الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2005 م. ـ 1426 هـ. ق

  

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء السابع عشر

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الرابع:

كتاب النبي إلى المقوقس

 

كتاب النبي إلى المقوقس:

«بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد بن عبد الله إلى المقوقس، عظيم القبط:

سلام على من اتبع الهدى.

أما بعد..

فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، [وأسلم] يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ»([1]).

قصة هذه الرسالة:

قال العلامة الأحمدي رحمه الله:

قالوا: كتب «صلى الله عليه وآله» في ذلك اليوم (الذي كتب فيه إلى الملوك) إلى المقوقس، عظيم القبط، وكان نصرانياً مع حاطب ابن أبي بلتعة([2]).

فجاء حاطب بالكتاب حتى دخل مصر فلم يجد المقوقس هناك، فذهب إلى الإسكندرية، فأُخبر أنه في مجلس مشرف على البحر، فركب حاطب سفينة، وحاذى مجلسه، وأشار بالكتاب إليه، فلما رآه المقوقس أمر بإحضاره بين يديه، فلما جيء به نظر إلى الكتاب، وفضه، وقرأه.

وقال لحاطب: ما منعه إن كان نبياً أن يدعو على من خالفه، وأخرجه من بلده إلى غيرها أن يسلِّط عليهم، فاستعار (فاستعاد) منه الكلام ثم سكت.

فقال له حاطب: ألست تشهد أن عيسى بن مريم رسول الله؟ فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يقتلوه أن لا يكون دعا عليهم أن يهلكهم الله تعالى، حتى رفعه الله إليه؟

قال: أحسنت، أنت حكيم من عند حكيم.

الرسول عند المقوقس:

ثم قال له حاطب: إنه كان قبلك من يزعم أنه الرب الأعلى (يعني فرعون)، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك.

إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى عليهما الصلاة والسلام إلا كبشارة عيسى بمحمد «صلى الله عليه وآله»، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبي أدرك قوماً فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، بل نأمرك به.

فقال المقوقس: إني نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكذاب، ووجدت معه آلة النبوة، بإخراج الخبء، والإخبار بالنجوى، وسأنظر، ثم أخذ الكتاب وجعله في حق من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جاريته([3]).

الرسول مع الملك في السر:

وأرسل المقوقس يوماً إلى حاطب فقال: أسألك عن ثلاث.

فقال: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك.

قال: إلى ما يدعو محمد؟

قلت: إلى أن نعبد الله وحده، ويأمر بالصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة، ويأمر بصيام رمضان، وحج البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدم ـ إلى أن قال ـ: فوصفته فأوجزت.

قال: قد بقيت أشياء لم تذكرها: في عينيه حمرة قلما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوة، يركب الحمار([4])، ويلبس الشملة، ويجتزي بالتمرات والِكسَر، ولا يبالي من لاقى من عم أو ابن عم.

ثم قال المقوقس: هذه صفته، وكنت أعلم أن نبياً قد بقي، وكنت أظن أن مخرجه بالشام، وهناك تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج في أرض العرب، في أرض جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعني في اتباعه، وأنا أضن بملكي أن أفارقه.

وسيظهر على البلاد، وينزل أصحابه من بعد بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما ههنا، وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفاً واحداً، ولا أحب أن تعلم بمحادثتي إياك([5]).

كتاب المقوقس إلى رسول الله :

ثم دعا كاتبه الذي يكتب له بالعربية، فكتب إلى النبي «صلى الله عليه وآله»([6]):

«بسم الله الرحمن الرحيم

لمحمد بن عبد الله، من المقوقس، عظيم القبط:

سلام عليك.

أما بعد..

فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً قد بقي.

وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبثياب، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك([7]).

هدايا المقوقس إلى النبي :

أرسل الملك إلى النبي «صلى الله عليه وآله» هدايا كثيرة، ذكرها المحدثون والمؤرخون، ونحن نذكرها إجمالاً:

1 ـ أهدى المقوقس إليه «صلى الله عليه وآله» جارية اسمها مارية، أم إبراهيم «عليه السلام»، ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله»([8]).

2 ـ جارية أخرى اسمها: سيرين أخت مارية([9]).

3 ـ جارية أخرى اسمها: قيسر، أو قيس، وهي أخت مارية أيضاً([10]).

4 ـ جارية أخرى سوداء، اسمها: بريرة([11]).

وفي الطبري والكامل والبداية والنهاية ج4 ص272 والبحار ج20 ص383 أنه أهدى أربع جوار من دون أن يسميهن.

5 ـ غلاماً خصياً أسود، اسمه: مأبور (وفي الطبقات شيرين)([12]).

6 ـ بغلة شهباء، وهي دلدل([13]).

7 ـ حماراً أشهب يقال له: يعفور([14]).

وقيل: اسمه عفير([15]).

قال الدياربكري، وقيل: وألف دينار وعشرين ثوباً([16]).

وقال الدميري: وألف مثقال ذهباً([17]).

8 ـ فرساً وهو اللزاز([18]).

9 ـ وأهدى إليه عسلاً من عسل نبها (بكسر الباء الموحدة قرية من قرى مصر)([19]).

10 ـ وأهدى إليه مكحلة، ومربعة توضع فيها المكحلة، وقارورة دهن، والمقص (وهو المقراض) والمسواك، والمشط، ومرآة.

وقيل: أهدى أيضاً عمائم وقباطي، وطيباً، وعوداً، ومسكاً، مع ألف مثقال من ذهب، مع قدح من قوارير([20]).

وزاد في البداية والنهاية: خفين ساذجين أسودين.

11 ـ وقال بعض: إنه أرسل مع الهدايا طبيباً يداوي مرضى المسلمين، فقال له النبي «صلى الله عليه وآله»: ارجع إلى أهلك، فإنا قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع»([21]).

إلى هنا انتهى ما نقلناه عن كتاب العلامة الأحمدي رحمه الله([22]).

عليك إثم القبط:

ولا يختلف كتاب النبي «صلى الله عليه وآله» إلى المقوقس عن كتابه لكسرى، وقيصر، إلا من حيث إنه حمَّله إثم القبط الذين كان المقوقس يحكمهم، إن لم يؤمن، ولم يفسح لهم المجال للتعرف على الإسلام، ولا أعانهم، ولا يسَّر لهم أمر الإيمان به..

بل يكون عزوفه عن الإيمان بالإسلام من أسباب انصرافهم عن هذا الأمر، وزهدهم فيه، هذا إن لم يمنعهم من ذلك بالقسر، والقهر، أو بإلقاء الشبهات، وإشاعة الأباطيل ضد الإسلام وأهله..

الحرص على الملك:

وليس في قولنا هنا أية غضاضة: إن المقوقس أيضاً كان مثل هرقل، لا يرغب بانتشار الإيمان بنبوة رسول الله «صلى الله عليه وآله» بين الأقوام الذين يحكمهم، حرصاً منه على ملكه ـ بزعمه ـ وعلى نفوذ كلمته في تلك الأقوام، وعدم الرغبة في إفساح المجال لمشاركة أحد له في ذلك.. وما ذلك إلا لأنه يعلم أن الطاعة للدين ولأهله أقوى وأعمق من الطاعة لأهل الدنيا.. فإن الطاعة لأهل الدين تأتي طوعية، وباندفاع ذاتي، وبتحريك وجداني، ورضا قلبي، وأنس وسرور واغتباط روحي..

أما طاعة الناس لملوكهم، فإنما تكون طمعاً في الدنيا، ورهبة من سطوتهم بهم. وشتان ما بين هذه الطاعة وتلك.

ولهذا حرص المقوقس على إبعاد رسول الله «صلى الله عليه وآله» ودعوته عن قومه برفق، وأناة، ولم يجازف بإعلان الخصومة والعناد، لكي لا يكون هذا الاحتكاك من موجبات إثارة فضول الناس لمعرفة أقوال هذا النبي الكريم، وتتبُّع سيرته وأفعاله، واستلهام مواقفه.. وذلك لأنه يعلم بأن ذلك سينتهي إلى قبولهم ـ ولو بصورة تدريجية ـ لهذا الدين، شاء أم أبى، ولسوف تهتز الأرض تحت قدمي كل معاند وجاحد، مهما طغى وبغى، وتكون النتيجة ـ من ثم ـ هي نفس النتيجة التي واجهها أهل مكة مع هذا النبي الكريم «صلى الله عليه وآله»..

شبهات المقوقس، لماذا؟!:

وقد ذكرت النصوص المتقدمة: أن أول سؤال طرحه المقوقس على حاطب ابن أبي بلتعة قد تضمن شبهة ربما لا يلتفت أكثر الناس العاديين إلى حلِّها، وهي ليس فقط تكفي لإثارة الشك في نبوة صاحب هذه الدعوة التي تعرض عليهم لأول مرة، وإنما هي تكفي لترجيح جانب النفي، وصرف النظر عن أي تفكير فيها..

وقد جاءت إجابة حاطب ابن أبي بلتعة على هذه الشبهة قوية وقاطعة، ومعبرة عن مستواه الثقافي، الذي فاجأ المقوقس، الذي كان يعلم: أن حاطباً مجرد حامل كتاب، وليس معروفاً بالفضل والعلم بين أصحاب محمد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإنما هو من الناس العاديين في ذلك المجتمع الناشئ، الذي أسسه «صلى الله عليه وآله»..

وهذه الإجابات من شأنها أن تعطي الانطباع الذي لم يكن المقوقس يرغب في أن يراه في قومه تجاه هذا الشخص ومن أرسله في هذا الوقت الحساس بالذات..

ونحن لا نشك في أنه قد ندم على هذه الإثارة التي أراد لها أن تكون اختباراً لحاطب، وتحصيناً لرعيته عن التفكير في الدعوة المعروضة عليهم، والتي يحمل لهم حاطب كتاب صاحبها..

دور الدعاء في دعوة الأنبياء ^:

والذي نريد لفت النظر إليه هنا هو: أن المقوقس حين سجل اعتراضه الآنف الذكر لم يكن يجهل بل كان يتجاهل: حقيقة دور الدعاء في حياة الأنبياء. أي أنه كان يعلم أن الدعاء لا توكل إليه مهمات كهذه في حياتهم «عليهم السلام».

بل دور الدعاء هو: توثيق الصلة بالله سبحانه، وإنشاء العلاقة الوجدانية والروحية به تعالى..

وقد يستجيب الله تعالى دعاء الداعين، ولكن بشروط أهمها أن لا تترك هذه الاستجابة أي أثر سلبي على الداعي نفسه من جهة..

وأن لا تكون سبباً في الإخلال بحقوق الآخرين من جهة أخرى..

ومنها حق الاختيار لهم، وحق الممارسة والتصرف فيما يختارونه؛ لأن الاستجابة للدعاء إذا كانت تؤثر على اختيار الناس، وتسلبهم القدرة عليه، فإنها تدخل في دائرة العدوان عليهم، والظلم لهم. ونقض السنة الإلهية القائمة، والتي تقضي بحفظ ذلك لهم، ليصح اعتبارها مناطاً للعقوبة والمثوبة، وللسعادة والشقاء.

فإذا كانت المخالفة تستتبع الدعاء من النبي «صلى الله عليه وآله» بأن يسلطه الله عز وجل على من يخالفه، بحيث يفقد ذلك المخالف قدرته بهذا القهر، ويتلاشى اختياره بهذا التسليط، فذلك يعني أن يصبح إيمان هذا الشخص مولوداً قسرياً، نشأ وترعرع تحت وطأة الخوف، واستيلاء الرعب، وهذا هو الإكراه في الدين، الذي نفاه القرآن، حيث ينتفي معه دور العقل والفكر، والتأمل والتدبر المأمور به، والذي يطلب أن يرتكز الإيمان إليه، ويعتمد عليه..

وإنما يطلب الأنبياء «عليهم السلام» من ربهم إهلاك قوم بأعيانهم؛ حين يبادر أولئك الأقوام باختيارهم إلى فعل ما استحقوا به نزول العذاب عليهم، ومعاجلتهم بالعقوبة التي هي نتيجة أعمالهم.

هدايا المقوقس:

وغني عن القول: إن لا فائدة من كل تلك الهدايا التي أرسلها المقوقس إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فإنها هدايا تفيده كشخص في حياته الخاصة، ولا تفيد دعوته في شيء، بل هو أراد أن يماطل بها رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأن يدفعه عن التعرض بدعوته لأهل مملكته، مع علمه المسبق أيضاً: أن دعوته «صلى الله عليه وآله» ستصل إليهم، وسيدخلون في دين الله أفواجاً، تماماً كما علم بذلك قيصر، وصرح به..

ولكنه آثر أن يستمتع بزهرة الحياة الدنيا، ولو إلى حين، ورضي بأن يكون سبباً في إبقاء قومه في ضلالتهم، وأن يبوء ـ من ثم ـ بإثمهم..

القبط لا تطاوعه:

وقد صرح المقوقس ـ كما فعل قيصر ـ: بأن القبط لا تطاوعه في اتباع رسول الله «صلى الله عليه وآله».. وأنه يضن بمُلْكِه أن يفارقه..

وهو كاذب في قوله هذا جزماً، فإنه ـ كما أشار إليه كتاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» ـ هو الذي يبوء بإثم القبط؛ لأنه يمنعهم من التعرف على دعوته «صلى الله عليه وآله»، بما يلقيه إليهم من شبهات، ويمارسه ضدهم من قهر واضطهاد، وإرهاب، واستضعاف لهم.

كما أنه يمنع رسل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، من القيام بواجب الدعوة إلى الله سبحانه فيهم..

وحين ادَّعى المقوقس أن القبط لا يطيعونه، هل جرب ذلك معهم بالأساليب الحكيمة؟! وبالتدبير السليم والذكي؟! أم أن هذا هو قرار الأهواء، والمصالح، والرغبات الشخصية، الذي يريد التسويق له بهذه الطريقة الظالمة واللا إنسانية؟!

وهل أفسح المجال لدعاة الإسلام، لكي يمارسوا دورهم في هذا السبيل؟!

وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم:

وبينما نرى المقوقس يرسل بالهدايا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويعترف بالنبوة له، حيث يقول:

«وجدت معه آلة النبوة، بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى» ونحو ذلك.

فإنه يقول: إنه يضن بملكه أن يفارقه..

فإنه إذا كان محمد «صلى الله عليه وآله» نبياً، فعليه أن ينقاد له، ويستجيب لدعوته، وليس له أن يمتنع عليه، ويعصيه، ويؤثر الاحتفاظ بملكه على طاعته، والانقياد له..

بل إن هذه المداراة الظاهرة من ملك مصر للنبي «صلى الله عليه وآله»، وإرساله الهدايا له، والبدء بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، ثم باسم رسول الله في رسائله له «صلى الله عليه وآله»، حيث قال:

«بسم الله الرحمن الرحيم: لمحمد بن عبد الله، من المقوقس، عظيم القبط: سلام عليك..»

وكذلك الحال بالنسبة لقيصر، حين كتب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»:

«..إلى أحمد رسول الله، الذي بشر به عيسى، من قيصر ملك الروم:

وفيه يقول: «وإني أشهد أنك رسول الله، نجدك عندنا في الإنجيل، بشرنا بك عيسى بن مريم».

إن هذه المداراة البالغة من هذين الرجلين، تدل على أنهما كانا على يقين من صحة نبوة رسول الله «صلى الله عليه وآله».. ولكنهما يحاولان التملص من مسؤوليات هذا الإيمان، والتخلص من تبعاته، فيلقيان بالمسؤولية على عاتق شعوبهما: الروم والقبط، وأن هذه الشعوب هي التي تأبى الإيمان، وبذلك يكون هذان الرجلان ـ بزعمهما ـ غير مسؤولين تجاهه «صلى الله عليه وآله»، وغير ملزمين بالطاعة..

مع أن هذا كلام فارغ، فإنه لو صح أن قومهما قد رفضوا الإيمان ـ وقد تقدم أن هذا غير صحيح أيضاً ـ فإن ذلك لا يعفي قيصر ولا المقوقس، ولا غيرهما من الدخول في هذا الدين، ومن طاعة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والتعامل مع قومهما بالحكمة والموعظة الحسنة، والسعي لتسهيل تقبلهما لدعوة الحق، والدخول في دين الله تعالى، والإيمان برسول الله «صلى الله عليه وآله»..

ولكن ماذا نصنع بمن غرتهم الحياة الدنيا، وصدق عليهم إبليس ظنه، فجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم؟!.

كتاب آخر مشكوك فيه:

وقد نقلوا عن الواقدي: أن الذي كتب كتاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى المقوقس هو أبو بكر، وأنه كتب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم([23]).

ولكن النص الذي ذكروه لهذا الكتاب مختلف عن النص الذي نقلناه.

كما أن هذا النص المدَّعى يتضمن التهديد للمقوقس بالحرب، مع أن الحديث عن الحرب في أول رسالة دعوة يرسلها «صلى الله عليه وآله» ليس له ما يبرره، وليس هو الأسلوب الحكيم المتوقع من قبل رسول الله، ولم يكن من عادته «صلى الله عليه وآله» أن يفعل ذلك..

على أن كتاب فتوح الشام، راوي هذه الرسالة والذي ينسب إلى الواقدي، إنما كتبه مؤلفه بهدف إرغام الروافض كما صرح به مؤلفه([24]).

وقد أخذ العلماء على هذا الكتاب: أنه قد اعتمد أسلوب القصاصين، وأن أمارات الاصطناع ظاهرة على أسلوبه ومضامينه([25]). فهو كتاب غير موثوق، ولا يمكن الاعتماد عليه.

كلمات عن المقوقس:

والمقوقس بصيغة اسم الفاعل: هو لقب لكل من ملك مصر والإسكندرية. وكان نصرانياً تابعاً لملك الروم، ومنصوباً من قبله.

وقيل: إنه تضمَّن مصر من قيصر بتسعة عشر ألف ألف دينار([26]).

والقبط ـ بكسر القاف ـ هم: أهل مصر، أو أهل مصر والإسكندرية([27]).

لا تسمع القبط منك حرفاً واحداً:

وقد أكرم المقوقس حاطب ابن أبي بلتعة، وبقي عنده حاطب خمسة أيام([28])، ودفع له المقوقس مائة دينار، وخمسة أثواب([29]).

وقال له: «القبط لا يطاوعونني في اتباعه، ولا أحب أن تعلم بمجاورتي إياك، وأنا أضن بملكي أن أفارقه، وسيظهر على البلاد، وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده.

فارجع إلى صاحبك، وارحل من عندي، ولا تسمع منك القبط حرفاً واحداً.

وبعث معه جيشاً إلى أن دخل إلى جزيرة العرب، فوجد قافلة تريد المدينة، فالتحق بها، وردّ ذلك الجيش»([30]).

وقد أظهرت هذه النصوص أموراً عديدة، منها:

ادّعاؤه أن القبط لا يطاوعونه، مع أنه لم يعرض ذلك عليهم، وقد دل على ذلك التعبير المذكور، حيث لم يقل: لم يطيعوني، ليدل ذلك على أنه قد عرض عليهم الإيمان فرفضوه، بل قال: لا يطاوعوني، الذي يستبطن: أنه يقول ذلك عن حدس واستنتاج.

2 ـ لماذا لا يحب أن يعلم القبط بمجاورة حاطب للمقوقس؟! أليس ذلك إلا من أجل أن لا يتساءلوا عن السبب الذي جاء به إلى بلادهم، وقد يبذلون بعض المساعي لسماع أنباء رسول الله «صلى الله عليه وآله» من أحد أتباعه، إذ إن النفوس تتشوق وتتشوف لسماع أنباء من هذا القبيل.

وهي أنباء يشعر الناس كلهم: أنها تهمهم وتعنيهم، ولها مساس بحياتهم، وبمستقبلهم، وبمصيرهم.

3 ـ ألا يستفاد من هذه المطالب: أن المقوقس لم يُعلِم أحداً من القبط بقدوم رسول رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! وأنه قد حصر هذا الرسول، وحاصره عنده، وقد غمره بالإكرام والإنعام، وأبقاه تحت السيطرة، وتحت الرقابة التامة؟!

4 ـ لماذا لا يريد المقوقس: أن تسمع منه القبط حرفاً واحداً؟! أليس هذا من الأدلة الواضحة على سعيه لتجهيل قومه؟!

ولماذا يهتم بهذا التجهيل؟! وما الذي يخشاه من اطلاعهم على أخبار نبي يعترف هو بصحة نبوته، وبعثته، وهو الذي لم تزل كتبهم السماوية تعدهم به؟!

إن ذلك كله وسواه مما لم نذكره يدل على أن المقوقس كان يسعى لإبعاد شبح الإسلام عن نفسه، وعن قومه، وكان يستخدم الكلمات المعسولة، والهدايا، وسياسة المداراة للمسلمين من جهة، ويتبع سياسة محاصرة قومه بالجهل، والإبعاد عن مواقع المواجهة، من جهة أخرى.. وذلك من أجل أن يبقي على نفوذه، ويحتفظ بملكه، ولو كان ذلك لقاء إطفاء نور الله تعالى، وإشاعة الشبهات والضلالات في الناس.

كتابه إلى النجاشي الأول من مكة:

«بسم الله الرحمن الرحيم.

من محمد رسول الله، إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة:

سلام عليك.

فإني أحمد إليك الله، الملك، القدوس، (السلام) المؤمن، المهيمن، (العزيز، الجبار، المتكبر).

وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده ونفخه.

وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي، وبالذي جاءني، فإني رسول الله.

وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفراً، ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك، فأقر ودع التجبر. وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا.

والسلام على من اتبع الهدى»([31]).

إسلام النجاشي الأول:

وقد ذكر المؤرخون ـ والنص للعلامة الأحمدي «رحمه الله»([32]) ـ:

أنه لما أوصل عمرو بن أمية الكتاب إلى النجاشي، أخذه ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره، وجلس على الأرض إجلالاً وإعظاماً، ثم أسلم، ودعا بحق من عاج، وجعل فيه الكتاب، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته([33]).

كلام الرسول عند النجاشي الأول:

وقالوا: إن عمرو بن أمية قال للنجاشي: يا أصحمة، إن عليَّ القول وعليك الاستماع، إنك كأنك في الرقة علينا منا، وكأنا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه، ولم نحفظك على شر قط إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من قبل آدم، والإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد، وقاض لا يجور، وفي ذلك موقع الخير وإصابة الفضل، وإلا فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى بن مريم، وقد فرق رسله إلى الناس، فرجاك لما لم يرجهم له، وأمنك على ما خافهم عليه، لخير سالف وأجر ينتظر([34]).

فقال النجاشي: أشهد بالله: أنه النبي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، وأنه ليس الخبر كالعيان، ولكن أعواني من الحبشة قليل، فانظرني حتى أكثر الأعوان، وألين القلوب.

وفي رواية: لو أستطيع أن آتيه لأتيته([35]).

ونحن نرى: أن حامل رسالة رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو جعفر بن أبي طالب، إذ من المعلوم: أن النجاشي إنما أسلم على يدي جعفر.

فهذه الموعظة إن كانت قد صدرت من أحد فإنما صدرت من جعفر دون سواه باستثناء بعض الفقرات، كما سنوضحه في الفقرة التالية:

إنما يفتضح الفاجر:

هذا.. وقد ذكرت النصوص المتقدمة: أن عمرو بن أمية قال للنجاشي: «كأنك في الرقة علينا منا، وكأننا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه الخ..».

ونقول:

قد نقل عن خط الشهيد رحمه الله ما يلي:

«قيل: كتب النجاشي كتاباً إلى النبي «صلى الله عليه وآله» فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» لعلي «عليه السلام»: أكتب جواباً، وأوجز.

فكتب «عليه السلام»: «بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فكأنك من الرقة علينا منَّا، وكأنَّا من الثقة بك منك، لأنَّا لا نرجو شيئاً منك إلا نلناه، ولا نخاف منك أمراً إلا أمناه، وبالله التوفيق».

فقال النبي «صلى الله عليه وآله»: الحمد لله الذي جعل من أهلي مثلك، وشد أزري بك»([36]).

فالكلام المتقدم من إنشاء أمير المؤمنين «عليه السلام»، ولكن الأيدي الخائنة التي تسعى إلى تزوير الحقائق، وإلى سرقة جواهر كلام علي «عليه السلام»، قد نسبت ذلك إلى عمرو بن أمية. ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، والمشركون، وأن يفتضح الفجار والمزورون لحقائق الدين والإيمان، وأن يحل بهم الخزي والعار، وأن يصيبهم الخذلان والخزي، والبوار، ويكون فيهم كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار، وينتقم منهم في الدنيا والآخرة العزيز الجبار.

كتاب النجاشي الأول إلى النبي :

وقالوا أيضاً: إن النجاشي أحضر جعفراً رضوان الله تعالى عليه وأصحابه، وأسلم على يديه لله رب العالمين، وكتب بذلك إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «بسم الله الرحمن الرحيم.

إلى محمد رسول الله، من النجاشي الأصحم بن أبجر.

سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، من الذي لا إله إلا هو، الذي هداني للإسلام.

أما بعد..

فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض، إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثُفْروقاً([37]). إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله، صادق، مصدق، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك يا رسول الله»([38]).

وكتب النجاشي إليه «صلى الله عليه وآله» في جواب كتابه في تزويج أم حبيبة ما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم.

إلى محمد «صلى الله عليه وآله»، من النجاشي أصحمة..

سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركاته.

أما بعد..

فإني قد زوجتك امرأة من قومك، وعلى دينك، وهي السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأهديتك هدية جامعة: قميصاً، وسراويل، وعطافاً، وخفين ساذجين، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته»([39]).

وكتب إلى النبي «صلى الله عليه وآله» أيضاً في جواب كتابه في تجهيز المسلمين هذا الكتاب:

«بسم الله الرحمن الرحيم.

إلى محمد «صلى الله عليه وآله»، من النجاشي أصحمة..

سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا الذي هداني للإسلام.

أما بعد..

فقد أرسلت إليك يا رسول الله من كان عندي من أصحابك المهاجرين من مكة إلى بلادي، وها أنا أرسلت إليك ابني أريحا في ستين رجلاً من أهل الحبشة، وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته»([40]).

رسول النجاشي الأول وهداياه:

لما طغت قريش وعتت ضد الإسلام والمسلمين، وأفرطوا في تعذيبهم قال لهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «لو خرجتم إلى الحبشة، فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد. وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه»([41]).

ثم بعث المهاجرين تحت كفالة جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليهما([42]) وكتب إلى النجاشي فيهم، يوصيه بتكريمهم وقراهم. كما أن أبا طالب رضوان الله عليه أيضاً كتب إليه في هذا المعنى كما تقدم في الأجزاء الأولى من هذا الكتاب، حين استعرض أحداث هجرة المسلمين إلى الحبشة.

فأقام المسلمون هناك في رغد من العيش، وأمن من الغوائل، ورد النجاشي مبعوثي قريش رداً قبيحاً، وصار تكريمه للمسلمين سبباً للثورة عليه، ودفع الله تعالى عنه هذه المكائد.

وقد تقدم: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كتب إلى النجاشي مع عمرو بن أمية في الدعوة إلى الإسلام ـ والظاهر: أن المكتوب إليه هو النجاشي الثاني ـ فآمن وصدق، وكتب إليه أيضاً في تزويج أم حبيبة، فزوجها منه «صلى الله عليه وآله»، وكتب إليه أيضاً في إرسال جعفر صلوات الله عليه، ومن معه من المسلمين، فجهزهم وأرسلهم في سفينتين مع هدايا، ومع الوفد الذي أرسله، لينظروا إلى كلامه ومجلسه ومشربه، فيشاهدوا آيات رسالته، وأعلام نبوته، وأن زيه ليس هو زي الملوك والجبابرة.

فوافوا المدينة، وأكرمهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى قام يخدمهم بنفسه الشريفة، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله.

فقال: إنهم كانوا لأصحابي مكرمين، وإني أحب أن أكافيهم، وقرأ عليهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» القرآن، فبكوا، ورجعوا إلى النجاشي([43]).

الإقرار للنجاشي الأول بالملك:

وقد خاطب النبي «صلى الله عليه وآله» النجاشي بعنوان «ملك الحبشة»، ولم يخاطب كسرى ولا قيصر ولا المقوقس بذلك.. لأنه «صلى الله عليه وآله» كان على يقين من إيمان النجاشي، ثم من عقله، وحسن تدبيره، وأمانته، وعدله، فإنه ملك لا يظلم عنده أحد، كما تقدم، فلم يكن هناك أي محذور من الإقرار له بالملك على قومه، وتفويض تدبير أمورهم إليه، فإنه أحرى بذلك من كل أحد..

وهكذا فعل رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

سلام عليك:

وكان النبي «صلى الله عليه وآله» ـ كما قلنا ـ يكتب إلى المسلم: سلام عليك، أو سلم أنت، أو نحو ذلك، ويكتب إلى غير المسلم: السلام على من اتبع الهدى.

وقد لاحظنا هنا: أنه «صلى الله عليه وآله» يبدأ كتابه للنجاشي بقوله: «سلام عليك، أو سلم أنت».

وهذا يشير إلى: أنه «صلى الله عليه وآله» كان يعلم بقبول النجاشي بكل ما يرضي الله سبحانه، ولا يتوقع منه أي تلكؤٍ أو استكبار عن قبول الدعوة الإلهية، فهو يؤمن بعيسى «عليه السلام»، من حيث إنه يرى: أن في ذلك الإيمان رضاه تعالى، ولا بد أن يتواصل ويستمر هذا الإيمان، ولا ينقطع.

بل هو يتنامى ويكبر ويتحول تلقائياً إلى الإسلام.

أحمد إليك الله:

ولسنا بحاجة للإشارة إلى: أنه «صلى الله عليه وآله» قد ساق حمده لله حتى أوصله إلى النجاشي، ليؤنسه ويسره به، وليحببه إليه، ولم يفعل ذلك مع كسرى وقيصر..

وفي هذا دلالة أخرى على: أن النجاشي قريب إلى الله تعالى، وهو يأنس بحمده، والثناء عليه، ولا يغتر بملكه وطاعة الناس له، إلى حد الشعور بالاستغناء عنه تعالى، والاستكبار عن طاعته..

المـلـك:

وقد تقدم: أنه «صلى الله عليه وآله» قد خاطب النجاشي: بأنه «ملك الحبشة» ولكنه عاد وذكَّره: بأن الله تعالى هو الملك على الإطلاق، وله دون سواه الملك الحقيقي، الذي لا يخضع في مالكيته إلى جعل وإنشاء من أحد، وأما من سواه، فمالكيته وسلطانه محتاج إلى إنشاء واعتبار وجعل مِن قِبَل مَن بيده الأمر، وهو المالك الحقيقي، والخالق، والمهيمن.

القدوس:

ثم عقب ذلك بذكر سائر صفات الله سبحانه، والتي يحاول الملوك أن يستأثروا بها لأنفسهم، بنحو أو بآخر. فذكر من ذلك صفة «القدوس» التي هي من صيغ التكثير والتشديد (المبالغة) في تقديس الله وتنزيهه عن أي نقص، أو عجز، أو عيب، أو حاجة وما إلى ذلك.

فلا معنى لأن ينسب إليه أحد ظلماً، أو جهلاً، أو بخلاً، أو.. أو..

وبمقايسة بسيطة يتجلى للإنسان عجزه حتى لو كان ملكاً، وتظهر له عيوبه، ويشعر بأنه محتاج إلى غيره، حتى إلى رعيته، أو إلى بعضهم، ليرفع نقائصه، وليصل إلى مراداته.

والمفروض بهذا الشعور الداخلي، والإقرار الوجداني، أن ينتهي به إلى التسليم لله الملك القدوس، وأن يطلب منه سبحانه تلبية حاجاته، وتقوية ضعفه، وإكمال نقصه، ورفع عجزه..

السلام، المؤمن:

ورغم أن الله مالك، وأن مقتضى ألوهيته أن يكون عباده مطيعين، خاضعين، منقادين له.. فإن الناس، سواء في ذلك الملوك أم السوقة يستكبرون على ربهم، ولا يخضعون، ولا ينقادون له، ولا يطلبون حاجاتهم منه، ولا يعترفون بضعفهم أمام قوته، وبنقصهم أمام كماله، وبفقرهم أمام غناه و.. و..

ولكنه تبارك وتعالى لا يعاملهم بما يستحقون، ولا يعاجلهم بالعقوبة على ما يقترفون، ولا يبادرهم بالانتقام رغم أنهم مجرمون. بل هو السلام الحاني، والمؤمن لهم من كل ما يخافون ويحذرون، وهو التواب على من تاب، والمؤمن لهم من العذاب.

أما سلام الملوك، فإنه يفرض بالقوة، وهو ليس في حقيقته سلاماً، بل هو إذلال وقهر.. ولذلك الأمن الذي يأتي من قبلهم فإنه يكون خوفاً واستكانة، واستخذاءً، وخموداً..

المهيمن:

ولم تكن صفة السلام والمؤمن فيه تعالى، من أجل أنه فاقد للسيطرة، وغير متمكن من الإمساك بمقاليد الأمور بسبب قلة خبرة، أو انحسار سلطان، أو ضعف في مستوى مراقبة الأحوال..

بل من أجل أنه تعالى: يمنح السلام والأمن لمستحقيهما وطالبيهما من موقع الشاهدية، والرقابة، والإمساك بالأمور بصورة حقيقية، وبقدرة وفاعلية، فكان المهيمن والشاهد، لا بواسطة الاستعانة بغيره، ولا بالاعتماد على الوسائل المتاحة له، كما هو حال ملوك الأرض، بل بالقدرة الذاتية، والشاهدية الحقيقية..

العزيز الجبار المتكبر:

والله تعالى هو العزيز، الجبار، المتكبر على نحو الحقيقة، وأما ملوك الأرض فإنهم يدَّعون ذلك لأنفسهم، ولكن على سبيل تسمية الأمور بغير أسمائها الحقيقية، فيصورون ذلهم ومهانتهم عزاً وكرامة، ويصورون ضعفهم الذي يجرهم إلى ظلم الآخرين ـ على قاعدة: وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف([44]) ـ جبروتاً، وبطشاً وقوة..

كما أن صغر أنفسهم حين يغطونه بانتفاخات كاذبة يسمونه كبرياءً، مع أن جبروت الله هو عين عدله، وعزته تبارك وتعالى كرامة كامنة في حقيقة ذاته، وتتجلى في المظاهر المشيرة إلى عظمته..

شهادة رسول الله لعيسى أولاً:

والذي يستوقف الباحث هنا: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» نفسه وقبل أن يطلب من غيره شيئاً قد بادر إلى الشهادة لعيسى «عليه السلام»، بما يعتقده فيه، وفي أمه على نبينا وآله وعلى عيسى وأمه الصلاة والسلام، فقال:

أشهد أن عيسى بن مريم روح الله.

وقد اقتصرت شهادته على النقطة المحورية للخلاف في أمر عيسى «عليه السلام»، وهي نقطة الارتكاز للديانة المسيحية كلها، حتى إذا تعرضت هذه النقطة لأي اهتزاز، فإن ذلك سوف يزعزع بناء تلك الديانة كله، ويسقط الهيكل على رؤوس أصحابه.. ألا وهي قضية خلق عيسى، فقرر أنه «عليه السلام» مخلوق لله تعالى، حين وصفه بأنه روح الله وكلمته..

أي أنه روح خلقه الله بحكمته، واختاره واصطفاه، وأضافه إلى نفسه، من بين سائر الأرواح.

وهو كلمة الله أيضاً؛ لأنه ولد من غير أب، بل بواسطة كلمته، وهي قوله تعالى: ﴿كُنْ..﴾ فكان.

فإن كان عيسى «عليه السلام» روحاً مخلوقاً لله عز وجل، بواسطة أمره التكويني، و ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ([45])، فهو مخلوق محدث، لا يحمل أي عنصر إلهي، وهذا بالذات هو ما تقضي به العقول، وتهدي إليه الفطرة السليمة والصافية..

مريم البتول، الطيبة، الحصينة:

ثم إنه «صلى الله عليه وآله» قد شهد لمريم بثلاثة أوصاف هي:

1 ـ البتول: وتعني: المرأة المتبتلة التي قررت الانقطاع عن الرجال، من حيث إنها تلتزم العفة والعصمة عن كل ما لا يرضاه الله في هذا الإتجاه، أو المنقطعة إلى الله تعالى عن الدنيا وزينتها، أو كما قال أحمد بن حنبل: «لانقطاعها عن نساء أهل زمانها، ونساء الأمة عفافاً، وفضلاً، وديناً، وحسباً»([46]).

فعن علي «عليه السلام»: أن النبي «صلى الله عليه وآله» سئل ما البتول، فإنا سمعناك يا رسول الله تقول: إن مريم بتول، وفاطمة بتول؟

فقال «صلى الله عليه وآله»: البتول التي لم ترَ حمرة قط، أي لم تحض، فإن الحيض مكروه في بنات الأنبياء([47]).

والبتل: القطع، ومنه قيل لمريم: البتول ولفاطمة «عليها السلام»، لانقطاعها عن نساء زمانها، ديناً وفضلاً، ورغبة في الآخرة([48]).

والتبتل: الانقطاع إلى عبادة الله([49]).

وامرأة متبتلة: كل جزء منها يقوم بنفسه في الحسن([50]).

وقيل لفاطمة: البتول: لانقطاعها عن الأزواج غير علي «عليه السلام» أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف([51]).

أو لأنها تبتلت عن النظير([52]).

2 ـ الطيبة: أي الطاهرة التي صرح الله تعالى بطهارتها، عما نسبه اليهود إليها حين قالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً([53]).

وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ([54]).

3 ـ الحصينة: وهي المرأة العفيفة، المتشددة في عفتها، المتمنعة بها، كما يتمنع المحارب في حصنه..

فخلقه من روحه ونفخه:

وبعد التلويح جاء التصريح: بأن عيسى «عليه السلام» مخلوق محدث، وأن الله سبحانه قد خلقه من روح اختاره واصطفاه، ونسبه إلى نفسه كما ينسب الشيء إلى مالكه وصاحبه، فيقال: بيته، وقميصه، ونحو ذلك..

ثم بيّن كيفية هذا الخلق وأنه بنفخ الروح فيه بعد تكونه في بطن أمه مريم جنيناً كاملاً..

كما خلق آدم × بيده ونفخه:

ثم بالغ في تحديد كيفية الخلق وأسبابه وشؤونه حين قرر: أن خلقه مثل خلق آدم «عليه السلام»، فإن الله تعالى خلقه بيده، أي بقدرته التي يعبر عنها باليد، كما قال تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ([55]). أي أن قدرة الله وبطشه فوق قدرتهم وبطشهم، ولكن بما أن البطش، وإعمال القدرة إنما يكون بواسطة اليد؛ فإنه تعالى أورد هذه الكلمة أيضاً إمعاناً في تجسيد المعنى إلى حد أصبح شيئاً يناله الإنسان بحواسه الظاهرة. فقد تجلت القدرة وتجسدت آثارها حتى أصبحت وكأنها يد ظاهرة للعيان..

ثم أشار إلى كيفية حلول الروح في جسدي آدم وعيسى «عليهما السلام»، وقال: إن ذلك قد جاء بطريقة النفخ، الذي هو عبارة عن الإيجاد والتكوين المباشر في داخل الجسد نفسه..

الموالاة على طاعة الله عز وجل:

وبعد أن دعا النبي «صلى الله عليه وآله» النجاشي إلى شهادة أن لا إله إلا الله ـ وقد تحدثنا عن هذه الشهادة حين الكلام عن رسالته «صلى الله عليه وآله» لكسرى ـ طلب منه الموالاة على طاعة الله سبحانه. فيكون بذلك قد حدد المنطلق والإطار للعلاقة الروحية، ولطريقة تعامله مع جميع البشر ويدخل في هذا السياق إرشاد الناس إلى المعايير، والضوابط، من خلال المبادرة منه «صلى الله عليه وآله» نفسه إلى التعامل مع الناس على أساسها، ومن خلالها، ويسوقهم بذلك إلى السعي للحصول على وضوح الرؤية، والاستفادة من جميع القدرات، والطاقات التي زودهم الله تعالى بها بصورة صحيحة..

ولا يكل ذلك إلى الأهواء والميول، ونزوات الغرائز. وهذا النهج من شأنه إذا اتبعوه: أن يخرجهم من العشوائية والإبهام، والغموض، إلى آفاق بالغة الصفاء، شديدة الوضوح، وفقاً لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ([56]).

وقال: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ([57]).

وقال أيضاً: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ([58]).

والآيات المشيرة إلى هذا المعنى كثيرة..

أدعوك وجنودك:

وبعد ذكر أمور أخرى ـ أشرنا إلى بعض دلالاتها حين تكلمنا عن رسالته «صلى الله عليه وآله» إلى كسرى ـ قال «صلى الله عليه وآله» للنجاشي: «وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل..».

والأمر الشائع بين الناس هو خضوع الجند لقادتهم ولملوكهم فيما يعرضونه عليهم، حيث يكون كل همهم وسعيهم محصوراً في تنفيذ أوامرهم، والكون رهن إشارتهم في إقامة صرح العدل، أو في إشاعة الذل والظلم والتعدي على حد سواء..

ومن الواضح: أن الجنود هم الأداة التي يعتمد عليها الملوك في بسط سلطانهم ونفوذهم، وبهم يوسعون دائرة حكمهم، وهم الأدوات التي يستفيدون منها في قهر الناس، وفي ظلمهم وابتزاز حقوقهم..

ولكن رسول الله «صلى الله عليه وآله».. قد وجه خطابه إلى هؤلاء بالاستقلال عن قائدهم النجاشي، ليثير لديهم الإحساس بهذه الاستقلالية، ولإفهامهم أن هناك أموراً لا يجوز لأحد أن يقررها لهم، أو أن ينوب عنهم فيها، ومن ذلك معرفة الله سبحانه والخضوع له، والاعتراف بالأنبياء المرسلين والطاعة لهم، والعمل بأحكامه تعالى وشرائعه، والالتزام بأوامره ونواهيه.

ويلاحظ: أنه «صلى الله عليه وآله» لم يذكر ذلك في كتابه لكسرى وقيصر، والمقوقس؛ لأنه كان عارفاً بأنهم سوف يستكبرون عن قبول دعوته، فضلاً عن أن يفسحوا المجال لدعوة أي كان من الناس إلى دين الحق، فكيف إن كانوا من جندهم الذين يعتمدون عليهم في استمرار تسلطهم على الآخرين، ويستخدمونهم بمثابة أدوات للبطش، والإذلال والقهر والعدوان على الناس.

هذا.. وليس في الرسالة: أن على النجاشي إثم أحد من الناس، بخلاف رسائل كسرى وقيصر والمقوقس؛ فإنه قد حمَّلهم إثم أقوامهم في صورة عدم قبولهم دعوته..

 

 

الفصل الخامس:

كتاب النبي إلى النجاشي الثاني

 

كتاب النبي إلى النجاشي الثاني:

تقدم: أن الرسول «صلى الله عليه وآله» قد كتب في سنة ست أو سبع إلى كسرى وقيصر، والنجاشي، والمقوقس، وغيرهم بنسخة واحدة، يدعوهم فيها إلى الإسلام، وفي هذه الكتب كلها كتب الآية المباركة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

ونص كتابه إلى هؤلاء، واحد كما تقدم.. وهو يختلف عن النص الذي قدمنا: أنه «صلى الله عليه وآله» قد كتبه للنجاشي الأول.

والنص الذي ذكرناه يدل: على أن ذلك الكتاب قد أرسل إلى النجاشي الأول حين هجرة جعفر والمسلمين إلى الحبشة، مما يدل على: أن الذي كتبه في سنة سبع كان موجهاً إلى نجاشي آخر غير النجاشي الأول، فلاحظ ما يلي:

1 ـ قول أنس: «إن النبي «صلى الله عليه وآله» كتب إلى كسرى وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي «صلى الله عليه وآله»..»([59]).

2 ـ إن النجاشي الأول الذي مدحه النبي «صلى الله عليه وآله»، وهاجر إليه المسلمون قد أسلم على يد جعفر بن أبي طالب وآمن به «صلى الله عليه وآله»، وقد روي عن الحسن بن علي العسكري «عليهما السلام» عن آبائه «عليهم السلام»: «أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما أتاه جبرئيل «عليه السلام» بنعي النجاشي بكى بكاء الحزين عليه، وقال: إن أخاكم أصحمة ـ وهو اسم النجاشي ـ مات، ثم خرج إلى الجبانة وصلى عليه وكبر سبعاً، فخفض الله له كل مرتفع حتى رأى جنازته وهو بالحبشة([60]). وكان ذلك من معجزاته «صلى الله عليه وآله».

أما الذي كتب إليه حين كتب إلى الملوك والجبارين فهو النجاشي الثاني الذي استولى على السلطة بعد وفاة النجاشي الأول..

وقد زعموا: أنه هو الذي خرق كتاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأنه «صلى الله عليه وآله» قال: «إني كتبت بكتابي إلى النجاشي فخرقه، والله مخرق ملكه»([61]).

ونحن نقول:

إن ذلك غير دقيق، فإن الظاهر هو: أن هناك ملوكاً ثلاثة من ملوك الحبشة كلهم عاصر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وسيتضح ذلك فيما يأتي.

النجاشي ثلاثة، أسلم منهم اثنان:

بل إننا نستقرب: أن يكون ثلاثة من ملوك الحبشة قد عاصروا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد كاتبهم «صلى الله عليه وآله» جميعاً، وهم:

1 ـ النجاشي الأول، الذي أرسل النبي «صلى الله عليه وآله» إليه جعفراً، وأرسل إليه الرسالة الأولى التي قدمناها وشرحناها, وقد أسلم هذا وآمن..

2 ـ النجاشي الثاني، الذي مات حين زواج النبي «صلى الله عليه وآله» بأم سلمة، في أول الهجرة. حسبما ورد في الرواية المتقدمة..

والظاهر من رواية أنس المتقدمة: أنه توفي قبل سنة ست أو سبع، أي قبل كتابة النبي «صلى الله عليه وآله» إلى الملوك والجبارين.

فقول من قال: إنه مات سنة تسع، أو بعد غزوة مؤتة، أو سنة ثمان([62])، لا مجال لقبوله..

وربما يكون القول بوفاته سنة تسع ناشئاً عن الاشتباه في قراءة الكلمة، حيث يكثر تصحيف كلمة (سبع) بكلمة (تسع) بسبب اتحادهما في الشكل مع عدم وجود النقط في الحروف في تلك العصور..

والحاصل: أن النجاشي الأول رحمه الله قد مات ـ على ما يظهر ـ في أول الهجرة، والنجاشي الثاني مات في سنة سبع، أو في آخر سنة ست، ثم تولى الحكم بعده النجاشي الثالث، فكتب إليه «صلى الله عليه وآله»، فخرق الكتاب، وأخبر «صلى الله عليه وآله» بتخريق ملكه..

ومما يدل على موت النجاشي الأول في أوائل الهجرة: أن أم كلثوم قالت: «لما بنى النبي «صلى الله عليه وآله» بأم سلمة»، قال:

«قد أهديتُ إلى النجاشي أوراقاً من مسك وحلية، وإني لأراه قد مات. ولا أرى الهدية إلا سترد عليَّ..» فكان كما قال([63]).

وكان زواج النبي «صلى الله عليه وآله» بأم سلمة في السنة الرابعة([64]).

وقيل: في السنة الثالثة([65])، أو في الثانية([66]).

فلما مات النجاشي الأول تولى العهد بعده النجاشي الثاني، فراسله أيضاً رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم أيضاً، كما دلت عليه رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: أنه «كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعث قبل أن يسير إلى خيبر عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي عظيم الحبشة، ودعاه إلى الإسلام، وكان أمر عمرواً أن يتقدم بجعفر وأصحابه. فجهز النجاشي جعفراً وأصحابه بجهاز حسن، وأمر لهم بكسوة، وحملهم في سفينتين»([67]).

ولعل هذا هو الذي مات آخر سنة ست، أو في أول سنة سبع، والظاهر: أنه هو الذي أرسل وفداً إلى المدينة للتحقيق في أمر نبوة رسول الله «صلى الله عليه وآله»([68]).

كما أنه هو الذي كتب إليه النبي «صلى الله عليه وآله» في تزويج أم حبيبة، فزوجه إياها، وأصدقها النجاشي نفسه أربعة آلاف درهم([69]).

3 ـ النجاشي الثالث: وهو الذي نص كتابه يتوافق مع نص كتابه «صلى الله عليه وآله» لكسرى، وقيصر، والمقوقس، وفيه آية الكلمة السواء، ولم يسلم هذا، بل مزق ـ هذا الخبيث ـ كتاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأخبر «صلى الله عليه وآله»: أن الله سيمزق ملكه، حسبما تقدم.

النجاشي يموت وهو مهاجر:

وقد ذكر القمي: أن النجاشي وفد على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فلما عبر البحر توفي رحمه الله تعالى([70]).

ويحتمل أن يكون المقصود بهذا الكلام هو النجاشي الأول، ويحتمل أن يكون المقصود هو الثاني، ولم نستطع أن نتحقق من هذا الأمر وزمانه، بسبب قلة النصوص.

إخلاص النجاشي:

ومما يدل على مدى محبة النجاشي لرسول الله «صلى الله عليه وآله» واهتمامه بظهور أمره، وإعزاز دينه، ما روي عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: «أرسل النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فدخلوا عليه، وهو في بيت جالس على التراب، وعليه خلقان الثياب.

قال: فقال جعفر «عليه السلام»: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما رأى ما بنا، وتغير وجوهنا قال:

الحمد لله الذي نصر محمداً، وأقر عينه، ألا أبشركم؟

فقلت: بلى أيها الملك.

فقال: إنه جاءني الساعة من نحو أرضكم عين من عيوني هناك، فأخبرني أن الله عز وجل قد نصر نبيه محمداً «صلى الله عليه وآله»، وأهلك عدوه، وأسر فلاناً وفلاناً وفلاناً، التقوا بواد يقال له: بدر، كثير الأراك، لكأني أنظر إليه حيث كنت أرعى لسيدي هناك، وهو رجل من بني ضمرة.

فقال له جعفر: أيها الملك، فما لي أراك جالساً على التراب، وعليك هذه الخلقان؟

فقال له: يا جعفر، إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى «عليه السلام»: أن من حق الله على عباده أن يحدثوا له تواضعاً عندما يحدث لهم من نعمة، فلما أحدث الله عز وجل لي نعمة بمحمد «صلى الله عليه وآله» أحدثت لله هذا التواضع.

فلما بلغ ذلك النبي «صلى الله عليه وآله» قال لأصحابه: إن الصدقة تزيد صاحبها كثرة، فتصدقوا يرحمكم الله، وإن التواضع يزيد صاحبه رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، وإن العفو يزيد صاحبه عزاً، فاعفوا يعزكم الله»([71]).

كتابه إلى النجاشي الثالث:

«بسم الله الرحمن الرحيم.

هذا كتاب من محمد رسول الله، إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة.

سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسوله، فأسلم تسلم. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك»([72]).

ويبدو كما قلنا: إن المقصود بالنجاشي هنا: هو النجاشي الثالث الذي خرق كتاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» حسبما أوضحناه آنفاً.

هذا.. وقد شرحنا مضامين هذا الكتاب، حين تكلُّمنا عن كتابه «صلى الله عليه وآله» لكسرى، فيمكن الرجوع إلى هناك.

وحسبنا ما ذكرناه في هذا السياق، ولننتقل إلى الحديث عن غزوة خيبر في الفصول التالية:

 

الباب الخامس:

حصون خيبر

الفصل  الأول: من المدينة.. إلى خيبر

الفصل الثاني: قبل أن يبدأ القتال

الفصل الثالث: فتح حصن ناعم

الفصل الرابع: فتح سائر حصون النطاة والشق

 

الفصل الأول:

من المدينة إلى خيبر..

 

تقديم:

فقد كانت هدنة الحديبية قد أعطت الانطباع بأن المسلمين قد أصبحوا قوة كبيرة، فرضوا هيبتهم في المنطقة بأسرها.. الأمر الذي دعا قريشاً إلى القبول بالهدنة، بعد أن أنهكتها الحروب المتتالية معهم..

بل إنه «صلى الله عليه وآله» أصبح يعمل على نشر دعوته في كل بقاع الدنيا، وهو يرسل إلى أعظم ملوك الأرض ـ طالباً منهم الدخول في دينه ـ في خطاب قوي وحازم.

ولم يعد في المحيط الذي يعيش فيه قوة كبيرة متماسكة، يمكن أن يحسب لها حساب، إلا يهود منطقة خيبر، الذين كانوا قادرين على تجهيز عشرة آلاف مقاتل، بل أكثر من ذلك. وهي قوة لا يستهان بها، إذ لديهم حصون منيعة، وقدرات إقتصادية، ولسوف تكون المواجهة صعبة معهم، ولا سيما إذا أرادوا اتباع أسلوب التسويف، وإتلاف الوقت، بالاستفادة من الحصون الكثيرة التي تحت يدهم، التي كان فيها من المؤن، والأقوات ما يكفي لأشهر طويلة.

وليبقى الجيش الإسلامي، الذي لم يكن يملك الكثير من ذلك، ليبقى في العراء يعيش الملل، ويكابد لحظات الانتظار الطويلة، والثقيلة، دون أن تلوح له في الأفق بارقة أمل، وليرهقه الخمول والكسل، حيث لا مجال له للقيام بأي عمل..

وكانت استعراضات يهود خيبر لقوتهم، وظهور اغترارهم بها، وركونهم إليها، قد لفتت الأنظـار، ولعلها تركت آثاراً على بعض الضعفـاء في المنطقة، مثل غطفان، وسواها.

ولكن الأمور قد سارت في غير الاتجاه الذي توقعوه، إذ سرعان ما تهاوت أحلامهم، ودكت حصونهم، وخابت آمالهم، وأنجز الله تعالى لنبيه وعده، ونصر جنده، وهزم جموع اليهود وحده، وكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى. كما سنبينه في سياق حديثنا هذا.

بـدايـة:

إن الذي يراجع المصادر والموسوعات التاريخية، والحديثية، يلاحظ: أن ثمة فرقاً بين ما دوَّنوه من أحداث، وأشاروا إليه من جزئيات وتفاصيل في تاريخهم لمرحلة ما قبل الحديبية وخيبر، ثم في تاريخهم للحديبية ولخيبر فما بعدهما..

حيث يلاحظ: أن المرحلة السابقة تُعْرَضُ فيها الأحداث بما لها من طابع كلي وعام، ولا تجد فيها من الاستغراق في الجزئيات والتفاصيل ما يقترب إلى مستوى ما حفلت به الأحداث المتأخرة عن الحديبية..

ولعل من أسباب ذلك هو: أن الحديبية قد أفسحت المجال لاختلاط المسلمين مع غيرهم في التجارات، وإنشاء العلاقات، وجَهَر بالإسلام من كان متستراً به، ودخلت فئات كثيرة في هذا الدين، أو كانت تتهيأ لذلك، وهي تقوم برصد حركة الواقع، وبملاحقة الأمور بعين الرضا والقبول.. إما بهدف تحصيل القناعة والاعتقاد التام، أو من أجل الحفاظ على المصالح، والحصول على الامتيازات، أو ما إلى ذلك..

وبعد وفاة رسول الله «صلى الله عليه وآله» حاول كل أولئك الذين يريدون أن يبرروا لمواقف وسياسات، وممارسات، وأقاويل، ومذاهب بعينها ـ حاولوا ـ أن يرجعوا إلى هذه الفترة التي عاشوها مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، واستفادوا من مشاهداتهم لحركاته وسكناته، ومواقفه، وكل أحواله منها، فاتخذوا منها مرتكزاً لإنشاء منظومة التعاليم والتوجيهات والسياسات، والمذاهب الاعتقادية، والفقهية، التي لم تكن لتجد طريقها إلى عقل، ووجدان وحياة الناس لو لم تستمد شرعيتها من حياته «صلى الله عليه وآله»، ومن أقواله، وأفعاله، ومواقفه..

أما الفترة التي سبقت هذا المفصل التاريخي فقد غاب عنها أكثر هؤلاء، وجهلوا الكثير من جزئياتها وتفاصيلها، فأنتج ذلك عجزاً عن التوسل بها في إنشاء تلك المنظومة، وفق ما يريدون، وعلى حسب ما يشتهون.

وبعد هذه الإلماحة السريعة نقول:

ماذا عن خيبر؟!

خيبر اسم منطقة تقع على ثلاثة أيام من المدينة، على يسار الحاج القادم من الشام. وبينها وبين المدينة ثمانية برد (والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وكل ميل أربعة آلاف خطوة، وكل خطوة ثلاثة أقدام).

والخيبر بلسان اليهود: هو الحصن، ولذا سميت خيابر أيضاً([73]).

وفي هذه المنطقة حصون ومزارع، ونخل كثير، حتى قالوا: كان في الكتيبة أربعون ألف عذق. وتوصف خيبر بكثرة التمر([74]).

وفي خيبر ثمانية حصون، هي: النطاة، والوطيح، والسلالم، والكتيبة، والشق، والصعب، وناعم، والقموص.

قال الماوردي وغيره: «وكان أول حصن فتحه رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيها ناعم، ثم القموص، ثم حصن الصعب بن معاذ. وكان أعظم حصون خيبر، وأكثرها مالاً، وطعاماً، وحيواناً، ثم الشق، والنطاة، والكتيبة.

فهذه الحصون الستة فتحها النبي «صلى الله عليه وآله» عنوة، ثم افتتح الوطيح والسلالم، وهو آخر فتوح خيبر صلحاً، بعد أن حاصرهم.

وملك من هذه الحصون الثمانية ثلاثة حصون: الكتيبة، والوطيح، والسلالم. أما الكتيبة، فأخذها بخمس الغنيمة، وأما الوطيح والسلالم فهما مما أفاء الله عليه؛ لأنه فتحهما صلحاً، فصارت هذه الحصون الثلاثة بالفيء»([75]).

ولكن هذا الكلام الأخير غير مقبول في فقه أهل البيت «عليهم السلام»، وسيأتي البحث عن ذلك إن شاء الله.

كما أن ما ذكره: من أن فتح حصن الصعب قد كان بعد فتح حصن القموص غير دقيق، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

خيبر مقدسة!!

قال الصالحي الشامي: «ولابن زبالة حديث: «ميلان في ميل من خيبر مقدس».

وحديث: «خيبر مقدسة والسوارقية مؤتفكة».

وحديث: «نعم القرية في سنيات الدجال خيبر»..»([76]).

والسوارقية: «قرية أبي بكر، بين مكة والمدينة، وهي نجدية، فيها مزارع ونخل كثير»([77]).

ونقول:

إن الحديث عن كون خيبر نعم القرية في زمن الدجال موضع ريب وشك، ولعله من أفائك اليهود أنفسهم.

إلا أن يكون المقصود بهذا الحديث: أنها تكون موضعاً مأموناً، بسبب وجود سبعين ألفاً من اليهود مع الدجال، على كل رجل منهم ساج وسيف محلى([78]).

ومن الطبيعي: أن يهتم يهود خيبر بأمر الدجال، ما دام أن الدجال يأتمر بأوامرهم، وينتهي إلى مقاصدهم..

وربما تكون هذه الأحاديث من موضوعات اليهود لتعظيم البلاد التي كانوا يسكنونها، وللإيحاء بأن حرب النبي «صلى الله عليه وآله» لهم فيها كانت انتهاكاً لحرمة ما هو مقدس..

على أننا لا ندري: ما الذي جعل قرية أبي بكر «مؤتفكة»؛ أي تفعل الأفك والافتراء، دون سائر القرى والله هو العالم..

تاريخ غزوة خيبر:

لما قدم رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى المدينة من الحديبية، وذلك في ذي الحجة ـ كما قال ابن إسحاق ـ من سنة ست، مكث بها عشرين ليلة، أو قريباً منها، ثم خرج في المحرم إلى خيبر.

وكان الله عز وجل وعده إياها، وهو بالحديبية، فقد نزلت عليه سورة الفتح، فيما بين مكة والمدينة، وفيها قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ([79]) يعني خيبر([80]).

وعن ابن عباس: أقام بعد الحديبية في المدينة عشر ليال([81]).

وعن سليمان التيمي: خمسة عشر يوماً([82]).

وقيل: أقام شهراً وبعض شهر([83]).

وقال مالك: كانت خيبر سنة ست، وإليه ذهب محمد بن حزم. والجمهور ـ كما في زاد المعاد ـ أنها في السابعة([84]).

ويمكن الجمع: بأن من أطلق سنة ست فإنما جاء كلامه بناءً على ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول. وابن حزم من هؤلاء أيضاً، فإنه يرى: ابتداء السنة الهجرية من شهر ربيع الأول([85]).

ونقل الحلبي عن الجمهور: أنه سار إلى خيبر بعد أن مضى من محرم السنة السابعة عشرون يوماً، أو قريب من ذلك([86]).

وقال محمد بن موسى الخوارزمي: غزاها النبي «صلى الله عليه وآله» حين مضى ست سنين وثلاثة أشهر وواحد وعشرون يوماً للهجرة([87]).

وهذا معناه: أنها كانت في آخر جمادى الأولى، بناءً على: أن أول السنة محرم، أو في آخر جمادى الثانية بناءً على: أن أول السنة الهجرية هو ربيع الأول.

في أي شهر كانت؟!

قيل: إن غزوة خيبر كانت في شهر صفر([88]).

وقيل: في ربيع الأول([89]).

وقيل: في جمادى الأولى([90]).

وقيل أيضاً: إنها في شهر رمضان([91]).

ولعل سبب هذا القول الأخير هو: تصحيف كلمة حنين بكلمة خيبر. فإن النبي «صلى الله عليه وآله» قد سار إلى حنين بعد الفتح، وقد كان الفتح في شهر رمضان([92]).

مدة حصار خيبر:

وقالوا: إنه «صلى الله عليه وآله» أقام يحاصر خيبر بضع عشرة ليلة، إلى أن فتحها في صفر([93]).

وسيأتي: أن ذلك غير دقيق، وأن حصارها قد تعدى الأيام إلى الأشهر كما سنرى، ولعله يتحدث عن حصار بعض حصونها فقط..

مدة إقامته في خيبر:

وقد روي عن ابن عباس: أنه «صلى الله عليه وآله» أقام بخيبر ستة أشهر يجمع بين الصلاتين([94]).

وعنه أيضاً: أنه أقام بها أربعين يوماً، وسنده ضعيف([95]).

وأن حساب أيام الحصار للحصون المختلفة، وفق ما ورد في النصوص التاريخية، والروائية يعطي: أن الحصار قد دام عشرات الأيام.. وإن لم يصل إلى ستة أشهر..

الاستنفار إلى خيبر:

قال الواقدي: أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» أصحابه بالخروج، فجدوا في ذلك، واستنفروا مَنْ حوله ممن شهد الحديبية، يغزون معه.

وجاء المخلَّفون عنه في غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة، ولأنها ريف الحجاز طعاماً وودكاً وأموالاً، فقال «صلى الله عليه وآله»:

«لا تخرجوا معي إلا راغبين في الجهاد، فأما الغنيمة فلا»([96]).

ثم أمر منادياً ينادي بذلك، فنادى به([97]).

ونقول:

1 ـ إن غزوة الحديبية كانت بمثابة امتحان للكثيرين، من حيث إن نتائجها لم تكن واضحة لكثير من الناس الذين يرصدون سير الأمور فيها.

مع أن الحقيقة هي: أنه قد كان فيها ما لم يكن متوقعاً، فإن النتائج كانت باهرة على أكثر من صعيد، وفي أكثر من اتجاه.

2 ـ ومن النتائج التي ظهرت: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أصبح قادراً على المبادرة لإزالة الشوكة الجارحة من خاصرة الكيان الإسلامي، المتمثلة باليهود، الذين ما فتئوا يسعون في إثارة الناس ضده، ويحرضون القبائل المختلفة على حربه، ويشاركون في هذه الحروب بالمال والرجال، وإفساد القلوب، وتسميم الأجواء باستمرار.

3 ـ إن العدو الذي كان له امتداد طبيعي في المنطقة، بسبب موقعه من المقدسات، وبسبب علاقاته، ونفوذه الديني والتجاري، والاجتماعي في المنطقة ـ إن هذا العدو ـ قد لُجم، وأُقصي عن موقع التأثير المباشر، وتهيأت الفرصة لكثير من الناس لممارسة حرياتهم، في التعرف على دعوة الإسلام عن قرب، ومن دون خوف أو رهبة من أحد..

وأصبح بإمكان الكيان الإسلامي أن يرتب أوضاعه الداخلية، وأن يعالج المشاكل التي يفرضها عليه، أو يخلقها له أعداؤه الذين يعيشون في محيطه، أو في المحيط القريب منه، والشديد التأثير عليه..

4 ـ إن الإنجاز الذي حققه المسلمون في الحديبية قد أذكى فيهم الطموح، وبعث فيهم ثقة بأنفسهم، وأعطاهم حيوية ونشاطاً غير عادي. وبدا للكثيرين منهم أن رحلتهم إلى خيبر كانت رحلة الاستيلاء على المغانم، والفوز بها.

وقد رسخ هذا الاعتقاد لدى الكثيرين منهم الوعد الإلهي بهذه المغانم، فقد قال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ..([98]).

حيث فسرت هذه الآية بما مكنهم الله تعالى منه في خيبر.. حسبما تقدم في أواخر الحديث عن صلح الحديبية..

5 ـ إن ما فعله المخلفون في قضية الحديبية كان شديد الخطورة في أكثر من اتجاه، فعدا عن أنه يعبر عن ضعفهم الإيماني، وعن حبهم للدنيا، فإنه يجرئ الآخرين على ممارسة هذا الأسلوب في التعاطي مع أوامر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، الأمر الذي يمهد لاختلالات خطيرة، ربما تؤثر على الكيان الإسلامي كله.

6 ـ ثم إن النداء بحرمان هؤلاء، وبتخصيص أولئك، لا بد أن يثير الشعور لدى أهل الحديبية بالعزة والكرامة، ويقابله شعور آخر بالخزي وبالذنب لدى الذين تخلفوا حرصاً على الحياة بالأمس، وشدوا الرحال طمعاً بالغنيمة اليوم.

وكفى بذلك محفزاً لمزيد من التضحية والإقدام لأولئك، ورادعاً عن تكرار ما حدث لدى هؤلاء، ودرساً لغيرهم ممن لعلهم يسيرون على نفس الطريق.

المستخلف على المدينة:

وقال ابن هشام وغيره: إنه «صلى الله عليه وآله» استخلف على المدينة «نميلة» ـ بالتصغير ـ ابن عبد الله الليثي([99]).

وقيل: بل استخلف سباع بن عُرفُطة ـ بضم العين والفاء([100]).

وقيل: أبا ذر([101]).

ولعل سبب هذه الاختلافات الكثيرة في أمثال هذه الأمور هو: أن الرواة كانوا يروون من حفظهم، وكانت الغزوات كثيرة، والمعلومات غزيرة، فيتفق أن يختلط الأمر على بعض الرواة بين غزوة وأخرى..

كما أنه قد يكون هناك سياسات أو عصبيات، أو مصالح لدى بعض الفئات تقضي بإقصاء فريق، وبإعطاء المواقف، وإيكال المهمات إلى فريق آخر..

خدمة أنس للنبي :

وقد ادَّعى أنس: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد قال لأبي طلحة، حين أراد الخروج إلى خيبر: التمسوا لي غلاماً من غلمانكم يخدمني، فخرج أبو طلحة مُرْدِفي، وأنا غلام قد راهقت، فكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذا نزل خَدَمْتُه، فسمعته كثيراً ما يقول: إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل، والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال([102]).

ومما يؤيد أن يكون أول اتصال لأنس بالنبي «صلى الله عليه وآله» في خيبر: أنهم يقولون: إنه غزا مع النبي «صلى الله عليه وآله» ثماني غزوات فقط([103]).

وهذا يكذب ما زعموه، من أن أمه أتت به إلى النبي «صلى الله عليه وآله» وقالت له: هذا غلام كاتب.

قال: فخدمته تسع سنين فما قال لشيء صنعته: أسأت، أو بئس ما صنعت([104]).

وفي رواية أخرى: أنها قالت: هذا أنس غلام يخدمك فاقبله.

وذكروا: أنه خرج معه «صلى الله عليه وآله» إلى بدر يخدمه([105]).

نعم، وقد كان أنس يستحق هذه الأوسمة، فإنه كان على السقاية في البحرين من قبل أبي بكر([106]).

وكان يبث أقاويل تفيد في تأييد خلافة مناوئي علي «عليه السلام»، ويحجب حقائق حساسة، يستفيد من حجبها وإنكارها هذا الفريق بالذات.

فهو من أجل هذا وذاك يستحق أن تزجى له المدائح، وأن تسطر له المآثر، ليصبح كلامه أكثر وقعاً، وأعظم أثراً..

وقد استحق من جهة أخرى أن يدعو عليه أمير المؤمنين «عليه السلام» بسبب كتمانه حديث الغدير مرة، وحديث الطير أخرى، ولموقفه من طلحة والزبير في حرب الجمل ثالثة، فأصيب بالبرص، وعدَّ في جملة البرصان!!([107]).

ولكن كل أباطيلهم وأضاليلهم لم تستطع حجب الحقيقة، فقد روي عن الصادق «عليه السلام» أنه قال: ثلاثة كانوا يكذبون على النبي «صلى الله عليه وآله»: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة([108]).

أم سلمة في خيبر أيضاً:

وأخرج «صلى الله عليه وآله» معه إلى خيبر أم المؤمنين أم سلمة «رحمها الله»([109]). مع أنها كانت معه في غزوة الحديبية أيضاً..

ولنا وقفة مع هذا الأمر بالذات:

فإنه إذا كان «صلى الله عليه وآله» يقرع بين نسائه، لتعيين التي تخرج معه في سفره كما يدَّعون، فإن القرعة تكون قد وقعت على أم سلمة مرتين..

وإذا كان الله تعالى يسدد نبيه «صلى الله عليه وآله»، لتصيب قرعته ما يحبه الله تعالى، أو ما فيه مصلحة لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإن هذا يدل على اجتماع هذين الأمرين معاً في حق أم سلمة رضوان الله تعالى عليها؛ فإن هذه المرأة الفاضلة، والتي هي أفضل نساء النبي «صلى الله عليه وآله» بعد خديجة، كان الله يحبها وكانت المصلحة تقضي بأن تكون هي دون سواها معه في غزوتين هما من أخطر ما مر برسول الله «صلى الله عليه وآله» وبالمسلمين، وأشده حساسية، ويحتاج النبي «صلى الله عليه وآله» فيه إلى هدوء البال، وإلى إبعاد أي نوع من أنواع الأذى أو النكد، والمنغصات له..

وكما كان واضحاً أنه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..([110]) بل لا بد من الطاعة والإنقياد.

فإن من الواضح أيضاً: أن لا حق للنساء بمرافقة أزواجهن في السفر من الناحية الشرعية، ويستطيع الزوج أن يختار أيتهن شاء لمرافقته.. ولكن الرسول «صلى الله عليه وآله» التزم بالقرعة بينهن.

فذلك يعني: أنه قد جعل لهن ما يشبه الحق، رفقاً منه بهن، وعطفاً منه عليهن..

وإنما جعل «صلى الله عليه وآله» طريقاً للتعيين ـ مع علمه بأن الله تعالى هو الذي يتولى تسديده، وهو الذي يختار له ـ من أجل تسكين خواطرهن، وعدم إثارة أي من المشاعر السلبية لديهن، حتى لو كن يظلمن أنفسهن وغيرهن، ويظلمن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أيضاً في ذلك..

ولولا ما ذكرنا، لأمكن أن يقال: لقد كان بإمكانه «صلى الله عليه وآله» أن لا يُخرج معه منهن أحداً، أو أن يخرجهن في أسفاره بصورة متوالية، وفق تراتبية القَسْم والليلة لهن، أو وفق قرعة تحدد هذه التراتبية.

إحساس يهود المدينة بالخطر:

قال الصالحي الشامي:

ولما تجهز رسول الله «صلى الله عليه وآله» والناس، شق على يهود المدينة الذين هم موادعو رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعرفوا أنه إن دخل خيبر أهلك أهل خيبر، كما أهلك بني قينقاع، والنضير، وقريظة.

ولم يبق أحد من يهود المدينة له على أحد من المسلمين حق إلا لزمه، وطالبه به.

وعن ابن أبي حدرد، بسند صحيح: أنه كان لأبي الشحم اليهودي خمسة دراهم.

ولفظ الطبراني، والواقدي: أربعة دراهم، في شعير أخذه لأهله فلزمه.

فقال: أجلني، فإني أرجو أن أقدم عليك فأقضيك حقك إن شاء الله، قد وعد الله ـ تعالى ـ نبيه أن يغنمه خيبر.

فقال أبو الشحم حسداً وبغياً: أتحسبون أن قتال خيابر مثل ما تلقون من الأعراب؟ فيها: ـ والتوراة ـ عشرة آلاف مقاتل.

وترافعا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «أعطه حقه».

قال عبد الله: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها.

قال: أعطه حقه.

قال: وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذا قال ثلاثاً لم يراجع.

قال عبد الله: فخرجت، فبعت أحد ثوبي بثلاثة دراهم، وطلبت بقية حقه، فدفعت إليه، ولبست ثوبي الآخر. وأعطاني ابن أسلم بن حريش ـ بفتح الحاء وكسر الراء ـ ثوباً آخر.

ولفظ الطبراني: فخرج به ابن أبي حدرد إلى السوق، وعلى رأسه عصابة، وهو يأتزر بمئزر، فنزع العمامة عن رأسه فأتزر بها، ونزع البردة فقال: اشتر مني هذه، فباعها منه بالدراهم، فمرت عجوز فقالت: ما لك يا صاحب رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟ فأخبرها.

فقالت: ها دونك هذا البرد، فطرحته عليه.

فخرجت في ثوبين مع المسلمين، ونفلني الله ـ تعالى ـ من خيبر، وغنمت امرأة بينها وبين أبي الشحم قرابة، فبعتها منه([111]).

ونقول:

1 ـ إن يهود المدينة قد جربوا حظهم في الحرب مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» ورأوا بأم أعينهم كيف أن الله تعالى نصره عليهم.. وعرفوا مسبقاً نتائج حركته باتجاه خيبر.. وقد كانت ردة الفعل لديهم غريبة وعجيبة، من حيث إنها اقتصرت على السعي لحفظ أموالهم مهما كانت زهيدة، حتى ما كان بمقدار أربعة دراهم في شعير، فصاروا يلحون بمطالبة غرمائهم، ويلزمونهم بدفعها، وكأنهم يظنون: أن انتصار المسلمين في خيبر سوف ينشأ عنه ضياع تلك الأموال..

وربما كان المحفز على تفكيرهم هذا هو: اعتقادهم