الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الحادي والعشرون

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القسم التاسع:

فتح مكة..

 

الباب الأول: إلى مكة..

الباب الثاني: فتح مكة

الباب الثالث: نهايات فتح مكة

 

الباب الأول:


 

إلى مـــــكــــة

الفصل الأول: المجزرة

الفصل الثاني: إلى المدينة: خبر وشكوى..

الفصل الثالث: ابو سفيان في المدينة: تدليس وخداع

الفصل الرابع: جيوش تجتمع.. والهدف مجهول

الفصل الخامس: ابن ابي بلتعة.. يتجسس ويفتضح

الفصل السادس: على طريق مكة

الفصل السابع: هجرة العباس.. واسلام ابن الحارث وابن ابي سلمة

الفصل الثامن: ابو سفيان في أيدي المسلمين

الفصل الأول:

الـمـجـزرة

بـدايـة:

إن فتح مكة كان نقطة تحول في تاريخ الإسلام، وفي الأوضاع العامة في الجزيرة العربية بأسرها.. حيث لم يعد أحد يجد أي عقدة أو حرج من أية جهة كانت في الإقبال على هذا الدين، والإنضواء تحت لواء الإسلام، بل أصبح ذلك موضع تنافس، وتسابق، لأنهم وجدوا فيه فرصة لتعزيز موقعهم، وتأكيد وجودهم ودورهم في صنع المستقبل، ورسم مسار الأمة بأسرها إلى مصيرها..

وأصبح أعداء الأمس وصناع الحروب ضد هذا الدين وأهله أتباعاً بل أذناباً، أكثر ما يهتمون له هو: أن يجدوا وسيلة لتأكيد صدق ولائهم، وصحة إيمانهم، وسلامة اعتقادهم.. أو أن يظهروا المزيد من الحرص على كسر شوكة أعداء دين الله، والنكاية فيهم، وصدقهم في مناهضتهم وردِّ عاديتهم..

وأصبحت لا تسمع منهم إلا المدح والثناء، وإلا العبارات الطافحة بالرضا، والمعبرة عن مشاعر العرفان بالجميل، وعن الشعور بالإمتنان، وبالشكر الجزيل لمن كان بنظرهم قاطعاً للرحم، وسبباً في الخلاف وفي الاختلاف، ومن وصفوه بالكاهن والساحر والمجنون، وبالشاعر الذي يتربصون به ريب المنون..

فكيف كان هذا الفتح، وما هي تفاصيل أحداثه؟

هذا ما سوف نجيب عليه في الفصول الآتية.

تاريخ فتح مكة:

روي عن الإمام الرضا، عن آبائه «عليهم السلام»: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» سافر إلى بدر في شهر رمضان، وافتتح مكة في شهر رمضان([1]).

وفي الروايات التاريخية أيضاً: إن الفتح كان في يوم الجمعة([2]).

والقول: بأنه كان في شهر رمضان سنة ثمان مروي عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وأبي سعيد الخدري وغيرهم، بل لا خلاف في أن هذه الغزوة كانت في شهر رمضان([3])، فلا حاجة إلى تفصيل القول في ذلك.

ولكن الخلاف هنا هو في ثلاثة أمور، هي:

1 ـ يوم الخروج من المدينة.

2 ـ يوم دخول مكة.

3 ـ مدة الإقامة في مكة.

ونحن نذكر هنا موجزاً عن هذه الأمور الثلاثة كما يلي:

يوم خروج النبي من المدينة:

روي عن الزهري أنه قال: لا أدري أخرج في شعبان فاستقبل رمضان، أو خرج في رمضان بعدما دخل([4]).

وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان([5]).

وقال آخرون: أنه خرج لعشر خلون من شهر رمضان([6]).

يوم دخول مكة:

واختلفت أقوالهم في يوم دخول مكة، فعن الزهري: فصبح رسول الله «صلى الله عليه وآله» مكة لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان([7]).

وقيل: لاثنتي عشرة([8]).

وقيل: إنه دخل لست عشرة([9]).

وقيل: لسبع عشرة([10]).

وقيل: لتسع عشرة([11]).

وقيل: لعشرين من شهر رمضان([12]).

وقيل: لاثنين وعشرين من شهر رمضان([13]).

ورواية أخرى رددت: بين تسع عشرة، أو سبع عشرة([14]).

مدة الإقامة في مكة:

وأما بالنسبة لمدة بقائه «صلى الله عليه وآله» في مكة، فهو موضع خلاف أيضاً.

فقيل: عشر ليال([15]).

وقيل: خمس عشرة ليلة([16]).

وقيل: سبع عشرة([17]).

وقيل: ثماني عشرة([18]).

وقيل: تسع عشرة([19]).

ولعل التصحيف ـ بين سبع وتسع ـ هو الذي جعلهما قولين.

وقيل: عشرين([20]).

وقيل: بضع عشرة([21]).

وهذا قد لا يكون قولاً جديداً، فإنه قد يكون موافقاً لأحد الأقوال السابقة.

وهكذا يقال بالنسبة لقولهم: إنه بقي بقية شهر رمضان، وستة أيام من شوال([22])، فإنه قد يكون متوافقاً مع أحد الأقوال المتقدمة.

خطأ في البخاري:

روي عن ابن عباس: أن فتح مكة كان «على رأس ثماني سنين ونصف من مقدم رسول الله «صلى الله عليه وآله» المدينة»([23]).

قال العسقلاني وغيره: «وهو وهم. والصواب: على رأس سبع سنين ونصف»([24]).

وفي خلاصة السيرة: لسبع سنين وثمانية أشهر، وأحد عشر يوماً([25]).

ونقول:

إن هذا التحديد ليس دقيقاً، ولأن الصحيح هو: أنه «صلى الله عليه وآله» قد قدم المدينة في الثامن من شهر ربيع الأول([26])، فيكون فتح مكة بعد مقدمه «صلى الله عليه وآله» المدينة بسبع سنين وستة أشهر وأحد عشر يوماً إذا كان فتحها في التاسع من شهر رمضان المبارك.. وتقل الأيام وتزيد بحسب الاختلاف في اليوم الذي دخل فيه «صلى الله عليه وآله» مكة، حسبما أسلفناه في الصفحات السابقة.

شهر رمضان لماذا؟!:

1 ـ لقد كانت سياسة رسول الله «صلى الله عليه وآله» في كثير من حروبه مع أعدائه، وخصوصاً في غزوة الفتح، هي اعتماد عنصر المباغته. وقد توفر هذا العنصر أيضاً في اختيار شهر رمضان المبارك، وهو شهر الصوم والعبادة، للقيام بحملة واسعة وكبيرة، لأن ذلك كان من الأمور التي يقلّ احتمالها في حسابات الناس عادة، حيث يتوقعون إخلاد الناس للراحة في هذا الشهر، وعكوفهم على العبادة، وعزوفهم عن الأسفار، حتى لا يضطروا لقضاء الصوم في أيام فطر الناس.

وبذلك يصح اعتبار هذا التوقيت من العناصر التي ساعدت على مباغتة القوم، ومفاجأتهم كما هو ظاهر..

2 ـ ثم إن لشهر رمضان أثره الإيحائي في نفوس أهل الإيمان، من حيث أنه يهيئهم للعيش في كنف الله، والشعور بحضوره، ويؤكد علاقتهم به تبارك وتعالى. فكيف إذا انضم إلى ذلك أن حركتهم هذه إنما هي باتجاه بيت الله، وحرمه، وأقدس البقاع وأشرفها؟ ويقودهم ويرعاهم أفضل الأنبياء وأكرمهم وأشرفهم؟!.

ولعل أهم ما في الأمر: أن ذلك يحقق درجة كبيرة من التمازج العملي فيما بين المعاني والقيم الإيمانية، وبين حركة الإنسان في الحياة، ويعطي هذه الحركة معناها الروحي، ويتجلى ذلك فيها بعمق، وبوضوح، ويمنح الإنسان قدرة أكبر على الشعور بهذا التمازج، وتتفاعل مشاعره وأحاسيسه معه، وتحت وطأته.

الأحلاف في الجاهلية والإسلام:

قالوا: كانت خزاعة في الجاهلية أصابت رجلاً من بني الحضرمي، واسمه مالك بن عباد ـ وحلف الحضرمي يومئذٍ إلى الأسود بن رزن ـ وكان هذا الحضرمي قد خرج تاجراً، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه، وأخذوا ماله.

فمر رجل من خزاعة على بني الديل بعد ذلك فقتلوه، فوقعت الحرب بينهم، فمر بنو الأسود بن رزن، وهم: ذؤيب، وسلمى، وكلثوم على خزاعة، فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم.

وكان قوم الأسود منخر بني كنانة يُودَونَ في الجاهلية ديتين لفضلهم في بني بكر، ونودى دية.

فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك بعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» فحُجز بالاسلام بينهم، وتشاغل الناس به، وهم على ما هم عليه من العداوة في أنفسهم.

فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله «صلى الله عليه وآله» وبين قريش، ووقع الشرط: «ومن أحب أن يدخل في عقد رسول الله «صلى الله عليه وآله» فليدخل، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش فليدخل»، دخلت خزاعة في عقد رسول الله «صلى الله عليه وآله».

حلف خزاعة:

وقالوا أيضاً: وكانت خزاعة حلفاء عبد المطلب بن هاشم، وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» بذلك عارفاً، ولقد جاءته خزاعة يومئذٍ بكتاب عبد المطلب فقرأه عليه أُبي بن كعب وهو:

«باسمك اللهم. هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة، إذ قدم عليه سرواتهم وأهل الرأي، غائبهم مقر بما قاضى عليه شاهدهم، إن بيننا وبينكم عهود الله وعقوده، وما لا ينسى أبداً، اليد واحدة، والنصر واحد ما أشرف ثبير، وثبت حراء مكانه، وما بل بحر صوفة. ولا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجدداً أبد الدهر سرمداً».

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «ما أعرفني بخلقكم على ما أسلمتم عليه من الحلف! فكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة. ولا حلف في الإسلام»([27]).

وفي الإمتاع: أن نسخة كتاب الحلف هي:

«باسمك اللهم. هذا ما تحالف عليه عبد المطلب بن هاشم ورجالات عمرو بن ربيعة من خزاعة، تحالفوا على التناصر والمواساة ما بلّ بحر صوفة، حلفاً جامعاً غير مفرق، الأشياخ على الأشياخ، والأصاغر على الأصاغر، والشاهد على الغائب، وتعاهدوا وتعاقدوا أوكد عهد، وأوثق عقد، لا ينقض ولا ينكث، ما أشرقت شمس على ثبير، وحنّ بفلاة بعير، وما أقام الأخشبان، وعمر بمكة إنسان، حلف أبد، لطول أمد، يزيده طلوع الشمس شدّاً، وظلام الليل مداً..

وأن عبد المطلب وولده ومن معهم ورجال خزاعة متكافئون، متظاهرون متعاونون، فعلى عبد المطلب النصرة لهم بمن تابعه على كل طالب، وعلى خزاعة النصرة لعبد المطلب وولده ومن معهم على جميع العرب، في شرق أو غرب، أو حزن أو سهل. وجعلوا الله على ذلك كفيلاً، وكفى بالله جميلاً».

فجاؤوا بعهدهم هذا إلى النبي «صلى الله عليه وآله» في الحديبية، فقرأه له أُبي بن كعب، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: ما أعرفني بحقكم وأنتم على ما أسلفتم عليه من الحلف([28]).

سبب حلف خزاعة:

وذكروا عن سبب عقد هذا الحلف:

أنه لما مات المطلب بن عبد مناف، وثب أخوه نوفل على ساحات وأفنية كانت لعبد المطلب، واغتصبه إياها، فاضطرب عبد المطلب لذلك، واستنهض قومه، فلم ينهض معه أحد منهم، وقالوا له: لا ندخل بينك وبين عمك.

فكتب إلى أخواله بني النجار، فجاءه منهم سبعون راكباً، فأتوا نوفلاً، وقالوا له: ورب هذه البنية، لتردنّ على ابن أختنا ما أخذت، وإلا ملأنا منك السيف، فرده.

ثم حالف خزاعة بعد أن حالف نوفل بني أخيه عبد شمس([29]).

ونقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات عديدة، نقتصر منها على ما يلي:

حلف أهل الباطل:

قد اتضح مما تقدم: أن نوفلاً كان متعدياً على عبد المطلب غاصباً لحقه، وأن عبد المطلب حين لم ينهض معه أحد من قومه اضطر إلى الاستعانة بأخواله من بني النجار، ثم حالف خزاعة، ليمتنع بهم إن تعرض له احد بظلم، لكي يدفع عن نفسه، ويعيش مرهوب الجانب عزيزاً مكرماً..

ولكن نوفلاً الذي ظلم عبد المطلب، ولم يتراجع عن موقفه إلا تحت وطأة التهديد باستعمال السيف، قد حالف بني أخيه عبد شمس، ليتقوى بهم على مواصلة سيرته ونهجه، وهم لم يجدوا في التحالف معه على ذلك أي حرج أو مانع..

وشتان بين من يحالف جماعة ليتقوى بهم على إحقاق الحق، وبين من يحالف الآخرين ليتقوى بهم على إشاعة نهجه الإنحرافي والظالم..

لا حلف في الإسلام:

ومن خلال المعادلة المشار إليها آنفاً ندرك صحة ما يرمي إليه قوله «صلى الله عليه وآله»: «كل حلف في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة. ولا حلف في الإسلام».

فإن المقصود بالحلف الذي في الجاهلية، ويزيده الإسلام شدة، هو الحلف الهادف إلى نصرة الحق، والمتضمن للتعاون، والتناصر، والمواساة، ودفع الظلم.. فإن الإسلام يشدد على الاستمرار في هذا الاتجاه، ويؤكد على الالتزام بمضمون كل حلف فيه هذه المزايا، ويدعو إلى دخول جميع الناس في هذا الالتزام..

ولكن الإسلام لا يرضى بنشوء حلف فيما بين المسلمين ضد أي فريق آخر منهم أنفسهم، لأن معنى هذا هو: إقرار الإسلام حالة الإنقسام فيما بين أهل الصف الواحد، وأتباع النهج والدين الواحد، في حين أن دعوة الإسلام تقوم على اعتبار المسلمين يداً واحدة على من سواهم([30])، ويريد لهم: أن يكونوا بمثابة أُسرة واحدة متكاملة العناصر، لهم قيِّم واحد، وهو النبي «صلى الله عليه وآله» أو الإمام «عليه السلام»، وقد روي عنه «صلى الله عليه وآله» قوله: أنا وعلي أبوا هذه الأمة([31]).

وتتشارك سائر العناصر في بناء الحياة في أخوة مسؤولة، متعاونة، ومتكافلة، ومنسجمة على قاعدة: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}([32])، تقوم على أساسين اثنين هما: الحق والمواساة، كما اتضح من مؤاخاته «صلى الله عليه وآله» بين المسلمين. وقد ذكرنا ذلك في جزء سابق من هذا الكتاب.

مرتكزات حلف عبد المطلب وخزاعة:

وإذا تأملنا في مضمون حلف عبد المطلب مع خزاعة، فإننا نجده قائماً على نفس المرتكزات التي قامت عليها المؤاخاة فيما بين المسلمين حسبما قدمناه في هذا الكتاب..

فإن كانت المؤاخاة قد قامت على دعامتين هما: الحق والمواساة. فإن حلف عبد المطلب وخزاعة أيضاً قد قام على نفس هاتين الدعامتين، لأنه جاء لحماية الحق، وتأكيد الالتزام به، والانتصار له، والتناصر فيه، والتعاون على حفظه، والالتزام بالمواساة فيه.

كما أنه صرح أو أشار إلى حيثيات تؤكد على هذا المسار، وتبين معالمه، وتوضح آفاقه.

فهو ـ كما صرحت الروايات ـ:

1 ـ حلف جامع غير مفرق.

وهو يقوم على:

2 ـ التكافؤ فيما بين أفراده وشرائحه، فالكل متكافئون..

3 ـ والتناصر.. إلى حد يكون فيه النصر واحداً، لا تمييز فيه بين كبير وصغير.

4 ـ والتعاون حتى إن اليد واحدة.

5 ـ والمواساة.

6 ـ وأساس هذا الحلف عهود الله وعقوده..

7 ـ وهو يخضع لرعاية الله تبارك وتعالى، فهو سبحانه الكفيل والضامن وغير ذلك من لمحات وإشارات يجدها فيه المتأمل الخبير، والناقد البصير.

قريش تنقض العهد:

وقد نقضت قريش عهدها الذي عقدته مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الحديبية.

وقالوا: إن سبب ذلك هو: أنه لما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهراً من صلح الحديبية، كلمت بنو نفاثة وبنو بكر أشراف قريش أن يعينوهم بالرجال والسلاح على عدوهم من خزاعة، وذكروهم القتلى الذين أصابت خزاعة منهم.

وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأر أولئك النفر الذين أصابوا منهم في بني الأسود بن رزن، وناشدوهم بأرحامهم، وأخبروهم بدخولهم في عقدهم، وعدم الإسلام، ودخول خزاعة في عقد محمد وعهده.

فوجدوا القوم إلى ذلك سراعاً، إلا أن أبا سفيان بن حرب لم يشاور في ذلك ولم يعلم([33]).

ويقال: إنهم ذاكروه فأبى ذلك([34]).

فأعانوا بالسلاح والكراع والرجال، ودسوا ذلك سرَّاً لئلا تحذر خزاعة، وخزاعة آمنون غارون لحال الموادعة، ولما حجز الإسلام بينهم.

ثم اتعدت قريش وبنو بكر وبنو نفاثة أن يأتوا إلى (الوتير)، وهو موضع أسفل مكة، وهو منازل خزاعة، فوافوا للميعاد فيهم رجال من قريش، من كبارهم، متنكرون منتقبون؛ منهم: سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وحويطب بن عبد العزى، وشيبة بن عثمان ـ وأسلموا بعد ذلك ـ ومكرز بن حفص، وأجلبوا معهم أرقاءهم.

ورأس بني بكر نوفل بن معاوية الديلي ـ وأسلم بعد ذلك ـ.

فبيتوا خزاعة ليلاً، وهم غارون آمنون ـ وعامتهم صبيان، ونساء، وضعفاء الرجال ـ فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا إلى أنصاب الحرم.

فقال أصحاب نوفل بن معاوية له: يا نوفل، إلهك، إلهك. قد دخلت الحرم!

فقال كلمة عظيمة: لا إله لي اليوم، يا بني بكر، لعمري إنكم لتسرقون الحاج في الحرم ، أفلا تدركون ثأركم من عدوكم، ولا يتأخر أحد منكم بعد يومه عن ثاره؟!

فلما انتهت خزاعة إلى الحرم دخلت دار بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له: رافع الخزاعيين، وانتهوا بهم في عماية الصبح.

ودخلت رؤساء قريش منازلهم، وهو يظنون أنهم لا يعرفون، وأنه لا يبلغ هذا رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وأصبحت خزاعة مقتَّلين على باب بديل ورافع.

وقال سهيل بن عمرو لنوفل بن الحرث: قد رأيت الذي صنعنا بك وبأصحابك، ومن قتلت من القوم، وأنت قد حصدتهم تريد قتل من بقي، وهذا ما لا نطاوعك عليه، فاتركهم.

فتركهم، فخرجوا.

وندمت قريش، وندموا على ما صنعوا، وعرفوا أن هذا الذي صنعوه نقض للذمة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وجاء الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة إلى صفوان بن أمية، وإلى سهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، فلاموهم بما صنعوا من عونهم بني بكر على خزاعة، وقالوا: إن بينكم وبين محمد مدة، وهذا نقض لها([35]).

وقيل: إنهم قتلوا منهم عشرين رجلاً([36]).

وقيل: إن سبب نقض العهد ليس هو سعي بني نفاثة لأخذ ثأرهم القديم من خزاعة، بل السبب هو: أن شخصاً من بني بكر، وهو أنس بن زنيم الديلي، هجا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وصار يتغنى به، فسمعه غلام من خزاعة، فضربه فشجه، فثار الشر بين الحيين، مما كان بينهم من العداوة.

فطلب بنو نفاثة من أشراف قريش أن يعينوهم بالرجال والسلاح على خزاعة، فأمدوهم بذلك، فبيتوا خزاعة وهم غارون آمنون.. وقاتل معهم جمع من قريش الخ..([37]).

واعتزلت بنو مدلج، فلم ينقضوا العهد([38]).

كما أن أبا سفيان لم يشاوَر في ذلك ولم يعلَم([39]).

وقال الطبرسي: «لما مضت سنتان من القضية (يعني عمرة القضاء) قعد رجل من كنانة يروي هجاء رسول الله، فقال له رجل من خزاعة: لا تذكر هذا.

قال: وما أنت وذاك؟!

فقال: لإن أعدت لأكسرن فاك!

فأعادها، فرفع الخزاعي يده، فضرب بها فاه.

فاستنصر الكناني قومه، والخزاعي قومه. وكانت كنانة أكثر، فضربوهم حتى أدخلوهم الحرم، وقتلوا منهم. وأعانتهم قريش بالكراع والسلاح.

فركب عمرو بن سالم إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فخبره الخبر»([40]).

وستأتي قصة عمرو بن سالم.

ولكننا قبل ذلك نشير: إلى بعض الأمور التي ترتبط بما تقدم، فنقول:

سبب نقض العهد واحد:

قد يبدو للوهلة الأولى من ملاحظة النصوص المتقدمة أن ثمة اختلافاً حول سبب إقدام قريش على نقض العهد.

ولكن الحقيقة هي: أن مجموع تلك النصوص يشير إلى أمر واحد مترابط ومنسجم، وهو: أن أحد بني كنانة، ولعله من بني نفاثة، صار يروي هجاء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأنذره الخزاعي، فلم يرتدع، فضربه الخزاعي، فاستنصر الكناني قومه، فطلبوا النصر من قريش، فنصروهم وجرت الأمور بعد ذلك وفق ما فصَّلته الرواية الأولى.

إستغلال الضغائن:

وقد لوحظ: أن بني نفاثة حين انتصروا لصاحبهم، إنما حركهم إلى ذلك أحقادهم على خزاعة، وتربصهم بها، لِتِرَاتٍ لهم عندها في حوادث جرت قبل البعثة النبوية الشريفة حسبما تقدم بيانه..

ولكنهم حين يطلبون المساعدة من قريش تراهم يلجأون إلى تذكيرها بما تعتبره ميزة وفضلاً، وهو: أن بني نفاثة لم يسلموا، وأنهم دخلوا في عقد قريش ضد رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

ثم يحتجون لهم على استحقاق خزاعة للعقوبة: بأنها قد دخلت في عقد محمد وعهده.. فكان هذا وذاك من موجبات مسارعة قريش للمشاركة في توجيه تلك الضربة القاسية لخزاعة..

فحقد قريش على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعلى الإسلام وأهله قد دعاها إلى المشاركة في جريمة قتل الصبيان، والنساء، والضعفاء.. ونقض العهد والغدر بالآمنين، واجتياحهم، وأخذهم على حين غرة.

واللافت هنا: أن الذين يستجيبون لهذه المحركات، لا لنداء الضمير والوجدان والعقل والشرف والشهامة والرجولة هم ـ على حد تعبير الرواية ـ «رجال من قريش، من كبارهم»!!..

مع أن هؤلاء هم الذين يفترض فيهم أن يكونوا أبعد الناس عن التصرفات الرعناء، وعن الانقياد للنزوات الطائشة. ويتوقع منهم أن يَزِنوا الأمور بموازين فيها شيء من بعد النظر والاتزان، وحساب العواقب.

ولكن الأمور قد جرت في غير هذا الاتجاه، كما رأينا..

الغدر بالضعفاء، وبالصبيان والنساء:

وإن الغدر قبيح من كل أحد، لأنه ينافي الرجولة، وميثاق الشرف، والشهامة، وأعظم منه قبحاً: أن يغدر القوي بالضعيف، فكيف إذا كان هذا الضعيف هو الصبيان، والنساء، والضعفاء من الرجال؟!

وكيف إذا كان الغادر هم كبار القوم، والمدَّعون للشرف، بل لمقام الأشرفية والرئاسة فيهم؟!

وكيف إذا كان هؤلاء الكبار المشاركون هم أنفسهم الذين أعطوا العهود والمواثيق وتعهدوا بالوفاء؟!.

بل إن بعضهم كان هو المفاوض في تلك العهود، والمتولي لإبرامها، والمشرف على نصوصها، والموقع عليها وأعني به سهيل بن عمرو!!

إنه غدر بالآمنين الذين يستندون في أمنهم إلى عهد وعقد وميثاق، معقود مع نفس هؤلاء الغادرين بأشخاصهم وأعيانهم، فليس هو أمن الغفلة والتقصير في الاحتياط، ولم يكن الغادر ممن يحسن الاحتياط معه ومنه..

القسوة.. لماذا ؟!:

ولا نجد تفسيراً معقولاً لهذه القسوة من قريش، ومن كبارها على النساء والصبيان، وضعفاء الرجال، فهم يبيحون لأنفسهم قتلهم، لا على سبيل الصدفة والاتفاق، بل عن سابق تخطيط وتدبير، وسعي للإستفراد بهم واستئصالهم قبل أن يتنبه الآخرون لما يحدث..

بل نحن نستغرب: أن يقدم حتى بنو نفاثه على أمر كهذا. وهم الذين يدَّعون أن قتل النساء كان عيباً في الجاهلية.. فكيف بالضعفاء، والصبيان؟!. فضلاً عن أن يمعنوا في ملاحقتهم حتى ألجأوهم إلى الحرم!! ثم لاحقوهم حتى في الحرم نفسه، إلى دار بديل بن ورقاء، ورافع الخزاعي!!

حرمة الحرم لدى قريش:

وإذا كانت قريش ترى: أن عزها ومجدها وفخرها هو في رعايتها لحرمة الكعبة والحرم، فما بال الكبار فيها قد رضوا بهتك حرمة الحرم، وشاركوا هم في ذلك، ولم نسمع من أحد منهم كلمة ملامة لأحد من أولئك المعتدين على الأرواح، وعلى قدس المقدسات؟! حتى بعد أن حصل ما حصل..

وكيف يمكننا تفسير موقف قريش من قضية القتال في يوم يشك في أن يكون هو أول الشهر الحرام وهو شهر رجب، أو آخر الشهر الذي قبله، حيث شنعت على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأثارت عاصفة من الشكوى والتظلم من أجل ذلك، رغم أن هذا القتال قد كان مع الظالمين والمعتدين، والذين يصدون عن سبيل الله. قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ.

قُلْ: قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}([41]).

ثم إنها وعلى أعلى المستويات فيها يعتدي كبارها على قوم بينها وبينهم عهد وميثاق. فيغدرون بهم، ويختارون قتل خصوص النساء والصبيان والضعفاء منهم، حتى في حرم الله تبارك وتعالى..

بل إن هذا التعدي لا ينحصر بهتك حرمة الحرم، بل يتجاوزه إلى التصريح بالإلحاد، وإنكار أصل الألوهية، وذلك حين يقول أصحاب نوفل: إلهك إلهك!! قد دخلت الحرم.

فيقول: لا إله لي اليوم.

هل ندموا حقاً؟!

وبعد.. فإننا لم نستطع فهم ما يرمي إليه قولهم: ندمت قريش وندموا على ما صنعوا، وعرفوا أن هذا الذي صنعوه نقض للذمة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

وذلك لأن قرائن الأحوال تشهد بعدم صحة هذا الكلام:

أولاً: لأن رجال قريش قد تنكروا وتنقبوا حين جاؤوا لمساعدة بني بكر، مع أن بني بكر كانوا حلفاءهم، وقد دخلوا في عقدهم، فعليهم نصرهم علناً، ولا ضرورة للتنكر والتنقب إن لم يكونوا يريدون تعمية الأمور، لكي لا يظهر للناس أنهم قد نقضوا عهدهم مع النبي «صلى الله عليه وآله»..

ثانياً: إن بني نفاثة حين كلموا قريشاً في نصرهم على خزاعة قد ذكروا لها أنهم داخلون في حلفهم ضدّ محمد «صلى الله عليه وآله»، وخزاعة داخلة مع النبي في الحلف والعقد ضدهم.

فهم إذاً ملتفتون إلى هذا العقد والعهد، مدركون أن المهاجم متحالف مع قريش، وأن المقصود بالهجوم متحالف مع المسلمين في عهد الحديبية.

فما معنى ادِّعاء الروايات ورواتها أن قريشاً بعد أن ارتكبت جريمتها في حق خزاعة «عرفوا أن هذا الذي صنعوه نقض للذمة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله «صلى الله عليه وآله»..»؟.

ثالثاً: إن هناك روايات تقول: إنهم كلموا أبا سفيان، فأبى ذلك([42]).

فلماذا لا يرضى أبو سفيان بنصر حلفائه؟! وهو الحاقد على خزاعة بسبب ميلها إلى رسول الله وتحالفها معه «صلى الله عليه وآله».

ألا يدل امتناعه هذا على أنه يرى في ذلك ضرراً بالغاً، ودخولاً في أمر خطير، من حيث أنه نقض للعقد والعهد القائم بينهم وبين المسلمين؟!

رابعاً: ما معنى قول هؤلاء الرواة أنفسهم: إنه بعد انتهاء الهجوم وحصول المجزرة «دخلت رؤساء قريش منازلهم، وهم يظنون: أنهم لا يُعْرَفون، وأنه لا يبلغ هذا رسول الله «صلى الله عليه وآله»..»؟!

أليس ظنهم هذا يؤدي بهم إلى إدراك أن بلوغ هذا الأمر لرسول الله «صلى الله عليه وآله» سوف يؤدي إلى نشوء مشكلة خطيرة لهم معه؟!

ولا مبرر لاعتبار ذلك مشكلة إلا لأنهم يدركون أن ما فعلوه له مساس مباشر بالعقود التي تحكم فيما بينهم وبينه «صلى الله عليه وآله»..

بنو نفاثة يسرقون الحاج:

واللافت هنا: هذا المنطق الخسيس الذي اعتمده نوفل بن معاوية لتحريض بني بكر على الإمعان في قتل النساء والصبيان والضعفاء، وتوقعه ذلك منهم حتى في داخل الحرم.. فإنه قال لهم: «إنكم لتسرقون الحاج في الحرم، أفلا تدركون ثأركم من عدوكم»؟!

فإذا كان هؤلاء يسرقون الحجاج وهم في حرم الله تبارك وتعالى، فهل يتوقع منهم احترام المقدسات، والوقوف عند حدود الله سبحانه، والالتزام بأمره ونهيه؟!

وإذا كان هذا هو منطق رئيس بني بكر، وتلك هي أوامره لمن هم تحت إمرته، وهذه هي توقعاته منهم!!

وإذا كان يدفعهم بهذا المنطق إلى متابعة جرائمهم لاستئصال الأبرياء، من النساء والصبيان والضعفاء!!

وإذا كان يصور لهم: أن هؤلاء الصبيان الذين قد لا يعرفون شيئاً مما يدور حولهم، بل إنهم غير قادرين على إدراك معنى الشر، بالإضافة إلى النساء، والضعفاء ـ يصورهم على أنهم هم أعداؤهم الذين يريد منهم أن يعملوا فيهم سيوفهم إلى حد الاستئصال.

وإذا كان نفس هذا الرئيس ينكر وجود الإله لمجرد تبرير اندفاعه للتنفيس عن حقده على هذا النوع من الناس.

وإذا كان الرئيس هو الذي يفترض فيه أن يكون الأكثر وعياً وإحساساً بالمسؤولية..

فما الذي نتوقعه من همج رعاع، وجهلة أغبياء، وأشرار أشقياء، يمتهنون سرقة الحاج في حرم الله تعالى، وعند بيته المحرم؟!

وهذا يدلنا على مدى معاناة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، الذي جاءهم من عند الله بأصفى وأفضل التعاليم، التي هي محض الخير، وكل العطاء، وحقيقة البر والرحمة، والنور الأنور، والطهر الأصفى، والنبل والوفاء، والتضحية والفداء، وسائر المعاني الإنسانية في أرقى الدرجات، وأفضل الحالات.

بديل بن ورقاء وما جرى:

وقد قرأنا في النصوص المتقدمة: أن خزاعة أصبحت مقتَّلة على باب بديل بن ورقاء ورافع الخزاعيين..

وسنقرأ فيما يلي: أن بديلاً قد عاش هذه المحنة، وتجرع غصتها، ولمس بشاعتها في بيته وعلى باب داره، أكثر من أي إنسان آخر..

فما بالنا نرى هذا الرجل بالذات رفيقاً لأبي سفيان حين خرج من مكة يترقب الأخبار، ليعرف حقيقة تحركات رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيما يرتبط بهذا الحدث؟ فلماذا لا يكون لبديل موقف سلبي وغاضب من قريش ورموزها؟

ويمكن أن نجيب عن هذا السؤال بما يلي:

أولاً: إن أبا سفيان ـ كما تدَّعيه بعض الروايات ـ أبى أن يستجيب لطلب بني بكر فيما يرتبط في توجيه الضربة لخزاعة([43]).

أو أنه لم يشاور في هذا الأمر، ولم يعلم، ولكنه حين علم لم يرض، ولم يغضب كما تقدم وسيأتي([44]).

أو أنه كان في الشام ولم يكن في مكة حين الإعتداء على الخزاعيين([45]).

وهذا معناه: أن لا يجد بديل بن ورقاء أي مانع من الإبقاء على علاقته به، ويكون همزة وصل، لو حصل في المستقبل ما يحتاج إلى تفاوض، أو تدخل لمنع حدوث الأسوأ..

ثانياً: إنه إذا كانت خزاعة تعيش في دائرة الخطر، ولم يكن يمكنها الحصول على الأمن المطلوب إلا عن طريق المداراة والمصانعة، بانتظار الوقت الذي تتمكن فيه من تجاوز المحنة، أو كان هذا الأمر يختص ببديل بن ورقاء فقط، فإن هذه المداراة تصبح مقبولة إذا بقيت في حدود المعقول، وليس في ذلك أية غضاضة أو وهن على بديل ولا على خزاعة، وذلك ظاهر لا يخفى.

بين الثأر.. والقصاص:

وقد تقدم: أن نوفل بن معاوية صار يقرِّع بني بكر ويقول لهم: «تسرقون الحاج في الحرم، ولا تدركون ثاركم»!!

ومعلوم: أن مفهوم الثأر يعتمد على تبلور حالة من الحنق الشخصي في اندفاع ساحق ومدمر، مع إغفال أي حساب آخر سوى إرضاء نزعة الحقد الأسود بهذا البطش الأرعن وغير المسؤول، الذي لا يبالي بالضحية التي تكون في موقع البراءة والطهر في أكثر الأحيان..

وخير شاهد على هذه الرعونة هو: انتقام بني بكر حتى من الصبيان والنساء، والضعفاء، وذلك ثأراً لأناس قتلوا قبل عشرات السنين. أي قبل ولادة كثير من هؤلاء الضحايا بسنوات كثيرة بلا ريب..

فالثأر يهدف إلى التدمير والإبادة والاستئصال حتى للبريء..

وقد قال سهيل بن عمرو لنوفل بن الحرث بن معاوية: «وأنت قد حصدتهم، تريد قتل من بقي»؟

وإذا كان الحاكم هو منطق الأحقاد والضغائن، لا الأخلاق والقيم والمبادئ والشرع، أو العقل، فلا بد من أن ينتج هذا السلوك حرصاً على مقابلة الإساءة بالإساءة، والتدمير والاستئصال حتى للأبرياء بمثله، ويحول الوحدة إلى تشتت وتفرق، والجماعة والعصبة إلى تمزق، ويتحول اهتمام المجتمع من العمل على لم الشعث، والتعاون على البر والتقوى، ليصبح تعاوناً على الإثم والعدوان وعلى معصية الله ورسوله.

وهذا هو الفرق بين الثأر والقصاص.

فإن القصاص إجراء تربوي إصلاحي، يهدف إلى إرساء قواعد القسط والعدل، وإلى جعل الحياة أكثر صفاء ونقاء، بل أكثر حيوية وقوة واندفاعاً، على قاعدة: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ}([46]).

وفي القصاص حفاظ على النفوس، ومحاصرة للجريمة، وخنق لها في مهدها، وقطع دابرها، وإعفاء آثارها..

والقصاص معناه: حصر الجريمة في مصدرها وهو المجرم نفسه، ثم استئصاله واستئصالها به، وتطهير المحيط منه ومنها.

والقصاص يرسي قواعد الأمن المجتمعي، ويبعد الناس عن العيش في أجواء التآمر، والكيد والتربص شراً بالآخرين وينمي حالة الثقة والتعاون فيما بين الناس.

والقصاص يهيئ الأجواء لإشاعة مفهوم الكرامة للإنسان، ويؤكد قيمته، ويحدُّ من الطموح للتعدي عليه وهتك حرمته..

وبالقصاص يعطي العدل قيمته ومعناه، وينصب أمام أعين الناس مثلاً وقيماً ومعاني إنسانية لتكون موضع طموحهم، وغاية ومنتهى آمالهم.

 الفصل الثاني:

إلى المدينة: خبر وشكوى

  

النبي يخبر بالغيب عن نقض العهد:

روي: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال لعائشة صبيحة كانت وقعة بني نفاثة وخزاعة بالوتير: «يا عائشة، لقد حدث في خزاعة أمر».

(أو قال: لقد حرت في أمر خزاعة)([47]).

فقالت عائشة: يا رسول الله، أترى قريشاً تجترئ على نقض العهد الذي بينك وبينهم ، وقد أفناهم السيف؟

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «ينقضون العهد لأمر يريده الله تعالى».

فقالت: يا رسول الله، خير؟

قال: «خير»([48]).

وعن ميمونة بنت الحارث: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بات عندها ليلة، فقام ليتوضأ إلى الصلاة، فسمعته يقول في متوضئه: «لبيك، لبيك، لبيك ـ ثلاثاً ـ نصرت، نصرت، نصرت ـ ثلاثاً ـ».

قالت: فلما خرج قلت: يا رسول الله، سمعتك تقول في متوضئك: «لبيك، لبيك ـ ثلاثاً ـ نصرت، نصرت ـ ثلاثاً» كأنك تكلم إنساناً، فهل كان معك أحد؟

قال: «هذا راجز بني كعب يستصرخني، ويزعم أن قريشاً أعانت عليهم بكر بن وائل».

قالت ميمونة: فأقمنا ثلاثاً ثم صلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» الصبح بالناس، فسمعت الراجز ينشد:

يـا رب إني نـاشـــد محــمـــدا           حـلـف أبـيـنـا وأبـيـه الأتـلـــدا

فذكرت الرجز الآتي([49]).

لماذا عائشة دون سواها؟!:

إننا لا نريد أن نثير أي سؤال ذا طابع تشاؤمي حول سبب مبادرة النبي «صلى الله عليه وآله» إلى إخبار عائشة دون سواها بهذا الأمر الغيبي الخطير، الذي سوف يظهر صدقه، وتتجلى دلائله وبراهينه في وقت قصير..

وقد كان بإمكانه «صلى الله عليه وآله» أن يذكر هذا الغيب في ملأ من الناس، ليصبح أكثر شيوعاً، وليسهم ـ من ثم ـ في تثبيت إيمان الناس، والربط على قلوبهم..

وإنما نريد هنا أن نشير فقط: إلى أن تخصيص عائشة بهذا الخبر الغيبي الخطير، من شأنه أن يجعلها أكثر حرصاً على رواية هذا الحدث، وإشاعته، ما دام أنها ترى فيه تأكيداً على دورها المميز، وحضورها الفاعل.

ثم هو يوحي بأنها كانت بحاجة لمزيد من الدلائل والشواهد على رعاية الغيب لمسيرة الرسالة والرسول، ليحيا من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة..

وغني عن القول: أن هذا التبرير أو ذاك يبقى في دائرة التظني أو الاحتمال، ولا يجد ما يلغيه أو ما يؤكده بصورة قاطعة ويقينية، فما علينا إذا أوكلنا أمر ذلك إلى المزيد من التأمل والتدبر أي جناح..

حرت في أمر خزاعة:

وأما بالنسبة لما زعمه الواقدي: من أنه «صلى الله عليه وآله» قال: «لقد حرت في أمر خزاعة»([50])، فهو مرفوض جملة وتفصيلاً لأسباب عديدة، نذكر منها:

أولاً: إن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يتحير في هذا الأمر ولا في سواه، فإن التكليف الإلهي واضح لديه، وهو واضح هنا أيضاً لكل أحد، إذ لا بد له من التعاطي مع ناكثي العهود بما يوجبه الشرع والدين.. وهو «صلى الله عليه وآله» مسدد بالوحي، عارف بأمر الله، وهو عقل الكل، وإمام الكل، ومدبر الكل، فلم يكن ليخفى عليه وجه الصلاح، ولا حكم الله في هذا الأمر.

ثانياً: إذا كان لا بد من الحيرة، فلا بد من أن تكون حيرة في أمر قريش، وبكر بن وائل، لا في أمر خزاعة. فإن خزاعة قد نُكبت وظلمت، فلا بد من التفكير في طريقة كف الظالم عن ظلمه، وردع الباغي عن بغيه بعد أن لم ينتفعوا بالآيات والنذر، ولم يستجيبوا لنداء العقل، ولم يلتزموا بما يوجبه عليهم معنى الرجولة والشهامة، وغير ذلك من معاني كانوا يزعمون أن لها دوراً وموقعاً في حياتهم، وفي قراراتهم، وحركتهم، وإقدامهم، وإحجامهم.

سلب الألطاف الإلهية:

إن الشرك والكفر من أعظم الذنوب التي لا يبقى معها أيّ أهلية للطف الإلهي، ولكن عدم الأهلية هذا لا يفرض حجب الألطاف بصورة قاطعة ونهائية.. فقد تكون هناك عوامل أخرى توجب التفضل الإلهي على فاقد الأهلية، بسبب ابتلائه بالشرك.. فمن كان سخياً، أو حليماً، أو باراً بوالديه، أو بغيرهما من ذوي رحمه، ربما يتفضل الله تعالى عليه ببعض العنايات والتوفيقات، حفظاً لتلك الخصال، أو مكافأة على بعض الأفعال، أو لطفاً بغيره من أهل الحاجة والاستحقاق..

وقد ورد: أن بعض خصال الخير التي تكون في غير المؤمنين إنما جعلها الله فيهم لأجل حفظ أهل الإيمان.

فقد روي عن أبي عبد الله «عليه السلام» أنه قال: إن الله تبارك وتعالى أعار أعداءه أخلاقاً من أخلاق أوليائه، ليعيش أولياؤه مع أعدائه في دولاتهم.

وفي رواية أخرى: ولولا ذلك لما تركوا ولياً لله إلا قتلوه([51]).

وقد أتي «صلى الله عليه وآله» بأسارى، فأمر بقتلهم باستثناء رجل منهم، فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا محمد، كيف أطلقت عني من بينهم؟!

فقال: أخبرني جبرئيل عن الله عز وجل أن فيك خمس خصال يحبها الله ورسوله: الغيرة الشديدة على حرمك، والسخاء، وحسن الخلق، وصدق اللسان، والشجاعة.

فلما سمعها الرجل أسلم الخ..([52]).

وهناك قضية أخرى تدخل في هذا السياق، وقد تكون نفس هذه القضية، وقد تكون غيرها فراجعها([53]).

وفي المقابل، ربما يكون لبعض الموبقات، التي يرتكبها المشرك أو الكافر، أثر في تأكيد حجب جميع أشكال ودرجات التوفيق، وإيكال هذا المجرم إلى نفسه بصورة تامة ونهائية، لينتهي به الأمر إلى أن يؤثر ذلك حتى على مستوى إدراكه، أو على سلامة هذا الإدراك، أو يوقع هذا المجرم في بحر من الغفلة، والجهل، والجهالة التي قد تصل إلى حد الغواية التامة عن طريق الرشد، في أبسط مراتبه، وأدنى حالاته..

وهذا هو ما حصل لقريش بالفعل، كما ربما يفيده قول رسول الله «صلى الله عليه وآله» لعائشة: «ينقضون العهد لأمر يريده الله» حيث كان لا بد من حسم أمر الطغيان القرشي، لينتعش الشعور بالعزة لأهل الإيمان، ويتأكد سقوط عنفوان الشرك، ويعيش رموزه حالة الذل والخزي الأمر الذي من شأنه أن يفسح المجال أمام دعوة الحق والإيمان لتأخذ طريقها إلى قلوب المستضعفين، الذين كانوا بأمس الحاجة إليها.

وكان الطريق إلى ذلك هو ترك قريش لتتمادى في ممارسة دورها وفق ما يحلو لها، وترتكب حماقاتها، وتظهر على حقيقتها، ويتجلى خزيها لكل أحد، لتنال جزاء أعمالها بعيداً عن أي لبس أو شبهة، أو تأويل خادع.

النبي .. ونصر بني كعب:

وقالوا: إن عمرو بن سالم الخزاعي خرج في أربعين راكباً من خزاعة يستنصرون رسول الله «صلى الله عليه وآله» ويخبرونه بالذي أصابهم، وما ظاهرت عليهم قريش، ومعاونتها لهم بالرجال، والسلاح، والكراع، وحضور صفوان بن أمية، وعكرمة، ومن حضر من قريش. وأخبروه بالخبر، ورسول الله «صلى الله عليه وآله» جالس في المسجد بين أظهر الناس، ورأس خزاعة عمرو بن سالم، فلما فرغوا من قصتهم، قام عمرو بن سالم، فقال:

يـا رب إني نـاشـــد محــمـــدا           حـلـف أبـيـنـا وأبـيـه    الأتـلـــدا

قـد كـنـتـم ولـداً وكـنـا والـدا              ثـمـت أسـلـمـنـا فـلـم ننـزع يدا

إن قـريشـاً أخـلفـوك  المـوعـدا          ونـقـضـوا مـيـثـاقـك المــؤكــدا

وزعـمـوا أن لـست أدعو  أحدا          وهـــم أذل وأقــــل عـــــــددا

هـم بـيّـتـونـا بالـوتـير هـجـدا            وقـتـلـونـا ركـعـــــا وسـجــدا

وجـعـلــوا لي في كـداء  رصـدا          فـانـصـر رسـول الله نـصـرا أيـدا

وادعُ عـبـاد الله يـأتـوا  مــــددا          فـيـهـم رســـول الله قــد تجــردا

أن سـيـم خـسـفـاً وجهه تربـدا          في فـيـلـق كـالـبـحر يجـري مزبدا

قـرم لـقـرم مـن قـروم أصـيـدا

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «حسبك يا عمرو، أي: ودمعت عيناه».

أو قال: «نصرت يا عمرو بن سالم».

فما برح حتى مرت عنانة (أي سحابة) من السماء فرعدت، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب»([54]).

وفي المنتقى: أنه «صلى الله عليه وآله» لما كان بالروحاء نظر إلى سحاب منصب، فقال: إن هذه السحابة لتستهل (لينتصب) الخ..([55]).

وروي بسند جيد عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» غضب مما كان من شأن بني كعب غضباً لم أره غضبه منذ زمان. وقال: «لا نصرني الله ـ تعالى ـ إن لم أنصر بني كعب»([56]).

وعن ابن عباس: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لما سمع ما أصاب خزاعة، قام ـ وهو يجر رداءه ـ وهو يقول: «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي»([57]).

وفي نص آخر: أنه «صلى الله عليه وآله» قال: «والذي نفسي بيده، لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي، وأهلي، وبيتي»([58]).

ويتابع المؤرخون، فيقولون: فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول الله، إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك، فهدر رسول الله «صلى الله عليه وآله» دمه([59]).

فبلغ أنس بن زنيم ذلك، فقدم على رسول الله «صلى الله عليه وآله» معتذراً عما بلغه فقال قصيدة منها:

أأنت الـذي تهـدى مـعـد بـأمره          بـل الله يهـديهم وقـال لك   اشـهـد

فـما حمـلت من ناقـة فوق رحلها                أبــــر وأوفى ذمــة مــن محــمــد

إلى آخر القصيدة..

وبلغت رسول الله «صلى الله عليه وآله» قصيدته واعتذاره. وكلمه نوفل بن معاوية الديلي فيه، وقال له:

أنت أولى الناس بالعفو، ومن منا لم يعادك ولم يؤذك؟ ونحن في جاهلية، لا ندري ما نأخذ وما ندع، حتى هدانا الله بك من الهلكة، وقد كذب عليه الركب، وكثَّروا عندك.

فقال: دع الركب، فإنَّا لم نجد بتهامة أحداً من ذي رحم ولا بعيداً كان أبر بنا من خزاعة.

فأسكت نوفل بن معاوية.

فلما سكت قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: قد عفوت عنه.

فقال نوفل: فداك أبي وأمي([60]).

نوفل يضيع الحق:

ونقول:

إن كلام نوفل لم يكن منصفاً ولا دقيقاً، فلاحظ ما يلي:

1 ـ إنه يبدو: أن كلام نوفل بن معاوية كان يهدف إلى تصغير ذنب أنس من جهة، وإلى تضييع الحق من جهة أخرى.

فما قاله يؤدي إلى أن يصبح عفو رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن مرتكب هذا الجرم العظيم، الذي يرمي إلى إلحاق الوهن بالإسلام، من خلال الجرأة على نبيه، يصبح عفوه عن جرم كهذا غير ذي أهمية، بل هو سيجعل ذلك واجباً إنسانياً إلى حد يكون معه النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه في موقع الاتهام في نبله، وفي أخلاقه الحميدة، وفي سجاياه الكريمة، وحقيقة التزامه بالقيم، ورعايته للمثل العليا، وللمعاني الإنسانية.

فإذا كان «صلى الله عليه وآله» فاقداً لمثل هذه الفضيلة ـ والعياذ بالله ـ فإن تحلّيه بما هو أسمى منها يصير موضع شك وريب، ويدعو إلى تفسير بعض ما يصدر عنه بطريقة أخرى، تبعده عن أن يكون ناشئاً عن خلق رضيّ، وعن نفس تعيش معنى السماحة، والنبل، وسائر المعاني الإنسانية الفاضلة والرقيقة.

2 ـ إن كلام نوفل قد تضمن المساواة بين الوفي والغادر، وبين المؤذي عن جهل، وبين من يخطط للإيذاء، وبين من يعادي الشخص لأمور شخصية، وفي أمور جزئية، وبين من يعادي المبادئ والقيم، ويسعى لإطفاء نور الله عن علم، وهذا من نوفل: إما ظلم واضح، أو جهل فاضح.

وفي كلتا الحالتين يفترض برسول الله «صلى الله عليه وآله»: أن يتصدى لدفع الظلم ورفع الجهل.

3 ـ إن نوفل بن معاوية يدَّعي: أن الأخبار التي بلغت رسول الله «صلى الله عليه وآله» تشتمل على أكاذيب، ولكنه لم يقدم أي دليل او إشارة تثبت صحة هذه الدعوى.

مع العلم: بأن هذا التكذيب ليس له ما يبرره، فإن الشهادة على النفي من شخص واحد لا يمكن أن تعارض الشهادة على الإثبات، خصوصاً إذا كانت شهادة الإثبات تصدر عن جماعة كبيرة من الناس. كانت الشهادة تتناول حقبة زمنية واسعة لا مجال للاطلاع على تفاصيلها.

فإن فعل الهجاء قد يغيب عنه شخص، ويحضره أشخاص آخرون، وهم قد يقلون وقد يكثرون. فكيف أجاز نوفل بن معاوية لنفسه أن يقيم هذه الشهادة العجيبة أمام سيد عقلاء العالم المؤيد بالوحي، ويحظى بالتسديد واللطف الإلهي؟!

4 ـ إن هذه الشهادة تستبطن درجة من الاتهام لرسول الله «صلى الله عليه وآله» بأنه يتسرَّع باتخاذ قراراته في حق الأشخاص إلى حد أنه يبادر إلى إهدار دماء الناس استناداً إلى أكاذيب يزجيها إليه ركب زائر..

5 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» قد بيّن: أن نوفلاً لم يكن صادقاً فيما قدمه من تبريرات، وقد صرح له: بأن الوقائع قد جاءت لتثبت خلاف مزاعمه، فأسكت نوفل ولم يدر ما يقول..

6 ـ لقد رأينا: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لم يتراجع عن قراره بإهدار دم أنس بن رزين، ولم يعر لمزاعم نوفل أي اهتمام، وإنما عفا عنه بعد أن أكذب نوفلاً فيما زعم، فجاء العفو عن ابن زنيم تكرماً من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لا انصياعاً لمنطق نوفل.

غضب النبي لبني كعب:

وقد كان غضب النبي «صلى الله عليه وآله» لبني كعب شديداً، حتى إن عائشة لم تره قد غضب إلى هذا الحد منذ زمان. ولكنه «صلى الله عليه وآله» لم يغضب لنفسه، ولا لعشيرته، ولا لفوات منفعة، ولا كان غضبه حنقاً غير مسؤول، يخرجه عن حدود المقبول والمعقول، بل كان غضباً لله تعالى، وانتصاراً للمظلوم من ظالمه، ولأجل المنع من العدوان على القيم الإنسانية، والمثل العليا..

إن هذا الغضب واجب شرعي وأخلاقي وعقلي، ناشئ عن الشعور بالمسؤولية، وفي سياق مراعاة الحكم الشرعي، والإصرار على تطبيق القيم الإنسانية بأمانة وبدقة..

وغني عن القول: أن هذا الغضب لم يخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن جادة الحق، والإنصاف، والاعتدال.

بل هو من أجل إرغام الخارجين عن هذه الجادة على الرجوع إليها..

نصرت يا عمرو بن سالم:

قد لاحظنا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» يصر على الجهر بتصميمه على نصرة المظلومين من خزاعة، وهو يستخدم في بياناته لهذا النصر صيغة فعل الماضي، وكأنه يخبر عن حصول هذا الأمر فيما مضى من الزمان، حتى أصبح كأنه تاريخ يحكى، فيقول لعمرو بن سالم: «نُصرت يا عمرو بن سالم» ولم يقل: ستنصر، أو نحو ذلك.

ويقول في إخباره الغيبي بما حصل: «لبيك، لبيك، لبيك. نُصرت، نُصرت، نُصرت». ولم يقل: سوف أنصرك..

وقد تحقق مضمون هذه التلبية، ونصر «صلى الله عليه وآله» بني كعب أجمل نصر، وأتمَّه وأوفاه..

لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب:

ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى تأكيد تصميمه على نصر بني كعب، بأسلوب قد يفاجئ الكثيرين، وهو الطلب إلى الله أن يحجب عنه نصره، إن لم يقم بهذا الواجب..

غير أننا نقول:

إن هذا الطلب يمكن تفسيره: بأن من يتخلى عن واجبه الشرعي لا يستحق اللطف والنصر الإلهي، هذا إن اقتصر الأمر على المعاملة وفقاً لمبدأ المقابلة بالمثل..

في حين أن من يتخلف عن واجبه الشرعي يستحق الطرد من ساحة الرضا الإلهي، ليصبح من يفعل ذلك في معرض غضبه تبارك وتعالى..

وبما أن هذا الأمر لا يظن صدوره من أي إنسان مؤمن بالله ملتزم بأوامره ونواهيه، فيرد السؤال عن معنى أن يجعل أعظم وأفضل وأكرم الأنبياء نفسه في دائرة احتمال التخلف عن هذا الواجب، ومخالفة التكليف الإلهي.

ويمكن أن نجيب بما يلى:

أولاً: قد يقال: إن ذلك جارٍ على طريقة هضم النفس، حيث إن المفروض هو: أن يتعامل «صلى الله عليه وآله» مع نفسه بغض النظر عن اللطف الإلهي، وعن العصمة.. وهذا أمر شائع ومعروف..

فهذه الكلمة تشبه قول أمير المؤمنين «عليه السلام»: ما أنا في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله بلطف منه([61]).

وإذا نظرنا إلى الأمور من حيثية أخرى فسنجد: أن الله تعالى الذي يعامل الناس العاديين من مقامه الربوبي، فيعتمد منطق الرحمة، والرفق، والغفورية، والتوابية، والترغيب، والترهيب وغير ذلك.. يعامل أنبياءه «عليهم السلام» من موقع الألوهية، فيضع لهم النقاط على الحروف بكل صراحة وحزم، فيقول لواحد من هؤلاء الأنبياء: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}([62]).

ويقول: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}([63])..

ثانياً: إنه «صلى الله عليه وآله» يريد أن يعطي القاعدة للناس؛ ليعرفوا: أن الحكم الإلهي الذي يجريه على كل البشر، هو أن نفس ترك نصرة المظلوم يستتبع فقدان النصر الإلهي في موضع الحاجة إليه وله هذا الأثر، بغض النظر عن أية خصوصية أخرى.

فهو «صلى الله عليه وآله» قد استخدم أفضل أسلوب بياني تطبيقي، يجسد الفكرة للآخرين بصورة حية وواقعية، ويسهل إدراكها وفهمها على كل الناس.

ثالثاً: إن الواجب عليه «صلى الله عليه وآله» هو مجرد النصر لبني كعب، بحيث يرتفع الظلم عنهم، ولا يجب عليه أن ينصرهم مما ينصر منه نفسه وأهل بيته، فإن هذه المرتبة أعلى وأشد من تلك المرتبة، فالذي تعهد بالقيام به يزيد على الدرجة التي تجب عليه، فاحتاج إلى تأكيد هذا الالتزام بهذا النحو من المبادرة والتضحية بالنصر الإلهي حين الاحتياج إليه.

وعلى هذا الوجه لا يكون حجب النصر الإلهي عنه دليلاً على غضب الله، بل يكون لأجل أنه قد رضي بارتهان نصرٍ كان الله قد ادَّخره له، بإعطاء درجة من نصر لم تكن مطلوبةً منه، ولا كانت واجبةً عليه..

السحابة تستهل بنصر بني كعب:

وعن حديث استهلال السحابة بنصر بني كعب نقول:

قد يروق للبعض أن يضع قوله «صلى الله عليه وآله» هذا في سياق التفاؤل بالمطر، الذي تحيا به البلاد والعباد..

غير أن هذا التفسير يبقى غير دقيق، إن لم نقل: إنه يفقد هذه الكلمة مغزاها، ومرماها بدرجة كبيرة..

ولعل الأقرب إلى الاعتبار أن نقول: إنه «صلى الله عليه وآله» يريد الإشارة إلى أمور:

أحدها: أن هذا النصر منسجم مع طبيعة الحياة ومقتضياتها، وهو مما يتطلبه كل شيء حتى هذا المطر العارض الذي لم ينزل بعد..

ثانيها: الإشارة إلى شدة قرب هذا النصر، فإن بشائره المؤذنة بقرب نزوله حاضرة كحضور بشائر وأمارات نزول المطر، كظهور السحب، والرعد ونحوه.

ثالثها: التأكيد على حتميته، كحتمية نزول المطر من تلك السحابة..

رابعها: أنه نصر داهم وغامر، كالمطر الداهم والغامر..

خامسها: إن هذا النصر نازل من السماء، وهو هبة إلهية، تماماً كالمطر النازل، الذي هو عطاء إلهي.

دخل بيت عائشة أم ميمونة؟!:

ويزعم الواقدي: أنه «صلى الله عليه وآله» قال لعمرو بن سالم: ارجعوا، وتفرقوا في الأودية. وقام «صلى الله عليه وآله» ودخل على عائشة وهو مغضب، فدعا بماء، فدخل يغتسل، قالت عائشة: فأسمعه يقول، وهو يصب الماء: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب([64]).

ونقول:

إن نفس هذه القضية قد ذُكرت للنبي «صلى الله عليه وآله» مع ميمونة، لا مع عائشة([65]).

ولربما يروق للباحث أن يرجح هذه الرواية وهي رواية ميمونة، لأنه اعتاد أن يرى هنا وهناك عمليات سطو على الأدوار، وعلى الفضائل والكرامات، وعلى المواقف. يصل ذلك إلى حد الاختلاف ووضع الحديث على لسان رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أو على لسان علي «عليه السلام» أو غيرهما، في سبيل تأييد شخصٍ، أو فئةٍ، أو تأكيد نهج فريق بعينه، يؤسفنا أن نقول: أن عائشة كانت وكذلك أبوها، ومن هو في خطهما ونهجهما أحد أركانه!!

هذا عدا ما يراه الباحث من تعمد سلب الفريق الآخر المناوئ لهؤلاء الكثير من الإمتيازات، أو التشكيك بها، أو تجاهلها، أو التعتيم عليها.

ثم هو يرى: ما يبذل من جهد لتلميع صورة هذا أو ذاك من الناس، وتأويل مواقفه السيئة، أو التشكيك بها، أو نسبتها إلى غيره، أو ما إلى ذلك..

وذلك كله يهيئ الأجواء لانطلاق احتمال أن تكون قد حصلت عملية سطو هنا أيضاً لنفس الأسباب التي دعت إلى نظائر لها شوهدت في الكثير من المواقع والمواضع.. وفي هذا الكتاب أمثلة عديدة تدخل في هذا السياق..

ابن ورقاء أول المخبرين:

ذكر المؤرخون: قدوم بديل بن ورقاء على رسول الله «صلى الله عليه وآله» ليخبره بما جرى على خزاعة، وبالمجزرة التي ارتكبت في بيته وعلى باب داره في حق الصبيان، والنساء والضعفاء([66]).

وذكروا أيضاً: لقاءه أبا سفيان في عسفان، حين كان أبو سفيان متوجهاً إلى المدينة، وبديل عائد منها([67]).

ولكن محجن بن وهب يدَّعي: أن بديل بن ورقاء لم يدخل مكة من حين انصرف رسول الله «صلى الله عليه وآله» من الحديبية، حتى لقيه في الفتح بمرّ الظهران. قال محمد بن عمر: وهذا أثبت([68]).

ونحن لا ندري لماذا يطلق الواقدي دعواه: بأن ما رواه محجن بن وهب أثبت مما رواه ابن إسحاق وغيره.

ولا شك في أن هذه المبادرة من بديل بن ورقاء كانت محاطة منه وممن معه بنطاق من السرية التامة، لأن اكتشاف قريش لهذا الأمر سوف يعرض بديلاً ورفاقه لخطر عظيم، قد عاينوا بعض مظاهره ومستوياته حين حصر الخزاعيون في دار بديل، وسقط منهم كثير من الأبرياء قتلى في داخل تلك الدار، وعلى بابها..

ولذلك لم يستطع أبو سفيان معرفة حقيقة الأمر إلا من خلال النوى الذي وجده في بعر إبلهم.. ولكنه لم يتيقن هذا الأمر، فسكت عليه.

على أن ذكر التفاصيل الدقيقة لما جرى في عسفان بين أبي سفيان وبين بديل، يقرب احتمالات الصحة، ويوهن احتمال الوهم من الراوي..

فإذا كانت رواية ذلك قد وردت بأكثر من طريق، وفي أكثر من مصدر، فإن حظوظ الحكم بصحة الرواية تصير أكبر وأوفر..

وأخيراً نقول:

إننا لسنا بحاجة إلى التذكير: بأن من الممكن تعدد المخبرين لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، فيخبره عمرو بن سالم، ويخبره أيضاً بديل بن ورقاء.. وقد لا يعلم أي منهما بمسير الآخر خصوصاً في مثل تلك الظروف الصعبة..

عينا رسول الله تدمعان:

ورد في بعض النصوص: ما يدل على مدى تأثر رسول الله «صلى الله عليه وآله» حين أخبره عمرو بن سالم بما جرى على خزاعة، حتى لقد دمعت عيناه «صلى الله عليه وآله».

وغني عن البيان: أن هذا التأثر إن دل على شيء، فإنما يدل على: كمال معنى الإنسانية فيه «صلى الله عليه وآله»؛ وعلى حقيقة التوازن في ميزاته وفي خصائصه «صلى الله عليه وآله»، فلم تكن لتطغى خصوصية على أخرى، أو تستأثر بدورها إلى حد الإلغاء، بل كان لكل خصوصية موقعها، ودورها الذي يخدم ويقوي، ويسدد خصوصيات أخرى في أداء وظيفتها على أكمل وجه وأتمه..

ولأجل هذا التوازن الدقيق في الشخصية الإنسانية التي يريدها الله تبارك وتعالى كان المؤمنون أشداء على الكفار رحماء بينهم.. وكان المؤمن قوياً شجاعاً وكان رقيقاً ورحيماً ورؤوفاً. وكان حازماً، حليماً. ولا يمكن أن يكون مؤمناً كاملاً من دون أن يستجمع هذه الصفات، ويعيشها، ويتفاعل معها بصورة صحيحة ومتوازنة..

فلا غرو إذا رأينا رسول الله «صلى الله عليه وآله» يجاهد الكفار ويغلظ عليهم في حين تذهب نفسه عليهم حسرات.

ثم هو يتلقى سيوفهم، ورماحهم وسهامهم، ويردها عن نفسه ما وسعه ذلك، ثم هو يدعو لهم ويقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون..

ومن جهة أخرى: إن هذه الرقة التي نراها من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حتى إن عينيه لتدمعان وهو يسمع ما جرى على خزاعة، لم تكن هي المرتكز لموقفه من القتلة والمجرمين، بل لم يكن لها أي تأثير فيه، بل كان المرتكز والمؤثر في ذلك هو التكليف الشرعي، وطلب رضا الله تعالى، وإنزال القصاص العادل بالمعتدين والظالمين، من دون أي تعد عليهم، أو ظلم لهم، أو تجاوز للحد الشرعي والإنساني في التعامل معهم.

قام وهو يجر رداءه:

وحين تتحدث الروايات المتقدمة: عن أنه «صلى الله عليه وآله» قد بلغ به الغضب حداً جعله يقوم وهو يجر رداءه، فإنها تكون قد تجاوزت حدود المعقول والمقبول، بالنسبة لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، إذ ليس لنا أن نصوره «صلى الله عليه وآله» بصورة من أخرجه غضبه عن طوره، إلى حد أنه لم يلتفت إلى ردائه ليسويه على نفسه، ويضعه بالصورة التي يفترض أن يكون عليها..

فإذا كان «صلى الله عليه وآله» بهذه المثابة من الانفعال، فكيف يمكن أن نطمئن إلى أنه كان يتخذ قراراته بروية وتعقل، وتدبر وتأمل؟! فلعل غضبه الشديد قد جعله غافلاً عن بعض الأمور التي لا بد من مراعاتها في تلك القرارات!

كما أن نسبة أمثال هذه الأمور له «صلى الله عليه وآله» لا تنسجم مع الاعتقاد بعصمته، وبتسديد الله له، وتأييده بالوحي.. ومع ما هو معروف عنه «صلى الله عليه وآله» من رويَّة واتزان.

إلا أن يقال: إن المنهي عنه هو جر الرداء خيلاء وتكبراً، وأما إظهاراً لشدة الغضب لله تبارك وتعالى، وشريطة أن لا يترتب على ذلك أي محذور آخر، فما ذكرناه آنفاً ليس بقبيح، بل قد يكون محبوباً إلى الله تبارك وتعالى..

النبي يأمر مخبريه بالتفرق في الأودية:

وقالوا: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال لعمرو بن سالم وأصحابه «ارجعوا وتفرقوا في الأودية».

فرجعوا وتفرقوا، وذهبت فرقة إلى الساحل بعارض الطريق، ولزم بديل بن ورقاء في نفر من قومه الطريق([69]).

ونقول:

إن ما قام به عمرو بن سالم وأصحابه، من إخبار رسول الله «صلى الله عليه وآله» بما جرى.. ليس من الأمور التي يمكن لقريش وبني بكر أن يتجاوزوها من دون اكتراث أو اهتمام.. بل هو بالنسبة إليهم وإليها قضية حاسمة ومصيرية، تجعلهم بين خياري: البقاء والفناء، والحياة والموت.

وهم يرون: أنهم إذا استطاعوا إخفاء ما جرى عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أو التخلص من المسؤولية عنه ومن تبعاته، فقد أفلحوا في الإبقاء على حالة الهدنة القائمة فيما بينهم وبين المسلمين.. ولعلهم يقدرون في وقت ما على استعادة بعض القوة لمواجهة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وربما يحلمون بأن ينتهي الأمر بحسم الأمور لمصلحتهم..

وأما إن ظهر نكثهم للعهد، واستمرت التحولات في هذا الاتجاه، فسيخسرون المعركة مع المسلمين، لأنهم لم يهيئوا لها ما يمنحهم ولو خيطاً من الأمل ضعيفاً بأي نصر، مهما كان هزيلاً وضئيلاً..

بل إنهم ليدركون: أن قدراتهم قد تضاءلت عما كانت عليه بدرجة كبيرة وخطيرة، كما أن قدرات أهل الإسلام قد تنامت وكبرت، بل تضاعفت، ولاسيما بعد كسر شوكة اليهود في خيبر وسواها، ثم ما جرى في مؤتة..

بل إن قدرات كثيرة قد أضيفت إلى قدرات المسلمين، حتى تضاعفت عما كانت عليه من قبل..

وذلك كله يشير إلى: أن اكتشاف قريش، وحلفائها لهذه النشاطات التي قام بها عمرو بن سالم وبديل بن ورقاء، سوف يدفعها للانتقام السريع والهائل والمريع من هؤلاء، ومن كل من يلوذ بهم، أو ينتمي إليهم، ومن دون أية رحمة أو شفقة..

وعلى هذا الأساس نقول:

إنه لم يكن من الحكمة في شيء أن يعود بديل بن ورقاء وعمرو بن سالم وأصحابهما إلى مكة ظاهرين معلنين، وكان التخفي والتستر على هذا الأمر ضرورة لا بد منها، ولا غنى عنها لحفظ حياتهم، وحياة كل من يلوذ بهم.. وقد جاء التوجيه النبوي الكريم منسجماً مع هذه الحقيقة حيث أبلغهم أن عليهم أن يتفرقوا حين عودتهم في الأودية والشعاب، وأن يسلكوا طرقاً مختلفة، حتى إذا تمكنت قريش وحلفاؤها من العثور على بعض منهم في بعض الأودية والمسالك، فإنها قد لا تظن أنهم يعودون من مهمة تعنيها وتتعلق بما حدث.

وحتى لو راودها احتمال من هذا القبيل، فقد لا يخطر على بالها: أن يكون لهؤلاء شركاء في مهمتهم هذه.

ولو خطر ذلك أيضاً على بالها، وسألت عنه، فإن إنكار هذه الشراكة سوف يحد من دائرة الخطر ويؤكد لها احتمال أن يكون قد حصل شيء من ذلك بمبادرة شخصية، وربما تكون إزالة أساس هذا الاحتمال أيسر مما لو شوهدت جماعة كثيرة تمخر عباب تلك المنطقة، لأن ذلك سوف يقوي احتمال وجود أمر مهم دعا رجالات القرار لاتخاذ قرار بشأنه، وهذه الجماعة بصدد تنفيذه.

وهذا ما يفسر لنا عدم قدرة أبي سفيان على التمادي في توجيه الأسئلة لبديل بن ورقاء حينما لقيه بعسفان، فلجأ إلى فت أبعار الإبل، ليرى نوى تمر يثرب فيها، وبعد ذلك لم يتمكن من الجزم بصحة ما دار في خلده، فآثر السكوت، وانصرف عن استقصاء هذا الأمر..

 

الفصل الثالث:

أبو سفيان في المدينة: تدليس وخداع

 

عروض النبي ورفض قريش:

عن ابن عمر، وحزام بن هشام الكلبي، ومحمد بن عبَّاد بن جعفر: أن قريشاً ندمت على عون بني نفاثة، وقالوا : محمد غازينا.

فقال عبد الله بن أبي سرح: إن عندي رأياً، إن محمداً لن يغزوكم حتى يعذر إليكم، ويخيِّركم في خصال كلها أهون عليكم من غزوه.

قالوا: ما هي؟

قال: يرسل إليكم أن دوا قتلى خزاعة، وهم ثلاثة وعشرون قتيلاً، أو تبرؤوا من حلف من نقض الصلح، وهم بنو نفاثة، أو ينبذ إليكم على سواء، فما عندكم في هذه الخصال؟

فقال القوم: أحر بما قال ابن أبي سرح ـ وقد كان به عالماً ـ.

قال سهيل بن عمرو: ما خلة أهون علينا من أن نبرأ من حلف بني نفاثة.

فقال شيبة بن عثمان العبدري: حفظت أخوالك، وغضبت لهم.

قال سهيل: وأي قريش لم تلده خزاعة؟

قال شيبة: ولكن ندي قتلى خزاعة، فهو أهون علينا.

وقال قرظة بن عبد عمرو: لا والله لا يودَون ولا نبرأ من حلف بني نفاثة، ولكنا ننبذ إليه على سواء.

وقال أبو سفيان: ليس هذا بشيء، وما الرأي إلا جحد هذا الأمر، أن تكون قريش دخلت في نقض عهد، أو قطع مدة، وإنه قطع قوم بغير رضى منا ولا مشورة، فما علينا.

قالوا: هذا الرأي لا رأي غيره([70]).

وقال عبد الله بنُ عمر: إنَّ ركب خزاعة لمَّا قدموا على رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأخبروه خبرهم ، قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «فمن تهمتكم وظنتكم»؟

قالوا: بنو بكر.

قال: «أكلُّها»؟

قالوا: لا، ولكن بنو نفاثة قصرة، ورأس القوم نوفل بن معاوية النفاثي.

قال: «هذا بطن من بني بكر، وأنا باعث إلى أهل مكة، فسائلهم عن هذا الأمر، ومخيرهم في خصال ثلاث».

فبعث إليهم ضمرة ـ لم يسم أباه محمد بن عمر ـ يخيرهم بين إحدى خلال، بين أن يدوا قتلى خزاعة، أو يبرؤوا من حلف بني نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء.

فأتاهم ضمرة رسول رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأناخ راحلته بباب المسجد، فدخل وقريش في أنديتها، فأخبرهم أنه رسول رسول الله وأخبرهم بالذي أمره رسول الله «صلى الله عليه وآله» به.

فقال قرظة بن عبد عمرو الأعمى: أما أن ندي قتلى خزاعة، فإن نفاثة فيهم عرام، فلا نديهم حتى لا يبقى لنا سبد ولا لبد، وأما أن نتبرأ من حلف نفاثة فإنه ليس قبيلة من العرب تحج هذا البيت أشد تعظيماً له من نفاثة، وهم حلفاؤنا، فلا نبرأ من حلفهم، أو لا يبقى لنا سبد ولا لبد، ولكن ننبذ إليه على سواء.

فرجع ضمرة إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» بذلك من قولهم.

وندمت قريش على رد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وبعثت أبا سفيان فذكر قصة مجيئه إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» كما سيأتي([71]).

مساعٍ فاشلة لأبي سفيان:

روى محمد بن عمر عن حزام بن هشام عن أبيه: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: «لكأنكم بأبي سفيان قد جاء يقول: جدِّد العهد، وزد في الهدنة (ليشد العقد ويزيد في المدة). وهو راجع بسخطه»([72]).

وروي: أن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة مشيا إلى أبي سفيان بن حرب، فقالا: هذا أمر لا بد له من أن يصلح، والله لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه.

فقال أبو سفيان: قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها وأفظعتها وخفت من شرها.

قالوا: وما هي؟

قال: رأت دماً أقبل من الحجون يسيل حتى وقف بالخندمة ملياً، ثم كأن ذلك الدم لم يكن، فكره القوم الرؤيا([73]).

وفي نص آخر زعموا: أنه لما بلغ أبا سفيان ما فعلت قريش بخزاعة ـ وهو بالشام ـ أقبل حتى دخل على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: يا محمد، احقن دم قومك الخ..([74]).

وقال أبو سفيان لما رأى ما رأى من الشر: هذا ـ والله ـ أمر لم أشهده، ولم أغب عنه، لا يحمل هذا إلا عليَّ، ولا والله ما شوورت فيه، ولا هويته حين بلغني، والله، ليغزونا محمد إن صدقني ظني، وهو صادقي، وما بد من أن آتي محمداً فأكلمه أن يزيد في الهدنة، ويجدد العهد.

فقالت قريش: قد والله أصبت.

وندمت قريش على ما صنعت من عون بني بكر على خزاعة، وتحرجوا أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لم يدعهم حتى يغزوهم.

فخرج أبو سفيان، وخرج معه مولى له على راحلتين، فأسرع السير، وهو يرى أنه أول من خرج من مكة إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فلقي بديل بن ورقاء بعسفان، فأشفق أبو سفيان أن يكون بديل جاء رسول الله «صلى الله عليه وآله» بل كان اليقين عنده، فقال للقوم: أخبرونا عن يثرب متى عهدكم بها؟

قالوا: لا علم لنا بها.

فعلم أنهم كتموه، فقال: أما معكم من تمر يثرب شيء تطعموناه؟ فإن لِتمرِ يثرب فضلاً على تمور تهامة.

قالوا: لا.

فأبت نفسه أن تقرّه حتى قال: يا بديل: هل جئت محمداً؟

قال: لا ما فعلت، ولكن سرت في بلاد بني كعب وخزاعة من هذا الساحل، في قتيل كان بينهم، فأصلحت بينهم.

فقال أبو سفيان: إنك ـ والله ـ ما علمت بر واصل.

ثم قايلهم أبو سفيان حتى راح بديل وأصحابه، فجاء أبو سفيان منزلهم ففت أبعار أباعرهم، فوجد فيها نوى من تمر عجوة كأنها ألسنة الطير، فقال أبو سفيان: أحلف بالله لقد جاء القوم محمداً([75]).

وكان القوم لما كانت الوقعة خرجوا من صبح ذلك اليوم فساروا ثلاثاً، وخرجوا من ذلك اليوم فساروا إلى حيث لقيهم أبو سفيان ثلاثاً، وكانت بنو بكر قد حبست خزاعة في داري بديل ورافع ثلاثة أيام يكلمون فيهم، وائتمرت قريش في أن يخرج أبو سفيان، فأقام يومين. فهذه خمس بعد مقتل خزاعة.

وأقبل أبو سفيان حتى دخل المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي «صلى الله عليه وآله»، فأراد أن يجلس على فراش رسول الله «صلى الله عليه وآله» فطوته دونه.

فقال: يا بنية!! أرغبت بهذا الفراش عني أو بي عنه؟

قالت: بل هو فراش رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأنت امرؤ مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله «صلى الله عليه وآله».

قال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر.

فقالت: بل هداني الله للإسلام. وأنت يا أبت سيد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام، وأنت تعبد حجراً لا يسمع ولا يبصر؟

فقام من عندها، فأتى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو في المسجد، فقال: يا محمد!! إني كنت غائباً في صلح الحديبية، فاشدد العهد، وزدنا في المدة.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «فلذلك جئت يا أبا سفيان»؟

قال: نعم.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «هل كان من قبلكم من حدث»؟

قال: معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغير ولا نبدل.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير ولا نبدل».

فأعاد أبو سفيان على رسول الله «صلى الله عليه وآله» القول، فلم يرد عليه شيئاً([76]).

فذهب إلى أبي بكر فكلمه، وقال: تُكلم محمداً، أو تجير أنت بين الناس.

فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله «صلى الله عليه وآله».

زاد ابن عقبة: والله، لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم.

فأتى عمر بن الخطاب، فكلمه بمثل ما كلم به أبا بكر.

فقال: أنا أشفع لكم عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»!! فوالله، لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ما كان من حلفنا جديداً فأخلقه الله، وما كان منه متيناً فقطعه الله، وما كان منه مقطوعاً فلا وصله الله.

فقال أبو سفيان: جوزيت من ذي رحم شراً([77]).

فأتى عثمان بن عفان فقال: إنه ليس في القوم أحد أقرب رحماً منك، فزد في المدة، وجدد العهد، فإن صاحبك لا يرده عليك أبداً.

فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله «صلى الله عليه وآله»([78]).

فأتى علياً «عليه السلام»، فقال: يا علي، إنك أمس القوم بي رحماً، وإني جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائباً، فاشفع لي إلى محمد.

فقال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله «صلى الله عليه وآله» على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه.

فأتى سعد بن عبادة، فقال: يا أبا ثابت، أنت سيد هذه البحيرة، فأجر بين الناس، وزد في المدة.

فقال سعد: جواري في جوار رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وما يجير أحد على رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فأتى أشراف قريش والأنصار، فكلهم يقول: جواري في جوار رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ما يجير أحد على رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فلما أيس مما عندهم، دخل على فاطمة الزهراء «عليها السلام» والحسن «عليه السلام» غلام يدب بين يديها، فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تجيري بين الناس؟

فقالت: إنما أنا امرأة، وأبت عليه([79]).

(وفي نص آخر: قالت: إنما أنا امرأة.

قال: قد أجارت أختك ـ يعني: زينب ـ أبا العاص بن الربيع، وأجاز ذلك محمد.

قالت: إنما ذاك إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» الخ..)([80]).

فقال: مري ابنك هذا ـ أي الحسن بن علي «عليهما السلام» ـ فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب الى آخر الدهر.