروض هو: أن يبقيها عنده، كأعز ذكرى لديه، وأنفس شيء حصل عليه في حياته.

وإذا كان الصحابة يتبركون بفضل وضوء النبي «صلى الله عليه وآله»، وبشعره، وبعصاه، وبكل شيء يرتبط به، فما بال سلمة يزهد بهذه العطية السنية، ويعطيها لسواه، ولا تستقر معه دقائق معدودات؟!

ولو أردنا أن نحمل عمله هذا على إرادة الإيثار، وهو عمل سام ونبيل، يستحق فاعله التمجيد والتقدير. فإن هذا التوجيه لن يلقى قبولاً لدى أهل الدراية والمعرفة؛ لأنهم سوف يقولون لنا: إنه لا مجال للإيثار في أمور العبادة. وتقديس رسول الله، والتبرك بآثاره «صلى الله عليه وآله» هو من قبيل الصلاة، أو الحج، الذي لا يقبل الإيثار، إذ لا يمكن التخلي عن الصلاة لإيثار الغير بها فيصلي غيره ويترك هو الصلاة..

وقد قال البعض: إن من الممكن أن يكون رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد طلب البيعة أكثر من مرة من سلمة بعد أن أعطاه درقته، من أجل أن يزعزع ثقة المشركين الذين هم على رأيه، والدليل على ذلك: أنه لم يحتفظ بالدرقة ولو لوقت قصير لكي لا تكون علامة انسجام بينه وبين النبي «صلى الله عليه وآله»، وقد ضحك رسول الله «صلى الله عليه وآله» ليفهم سلمة أنه ـ أي الرسول «صلى الله عليه وآله» ـ عارف بسبب تخلصه من الدرقة.

هل بايعوه على الموت؟!

وقد اختلفوا في بيعة الرضوان، هل كانت على الموت، أو على عدم الفرار.. ([24]) أو أن المراد واحد، كما ذكره البعض([25])؟

ونقول:

إن البيعة على عدم الفرار ـ سواء أكانت هي نفسها البيعة على الفتح أم الشهادة ـ خلاف الحكمة والتدبير، وذلك لأنها تتضمن اتهاماً لأصحابه، بأنهم مظنة الفرار، من جهة..

وفيها أيضاً: إيحاء للعدو بأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» غير واثق بنصر أصحابه له، وأن عدم الثقة هذا قد بلغ حداً جعله يلجأ إلى أخذ المواثيق والعهود منهم بذلك، من جهة أخرى.

ومن شأن هذا أن يدفع الأعداء إلى أن يطمعوا بالنصر عليه «صلى الله عليه وآله»، وأن يفكروا بأن بذل المزيد من الجهد قد يعطي ثماراً طيبة لهم..

ومما يشهد على ما قلناه:

ما رووه: من أن أول من بايع هو سنان بن أبي سنان الأسدي، فقال للنبي «صلى الله عليه وآله»: أبايعك على ما في نفسك.

قال «صلى الله عليه وآله»: وما في نفسي؟!

قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، وصار الناس يبايعونه على ما بايعه عليه سنان([26]).

بيعة المنافقين في الحديبية:

قالوا: وقد بايع جميع الناس رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم يتخلف منهم أحد إلا الجد بن قيس.

قال: لكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته، يستتر بها من الناس.

وقد قيل: إنه كان يرمى بالنفاق. وقد نزل في حقه في غزوة تبوك من الآيات ما يدل على ذلك.

وكان الجد بن قيس سيد قومه بني سلمة ـ بكسر اللام ـ في الجاهلية.

ويقال: إن النبي «صلى الله عليه وآله» سوَّد عليهم بشر بن البراء بن معرور، وقيل: عمرو بن الجموح. ورجح ابن عبد البر الأول، ورووا شعراً يؤيد الثاني..

وذكروا: أن سبب ذلك هو: أنه كان يرمى بالبخل([27]).

ونشير هنا إلى أمرين:

الأول: أننا نرى: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يبادر إلى أمر كهذا بلا مبرر قوي، لا سيما وأنه يجر عداوات، ويخلق أحقاداً وخصومات، وينشئ عُقَداً تجاهه «صلى الله عليه وآله». ومجرد بخل إنسان مّا لا يكفي مبرراً للإقدام على أمر كهذا.. إلا إذا كان ذلك قد حصل قبل إظهار الجد بن قيس للإسلام، ولسنا بصدد تحقيق هذا الأمر..

الثاني: أن هذا النص يدل على: أن بقية المنافقين الحاضرين، ومنهم عبد الله بن أبي قد بايع وبايعوا أيضاً.. وقد كان ابن أُبي حاضراً بدليل:

1 ـ ما تقدم: من أنه كان حاضراً هو وجماعة من المنافقين، حين جاشت البئر بالماء، بسبب غرس سهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيها.. فقيل له في ذلك، فادَّعى: أنه رأى مثل هذا فيما سبق، واستغفر له «صلى الله عليه وآله» في هذه المناسبة.

2 ـ أن قريشاً بعثت إلى ابن سلول: إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل.

فقال له ابنه عبد الله: يا أبت أذكرك الله، أن لا تفضحنا في كل موطن. تطوف! ولم يطف رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

فأبى حينئذٍ وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وفي لفظ قال: إن لي في رسول الله أسوة حسنة.

فلما بلغ رسول الله «صلى الله عليه وآله» امتناعه رضي عنه، وأثنى عليه بذلك([28]).

حديث: «لا يدخل النار من شهد الحديبية» لا يصح:

وهذا يوضح لنا: عدم صحة الأحاديث التي تقول: لا يدخل النار من شهد بدراً، والحديبية، وأن الله غفر لأهل بدر والحديبية، ونحو ذلك([29]).

فإن المنافقين يدخلون النار بلا شك. وقد كانوا حاضرين في الحديبية، وقد بايع قسم منهم النبي «صلى الله عليه وآلـه» في الحديبيـة، وعلى رأسهم ـ حسب قولهم ـ عبد الله بن أبي، الذي يقول عنه أهل السنة: إنه كان رأس النفاق في زمن رسول الله «صلى الله عليه وآله».. وإن كنا نحتمل أن يكون ثمة تضخيم لدور ابن أبي، ومحاولة الإنحاء باللائمة عليه في كثير من الأمور، التي قد يكون بطلها الحقيقي شخصاً آخر يراد التستر عليه، أما ابن أُبي فهو ضحية هذه السياسة حين لا يكون له دور أساسي فيها، أو قد يكون بريئاً من أي دور فيها. ولسنا هنا بصدد تحقيق ذلك.

وظهر أيضاً عدم صحة حديث: أنتم اليوم خير أهل الأرض([30])، فإن المنافقين كانوا فيهم، ولم يكن المنافقون خير أهل الأرض قطعاً. إلا إن كان المراد: أنهم كذلك في ذلك اليوم بالنسبة للمعلنين بالشرك، والمظهرين العناد.

قال الحلبي: «قال ابن عبد البر (ره): ليس في غزواته «صلى الله عليه وآله» ما يعدل بدراً ويقرب منها إلا غزوة الحديبية.

والراجح: تقديم غزوة أحد على غزوة الحديبية، وأنها التي تلي بدراً في الفضيلة»([31]).

وقد ظهر: أنه كلام بلا مستند صحيح، فالأولى الإضراب، والإعراض عنه، والتوجه إلى ما هو أهم، ونفعه أعم.

بيعة النبي عن عثمان:

وقد ادعوا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد بايع عثمان، فوضع يده اليمنى على اليسرى، وقال: اللهم إن هذه عن عثمان، فإنه في حاجتك، وحاجة رسولك. أو نحو ذلك([32]).

ونقول:

إننا قد تحدثنا عن هذا الأمر في الجزء السابق، غير أننا نعود فنذكر القارئ بما يلي:

أولاً: إذا كانت بيعة الرضوان قد حصلت، لأنه بلغهم أن عثمان قد قتل، فكيف بايع النبي «صلى الله عليه وآله» عنه؟!.. أما وقد كان عثمان حياً، فإن سبب البيعة لا بد أن يكون شيئاً آخر وهو: حبس العشرة الذين دخلوا إلى مكة([33]).

أو محاولتهم قتل رسوله إليهم، أعني خراش بن أمية، بعد أن عقروا بعيره.

أو المناوشات التي جرت بينهم وبينه، حيث قتلوا أحد المسلمين.

أو محاولتهم انتهاز فرصة غفلة المسلمين لأسر بعضهم أو قتله، فأسر المسلمون منهم خمسين رجلاً تارة، واثني عشر رجلاً أخرى.

أو إصرار قريش على منعهم من العمرة وزيارة بيت الله..

أو أن جميع هذه الحوادث قد انضم بعضه إلى بعض ليصبح سبباً للدعوة إلى البيعة.

هذا كله، إن لم يكن من أسباب هذه البيعة أنه «صلى الله عليه وآله» أراد أن يلزم أناساً بها، بعد أن شعر أنهم يدبرون أمر خيانة خطيرة في الخفاء..

ثانياً: لماذا لم يبايع النبي «صلى الله عليه وآله» عن العشرة الذين أُخذوا في مكة جميعاً كما بايع عن عثمان؟!

مع أنهم يقولون: إنهم قد دخلوا في أمان عثمان أيضاً حسبما تقدم..

محاولة فاشلة:

وقد حاول بعضهم حل هذا الإشكال بادعاء: أن بيعة النبي «صلى الله عليه وآله» عن عثمان إنما كانت بعد مجيء الخبر بسلامة عثمان، أو أنه «صلى الله عليه وآله» قد علم بعدم صحة شائعة قتله([34]) فبايع عنه.

ويرد عليه: أنه إذا صح ذلك، فلا يبقى داع للدعوة إلى البيعة. كما أنها كلها مجرد احتمالات لا شاهد لها، ولا دليل يساعدها، بل هي محض تخرص ورجم بالغيب.

الرد على الشيعة:

قال الحلبي: «وبهذا يُرَدُّ على ما تمسك به بعض الشيعة في تفضيل علي كرم الله وجهه على عثمان (رض)، لأن علياً كان من جملة من بايع تحت الشجرة. وقد خوطبوا بقوله «صلى الله عليه وآله»: أنتم خير أهل الأرض، فإنه صريح في تفضيل أهل الشجرة على غيرهم.

وأيضاً علي حضر بدراً دون عثمان، وقد جاء مرفوعاً: لا يدخل النار من شهد بدراً والحديبية.

وحاصل الرد: أن النبي «صلى الله عليه وآله» بايع عن عثمان، مع الاعتذار عنه: بأنه في حاجة الله، وحاجة رسوله.

وخلف رسول الله «صلى الله عليه وآله» عثمان (رض) عن بدر لتمريض ابنته «صلى الله عليه وآله». وأسهم له، كما تقدم، فهو في حكم من حضرها.

على أنه سيأتي: أنه (رض) بايع تحت تلك الشجرة بعد مجيئه من مكة»([35]).

ونقول:

إن هذا الكلام كله لايصح أيضاً، وذلك لما يلي:

1 ـ إن القول المنسوب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أنتم خير أهل الأرض، مكذوب عليه، ولا يصح؛ لأن المنافقين كانوا من بينهم.

وهكذا يقال: بالنسبة لما رووه مرفوعاً: لا يدخل النار من شهد بدراً والحديبية..

2 ـ إن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يبايع عن عثمان حسبما تقدم؛ لأنهم يدَّعون: أن البيعة كانت لأجل ما أشيع من أن عثمان قد قتل..

3 ـ إن الله سبحانه لا يحتاج إلى شيء، فلا يصح القول بأن عثمان كان في حاجة الله تعالى..

إلا أن يكون المقصود: أنه كان في حاجة يريدها الله منه بالإرادة التشريعية، أو ما يقرب من هذا المعنى.

4 ـ حديث أن عثمان قد بايع النبي «صلى الله عليه وآله» بعد رجوعه من مكة تحت نفس الشجرة، التي كان المسلمون قد بايعوه «صلى الله عليه وآله» تحتها([36])، لا مجال للاطمينان إليه، فإن من البعيد أن يقصد النبي «صلى الله عليه وآله» تلك الشجرة بالذات لكي يجلس تحتها مرة أخرى، ثم يأتي عثمان ويبايعه.. ولا يوجد داع إلى ذلك..

وهذا أشبه بالتمثيل، وصناعة الأفلام..

ولو أن ذلك قد حصل لامتلأت الكتب في وصف الحادثة، ولكثر رواتها، والمتسابقون لبيان تفاصيلها وجزئياتها.. خصوصاً من محبي عثمان، ومن قومه من بني أمية..

5 ـ بالنسبة لقوله: إن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي خلف عثمان على ابنته ليمرضها، نقول:

ألف: إن الروايات قد صرحت: بأنه لم يكن مهتماً بمرضها، وبأن النبي «صلى الله عليه وآله» قد حرمه من النزول في قبرها، لأنه كان قد واقع في نفس ليلة وفاتها([37]) بصورة جعلته مستحقاً لهذا الحرمان.

وقد لاحظ ابن بطال هنا: أنه حين قال النبي «صلى الله عليه وآله»: أيكم لم يقارف الليلة أهله؟ سكت عثمان، ولم يقل: أنا، لأنه قارف ليلة ماتت بعض نسائه، ولم يشغله الهم بالمصيبة، وانقطاع صهره من النبي «صلى الله عليه وآله» عن المقارفة.

فتلطف النبي «صلى الله عليه وآله» في منعه من الدخول في قبر زوجته بغير تصريح([38]).

وقد علق العلامة الأميني «رحمه الله» على هذه الواقعة بكلام جيد، ذكر فيه: أن النبي «صلى الله عليه وآله» الداعي للستر على المؤمنين، والداعي للإغضاء عن العيوب، والناهي عن التجسس عما يقع في الخلوات ـ كما نص عليه كتاب الله ـ قد خرج عن سجيته، وعرَّض بعثمان هذا التعريض الذي فضحه، فلو أن ما فعله عثمان كان حلالاً له، لم يقدم «صلى الله عليه وآله» على ذلك في حقه..

وهذا معناه: أن ما فعله، كان أمراً بالغ الخطورة..

ونقول:

ربما يكون هذا الأمر العظيم الذي عجز التاريخ عن الإفصاح عنه هو: ما أشارت إليه بعض الروايات.

فقد روي في الكافي: أن رقية لما قتلها عثمان، وقف النبي «صلى الله عليه وآله» على قبرها، فرفع رأسه إلى السماء، فدمعت عيناه، وقال للناس: إني ذكرت هذه وما لقيت، فرققت لها، واستوهبتها من ضمة القبر([39]).

ولعل عائشة قد أشارت إلى ذلك أيضاً.

فقد روي: أن عثمان خطب فقال: ألست ختن النبي على ابنتيه؟!

فأجابته عائشة: بأنك كنت ختنه عليهما، ولكن كان منك فيهما ما قد علمت([40]).

6 ـ بالنسبة إلى إسهام النبي «صلى الله عليه وآله» لعثمان في بدر نقول:

ألف: إسهامه «صلى الله عليه وآله» لرجل في بعض الغزوات لا يجعل ذلك الذي أعطاه «صلى الله عليه وآله» من سهامها بحكم من حضر تلك الغزوة، بل إن ذلك كما قد يكون لأجل إظهار فضله، قد يكون أيضاً تأليفاً له على الإسلام، وإنما يعرف هذا من ذاك من خلال القرائن والدلالات الأخرى..

ولأجل ذلك نلاحظ: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أعطى غنائم بعض الغزوات للمؤلفة قلوبهم..

والحاصل:

أن القرائن تدل تارة: على أن الإسهام للشخص، وإعطاءه من الغنيمة تكريم، وإجلال، وإعلان بفضل أو بتفضيل من يسهم له، إذا كان ذلك الشخص يقوم بمهمات جلى في خدمة الدين، وفي الدفاع عنه..

وتدل تارة أخرى: على مجرد استحقاقه ذلك، من حيث إنه قد كان له نوع مشاركة في تلك الحرب.

وقد أعطى رسول الله «صلى الله عليه وآله» طلحة وسعيد بن زيد من الغنائم في بدر؛ لأنه «صلى الله عليه وآله» قد أرسلهما ليتجسسا له خبر العير، فرجعا إلى المدينة بعد خروجه «صلى الله عليه وآله» إلى بدر([41]).

وكذلك كان الحال: بالنسبة لجعفر بن أبي طالب، حيث روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» أنه قال: ضرب رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم بدر لجعفر بن أبي طالب بسهمه وأجره([42]).

وما ذلك إلا: لأن جعفراً صلوات الله وسلامه عليه قد هاجر إلى أرض الحبشة، نصرة لدين الله تعالى، وحفاظاً على المسلمين المستضعفين، وإلا، فقد كان بإمكانه أن لا يهاجر إلى تلك البلاد النائية، حيث الغربة عن الوطن والأهل، والأحبة، بين أناس يختلفون معه في اللغة، وفي العادات، وفي الدين، وفي كثير من الأمور الأخرى..

ب: لقد جاء في حديث مناشدة علي «عليه السلام» لأهل الشورى؛ وفيهم عثمان، وطلحة، والزبير، وغيرهم قوله: «أفيكم أحد كان له سهم في الحاضر، وسهم في الغائب؟

قالوا: لا»([43]).

وهو «عليه السلام» لم يغب إلا عن غزوة تبوك.

وقد ذكر الزمخشري في مناقب العشرة: أن النبي «صلى الله عليه وآله» حين قسم غنائم تبوك دفع لكل واحد منهم سهماً، ودفع لعلي «عليه السلام» سهمين. فاعترض عليه زائدة بن الأكوع، فأجابه النبي «صلى الله عليه وآله» بأن جبرائيل كان يقاتل في تبوك، وأنه هو الذي أمره أن يعطي علياً «عليه السلام» سهمين([44]).

وقد يقال: إن خطابه «عليه السلام» لأهل الشورى ناظر إلى هؤلاء الحاضرين في زمانه، وليس ناظراً إلى جعفر الذي كان قد استشهد في حياة النبي «صلى الله عليه وآله» ولا إلى أبي أمامة الذي لم يكن مع أولئك المخاطبين ولا نعرف تاريخ وفاته.

ج: إننا نشك في أن يكون قد تخلف عن بدر لأجل تمريض بنت (ربيبة) رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقد روي أيضاً: أن تخلفه كان لأجل أنه كان مريضاً بالجدري([45]).

د: إنه لو فعل النبي «صلى الله عليه وآله» ذلك لوجدنا كثيرين ممن تخلفوا عن بدر يعترضون ويطالبون بإعطائهم سهمهم أيضاً، كما أعطي عثمان.. وخصوصاً إذا كان بعضهم قد تخلف على مريض له.

بل إننا قد نجد الأصوات ترتفع حتى من الذين حضروا بدراً وقاتلوا، فإنهم سوف لا يرضون بإعطاء من لم يحضر، ولم يقاتل، إلا أن يعرفهم النبي «صلى الله عليه وآله» بوجود سبب معقول، ومقبول لهذا الإعطاء..

هـ: إن تخلف عثمان كان بنظر مشاهير الصحابة منقصة له، وكانوا يعيِّرونه بها، فلو كان النبي «صلى الله عليه وآله» قد ضرب له بسهمه وأجره لم يكن هناك محل لهذا التعيير.

فقد قال الوليد بن عقبة لعبد الرحمن بن عوف: ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟

فقال عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عينين ـ أي يوم أحد ـ ولم أتخلف يوم بدر، ولم أترك سنة عمر.

فخبر الوليد عثمان، فاعتذر عن تخلفه يوم بدر بتمريضه رقية([46]).

وبمثل ذلك اعتذر ابن عمر لذلك الذي كان يعترض على عثمان بذلك([47]).

ودخل رجل على سالم بن عبد الله، فطعن على عثمان بعين ما تقدم عن عبد الرحمن بن عوف([48]).

فلو أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان ضرب له بسهمه وأجره لم يكن معنى لتعيير كبار الصحابة له بذلك، وقد كان ابن عوف حاضراً في بدر، ولم يكن ما جرى فيها خافياً عليه.

كما أنه قد كان من المناسب: أن يعتذر هو بهذا الأمر، لا بتمريض رقية، فإنه أدحض لحجة المخالفين له..

و: إن ابن مسعود قد رد على سب عثمان له بقوله: «لست كذلك. ولكني صاحب رسـول الله «صلى الله عليه وآله» يوم بـدر، ويـوم بيعة الرضوان»([49]).

فقد أشار ابن مسعود إلى خصوص هذين الموضعين؛ لأن عثمان لم يحضرهما ـ أشار بذلك ـ ليرد بذلك عليه، لأنه كان قد تنقصه، ونال منه..

وذلك يدل: على أن عدم حضور عثمان لبيعة الرضوان يعد منقصة له، فلو أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان قد بايع عنه لكان ذلك من أعظم فضائله.

وهكذا يقال بالنسبة لتخلفه عن بدر حسبما أوضحناه..

الصحيح في القضية:

ولعل الصحيح في القضية هو: ما روي من أن أبا أمامة بن ثعلبة كان قد أجمع على الخروج إلى بدر، وكانت أمه مريضة، فأمره النبي «صلى الله عليه وآله» بالمقام على أمه، وضرب له بأجره وسهمه، فرجع «صلى الله عليه وآله» من بدر، وقد توفيت، فصلى على قبرها.

بل في بعض نصوص هذه الرواية: أن أبا أمامة تنازع مع أخي زوجته، أبي بردة بن نيار، حيث أراد منه أن يتخلف على أخته، وأراد منه أبو بردة أن يتخلف على زوجته فحسم النبي «صلى الله عليه وآله» الأمر، بأن أمر زوجها بالتخلف عليها([50]).

وأما صلاة النبي «صلى الله عليه وآله» على قبرها، فلعله لأنها دفنت من غير أن يصلي عليها أحد، وكان في نبشها لأجل الصلاة عليها هتك لها..

وعلينا أن لا ننسى أن هذا الإصرار من أبي أمامة على الخروج للجهاد، والسعي إلى إقناع أخي زوجته بالبقاء عند أخته، ثم اتخاذ الرسول نفسه «صلى الله عليه وآله» قرار إبقائه، يجعل الإسهام له من غنائم بدر أمراً مقبولاً لدى الصحابة، ولا يبرر لهم أي اعتراض على ذلك..

سؤال وجوابه:

ويبقى هنا سؤال، وهو: إذا كان عثمان غير مستحق لأن يسهم له في بدر؛ لأنه ارتكب في حق رقية أمراً عظيماً، حتى استحق التشهير به من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وحرمانه أمام كل الناس من الدخول إلى قبرها، وترجيحه «صلى الله عليه وآله» أن ينزل في قبرها رجل غريب، فلماذا لا يعاقبه على فعلته تلك؟!

ولماذا يزوجه النبي «صلى الله عليه وآله» أختها أم كلثوم؟!

ويجاب:

أولاً: إن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يعاقب الناس على جرائمهم ما لم تتوفر وسائل إثبات ذلك، ولم يكن يحق له أن يستند في عقوبتهم إلى الغيب الذي يصل إليه بالطرق غير العادية، أو من خلال علم الشاهدية..

ومن الواضح: أن عثمان لم يعترف بما فعل، ولا شهد عليه به الشهود.. ولكنه أعطى الانطباع بصدور هذا الأمر منه..

ثانياً: إن هذا الإشكال مبني على أن رقية وأم كلثوم، هما بنتا رسول الله «صلى الله عليه وآله» من خديجة.. وقد أثبتنا عدم صحة ذلك، وأنهما كانتا ربيبتيه «صلى الله عليه وآله».. فلم يكن «صلى الله عليه وآله» بالذي يتصدى لتزويج بنات الناس، إلا إذا ظهر: أنهن يردن منه ذلك، ويطلبن نصيحته ومشورته.

فلعل أم كلثوم هي التي أقدمت على هذا الأمر، ولم تطلب النصيحة منه «صلى الله عليه وآله». وليس ثمة ما يثبت: أنها كانت مطلعة على ما جرى لأختها مع عثمان..

دليل على موت الخضر:

قال الحلبي: «واستدل بقوله «صلى الله عليه وآله»: أنتم خير أهل الأرض على عدم حياة الخضر «عليه الصلاة والسلام» حينئذٍ، لأنه يلزم أن يكون غير النبي أفضل منه. وقد قامت الأدلة الواضحة على ثبوت نبوته، كما قاله الحافظ ابن حجر»([51]).

ونقول:

أولاً: بعد أن ثبت: أن المنافقين قد حضروا بيعة الرضوان، وبايعوا، وثبت أيضاً أن الحديث القائل: أنتم خير أهل الأرض لا تصح نسبته إلى النبي «صلى الله عليه وآله».. فلا يصح الاستدلال به على حياة الخضر، ولا على غير ذلك من أمور.

ثانياً: قولهم: إنه يلزم أن يكون غير النبي أفضل منه، فلا يصح تفضيل أهل الحديبية على الخضر، لا يصح.

إذ لا شك في أن بعض الأولياء والأئمة أفضل من بعض الأنبياء، فإن علياً «عليه السلام» كان أفضل من الأولين والآخرين، باستثناء نبينا الأعظم «صلى الله عليه وآله»..

والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، ومنها قوله «صلى الله عليه وآله» للسيدة فاطمة الزهراء «عليها السلام»: لولا علي لم يكن لفاطمة كفؤ آدم فمن دونه([52]).

حيث دل على أنه حتى أولو العزم من الأنبياء «عليهم السلام» ـ باستثناء نبينا «صلى الله عليه وآله» ـ لم يكونوا كفؤاً لها «عليها السلام»، وكان علي وحده الكفؤ، فهو إذن أرفع مقاماً من جميع الأنبياء.

بل ذلك يدل على أفضيلة الزهراء «عليها السلام» عليهم أيضاً، وذلك ظاهر..

هل أسلم ابن عمر قبل أبيه؟!

وفي البخاري وغيره، عن نافع: أن ابن عمر أسلم قبل أبيه، وليس كذلك. ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، يأتي به ليقاتل عليه. ورسول الله «صلى الله عليه وآله» يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وهو يستلئم للقتال، فأخبره: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يبايع تحت الشجرة.

قال: فانطلق. فذهب معه حتى بايع الرسول «صلى الله عليه وآله»..

فهي التي يتحدث الناس: أن ابن عمر أسلم قبل عمر([53]).

وفي البخاري أيضاً: عن نافع، عن ابن عمر: أن الناس كانوا مع النبي «صلى الله عليه وآله»، يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي «صلى الله عليه وآله»، فقال عمر: يا عبد الله، انظر ما شأن الناس أحدقوا برسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

فذهب، فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر، فخرج، فبايع([54]).

ونقول:

إن ذلك لا يصح، وذلك لما يلي:

1 ـ روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سلمة بن الأكوع والبيهقي، عن عروة وابن إسحاق عن الزهري ومحمد بن عمر عن شيوخه، قال سلمة: بينا نحن قائلون إذا نادى منادي رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أيها الناس، البيعة، البيعة الخ.. ([55]).

وذكر الحلبي: أن المنادي هو عمر بن الخطاب([56]).

2 ـ لا ندري كيف أصبحت كلمة أسلم قبل عمر بمعنى: بايع قبل عمر، فإن ذلك من بدائع اللغة العربية؟!

3 ـ إن التناقضات بين الروايتين المتقدمتين عن البخاري: ظاهرة، ولا حاجة إلى بيانها، مع أنها واردة في الكتب التي يدَّعون صحة جميع مروياتها.

4 ـ إنه إذا كان هناك منادٍ قد نادى بالناس: البيعة البيعة، فكيف لم يعلم عمر بأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يبايع حتى أخبره ولده عبد الله، أو حتى رأى الناس محدقين بالرسول «صلى الله عليه وآله» حسبما تقدم؟!

لا توقدوا ناراً بالليل:

عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم الحديبية، قال لنا رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «لا توقدوا ناراً بالليل».

فلما كان بعد ذلك قال: «أوقدوا، واصطنعوا، فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم، ولا مدكم»([57]).

وهذا التوجيه النبوي الشريف ظاهر المأخذ: فإن مرحلة ما بعد الحديبية، قد اختلفت كثيراً عن المرحلة التي سبقتها، فإنه لم يعد ثمة من حاجة إلى التخفي في أي مسير يقوم به الجيش الإسلامي في أي اتجاه.

بل أصبح إيقاد النيران للجيش الإسلامي يرعب العدو أكثر من أي شيء آخر..

ولم يعد هناك أي شيء من شأنه أن يفتح له باب التفكير بتسديد أي ضربة موجعة لذلك الجيش، لأنه يرى أنه لم يعد له حيلة فيه، وليس من مصلحته الاحتكاك به، بل المصلحة كل المصلحة تكمن في الابتعاد عنه، وإخلاء كل المحيط له.

وهذا هو أحد المظاهر التي تُجَسِّدُ صدق قول رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن هذا الصلح: إنه أعظم الفتح.

وظهر بذلك أيضاً مصداق قوله تعالى في مناسبة هذا الصلح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً([58]).

عمر يقطع شجرة بيعة الرضوان:

إن هناك مفارقات ظاهرة بين آراء وتصرفات عمر بن الخطاب وبين ما هو ثابت عن النبي «صلى الله عليه وآله»، وعن الصحابة. بل هناك مفارقات بين تصرفات عمر بالذات.

فهو من جهة يتوسل إلى الله في الاستسقاء بالعباس عم رسول الله «صلى الله عليه وآله»([59])، ويقبِّل الحجر الأسود؛ لأنه رأى النبي «صلى الله عليه وآله» يقبِّله([60]).

وهو يرى: أن الصحابة يتبركون بفضل وضوء الرسول «صلى الله عليه وآله» وبشعره، وعرقه، وببصاقه، وبكل شيء يرجع إليه.

ويشاهد بأم عينيه ما فعله «صلى الله عليه وآله» حين بصق وغرس السهم في البئر التي في الحديبية، بالإضافة إلى عشرات الموارد التي يشاهدها هو والمسلمون طيلة حياتهم معه «صلى الله عليه وآله» وعدة سنين بعدها فضلاً عن تبركهم بقبره الشريف وبغير ذلك([61]).

ولكنه من جهة أخرى ـ على رغم ذلك كله ـ لا يطيق في أيام خلافته رؤية المسلمين يتعاهدون شجرة بيعة الرضوان، ويصلُّون عندها.

فقد روي عن نافع قال: بلغ عمر بن الخطاب: أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فيصلون عندها، فتوعدهم. ثم أمر فقطعت([62]).

والظاهر: أن موضعها بقي معلوماً، أو أن بقية منها كانت ظاهرة للناس فكانوا يقصدونها للصلاة عندها أيضاً، فحاول سعيد بن المسيب أن يشكك الناس في موضعها، تأييداً منه لما فعله عمر بن الخطاب.

فقد روي عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجاً، فمررت بقوم يصلُّون، فقلت: ما هذا؟!

قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله «صلى الله عليه وآله» بيعة الرضوان.

فأتيت سعيد بن المسيب، فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي: أنه كان فيمن بايع رسول الله «صلى الله عليه وآله» تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها..

فقال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها، وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم؟! ([63]).

ونقول نحن لسعيد: لعل أباك وبعض رفقائه نسوا ذلك المكان، فلم يقدروا عليه، وربما يكون نسيانهم هذا لأسباب مختلفة، ولكن هذا لا يعني أن يكون سائر الصحابة وعددهم ألف وأربع مائة أو أكثر قد نسوا كلهم ذلك المكان أيضاً.. إلا أن تكون هذه الأمة هي أغبى الأمم، وأشدها تغفيلاً!!

وفي حديث نافع الآخر: أنه خرج قوم من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعد ذلك بأعوام، فما عرف أحد منهم الشجرة، واختلفوا فيها.

قال ابن عمر: كانت رحمة من الله..

وهذا الحديث: قد يكون هو نفس الحديث المتقدم عن طارق وسعيد بن المسيب (لكنه بدَّل كلمة: «من العام المقبل» بكلمة: «بعد ذلك بأعوام»).

وحتى لو كان حديثاً عن جماعة أخرى، فالجواب عنه هو الجواب المتقدم عن حديث طارق أيضاً، فإن نسيان جماعة للمكان لبعض الأسباب، لا يلازم نسيان غيرهم له أيضاً.. ولعلهم قد خرجوا بعد أن أمر عمر بن الخطاب بقطعها([64])، فقطعت ولم يعلموا بقطعها، فبحثوا عنها، فلم يجدوها..

واللافت: أن عمر بن الخطاب قد أجرى امتحاناً للصحابة، وذلك حين مر بذلك المكان بعد ذهاب الشجرة (أي بعد أن أمر بقطعها) فقال: أين كانت؟

فجعل بعضهم يقول: ههنا.

وبعضهم يقول: هنا.

فلما كثر اختلافهم قال: سيروا، قد ذهبت الشجرة([65]).

وأما قول ابن عمر: «كانت رحمة من الله».

فإن كان يقصد به: أن الشجرة كانت رحمة من الله، فهو صحيح، لأن عبادة الله تعالى عندها من موجبات رحمته سبحانه..

وأما إن كان يقصد: أن قطعها كان رحمة من الله، فهو لا يتلاءم مع تبرك الصحابة بآثار النبي ولا مع تبركه «صلى الله عليه وآله» بعلي «عليه السلام» وبالحجر الأسود، وبغير ذلك.

بل قد يقال: إن ذلك لا يتلاءم مع ما كان يفعل ابن عمر نفسه حيث رووا عنه: أنه كان يتتبع آثار رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والمواضع التي صلى فيها، فيصلي فيها.

بل يذكرون: أنه كان يتتبع مواطئ قدمه «صلى الله عليه وآله» أيضاً.

إلا أن يقال: إنه لم يرد عن النبي «صلى الله عليه وآله» أنه قد صلى تحت تلك الشجرة، لكي يقتدي به ابن عمر ويصلي تحتها أيضاً..

وعلى كل حال: فقد عرفنا في ابن عمر تأثره الشديد لخطى أبيه، والالتزام بأوامره ونواهيه بصورة لافتة، ولعل هذا من ذاك.

مع أن اتباعه لرسول الله «صلى الله عليه وآله» ولصحابته في التبرك بآثاره، كان هو الأحرى به، والأولى..

 

 

الفصل الثاني:

 

عهد الحديبية: أحداث وتفاصيل

 

تقديم:

فإن هدنة الحديبية كانت فاتحة عهد جديد، له خصوصياته، وكانت له آثاره العميقة في التحولات الكبيرة والعامة، التي أكدت الحاجة إلى طاقات، وإمكانات، وكذلك إلى وسائل، ثم إلى سياسات ومواقف من نوع آخر غير ما كان الواقع يحتاجه في الظروف وفي الفترة التي سبقت الحديبية.

وإن سير الأحداث التي تلت هذا الصلح يظهر هذه الحقيقة. ويفرض على الباحث رؤية جديدة من شأنها أن توفر له فهماً أعمق، وأوضح لتلك الأحداث..

وقد يكون التوفر على هذا الأمر، والالتفات إلى ما يلزم الالتفات إليه يحتاج إلى تضافر جهود، وإلى إثارة أجواء من البحث، والمناظرة حول ذلك كله، وذلك من أجل إعطاء الرؤى كلها فرصتها لتتلاقى وتتكامل مع بعضها، ولربما ينالها المزيد من التقليم والتطعيم، وتصبح أكثر غنى باللفتات واللمحات، التي تجعل نتائج البحث أكثر عمقاً، وملاءمة للواقع، وأشد صفاءً ونقاءً..

ولكن ذلك وإن لم يكن متوفراً في مثل هذا الحال، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله، أو جله.

فإن المهم هو: أن تبدأ مسيرة الألف ميل ولو بخطوة واحدة.

فها نحن نبدأ هذه المسيرة ولتكن هذه هي الخطوة الأولى، وعلى الله نتوكل ومنه نستمد العون والقوة، ونستنزل الصبر والتأييد والتسديد، إنه ولي قدير..

عهد الحديبية :

قال الصالحي الشامي: روى ابن إسحاق وأبو عبيد، وعبد الرزاق، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه، ومحمد بن عمر، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، والشيخان، عن سهيل بن حنيف: أن عثمان لما قدم من مكة، هو ومن معه، رجع سهيل بن عمرو، وحويطب، ومكرز إلى قريش، فأخبروهم بما رأوا من سرعة أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله» إلى البيعة، وتشميرهم إلى الحرب فاشتد رعبهم.

فقال أهل الرأي منهم: ليس خير من أن نصالح محمداً على أن ينصرف عنا عامه هذا، ولا يخلص إلى البيت، حتى يسمع من سمع بمسيره من العرب أنَّا قد صددناه، ويرجع قابلاً، فيقيم ثلاثاً، وينحر هديه، وينصرف، ويقيم ببلدنا، ولا يدخل علينا. فأجمعوا على ذلك..

فلما أجمعت قريش على الصلح والموادعة بعثوا سهيل بن عمرو، وحويطب ومكرزاً، وقالوا لسهيل: ائت محمداً فصالحه، وليكن في صلحك: ألا يدخل عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخل علينا عنوة.

فأتى سهيل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فلما رآه «صلى الله عليه وآله» قال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا»([66]).

وفي لفظ: فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «سهل أمركم».

وجلس رسول الله «صلى الله عليه وآله» متربعاً، وكان عباد بن بشر، وسلمة بن أسلم بن حريش على رأسه ـ وهما مقنعان في الحديد ـ.

فبرك سهيل على ركبتيه، فكلم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأطال الكلام وتراجعا، وارتفعت الأصوات وانخفضت.

وقال عباد بن بشر لسهيل: اخفض من صوتك عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والمسلمون حول رسول الله «صلى الله عليه وآله» جلوس، فجرى بين النبي «صلى الله عليه وآله» وبين سهيل القول حتى وقع الصلح على:

1 ـ أن توضع الحرب بينهما عشر سنين.

2 ـ أن يأمن الناس بعضهم بعضاً.

3 ـ أن يرجع رسول الله «صلى الله عليه وآله» عامه هذا، فإذا كان العام المقبل قدمها، فخلُّوا بينه وبين مكة، فأقام فيها ثلاثاً.

4 ـ ألا يدخلها إلا بسلاح الراكب، والسيوف في القرب، لا يدخلها بغيره.

5 ـ أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه ـ وإن كان على دين محمد ـ رده إلى وليه.

6 ـ من أتى قريشاً ممن اتبع محمداً لم يردوه عليه.

7 ـ وأن بينهم وبين رسول الله «صلى الله عليه وآله» عيبة مكفوفة.

8 ـ أنه لا إسلال([67]).

9 ـ ولا إغلال([68]).

10 ـ أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل.

وقد أضافت بعض المصادر إلى المواد العشر المتقدمة ما يلي:

11 ـ أنه من قدم مكة من أصحاب محمد «صلى الله عليه وآله» حاجاً, أو معتمراً, أو يبتغي من فضل الله, فهو آمن على دمه وماله..

ومن قدم المدينة من قريش مجتازاً إلى مصر, وإلى الشام, يبتغي من فضل الله, فهو آمن على دمه وماله([69]).

12 ـ أن يخلوا له مكة من قابل ثلاثة أيام, وتخرج قريش كلها من مكة, إلا رجل واحد منها, يخلفونه مع محمد «صلى الله عليه وآله» وأصحابه([70]).

13 ـ وأن لا يخرج من أهلها بأحد، إن أراد أن يتبعه.

14 ـ وأن لا يمنع أحداً من أصحابه، إن أراد أن يقيم بها([71]).

15 ـ وأن يكون الإسلام ظاهراً بمكة، لا يكره أحد على دينه، ولا يؤذى، ولا يعير([72]).

وجاء في آخر العهد: «شهد أبو بكر بن أبي قحافة و.. و.. وكتب علي بن أبي طالب» ([73]).

فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم.

فكره المسلمون هذه الشروط، وامتعضوا منها، وأبى سهيل إلا ذلك، فلما اصطلحوا، ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» فقال: يا رسول الله، ألست نبي الله حقاً؟

قال: بلى.

قال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟

قال: بلى.

قال: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟

قال: بلى.

قال: علام نعطي الدنية في ديننا؟ ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم؟

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «إني عبد الله، ورسوله، ولست أعصيه، ولن يضيعني، وهو ناصري».

قال: أوليس أنت تحدثنا أنَّا سنأتي البيت فنطوف حقاً؟

قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟

قال: لا.

قال: «فإنك آتيه ومطوف به».

فذهب عمر إلى أبي بكر متغيظاً ولم يصبر، فقال: يا أبا بكر: أليس هذا نبي الله حقاً؟

قال: بلى.

قال: ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟

قال: بلى.

قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم؟

قال: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق.

وفي لفظ: فإنه رسول الله.

فقال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.

قال: أوليس كان يحدثنا: أنه سنأتي البيت ونطوف به؟

قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟

قال: لا.

قال: فإنك آتيه ومطوِّف به.

فلقي عمر من هذه الشروط أمراً عظيماً»([74]).

وقال كما في الصحيح: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذٍ، وجعل يرد على رسول الله «صلى الله عليه وآله» الكلام.

فقال أبو عبيدة بن الجراح: ألا تسمع يا بن الخطاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول ما يقول، تعوذ بالله من الشيطان، واتهم رأيك.

قال عمر: فجعلت أتعوذ بالله من الشيطان حياءً، فما أصابني شيء قط مثل ذلك اليوم، وعملت بذلك أعمالاً ـ أي صالحة ـ لتكفر عني ما مضى من التوقف في امتثال الأمر ابتداءً، كما عند ابن إسحاق، وابن عمر الأسلمي.

قال عمر: فما زلت أتصدق، وأصوم، وأصلي، وأعتق من الذي صنعت يومئذٍ، مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيراً.

وروى البزار عن عمر بن الخطاب، قال: اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أردُّ أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» برأيي، وما ألوت على الحق.

قال: فرضي رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأبيت، حتى قال: «يا عمر تراني رضيت وتأبى»؟!([75]).

فقال سهيل: هات، اكتب بيننا وبينك كتاباً. فدعا رسول الله «صلى الله عليه وآله» علياً ـ كما في حديث البراء عند البخاري في كتاب الصلح وكتاب الجزية، ورواه إسحاق بن راهويه من حديث المسور ومروان، وأحمد، والنسائي، والبيهقي والحاكم ـ وصححه عن عبد الله بن مغفل.

فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «اكتب: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».

فقال سهيل: أما الرحمن الرحيم فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب. اكتب في قضيتنا ما نعرف.

فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

فقال النبي «صلى الله عليه وآله»: «اكتب: باسمك اللهم»

ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، اكتب في قضيتنا ما نعرف، اكتب محمد بن عبد الله.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» لعلي: امحه، فقال علي «عليه السلام»: ما أنا بالذي «أمحاه»، وفي لفظ «أمحاك».

وفي حديث محمد بن كعب القرظي: فجعل علي يتلكأ، وأبى أن يكتب إلا محمد رسول الله، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: اكتب، فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد([76]). انتهى.

وذكر محمد بن عمر: أن أسيد بن الحضير، وسعد بن عبادة أخذا بيد علي ومنعاه أن يكتب إلا: «محمد رسول الله»، وإلا فالسيف بيننا وبينهم.

فارتفعت الأصوات، فجعل رسول الله «صلى الله عليه وآله» يخفضهم، ويومئ بيده إليهم: اسكتوا.

فقال: أرنيه، فأراه إياه، فمحاه رسول الله «صلى الله عليه وآله» بيده، وقال: اكتب محمد بن عبد الله.

قال الزهري: وذلك لقوله «صلى الله عليه وآله»: لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» لسهيل: على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف.

فقال سهيل: لا والله، لا تحدث العرب أنَّا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل، فكتب.

 

فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا أحد بغير إذن وليه، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا.

فقال المسلمون: سبحان الله، أيكتب هذا؟ كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً» ([77]).

ونقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات للتوضيح، أو للتصحيح، وهي التالية:

الاصطفاف للقتال، واللواء مع علي ×:

قال الشيخ المفيد «رحمه الله»: «..ثم تلا بني المصطلق الحديبية، وكان اللواء يومئذٍ إلى أمير المؤمنين «عليه السلام»، كما كان في المشاهد كلها. وكان من بلائه في ذلك اليوم عند صف القوم في الحرب للقتال، ما ظهر خبره، واستفاض ذكره. وذلك بعد البيعة التي أخذها النبي «صلى الله عليه وآله» على أصحابه، والعهود عليهم في الصبر»([78]).

ونقول:

إن كتب التاريخ التي بين أيدينا قد عجزت عن الجهر بما فعله علي «عليه السلام» حين صف القوم في الحرب للقتال.. مع أن ذلك كان قد ظهر خبره، واستفاض ذكره..

فهل كان أسر الخمسين على يد علي بن أبي طالب «عليه السلام»، وليس على يد محمد بن مسلمة؟

وهل كان أسر الاثني عشر الآخرين على يد علي «عليه السلام» دون سواه؟ وكان ذلك في ساحة الحرب، حيث رفعت فيها الألوية، واصطف فيها الناس للقتال، وكان اللواء مع علي «عليه السلام» كما هو في سائر المشاهد، ثم أخفى ذلك الحاقدون، وقللوا من شأنه، وجعلوه مجرد مناوشات يسيرة لا أهمية لها.. مع أنها هي التي أرعبت قريشاً، وأرغمتها على الصلح، ولما «رأى سهيل بن عمرو توجه الأمر عليهم، ضرع إلى النبي «عليه السلام» في الصلح، ونزل عليه الوحي بالإجابة إلى ذلك..» حسبما رواه الشيخ المفيد «رحمه الله»([79]).

قريش في مأزق:

 لقد وجدت قريش نفسها أمام خيارات صعبة, لا تستطيع أن تتجرع مرارة أي واحد منها, والخيارات هي التالية:

1 ـ أن تمنع المسلمين من دخول مكة, حتى لو أدى ذلك إلى حرب شعواء. وهذا خيار صعب, من نواح عديدة..

إحداها: أنها تخشى أن تدور الدوائر في هذه الحرب عليها.

الثانية: أن العرب يرون: أن مكة والبيت ليسا ملكاً لقريش, وإنما هي تقوم بمهمة سدانة البيت, وتسهيل أمر زيارته.. وليس لها أن تمنع أحداً جاء للحج أو العمرة وزيارة البيت من الوصول إليه..

فإن فعلت ذلك, فسوف تواجه النقد الشديد, والرفض الأكيد حتى من حلفائها, وربما تنتهي الأمور إلى حدوث انقسامات خطيرة فيما بينها وقد حصل ذلك بالفعل، كما أظهرته الوقائع..

2 ـ أن تسمح قريش للمسلمين بدخول مكة.. وفي هذا ما فيه أيضاً: من كسر لهيبتها، ومن اعتراف بحق المسلمين بهذا الأمر, بعد أن كانت تصورهم للناس على أنهم جناة، وعتاة، وقطاع طرق, ومفسدون في الأرض..

ومن أنها لا تأمن من حدوث مفاجآت تجعل الأمور أكثر تعقيداً، كما لو حصل اعتداء من قبل سفهائها على بعض الوافدين، ثأراً لآبائهم وإخوانهم الذين قتلوا في بدر، وأحد, والخندق.. وربما تتطور الأمور إلى ما هو أعظم وأدهى.

3 ـ أن ترجعه «صلى الله عليه وآله» في هذا العام, وترضى بأن تبذل له من الشروط ما يرضيه، ولكن هذا الاحتمال الأخير يجعل المبادرة بيد رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو عارف بما يريد, ويعرف سبل الوصول إليه، والحصول عليه، وهكذا كان..

رعب قريش وضراعتها في الصلح:

وقد صرحت النصوص: أنه قد زاد من رعب قريش ما رأته من سرعة أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله» إلى البيعة، وتشميرهم إلى الحرب([80]).

ونستطيع أن نقول: إن قريشاً كانت بين نارين:

فهي من جهة ترى: أن دخول النبي «صلى الله عليه وآله» إلى مكة على هذا النحو، سيكون بالنسبة لها ذلاً شاملاً، وضعفاً بارزاً، بين العرب.

وترى من جهة أخرى: أنها لا قدرة لها على الحرب، لأسباب مختلفة، فهي:

1 ـ تعاني من ضائقة اقتصادية شديدة، والحرب تحتاج إلى نفقات، وتضيِّع عليها استثمار موسم الحج في ذلك العام، وكان هذا الموسم على الأبواب.

2 ـ إن الناس قد ملوا الحرب وملتهم، وقتل كثير من رجالهم. ونشأت من ذلك اختلالات في العلاقات الاجتماعية، ومشكلات أسرية وقبلية. ونحو ذلك..

3 ـ قد تقدم: أن سيد الأحابيش قد خالفهم في هذا الأمر، وتهددهم، وفارقهم وكذلك الحال بالنسبة لعمرو بن مسعود، ومن معه من ثقيف.

4 ـ إن خزاعة أيضاً كانت عيبة نصح لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، مسلمهم وكافرهم. وهي تعيش في مكة مع قريش..

5 ـ إن الإسلام قد فشا فيما بين قبائل قريش، وأصبحت كل قبيلة تحتفظ بطائفة من أبنائها في القيود والسلاسل والسجون..

6 ـ إن المعركة لن تكون من الناحية العسكرية في صالح قريش، وهي معركة رأوا: أنها ستكون في غاية الحدة والشراسة، وأنها تحمل معها المزيد من الخسائر في الأموال والأنفس. ومما يزيد في تضاؤل فرص النجاح لقريش ما رآه مبعوثهم من انقياد وخضوع، وتفان ظاهر للمسلمين في خدمة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإطاعة أوامره.

7 ـ وقد أكدت بيعة الرضوان لقريش: أن الأمور في غير صالحها، فإن الالتزامات والعقود، تمنع من أي تعلل، أو تراجع.

فكيف إذا كانت بيعة على الموت والفناء، حتى يتحقق لهم ما جاؤوا له؟

وبذلك يتضح: أنه لا بد لقريش من عقد الصلح.. فهو المخرج الوحيد لها من هذه الورطة..

فبعثوا سهيل بن عمرو إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقالوا له: ائت محمداً، فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا.

فأتاه سهيل بن عمرو. فلما رآه رسول الله «صلى الله عليه وآله» مقبلاً، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل.

فلما انتهى سهيل إليه تكلم، وأطال، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح.

بل إن الشيخ المفيد «رحمه الله» يقول:

«ولما رأى سهيل بن عمرو توجُّه الأمر عليهم ضرع إلى النبي «عليه السلام» في الصلح، ونزل عليه الوحي بالإجابة إلى ذلك. وأن يجعل أمير المؤمنين «عليه السلام» كاتبه يومئذٍ، والمتولي لعقد الصلح بخطه..» ([81]).

معرفة النبي بعدوِّه:

إن قول النبي «صلى الله عليه وآله» حين رأى سهيل بن عمرو: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا» يدل على: معرفة الرسول «صلى الله عليه وآله» بطبائع عدوه، وميزاته، ومواقعه، وبكيفيات تصرفات ذلك العدو، حتى إنه ليعرف نواياه بمجرد رؤية مبعوثيه، قبل أن يكلمهم، ويستخبرهم عما جاؤوا من أجله.

جلوس النبي وجلوس سهيل:

كما أن من الواضح: أن جلوس الرجل متربعاً يشير إلى الاسترسال والهدوء، وراحة البال، ويرى أن الأمور تسير بشكل طبيعي وعادي..

أما حين يبرك على ركبتيه، فإنه يكون في حالة تختزن معها الاستعداد للجدال والمماحكة، والسعي لحسم أمر يهمه، فيحتاج إلى جمع أطرافه إلى نفسه، وإظهار التماسك، والتصميم، والجدية في عمله من أجل إنجازه.

ولأجل ذلك نلاحظ: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد جلس متربعاً، وأما سهيل بن عمرو فبرك على ركبتيه.

اختلاف نصوص العهد:

إن نصوص العهد قد اختلفت في كثير من ألفاظها، كالاختلاف في قوله: هذا ما صالح عليه محمد.. أو هذا ما قاضى عليه محمد.

اصطلحا.. أو اصطلحوا.

هل وضعت الحرب عشر سنين كما تقدم([82])، أو ثلاث سنين([83])، أو أربعاً أو سنتين([84]). هناك أقوال في ذلك.

ولعل تلك الاختلافات قد نشأت عن سوء حفظ الناقل, أو لأن بعضهم أراد النقل بالمعنى، أو لغير ذلك من أسباب..

كما أن هناك بعض المواد قد ذكر بعض الناقلين, دون البعض الآخر..

مصادر العهد:

وقد ذكر العلامة الشيخ علي الأحمدي «رحمه الله» طائفة من المصادر، يمكن الرجوع إليها للاطلاع على نصوص عهد الحديبية.. فلاحظ الهامش([85]).

كلمات تحتاج إلى توضيح:

ونوضح بعض الكلمات الواردة في هذا العهد على النحو التالي:

لا إسلال: الإسلال ـ كما قيل ـ هو السرقة الخفية..

وقيل: هو الإغارة الظاهرة.

وقيل: هو سل السيوف.

قال البلاذري: الإسلال هو: دس السلاح وسله سراً، والإغلال: الانطواء على غل([86]).

ولعل المراد: أخذ العهد بأن لا يعين أحد المتعاقدين على الآخر، أو نفي الإغارة، أو نفي سل السيوف أو كل هذه المعاني مجتمعة..

ويفيد هذا الشرط في: تحقيق الأمن على الأموال في تلك المدة، والأمن من التخويف بالسلاح للأفراد من كلا الجانبين.

لا إغلال: أي لا خيانة خفية، أو لا تلبس الدروع.

ولعل المراد من ذلك الشرط: تحقيق حالة الأمن من الكيد والتآمر في الخفاء.

العيبة المكفوفة: أن يكف ما يحمله الإنسان في باطنه من حقد أو غل أو عداوة، فلا يظهر ذلك و لا يعلن به.

القراب: هو شبه الجراب يطرح فيه الراكب سيفه بغمده، وسوطه، وقد يطرح فيه زاده، من تمر وغيره..

ويقال له: (جلبان) أيضاً.

من هو كاتب العهد؟:

ذكر القمي نص العهد، وجاء في آخره عبارة: «وكتب علي بن أبي طالب»([87]).

ولكنه أتبعها بقوله: «وعهد على الكتاب المهاجرون والأنصار». فيحتمل أن يكون ذلك من إنشاء الراوي، ويحتمل أن تكون هذه العبارة قد وردت في نص الكتاب فعلاً..

هذا، وذكرت بعض المصادر: أن قريشاً أبت إلا أن يكتب علي «عليه السلام» أو عثمان([88]).

وتكاد تجمع المصادر على ذلك([89]).

ولكن البعض قد زعم: أن الكاتب هو محمد بن مسلمة([90]).

وقد صرح ابن حجر: بأن هذا من الأوهام، ثم إنهم جمعوا بين القولين: بأن الكاتب هو علي «عليه السلام»، لكن محمد بن مسلمة نسخ من الكتاب نسخة أخرى أعطيت لسهيل بن عمرو([91]).

ويمكن تأييد ذلك: بما رواه عمر بن شبة، عن عمرو بن سهيل بن عمرو، عن أبيه: الكتاب عندنا كاتبه محمد بن مسلمة.

قال العسقلاني: ويجمع: بأن أصل كتاب الصلح بخط علي ـ كما هو في الصحيح ـ ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو([92]).

ونحن نخشى أن يكون إصرار هؤلاء على حشر اسم محمد بن مسلمة المهاجم لبيت الزهراء «عليها السلام»، يدخل في سياق سياساتهم لإنكار فضائل علي «عليه السلام» أو تشريك غيره معه فيها على الأقل، إن لم يمكن منحها بكل تفاصيلها لأعداء ومناوئي أهل البيت «عليهم السلام».

هذا.. وقد صرح أبو زميل سماك الحنفي: أنه سمع عبد الله بن عباس يقول: كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب([93]).

كما أن الزهري رغم أنه كان منحرفاً عن أهل البيت «عليهم السلام»، وكان معلماً لأولاد ملوك بني أمية، فإنه كان أكثر جرأة، في هذا الأمر، فقد روى عبد الرزاق عن معمر، قال: سألت عنه الزهري، فضحك، وقال: هو علي بن أبي طالب، ولو سألت عنه هؤلاء قالوا: عثمان([94]).

محنة أبي جندل، وحوادث أخرى:

قالوا: وفي حديث عبد الله بن مغفل، عند الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم، بعد أن ذكر نحو ما تقدم، قال: «فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح، فثاروا إلى وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأخذ الله بأسماعهم ـ ولفظ الحاكم بأبصارهم ـ فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»: هل جئتم في عهد أحد؟ وهل جعل لكم أحد أماناً؟

فقالوا: لا.

فخلى سبيلهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ..([95]).

وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والثلاثة، عن أنس، قال: لما كان يوم «الحديبية» هبط على رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة في السلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله «صلى الله عليه وآله» فدعا عليهم، فأخذوا، فعفا عنهم([96]).

وروى عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رجلاً من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقال له: ابن زنيم اطلع الثنية «يوم الحديبية»، فرماه المشركون فقتلوه.

فبعث نبي الله «صلى الله عليه وآله» خيلاً، فأتوا باثني عشر فارساً، فقال لهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «هل لكم عهد أو ذمة»؟

قالوا: لا. فأرسلهم([97]).

وروى الإمام أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، عن سلمة بن الأكوع  قال: إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح، فلما اصطلحنا، واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأبغضتهم، وتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم، واضطجعوا.

فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم، فاخترطت سيفي فاشتددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم، وجعلته في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد «صلى الله عليه وآله» لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وجاء عمي عامر برجل من العبلات، يقال له: مكرز ـ من المشركين ـ يقوده حتى وقفناه على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: دعوهم يكون لهم بدء الفجور وثنياه، فعفا عنهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾.

فبينما الناس على ذلك إذ أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين.

وكان أبوه سهيل قد أوثقه في الحديد وسجنه.

فخرج من السجن، واجتنب الطريق، وركب الجبال حتى أتى «الحديبية»، فقام إليه المسلمون يرحبون به ويهنئونه.

فلما رآه أبوه سهيل قام إليه فضرب وجهه بغصن شوك، وأخذ بتلبيبه ثم قال: «يا محمد، هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده».

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «إنا لم نقض الكتاب بعد».

قال: فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً.

قال: «فأجزه لي».

قال: ما أنا بمجيزه لك.

قال: «بلى فافعل».

قال: ما أنا بفاعل.

فقال مكرز وحويطب: بلى قد أجزناه لك. فأخذاه، فأدخلاه فسطاطاً، فأجازاه، وكف عنه أبوه.

فقال أبو جندل: أي معاشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً.

فرفع رسول الله «صلى الله عليه وآله» صوته، وقال: «يا أبا جند