الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1426 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء التاسع عشر

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الباب العاشر:

بين خيبر ومؤتة

الفصل الأول: فتح وادي القرى.. ورد الشمس

الفصل الثاني: سرايا بين وادي القرى وعمرة القضاء

الفصل الثالث: شخصيات.. وأحداث إلى عمرة القضاء

الفصل الرابع: تكبيرات صلاة الميت.. وصلاة الغائب..

الفصل الخامس: إلى مكة ـ لأجل العمرة

الفصل السادس: من مكة إلى المدينة

الفصل السابع: سرايا وأحداث إلى مؤتة

الفصل الأول:

فتح وادي القرى.. ورد الشمس..

انصراف الرسول من خيبر إلى وادي القرى:

وبعد فتح خيبر، انصرف رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى وادي القرى..

قال محمد بن عمر: لما انصرف رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن خيبر، وأتى الصهباء سلك على برمة، حتى انتهى إلى وادي القرى، يريد من بها من يهود.

قال أبو هريرة: نزلناها أصيلاً مع مغرب الشمس، رواه ابن إسحاق.

قال البلاذري: فدعا أهلها إلى الإسلام، فامتنعوا من ذلك، وقاتلوا، ففتحها رسول الله «صلى الله عليه وآله» عنوة، وغنمه الله أموال أهلها، وأصاب المسلمون منهم أثاثاً ومتاعاً، فخمس رسول الله «صلى الله عليه وآله» ذلك، وتركت الأرض والنخل في أيدي يهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر([1]).

وكان أبو هريرة يحدث فيقول: خرجنا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» من خيبر إلى وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله «صلى الله عليه وآله» عبداً أسود يقال له: مِدْعَم وكان يرحِّل لرسول الله «صلى الله عليه وآله».

فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود، وقد ضوى إليها ناس من العرب، فبينما مدعم يحط رحل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد استقبلتنا يهود بالرمي حيث نزلنا، ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر، فأصاب مدعماً فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم، لم يصبها المقسم، تشتعل عليه ناراً»([2]).

فلما سمع الناس بذلك، جاء رجل إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» بشراك أو شراكين، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «شراك من نار، أو شراكان من نار».

وعبأ رسول الله «صلى الله عليه وآله» أصحابه للقتال، وصفَّهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر.

ثم دعاهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله تعالى.

فبرز رجل منهم، فبرز له الزبير بن العوام فقتله.

ثم برز آخر، فبرز له الزبير فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب «عليه السلام» فقتله.

ثم برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة فقتله.

ثم برز آخر فبرز له أبو دجانة فقتله. حتى قتل منهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» أحد عشر رجلاً، كلما قُتل رجل دعا من بقي إلى الإسلام([3]).

ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذٍ، فيصلي رسول الله «صلى الله عليه وآله» بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا.

وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها رسول الله «صلى الله عليه وآله» عنوة، وغنّمه الله تعالى أموالهم، وأصابوا أثاثاً ومتاعاً كثيراً.

وأقام رسول الله «صلى الله عليه وآله» بوادي القرى أربعة أيام.

وقسَّم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخيل بأيدي يهود، وعاملهم عليها.

قال البلاذري: وولاها رسول الله «صلى الله عليه وآله» عمرو بن سعيد بن العاص، وأقطع رسول الله «صلى الله عليه وآله» جمرة بن هوذة العذري رمية بسوطه من وادي القرى.

ونلاحظ هنا أموراً نجملها فيما يلي:

1 ـ إن من حق كل أحد أن يدعو الآخرين إلى دينه، فإما أن يرفضوا، أو يقبلوا، ولا يستطيع أحد أن يكره أحداً على هذا الأمر، لأن القضية ترتبط بالعقل والقلب معاً. فالعقل، وإن استسلم للدليل، لكن ليس بالضرورة أن يتحقق الإيمان، إذ قد يلجأ إلى الجحود، والإنكار، رغم وضوح الأمر لديه، وذلك على قاعدة: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ([4]).

2 ـ وإن بعض الناس لا يكتفون بالجحود، فيتجاوزونه إلى الحرب والقتال، تماماً كما فعل مشركو مكة، وكما فعل يهود وادي القرى، فإن النبي «صلى الله عليه وآله» دعاهم إلى الله تعالى، ومن حقه ذلك.. ولكنهم لم يكتفوا بالإمتناع عن قبول الحق، بل أعلنوا الحرب عليه، وقاتلوه بغياً منهم، وكانوا هم الذين بدأوه بالعدوان، واستقبلت سهامهم المسلمين بمجرد وصولهم، وقبل أي سؤال أو جواب، وقتلوا أحد أصحابه حتى وهو ينزل رحل رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى الأرض.

فكان لا بد أن يواجهوا جزاء هذا البغي، وفتح الله تعالى بلدهم عنوة، وغنّمَ الله المسلمين أموالهم، وصارت أرضهم للمسلمين..

3 ـ إن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يرد أن يمعن في مجازاتهم بما يستحقونه، بل اتخذ سبيل السهولة والعفو، فقبّلهم (أي كتب لهم بها قبالات، وجعلها بتصرفهم) الأرض، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر.

4 ـ وإن هذا العدوان السافر، الذي باشروه، قَبل أي سؤال أو جواب، لم يمنع النبي «صلى الله عليه وآله» من أن يعاملهم بالرحمة والشفقة، فهو في نفس الوقت الذي يهيئ فيه جيشه، ويرفع من مستوى استعداده للردع ـ حيث عبأه، وأعطى الألوية والرايات لأهلها ـ لم يبادر إلى المقابلة بالمثل، بل دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما لهم إن أسلموا، وأعلمهم أنه ليس له طمع بأموالهم، بل المطلوب منهم هو الكف عن العدوان أولاً، ثم إنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم.. فالمطلوب منهم هو إعلان الإسلام، والحال أنه ليس مسؤولاً عن دخائلهم، وما في ضمائرهم. بل حسابهم في ذلك على الله تعالى..

وقد يقال: بأن دعوة الناس إلى الإسلام بهذا الشكل ـ أعني مجرد إعلان الشهادتين ـ قد تشجع الناس على النفاق، لحقن دمائهم، وحفظ أموالهم ، وهذا يشكل تهديداً حقيقياً للإسلام فيما بعد؟!!

ونجيب:

إن هذا المحذور غير وارد، من حيث إن ذلك لا يشجع على النفاق، بل هو أول خطوة هامة جداً في سلسلة التنازلات، التي تسقط الإصرار على المقاومة، وتهيئ للإندماج الثقافي، واعطاء المجال لإعمال الفكر والتعقل والتدبر في أمر هذا الدين ورفع العوائق عن ممارسة الحوار البناء الذي هو الخطوة الأهم على طريق الوصول إلى أسلمة المجتمعات تدريجاً من خلال طي مراحل من التنازلات، التي تبقى تحت السيطرة والهيمنة في نطاق سياسة احتواء النشاطات المعادية ومنعها عن التحرك بشكل علني وسافر، قد يشجع الكثيرين لاتخاذ نفس النهج العدواني الذي يمنع الكثيرين من رؤية الحقايق، ومن التعامل معها بروية وأناة..

5 ـ بل هو «صلى الله عليه وآله» لم يكف عن دعوتهم إلى الله تعالى، حتى حين بدأت الحرب واستمرت.. بل كان كلما قُتل رجل منهم جدّد دعوته لمن بقي منهم إلى الإسلام.. أي أنه أبقى باب النجاة أمامهم مفتوحاً، ولم يتخذ بغيهم وعدوانهم ذريعة للإيقاع بهم، رغم أن ذلك من حقه، وهذا هو الجزاء العادل لهم، بل هو قد استمر على معاملتهم بالإحسان، الذي هو فوق العدل..

وكان كلما حضر وقت الصلاة انصرف إليها، فيصلي بأصحابه، ثم يعود إليهم فيدعوهم إلى الله ورسوله..

6 ـ ما ذكرته الرواية المتقدمة: من أنه «صلى الله عليه وآله» قد أعطى لواءه إلى سعد بن عبادة، وأعطى رايات إلى عباد بن بشر، والحباب بن المنذر، وسهل بن حنيف.. لا يمكن قبوله، فقد تقدم في غزوة أحد: أن علياً «عليه السلام» كان صاحب لواء ـ أو صاحب راية ـ رسول الله «صلى الله عليه وآله» في بدر، وفي كل مشهد..

7 ـ بالنسبة لما ذكرته الرواية: من أنه «صلى الله عليه وآله» قد حكم على مدعم بكونه ليس من أهل الجنة؛ لأن الشملة التي غلها من غنائم خيبر تشتعل عليه ناراً.. نقول:

قد تقدم منا حين الحديث عن غنائم خيبر، في فقرة الغلول في خيبر: أن أمثال هذه القضايا والأخبار تحتاج إلى مزيد من التأمل والتدقيق في صحتها، لأكثر من سبب ولا أقل من أنه أغراض بعض اصحاب المأرب الدنيئة حيث يتخذون منها وسلية للتستر، وتبرير وتقليل من بشاعة وشناعة فعل المجترئين على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حيث اتهموه بأنه قد عل حتى احتاج إلى نزول الوحي في هذا.. فتأتي هذه الأباطيل لتقدم المبررات لشكوكهم والمسوغات، لإطلاق تلك التهم الشنيعة.. والله هو العالم بالحقائق.

نوم النبي عن صلاة الصبح:

روى مسلم، وأبو داود عن أبي هريرة، وأبو داود عن ابن مسعود، وابن إسحاق عن سعيد بن المسيب، ومحمد بن عمر عن شيوخه، قالوا:

انصرف رسول الله «صلى الله عليه وآله» من وادي القرى راجعاً بعد أن فرغ من خيبر ووادي القرى، فلما كان قريباً من المدينة سرى رسول الله «صلى الله عليه وآله» ليلته، حتى إذا كان قبيل الصبح بقليل نزل وعرَّس، وقال: ألا رجل صالح حافظ لعينه، يحفظ علينا الفجر، لعلنا ننام؟

قال بلال: يا رسول الله، أنا أحفظه عليك.

فنزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقام بلال يصلي ما شاء الله أن يصلي. ثم استند إلى بعيره، واستقبل الفجر يرقبه، فغلبته عينه، فنام، فلم يستيقظ رسول الله «صلى الله عليه وآله» ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس([5]).

وفي بعض الروايات: أن الألسنة أخذت بلالاً وكان أشدهم عليه أبو بكر.

وذكرت الروايات أيضاً: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أول أصحابه هبَّ، فقال: «ما صنعت بنا يا بلال»؟

قال: يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك.

قال: «صدقت».

ثم اقتاد رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعيره غير كثير، ثم أناخ، وأناخ الناس فتوضأ، وتوضأ الناس، وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فلما فرغ، قال: «إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي([6])»([7]).

وفي رواية: أنه «صلى الله عليه وآله» التفت إلى أبي بكر، وقال له: إن الشيطان أتى بلالاً، وهو قائم يصلي، فلم يزل يهدئه كما يهدئ الصبي حتى نام.

ثم دعا رسول الله «صلى الله عليه وآله» بلالاً، فأخبر بلال رسول الله «صلى الله عليه وآله» بمثل ما أخبر به «صلى الله عليه وآله» أبا بكر.

فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله([8]).

وفي رواية: فاستيقظ القوم وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: هذا واد به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي([9]).

ونقول:

إن ذلك لا يصح، وقد تحدثنا عنه أكثر من مرة، فإن هؤلاء القوم ما زالوا في المواطن المختلفة يذكرون هذا الأمر عن رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وقد قلنا: إن رواياتهم ظاهرة الاختلاف فيما بينها..

فهي تارة تقول: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان أول من استيقظ، حسبما تقدم.

وأخرى تقول: إنه «صلى الله عليه وآله» استيقظ على كلام جرى بين أصحابه([10]).

ومن جهة أخرى: فإنهم تارة يقولون: إن ذلك كان في حال رجوعه من الحديبية.

وأخرى: في مرجعه من حنين.

وثالثة: في مرجعه من تبوك.

ورابعة: في مرجعه من وادي القرى([11]).

ومن جهة ثالثة: فتارة يقولون: إن حارسهم كان بلالاً كما تقدم.

وأخرى: ابن مسعود([12]).

وثالثة: أنه ذو مخبر([13]). وهو رجل حبشي كان يخدم رسول الله «صلى الله عليه وآله».

ورابعة: أنس([14]).

وخامسة تقول: إنهم كانوا سبعة أشخاص، وقد ناموا كلهم([15]).

وإن لا نستسيغ حتى احتمال حدوث هذه الواقعة، فضلاً عن تكرارها مرات كثيرة، فإننا نبادر إلى القول: بأن ذلك كله يدل: على أن ثمة إصراراً قوياً على نسبة هذا الأمر إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

ومما يدلنا على عدم صحة هذه الترهات:

أولاً: إذا كان «صلى الله عليه وآله» قد سرى في الناس في تلك الليلة، فذلك يعني أن الجميع مرهقون، وأنهم كلهم بحاجة إلى النوم، فالطلب من أي واحد منهم أن يبقى مستيقظاً يكون على خلاف ما يقتضيه الرفق، بل فيه ترجيح من دون مرجح ظاهر، إذ لماذا ينعم هؤلاء بالراحة، والنوم الهادىء، والأحلام اللذيذة، ويبقى ذاك الآخر يغالب نفسه ليقهرها على مواصلة السهر، ومعاناة التعب؟!

ثانياً: إن هذا النوم الذي يستغرق فيه جميع الجيش باستثناء شخص واحد، وهو نوم يأتي بعد الضنى، والتعب والسهر، يفسح المجال لأي إنسان أو مجموعة شريرة للتسلل تحت جنح الظلام؛ للسرقة أو للفتك بمن أرادوا منهم، حتى برسول الله «صلى الله عليه وآله»، لا سيما إذا كان الحارس مشغولاً بالصلاة، ومتوجهاً إلى جهة واحدة، ولا يراقب سائر الجهات، وبالأخص إذا كان ذلك بالليل، حيث الظلام يصد البصر في كل اتجاه..

يضاف إلى ذلك: أنه إذا نام ألف وخمس مائة رجل ومعهم من الإبل والخيل المئات فإن المساحة التي يحتاجون إليها في نزولهم سوف تكون واسعة وشاسعة، يصعب مراقبة حالها حتى في وسط النهار، وحتى لو تشارك في هذا الأمر عدد من الرجال. فكيف إذا كان ذلك في الليل، فإن حراسة هذا الجيش من أي مكروه يتعرض له تحتاج إلى عشرات الرجال..

ثالثاً: إننا لم نجد مبرراً لأن يسري بهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» طوال الليل إلى قريب الصبح، إذ ليس هناك من عدو يخشى أن يسبقه إلى جهة لا يريد أن يسبقه إليها، ولا شيء يخشى فواته، ليجهد نفسه، ويجهدهم من أجل الوصول إليه، والحصول عليه..

رابعاً: إن النبي «صلى الله عليه وآله» إنما تنام عيناه، ولا ينام قلبه([16]). فكيف ينام عن صلاة الصبح؟!..

خامساً: إن ما حصل لم يكن باختيار بلال، فلماذا يلام عليه؟ ولماذا تأخذه الألسنة فيه؟ ولماذا يكون أشدهم عليه أبو بكر؟ ولماذا لا يترك هذا أمره لرسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

وإذا كان «صلى الله عليه وآله» قد قال: أرواحنا كانت بيد الله عز وجل فأرسلها أنى شاء.. فهل كان هؤلاء اللائمون أشد حرصاً من نفس النبي «صلى الله عليه وآله»..

الشيطان وبلال:

وأما حديث الشيطان وبلال، فلا مجال لقبوله أيضاً لأكثر من سبب..

فأولاً: إن بلالاً قد شعر بهذا الشيطان حين جاء إليه، وصار يهدئه، حسبما صرحت به الرواية، فلماذا لم يسأله ـ بلال ـ عن نفسه من هو؟..

وكيف اطمأن واستسلم إليه، إلى حد أنه جعل يهدئه كما يهدئ الصبي حتى ينام؟!.. مع أنه شخص غريب عنه، ولا يعرف عنه شيئاً؟!

وألم يكن المفروض ببلال أن ينذر النائمين بوجود هذا الغريب؟!

وأليس ذلك هو مهمته التي سهر من أجلها؟!

ثانياً: إن الرواية تقول: إن الشيطان قد جاء إلى بلال وهو يصلي، وصار يهدئه حتى ينام، مع أن الروايات المتقدمة صرحت: بأن بلالاً قد صلى ما شاء الله أن يصلي، ثم أسند ظهره إلى بعيره، واستقبل الفجر يراقبه، فغلبته عينه، فنام..

ثالثاً: بالنسبة لخروجهم من ذلك الوادي الذي كان به شيطان نسأل: لماذا لم يهرب الشيطان من ذلك الوادي بمجرد وصول رسول الله «صلى الله عليه وآله» إليه؟!..

وهل لذلك الشيطان دور في نومه «صلى الله عليه وآله» عن صلاته؟!.. وكيف يكون له دور في ذلك، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؟!([17]).

رابعاً: أين كان عمر بن الخطاب آنذاك؟!

أليس يقولون: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قال له: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر؟!([18]) أو: ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك؟!([19]).

بل إن شياطين الجن والإنس يفرون منه([20]) كما رووا عنه «صلى الله عليه وآله»؟!

فلماذا لم يسلك هذا الشيطان المزعوم فجاً آخر غير ذلك الوادي، ألم يعلم: أن عمر قد نزل فيه؟!

إلا أن يقال: إن الشيطان قد استغل فرصة نوم عمر لينال من بلال!!

خامساً: لماذا يأمر النبي «صلى الله عليه وآله» أصحابه بالخروج من الوادي، لأن فيه شيطاناً؟! أليس في ذلك تخويف لهم من الشيطان إلى حد أنه «صلى الله عليه وآله» يحملهم على الهروب من الوادي!!

ألم يكن الأنسب أن يقويهم، ويرفع من معنوياتهم ضد ذلك الشيطان؟! ويعلِّمهم ما يوجب خزيه وهروبه؟!

رد الشمس لعلي × في خيبر:

وذكروا: أن الشمس قد ردت ـ بعدما غربت ـ لعلي «عليه السلام» في الصهباء، قرب خيبر([21]).

وفي بعض الروايات: أنه «صلى الله عليه وآله» كان مشغولاً بقسم الغنائم في خيبر.

وفي نص آخر: كان النبي «صلى الله عليه وآله» قد أرسله في حاجة فعاد، فنام «صلى الله عليه وآله» على ركبته، وصار يوحى إليه.. فغابت الشمس، أو كادت.

وفي بعض الروايات: أنها قد ردت إليه مرات عديدة، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا: «رد الشمس لعلي ×»، فراجع.

غير أننا سوف نكتفي هنا: بالإلماح إلى نقاط يسيرة، حول ما كان في غزوة خيبر، فنقول:

رواة حديث رد الشمس:

إن حديث رد الشمس لعلي «عليه السلام» في المواضع المختلفة قد روي عن ثلاثة عشر صحابياً، وقد وردت رواية اثني عشر منهم في مصادر أهل السنة أيضاً. وهم:

1 ـ علي أمير المؤمنين «عليه السلام».

2 ـ والإمام الحسين «عليه السلام».

3 ـ وأسماء بنت عميس.

4 ـ وأبو هريرة.

5 ـ وأبو ذر.

6 ـ وأم هانئ.

7 ـ وعبد خير.

8 ـ وأم سلمة.

9 ـ وجابر بن عبد الله الأنصاري.

10 ـ وأبو سعيد الخدري.

11 ـ وسلمان.

12 ـ وأنس.

13 ـ وأبو رافع مولى رسول الله «صلى الله عليه وآله»([22]).

وهذا الحدث متواتر، فلا حاجة إلى امتكم حول اسانيده وقد صححه، أو حسنه عدد من الحفاظ، من علماء أهل السنة أنفسهم، مثل الطحاوي، وعياض، وأبي زرعة، والطبراني، وأبي الحسن الفضلي، والقسطلاني، ودحلان، وغيرهم([23]).

وقال الدياربكري: وهذا حديث ثابت الرواية عن ثقات([24]).

بل قال بعضهم: يتعذر الحكم على هذا الحديث بالضعف([25]).

لماذا لم تنقل الأمم ذلك؟!

وقد حاولوا التشكيك بهذ الحادثة، بأن الشمس لو ردَّت بعدما غربت لرآها المؤمن والكافر، وهو أمر غريب تتوفر الدواعي على نقله، فالمفروض أن ينقله جماعةكثيرة من الأمم المختلفة([26]).

والجواب:

أولاً: إن الدواعي لدى كثير من أهل الإسلام كانت متوفرة على كتمان هذا الحديث، لأنه مرتبط بعلي أمير المؤمنين «عليه السلام»، الذي سبوه حوالي ألف شهر على منابرهم، ولم يدخروا وسعاً في تصغير قدره، وإبطال أمره، والتشكيك بفضائله، وإنكار مقاماته إن أمكنهم ذلك.

ورغم ذلك، فإن هذه الحادثة قد نقلت عن ثلاثة عشر صحابياً.

ثانياً: إن الشمس قد حبست ليوشع بالاتفاق، وهو حدث كوني أيضاً، وإنما وصل إلينا خبر ذلك بواسطة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم([27]). ولم تنقله الأمم في كتاباتها، ولا أهل الأخبار في مروياتهم.

وقد عبرت بعض الروايات: بحبس الشمس لعلي «عليه السلام»..

كما أن بعضها قال: إن الشمس حين رُدَّت، كانت قد غابت، أو كادت تغيب([28]).

فلماذا لا يقال: إن الشمس حبست في بعض المرات، وردَّت في بعضها الآخر، في وقت كان نورها لا يزال غامراً للأفق، فلم يلتفت الناس إلى ما جرى، إلا الذين كانوا يراقبونها، كأولئك الذين جرت القضية أمامهم، ويريد الله ورسوله أن يريهم هذه الكرامة لعلي «عليه السلام»..

ثالثاً: سيأتي إن شاء الله تعالى: أن حصول هذا الأمر كان على سبيل الكرامة والإعجاز الإلهي، وإنما يجب أن يري الله تعالى معجزته لمن أراد سبحانه إقامة الحجة عليه وإظهار كرامة له، كما سيتضح.

لم تحبس الشمس إلا ليوشع:

وزعم أبو هريرة: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع، أو نحو ذلك. وقد تمسك البعض بهذا الحديث لإنكار حديث رد الشمس([29]).

ويرد عليه:

أولاً: إن أبا هريرة لا يؤتمن فيما يرويه على علي «عليه السلام»، كيف وقد ضرب على صلعته في باب مسجد الكوفة، ثم روى لهم حديث: من أحدث في المدينة أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله. ثم شهد بالله أن علياً «عليه السلام» أحدث في المدينة([30]).

مكذباً بذلك آية التطهير، وجميع أقوال النبي «صلى الله عليه وآله» في حق علي «عليه السلام»، مثل أن علياً مع الحق والحق مع علي، ونحو ذلك..

ومن جهة أخرى، فقد روي عن علي «عليه السلام» قوله: ألا إن أكذب الناس، أو أكذب الأحياء على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أبو هريرة([31]).

وقد وضع معاوية قوماً من الصحابة والتابعين على رواية أخبار قبيحة في علي «عليه السلام»، تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلاً يرغب فيه، فاختلقوا ما أرضاه. منهم أبو هريرة([32]).

ثانياً: لو صح هذا الحديث، فلعل أبا هريرة قد دلس فيه، ورواه عن شخص آخر. ويكون صدور هذا الحديث عن النبي «صلى الله عليه وآله» قبل رد الشمس لعلي «عليه السلام» في خيبر وفي بدر..

ثالثاً: إن هذا الحديث لو صح: فإنما ينفي حبس الشمس لغير يوشع، ولا ينفي ردها..

رابعاً: قد روي حبسها لرسول الله «صلى الله عليه وآله» صبيحة الإسراء، وفي الخندق([33]).

خامساً: قد حبست الشمس، وردَّت لغير رسول الله «صلى الله عليه وآله» أيضاً، فقد روي: أنها حبست لداود «عليه السلام».

وردت لسليمان «عليه السلام».

وحبست لموسى «عليه السلام».

وزعموا: أنها حبست لأبي بكر.

وحبست في أيام حزقيل.

وزعموا: أنها حبست للحضرمي([34]).

سادساً: قال الشافعي: إن الشمس إذا كانت قد حبست ليوشع ليالي قتال الجبارين، فلابد أن يقع نظير ذلك في هذه الأمة أيضاً([35]).

الذين يرون المعجزة:

وبعد.. فإن الذين يجب أو يمكن أن يروا المعجزة هم:

إما الصفوة الأخيار، الذين تزيدهم يقيناً وإيماناً.

وإما الذين يراد إقامة الحجة عليهم، أو ردّ التحدي الوارد من قبلهم، وتحطيم كبريائهم، وبغيهم.

ويراها أيضاً أولئك الذين خدعوا بهؤلاء، من أجل تعريفهم بزيفهم، وبباطلهم، وجحودهم..

وأما الآخرون الغافلون فقد يجب أن لا يراها الكثيرون منهم، وهم الذين يصابون بالخوف، والهلع، الذي يُفقِدُ إيمانهم قدرته على التأثير في جلب المثوبة لهم، لأن المناط في جلب المثوبة هو الإختيار، البعيد عن أجواء الإلجاء، والاضطرار، ليكون إيماناً مستنداً إلى الوعي والالتفات، وإلى القناعة الناتجة عن روية وتبصر، وعن تأمل وتفكر، ووعي وتدبر.

إختلال النظام الكوني:

وقد زعموا أيضاً: أن رد الشمس لعلي «عليه السلام» غير ممكن، لأنه يوجب اختلال الأفلاك([36]).

ونقول:

أولاً: إن أمر الكون بيد الله تعالى، فهو يخضعه للمعجزة، دون أن يوجب حدوثها أي اختلال في نظامه.. لأن صانع المعجزة هو إله قادر عالم حكيم.. وليس عاجزاً ولا جاهلاً.

ثانياً: إن هذا الكلام لو صح للزم تكذيب جميع المعجزات التي لها ارتباط بالنظام الكوني، ومن ذلك معجزة انشقاق القمر. ومعجزة حبس الشمس ليوشع. وغير ذلك..

لو ردت لعلي × لردت للنبي :

وقالوا: لو ردت الشمس لعلي «عليه السلام» لردت للنبي «صلى الله عليه وآله»، حينما نام هو وأصحابه عن صلاة الصبح في الصهباء، وهو راجع من غزوة خيبر نفسها([37]).

ونقول:

أولاً: تقدم: أن حديث نوم النبي «صلى الله عليه وآله» عن صلاة الصبح لا يمكن قبوله.

ثانياً: تقدم أيضاً: أن الشمس ردت على رسول الله «صلى الله عليه وآله» في غزوة الخندق وغيرها، وحبست له «صلى الله عليه وآله» حين الإسراء.

وتقدم أيضاً: أنها ردَّت وحبست لغيره من الأنبياء والأوصياء السابقين..

بل زعموا: أن ذلك قد حصل لغير هؤلاء أيضاً من هذه الأمة، حيث تقدم أنهم زعموا: أنها حبست للحضرمي، ولأبي بكر أيضاً.

ثالثاً: قال الخفاجي: «إنما ردت إلى علي «عليه السلام» ببركة دعائه «صلى الله عليه وآله». مع أن كرامات الأولياء في معنى معجزات الأنبياء».

إلى أن قال: «مع أن المفضول قد يوجد فيه ما لا يوجد في الفاضل. كما يلزم منه القول بعدم حبسها ليوشع»([38]).

ولعله يقصد بقوله: قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل: أن بعض المصالح قد توجب حدوث أمر للمفضول، ولا يكون هناك ما يوجب حدوثه للفاضل..

فإذا كان هناك من سوف يعاند علياً «عليه السلام» في إمامته، وفي خصوصيته، وفي أفضليته على البشر جميعاً، باستثناء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإن الله يختصه بكرامات تثبت لهم ذلك كله، وتقيم عليهم الحجة فيهم، فيولد علي «عليه السلام» في الكعبة، ولا يولد رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيها، ويقلع علي «عليه السلام» باب حصن خيبر، وترد له الشمس و.. و.. الخ.. ولا يكون هناك ما يقتضي حدوث ذلك لرسول الله «صلى الله عليه وآله»..

علي × لا يترك الصلاة:

وقالوا: إن علياً «عليه السلام» أجلُّ من أن يترك الصلاة([39]). فإذا ورد ما ينسب ذلك إليه، فلابد من ردِّه.

ونقول:

أولاً: صرح النص الذي ذكر رد الشمس لعلي «عليه السلام» في منزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» في المدينة، بأن علياً «عليه السلام» قد صلى إيماءً، وأراد الله أن يظهر كرامته، فردها عليه ليصلي صلاة المختار.

ثانياً: ذكرت بعض النصوص: أن الله تعالى رد الشمس عليه، أو حبسها له بعدما كادت تغرب.

وهذا معناه: أن صلاة العصر لم تكن قد فاتته، لأن وقتها يمتد إلى وقت غروب الشمس.

وقد قال ابن إدريس في السرائر: «ولا يحل أن يعتقد أن الشمس غابت، ودخل الليل، وخرج وقت العصر بالكلية، وما صلى الفريضة «عليه السلام»، لأن هذا من معتقِدِه جهل بعصمته «عليه السلام»، لأنه يكون مخلاً بالواجب المضيق عليه. وهذا لا يقوله من عرف إمامته، واعتقد بعصمته»([40]).

وعلى كل حال: فإن مناوئي علي «عليه السلام» قد سعوا بكل ما لديهم من طاقة وحول إلى إبطال هذه الكرامة الكبرى له «عليه السلام»، أو إثارة الشبهات والتشكيكات حولها، ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره، ولو كره الشانئون، والحاقدون، والحاسدون لعلي «عليه السلام»، وللأئمة الطاهرين من ولده «عليهم السلام»..

فمن أراد الاطلاع على المزيد مما يرتبط بهذا الموضوع، فليرجع إلى كتابنا الموسوم بـ: «رد الشمس لعلي عليه السلام»، والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

عصى الرسول فوجد ما يكره:

ولما انتهى رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى الجرف ليلاً، نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً، فطرق رجل أهله، فرأى ما يكره، فخلى سبيلها ولم يهجر، وضَنَّ بزوجته أن يفارقها، وكان له منها أولاد، وكان يحبها، فعصى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ورأى ما يكره([41]).

جبل أحد يحبنا ونحبه:

قالوا: ولما نظر رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى جبل أحد، قال: «هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إني أحرم ما بين لابتَي المدينة»([42]).

ونقول:

1 ـ قد يحب الإنسان جبلاً أو مكاناً بعينه، باعتبار أنه مصدر أنس له، لكونه يتلذذ بمنظره، أو لأجل ذكريات عزيزة كانت له فيه، أو ما إلى ذلك.. ولكنها تبقى حالة مرتبطة بالفرد، وبمشاعره الشخصية، ولا تتعداه إلى غيره..

ولا نرى أن حب النبي «صلى الله عليه وآله» لجبل أحد كان من أجل هذا أو ذاك، بل هو حب يتناسب مع أهدافه «صلى الله عليه وآله»، ومع ما يفيد في تأييد هذا الدين، وزيادة اليقين.

2 ـ يضاف إلى ذلك: أنه «صلى الله عليه وآله» لم يحصر الأمر بنفسه الشريفة، بل هو تحدث عن نفسه وعن غيره، فقال: نحبه، ولم يقل: أحبه. وقال: يحبنا. ولم يقل: يحبني.

وهذا يؤكد على أن في جبل أحد خصوصية ومعنىً يجعل الإنسان المؤمن يحب هذا الجبل.. فما هي تلك الخصوصية، وما هو ذلك المعنى يا ترى؟!

وربما يفيد في الإجابة على هذا السؤال القول: بأن هذا الجبل كان يحتضن أجساداً طاهرة لشهداء أحد، وفي مقدمتهم أسد الله وأسد رسوله الشهيد حمزة بن عبد المطلب، عم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد كانت الزهراء «عليها السلام» تزور قبورهم بصورة رتيبة ودائمة، وقد صنعت سبحتها من تراب قبر حمزة «عليه السلام».

كما أن لجبل أحد ارتباطاً ظاهراً بوقائع حرب أحد، فإن الاستناد إليه قد وفَّر مانعاً لجيوش الشرك من الالتفاف على أهل الإيمان، والإيقاع بهم.

فلأجل هذا وذاك لابد أن تتعلق به قلوب المؤمنين، وأن يحبوه، وأن يقصدوه لزيارة الأولياء والشهداء.

3 ـ وأما أن جبل أحد يحب النبي «صلى الله عليه وآله» والمسلمين، فذلك أمر قد يصعب إدراكه للوهلة الأولى، غير أن مما لا شك فيه: أن كل شيء يتعامل معه الإنسان بروح الاستقامة والطهر، والتقوى، يتأثر إيجاباً بالصلاح وبالطهر، والتقوى، وكذلك يتأثر سلباً بالفساد والإفساد، فإن لخبث الباطن ولطهره تأثيرهما على الأرواح والأجساد، بل على النَّفَس الذي يتنفسه، وعلى الأشياء التي يلامسها. وعلى الهواء الذي يستنشقه وما إلى ذلك..

ولعل في بعض الآيات الشريفة إشارات إلى ذلك أيضاً، فلاحظ قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ..([43]) وغير ذلك من آيات..

وفي الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن آثار الأعمال وعن تأثيراتها في الأمور الخارجية الكثير مما يدل على ذلك، فبسبب الأعمال الصالحة يكون النماء والبركة، وبسبب الأعمال السيئة تسلب البركة، وتشح الأرزاق، وتظهر الأسواء في كل اتجاه.. بل إن للنوايا الصالحة والسيئة تأثيراتها في ذلك أيضاً..

ولا شك أن ما ترتاح إليه الموجودات وتنتعش فيه، وتمتلئ حيوية ونشاطاً هو ما ينسجم مع طبيعتها، ومع الهدف الذي أوجدها الله تعالى من أجله..

ومن جهة أخرى فإن الآيات قد دلت على أن للجبال خشية وخشوعاً إلى حد التصدع، وإلى أن لها تأويباً وتسبيحاً، وإلى أن تجلي شيء من عظمة الله تعالى للجبل يجعله دكاً..

إلى غير ذلك مما ألمحت إليه وصرحت به الآيات والروايات الشريفة، فلا غرو إذن إذا كان جبل أحد يحب النبي «صلى الله عليه وآله»، ويحب المؤمنين، ويبغض أهل الكفر والجحود، ويمقت المنحرفين والفاسقين..


 

الفصل الثاني:

سرايا بين وادي القرى وعمرة القضاء


 

سرية عمر إلى تربة:

يقول المؤرخون: إنه في شعبان سنة سبع بعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلاً إلى بني نصر بن معاوية، وبني جشم بن بكر. وهم الذين يقال لهم: «عجزُ هوازن»([44])، أرسله إلى موضع يقال له: تربة، على أربع ليال من مكة، على طريق صنعاء ونجران([45]).

لكن هناك من يقول: إنه واد على يومين من مكة، يصب في بستان ابن عامر([46]).

فخرج بهم عمر، ودليله رجل من بني هلال، فكانوا يسيرون بالليل، ويكمنون بالنهار. وأتى الخبر هوازن فهربوا.

وجاء عمر إلى محالهم، فلم يلق منهم أحداً.

وانصرف راجعاً إلى المدينة، فلما كان بالجَدْر ـ موضع على ستة أميال من المدينة ـ قال له الهلالي: هل لك في جمع آخر تركته من خثعم، جاؤوا سائرين قد أجدبت بلادهم؟!

فقال عمر: لم يأمرني رسول الله «صلى الله عليه وآله» بهم، إنما أمرني أن أصمد لقتال هوازن بتربة. وواصل طريقه إلى المدينة([47]).

ونقول:

لنا ملاحظات عديدة، نذكر منها ما يلي:

1 ـ إننا نعطي الحق لعمر في امتناعه عن مهاجمة الخثعميين، الذين لم يأمر النبي «صلى الله عليه وآله» بشيء في شأنهم، ونود أن يكون الحفاظ على حرفية أوامره «صلى الله عليه وآله» هو الداعي له إلى ذلك، وليس هو الخوف من أن يحيق به مكروه في ساحات الحرب والنزال، فقد تعودنا منه النكوص والإحجام عن مثل هذه الساحات..

ولعل ما يعزز هذا الاحتمال الأخير: أننا وجدناه لا يلتزم بحرفية الأوامر في كثير من المواقع والحالات، بل هو يصر على مخالفتها. ومن ذلك تمرده على أوامر النبي يوم الحديبية وقبلها ومنعه للنبي «صلى الله عليه وآله» من كتابة كتاب لا تضل الأمة بعده أبداً، وقوله: إن النبي غلبه الوجع، أو إن النبي ليهجر، أو نحو ذلك..

وقد تقدم عن قريب، كيف أنه يأمر بقتل يهودي، وجده في نوبة حراسته، دون أن يراجع النبي «صلى الله عليه وآله» في ذلك.

2 ـ إن مشورة ذلك الدليل على عمر بمهاجمة الخثعميين تشير إلى أن هؤلاء كانوا يظنون أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يرسل هذه السرايا لأجل السلب والنهب، والقتل، والأسر.. مع أن الأمر ليس كذلك، بل الهدف هو دفع العدوان حين يتبين له «صلى الله عليه وآله» أنهم يخططون، ويدبرون لهذا الأمر، ويجمعون الجموع له..

3 ـ إن توصيف الموضع الذي قصده عمر بن الخطاب يدل على أنه بعيد كثيراً عن المدينة، وأن الوصول إليه يتطلب السير الحثيث لعدة أيام.

فإذا فرض أن هؤلاء القوم كانوا يدبرون ويجمعون لشن الغارات على المدينة، أو على أطرافها، أو على جماعات من المسلمين الذين كانوا في مناطق قريبة لهم.. فلابد أن يكون عددهم كثيراً، يمكِّنهم من القيام بأمثال تلك التحرشات الخطيرة. فما معنى أن يهربوا، ويخلوا أماكنهم بمجرد سماعهم بأن ثلاثين راكباً يقصدونهم؟!

بل إنهم حتى لو لم يكونوا قد حشدوا واجتمعوا، فإن هروب هوازن من ثلاثين راكباً ليس له ما يبرره، خصوصاً وأن أمير السرية هو عمر بن الخطاب، وليس علي بن أبي طالب «عليه السلام»، أسد الله الغالب، الذي كان يعرف كل أحد أن مواجهته في أي موقع، وموقف لن تعود عليه بالخير.. وقلعه لباب خيبر، وقتله لمرحب فارس اليهود، ولعمرو بن عبد ود، فضلاً عما سوى ذلك، لا يزال الناس يتداولونه، ويتناقلونه في مجالس الأسمار والأسحار..

4 ـ إن إرسال سرية بهذا العدد القليل والضئيل إلى تلك البلاد البعيدة، التي يتمكن الأعداء من محاصرتها بكثراتهم، وقطع المدد عنها، ومنعها من الاتصال بالمدينة، التي هي مصدر قوتها، ثم الإيقاع بها، والقضاء عليها بسهولة.. إن ذلك أمر غير عقلائي، ولا يتوقع صدوره من عقل الكل، ومدبر الكل، وهو رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

ولم يكن لدى عمر صيت ذائع في الشجاعة، لترهبه الأبطال، وتهرب من وجهه الجموع.

ولا نظن أنه كان لديه من الشجاعة والإقدام ما يدفعه إلى الإقدام على مخاطرة من هذا القبيل.. وقد تعودنا منه الفرار من الزحف، والنكوص عن منازلة الأقران في أكثر من موقف وموقع.. على الرغم من وجود المسلمين ورسول الله «صلى الله عليه وآله» معه، أو بالقرب منه..

ولأجل ذلك كله نقول:

لو صح أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد أرسل سرية بهذه المواصفات، فلابد أن تكون سرية استطلاع واستكشاف، لا سرية قتال ونزال..

أو يقال: إن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يعلم بأن أحداً سوف لا يجرؤ على التعرض لسراياه، بعد أن رأى الجميع ما جرى في خيبر، فأرسل هذه السرايا ليظهر لهم حضوره في المنطقة، وهيمنته على الموقف..

سرية أبي بكر إلى نجد:

وقالوا: إنه في شعبان سنة سبع، بعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» أبا بكر إلى نجد، فبيَّت ناساً من هوازن، قال حمزة: فسبينا هوازن، وقال هشام: فسبى ناساً من المشركين، فقتلناهم.

قال سلمة بن الأكوع: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات، وكان شعارنا: أمت، أمت([48]).

ونقول:

إننا لا نستطيع أن نؤيد صحة هذه القصة، التي وردت على هذا النحو من الإبهام، والإيهام، حيث لم يذكر عدد أفراد تلك السرية، ولا الموضع الذي أرسلها النبي «صلى الله عليه وآله» إليه من نجد، ولا السبب الذي أرسلت تلك السرية من أجله، ولا.. ولا.. الخ..

خصوصاً ونحن نرى سلمة بن الأكوع يتحدث عن نفسه، ويسطِّر لها البطولات الخارقة، التي لم يذكرها له أحد سواه، ولكنها ليست بطولات في ساحات الحرب والنزال، بل هي صولات على أسرى مغلولي الأيدي، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً.

واللافت هنا: أنه حتى هذه الصولات على الأسرى لم يتحدث عنها، سوى سلمة بنفسه، فلم يذكر لنا أبو بكر، ولا أحد من أفراد تلك السرية شيئاً عن هؤلاء الذين قتلهم هذا البطل العظيم، الذي يريد أن يجعل مما ينسبه لنفسه حديث النوادي، ومجالس السمر، من أول الليل إلى وقت السحر!!

ثم إنه إذا كان سلمة قد قتل وحده سبعة أهل أبيات، فكم قتل غيره من أفراد تلك السرية يا ترى؟!

ولماذا لم يتحدث التاريخ لنا بالتفصيل عن هذا الحدث الكبير؟!

وهل جاؤوا بغنائم؟! وما هو مقدارها؟!

ولماذا أجمل حمزة الكلام، فأشار إلى السبي بصورة مطلقة؟!

بل إن كلمة حمزة ظاهرة في أنهم قد سبوا معظم هوازن، حيث قال: فسبينا هوازن، وهذا حدث عظيم، فلماذا لم يذكره غير حمزة؟!

بطولات سلمة بن الأكوع:

وذكر سلمة هنا أيضاً: أنه لقي جماعة منهم يهربون إلى الجبل، فرمى بسهم بينهم وبين الجبل، فوقفوا، فأتى بهم إلى أبي بكر يسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة مع ابنة لها من أحسن العرب، فأخذ أبو بكر ابنتها، وقدموا المدينة، وما كشف لها ثوباً.

فلقيه النبي «صلى الله عليه وآله» في السوق مرتين في يومين، فطلبها منه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: هي لك يا رسول الله.

فبعث بها إلى مكة، ففدى بها ناساً من أسرى المسلمين([49]).

ونقول:

إن هذه القصة بعينها ـ تقريباً ـ قد تقدمت في غزوة أم قرفة، التي يقال: إنها كانت في شهر رمضان من سنة ست، وقد ذكرنا هناك ما يشير إلى عدم إمكان الاطمينان إلى صحتها، فراجع..

قتل سبعة أهل أبيات:

ربما يقال: إن قول بعضهم: فسبى ناساً من المشركين فقتلناهم، فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين يدل على أنهم قتلوا أولئك الذين وقعوا في السبي، فيأتي السؤال أولاً عن سبب قتلهم بعد سبيهم.

ثانياً: هل قتل سبعة أهل أبيات بما في ذلك النساء والرجال والشيوخ والأطفال؟ أم اقتصر القتل على المقاتلين منهم؟!

وقد يجاب، بأنه:

ربما لم يقتلهم بعد سبيهم، إذ يمكن أن يكون الضمير وهو كلمة «هم» في قوله: «فقتلناهم» عائداً على المشركين الذين أرسلوا للإغارة عليهم.

وهو جواب ضعيف يخالف ظاهر الكلام، كما هو واضح.

أو يقال: إنها تطلق على خصوص سبي النساء، لكن يصح إطلاقها أيضاً على كل من يؤخذ حياً من الأعداء بما في ذلك الرجال والنساء.

ويشهد له قول علي «عليه السلام» لما اعترض البعض عليه لعدم إقدامه على أخذ سلب عمرو بن عبد ود، وهو أنفس سلب: كرهت أن أبزَّ السبي ثيابه.

فعبر عن الذي قد استولى عليه وقهره، ثم قتله بأنه سبيّ.

فقوله: سبى ناساً من المشركين معناه: أنه أسر ناساً منهم.. وربما يكون في جملتهم نساء وشيوخ، وأطفال أيضاً.

وبعدما تقدم نقول:

يحتمل أن يكون سلمة قد قتل سبعة أهل أبيات بما في ذلك النساء، والرجال، والشيوخ، والأطفال، وإن لم يقاتله إلا رجالهم، ويحتمل أن يكونوا قاتلوه نساءً ورجالاً وأطفالاً، فقتلهم من أجل ذلك.

سرية بشير بن سعد إلى فدك:

ويذكرون أيضاً: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعث في شعبان سنة سبع بشير بن سعد في ثلاثين رجلاً إلى بني مرة بفدك، فلقي رعاتهم فسألهم عنهم، فقالوا: هم في بواديهم (أو نواديهم، أو واديهم). والناس يومئذ شاتون، لا يحضرون الماء.

فاستاق النعم والشاء، وعاد بها إلى المدينة، فخرج الصريخ، فأدركوه عند الليل، فباتوا يرامونهم بالنبل، حتى فنيت نبل أصحاب بشير، وأصبحوا، وحمل بنو مرة عليهم، فقتل من أصحاب بشير من قتل، وهرب من هرب، (وقتل كثير من الصحابة).

وقاتل بشير قتالاً شديداً حتى ارتث، وضرب كعبه، ووقع في القتلى، وقيل: قد مات.

ورجع بنو مرة بنعمهم، وشائهم إلى بلدهم..

ووصل خبر ما جرى إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أوصله إليه علبة بن زيد الحارثي.

وأمهل بشير بن سعد، وهو في القتلى، فلما أمسى تحامل حتى أتى فدكاً، فأقام عند يهودي بفدك أياماً حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع إلى المدينة([50]).

فلما علم رسول الله «صلى الله عليه وآله» بما جرى، قرر اتخاذ موقف حاسم، فكانت:

سرية غالب الليثي إلى فدك:

فقد ذكروا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» هيأ الزبير بن العوام، فقال له: سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير، فإن ظفرك الله بهم فلا تبقِ فيهم (وأمره أن يستأصلهم).

وهيأ معه مائتي رجل، وعقد له اللواء، فبينما هو على ذلك إذ قدم غالب بن عبد الله من الكديد، بعد أن ظفره الله، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» للزبير: اجلس.

وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل، كان فيهم أسامة بن زيد، وكعب بن عجرة، وعلبة بن زيد، وغيرهم.

فلما دنا غالب من بني مرة بعث الطلائع، فبعث علبة بن زيد في عشرة ينظر إلى جماعة منهم في محالّهم، فرجعوا إليه، فأخبروه. فأقبل غالب يسير، حتى إذا كان منهم بمنظر العين ليلاً، وقد احتلبوا، وعطنوا([51])، وهدأوا، خطب أصحابه. ثم ألف بين كل رجلين، وشرط أن لا يفارق كل رجل زميله.

ثم كبر وكبروا، وأخرجوا السيوف، فخرج إليهم الرجال، فقاتلوا ساعة، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاؤوا.

وفي نص آخر: أغاروا عليهم مع الصبح، وقاتلوا قتالاً شديداً، وقتل كثير من المشركين، وأخذ المسلمون كثيراً من الأسارى، والإبل والغنم، فكانت سهام كل رجل عشرة أبعرة، أو عدلها من الغنم، (كل جزور بعشرة من الغنم).

وخرج أسامة بن زيد في أثر رجل منهم، يقال له: نهيك بن مرداس فأبعد.

ثم أخذوا النعم، والنساء، فقال غالب: أين أسامة؟!

فجاء بعد ساعة من الليل، فذكر لهم: أنه لحق برجل، حتى إذا رهقه بالسيف قال: لا إله إلا الله.. ولكن أسامة قتله رغم ذلك.

قال أسامة: فأتيت إلى المدينة، فاعتنقني رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقبَّلني، واعتنقته.

ثم ذكر أنه أخبره بما جرى، فقال «صلى الله عليه وآله»: قتلته يا أسامة، وقد قال: لا إله إلا الله؟.

قال فجعلت أقول: يا رسول الله، إنما قالها تعوذاً من القتل.

فقال «صلى الله عليه وآله»: ألا شققت قلبه، فتعلم أصادق هو أم كاذب؟!

فقال أسامة: لا أقتل أحداً يقول لا إله إلا الله. قال أسامة: وتمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ([52]).

ومن جهة أخرى: فقد روي عن المقداد بن عمرو، قال: قلت يا رسول الله: أرأيت رجلاً من الكفار يقاتلني، وضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أقتله بعد أن قالها؟!

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: لا تقتله.

قال: فإني قتلته، فماذا؟!

قال: فإنه بمنزلتك التي كنت بها قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال([53]).

ونقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات عديدة، نكتفي منها بما يلي:

أين تقع فدك؟!

ذكر بعضهم: أن المقصود بفدك هنا: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال([54]).

وهو كلام غير دقيق، فإن فدكاً تقع على بعد يومين أو ثلاثة من المدينة.

بل في بعض النصوص: أنها على ستة ليال من المدينة([55]).

لماذا ثلاثون رجلاً؟!:

ويعود السؤال ليطرح نفسه من جديد، ولكنه مزود هذه المرة بالشاهد القوي، والقاطع للعذر، فيقول: إذا كان التغلب على بني مرة في فدك يحتاج إلى مائتي مقاتل، كما ظهر من تجهيز هذا العدد بقيادة غالب بن عبد الله، فلماذا يرسل النبي «صلى الله عليه وآله» إليهم بشير بن سعد في ثلاثين رجلاً فقط؟!

وإذا كان بنو مرة قد واجهوا المائتين، وقاتلوهم، فهل سوف يتركون ثلاثين رجلاً يستاقون نعمهم، دون أن يلاحقوهم، وينزلوا بهم ضرباتهم القوية والمهلكة؟!

ويزداد هذا الأمر وضوحاً إذا لوحظ: أن المقصود بالهجوم هو أناس يبعدون عن المدينة مسافات طويلة، تحتاج إلى مسير ثلاثة أيام!!

فكيف إذا كانوا في محيط اليهود المعروفين بغدرهم وخياناتهم، وبحقدهم على أهل الإسلام؟! وبالأخص إذا كان ذلك قد حصل بعد أن أوقع المسلمون بهم، وهزموهم شر هزيمة؟!

أهداف تلك السرية:

قلنا أكثر من مرة: إننا لا نتعقل أن يكون هدف النبي «صلى الله عليه وآله» من إرسال تلك السرايا هو مجرد الإيقاع بالناس، وقتل رجالهم، وسبي نسائهم وأطفالهم، واستياق مواشيهم، واستلاب أموالهم من دون دعوة مسبقة لهم إلى الله تعالى، كما هي عادته «صلى الله عليه وآله»..

حتى إنه «صلى الله عليه وآله» في آخر غزواته ليهود وادي القرى، كان يعاود الدعوة لهم عند كل صلاة، وبعد قتل كل رجل منهم([56])، فما معنى أن يرسل بالسرايا لتغير على الآمنين، وتأخذ الناس على حين غرة، وتقتلهم، وتسبي نساءهم وأطفالهم، وتأخذ أموالهم، وتستاق مواشيهم؟!

إننا من خلال كل ما قدمناه وسواه نرى: أن هذه السرايا هي سرايا دعوة إلى الله، وبعضها كانت مهمته الرصد والرقابة.. حتى لا يؤخذ المسلمون على حين غرة.

إمكان نجاة السرية من القتل:

ذكر النص المتقدم: أن بني مرة لحقوا المسلمين في أول الليل، فباتوا يرامونهم بالنبل، حتى فنيت نبال أصحاب بشير..

والسؤال هو: لماذا لم يغتنم أصحاب بشير الفرصة، ويتخذوا الليل جملاً للنجاة بأنفسهم، إذا كانوا يعلمون أنهم لا يقدرون على المواجهة؟! وأن مصيرهم سيكون هو البوار والدمار؟!

إذ إنهم بعد أن فني نبلهم ليلاً لابد أن يعرفوا: أنهم في خطر أكيد، وضيق شديد، فإما أن يستعملوا خطة أخرى، أو أن يتحيزوا إلى فئتهم، لكي يأتوا بقوة قادرة على حسم الأمور لصالحهم.

من هم القتلى؟!:

وقد تعودنا من المؤرخين، ومن رواة المسلمين أن يذكروا أسماء قتلاهم في الحروب المختلفة، فراجع حرب بدر، وأحد، وخيبر، وغير ذلك، بل هم يذكرون أسماء القتلى من المشركين وغيرهم من أعدائهم أيضاً، فما بالهم لم يذكروا أسماء ولا عدد من قتل في سرية بشير بن سعد هذا؟!

ولابد أن تتنامى توقعاتنا لذلك، ونحن نرى مدى اهتمام النبي «صلى الله عليه وآله» بالانتقام لهم، حتى إنه يبادر إلى تجهيز جيش، وإرساله لهذا الغرض.

بشير بن سعد الجريح الناجي!!:

ونلاحظ هنا أيضاً: أن هذا الذي ذكروه عن بشير بن سعد، من أنه ضرب كعبه، فظنوا موته، ثم نجا بنفسه؛ قد ذكر ما يشبهه في سرية أخرى، هي سرية محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة في ذي القصة.. وجاء فيها:

أن النبي «صلى الله عليه وآله» بعث محمد بن مسلمة في عشرة إلى بني ثعلبة، فورد عليهم ليلاً، فكمن القوم حتى نام، ونام أصحابه، فأحدقوا بهم، وهم مائة رجل، فما شعروا إلا بالنبل وقد خالطتهم، فوثب ابن مسلمة، وعليه القوس، ووثب من معه، فتراموا بالنبل ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم، فقتلت ثلاثة منهم، ثم قتلوا الباقين، ووقع ابن مسلمة جريحاً، فضرب كعبه فلم يتحرك.. فتركوهم..

ثم نجا محمد بن مسلمة بواسطة رجل مسلم مر على القتلى، فحمله حتى ورد به المدينة.

ثم إن النبي «صلى الله عليه وآله» بعث أبا عبيدة في أربعين رجلاً إلى مصارعهم، فلم يجد أحداً، فاستاق نعماً ورجع([57]).

وستأتي قضية أخرى تشبه هذه القضية أيضاً، وهي سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم في سنة سبع.

ومثلها سرية ذات أطلاح أيضاً.

وهذا التشابه يلقي ظلالاً من الشك على صحة أكثر هذه النصوص.

قاتل حتى ضرب كعبه!!:

وورد في النص المتقدم كلام غير مفهوم، فقد قال: قاتل قتالاً شديداً حتى ضرب كعبه.

وقيل: قد مات..

فما هو ربط القتال الشديد بضرب الكعب؟!

وكيف أصبح ضرب الكعب هو أقصى شيء في القتال؟!

إلا أن يقال: إنه حين جرح، ضربوا كعبه، ليعرفوا موته من حياته، فلم يتحرك.

وقيل: قد مات.. ولذلك زاد الحلبي عبارة: «اختباراً لحياته»([58]) فراجع.

ولكن لماذا تم اختيار الكعب لمعرفة موته من حياته؟!

بل لماذا يضربون كعبه، ولا يضربونه بموضع قتَّال، فيحصل لهم اليقين بموته؟!

إلا إن كان لهم غرض بأسره ومفاداته، أو نحو ذلك..

لماذا عدل عن الزبير؟!:

لقد ذكر النص المتقدم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» جهز الزبير أولاً، وعقد له اللواء، وأمره بالمسير إلى بني مرة، ولكنه عاد وأمره بالجلوس، واستبدله بغالب بن عبد الله من دون أن يفصح عن الداعي إلى ذلك..

رغم أن غالباً كان قد قَدِمَ لتوه من سرية أخرى، ولم يسترح من عناء السفر.. مع ملاحظة: أنهم لم يفصحوا لنا ـ أيضاً ـ عن أيِّ شيء يرتبط بتلك السرية التي عاد منها غالب!!

والسؤال هنا هو:

هل اعرض النبي «صلى الله عليه وآله» عن ارسال الزبير، لأن الزبير امتنع من القيام بهذه جبناً وخوراً، أو اعتذر عنها بمشاغل رأى أنها أهم من تنفيذ أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! فإن كان الأمر كذلك فلماذا لم يذكر لنا المؤرخون..

وإن كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو الذي انصرف عنه فالسؤال هو: هل وجد «صلى الله عليه وآله» من الزبير أي هناة تمنع من إرساله في مهمة كهذه؟!

أو أنه لم يكن أهلاً لقيادة سرية بهذه الحجم، ولها مهمة كهذه؟!

فإن كان الأمر من هذا القبيل أو ذاك، فلماذا قدمه أولاً؟

ألم يكن عالماً بعدم كفاءته، أو بالهنات التي صدرت منه؟!

وإن كان الأمر كذلك، فكيف يقدم على أمر لم يتثبت فيه، ولم يستكشف حقيقته؟! ويقف على ما ينبغي له أن يقف عليه؟!

وإن كان الزبير بريئاً من كل عيب، وكان كفؤاً للمهمة التي رُشِّح لها، فلماذا نحاه عنها؟!

ألا يعتبر ذلك بمثابة تشكيك في أهليته، أو الطعن في إخلاصه؟! فلماذا لم يقل أي شيء من شأنه أن يبعد الشبهة عنه؟!

أم أنه «صلى الله عليه وآله» أراد أن يتفاءل بالنصر الذي حصل للسرية السابقة، كما يوحي به قول الراوي: «فقدم غالب بن عبد الله من سرية قد ظفره الله عليهم»؟!

ولكن هل يصح أن يكون هذا التفاؤل بقيمة إثارة الشبهات حول الزبير، أو بقيمة تحقيره، وتصغير شأنه بين أقرانه؟!

على أن من يلاحظ السرايا وأمراءها، لا يجد للزبير ذلك النصيب الذي يتوقع من مثله!! ولاسيما فيما يتعلق بإمارة تلك السرايا، وكذلك الحال بالنسبة لعدد من أقرانه. فما هو السبب يا ترى؟!

الزبير.. وبشير بن سعد:

فهل المقصود من ذلك كله: هو تخصيص بشير بن سعد بالفضائل والكرامات، لأنه كان أول من بايع أبا بكر، وكسر شوكة ابن عمه سعد بن عبادة في يوم السقيفة؟!

أما الزبير، فكان معارضاً لهم، ومؤيداً لمن أبغضوه، وناوأوه، واغتصبوا حقه!! وإن كان قد انقلب بعد ذلك على عقبيه، فقاتل إمامه في حرب الجمل، بعد بيعته له، فقتل هو في تلك الحرب التي أثارها.

حرب إبادة:

وأغرب من ذلك كله، أن نجده «صلى الله عليه وآله» يصدر أمراً لقائد سريته، بإبادة بني مرة إن ظفر بهم.

فقد زعموا: أنه «صلى الله عليه وآله» قال له: «فإن ظفرك الله بهم لا تبقي فيهم..»([59]).

أو قالوا: أمره بأن «يستأصلهم».

فهل يمكن أن يصدر أمر كهذا من نبي الرحمة، الذي يقول بعد استشهاد عمه حمزة وعشرات من أصحابه في حرب أحد: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»؟!

ولماذا هذه القسوة منه «صلى الله عليه وآله» على قوم قد جاءهم من انتهب منهم النعم والشاء، فهبُّوا لتخليصها واسترجاعها، ودفع المهاجمين عن أنفسهم؟!

ثم لماذا أصر المهاجمون والمغيرون على مواصلة الحرب مع بني مرة حتى قتلوا عن آخرهم؟! مع قصور الرواية التاريخية عن التصريح بشيء يدل على أن بني مرة

 قد جمعوا لحرب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أو تآمروا عليه، أو نقضوا عهده، أو ما إلى ذلك!!

الغنائم والأسرى:

وبعد.. فإنه إذا كان نصيب كل واحد من المقاتلين من الغنيمة عشرة أبعرة، فسيكون مجموع ما غنموه من بني مرة حوالي ألفي بعير، أو عدلها من الغنم، على أن يكون مقابل كل جزور عشرة من الغنم.

فأين كانت تلك المواشي ترعى؟! وكيف كانت تؤوى؟!

ومن الذي كان يحمي تلك الأبعرة والأغنام الكثيرة في ذلك المحيط الذي كان يمارس أهله الغارة والسلب في كل اتجاه؟ وكيف غفل عنها أصحاب الغارات، وطلاب اللبانات؟! وكانوا يجوبون المنطقة طولاً وعرضاً، خصوصاً إذا كانت حاميتها ضعيفة إلى هذا الحد؟!

وكم ينبغي أن يكون هناك من الرجال، ليحموها من سباع وفرسان القبائل، برماحهم وسيوفهم؟! إذ لابد أن يكون عدد حماتها متناسباً مع حجم التحدي الذي يتهددها في تلك المنطقة.

وهل قتلهم جميعاً غالب ومن معه؟! أم أنه قد أسر أحداً منهم؟! مع العلم بأن الوصية له من رسول الله «صلى الله عليه وآله» هي كما زعموا: «فإن ظفرك الله بهم لا تبقي فيهم..».

ومع العلم بأن النص لم يشر إلى أسر أحد منهم، بل قال: «فوضعنا السيوف حيث شئنا منهم، ونحن نصيح بشعارنا: أمت أمت..».

إلى أن قال: «وحوينا على الحاضر، وقتلنا من قتلنا، ومعنا النساء والماشية»([60]).

وإذا كانوا قد سبوا النساء، فلابد أن يكون عدد السبايا بلغ المئات.

ومن المتوقع أن يكون لها ذكر يتناسب مع كثرتها.

وأن يكون لرسول الله «صلى الله عليه وآله» بعض الصُّفَى منهن.

وأن يقع التنازع، أو التنافس في الحصول على الجميلات منهن.

أو يكون ذكر لمن في نصيبه من تُذْكَرُ منهن بجمال، كما رأينا في مناسبات أخرى.

ولكننا لم نعثر على شيء من ذلك في كتب السير، ولم نقف له على أي أثر.

قصة أسامة بنحو آخر:

وعن قصة أسامة نقول:

إنها رويت بنحو آخر، وهو: أن النبي «صلى الله عليه وآله» أرسله في خيل إلى بعض قرى اليهود ليدعوهم إلى الإسلام، وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس بن سليم، لما أحس بهم جمع إبله وماله في ناحية الجبل، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فمر به أسامة، فقتله.

ثم تذكر الرواية: ما جرى لأسامة مع النبي «صلى الله عليه وآله»، وأنه «صلى الله عليه وآله» قال له: «لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في قلبه علمت».

وفيه أنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً([61]).

وربما تكون هذه الرواية هي الأقرب إلى الصحة، مع ملاحظة: أنها مختصرة إلى درجة الإخلال باللوم الشديد، الذي وجهه رسول الله «صلى الله عليه وآله» لأسامة، وهي أوضح من الرواية الأولى التي تحاول التخفيف من قبح وبشاعة ما صدر عن أسامة، وأن تعطي أسامة منزلة خاصة من رسول الله «صلى الله عليه وآله».

ولكننا رغم ذلك لابد أن نتوقف قليلاً مع بعض ما ورد فيها، فنقول:

ألا شققت قلبه؟!:

إن أسامة بن زيد يقتل من شهد أن لا إله إلا الله، ثم يزعم لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: أن ذلك المقتول لم يشهد الشهادتين عن قناعة، وإنما قال ذلك بلسانه لينجو من القتل، مع أنه عاجز عن التحقق من ذلك، وعن إثباته..

وحتى لو كان يعلم بذلك، فالمفروض هو: قبول ذلك منه.. تأسياً برسول الله «صلى الله عليه وآله»، الذي يعلم الناس كلهم: أنه كان يعرف بنفاق كثير من أصحابه، وقد أعلم حذيفة بعدد منهم. ولكنه «صلى الله عليه وآله» كان يعاملهم وفق ما يظهرونه، وليس على حسب ما يعلمه منهم..

بل إن الكثيرين منهم كانوا يقدِّمون الدليل تلو الدليل على عدم صحة إيمانهم، ولكن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن يرتب أثراً على ذلك في مقام التعامل معهم.. وقد انخذل عنه «صلى الله عليه وآله» عبد الله بن أبي ـ في ثلث الجيش ـ في واقعة أحد.. كما أن جماعة من الصحابة قد نفَّروا به «صلى الله عليه وآله» ناقته، لكي يقتلوه، وكان يعرفهم بأسمائهم، وأشخاصهم، ولكنه لم يعلن بذلك للناس.

وقد ندد القرآن الكريم في كثير من آياته بهم، وأدان تصرفاتهم، وفضحهم، وشنع عليهم في كثير من المناسبات..

ولم يعاقبهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» على ما صدر منهم تجاهه، ولا حاسبهم، ولا طالبهم بغير ما كانوا يظهرونه.

وتلك هي سماحة الإسلام، وبالغ حكمته، ودقة تعاليمه، فإنه يريد أن ينتزع السلاح من يد هؤلاء، فلا يشهرونه في وجهه، ويريد لهم أن يعيشوا هم وكل من يلوذ بهم من أقرباء، وعشائر، وأصدقاء، أجواء الإسلام من دون أي تكلف أو حرج، فعسى ولعل، ولعل وعسى أن يُقْبِلَ الله بقلوبهم ولو بعد حين.

بل إن القاعدة التي أرساها رسول الله «صلى الله عليه وآله» في التعامل مع الأغيار، هي: أن من قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، حقن بها ماله، ودمه. فما معنى التعدي عن هذه القاعدة، وتمحل الأعذار لذلك؟!

تهافت.. لا علاج له:

يدَّعي أسامة: أن ذلك الرجل تشهد الشهادتين بعدما ضربه أسامة بالسيف.

فقد روي أنه قال لأميره: «خرجت في أثر رجل منهم، فجعل يتهكم بي، حتى إذا دنوت منه وضربته بالسيف، قال: لا إله إلا الله.

فقال له الأمير: بئس ما فعلت وما جئت به، تقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟! فندم أسامة الخ..».

ونقول:

لا نشك في عدم صحة هذه الرواية، إذ يرد عليها ـ بالإضافة إلى أنها لا تنسجم مع الرواية التي ذكرت ـ ما يلي:

أولاً: لقد ذكرت: أن ذلك الرجل كان يتهكم بأسامة، وأنه: قد شهد الشهادتين بعد أن ضربه أسامة بالسيف.

فلماذا يلام أسامة إذن؟!

ولماذا يتهم بأنه قد قتل رجلاً مسلماً؟!.

ثانياً: إن هذا النص لا يبقي مجالاً لقول أسامة: إنما قالها متعوذاً؛ لأن التعوذ إنما يكون قبل إصابة السيف له لا بعده. كما أنه لا يبقي مجال لأن يلومه الرسول «صلى الله عليه وآله»، ويقول له: هلا شققت عن قلبه؟ وغير ذلك..

والظاهر هو: أن المقصود بهذه الصيغة؛ التخفيف من حدة النقد الذي ربما يوجه إلى أسامة على فعلته هذه..

لا أقتل أحداً يقول: لا إله إلا الله:

قال الحلبي: «ومن ثم لم يشهد أسامة رضي الله عنه مع علي كرم الله وجهه قتالاً، وقال له: لو أدخلت يدك في فم تنين لأدخلت يدي معها.

أو قال: لو كنت في فم الأسد لدخلت فيه معك. ولكنك قد سمعت ما قال لي رسول الله «صلى الله عليه وآله» حين قتلت ذلك الرجل، الذي شهد أن لا إله إلا الله. وقلت له: أعطي الله عهداً: أن لا أقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله».

وإذا كان أسامة بن زيد قد تعهد بأن لا يقتل أحداً يقول: لا إله إلا الله([62])، فذلك لا يبرر تخلُّفه عن نصرة النبي «صلى الله عليه وآله» والإمام علي «عليه السلام»، حين يقاتل البغاة عليه، ولا يبرر مخالفته لأمره، إذا أمره بالخروج لحربهم.

وليس له الاعتذار: بأنه قد تعهد بأن لا يقتل مسلماً، إذ إنما يصح له أن يتعهد بما يرجع أمره إليه، ويكون باقتراح ومبادرة منه. أما إذا كان الله تعالى هو الآمر له ـ باعتبار أنه أمره بطاعة نبيه وإمامه ـ فإنه يصبح أمام أحد خيارين: إما الطاعة الموجبة للمثوبة الإلهية، وإما المعصية المؤدية إلى الهلاك والعقوبة في نار جهنم.

فلا يصح لأحد الاعتذار بذلك لأسامة في تخلفه عن حروب أمير المؤمنين «عليه السلام» للبغاة، كما صرحت به بعض الروايات([63]).

وقد أغضب ذلك إمامه «عليه السلام»، حتى حرمه من العطاء، وقال له: هذا المال لمن جاهد عليه([64]). ولو أنه «عليه السلام» وجد أن ذلك يبرر موقف أسامة؛ لَعَذَرَه، ولم يحرمه من العطاء..

وأما ما روي من أنه: انحرف عن أمير المؤمنين «عليه السلام» ثم رجع إليه([65])، فسنده ضعيف، فإن كان ذلك قد حصل بالفعل، فهو الفلاح والنجاح، والسداد والرشاد.

ماذا عن سؤال المقداد &؟!

وأما بالنسبة لقصة المقداد بن عمرو..

فربما يقال: إن قصد هؤلاء القوم منها هو إيجاد شريك لأسامة، في هذا الأمر القبيح الذي صدر منه، وإيهام: أن المقداد كأسامة قد قتل امرءاً مسلماً أيضاً.

مع أن المقداد كان من خيرة أصحاب علي «عليه السلام»، وكان معروفاً بالطاعة المطلقة له «عليه السلام»، وبالتسليم التام لما يريده الله سبحانه، ولما يأمر به رسوله «صلى الله عليه وآله». على أن التأمل في القصة التي يرويها هؤلاء يعطي أنها لا تفيدهم فيما قصدوه، لأن ظاهرها: أن المقداد قد طرح على الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله» سؤالاً افتراضياً، ولم يكن يتحدث عن نفسه أبداً.

والذي يظهر لنا:

أن الأقرب إلى الاعتبار: هو أن بعض الناس ربما لم يبلغهم تغيُّظ رسول الله «صلى الله عليه وآله» على أسامة، فظنوا أو خدعتهم ادعاءات صحة ما أقدم عليه أسامة، فأراد المقداد أن يعرِّفهم هذه الحقيقة من لسان النبي «صلى الله عليه وآله»، مباشرة فطرح السؤال على سبيل الافتراض، مضمناً إياه خصوصية تزيد في وضوحه، فقد ذكر في سؤاله الأول: أن ذلك الكافر المقاتل قطع يد مهاجمه (الذي هو السائل) بسيفه، ثم أعلن إسلامه.

وجاء الجواب: بتحريم قتل ذلك الرجل.

وهذا سؤال افتراضي جزماً، لأن المقداد لم تقطع يده أصلاً..

ثم رتب على هذا السؤال وجوابه سؤالاً افتراضياً آخر يقول: لنفترض أنني قتلته بعد إعلانه الإسلام، فما هو الحكم في ذلك؟

فجاء الجواب في هذه الحالة أيضاً: بأن الحكم هو كذا وكذا..

هل هذا هو النص الصحيح للقضية؟!

تقدم أننا نحتمل: أن يكون ثمة سعي للتخفيف من وقع جريمة أسامة بادِّعاء: أن ذلك المقتول قد أظهر الإسلام حين رهقه أسامة بالسيف..

مع أن ثمة ما هو صريح في: أن إسلام ذلك الرجل كان متقدماً على ذلك، كان معروفاً ومشهوراً.

وتقدم أيضاً: النص الذي ذكره القمي، وهو لا ينسجم مع هذه الادعاءات.. كما أنهم قد رووا ما يؤيده عن ابن عباس، وهو: أن نهيك بن مرداس كان من أهل فدك، وكان مسلماً، ولم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بأن سرية لرسول الله «صلى الله عليه وآله» تريدهم، وكان على السرية غالب بن فضالة الليثي، فهربوا، وأقام الرجل، لأنه كان على دين الإسلام.

فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله»، فألجأ غنمه إلى عال من الجبل، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون، فعرف أنهم من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فكبر ونزل، وهو يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. السلام عليكم.

فقتله أسامة، واستاق الغنم.

ثم رجعوا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» فأخبروه، فوجد رسول الله «صلى الله عليه وآله» وجداً شديداً، وكان قبل ذلك قد سبق الخبر، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أقتلتموه إرادة ما معه؟!

ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن زيد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ([66])، فقال: يا رسول الله استغفر لي.

فقال: فكيف بلا إله إلا الله؟!

قالها رسول الله «صلى الله عليه وآله» ثلاث مرات.

قال أسامة: فما زال رسول الله يكررها ويعيدها، حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ.

ثم إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» استغفر لي بعد ثلاث مرات، وقال: اعتق رقبة.

وروى عكرمة، عن ابن عباس: أنه مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ومعه غنم له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا، وقتلوه، وأخذوا غنمه، وأتوا بها إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ﴾»([67]).

وفي رواية أبو ظبيان قال: بعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» أسامة بن زيد مع جماعة إلى الحرقات من جهينة، فصبحوهم، فهزموهم، وقتل أسامة رجلاً ظنه متعوذاً بقول لا إله إلا الله، فكرر رسول الله «صلى الله عليه وآله» قوله له: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله، حتى قال: تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم([68]).

ونقول:

1 ـ إن التأمل في هذا النص يجعلنا نشك في أن يكون رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد استغفر لأسامة، وذلك لأنه طلب منه أن يستغفر له، فقال له ثلاث مرات: فكيف بلا إله إلا الله؟!

ثم لم يزل «صلى الله عليه وآله» يكررها، ويعيدها، حتى تمنى أنه لم يسلم إلا يومئذٍ.

وهو جواب ينضح بالألم، ويشي بالاستياء الشديد، من فعل أسامة.. فكيف يمكن الركون إلى زعمهم: أنه استغفر له؟!

2 ـ وإذا كان جشع أسامة، وحبه للمال يدفعه لارتكاب جريمة القتل حتى للمسلم.. فلست أدري إن كان قد وفِّق بعد ذلك للتخلص من شرهه وجشعه هذا؟! أم أنه بقي على حاله؟! أو ربما يكون قد تنامى وتعاظم. وتعمق وترسخ حب الدنيا في نفسه؟!

وربما يشير إلى ذلك: أن علياً «عليه السلام» قد عاقبه بحرمانه من بعض هذا المال الذي يحبه، حيث قطع عطاءه، وقال: إن هذا المال لمن جاهد عليه. حسبما تقدم.

3 ـ إن هذا النص يصرح بأن الرجل المقتول جاء إلى جيش المسلمين، وسلم عليهم، وذلك يجعلنا نرتاب فيما زعموه من أن أسامة قد قتله في ساحة الحرب، وأنه لما رهقه بالسيف نطق بالشهادتين، وربما يكون الدافع إلى ادعاء ذلك هو التخفيف من حدة النقد لهذا القاتل، ومن قبح الذنب الذي صدر منه.

4 ـ إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد بادر إلى الإعلان القاطع عن دوافع أسامة لقتل ذلك الرجل. وقد ساق كلامه بصورة الإخبار عن أمر يقيني.

واليقين بذلك لا يتأتى إلا لمن يكون نبياً، قد علم ذلك عن طريق الوحي، أو من خلال اطلاعه على الغيب، ولو عن طريق إشرافه على اللوح الذي تكتب فيه الغيوب، التي أذن الله تعالى له بالاطلاع عليها، ويسَّر له ذلك، بما آتاه إياه من قدرات..

5 ـ إن رواية أبي ظبيان تحاول أن تنسب القتل إلى قوم آخرين يحكي أسامة لنا: أن هذا القتل قد صدر منه، بعد أن اعتبروا تسليم ذلك الرجل عليهم كان من أجل التعوذ به منهم.

مع أن الرواية المتقدمة تصرح بأن أسامة انفرد به، وقتله.

6 ـ إن هذه الرواية التي رواها أسامة تثير أكثر من سؤال.

فإنه إن كان يريد أن يبرئ نفسه من هذه الجريمة، وينحي باللائمة على غيره؛ فالروايات كلها تكذبه في ذلك.

وإن كان يتحدث عن أن غيره فعل ذلك، وكان هو معهم..

فإن كان ما فعلوه قد حدث قبل أن يرتكب هو جريمته بحق ذلك الرجل، فالسؤال هو: أن آية «فتبينوا» إن كانت نزلت لتحكي ما فعلته تلك الجماعة في هذه المناسبة، فكيف يقدم هو بعد نزول الآية فيهم على قتل ذلك المتعوذ ـ بزعمه ـ بلا إله إلا الله، محمد رسول الله؟!..

ولماذا لم يتبين أمره، ولم يتحقق مما صدر منه، وفقاً لما أمر الله تعالى به؟!

وإن كان ذلك قد حصل بعد أن فعل أسامة فعلته، وبعد استنكار رسول الله «صلى الله عليه وآله» فعله ذاك.. فكيف لم يعتبر أولئك القوم الذين هم من الصحابة بما جرى لأسامة؟!

وكيف يقدمون على أمر من هذا القبيل، بعد البيان النبوي الواضح والصريح؟

وكيف يصح من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يغفر لهم ذلك، ولا يعاقبهم عليه؟!

هذا، وسيأتي بعض الكلام عما جرى لمحلم بن جثامة في سرية أبي قتادة إلى بطن إضم، وفي أواخر حرب حنين، والطائف، فانتظر.. فإنها تشبه قضية أسامة إلى حد بعيد.

سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة:

وفي شهر رمضان سنة سبع، وبعد أن رجع النبي «صلى الله عليه وآله» من غزوة الكدر، أقام مدة، ثم قال له يسار (مولاه): يا رسول الله، إني علمت غِرَّة من بني عبد بن ثعلبة، فأرسل معي إليهم (وإلى بني عوال).

فأرسل معه النبي «صلى الله عليه وآله» غالب بن عبد الله في مائة وثلاثين رجلاً إلى الميفعة، بناحية نجد، على ثمانية برد من المدينة.

وقد خرج بهم يسار، فسار بهم في غير الطريق، حتى فنيت أزوادهم، وجهدوا، واقتسموا التمر عدداً.

وساء ظنهم بيسار، وفي صحة إسلامه. ثم وصلوا إلى وادٍ قد حفره السيل، فساروا فيه حتى انتهوا إلى أكمة. كان الذين يقصدونهم خلفها، فأغاروا عليهم، واستاقوا نعماً وشاء، وقتلوا من أشرف لهم منهم..

واستاقوا النعم إلى المدينة، ولم يسمع أنهم جاؤوا بأسرى..

وفي نص آخر: ولم يأسروا أحداً([69]).

ونقول:

أولاً: لقد ذكروا: أن قصة أسامة بن زيد، وقتله لذلك الرجل الذي أسلم، ثم قول النبي «صلى الله عليه وآله» لأسامة: ألا شققت عن قلبه ـ ذكروا ـ أن ذلك قد حصل في هذه الغزوة([70]).

وتقدم وسيأتي قولهم: إنها كانت في سرايا أخرى أيضاً..

ثانياً: إننا نقول هنا نفس ما قلناه في سائر المواضع، وهو: إن النبي الكريم «صلى الله عليه وآله» لا يغير على قوم لمجرد استلاب أموالهم، ولا يقتل أحداً قبل دعوته إلى الله تعالى، فإن لم يكن «صلى الله عليه وآله» قد دعا هؤلاء القوم إلى الإسلام، ولم يكونوا نقضوا عهداً، أو ارتكبوا جرماً، أو جمعوا جمعاً للإغارة على أهل الإسلام، فإنه «صلى الله عليه وآله» لا يستحل الإغارة عليهم بهذه الطريقة. وحيث لم نجد فيما بين أيدينا من نصوص ما يثبت شيئاً من ذلك، فلا نستطيع تأكيد صحة ما زعموه..

هذا مع غض النظر عن أننا لابد أن نسأل عن هذا التفاوت في التعبير عن موضوع الأسرى، فتارة يقال: لم يسمع عن أسرى أتي بهم منهم.

وأخرى يصرحون: بأنه لم يؤسر منهم أحد!!

سرية بشير بن سعد إلى الجناب:

وقالوا أيضاً: إنه في سنة سبع قدم على رسول الله «صلى الله عليه وآله» رجل من أشجع، يقال له: حسيل بن نويرة. وكان دليل النبي «صلى الله عليه وآله» إلى خيبر، فقال له «صلى الله عليه وآله»: من أين يا حسيل؟

قال: قدمت من الجناب.

فقال «صلى الله عليه وآله»: ما وراءك؟

قال: تركت جمعاً من غطفان بالجناب، (وقيل: فزارة وعذرة)، قد بعث إليهم عيينة يقول لهم: إما تسيروا إلينا، وإما نسير إليكم.

فأرسلوا إليه: أن سر إلينا، حتى نزحف إلى محمد جميعاً. وهم يريدونك، أو بعض أطرافك.

قال: فدعا رسول الله «صلى الله عليه وآله» أبا بكر وعمر، فذكر لهما ذلك، فقالا جميعاً: ابعث بشير بن سعد.

فبعثه في ثلاث مائة رجل، وبعث معهم حسيل بن نويرة دليلاً، فساروا حتى أتوا يمن وجبار، فنزلوا بسَلَاح (موضع أسفل من خيبر) أو سلاج([71]) ثم دنوا من القوم، فأغاروا على النَّعم، فأصابوا نعماً كثيراً، ملأوا منه أيديهم، ونفر الرعاء، وحذروا قومهم، فتركوا محالهم، فلما هجم عليها المسلمون لم يجدوا بها أحداً.

ثم رجعوا، فأخذوا في الطريق عيناً لعيينة، فقتلوه.

ثم لقوا جمع عيينة، وعيينة لا يشعر بهم، فناوشوهم.

ثم انكشف جمع عيينة، وتبعهم المسلمون، فأسروا منهم رجلاً أو رجلين ـ على اختلاف الروايات ـ فقدموا بهما على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأسلما، فأطلق سراحهما([72]).

وأما عيينة فانهزم على فرس له، فاستوقفه حليفه الحارث بن عوف المري. فلم يقف له، وقال: لا، ما أقدر، الطلب خلفي، أصحاب محمد. وهو يركض.

فقال له الحارث: أما لك أن تبصر ما أنت عليه؟ إن محمداً قد وطئ البلاد، وأنت توضع في غير شيء. ثم تنحى الحارث عن الموضع الذي يتوقع أن تمر فيه الخيل لكي يراهم، ولا يراه أحد منهم.

فأقام من حين زوال الشمس ظهراً إلى الليل، فلم يمر به أحد. ولا طلبه أحد منهم، ولكن الرعب الذي دخله صوَّر له ذلك..

ثم إن الحارث ذكر ذلك لعيينة، فأقر له به، وأنه خاف أن يؤسر.

فقال له الحارث: أيها الرجل قد رأيت ورأينا معك أمراً بيِّناً في بني النضير، ويوم الخندق، وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر، إنهم كانوا أعز يهود الحجاز كله، يقرون لهم بالشجاعة والسخاء، وهم أهل حصون منيعة، وأهل نخل.

والله، إن كانت العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم، لقد سارت حارثة بن الأوس حيث كان بينهم وبين قومهم ما كان، فامتنعوا بهم من الناس. ثم قد رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة! وكيف أديل عليهم!!

فقال عيينة: