الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء العشرون

 

المركز الإسلامي للدراسات


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الثاني:

معركة مؤتة


 

المسلمون في مؤتة:

قالوا: ولما فصل المسلمون من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فتجمعوا لهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه([1]).

فلما نزل المسلمون وادي القرى، بعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين من المشركين، فاقتتلوا. وانكشف أصحاب سدوس، وقد قتل، فشخص أخوه ـ وعند الواقدي: «وخاف شرحبيل بن عمرو، ودخل حصناً فتحصن، وبعث أخاً له يقال له: وبر بن عمرو»([2]) ـ إلى هرقل يستمده، فبعث هرقل زهاء مائتي ألف([3]).

المسلمون في مواجهة هرقل:

ومضى المسلمون حتى نزلوا مُعان من أرض الشام. وبلغ الناس أن هِرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم مائة ألف أخرى من لَخُم وجُذام، وبكر ووائل، وقبائل قضاعة من بلقين، وبهراء، وبليَّ، عليهم رجل من بليَّ، ثم أحد بني إراشة، يقال له: مالك بن رافلة.

وقيل: كانوا مائتي ألف من الروم وخمسين ألفاً من قبائل العرب المتنصرة، ومعهم من الخيول والسلاح ما ليس مع المسلمين.

فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» فنخبره بكثرة عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمر فنمضي له.

فشجع الناس عبد الله بن رواحة، فقال: «يا قوم، والله، إن التي تكرهون، للتي خرجتم تطلبون: الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد، ولا قوة، ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور، وإما شهادة، وليست بشرِّ المنزلتين».

فقال الناس: صدق والله ابن رواحة([4]).

فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل، من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء، يقال لها: مشارف([5]).

في المواجهة:

ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة. فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون([6]).

وروى أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن القرَّاب في تاريخه، عن برذع بن زيد، قال: قدم علينا وفد رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى مؤتة، وعليهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وخرج معهم منا عشرة إلى مؤتة، يقاتلون معهم. قد كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» نهاهم أن يأتوا، فركبت القوم ضبابة، فلم يبصروا حتى أصبحوا على مؤتة.

وروى محمد بن عمر، عن أبي هريرة قال: «شهدت مؤتة، فلما دنا العدو منا رأينا ما لا قِبل لأحد به من العَدد والعُدد، والسلاح والكراع، والديباج والحرير، والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة، كأنك ترى جموعاً كثيرة.

قلت: نعم.

قال: إنك لم تشهد معنا بدراً، إنَّا لم ننصر بالكثرة([7]).

قال ابن إسحاق: وتعبأ المسلمون للمشركين، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من عذرة، يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له: عباية بن مالك.

[قال ابن هشام]: ويقال له: عبادة بن مالك([8]).

استشهاد القادة:

قال ابن عقبة، وابن إسحاق، ومحمد بن عمر: ثم التقى الناس، واقتتلوا قتالاً شديداً.

فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى شاط في رماح القوم.

ثم أخذها جعفر بن أبي طالب، فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء، فعرقبها.

ثم قاتل القوم حتى قتل.

فكان جعفر أول رجل من المسلمين عرقب فرساً له في سبيل الله([9]).

وروى ابن إسحاق، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في غزوة مؤتة، قال: والله، لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عقرها، ثم قاتل حتى قتل، وهو يقول:

يـاحـبـذا الجــنـة واقـترابـهـــا           طـيـبـــة وبــــارداً شـــرابهــــا

والـروم روم قـد دنـا عـذابـهـا           كــافـــــرة بـعـيـدة أنـسـابهـــا

عـلي إذ لاقـيـتـهـــا ضـرابهــــا

وهذا الحديث رواه أبو داود من طريق ابن اسحاق، ولم يذكر الشعر([10]).

وفي حديث أبي عامر عند ابن سعد: أن جعفراً «رحمه الله» تعالى لبس السلاح، ثم حمل على القوم، حتى إذا همَّ أن يخالطهم رجع فوحَّش بالسلاح، ثم حمل على العدو، وطاعن حتى قتل.

قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل «رحمه الله» تعالى، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.

ويقال: إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين([11]).

وقيل: وقع أحد نصفيه في كرم، فوجد في نصفه ثلاثون أو بضعة وثلاثون جراحاً([12]).

جراحات جعفر:

روى الذهبي: عن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع: أن ابن عمر قال: جمعت جعفراً على صدري يوم مؤتة، فوجدت في مقدم جسده بضعاً وأربعين من بين ضربة وطعنة([13]).

وعن نافع، عن ابن عمر أيضاً: «أنه وقف على جعفر يومئذٍ، وهو قتيل، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها ـ أو قال فيها ـ شيء في دبره»([14]).

وعن أبي جعفر «عليه السلام»: «أصيب يومئذٍ جعفر، وبه خمسون جراحاً، خمس وعشرون منها في وجهه»([15]).

وروى البخاري، والبيهقي، عن عبد الله بن عمر قال: «كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعاً وستين من طعنة ورمية»([16]).

وعن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يأتي عبد الله بن جعفر، فقال له الناس: إنك تكثر إتيان عبد الله بن جعفر.

فقال ابن عمر: لو رأيتم أباه، أحببتم هذا. وجد فيما بين قرنه إلى قدمه سبعون بين ضربة سيف وطعنة برمح([17]).

وفي نص آخر عنه أيضاً: وجد فيما أقبل من بدن جعفر ما بين منكبيه اثنان وسبعون ضربة بسيف، أو طعنة برمح([18]).

وقيل: وجدوا في إحدى شقيه بضعة وثمانين جرحاً([19])، وفيما أقبل من بدنه اثنين وسبعين ضربة بسيف، وطعنة برمح([20]).

وعن ابن عمر أيضاً: وجدنا فيما بين صدر جعفر ومنكبيه، وما أقبل منه تسعين جراحة، ما بين ضربة بالسيف، وطعنة بالرمح([21]).

وعن ابن عمر قال: «التمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، في جسده (نيفاً) بضعاً وتسعين من طعنة ورمية»([22]).

وفي نص آخر: فقدنا جعفر بن أبي طالب. طلبناه في القتلى، فوجدناه وبه طعنة ورمية بضع وتسعون فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده([23]).

وقال ابن عمر: وكنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفراً، فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعاً وتسعين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية.

وروى ابن كثير: أنه لما قتل، وجدوا فيه بضعاً وتسعين ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد طعنت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك للواء، فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك([24]).

وعن الفيروزآبادي: فوجد فيما أقبل من جسده تسعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف([25]).

وذكر ابن الأثير: أنه لما قتل جعفر وجد به بضع وسبعون جراحة ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح كلها فيما أقبل من بدنه.

وقيل: بضع وخمسون، والأول أصح([26]).

فظهر ذلك التخالف. أي أن التخالف بين الروايات أصبح ظاهراً وواضحاً.

كيفية الجمع بين الروايات:

قال الحافظ: ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم، أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأولى، أو الخمسين مقيدة بكونها ليس فيها شيء في دبره أي ظهره، فقد يكون الباقي في بقية جسده، ولا يستلزم ذلك أنه ولى دبره، وإنما هو محمول على أن الرمي جاءه من جهة قفاه أو جانبيه، ولكن يريد الأول: أن في رواية العمري عن نافع: فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده، بعد أن ذكر العدد بضعاً وتسعين([27]).

ووقع في رواية البيهقي في الدلائل بضع وسبعون ـ بتقديم السين على الموحدة ـ وأشار أن بضعاً وتسعين بتقديم الفوقية على السين أثبت([28]).

طليعة شرحبيل:

ذكرت الروايات المتقدمة: أن شرحبيل بن عمرو الغساني قد جمع مائة ألف.

ولكنها تعود لتقول: إنه لما نزل المسلمون وادي القرى أرسل شرحبيل أخاه في خمسين رجلاً، فاقتتلوا، ثم انكشف المشركون وقد قتل أخوه سدوس..

ثم تذكر: أن شرحبيل هذا قد خاف، فدخل حصناً فتحصن فيه.

ونقول:

إن هذه التصرفات لا تنسجم مع المنطق السليم، والعقل القويم، وذلك لما يلي:

1 ـ إن من يجمع مائة ألف مقاتل لا تكون طليعته خمسين رجلاً بحسب العادة، فإن المشركين الذين لا يجمعون ما يصل إلى عُشر ما جمعه شرحبيل، تكون طليعتهم مائتي فارس في الحديبية([29])، لمواجهة أقل من ألف وخمس مائة مقاتل..

2 ـ ما معنى أن يخاف شرحبيل من ثلاثة آلاف رجل حتى إنه ليدخل حصناً ويتحصن فيه، مع أن معه مائة ألف مقاتل؟!..

3 ـ وحين دخل شرحبيل الحصن، أين كان المائة ألف الذين جمعهم؟ هل دخلوا معه؟! أم تركهم في خارجه؟

وإذا كانوا دخلوا معه، فهل اتسع ذلك الحصن لهذه الأعداد الهائلة؟!

وإن كانوا قد بقوا في الخارج، كيف أقنعهم بصحة تصرفه هذا، وأن يبقوا عرضة للخطر في العراء، ويبيت هو في داخل الحصن؟!

وهل رضوا منه به أم لم يرضوا؟

4 ـ وعن أخيه سدوس نقول:

كيف تجرأ أخوه سدوس على الدخول في حرب ضد ثلاثة آلاف مقاتل، مع أن الذين معه كانوا خمسين رجلاً فقط؟!

وإذا كان شرحبيل ـ وهو في مائة ألف مقاتل ـ لا يجرؤ على مواجهة ثلاثة آلاف مقاتل، بل يُدْخِلُه خوفه منهم حصناً ليأمن على نفسه فيه، فكيف يقدم سدوس على الدخول في حرب مع نفس هؤلاء الذين هرب منهم أخوه الذي أرسله؟!

وإذا كان باستطاعة الخمسين رجلاًَ ـ بمن فيهم سدوس ـ أن يفلتوا، وينكشفوا ويَسْلَموا حتى إنه لم ينقل أحد أن أحداً منهم قد أصيب ولو بجراحة، فلماذا لم يفلت سدوس نفسه أيضاً؟!

5 ـ ولست أدري كيف استطاع شرحبيل أن يجمع مائة ألف مقاتل بهذه السرعة الفائقة. أي من حين بدأ المسلمون مسيرهم نحوهم، وإلى حين وصولهم؟! هل كانوا مجتمعين في منطقة واحدة، فدعاهم، فأجابوه؟! أم أنه قد جمعهم من مناطق متباعدة؟!

إننا لم نعهد في منطقة مؤتة تجمعات كبيرة تستطيع أن تفرز مائة ألف مقاتل بهذه السرعة..

6 ـ على أن من يستطيع أن يجمع أكثر من مائة ألف بهذه السرعة، فلا بد أن يكون ذا نفوذ عظيم يضاهي نفوذ هرقل ملك الروم، ويستحق أن يجعله هرقل على بلاد الشام كلها، ولا يجعل سواه، لا الحارث بن أبي شمر الغساني، ولا غيره.

بل هو يستطيع أن يستقل عن هرقل نفسه، فهو ليس بحاجة إليه، فلماذا يأنف من أن يكون تابعاً له؟!

الأرقام عن عدد جيوش العدو:

نحن وإن كنا لا نريد أن نعطي رقماً مبالغاً فيه عن عدد جيوش العدو، غير أننا نشير إلى أن مراجعة النصوص المتقدمة تعطي الإنطباع عن عدد جيوش العدو، وأنه كان أكثر من مائتي ألف، بل قد يصل إلى ضعف هذا العدد..

فقد تقدم: أن شرحبيل جمع أكثر من مائة ألف، وأن هرقل بعث إليه زهاء مائتي ألف.

وكان هرقل نفسه قد نزل البلقاء في مائة ألف من الروم، ومائة ألف أخرى من العرب.

وقيل: بل كان معه مائتا ألف من الروم، وخمسون ألفاً من العرب المتنصرة..

فإذا ضممنا هذه الأرقام إلى بعضها البعض، فإن العدد سوف يتضاعف ليصل إلى ما يقارب الخمس مائة وخمسين ألفاً. وهو رقم لم يذكره أحد من المؤرخين. فهل كان ذلك غفلة منهم عن حقيقة الحال؟! أم أن ارتباك الروايات جعلهم يقتصرون على ذكر المائتي ألف، أو ما يزيد على ذلك بما لا يصل إلى هذه الأرقام العالية؟!

أم أن كثرة الأعداد، أوجبت اختلاط الأمور عليهم؟!

إننا لا نستطيع أن نقدم أية إجابة حاسمة على هذا السؤال، لكننا نقول:

لا شك في أن الجيوش المجتمعة كانت هائلة، حتى مع الإعتراف بغياب القدرة على تقديم إحصاءات دقيقة عنها..

وقد يكون سبب عزوف المؤرخين عن التصريح بأرقامها العالية هو استبعادهم أن يكون ذلك قد حصل فعلاً. فاكتفوا بذكر ما يسع الناس تصديقه، ولو بنحو من التكلف وادِّعاء التسامح، وتركوا ما عداه..

واحتمال تكثير عدد الجيوش إلى هذا الحد الذي ربما يبدو خيالياً هو إيجاد العذر لخالد عن هزيمته النكراء التي فوتت على الإسلام والمسلمين أعظم الإنجازات التي ربما لو تحققت لفتح الإسلام بلاد الروم بأسرها. ولكن ذلك وإن كان في محله إلا أن للمبررات حدودها المعقولة، فلو لم يكن العدد هائلاً بالفعل لم تصح ولم تقبل هذه المبالغة من أحد.

غير أن مما لا شك فيه أن النصر كان أكيداً مهما قلنا في عدد الجيوش، وأن خالداً هو الذي ضيعه، ويدل على ذلك هذا الموقف الصارم من المسلمين تجاه خالد وجميع من فر معه، ولم يتدخل النبي «صلى الله عليه وآله» للتخفيف عنهم، لأنه رآهم يستحقون أكثر من ذلك، ورأى أن للمسلمين الحق بأن يعاملوه بما هو أشد.

فتجمعوا لهم:

ذكرت النصوص المتقدمة: أن المائة ألف الذين جمعهم شرحبيل قد تجمعوا لهم. أي استعداداً لمواجهة المسلمين.

غير أننا نقول:

إن المتوقع ممن يستعد لمواجهة عدو قادم هو أن يواجهه بكمائن ومفاجآت تربك أو تعيق حركته، وتنهك قوته، وربما تنجح في حسم الأمور معه بأدنى الخسائر.. غير أننا لم نجد شيئاً من ذلك سوى طليعة سدوس التي انتهت بقتله، وفرار من معه.

مع ملاحظة: أنه ليس فيها أي عمل ذكي من الناحية العسكرية، بل هي مجرد عمل روتيني فاشل وضعيف.

إما النصر وإما الشهادة:

وعن تشجيعات عبد الله بن رواحة للناس، وقوله: «هي إحدى الحسنيين، إما ظهور، أو شهادة، وليست بشر المنزلتين»، نقول:

إن الحديث عن الظهور والغلبة في ظروف كهذه، وحيث يعدُّ عدوهم بمئات الألوف، وبأحسن عدة، وأتم تجهيز، لهو أمر يبعث على الإعتزاز، والفخر من جهة، وهو يدل على وجود مبررات لهذا الحديث، تجعل من توقع حصول النصر أمراً مقبولاً ومعقولاً.. وعلى أن هذه الأعداد لم تفاجئهم، بل كانوا يتوقعون حشوداً كبيرة جداً، تقترب من الأرقام التي صادفوها.

لكن ما لم يكن ذلك الجيش الإسلامي يتوقعه هو زيادة رقم الحشود إلى حد جعله يفكر بمراجعة النبي «صلى الله عليه وآله» لمعرفة ما إذا كانت هذه الزيادة تستدعي توجيهاً آخر منه «صلى الله عليه وآله»، أم أن الأمور لم تصل إلى حد يدعو إلى ذلك..

ولكن ما يبقى غامضاً بالنسبة إلينا هو حقيقة تلك المبررات التي تدعو جيش المسلمين إلى توقع النصر، أو احتماله. فإن المادة التاريخية المتوفرة لدينا لا تخولنا معرفة شيء منها.

ولعل السبب في ضآلة النصوص هنا هو الرغبة في الحفاظ على ماء الوجه لبعض من تسبب بحدوث الهزيمة، فعمد الرواة والمؤرخون إلى إهمال التصريح بأمور كثيرة وخطيرة، كان التصريح بها مفيداً جداً وضرورياً..

وينبغي أن لا نهمل الإشارة إلى أن مما يؤكد ذلك كله: هو التعبير عن الشهادة بأنها «ليست بشر المنزلتين»، حيث يستبطن هذا التعبير إلماحة إلى أن موضوع الشهادة، كان هو الأبعد احتمالاً عن ذهن جيش المسلمين، باستثناء استشهاد القادة الثلاثة..

وهناك ما هو أصرح وأوضح، وهو: قول ثابت بن أقرم لأبي هريرة، حين رأى جموع الروم، فبهرته كثرتهم وتجهيزاتهم:

«يا أبا هريرة، كأنك ترى جموعاً كثيرة!!

قلت: نعم.

قال: إنك لم تشهد معنا بدراً، إنَّا لم ننصر بالكثرة»([30]).

فالنصر كان متوقعاً، وكانت الأمثولة لهم هي غزوة بدر، والنصر المؤزر الذي تحقق فيها..

فخرج على قومه في زينته:

وإن قصة أبي هريرة حين رأى كثرة القوم، والعدَّة والسلاح، والحرير، والديباج، والذهب، حيث برق بصره ـ لتذكرنا بقوله تعالى عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ([31]).

ويقول تعالى عن فرعون: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ، فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ المَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ([32]).

فقد أظهرت هذه الآيات الخلل العميق في النظرة وفي المعايير لدى قوم فرعون، وأمثالهم من طلاب الحياة الدنيا، وذلك لأن رؤيتهم للزينة الحاضرة، وللأنهار تجري من تحت فرعون، وكون أن ملك مصر بيده.. ثم التفاتهم إلى أن موسى «عليه السلام» لا تلقى عليه أسورة الذهب، ولا تأتي معه الملائكة، قد جعلهم يتخيلون أن السعادة، واللذة والحياة ستكون في جانب فرعون، وأن البؤس والسغب والحرمان سيكون في الجانب الآخر، فيستثير ذلك غرائزهم، ويدفع أهواءهم، للإندماج والانغماس، في هذا الواقع الزاخر بالشهوات.. ويدفعهم ذلك إلى أن ينأوا بأنفسهم عن الاستجابة لدعوات الحق، ويزيد من نفورهم منه، وابتعادهم عنه.

وأما عقولهم، فلا يكون لها دور، ولا يسمع لها رأي، لأنهم يشعرون أن عقولهم تدعوهم للتخلي على اللذة الحاضرة منهم، من دون عوض حاضر تقدمه إليهم.

وهذا بالذات هو ما جرى لأبي هريرة، فإنه حين رأى الديباج والحرير، والذهب، والعدة والعدد، والعتاد والسلاح، استيقظت غرائزه، واشرأبت أعناق الشهوات وحب الدنيا في نفسه، لتغرق في هذا الذهب، وذلك الحرير، وتعيش الركون إلى العدة والعدد، والسلاح.. وغاب العقل عن مسرح القرار، وخف ميزانه، وضعفت قدرته على التأثير في نفس هيمنت عليها الغرائز، وتملكها حب الدنيا، وركنت وانشدت إليها..

وربما يذكِّره ثابت بن أقرم بالمعادلة الصحيحة، وهي: أن النصر ليس للكثرة، وأن بدراً هي خير شاهد ودليل على ذلك..

فسكت أبو هريرة، ولم يجرؤ على إظهار حقيقة ما يعتلج في نفسه، ولم يكن لديه حيلة، ولا وسيلة، إلا هذا السكوت الساتر لما في الضمائر..

إيذاء الحيوان لا يجوز:

وذكروا: أن جعفراً رضوان الله تعالى عليه قد عقر فرسه.. وهذا ما رواه أبو داود، من طريق محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، قال: عن يحيى بن عبَّاد، عن أبيه عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثني أبي الذي أرضعني، فذكره، وقال: ليس هذا الحديث بالقوي.

قال الصالحي الشامي: وقد جاء نهي كثير من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» [عن تعذيب البهائم، وقتلها عبثاً] كذا قال أبو داود: إنه ليس بقوي وابن اسحاق حسن الحديث.

وقد صرح بالتحديث في رواية زياد البكائي، فقال: حدثني يحيى بن عباد، ويحيى وأبوه ثقتان، وجهالة اسم الصحابي لا تضرّ، ورواه أيضاً عن ابن اسحاق عن عبد الله بن إدريس الأودي كما في مستدرك الحاكم، فسند الحديث قوي([33]).

قال الخطابي عن عقر جعفر لفرسه: وهذا يفعله الناس في الحرب إذا أرهق وأيقن أنه مغلوب، لئلا يَظفَر به العدوّ، فيتقوى به على قتال المسلمين([34]).

قال الحلبي: ومن ثم لم ينكر عليه أحد من أصحابه. وبه استدل من جوز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به الكفار([35]).

واختلف العلماء في الفرس يعقره صاحبه لئلا يظفر به العدو، فرخص فيه مالك، وكره ذلك الأوزاعي والشافعي.

واحتج الشافعي بحديث النبي «صلى الله عليه وآله»: «من قتل عصفوراً فما فوقه بغير حقه يسأله الله تعالى عن قتله».

واحتج بنهيه «صلى الله عليه وآله» عن قتل الحيوان إلا لمأكلة.

قال: وأما أن يعقر الفرس من المشركين، فله ذلك، لأن ذلك أمر يجد به السبيل إلى قتل من أمر بقتله([36]).

هذا ما قاله هؤلاء، أما نحن فنقول:

عقر الفرس أم عرقبها:

1 ـ مما تجدر الإشارة إليه، هو: أن ما يذكرونه عن جعفر بالنسبة لفرسه، قد ورد بصيغتين:

إحداهما: أنه عرقب فرسه([37]).

والأخرى: أنه عقر فرسه([38]).

ولعل الثانية هي الأولى والأقرب إلى الصحة، لأن عرقبة الفرس لا تتناسب مع ما ورد من النهي الشرعي عن إيذاء الحيوان، حسبما قدمناه في غزوة الحديبية، وذكرناه في كتابنا: «حقوق الحيوان في الإسلام»، ونحن نجل جعفراً عن الإقدام على عمل نهى عنه الشارع، ويأباه الخلق الإنساني الرفيع.

بل هناك نص عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يتعرض لنفس هذا المعنى، فقد روي عنه «صلى الله عليه وآله» قوله: «إذا حرنت على أحدكم دابة في أرض العدو فليذبحها، ولا يعرقبها»([39]).

أما عقر الفرس فلا يأبى عن إفادة معنى الذبح، فهو الأقرب والأنسب بسجايا جعفر، الذي أشبه رسول الله «صلى الله عليه وآله» في خَلْقِهِ وخُلُقِهِ([40]).

والذبح لغرض عقلائي، لا يأباه الخلق الإنساني، ولا يمنع منه الشرع الشريف.

2 ـ زعموا: أنه يمكن توجيه مبادرته إلى عرقبة الفرس بأنه أراد أن يحرم العدو من الاستفادة منه([41]).

ونقول:

إن ذلك غير دقيق، فيما لو كان بإمكانه إيكال أمره إلى غيره من مقاتلي المسلمين، ليستفيد منه في الحرب والنزال، أو في غرض مشروع آخر..

3 ـ أما أسباب المبادرة إلى ذبح الفرس، فيمكن أن نتلمسها فيما يلي:

ألف: إفهام العدو سرّ البطولة، ورمزها، وحقيقتها. وأنها إرادة وتصميم، وإيمان وجهاد، وتضحيات، وأن يملك الإنسان نفسه، وقرارها، والقدرة على التصرف فيها..

وليست الشجاعة هي مجرد امتلاك القدرة على التصرف في قدرات الجسد، في دائرة هوى النفس، وعلى خط تلبية متطلباتها.

بل الشجاعة هي امتلاك القدرة على التصرف في الجسد نفسه، انسجاماً مع مقتضيات الإيمان، وتطبيقاً للمبادئ، وانسجاماً مع القيم، والمثل الإلهية العليا.

إنه يريد: أن يوجه للروم وللعرب الذين معهم إنذاراًَ، وأن يزرع الإعجاب والرعب في قلوبهم في آن واحد، ثم أن يعطي المسلمين الذين جاؤوا معه للجهاد درساً في الشمم والفداء، ومعنى الشجاعة، وسر الإباء، ولكنه درسٌ كلماته الأفعال، وحروفه التضحيات، واللسان الناطق به هو إيمان شامخ، ورأي باذخ، ويقين راسخ.

أما جيوش الروم فوجدت نفسها أمام التحدي الكبير، فواجهت اندفاع جعفر للتضحية والفداء، باندفاع غرائزي فيها، يهدف إلى التنفيس عن حقد دفين، وعن لؤم مشين وخزي وابتذال مهين، ولاذت بأسلحتها الفتاكة، وانهمرت على جعفر بطعناتها وضرباتها.. فقطعت يده اليمنى، ثم اليسرى.. وذلك حين وجدوا أنفسهم أمام حرب لا تخمد نارها إلا بإسقاط راية القائد، الذي لن يدعها تسقط ما دام حياً..

لقد آثر جعفر التخلص من الفرس، لأنه يريد أن يفهم عدوه مدى تصميمه في حربهم، ومدى تفانيه في الأهداف التي يحارب من أجلها..

وأن قادة الجيوش الإسلامية لا يريدون الإحتماء بالأبطال، ولا يريدون أن يموت الناس في الدفاع عنهم، بل هم الذين يريدون أن يموتوا قبل الناس، من أجل حفظ دين الناس، وحفظ أرواحهم وراحتهم..

وليست القضية مجرد خطب حماسية، وشعارات رنانة، بل هي مبادرة، واستعداد، وبذل وتضحية وجهاد، يرونه رأي العين..

بل إن هذا القائد لا يريد أن يهرب من الموت، ولا أن يحمي نفسه منه، فإنه يراه خيراً وصلاحاً، وسعادة، ونجاحاً، وفوزاً وفلاحاً. إنه يريد أن لا تفصله عنه حتى عدوة فرس، فآثر التخلص منه، فعقره..

أول من عرقب فرسه:

وزعموا: أن جعفراً كان أول من عرقب فرسه في الإسلام([42]).

ولكننا قلنا: إن ذلك لم يثبت، بل الراجح: أنه قد عقر فرسه،([43])، لا أنه عرقبه. فرواية الأمالي هي الأصح، وهي الأوفق بالتزام جعفر لحدود الشرع فيما يرتبط بالتعامل مع الحيوان.

وقد نقل «رحمه الله» عن الزهري قوله: وكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر فرسه([44]).

آخر محاولة للشيطان!!

ورووا: أنه لما أخذ جعفر بن أبي طالب الراية جاءه الشيطان فمنَّاه الحياة الدنيا، وكرَّه له الموت، فقال:

الآن!! حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا؟!

ثم مضى قدماً حتى استشهد. فصلى عليه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ودعا له، ثم قال: «استغفروا لأخيكم جعفر؛ فإنه شهيد، وقد دخل الجنة، وهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة»([45]).

ونقول:

لا شك في أن الشيطان لا يدع فرصة إلا ويحاول اقتناصها، وهو يرى: أنه حين تنقطع السبل بالإنسان، ويواجه الخطر الأعظم في لحظة الموت الرهيب، تضعف عزيمته، وتتبلبل أفكاره، ويضطرب في قراراته، ويضيع في زحمة المشاعر والأفكار التي تظهر عليها عوارض التناقض والإختلاف.

ولكن هناك رجال مؤمنون، وأصفياء متقون، لا يفقدون السيطرة على أنفسهم، حتى في هذه اللحظات، بل إن منهم من يجد في هذه اللحظات ما يؤكد يقينه، ويزيد من وضوح الصورة لديه، فيزيده ذلك رضاً، قد يصل به إلى حد البهجة والسرور، على قاعدة: «فزت ورب الكعبة»، حيث يأنس بالموت كما يأنس الطفل بثدي أمه، ويراه أحلى من العسل، لأنه يشاهد ما أعده الله تعالى له، انطلاقاً من حقيقة: «لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً»، وعلى هذا الأساس جاء قول جعفر:

يـاحـبـذا الجــنـة واقـترابـهـــا           طـيـبـــة وبــــارداً شـــرابهــــا

والـروم روم قـد دنـا عـذابـهـا           كــافـــــرة بـعـيـدة أنـسـابهـــا

عـلي إذ لاقـيـتـهـــا ضـرابهــــا([46])

فقد عبر «سلام الله عليه» في أبياته هذه عن تلهفه للجنة، واشتياقه البالغ لها..

تسقط اليد ويرتفع اللواء:

وحين قطعت يد جعفر وسقطت، فإن ألم قطعها لم يشغل جعفراً، ولم يمنعه من المبادرة إلى رفع اللواء باليد الأخرى، ولم ير «عليه السلام» في هذا الذي جرى له عذراً يبرر انكفاءه عن المواجهة.

بل وجد أن واجبه هو: أن يهزم العدو بالرعب من خلال ما يشاهده من إصراره الأكيد على رفع اللواء باليد الأخرى، وليكون ذلك سبباً في مضاعفة حدة اندفاع المسلمين في مواجهة عدوهم.

وحتى حين قطعت اليد الأخرى، فإنه يواصل جهاده ويبذل قصارى جهده في حفظ جذوة الحماس ملتهبة لدى كتائب الجيش الإسلامي، الذي لا بد أن يظهر ـ من أجل ذلك ـ من البسالة والإقدام والشجاعة، ما يحير العقول، ويذهل الألباب..

وتصعد روح جعفر إلى بارئها، ويرتفع جعفر، ويحلق إلى مقامات القرب والزلفى، ومواقع العز والكرامة بنفس هاتين اليدين المقطوعتين، اللتين ألبستاه ـ بفقدهما ـ حلتين من البهاء والجمال، والعظمة والجلال.

الطيار بعد قطع يديه:

وقد صرحت بعض الروايات: بأن جعفرَاً قطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره، فقطعت يساره، فاحتضن الراية، وقاتل حتى قتل([47]).

ونقول:

إننا نتعقل أن يأخذ مقطوع اليدين اللواء ببقايا يديه، ويضمه إلى صدره، ولكن لا يمكن أن نتصوره قادراً على قتال العدو بسيف أو برمح، سوى مبادرته إلى ركل من يهاجمه بإحدى رجليه، ليدفعه عن نفسه، وليلحق به أكبر قدر ممكن من الأذى.

بل إن أخذه الراية بشماله، بعد قطع يده اليمنى يجعله غير قادر على حمل السيف بها أيضاً، لأنها أصبحت مشغولة باللواء.

وهذا معناه: أنه «عليه السلام» قد بذل محاولة لإبقاء الراية مرفوعة ليراها المسلمون، ويواصلوا القتال أطول وقت ممكن، لأنه يعلم: أن وقوع الراية على الأرض، يوجب تضعضع الجيش، وربما يؤدي ذلك إلى هزيمته، وهذا ما لا يريده ولا يرضاه..

الطيار أسوة وقدوة:

وغني عن البيان هنا: أن نفس هذا الذي جرى لجعفر بن أبي طالب «عليه السلام» قد جرى ما يشبهه للعباس بن أمير المؤمنين «عليهما السلام» في كربلاء، فإن يمينه قطعت، فأخذ السيف بيساره، فقطعت، فقاتل حتى ضعف، فضربه ملعون بعمود من حديد على رأسه فقتله([48]).

وقد روي: أن الله تعالى عوضه أيضاً بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، فقد روى الصدوق «رحمه الله» بسنده عن ثابت بن أبي صفية، قال: قال علي بن الحسين «عليه السلام»: رحم الله العباس ـ يعني ابن علي ـ فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه حتى قطعت يداه، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب([49]).

استشهاد جعفر وهو صائم:

وتقدم عن ابن عمر قال: أتيته (يعني جعفراً) وهو مستلق آخر النهار، فعرضت عليه الماء، فقال: إني صائم، فضعه في ترسي عند رأسي، فإن عشت حتى تغرب الشمس أفطرت.

قال: فمات صائماً قبل غروب الشمس شهيداً، وعمره إحدى وأربعون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون..

ونقول:

ألف: بالنسبة لعمره «عليه السلام» فإن صح ما يقولونه من كونه أسن من علي «عليه السلام» بعشر سنين([50]). فإن عمر علي «عليه السلام» كان آنذاك حوالي ثلاثين سنة، فلا بد أن يكون عمر جعفر أكثر من ذلك بعشر سنين. فكيف يكون عمره ثلاثاً وثلاثين سنة ـ كما يقولون ـ؟!

ب: إن المعركة إذا كانت قائمة، فلا يكون هناك مجال لأن يستلقي جعفر آخر النهار، ليعرض ابن عمر الماء عليه. ثم يستشهد قبل غروب الشمس!!

ج: قال الحلبي: «كونه رضي الله عنه مات صائماً لا يناسب كونه شق نصفين»([51]).

وهو كلام عجيب، فهل شقه نصفين يمنع من كونه مات صائماً؟! فإن شقه هذا لا يوجب إفطاره، ولا إفساد صومه..

ذو الجناحين:

وفي بعض المصادر: أنه «قد وردت أخبار في أنه لما رفعوه على الرماح، منّ الله عليه بجناحين، فطار من رأس الرماح إلى السماء، وهو يطير في الجنة مع الملائكة»([52]).

ولا ندري مدى صحة هذا الحديث، ولو صح فربما يكون هذا قد جاء على سبيل المجاز، أو أنه قد طار فعلاً إلى السماء مقداراً ثم عادت جثته إلى الأرض، وبقيت روحه تطير مع الملائكة، وربما، وربما..

نظرة في الكرامات:

إنه تعالى حين يظهر الكرامة لولي من أوليائه، فإنه لا يريد بذلك أن يقهر الناس على الإيمان، ولا أن يتهددهم بهذا الأمر، ليفرض عليهم سلوك طريق الحق، تحت طائلة التدخل الغيبي في صورة مخالفتهم للأوامر والنواهي الإلهية..

بل يريد تبارك وتعالى.. أن يثير في نفس الإنسان المؤمن، الطموح، لنيل مقامات القرب والزلفى عنده، وذلك من خلال تقديم نموذج تطبيقي حي وملموس، يسهِّل على المؤمنين اليقين بوعد الله تعالى، والسكون والركون إلى تحققه حتى كأنهم يرونه ماثلاً أمامهم، من دون أي إخلال أو انتقاص.

ويريد أن يقول لهم: إنه لا مجال لاحتمال المبالغة في البيانات الصادرة، فإنه إن كان هناك تجوُّز في التعبير عن حقيقة ذلك الوعد، والموعود به، فإنما هو محاولة لتقريب الصورة الحقيقية، التي تعجز التعابير المجازية أو الكنايات والإستعارات، عن الإحاطة بها، بل تبقى مجرد إشارات وإلماحات لما هو أعظم وأتم، وأخطر وأهم..

كما أن هذا الإنسان الذي هو مستغرق فيما هو مادي ومحسوس، إلى درجة أنه إنما يطل على الغيب من خلال ذلك.. يحتاج إلى اختصار المسافة بينه وبين الغيب.. فتأتي الكرامات والمعجزات، لتقوم بهذه المهمة، وليكون للغيب أيضاً حضوره وشهوده. ليعطي سلاماً للروح، وحياة في الوجدان، ويقظة في الضمير، وحركة في العقل بالاتجاه الصحيح، وعلى أساس من الوعي العميق، والرؤية الواضحة، والشمولية، والواقعية..

على أن هذه الكرامات تسهل على الإنسان المؤمن أن يعي كيف أن لمسألة الغيب حضورها في كل شيء، بل هي جزء من حياة هذا الكائن، وهي مستوعبة لكل المساحات التي ينطلق فيها في حركته نحو الله تعالى..

فالغيب ليس غائباً عن أي من مواقع حركة هذا الإنسان، حتى فيما يتخيل أنه مادي صرف، ولا موقع للغيب فيه، فإن الغيب كامن في عمق ذاته، وفي كنه وجوده.. فعليه أن يشعر به في كل المواقع والمواضع من دون استثناء.

ومن جهة أخرى: فقد تمس الحاجة إلى إقامة الحجة على الناس في أمر ظهر فيه تقصيرهم، أو ظهرت فيهم بوادر هذا التقصير، كما هو الحال في قضية جعفر «عليه السلام» في مؤتة، فإن ظهور هذه الكرامة له، بأن يطير جسده إلى السماء ولو مقداراً ما.. لا بد أن يقيم الحجة على الأعداء أولاً.. من حيث إنه يفتح أمامهم باب الهداية، ويسهل عليهم الحصول على القناعة من أقرب طريق.. ألا وهو طريق الوجدان، والإحساس القلبي، ويختصر المراحل أمامهم..

ثم هو تعميم للحجة على جيش المسلمين، الذين قد يخطر ببالهم: التماس العذر لأنفسهم عن فرار وشيك ربما يراود أذهانهم، فيزعمون: أن مواجهة مئات الألوف لا مبرر لها، لأن احتمالات النصر على تلك الأعداد الهائلة تكاد تكون معدومة، بل هي معدومة فعلاً..

وأما ما فعله جعفر «عليه السلام» فإنما هو مبادرة شخصية منه، وتضحية يحمد عليها، ولكنها هدر للطاقة، لا تجدي نفعاً، ولا تحقق نصراً.

فجاءت الكرامة الإلهية له لتقول لهم: إن الله تعالى إذا كان هو الراعي لهم، والمشرف على حالهم، وهو الذي ينزل النصر عليهم، أو يحجبه عنهم. فعلى كل أنسان أن يقوم بواجبه، ويمتثل أمر الله ورسوله، وليس له أن ينظر في نتائج ذلك، ولا أن يحدد طبيعة النصر، وحجمه، ومواصفاته.. ولا أن يدَّعي لنفسه المعرفة بالغيب الإلهي فيه.

فلعل المطلوب الإلهي أمر آخر غير النصر العسكري ـ كما كان الحال في كربلاء مثلاً ـ ولعل المطلوب هو النصر العسكري، ولكن بطريقة حجب الله تعالى عنهم بعض عناصرها. ولو بأن تحدث اختلافات ومنازعات بين كتائب جيوش الأعداء، لأجل ما يرونه من استبسال لدى جنود أهل الإسلام.. وقد ينشأ عن ذلك الإستبسال، والإستشهاد هداية لطائفة أو لطوائف من جيش الأعداء. وقد تحدث انقسامات بين العرب وبين غيرهم لأكثر من سبب فيما لو طالت الحرب.. إلى غير ذلك من أسباب.

استشهاد ابن رواحة:

روى ابن إسحاق، قال: قتل جعفر، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة، ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد، ثم قال:

أقـسـمـت يـا نـفـس لـتـنـزلنه            طــــائـعــة أو لــتـكــرهـنـــه

إن أجلب الناس وشدوا الـرنـة          مــــا لي أراك تــكـرهـين  الجنـة

قـد طـالمـا قـد كـنـت مطمئنـة            هـل أنـت إلا نـطـفـة في شــنــة

وقال أيضاً:

يـا نـفـس إلَّا تـقـتــلي تمـــوتي          هـذا حمــام المـوت قـد صـلـيـت

ومـا تمـنـيـت فـقـد أعـطـيـت             إن تـفـعــلي فـعـلـهــما هـديت([53])

يريد صاحبيه زيداً وجعفراً، ثم نزل.

فلما نزل أتاه ابن عمر بعَرْق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك، فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت.

فأخذه من يده، ثم انتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا؟

ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل.

ووقع اللواء من يده، فاختلط المسلمون والمشركون، وانهزم بعض الناس، فجعل قطبة بن عامر يصيح: يا قوم يُقتل الرجل مقبلاً أحسن من أن يقتل مدبراً.

قال سعيد بن أبي هلال: وبلغني أن زيداً، وجعفراً، وعبد الله بن رواحة دفنوا في حفرة واحدة([54]).

تردد ابن رواحة في النزول:

وفي بعض الروايات: «فأخذها (يعني: الراية) عبد الله رواحة، وتقدم بها وهو على فرسه، وجعل يتردد في النزول عن فرسه، ثم نزل، وقاتل حتى قتل»([55]).

ونستطيع أن نفهم أن النزول عن الفرس إنما هو حين يراد إفهام العدو أن الفارس قد استقتل، وأن أي توهم في حبه للنجاة من خلال بقائه على ظهر فرسه، ما هو إلا توهم باطل..

الحرب دامت أياماً:

من يلاحظ النصوص المتداولة لغزوة مؤتة يخرج بنتيجة مفادها: أن القادة الثلاثة قد قتلوا في أول المعركة، ثم أخذ اللواء خالد، وولى هارباً، وتبعه المسلمون.. ولذلك اقتصر عدد قتلى المسلمين على ثمانية شهداء، وقيل: قتل اثنا عشر شهيداً، أو نحو ذلك. كما سيأتي إن شاء الله تعالى..

ولكننا نقول:

إن ذلك موضع شك كبير. ومن موجبات هذا الشك:

أن هذا الرقم للقتلى لا يتناسب مع قولهم أيضاً: إن الحرب قد دامت سبعة أيام([56]).

ويؤيد ذلك قولهم المتقدم: إن ابن عمر جاء إلى ابن رواحة بعرق من لحم، وقال له: «شد بهذا صلبك، فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت».

حيث يشير إلى أن ابن رواحة قد لقي مصاعب كبيرة خلال أيام مرت عليه، ولعلها هي الأيام السبعة المشار إليها، وكان ـ فيما يبدو ـ يمارس القتال المجهد فيها.

وأما احتمال أن يكون المراد هو: مشقات قطع المسافات الطويلة من المدينة إلى مؤتة، فهو بعيد عن الذهن، وليس له ما يؤيده.

ويؤيد ذلك: ما سيأتي من أن المسلمين اعتمدوا أسلوب مبارزة الفرسان، وهي طريقة ممتعة، يظهر فيها الفرسان شجاعتهم، ويقدمون فيها عروضاً شيقة لفنون الحرب والقتال وتوجب طول أمد الحرب..

ولعل المسلمين أظهروا فيها براعة نادرة، وشجاعة فريدة.. فقل شهداؤهم، وكثرت القتلى من أعدائهم، وربما كان لابن رواحة سهم وافر في هذا المجال..

ثم اختار الأعداء أسلوب الهجوم الشامل.. فقتل القادة آنئذٍ.. وربما تكون بوادر النصر قد بدأت بالظهور، فضيعها خالد.

هزيمة خالد:

وبعد أن استشهد عبد الله بن رواحة بادر خالد بن الوليد فأخذ الراية وانهزم بها وتبعه سائر الناس، ولكن هناك من سعى لتزوير الحقيقة وإيهام الناس بعكسها، ونحن نذكر ذلك، ونبين وجه الحق فيه في الفصل التالي.

الآن حمي الوطيس:

وحول القول المنسوب لرسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو يصف للمسلمين ما يجري في مؤتة: «الآن حمي الوطيس»، قال ابن أبي الزناد ما يلي:

«بلغت الدماء بين الخيل موضع الأشاعر من الحافر. والوطيس أيضاً ذاك. وإذا حمي ذلك الموضع من الدابة كان أشد لعدوها»([57]).

ونحسب: أننا لسنا بحاجة إلى التعليق على هذه الروايات المغرقة في غرابتها، ولكن الأغرب منها: أن يبادر المؤرخون والمحدثون إلى إيرادها في كتبهم وفي مجاميعهم الحديثية والتاريخية، وغيرها، ويقدمونها للناس على أنها هي الحقائق الناصعة، وذلك من أجل أن تبقى حقيقة فرار خالد عن الناس ضائعة..

ولست أدري كيف يمكن أن يخبر النبي «صلى الله عليه وآله» عن بلوغ الدماء موضع الأشاعر، وهو يرى ما يجري عياناً، بعد أن رفع الله تعالى له كل خفيض، وخفض كل رفيع، ثم يرى الناس يظلمون هؤلاء المجاهدين ويطردونهم.. ثم لا يدافع عنهم؟! بل إنهم حتى لو كانوا قد هربوا من ساحة المعركة فإنهم لم يرتكبوا بذلك حراماً، بعد أن كان عدوهم يزيدهم بعشرات الأضعاف. كما أشرنا إليه أكثر من مرة..

وذلك يدل على عدم صحة ما زعموه، وأن الصحيح هو أن خالداً قد فرَّ بهم لحظة استشهاد القادة..

وتتأكد الشكوك في صحة هذه المزاعم حين نقارن بين عدد شهداء المسلمين وبين ما يزعم من أن الدماء قد بلغت الأشاعر من حوافر الخيل!!

شهداء مؤتة:

أما بالنسبة للذين استشهدوا من المسلمين في سرية مؤتة فهم:

جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، ومسعود بن الأسود بن حارثة (بن نضلة)، ووهب بن سعد بن أبي سرح، وعباد بن قيس، والحارث بن النعمان (بن إساف بن نضلة)، وسراقة بن عمرو بن عطية (بن خنساء)([58]).

وزاد ابن هشام نقلاً عن ابن شهاب الزهري:

أبا كليب، أو كلاب بن عمرو بن زيد، وأخاه جابر بن عمرو بن زيد، وعمرو، وعامر ابنا سعد بن الحارث([59]).

وزاد الكلبي والبلاذري: هوبجة بن بجير الضبي. ولما قتل فقد جسده، ولا ذِكر لهوبجة فيما وقفت عليه من نسخ الإصابة للحافظ، ولا القاموس. مع ذكر الذهبي له في التجريد، وأن له وِفادة وهجرة([60]).

وزاد ابن سعد، والعدوي، وابن جرير الطبري: زيد بن عبيد بن المعلى الأنصاري([61]).

وزاد ابن إسحاق، كما في الإصابة، وجزم به في الزهر: عبد الله بن سعيد بن العاص بن أمية.

قال ابن الأثير: قتل باليمامة في الأكثر.

وقال الذهبي: الأصح ببدر.

وقيل: باليمامة.

وقيل: بمؤتة([62]).

وزاد ابن الكلبي، وابن سعد، والزبير بن بكار: هبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، وقال عروة، وابن شهاب الزهري، وابن إسحاق، وابن سعد: استشهد بأجنادين([63]).

وقال سيف بن عمر: استشهد باليرموك([64]).

وزاد ابن عقبة: عبد الله بن الربيع الأنصاري([65])، ومعاذ بن ماعص([66]).

ووقع في نسخة من مغازي موسى بن عقبة: أن الذي استشهد بمؤتة أخوه عباد([67]).

وقال في البداية، بعد أن ذكر جميع من قتل بمؤتة من المسلمين: (فالمجموع على القولين) اثنا عشر رجلاً([68]).

وهذا عظيم جداً أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله تعالى عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة عدتها مائتا ألف مقاتل: من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين سوى اثني عشر رجلاً، وقتل من المشركين خلق كثير، هذا خالد وحده يقول:

«لقد اندقت في يدي يومئذٍ تسعة أسياف وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية».

فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟

دع غيره من الأبطال والشجعان([69]).

 

الفصل الثالث:

خالد يضيع النصر الأعظم

 

الإنحياز، أم النصر والفتح؟!

لقد وضع محبو خالد خطة تهدف إلى حفظ ماء وجهه، حتى لو كان ثمن ذلك هو تضييع الحق وتزوير التاريخ، والخطة هي التالية:

أن يدَّعوا: أن الذي حصل هو أحد أمرين: إما مجرد الانحياز والمحاشاة، ثم الانصراف. وإما النصر والفتح على يد خالد.

ثم يتم تضعيف دعوى المحاشاة، وادعاء أن الصحيح هو الفتح، وتحقيق النصر على يد خالد بن الوليد..

فنحن نبدأ بذكر ما قالوه وما استدلوا به، ثم نعقب ذلك بالنصوص المصرحة بالحقيقة، وبيان زيف دعواهم وبطلانها، وذلك على النحو التالي:

قال ابن إسحاق: «فلما أخذ الراية خالد بن الوليد دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز، وانحيز عنه، وانصرف الناس»([70]).

وعلى حد تعبير الزهري: «ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، فناوش القوم، وراوغهم حتى انحاز بالمسلمين منهزماً، ونجا بهم من الروم»([71]).

قالوا: هكذا ذكر ابن إسحاق: أنه لم يكن إلا المحاشاة والتخلص من أيدي الروم الذين كانوا مع من انضم إليهم أكثر من مائتي ألف، والمسلمون ثلاثة آلاف. ووافق ابن اسحاق على ذلك شرذمة.

وعلى هذا سمي هذا نصراً وفتحاً، باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو، وتراكمهم، وتكاثرهم عليهم. وكان مقتضى العادة أن يقتلوا بالكلية([72]).

وهو محتمل، لكنه خلاف الظاهر من قوله «صلى الله عليه وآله»: «حتى فتح الله عليكم»([73]).

وقد لوحظ: أنهم حين يريدون الحديث عن الهزيمة يقتصرون على خصوص عبارة ابن إسحاق التي جاءت ملطفة ومخففة إلى حد كبير، ثم يصفون سائر الذين صرحوا بالهزيمة بأنهم شرذمة. نعم مجرد شرذمة بنظرهم.. ثم يواصلون توجيه الكلام بطريقة توحي بأن النصر أمر مسلَّم، لكن الاختلاف إنما هو في كيفيته ومداه.

فيزعمون: أن سبب تسمية ما جرى في مؤتة نصراً هو تمكن المسلمين من الإفلات من يد تلك الكثرة الهائلة، وأن هذا هو ما يقصده ابن إسحاق، وأنه محتمل، ولكنه خلاف الظاهر.

ومهما يكن من أمر، فإنهم استدلوا على النصر في مؤتة بما يلي:

دلائل انتصار خالد:

وقالوا أيضاً: والأكثرون على أن خالداً ومن معه قاتلوا المشركين حتى هزموهم.

ففي حديث أبي عامر عند ابن سعد وغيره: أن عبد الله بن رواحة لما قتل «انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط. (في كل وجه)، حتى لم أر اثنين جميعاً. ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار، (يقال له: ثابت بن أرقم، فجعل يصيح بالأنصار)، ثم سعى به حتى إذا كان أمام الناس، ركزه ثم قال: إليَّ أيها الناس.

فاجتمع إليه الناس، حتى إذا كثروا مشى باللواء إلى خالد بن الوليد.

فقال له خالد: لا آخذه منك، أنت أحق به.

فقال الأنصاري: والله ما أخذته إلا لك.

فأخذ خالد اللواء من الأنصاري، و «حمل على القوم، فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط. حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا، (وأظهر الله المسلمين)»([74]).

فأتيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» فأخبرته، فشق ذلك عليه،


 

فصلى الظهر ثم دخل الخ..

وروى الطبراني برجال ثقات، عن موسى بن عقبة، قال: ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله «صلى الله عليه وآله» على خالد بن الوليد المخزومي، فهزم الله تعالى العدو، وأظهر المسلمين([75]).

وروى محمد بن عمر الأسلمي، عن عطاف بن خالد: لما قتل ابن رواحة مساءً، بات خالد بن الوليد، فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيأتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين.

قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم.

وفي نص آخر: فتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف شاءوا، فغنم المسلمون من أموالهم، فرجعوا إلى المدينة([76]).

وذكر ابن عائذ في مغازيه نحوه([77]).

وروى محمد بن عمر، عن الحارث بن الفضل: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «الآن حمي الوطيس»([78]).

وروى الحاكم في المستدرك، عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وهذا الذي ذكره أبو عامر والزهري، وعروة، وابن عقبة، وعطاف بن خالد، وابن عائذ، وغيرهم، هو ظاهر قوله «صلى الله عليه وآله» في حديث أنس: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه»([79]).

وفي حديث أبي قتادة مرفوعاً كما سيأتي: ثم أخذ خالد بن الوليد اللواء، ولم يكن من الأمراء، هو أمَّر نفسه. ثم رفع رسول الله «صلى الله عليه وآله» إصبعه، ثم قال: «اللهم إنه سيف من سيوفك فانصره»([80]).

وعند الحلبي أنه «صلى الله عليه وآله» قال: «ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، نعم عبد الله وأخو العشيرة، وسيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين، من غير إمرة حتى فتح الله عليهم»([81]).

فمن يومئذٍ سمي خالد بن الوليد «سيف الله»([82])، رواه الإمام أحمد برجال ثقات.

ويزيده قوة، ويشهد له بالصحة، ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والبرقاني، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: «خرجت [مع من خرجٍ] مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من المسلمين من اليمن، ليس معه غير سيفه. فنحر رجل من المسلمين جزوراً، فسأله المددي طائفة من جلد، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرقة، ومضينا، ولقينا جموع الروم، فيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل الرومي يسل على المسلمين، ويغري بهم، فقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي، فعرقب فرسه بسيفه، وخر الرومي، فعلاه بسيفه فقتله، وحاز سلاحه، وفرسه.

فلما فتح الله تعالى على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ منه بعض السلب.

قال عوف: فأتيت خالداً، وقلت له: أما علمت أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قضى بالسلب للقاتل؟

قال: بلى، ولكني استكثرته.

فقلت: لتردنه، أو لأعرفنكها عند رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فأبى أن يرد عليه.

قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «ما صنعت»؟

قال: استكثرته.

قال: «رد عليه ما أخذت منه».

قال عوف: دونكها يا خالد، ألم أف لك؟

[فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «وما ذاك»؟

فأخبرته].

فغضب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقال: «يا خالد، لا ترد عليه. هل أنتم تاركون أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدره»([83]).

الغنائم دليل النصر:

وقالوا أيضاً: روى محمد بن عمر، والحاكم في الإكليل، عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: أصيب بمؤتة ناس من المسلمين، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين، وكان فيما غنموا خاتم جاء به رجل الى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: قتلت صاحبه يومئذ.

فنفله رسول الله «صلى الله عليه وآله» إياه([84]).

وتقدم في حديث عوف بن مالك ما يشير إلى ذلك آنفاً.

وروى محمد بن عمر، عن خزيمة بن ثابت قال: «حضرت مؤتة، فبارزني رجل منهم يومئذٍ، فأصبته وعليه بيضة له فيها ياقوتة، فلم تكن همتي إلا الياقوتة، فأخذتها. فلما رجعنا إلى المدينة أتيت بها رسول الله «صلى الله عليه وآله» فنفلنيها، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار، فاشتريت بها حديقة نخل»([85]).

قال في البداية: «وهذا يقتضي أنهم غنموا منهم، وسلبوا من أشرافهم، وقتلوا من أمرائهم»([86]).

وروى البخاري عن خالد، قال: «لقد اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية»([87]).

وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلاً، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، إذ كان المسلمون ثلاثة آلاف، والمشركون أكثر من مائتي ألف، وهذا وحده دليل مستقل([88]).

وقال الحلبي: وفي رواية: أصاب خالد منهم مقتلة عظيمة، وأصاب غنيمة.

وهذا لا يخالف ما يأتي أن طائفة منهم فروا إلى المدينة لما عاينوا كثرة جموع الروم، فصار أهل المدينة يقولون لهم: أنتم الفرارون([89]).

وقد ذكر ابن إسحاق: أن قطبة بن قتادة العذري، الذي كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بن زافلة، ويقال: ابن رافلة، وهو أمير أعراب النصارى، فقتله، وقال قطبة يفتخر بذلك:

طعـنت ابـن رافلـة ابـن الإراش         بـرمـح مـضـى فـيه ثـم  انحـطـم

ضـربـت عـلى جـيـده ضـربــة           فـــمال كـما مـال غـصـن السـلـم

وسـقـنـا نـسـاء بـنـي عـمـــه            غـداة رقـوقــين ســوق الـنـعــم

وهذا يؤيد ما نحن فيه، لأن من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفر أصحابه، ثم إنه صرح في شعره بأنهم سبوا من نسائهم، وهذا واضح فيما ذكرناه([90]).

وعن أنس قال: نعى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو على المنبر زيداً، وجعفراً، وابن رواحة للناس يوم أصيبوا قبل أن يأتيه خبرهم، فقال:

«أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله عليهم»([91]).

وروى النسائي، والبيهقي، عن أبي قتادة قال: «بعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» جيش الأمراء، فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله، فصعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» المنبر، فنودي: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال:

«أخبركم عن جيشكم هذا. إنهم انطلقوا فلقوا العدوفقتل زيد شهيداً، فاستغفر له. ثم أخذ اللواء جعفر فشدَّ على القوم حتى قتل شهيداً، فاستغفر له، ثم أخذه خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه».

ثم قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره». فمن يومئذ سمي خالد: «سيف الله»([92]).

صمود ونصر، أو مجرد انحياز:

فاتضح مما تقدم: أن سياق حديث هؤلاء يسير باتجاه الإيحاء بأن الذي كان في مؤتة هو إما الانحياز والمحاشاة، أو النصر والفتح.. ثم يصرحون بعدم صحة الأول، ويؤكدون على صحة الثاني، كما رأينا..

غير أننا نقول:

إن هؤلاء الناس أنفسهم قد ساقوا لنا طائفة من الدلائل والشواهد على أن الأمر لم يكن كما زعموا، وإن كان ربما يلاحظ في بعضه سعي لحفظ ماء الوجه بطريقة أو بأخرى..

كما أن نفس تلك النصوص التي أرادوا منها أن تدلل على صحة ما قالوه وتؤيده قد جاء أكثرها عاجزاً عن ذلك، كما سيتضح إن شاء الله تعالى.

تهافت بلا مبرر:

إن هناك العديد من الموارد قد تخالف ما سبق وقد ظهر فيها أيضاً التهافت حتى في الرواية الواحدة، فلاحظ ما يلي:

1 ـ حدث رجل من بني مرة، كان في الجيش. قيل له: إن الناس يقولون: إن خالداً انهزم من المشركين.

فقال: لا والله، ما كان ذلك. لما قتل ابن رواحة، نظرت إلى اللواء قد سقط، واختلط المسلمون والمشركون، فنظرت إلى اللواء في يد خالد منهزماً، واتبعناه فكانت الهزيمة([93]).

2 ـ ويروي الواقدي عن محمد بن صالح، عن رجل من العرب عن أبيه: أنه لما قتل ابن رواحة انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط، في كل وجه، ثم تراجعوا، وكان ثابت بن أقرم قد أخذ اللواء.. ثم أعطاه لخالد «فأخذه خالد، فحمله ساعة، وجعل المشركون يحملون عليه، فثبت حتى تكركر المشركون، وحمل بأصحابه، ففض جمعاً من جمعهم، ثم دهمه منهم بشر كثير، فانحاش المسلمون، فانكشفوا راجعين»([94]).

قال ابن إسحاق: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم.

فقالوا: أنت.

قال: ما أنا بفاعل.

فاصطلح الناس على خالد بن الوليد([95]).

وروى الطبراني عن أبي اليسر الأنصاري، قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب عبد الله بن رواحة، فدفعت إلى خالد.

وقال [له ثابت بن أقرم]: أنت أعلم بالقتال مني([96]).

وعند الواقدي: أنت رجل سن، وقد شهدت بدراً.

زاد الحلبي: «فقال له خالد: أنت أحق به مني، لأنك ممن شهد بدراً، ثم أخذه خالد ومانع القوم، وثبت، ثم انحاز كل من الفريقين عن الآخر من غير هزيمة على أحدهما»([97]).

3 ـ وعن ابن كعب بن مالك قال: حدثني نفر من قومي حضروا يومئذٍ، قالوا: لما أخذ خالد اللواء انكشف بالناس، فكانت الهزيمة، وقتل المسلمون، واتبعهم المشركون، فجعل قطبة بن عامر يصيح: يا قوم، يقتل الرجل مقبلاً أحسن من أن يقتل مدبراً، يصيح بأصحابه، فما يثوب إليه أحد، هي الهزيمة.

ويتبعون صاحب الراية منهزماً([98]).

4 ـ وعن أبي هريرة: لما قتل ابن رواحة، انهزم المسلمون، فجعل خالد يدعوهم في أخراهم، ويمنعهم عن الفرار، وهم لا يسمعون، حتى نادى قطبة بن عامر: أيها الناس، لأن يقتل الرجل في حرب الكفار، خير من ان يقتل حال الفرار، فلما سمعوا كلام قطبة تراجعوا([99]).

طريق جمع فاشل:

وقد حاول بعضهم: أن يجمع بين هذه الروايات المختلفة والمتخالفة، فقال:

«هذا لا يخالف ما يأتي من أن طائفة منهم فروا إلى المدينة لما عاينوا كثرة جموع الروم، فصار أهل المدينة يقولون لهم: أنتم الفرارون»([100]).

قال في البداية: لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع العدو، على ما ذكروه مائتي ألف، وكان المسلمون ثلاثة آلاف، ومثل هذا يسوغ الفرار.

فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم، وفتح الله عليهم، وتخلصوا من أيدي أولئك، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، كما ذكره الزهري، وموسى بن عقبة، والعطاف بن خالد، وابن عائذ.

وحديث عوف بن مالك السابق يقتضي أنهم غنموا منهم، وسلبوا من أشرافهم، وقتلوا من أمرائهم.

وقد تقدم فيما رواه البخاري: أن خالداً قال: «اندقت في يدي تسعة أسياف الخ..»، يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلاً، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، وهذا وحده دليل مستقل([101]).

وقال الصالحي الشامي: أكثر الآثار تدل: على أن المسلمين هزموا المشركين، وفي بعضها أن خالداً انحاز بالمسلمين، وقد تقدم بيان ذلك.

قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن يكون المسلمون هزموا جانباً من المشركين، وخشي خالد أن يتكاثر الكفار عليهم. فقد مر أنهم كانوا أ كثر من مائتي ألف، فانحاز عنهم حتى رجع بالمسلمين إلى المدينة([102]).

وقال الحافظ ابن كثير في البداية: يمكن الجمع بأن خالداً لما انحاز بالمسلمين بات، ثم أصبح وقد غير بقية العسكر كما تقدم، وتوهم العدو أنهم قد جاءهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولوا فلم يتبعهم، ورأى الرجوع بالمسلمين مع الغنيمة الكبرى([103]).

وقال الواقدي: «فانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة عظيمة، لم يقتلها قوم»([104]).

غير أنه سيتضح: أن هذه التمحلات بعيدة جداً عن الواقع، وأن من نسب إليهم القول بحصول النصر والفتح على يد خالد ومن معه، لا تصح النسبة إلى معظمهم، أو لا يصح الاستدلال بقولهم.. فنسبة ذلك إليهم ما هو إلا تدليس ظاهر، من ماكر ماهر.

والذين نسب إليهم ذلك هم ـ كما زعموا ـ أبو عامر، وأبو هريرة، والزهري، وعوف بن مالك، وأنس، وابن عائذ، وعروة، وأبو سعيد الخدري، وعطاف بن خالد، وابن عقبة..

وسيتضح فيما يلي مطالب عدم صحة ذلك، إلا بالنسبة لبضعة أفراد لا يصل عددهم إلى عدد أصابع اليد الواحدة. بل إن بعضهم قد روى العكس، كما سنوضحه فيما يلي:

حديث جابر وخزيمة:

ورد في حديث جابر كلام عن اغتنام بعض أمتعة المشركين، وأن أحدهم غنم خاتماً، فجاء به إلى النبي «صلى الله عليه وآله» فنفله إياه([105]).

بالإضافة إلى حديث الياقوتة التي غنمها خزيمة بن ثابت، فنفله إياها رسول الله «صلى الله عليه وآله»([106]) أيضاً..

وكلا الحديثين غير مفيد، وذلك لما يلي:

1 ـ إنه لو كان هناك نصر وفتح، وغنائم في مؤتة، فلابد أن يقسَّم في ساحة المعركة، بعد انتهاء الحرب، فما معنى أن يبقى ذلك الخاتم مع ذلك الرجل إلى المدينة، حتى يعرضه على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فينفله إياه؟!

ولماذا لم يعترض رسول الله «صلى الله عليه وآله» على ذلك الرجل، لأنه احتفظ بذلك الخاتم إلى هذا الوقت؟

ولماذا لم يسأله عن السبب في أنه لم يعلم به أمير الجيش حين اقتسام الغنائم؟!

2 ـ إن رواية خزيمة تصرح بأن خزيمة قد قتل صاحب الياقوتة، وسلبه إياها، فهو من السلب الذي حكم رسول الله «صلى الله عليه وآله» بأنه للقاتل، وقد كان هذا الأمر معروفاً لدى الناس، كما ظهر من قصة عوف بن مالك مع خالد. فما معنى مراجعة رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الياقوتة، لينفله إياها.

3 ـ إن الحرب في مؤتة لم تكن عابرة، وبلا جهد وجهاد، من قبل جيش المسلمين، حتى لو كان هذا الجيش قد انهزم في نهاية الأمر متابعة منه لخالد بن الوليد حامل لوائه.

وقد ذكروا: أن ذلك الجيش بقي سبعة أيام يقاتل أعداءه إلى أن استشهد قادته الثلاثة. ومن الطبيعي أن يحصل بعضهم على بعض السلب ممن كانوا يقتلونهم من أفراد جيش العدو.. ثم كانت الهزيمة بعد ذلك على يد خالد، ولم يكن هناك اقتسام لغنائم، فجاء أولئك الأفراد ببعض ما حصلوا عليه إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولعل قصة جابر، وخزيمة قد جاءت على هذا السياق.

4 ـ إن رواية خزيمة نفسها تصرح بالهزيمة، فقد جاء فيها ـ حسب رواية البيهقي ـ قوله: «فأخذتها، فلما انكشفنا رجعنا إلى المدينة الخ..»([107]).

فما معنى الاستدلال بهذه الرواية على صمودهم، وعلى حصول النصر والفتح لهم؟!

حديث عوف بن مالك:

وجاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي: أن أحدهم قد غنم فرس وسلاح أحد المشركين.

ونقول:

1 ـ إن هذا أيضاً لا يدل على أنه قد غنم ذلك بعد استشهاد القادة، بل ظاهر الرواية: أن ذلك قد حصل بمجرد نشوب الحرب، وبمجرد التقاء المسلمين بجموع الروم.

2 ـ إن هذا الحديث مرفوض جملة وتفصيلاً، فإنه يكاد يكون صريحاً في ادِّعاء: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد تناقض في تصرفاته، إذ إنه إذا كان ـ كما يزعمون ـ قد خطَّأ خالداً في رأيه الأول، فكيف صح أن يعود إلى تصويبه أخيراً. فهل يصح تصويب الخطأ؟!

قال الصالحي الشامي: إنما رد «صلى الله عليه وآله» السلب إلى خالد بعد الأمر الأول بإعطائه للقا تل نوعاً من النكير، ودعا له، لئلا يتجرأ الناس على الأئمة.

وكان خالد مجتهداً في صنيعه ذلك، فأمضى رسول الله «صلى الله عليه وآله» اجتهاده لما رأى في ذلك من المصلحة العامة، بعد أن خطَّأه في رأيه الأول.

ويشبه أن يكون النبي «صلى الله عليه وآله» عوّض المددي من الخمس الذي هو له، وأرضى خالداً بالصفح عنه، وتسليم الحكم له في السلب([108]).

ونقول:

ويلاحظ عليه: أنه يعترف بخطأ خالد في أخذه السلب من صاحبه، فردَّه النبي «صلى الله عليه وآله» عليه، ثم رأى أن من المصلحة أن يتراجع عن حكمه هذا. ويسترجع السلب من صاحبه مرة أخرى..

ثم لما رأى شناعة هذا الفعل ادَّعى من عند نفسه: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد عوَّض ذلك المددي من الخمس!!

ولا ندري من أين جاء بهذا الادعاء التاريخي الخيالي والموهوم، الذي يلزم منه نسبة السفه إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! فإنه إذا كان «صلى الله عليه وآله» قد عوضه من الخمس، فلماذا يأخذ منه مالاً هو له، وحتى يجب عليه أن يعوض صاحبه عنه؟!

فإن قيل: إن السبب هو التأديب.

أجيب: بأن التأديب لا يحصل بهذا النحو من التصرف العبثي.

3 ـ إنه إذا كان خالد بن الوليد هو الذي أمَّر نفسه، كما هو مجمع عليه عند المؤرخين؛ وكما صرحت به بعض الروايات.

فما معنى أن يغضب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويقول لعوف: «هل أنتم تاركون أمرائي لكم صفوة الخ..» فإن خالداً لم يكن أميراً من قبله «صلى الله عليه وآله»، وإذا كان الناس قد رضوا به أميراً، فعليه (أي على خالد) أن يلتزم بالحدود التي فوضوه التصرف فيها..

4 ـ ما معنى أن ينسب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» أنه قال عن أمرائه «لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدره»؟! فهل ذلك يعني أنه لا يحق لأحد أن يعترض على الأمير إذ حكم بغير ما أنزل الله؟! وتصرف على خلاف ما يريده الله؟ وما جاء في سنة رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

كما هو الحال في هذا المورد بالذات؟!

5 ـ وأي صفوٍ ظهر من خالد هنا، وهو يظلم شخصاً حقه الذي قرره له الشرع الشريف وسنه رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!.. بل هو يصر على سلبه حقه هذا حتى بعد أن أخبره بأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو الذي سن وقرر، وقضى بأن السلب للقاتل.. فهل هذا من صفو الأمر الذي يعود نفعه للناس؟!

وهل يصح توجيه اللوم والتأنيب إليهم، إذا لم يرضوا بهذا التعدي؟!

6 ـ هل يمكن أن يتخيل أحد أن السلب إذا كان كثيراً فليس للقاتل أن يأخذه، وأن السلب القليل فقط هو الذي يكون له؟!

7 ـ هل وعد عوف لخالد: بأنه سيعرِّفه الحكم الصحيح عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ثم تذكيره إياه بهذا الوعد، يستدعي هذا الغضب من النبي «صلى الله عليه وآله»؟! ويوجب إنزال هذه العقوبة به؟!

8 ـ حتى لو كان عوف قد تجاوز الحد مع خالد، فهل هذا يبطل حقه بالسلب؟! وهل عقوبة من يتجاوز الحد بهذا النحو هي دفع هذه الغرامة المالية؟! أم أن العقوبة هي الحبس أو التعزير، أو ما إلى ذلك؟!

خالد يتحدث عن نفسه!!

وحديث خالد عن بطولاته أيضاً، حتى إن سبعة أسياف قد اندقت بيده، ولم تثبت بيده إلا صفيحة يمانية ـ إن ذلك ـ كله لا مجال لقبوله، وذلك لما يلي:

1 ـ جاءت الأخبار الكثيرة لتؤكد أن خالداً قد فر، بل كان أول الفارِّين.

2 ـ إنه إنما يجرُّ بذلك النار إلى قرصه، ويسعى إلى تبرئة نفسه. ولا تقبل شهادة الإنسان لنفسه في القضاء، إلا إذا كان نبياً أو وصي نبي، أو ممن جاء الوحي الإلهي بقبول أقوالهم، وأخبر الله عن صدقهم..

وأما في غير القضاء، فلا بد أن تثبت وثاقة من يتحدث عن نفسه، وتقوم الشواهد على صدقه، وليس خالد من هؤلاء، فإنه قاتل مالك بن نويرة، والزاني بامرأته، والمتحامل على أهل البيت «عليهم السلام»، والمشارك في مهاجمة بيت الزهراء «عليها السلام» إلى غير ذلك من موبقات..

3 ـ إنه لم يصرح بالوقت الذي ظهرت فيه بطولاته هذه، فهل كانت بعد استشهاد القادة الثلاثة؟! أو كانت قبل ذلك؟!

فإن كانت في الأيام السبعة التي سبقت استشهادهم، فلا تفيد في دفع التهمة الواردة في النصوص، والدالة على أنه حين استشهد القادة آثر الفرار على الثبات..

4 ـ لعل البطولات التي تحدث عنها خالد قد كانت في تلك القرية التي هاجموها حين عودتهم من مؤتة، وكان بها حصن أيضاً، فافتتحوه، وقتل خالد من كان فيه من المقاتلين، كما سنرى..

حديث قتل ابن رافلة:

والحديث القائل: إن قطبة بن قتادة العذري قد قتل مالك بن رافلة، لا يدل أيضاً على مطلوبهم، وذلك لما يلي:

1 ـ من الذي قال: إن قتل ابن رافلة قد كان بعد استشهاد القادة الثلاثة، فإن القتال قد دام سبعة ايام قبل استشهادهم حسبما استظهرناه. فلعله قتله في تلك الأيام السابقة.

2 ـ إنهم قد ذكروا: أن الجيش قد هاجم ـ وهو عائد ـ قرية لها: حصن، فحاصروهم حتى فتحوا ذلك الحصن. وقتل خالد مقاتلتهم([109]).

فلعل ابن رافلة قد قتل في هذه المعركة.

3 ـ أما حديث السبي الوارد في هذه الرواية، فأمره أكثر إشكالاً، وحديثه أكثر اعتلالاً، واختلالاً، فإنهم إذا كانوا قد سبوا أحداً فلماذا اختص ذلك ببنات عم أمير أعراب النصارى؟! ولماذا لم تُسْبَِ آلاف النسوة اللواتي كن مع ذلك الجيش العظيم، الذي يدَّعون أنه قد هُزم على يد خالد وجيشه؟! حيث لابد أن تغص المدينة بهذا السبي الهائل!!

على أن الأهم من ذلك هو كيف يترك ذلك الجيش بنات عم أعظم أمراء نصارى الأعراب تسبين، ثم لا يلحق بالمسلمين لتخليصهن؟

4 ـ إن الشعر المذكور في الرواية يدَّعي: أن سبي بنات عم ابن رافلة إنما حصل في الغارة على موضع سماه بـ «رقوقين» وقد بحثت عن هذا الاسم، فلم أجد فيما توفر لدي من مصادر شيئاً يفيد في تحديد معناه سوى أنه اسم موضع.

وقال الصالحي الشامي: «لم أجد له ذكراً فيما وقفت عليه من أسماء الأماكن»([110]).

ومن الذي قال: إن هذا الموضع كان في مؤتة؟!

5 ـ إن ما ذكره من أن ابن رافلة كان أمير أعراب النصارى، لا يتناسب مع ما يذكرونه من أن الحارث ابن أبي شمر الغساني كان هو الأمير الأكبر في تلك المنطقة، وكان عاملاً لقيصر ملك الروم..

إلا أن يقال: إنه كان أميرهم في القتال في تلك المعركة..

إخبار النبي عن الشهداء:

أما ما ذكروه: من أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد وصف المعركة للمسلمين، ونعى «صلى الله عليه وآله» زيداً، ثم جعفراً، ثم ابن رواحة، ثم أخبر عن أخذ خالد للراية، ووصفه بأنه: سيف من سيوف الله، ففتح الله عليهم.

نقول فيه:

قد تقدم: أن جعفراً كان هو الأمير الأول في مؤتة، وهذه الروايات تذكر تقدم زيد عليه، وهذا يشير إلى وجود تلاعب وتصرف في هذا الأمر، فلا يؤمن أن يكون التلاعب قد نال مواضع أخرى في الرواية أيضاً.

2 ـ إذا كان خالد سيفاً من سيوف الله، وله هذه الشجاعة الفريدة، والهمة العتيدة، وهذا الأثر العظيم، فلماذا لم يوله القيادة معهم «صلى الله عليه وآله» قيادة الجيش من أول الأمر؟! بل هو لم يوله أصلاً؟!..

فهل يعقل أن يكون «صلى الله عليه وآله» قد فرط في أمر المسلمين، فولى من ليس أهلاً، وترك هذا الرجل العظيم؟!! مع علمه بموقعه، وبأثره، كما ظهر من وصفه له بأنه سيف من سيوف الله؟!!

أم أنه ـ والعياذ بالله ـ قد أراد التخلص من القادة الثلاثة بصورة غادرة وماكرة، لأسباب عجز التاريخ عن الإفصاح عنها؟! وهل يصح هذا المكر والغدر من أفضل الأنبياء وأشرف الخلق؟! وهل يكون مسلماً أو مؤمناً من يعتقد بالنبي أنه ـ والعياذ بالله ـ يغدر ويمكر؟!

ومن الذي قال: إن هذا الموضع قد كان في مؤتة؟!

3 ـ وإذا كان «صلى الله عليه وآله» لا يميز بين من هو أهل للقيادة، وبين من ليس أهلاً لها، فالأمر يصبح أعظم وأدهى، لما يتضمنه من الطعن في عقل وإدراك النبي الكريم «صلى الله عليه وآله»، نعوذ بالله من الخطأ والزلل، في الفكر والقول، والعمل.

4 ـ وأما الحديث عن أن خالداً هو سيف الله، فستأتي الإشارة إلى أنه غير صحيح إن شاء الله تعالى.

5 ـ وأي فتح كان على يد خالد سوى الفرار القبيح والمزري، الذي استحق به هو ومن معه أن يحثو أهل المدينة التراب في وجوههم، وأن يقاطعوهم، ولا يكلمهم منهم أحد؟!

حديث عطاف بن خالد:

وقد ذكر في حديث عطاف بن خالد: أن ابن رواحة قتل مساءً، ثم لما أصبحوا غير خالد الميمنة إلى الميسرة والعكس، وجعل الساقة مقدمة، فأوهم ذلك جيش الأعداء بأن مدداً قد أتى للمسلمين، فهربوا رعباً من ذلك..

ونقول:

1 ـ هل طبعت صورة الأشخاص في الجيش الإسلامي في ذاكرة جيش العدو حتى أصبح يتحرك ويتعامل مع خصوص تلك الصور؟!

وحتى لو كان الأمر كذلك، فهل كان من الواجب أن لا تتبدل مواقع الأفراد في كل يوم عما كانت عليه في اليوم السابق؟!

ولماذا لا يفسرون هذا التبدل: بأن القائد الميداني قد وزع الأشخاص بطريقة مخالفة للتوزيع الذي كان في اليوم السابق؟!

ولماذا يظنون بوصول مدد للجيش المقابل. ألا يرون حجمه، وعدده؟ وأنه لم يزد عما كان عليه في اليوم السابق؟!

2 ـ هل صحيح: أن الناس تمكنوا من المبيت في ساحة المعركة، حتى بعد استشهاد ابن رواحة؟! أم أن الهزيمة قد حلت بهم، وغادروا إلى جهة المدينة يتقدمهم خالد فور استشهاد ابن رواحة؟!

إن النصوص التي أوردناها تؤكد هذا الأمر الثاني!!

3 ـ إذا كان المسلمون قد قتلوا المشركين كيف شاؤا، أو قتلوهم مقتلة لم يقتلها قوم، فلماذا اختص نقل ذلك بعطاف بن خالد، وبابن عائذ؟!

ولماذا لم ينقله حتى ابن إسحاق، وهو المعتمد في المغازي، بل الناس عيال عليه فيها؟! بل لماذا جاءت الروايات الأخرى من الذين حضروا المعركة لتؤكد على حصول الهزيمة النكراء؟!

4 ـ ولماذا لم يحتف أهل المدينة بهؤلاء الفاتحين حين عودتهم، ولم يكرموهم، ولم يقيموا لهم الإحتفالات، ولم يتغن أحد من الشعراء بهذا النصر العظيم؟!

بل هم قد واجهوهم بما يسؤهم، حتى اضطروهم بالاختباء في بيوتهم؟!

بل لماذا لم يعتذروا هم للناس ولم يقولوا لهم: إن القضية كانت على عكس ما يظنون، فقد انتصروا على أعدائهم، وقتلوهم قتلة لم يقتلها قوم، وهزموهم أسوأ هزيمة؟!

ولماذا لم تشفع لهم الغنائم والسبايا التي جاؤا بها إلى المدينة؟ والتي لابد أن تعد بعشرات الألوف، ولماذا لم يخمد غضب الناس الغاضبين ولم ينظر إليها أحد من أهلهم ومحبيهم الذين طردوهم وأهانوهم؟!

ولماذا لم يدافع عنهم الرسول الكريم «عليه السلام» إذا كانوا مظلومين فيما يجري لهم؟ ولماذا ؟! ولماذا؟!

حديث برذع:

وقد لوحظ: أن ما روي عن برذع بن زيد، من أن المسلمين اقتتلوا مع المشركين سبعة أيام([111]) قد أورد في سياق الإستدلال على عدم هزيمة خالد، مع أنه لا يدل على ذلك، لأن الظاهر: هو أنه يتحدث عن الفترة التي استمرت فيها المبارزات والمناوشات قبل استشهاد القادة.

بل الأولى جعله من أدلة هزيمته، والشاهد على ما نقول: أن الظاهر: هو أن ابن رواحة قد حارب المشركين أياماً قبل استشهاده، حتى إن ابن عم له قد جاءه بعرق من لحم ليقيم به صلبه، بعد أن لقي ما لقيه في أيامه التي سبقت استشهاده([112]).

حديث أبي عامر:

1 ـ وقد ظهر من رواية أبي عامر المتقدمة: أنهم يريدون أن يدَّعوا: أن الهزيمة التي حلت بالمسلمين قد حلت بهم قبل أن يأخذ خالد اللواء..

وقد فصلنا الكلام حول هذه المقولة، وأظهرنا أنها لا يمكن قبولها، لأن النصوص المختلفة تكذبها.. ويكفي دليلاً على ذلك ما جرى في المدينة من أن الناس قد حثوا التراب في وجه الجيش العائد بقيادة خالد، وعيروهم بهذا الأمر، حتى انزووا في بيوتهم.

2 ـ إن رواية أبي عامر تذكر: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد علم بما جرى في مؤتة من أبي عامر نفسه، مع أن النصوص الأخرى تؤكد على أنه «صلى الله عليه وآله» قد أخبر الناس وهو على المنبر بما جرى لحظة فلحظة، حيث خفض الله له كل رفيع، ورفع له كل خفيض، حتى رأى ما يجري هناك.

3 ـ إن الحديث المتقدم عن الرجل المرّي يصرح: بأن خالداً كان في طليعة المنهزمين، وتبعه الناس في الهزيمة، وحديث أبي عامر أيضاً ذكر أن الناس انهزموا أسوأ هزيمة رآها قط. حتى لم ير اثنين جميعاً.

ولكن أبا عامر يدَّعي: أن الناس قد تجمعو