الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

  

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الثاني والعشرون

 

 

المركز الإسلامي للدراسات


بسم الله الرحمن الرحيم


 

الباب الثاني:

فتح مكة

 

الفصل الأول:

هكذا تحرك من مرّ الظهران

 

الإعلان بالأمان:

قال أبو سفيان وحكيم بن حزام: يا رسول الله، ادعُ الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش وكفت أيديها آمنون هم؟

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «نعم».

قال العباس: قلت: يا رسول الله!! قد عرفت أبا سفيان وحبه الشرف والفخر، فاجعل له شيئاً.

وعن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن: أن أبا بكر قال: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب السماع، يعني الشرف انتهى.

فقال «صلى الله عليه وآله»: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن».

فقال: وما تسع داري؟

زاد ابن عقبة: «ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن» ـ ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفلها ـ «ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن».

فقال أبو سفيان: وما يسع المسجد؟

قال «صلى الله عليه وآله»: «ومن أغلق بابه فهو آمن».

فقال أبو سفيان: هذه واسعة([1]).

وقال الحلبي الشافعي: «عقد «صلى الله عليه وآله» في المسجد لأبي رويحة ـ الذي آخى النبي «صلى الله عليه وآله» بينه وبين بلال ـ لواءً، وأمره أن ينادي: ومن دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن. أي وإنما قال ذلك لما قاله له أبو سفيان: وما تسع داري؟ وما يسع المسجد»؟([2]).

وفي نص آخر: أن العباس أخذ أبا سفيان فأباته عنده، فلما أصبح وسمع الأذان سأل العباس عنه، فأخبره، ثم أمره العباس بأن يتوضأ ويصلي.. وعلمه الوضوء.. ففعل.

فلما صلى غدا به إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: يا رسول الله، إني أحب ن

أن تأذن لي إلى قومك، فأنذرهم، وأدعوهم إلى الله ورسوله، فأذن له.

فقال العباس: كيف أقول لهم؟! بيِّن لي من ذلك أمراً يطمئنون إليه!!

فقال «صلى الله عليه وآله»: «تقول لهم: من قال: لا إله إلا الله وحده لا


 

شريك له، وشهد أن محمداً رسول الله، وكف يده فهو آمن، ومن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن».

فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو خصصته بمعروف.

فقال «صلى الله عليه وآله»: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن».

قال أبو سفيان: داري؟

قال: دارك.

ثم قال: «ومن أغلق بابه فهو آمن»([3]).

ونص آخر يقول:

وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأسلما وبايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول الله «صلى الله عليه وآله» بين يديه إلى قريش، يدعوانهم إلى الإسلام.

وقال: من دخل دار أبي سفيان ـ وهو بأعلى مكة ـ فهو آمن، ومن دخل دار حكيم ـ وهو بأسفل مكة ـ فهو آمن، ومن أغلق بابه وكف يده فهو آمن([4]).

ونقول:

إن في هذه النصوص العديد من الإشارات والدلالات، نذكر منها ما يلي:

هل هذا تشريف لأبي سفيان؟!:

قد كان مما أعطاه رسول الله «صلى الله عليه وآله» لأبي سفيان: أن جعل الأمان لمن دخل داره، لأن أبا سفيان يحب التفخيم والذكر، كما قاله العباس رحمه الله.

ولكن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإن كان قد أنعم لأبي سفيان بهذا الأمر وأعطاه إياه بيد، ولكنه عاد فأخذه منه باليد الأخرى، بأسلوب رصين يجعل الناس يدركون للتوِّ: أنه مجرد إجراء شكلي ليس له مضمون تشريف ولا تكريم، لأنه:

1 ـ أعطى مثل ذلك لحكيم بن حزام أيضاً.

2 ـ ساوى بين دخول دار أبي سفيان، وبين اللجوء إلى راية الأمان، التي جعلها مع أبي رويحة.

3 ـ ساوى أيضاً بينه وبين أية دار في مكة يدخلها صاحبها، ويغلق بابها على نفسه.

4 ـ ساوى بين ذلك وبين أن يضع الإنسان سلاحه، ويكف يده، ليكون ذلك إشارة إلى مجرد اتخاذ وضع غير قتالي.

وبذلك يتضح: أن أبا سفيان ليس فقط لم يحصل على ما أراد من الذكر والفخر، وإنما أُخِذَ منه ما كان قد استلبه بغير حق.. لأن المساواة بين دخول داره وبين دخول دار أي إنسان في مكة، ثم بين ذلك وبين أن يكف الإنسان يده ويضع سلاحه فيها حط من المقام الذي جعله أبو سفيان لنفسه، وجعله كأي إنسان آخر من أهل مكة..

وذلك بعد أن جعله أيضاً مثل حكيم بن حزام.. الأمر الذي لا يرضاه أبو سفيان، ولا يقرّ به له.

ولا بد من أن يرضي ذلك ابن حزام، وربما تذهب به الأوهام إلى أبعد من ذلك، إذا كان يذكي لديه الطموح لمنافسة أبي سفيان، أو لعدم الإقرار له بالتفرد في الزعامة على الأقل.. ومن شأن هذا أن يزعج أبا سفيان، ويؤرقه في مضجعه أيضاً.

إستجداء بعد الإستغناء:

لقد كان أبو سفيان طيلة حوالي عشرين سنة يسعى لإطفاء نور الله، مدَّعياً لنفسه مواقع الشرف والكرامة، متخذاً من هذا الفعل المخزي والمشين سبيلاً للمجد والذكر والفخر، وشيوع الذكر.

ولكنه بين ليلة وضحاها أصبح يستجدي شيئاً من الذكر، وما يوجب له الفخر من نفس هذا العدو الذي لم يزل يحاربه إلى تلك اللحظة، ولو قدر على شيء من ذلك لما تردد فيه..

فما هذه الدنيا التي تذل حتى أشد الناس حباً لها، ولا تعطيهم شيئاً إلا أن يدفعوا ثمنه أعز شيء لديهم، وأغلاه عليهم؟!

حفظ حرم الله تبارك وتعالى:

ولسنا بحاجة إلى التأكيد على أن إعلان الأمان لأهل مكة، وكذلك سائر المواقف والسياسات النبوية في مسيره «صلى الله عليه وآله» إلى مكة، تظهر بما لا مجال معه لأي شبهة وريب: أن المطلوب هو: أن لا تراق أية قطرة دم في حرم الله تبارك وتعالى..

ولا بد من أن يقارن الكثيرون من أهل مكة وغيرهم بين هذه السياسة مع صناديد قريش وكل رجالها، وبين ما فعله أهل مكة أنفسهم بالخزاعيين الأبرياء من الصبيان، والنساء، والرجال الضعفاء. في حين أن قريشاً لو تمكنت من الحرب لأبادت هذا الجيش القادم بأكمله في نفس بيت الله وحرمه..

وضوء وصلاة أبي سفيان:

وقد أظهر النص المتقدم عن البحار عن إعلام الورى: أن أبا سفيان قد توضأ وصلى مع المسلمين.

ونقول:

إن ذلك لا مجال لقبوله، إن كان أبو سفيان على شركه إلى تلك اللحظة، كما ذكرته بعض الروايات، فإنه إنما أسلم بعدما بات عند العباس..

وإن أخذنا برواية البحار وإعلام الورى، وقلنا: بأنه قد أسلم ليلاً، ثم سلمه النبي «صلى الله عليه وآله» إلى العباس ليبيت عنده، فلما أصبح رأى أذان المسلمين وصلاتهم، فصلى معهم.. فلا غبار على الرواية التي نتحدث عنها من هذه الجهة..

إلا أن يقال: إنه قد بات ليلة أخرى غير الليلة التي أُخذ فيها، وكان قد أسلم نهاراً، وهو إنما توضأ وصلى في صبيحة الليلة الثانية، فلا يبقى إشكال في قولهم: إنه توضأ وصلى، حتى على القول الأول.

الدعاة الجدد إلى الإسلام:

وفي النصوص المتقدمة: أن النبي «صلى الله عليه وآله» بعث بديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام يدعوان الناس في مكة إلى الإسلام، بل فيها: أن أبا سفيان نفسه قد تبرع بذلك، لكنه كان على جهل تام بما يريد قوله، فطلب أن يعلموه ما يقول للناس في ذلك، فعلمه النبي «صلى الله عليه وآله» أن يطلب من الناس النطق بالشهادتين.

ونقول:

إن هؤلاء وهم رؤوس الشرك يمكن أن يساهموا في إطفاء نار الحرب، وحمل الناس على ترك القتال.. لأن ذلك يحفظ أرواح الناس، خصوصاً إذا كانوا من أهلهم، وعشيرتهم، أو من أحبائهم وأصدقائهم، أو من حلفائهم.

ويمكن أن يقدموا على ذلك من منطق الحفاظ على حرمة البيت والحرم، ولأجل حفظ ماء وجههم أمام الآخرين.. لا لأجل أن للحرم قداسة حقيقة في نفوسهم.

ولكننا لا يمكن أن نصدق: أن رؤوس الشرك يطلبون أن يكونوا دعاة للناس للدخول في هذا الدين، إلا على أساس أنه نفاق واستغلال، لا سيما وأنهم كانوا لا يزالون يحاربون هذا الدين للحظات خلت. بل إن أبا سفيان قد ماطل وسوَّف ولم يزل يقول لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: إن في النفس شيئاً من الشهادة له بالرسالة. فكيف يعقل أن يتحول في تلك اللحظة نفسها إلى داعية صادق لهذا الدين؟! ولو قيل: لعل الله هو الذي تصرف في قلبه!!

قلنا: لماذا تأخر هذا التصرف إلى الآن؟!

أبو سفيان يرصد كتائب الفتح:

ولما صلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالناس الغداة، قال للعباس: «خذه إلى رأس العقبة، فأقعده هناك ليراه الناس جنود الله ويراها».

فقال أبو سفيان: ما أعظم ملك ابن أخيك.

قال العباس: يا أبا سفيان هي نبوة.

قال: نعم([5]).

وزعموا أيضاً: أنه لما توجهوا ذاهبين قال العباس: يا رسول الله، إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه، فاردده حتى يفقه، ويرى جنود الله ـ تعالى ـ معك([6]).

وعن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن أبا سفيان لما ولى، قال أبو بكر: يا رسول الله، لو أمرت بأبي سفيان فحبس على الطريق؟([7]).

ونرى: أن الصحيح هو ما قاله ابن إسحاق ومحمد بن عمر: من أن أبا سفيان لما ذهب لينصرف، قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» للعباس: «احبسه بمضيق الوادي (حتى تمر عليه جنود الله)».

قال ابن عقبة، ومحمد بن عمر: فأدركه العباس فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدراً يا بني هاشم؟

فقال العباس: إن أهل النبوة لا يغدرون. زاد الواقدي قوله: ولكن لي إليك حاجة.

فقال أبو سفيان: فهلا بدأت بها أولاً؟

فقلت: إن لي إليك حاجة، فيكون أفرخ لروعي؟!

قال العباس: لم أكن أراك تذهب هذا المذهب.

وعبأ رسول الله «صلى الله عليه وآله» أصحابه الخ.. ([8]).

ولفظ ابن عقبة: إنا لسنا بغدر، ولكن أصبح حتى تنظر جنود الله، وإلى ما أعد الله للمشركين.

قال ابن عقبة: فحبسهم بالمضيق دون الأراك إلى مكة حتى أصبحوا([9]).

كتائب الإسلام إلى مكة:

قالوا: وأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» منادياً ينادي، لتصبح كل قبيلة قد أرحلت، ووقفت مع صاحبها عند رايته، وتظهر ما معها من الأداة والعدة.

فأصبح الناس على ظهر، وقدَّم بين يديه الكتائب.

قالوا: ومرت القبائل على قادتها. والكتائب على راياتها([10]).

قال محمد بن عمر: وكان أول من قدم رسول الله «صلى الله عليه وآله» خالد بن الوليد في بني سليم وهم ألف، ويقال: تسعمائة، ومعهم لواءان وراية، يحمل أحد اللواءين العباس بن مرداس، والآخر يحمله خفاف بن ندبة، ويحمل الراية الحجاج بن علاط ـ بعين مضمومة ـ (وعند المعتزلي: وراية يحملها المقداد)، فلما مروا بأبي سفيان، كبروا ثلاث تكبيرات، ثم مضوا، فقال أبو سفيان: يا عباس!! من هؤلاء؟

فقال: هذا خالد بن الوليد.

(وفي نص آخر قال أبو سفيان: هذا رسول الله؟ قال: لا، ولكن هذا خالد بن الوليد في المقدمة)([11]).

قال: الغلام؟

قال: نعم.

قال: ومن معه؟

قال: بنو سليم.

قال: ما لي وبني سليم!

ثم مر على أثره الزبير بن العوام في خمسمائة من المهاجرين وأفناء العرب([12])، ومعه راية سوداء.

فلما مروا بأبي سفيان كبروا ثلاثاً.

فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ وفي نص آخر: يا عباس! هذا محمد؟!

قال: هذا الزبير بن العوام.

قال: ابن أختك؟

قال: نعم.

ثم مرت بنو غفار في ثلاثمائة، يحمل رايتهم أبو ذر.

ويقال: إيماء بن رحضة، فلما حاذوه، كبروا ثلاثاً.

فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟

قال: بنو غفار.

قال: ما لي ولبني غفار؟

ثم مرت أسلم في أربعمائة، فيها لواءان، يحمل أحدهما بريدة بن الحصيب، والآخر ناجية بن الأعجم، فلما حاذوه كبروا ثلاثاً.

فقال: من هؤلاء؟

قال العباس: أسلم.

قال: ما لي ولأسلم؟ (ما كان بيننا وبينهم تِرَةٌ قط.

قال العباس: هم قوم مسلمون دخلوا في الإسلام).

ثم مرت بنو كعب بن عمرو في خمسمائة، يحمل رايتهم بسر بن سفيان فلما حاذوه، كبروا ثلاثاً.

فقال: من هؤلاء؟

قال العباس: بنو عمرو بن كعب بن عمرو، إخوة أسلم.

قال: نعم. هؤلاء حلفاء محمد.

ثم مرت مزينة في ألف. فيها ثلاثة ألوية، ومائة فرس. يحمل ألويتها النعمان بن مقرن، وعبد الله بن عمرو بن عوف، وبلال بن الحارث، فلما حاذوه كبروا ثلاثاً.

قال: من هؤلاء؟

قال العباس: مزينة.

قال: ما لي ولمزينة؟ قد جاءتني تقعقع من شواهقها([13]).

ثم مرت جهينة في ثمانمائة، فيها أربعة ألوية، يحملها أبو روعة معبد بن خالد، وسويد بن صخر، ورافع بن مكيث وعبد الله بن بدر، فلما حاذوه كبروا ثلاثاً.

فقال: من هؤلاء؟

قال: جهينة.

قال: ما لي ولجهينة؟

ثم مرت كنانة بنو ليث وضمرة، وسعد بن بكر في مائتين، يحمل لواءهم أبو واقد الليثي، فلما حاذوه كبروا ثلاثاً.

فقال: من هؤلاء؟

قال العباس: بنو بكر.

قال: نعم، أهل شؤم والله! هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم. (زاد في نص آخر قوله: أما والله ما شووِرت فيهم ولا علمته، ولقد كنت له كارهاً حيث بلغني، ولكنه أمر حتم).

قال العباس: قد خار الله ـ تعالى ـ لكم في غزو محمد «صلى الله عليه وآله» أتاكم أمنكم، ودخلتم في الإسلام كافة.

ثم مرت أشجع وهم آخر من مر، وهم ثلاثمائة معهم لواءان، يحمل أحدهما: معقل بن سنان، والآخر: نعيم بن مسعود. فلما حاذوه كبروا ثلاثاً.

قال أبو سفيان: من هؤلاء؟

قال العباس: هؤلاء أشجع.

قال أبو سفيان: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد.

قال العباس: وأدخل الله ـ تعالى ـ الإسلام في قلوبهم، فهذا فضل من الله.

ثم قال أبو سفيان: أبعدُ ما مضى محمد؟

فقال العباس: لا، لم يمض بعد، لو أتت الكتيبة التي فيها محمد رأيت فيها الحديد والخيل والرجال، وما ليس لأحد به طاقة.

قال: ومن له بهؤلاء طاقة؟

وجعل الناس يمرون، كل ذلك يقول أبو سفيان: ما مر محمد؟

فيقول العباس: لا، حتى طلعت كتيبة رسول الله «صلى الله عليه وآله» الخضراء التي فيها المهاجرون والأنصار ـ وسميت الخضراء لما فيها من الحديد، والعرب تطلق الخضرة على السواد والعكس ـ وطلع سواد شديد، وغبرة من سنابك الخيل، وجعل الناس يمرون، كل ذلك يقول: أما مر محمد؟

فيقول العباس: لا.

 وفي هذه الكتيبة: الرايات والألوية، مع كل بطن من بطون الأنصار لواء وراية، وهم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، ولعمر بن الخطاب  فيها زجل([14]) بصوت عال وهو يزعها([15]) ويقول: رويداً حتى يلحق أولكم آخركم.

وعند الواقدي: (فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل! من هذا المتكلم؟!

قال: عمر بن الخطاب.

فقال أبو سفيان: لقد أَمِرَ أَمْرُ بني عدي بعد ـ والله ـ قلة وذلة.

فقال العباس: يا أبا سفيان، إن الله يرفع من يشاء بما يشاء. وإن عمر ممن رفعه الإسلام، ويقال: كان في الكتيبة ألف دارع)([16]).

ويقال: ألفا دارع.

وأعطى رسول الله «صلى الله عليه وآله» رايته سعد بن عبادة، فهو أمام الكتيبة، فلما مر سعد براية رسول الله «صلى الله عليه وآله» نادى أبا سفيان فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحَل الحرمة، اليوم أذل الله قريشاً.

وفي نص آخر: اليوم تستحل الكعبة([17]).

قال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار([18]).

فمرت القبائل، وطلع رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو على ناقته القصواء. قال محمد بن عمر: ـ طلع ـ بين أبي بكر الصديق، وأسيد بن الحضير ـ وهو يحدثهما ـ فقال العباس: هذا رسول الله «صلى الله عليه وآله»([19]).

وفي الصحيح عن عروة: أن كتيبة الأنصار جاءت مع سعد بن عبادة، ومعه الراية: قال: ولم ير مثلها، ثم جاءت كتيبة هي أقل الكتائب، فيهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأصحابه، وراية رسول الله «صلى الله عليه وآله» مع الزبير.

قال في العيون: كذا وقع عند جميع الرواة.

ورواه الحميدي في كتابه: هي أجل الكتائب، وهو الأظهر انتهى([20]).

فقال أبو سفيان: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً.

قال العباس: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة.

قال: فنعم إذاً([21]).

عن العباس ـ رضي الله عنه ـ قال: لما بعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» قلت لأبي سفيان بن حرب: أسلم بنا.

قال: لا والله حتى أرى الخيل تطلع من كداء.

قال العباس: قلت ما هذا؟

قال: شيء طلع بقلبي، لأن الله لا يطلع خيلاً هناك أبداً.

قال العباس: فلما طلع رسول الله «صلى الله عليه وآله» من هناك ذكرت أبا سفيان به، فذكره([22]).

قالوا: فلما مر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بأبي سفيان، قال: يا رسول الله أمرت بقتل قومك؟! ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟!

قال: «ما قال»؟!

قال: كذا وكذا، وإني أنشدك الله في قومك، فأنت أبر الناس، وأوصل الناس، وأرحم الناس.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «كذب سعد يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم يوم يعظم الله فيه الكعبة، اليوم يوم تكسى فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً». وأرسل إلى سعد فعزله عن اللواء([23]).

وعند ابن إسحاق: أن سعداً لما قال ما قال، سمعه رجل من المهاجرين.

قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب.

فقال: يا رسول الله، أتسمع ما قال سعد؟ ما نأمن أن يكون له في قريش صولة([24]).

زاد الدياربكري قوله: فقال «صلى الله عليه وآله» لعلي بن أبي طالب «عليه السلام»: أدركه، وخذ الراية، وكن أنت الذي تدخل بها([25]).

واستبعد ذلك الحافظ من عمر هنا؛ لكونه كان معروفاً بشدة البأس عليهم([26]).

وعند محمد بن عمر: أن عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، قالا ذلك لرسول الله «صلى الله عليه وآله»([27]).

وقال ضرار بن الخطاب الفهري ـ فيما ذكره محمد بن عمر، وأبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ـ شعراً يستعطف رسول الله «صلى الله عليه وآله» على أهل مكة، حين سمع قول سعد، قال أبو الربيع: وهو من أجود شعر قاله.

وعن جابر: أن امرأة من قريش عارضت رسول الله «صلى الله عليه وآله» بهذا الشعر، فكأن ضراراً أرسل به المرأة ليكون أبلغ في انعطاف رسول الله «صلى الله عليه وآله» على قريش:

يـا نـبـي الهــدى إليــك لجـــــا           حي قـريــش ولات حـين لجـــاء

حـين ضاقـت عليهم سعــة الأر         ض وعـــــاداهم إلـــه الســـماء

والتقت حلقتا البطـان على القـو                م ونـودوا بالصيـلــم([28]) الصـلعـاء

إن سعـداً يـريـد قاصمـة الظهـ‍ـ          ـر بأهـل الحـجـون  والـبـطـحـاء

خـزرجـي لو يستـطيع من الغي‍ـ         ـظ رمـانــا بـالـنـسر  والـعـــواء

وغـر الصـدر([29]) لا يهـم بشــيءٍ               غـير سفـك الـدمـا وسبي النسـاء

قـد تلظى على البطـاح  وجاءت                 عـنـــه هـنـد بالســوءة  الســواء

إذ يـنـادي بـذل حـي قـريــش            وابـن حـرب بـذا مـن الـشــهداء

فـلـئـن أقـحـم الـلـواء ونادى             يـا حمــاة  الأدبـــار أهــل اللـواء

ثـم ثـابـت إلـيـه من بهـم الخـز          رج والأوس أنـجــم الهـيــــجاء

لتكـونـن بـالـبـطـاح قـريــش             فـقـعـة الـقــاع في أكــف الإمـاء

فـأنـهـيـنـه فـإنـه أســد الأس‍ـ             ـد لـدى الغـاب والـغ في الــدماء

إنـه مـطـرق يـريـد لـنـا الأمــ‍            ــر سكـوتـاً كـالحـيـة الـصـــماء

فأرسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى سعد، فنزع اللواء من يده، وجعله إلى ابنه قيس بن سعد، ورأى رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن اللواء لم يخرج من يد سعد، حتى صار إلى ابنه([30]).

وفي رواية: دخل ولد سعد بلوائه حتى غرزه بالحجون([31]).

وزعموا أيضاً: أن سعداً أبى أن يسلم اللواء إلا بأمارة من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأرسل النبي «صلى الله عليه وآله» بعمامته، فدفع اللواء إلى ابنه قيس.

ويقال: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أمر علياً «عليه السلام»، فأخذ الراية، فذهب بها إلى مكة حتى غرزها عند الركن([32]).

وروي: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أعطى الراية للزبير إذ نزعها من سعد([33]).

زاد الدياربكري قوله: وجعله مكان سعد على الأنصار مع المهاجرين.

وعن الزبير: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» دفعها إليه فدخل بلواءين([34]).

قال الحافظ: والذي يظهر في الجمع: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أرسل علياً لينزعها، وأن يدخل بها([35]).

ثم خشي تغير خاطر سعد، فأمر بدفعها لابنه قيس، ثم إن سعداً خشي أن يقع من ابنه شيء يكرهه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فسأل رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يأخذها، فحينئذ أخذها الزبير([36]).

ويؤيد ذلك: ما رواه البزار بسند على شرط البخاري عن أنس قال: كان قيس في مقدمة رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما قدم مكة، فكلم سعد النبي «صلى الله عليه وآله» أن يصرفه عن الموضع الذي هو فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك. انتهى([37]).

وفي نص آخر: أن أبا سفيان سعى إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» (وزاحم حتى مرَّ تحت الرماح)، وأخذ بغرزه([38])، فقبَّله، وقال: بأبي أنت وأمي، أما تسمع ما يقول سعد؟ إنه يقول:

الــــيوم يـــــوم المـلـحـمـــة             الـيـــوم تـســبــى الحـــرمــــة

فقال لعلي «عليه السلام»: أدركه، فخذ الراية منه، وكن أنت الذي يدخل بها، وادخلها إدخالاً رفيقاً.

فأخذها علي «عليه السلام»، وأدخلها كما أمر ([39]).

ونقول:

قد احتوت النصوص المتقدمة أموراً عديدة ينبغي الوقوف عندها. وقد آثرنا أن نقتصر هنا على بعض منها، وهي الأمور التالية:

العباس هو المشير أم أبو بكر؟!:

يلاحظ: أن بعض الروايات المتقدمة تذكر: أن العباس هو الذي اقترح أن يرى أبو سفيان عرض جنود الله تعالى.

لكن رواية أخرى تذكر: أن أبا بكر هو المشير بذلك.

غير أننا نعلم: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لم يكن بحاجة إلى رأي أحد..

فإذا كانا قد بادرا إلى اقتراح من هذا القبيل، فذلك يشير إلى نقص فيهما، لأنهما يخالفان بذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَهَ إِنَّ اللَهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}([40]).

والصحيح هو: أن هذا هو قرار رسول الله «صلى الله عليه وآله» ، و لم يحتج فيه إلى أحد.

وقد صرحت بعض الروايات: بأنه بمجرد أن أعلن أبو سفيان بالشهادتين أمر النبي «صلى الله عليه وآله» العباس بأن يأخذه إلى العقبة ليراه جنود الله عز وجل، ويراهم.

أهداف حضور العرض:

وقد صرح رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالهدف الذي كان يتوخاه من حضور أبي سفيان عرض جنود الله تعالى، وهو أمران:

أولهما: أن يراه الناس جنود الله، لتقوى بذلك عزائمهم، ويصح يقينهم بوعد الله تعالى لهم بالفتح والنصر، منذ الحديبية.

ثانيهما: أن يرى هو جنود الله، لتذل وتتطامن نفسه الأمَّارة بالسوء، التي تمنيه النصر، وتدعوه إلى محاربة الله ورسوله، وعباده المؤمنين، وليكبته الله تبارك وتعالى بذلك، ويشفي به صدور قوم مؤمنين طالما اضطهدهم، وألحق بهم أنواعاً من الأذايا والبلايا والرزايا.

أبو سفيان يصر على أن ما يراه (مُلْكٌ):

وحين يعبِّر أبو سفيان للعباس عن انبهاره بما يرى، تراه يقول: ما أعظم ملك ابن أخيك.

فهو يزعم للعباس: بأن ما يراه إنما هو من مظاهر السلطان والملك، ولا يريد ان يعترف للنبي «صلى الله عليه وآله» بالنبوة، لأنه قد يستطيع أن يصنع لنفسه ملكاً يضاهيه، أو أن يكيد لهذا الملك ويسقطه، أو يسلبه ممن هو له.

أما النبوة فهي شرف لا يمكن سلبه، ولا مجال للسعي للحصول عليه؛ لأن الإختيار فيه لا يعود إليه، ولا إلى أحد يمكن الوصول إليه، بل إلى الله تبارك وتعالى. وأبو سفيان لم يزل محارباً له سبحانه، منتهكاً لحرماته..

ولذلك تراه يصر على توصيف كل ما يراه بأنه (ملك)، متجاهلاً كل ما يراه من معجزات وكرامات لرسول الله «صلى الله عليه وآله».. لأنه يرى: أن ذلك من مصلحته، كما أن مصلحته ـ بزعمه الفاسد ـ هي بإنكار النبوة، أو التشكيك فيها على الأقل.

أغدراً يا بني هاشم؟!:

إن أبا سفيان لم يزل يصف النبي «صلى الله عليه وآله» بأفضل الصفات، وبأنه أبر الناس وأوصلهم، وأرحمهم، وبأنه الحليم الكريم، و.. و.. وقد عرفه الناس بأنه الوفي الذي لا يغدر، والواضح الذي لا يمكر، والطاهر الذي لا يفجر.

وقد رفض «صلى الله عليه وآله» بعد عهد الحديبية أن يستجيب لطلب أبي بصير بأن لا يسلمه لأهل مكة، وقال له: «لا يصح في ديننا الغدر»([41]).

وقد كان وفاؤه هذا معروفاً لدى المشركين. وقد شهد بذلك مكرز بن حفص الذي بعثته قريش مع جماعة، ليستعلموا منه «صلى الله عليه وآله» عن سبب مجيئه إلى مكة في عمرة القضاء، فقالوا له: «والله، ما عُرفتَ صغيراً ولا كبيراً بالغدر».

إلى أن تقول الرواية: فقال مكرز: «هو الذي تعرف به البر والوفاء»([42]).

ولكن أبا سفيان برغم هذا كله، بمجرد أن أشار إليه العباس بأن يقف لحاجة له معه، بادر لوصف جميع بني هاشم بالغدر.. مع أن طلب الوقوف ليس فيه ما يشير إلى غدر، ولا إلى سواه.

ولكن خوف أبي سفيان قد أعاده إلى غفلته، وأيقظ فيه سوء سريرته، فتعامل مع الأمور وفق طبعه هو، لا وفق ما يعلمه من النبي «صلى الله عليه وآله» ومن بني هاشم..

والذي دل على ذلك: أنه قد برر وستر بهذا الخوف ما صدر منه من اتهام بني هاشم بالغدر، فإنه حين قال له العباس: لي إليك حاجة.

قال له أبو سفيان: فهلا بدأت بها أولاً.

فقلت: إنّ لي إليك حاجة، فيكون أفرخ لروعي.

العدة والعدد:

وقد تقدم: أنه «صلى الله عليه وآله» أمر العباس بأن يوقف أبا سفيان على رأس العقبة ليراه عباد الله ويراهم.. ثم عبأ «صلى الله عليه وآله» أصحابه، وأمرهم بإظهار الأداة والعدة..

ولا يحتاج هذا الإجراء إلى بيان، فهو المنطق الذي يفهمه عبيد الدنيا، الذين يفهمون الأمور بمقاديرها، ويقومونها بأحجامها، وهيآتها المادية، لا بمضمونها ومعناها الواقعي.

كتائب أم قبائل:

وقد أمر النبي «صلى الله عليه وآله» منادياً ينادي: لتصبح كل قبيلة قد أرحلت، ووقفت مع صاحبها عند رايته. ثم صارت القبائل تمر على قادتها والقبائل على راياتها..

والسؤال هنا هو: عن السبب في هذه التبعية التي تعتمد على التصنيف العشائري مع أن الإسلام يرفض المنطق القبلي والعشائري.

ونقول في الجواب:

إن للعشائرية والقبائلية حالتين:

إحداهما: غير مضرة ولا مسيئة لأحد، وربما تكون محبوبةً ومرضيةً يتجاوز في محبوبيتها درجة الإستحباب لتصل إلى الوجوب.

ولتصبح بذلك منشأ للعقوبات والمثوبات الإلهية، لأن لها دوراً في بناء الحياة، وفي تصحيح مسارها.. مثل صلة الأرحام، وقضاء حوائجهم، وقد حَفِظَ الإسلام هذه الصلة والخصوصية، ورضيها.

ولكنه نزع منها أو فقل: غيَّر فيها نزعة العصبية وكرّسها في أن تكون عصبية للحق، وللدين، والسعي لرضا الله تعالى، والالتزام بأوامره في حفظ نفس هذه الصلة أيضاً.

الثانية: العصبية للعشيرة، وللنسب، والإندفاع في تلبية طموحات ذلك المتعصب، وأهوائه إلى حد الظلم والعدوان على الآخرين، لمجرد الإستجابة للداعي النسبي، أو العشائري. وهذا مرفوض ومدان في الإسلام.

ومن الواضح: أن ترتيب الكتائب وفق التصنيف العشائري هو من الصنف الأول أي أنه لا يوجب ضرراً، بل هو مفيد وسديد، ويوجب تنافساً في السعي إلى تحقيق رضا الله تبارك وتعالى فيما ندبهم إليه.. وهو يدفع أيضاً إلى التناصر في ساحات الجهاد، ويقلل من حجم الخسائر بين أهل الإيمان.

بل لقد كان لهذا التنظيم فائدة أخرى هامة جداً، وخصوصاً في فتح مكة.. حيث رأى أبو سفيان: كيف أن مختلف قبائل العرب، التي طالما علّق آماله على نصرها، تنضوي تحت لواء الإسلام، وتأتي لفتح بلد كان يعتبره آخر ما يمكن أن يفكر أحد بجمع الجيوش لدخوله..

ولذلك كان أبو سفيان كلما مرت به قبيلة من تلك القبائل، على هيئتها وبعدتها القتالية، يعرب عن حيرته في دوافع تلك القبيلة إلى أن تكون في موقع المحارب له، ثم أن تبلغ في عدائها له وللمشركين إلى هذا الحد، وهو أن تدخل مكة، فيقول: ما لي ولقبيلة كذا.. ثم يكرر هذا القول بالنسبة للقبيلة التي تليها.. وهكذا.

وقد يقول عن بعض القبائل: «ما كان بيننا وبينها ترة قط».

وقال عن بعضها: «جاءتني تقعقع من شواهقها».

بل هو حين مر به بنو بكر قال: أهل شؤم والله، هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم.

ولعل أكثر ما آلم قلبه هو: أنه قد مرت به قبائل كانت من أشد الناس عداوة لمحمد «صلى الله عليه وآله».. فما الذي قلب الأمور، وكيف تغيرت الأحوال؟!

من هؤلاء:

ولكن يبقى لنا سؤال عن طبيعة أسئلة أبي سفيان للعباس عن الأشخاص وعن القبائل.. فقد كانت معرفة أبي سفيان تضاهي معرفة العباس بهم وبها، فقد كانا يعرفان خالداً وعمر بن الخطاب، و.. و.. الخ.. ويعرفان سليماً وبني بكر، وبني أشجع الخ..

فهل كانت أسئلة تقديرية، أم أنه كان متجاهلاً في أسئلته لا جاهلاً، ليظهر للعباس أنه قد فوجئ بالأمر؟! أم أن هناك بعض الأسباب الأخرى التي لم تخطر على بالنا؟!

كل ذلك نجعله في بقية الأماكن ولكن النتيجة واحدة على كل حال، وهي فتح الله تعالى لنبيه «صلى الله عليه وآله»، ونصره على أهل الشرك والضلال.

خالد.. غلام!!:

وقد ورد في الروايات المتقدمة: أن أبا سفيان وصف خالد بن الوليد بالغلام حين رآه يقود كتيبته وهو يدخل مكة([43]).

ولا ندري ما المبرر لإطلاق هذا الوصف عليه، فقد كان عمره عالياً، وقد يكون من أتراب أبي سفيان نفسه، إن لم يكن أسن منه.

وهل يصح أن يوصف بـ «الغلام» من يزعمون: أنه كان أحد أشراف قريش في الجاهلية([44])، وإليه كانت القبة التي كانوا يضربونها، ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش؟([45]).

وإليه ـ حسب زعمهم أيضاً ـ كانت أعنة خيل قريش في الجاهلية([46]).

إلا إذا كان يقصد بـ «الغلام» الشيخ، على اعتبار أن هذه الكلمة من الأضداد التي تطلق على الفتى الطار الشارب والكهل([47]).

ولكن قد يقال: إنه تأويل غير مقبول؛ لأن أبا سفيان لما سمع باسم خالد قال مستفهماً: «الغلام؟ قال: نعم».

فقد يفيد هذا السياق: أن هذه الكلمة مما عرف إطلاقها على خالد.. فكأنها كانت من ألقابه لمناسبة اقتضت ذلك.

اللواء والراية:

قدمنا بعض الحديث عن اللواء والراية، واتحادها أو عدمه، في أوائل غزوة أحد، وربما في مواضع أخرى أيضاً..

وسياق الحديث في بعض النصوص المتقدمة يشير إلى اختلافهما أيضاً. ويظهر من بعضها خلاف ذلك.

فهو يجمع بين الألوية والرايات، فيقول عن بني سليم: كان معهم لواءان وراية.

وأضاف المعتزلي راية أخرى أيضاً.

ولكنه تحدث عن خصوص الألوية في مواضع أخرى، فقد قال عن بني مزينة: إن لهم ثلاثة ألوية.

وعن جهينة: إن فيهم أربعة ألوية.

وعن أشجع: كان فيهم لواءان.

وعن بني سليم: كان معهما لواءان، ولم يذكر رايات.

وذكر لبعض الفئات: راية أو أكثر، ولم يذكر لها لواء مثل المهاجرين، وأفناء العرب، وكذلك الحال بالنسبة لقبيلة غفار.

وكل ذلك يزيد في إبهام الأمر بالنسبة للاصطلاح الذي جرى عليه الرواة هنا.

ولعل ذلك يعزز ما قلناه من عدم الفرق بين اللواء والراية، وإن كان بعض الرواة قد يستنسب خصوصية في مورد، فيبادر إلى التفريق بينهما في تعابيره لأجلها، وإن لم يكن لها مدخلية حقيقية في أصل المعنى.

الرايات السود:

وقد ذكر فيما تقدم: أن راية المهاجرين وأفناء العرب كانت سوداء..

وقالوا أيضاً: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد عقد يوم حنين ويوم الفتح راية سوداء([48]).

وسيأتي أيضاً عن أبي هريرة: أنه «صلى الله عليه وآله» دخل مكة يومئذٍ «وعليه عمامة سوداء، ورايته سوداء ولواؤه أسود»([49]).

ونقول:

إننا لم نجد مبرراً لعقد رسول الله «صلى الله عليه وآله» راية لعمه، خصوصاً بملاحظة الرواية الصحيحة التي صرحت: بأن العباس كان من الطلقاء..

ولو أغمضنا النظر عنها؛ فإن عقد راية له معناه: أن يطبل العباسيون ويزمروا لها ما شاؤوا.

ولكانت قد حفلت كتب التاريخ بذكرها تبركاً، أو تزلفاً لهم!! ولم نجد لذلك أثراً، لا في تبجحات العباسيين، ولا في تزلفات المتزلفين.

وبالمناسبة نقول:

قد يظهر من الكميت: أن الراية التي كان المسلمون يرفعونها في حروبهم ضد الكفار كانت سوداء، فهو يقول:

وإلا فـارفـعـوا الرايات ســوداً           على أهل الضـلالــة  والـتـعــدي

وقد كانت راية علي «عليه السلام» في صفين سوداء أيضاً([50])، وقد خاطب صلوات الله وسلامه عليه حضين بن المنذر بقوله:

لمـن رايــة سـوداء يخـفـق ظلها               إذا قيـل: قـدمهـا حضين تقدمـا([51])

لقد عزَّ عمر بعد قلة وذلة:

وقد تكلمنا فيما سبق عن مقام وموقع عمر في الجاهلية وفي الإسلام، وليس لنا أن نعيد ما ذكرناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب، في فصل «حتى الشعب»، تحت فقرة بعنوان: «هل عز الإسلام بعمر حقاً»؟!

وقد أظهرت النصوص الصريحة: أن عمر بن الخطاب لم يكن من بيوت العز والشرف والسؤدد، بل كان في قلة وذلة، وكان هو في نفسه عسيفاً، أي تابعاً مستهاناً به.

ولكن بالإسلام ينال الناس الشرف والعزة، إلا إذا تخلفوا عن الإلتزام بمناهجه، وعن العمل بتعاليمه.. فلا بد من ملاحظة سيرة حياتهم، وتقييمهم على هذا الأساس.

أبو سفيان يصر على موقفه:

وقد ذكرنا في فصول متقدمة: كيف تعامل أبو سفيان مع ما جرى على خزاعة، حين قتلت بنو بكر وقريش طائفة من نسائها وصبيانها، وضعفاء الرجال فيها، ونقضوا بذلك عهدهم مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

وكان رأيه جحد هذا الأمر، وإنكاره.. وسافر من مكة إلى المدينة لكي يوهم المسلمين ببراءة قريش من هذا الأمر، وحصر الأمر فيه بآحاد من بني بكر.

وها هو يعود ليزعم: أنه كان لما جرى على خزاعة كارهاً..

وليت شعري إذا كان له كارهاً، حيث بلغه، فلماذا سعى في طل دماء أولئك المقتولين ظلماً، وجحد أن يكون لقريش أي أثر فيه، وسافر إلى المدينة لإيهام المسلمين بهذا الأمر؟!

ولكنه أمر حُتِمَ:

واللافت: أن أبا سفيان يعود هنا فيلقي بالمسؤولية على القدر، ويتحاشى أن ينسب إلى أولئك المجرمين القتلة أية مسؤولية عن قتل أولئك الأبرياء، فهو يقول: «ولكنه أمر حتم».

ونقول له:

إنه أمر صنعته إرادات وأيدي زعماء قريش، وزعماء بني بكر، ولم يرحموا فيه صغيراً ولا كبيراً، ولم يجبرهم عليه أحد.

فهو لم يكن محتوماً لولا ركوبهم لخيول الهوى والعصبية، وطاعتهم للشيطان.

هذا.. وقد عوَّدنا الأقوياء حين يضعفون ويعجزون، وكذلك الذين يستشعرون بعض القوة، ثم يظهر لهم ما هم فيه من الوهن والفشل ـ عودونا ـ أن يبرروا ذلك بالإحالة على القدر، أو على الجبر التكويني الإلهي، لتغطية ذلك العجز والوهن، والتستر على ما هم فيه من فشل وخيبة..

وقد كانت عقيدة الجبرية في المشركين، وورثها الناس عنهم، وربما يكون لأهل الكتاب أيضاً دور في ترسيخها فيهم.

قال تعالى عن المشركين: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم..}([52]).

بل إن اليهود قد جعلوا الله تعالى محكوماً بقدره، ومقهوراً ومجبراً فيما يفعل، فقد قال سبحانه عنهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ..}([53]).

وقد استخدم الحكام وأهل الأطماع هذه العقيدة لخدمة مصالحهم، وتسيير أمورهم، وحل مشاكلهم، والخروج من بعض المآزق التي أوقعوا أنفسهم فيها.

وبرروا بها إقدامهم على كثير من الأمور غير المشروعة أيضاً.

ثم وُضِعَتْ الأحاديث الكثيرة على لسان رسول الله «صلى الله عليه وآله» لتأييد هذه العقيدة ونشرها..

من أجل هذا وذاك ظهرت هذه العقيدة في مفردات كثيرة من مواقف وكلمات وتصرفات الخلفاء والحكام، والشخصيات المعروفة ـ باستثناء علي وأهل بيته «عليهم السلام» ـ فراجع ما ينقل من ذلك عن عمر، وأبي بكر ، وعائشة، وخالد بن الوليد، ومعاوية، وعمر بن سعد، والمنصور و.. و.. الخ..

وبها بررت عائشة حرب الجمل التي خاضتها ضد أمير المؤمنين «عليه السلام»([54]).

وبها برر عمر بن الخطاب بعض أعماله حتى حين مزق كتاباً سجل فيه حكماً في مسألة إرثية..

وبها برر عثمان تمسكه بالحكم إلى أن قتل.

وبها احتج معاوية لعهده بالخلافة بعده ليزيد الخمور والفجور.

وبها برر عمر بن سعد قتله للإمام الحسين «عليه السلام».

وبها استدل خالد بن الوليد لقتل مالك بن نويرة، ومن معه من المسلمين.

وبها برر معاوية والمنصور العباسي منع الناس من حقوقهم في بيت مال المسلمين.

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه([55]).

هذا.. وقد تصدى أمير المؤمنين وأهل البيت «عليهم السلام» وكذلك شيعتهم «رضوان الله عليهم» لهذه العقيدة الفاسدة، بكل ما أمكنهم.. كما تصدوا لكل فاسدٍ وافد، وبينوا زيفه بالأدلة وبالشواهد..

بنو بكر أهل شؤم:

وقد قال أبو سفيان عن بني بكر، حين مروا به: «نعم، أهل شؤم والله! هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم».

ونقول:

إنه كلام غير سليم، وهو يستبطن نوعاً من التدليس للحقيقة، والمغالطة فيها، فلاحظ ما يلي:

أولاً: إن بني بكر لم يكونوا وحدهم حين قتلوا الأطفال، والنساء، والضعفاء من رجال خزاعة، بل كان معهم من قريش جماعة فيهم زعماء، وكبار، ولم يكن بنو بكر ليجبروهم على اتخاذ موقفهم، بل اتخذوه بملء اختيارهم.

فما معنى: أن يعتبرهم شؤماً، فضلاً عن أن يجعلهم سبب غزو محمد «صلى الله عليه وآله» لقريش؟!

ثانياً: لو صح قول أبي سفيان هذا، فقد كان بإمكانه أن يتلافى ما حصل، بالعمل على القصاص من المجرمين، أو على الأقل أن يعطي أولئك القتلة الظالمون خزاعة دية قتلاها..

ثالثاً: لماذا ساهم هو في التستر على مرتكبي الجريمة، وفي السعي لخداع المسلمين، وإعطائهم انطباعاً خاطئاً عن حقيقة ما جرى؟!

موقف النبي من كلام سعد:

وعن قول سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشاً، نقول:

إنه مرفوض جملة وتفصيلاً، بعد أن صدرت الأوامر الصارمة من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وظهرت رغبته الأكيدة بحفظ حرمة بيت الله، وحرمه.

وهذا ينم عن جهل، أو عن عصبية جاهلية اعترت سعداً في ذلك الموقف.. إلا إذا كان يريد أن يخيف أبا سفيان، أو أنه أطلق كلماته تلك انسياقاً مع مشاعره الجياشة، وانسجاماً مع عواطفه الثائرة، بعد كل ما رآه من بغي وطغيان، وظلم مارسته قريش ضد الإسلام وأهله طيلة أكثر من عشرين سنة.

وفي جميع الأحوال نقول:

إن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يريد حفظ حرم الله والتأكيد على كرامة بيته، لأن في ذلك حفظ الإسلام.. حتى لو أدى ذلك إلى أن يتمكن بعض الظلمة من أن يفلتوا من العقوبة التي يستحقونها في هذه الدنيا، ولم يكن يريد حفظ أقاربه وقومه، بما هم قوم وأقارب، فقد أثبتت الأيام: أنه «صلى الله عليه وآله» لا يفكر بهذه الطريقة، ولا ينطلق في مواقفه من مثل هذه المفاهيم والمعاني.

كما أنه يريد: أن يفسح المجال للناس الذين استضعفهم أولئك المستكبرون، ليمارسوا حريتهم في الاختيار وفي الممارسة، وأن يمنع حدوث أي شيء يؤسس لأحقاد، أو لطلب ثارات، قد تتسبب في تفجير أوضاع خطيرة على مستقبل الدين وأهله..

وقد نسبت بعض الروايات إلى النبي «صلى الله عليه وآله» قوله: «كذب سعد». وهي كلمة قوية وحادة، إن كان يريد أن سعداً تعمد أن يكذب.

وإن كان يريد أنه لم يصب الواقع، لاشتباه الأمر عليه، فظن أن يوم المرحمة هو يوم الملحمة، فليس في هذه الكلمة إهانة لسعد، بل هو يريد تخطئته وحسب.

يوم المرحمة ويوم عزَّ قريش:

ولا شك في أن الرحمة الإلهية قد شملت أهل مكة بهذا الفتح الذي فرض عليهم الإسلام، وأدى إلى هيمنة أحكامه وشرائعه، التي هي محض الحق والعدل، وبها يكون لهم بلوغ درجات الكرامة والفضل.

إنه يوم رفع الظلم، والجبرية، ويوم إعلان الحرب على الفساد والمفسدين، وإبطال حكومة الأهواء والنزوات، وإسقاط هيمنة العصبيات والشهوات.

وهو أيضاً: يوم تعظيم الكعبة وكسوتها.. بعد أن خرجت من يد المشركين بربهم، الذين هتكوا حرمة حرم الله بذبح أطفال، ونساء، وضعفاء رجال خزاعة فيه.. وتجرؤوا على الله بعبادة الأصنام في بيته والدعوة إلى الشرك به تعالى فيه..

وهو يوم عزّ قريش التي أعلنت براءتها من الشرك، والتزامها بالإيمان بالله، وبأنبيائه ورسله، وقبول دينه، فمنحها ذلك حصانة، وعزة، حتى لو كان إيمانها لا يزال في مراحله الأولى، الذي يقتصر على مجرد الإعلان اللساني، ولم يلامس بعد شغاف القلوب، ولم يتمازج مع الأرواح، ولا طبعت به النفوس.

أخذ الراية من سعد:

ولم يكن أخذ الراية من سعد يهدف إلى إهانته، أو المسّ بمقامه. ولذلك أخذت منه لكي تعطى لمن هو أولى بها منه ومن كل أحد، ألا وهو علي بن أبي طالب «عليه السلام»، ليُدْخِلَها إلى مكة إدخالاً رفيقاً، بعيداً عن أجواء الإثارة والتحدي، والرهج([56])، والحركات المؤذية للناس..

ويعيدها إلى قيس بن سعد بن عبادة، ليركزها عند الحجون، لأن إعطاء الراية للولد يرضي الوالد، ويحفظ ماء وجهه، ويطمئنه إلى أن المقصود ليس هو الطعن بمقامه، وإنما تهدئة الأمور، وتبريد الأجواء.

وبذلك نستطيع أن ندرك: أن الروايات التي ذكرت أخذ الراية من سعد، لتعطى لعلي «عليه السلام»، أو لقيس بن سعد ليست متنافرة.

كما أنها لا تتضمن إهانة أو حطاً من مقام سعد. وإن كان محبو أبي بكر وعمر قد يرضيهم إعطاؤها هذا الطابع، لأن سعداً لا يحظى بالإحترام، والتقدير لديهم، ولا يتمتع بالحصانة التي تمنع من نسبة ذلك إليه، لأنه بنظرهم يستحق كل مهانة، لأنه نافس أبا بكر على الخلافة في يوم السقيفة، في حديث معروف ومشهور..

ومما يدل على أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يقصد ذلك: ما تقدم من أنه «صلى الله عليه وآله» نزع اللواء من يده، وجعله إلى ابنه قيس. وقد قالوا: ورأى رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن اللواء لم يخرج من يد سعد، حتى صار إلى ابنه.

سعد لم يكن ينوي البطش بأهل مكة:

ومما يؤكد: على أن سعداً لم يكن ينوي البطش بأهل مكة، وإنما قال ما قال على سبيل التهديد والتخويف لأبي سفيان.. أو لأنه فهم أن الأمور ستؤول إلى ذلك، ما رووه: من أنه بعد أن صار اللواء إلى ولده خاف أن يقدم ولده على شيء من العنف، فطلب من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يأخذ اللواء حتى من ولده([57]).

وأما احتمال أن يكون قد طلب من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يأخذ اللواء من ولده قيس بسبب انزعاجه من عزله وتولية ولده، فهو احتمال رديء يؤدي إلى إتهام سعد في دينه، من حيث إنه يتضمن اعتراضاً منه على النبي «صلى الله عليه وآله».

وأما القول: بأن لا شيء يدل على أن سعداً قد خاف على ولده من أن يرتكب مخالفة فيبادر إلى الطلب من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يأخذ منه الراية أيضاً.

فيقال في جوابه: إنه يمكن أن يكون راوي الحديث قد رأى قرائن ودلالات، أعطته الانطباع بأن سعداًيضاً يريد حفظ ولده من أن يقع في خلاف ما يريده رسول الله «صلى الله عليه وآله».

علي × صاحب اللواء:

ولسنا بحاجة إلى إعادة التذكير بأن علياً «عليه السلام» كان صاحب لواء رسول الله «صلى الله عليه وآله» في كل مشهد، وفي يوم فتح مكة أيضاً. وقد تقدم ذلك في أوائل غزوة أُحد.

وقد صرحت النصوص هنا: بأن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أضاف إلى علي لواء سعد بن عبادة أيضاً.

غير أن ثمة من يدَّعي: أن النبي «صلى الله عليه وآله» أعطى راية سعد للزبير، وزعموا: أن الزبير دخل مكة بلواءين.

وهي رواية الزبيريين لصالح سيدهم وكبيرهم، بل يظهر من ملاحظة بعض الروايات: أن الزبير قد روى ذلك أيضاً لنفسه، في محاولة منه لجر النار إلى قرصه..

غير أننا نقول:

لنفترض: أن لهذا الكلام نصيباً من الصحة، فلعل أمير المؤمنين «عليه السلام» بعد أن أدخل الراية إلى مكة إدخالاً رفيقاً، إمتثالاً لأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» ـ لعله ـ أعطاها بعد ذلك للزبير، مكتفياً هو بحمل لواء الجيش كله، حسبما ألمحنا إليه..

فإنهم يقولون: إن النبي «صلى الله عليه وآله» أمر علياً، فأخذ الراية، فذهب بها إلى مكة حتى غرزها عند الركن([58]). فلعله جعلها مع الزبير مدة يسيرة بعد ذلك إلى أن جاء قيس بن سعد، فأخذها من الزبير وأوصلها إلى الحجون.

عمر بن الخطاب يتعاطف مع قريش:

واللافت هنا: أن عمر بن الخطاب الذي أظهر حرصه على قتل أبي سفيان قبل قليل، ولم يزل يظهر الشدة على المشركين، ويطالب بسفك دمهم، هو الذي سمع سعداً يقول: اليوم يوم الملحمة الخ.. فجاء إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقال له: «يا رسول الله، اسمع ما قال سعد!! ما نأمن أن يكون له في قريش صولة»([59]).

ثم تابعه على ذلك عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان([60]).

ثم دس ضرار بن الخطاب بشعره المتقدم مع امرأة لتنشده النبي «صلى الله عليه وآله»، وهو يستعطفه فيه أيضاً على أهل مكة، بعد أن سمع هو الآخر مقالة سعد بن عبادة.

فما هذا الحرص من خصوص هؤلاء على سلامة قريش من صولات سعد؟!

ولماذا يكون عمر شديداً هناك، في حين كان واضحاً لكل أحد أن المصلحة هي في عدم التعرض لأحد من أولئك الناس، وأن الأمر فيهم لرسول الله «صلى الله عليه وآله» دون سواه، ثم يكون حريصاً على سلامة قريش هنا، حيث لا يوجد ما يمنع سعداً من أن تكون له في قريش صولة إلا تدخُّل النبي «صلى الله عليه وآله» معه لمنعه من ذلك.. مع توفر الدواعي للبطش بقريش، وكسر عنفوانها، ومجازاتها على بعض ما صدر منها من ظلم، وما ارتكبته من جرائم في حق سائر أهل الإيمان في المنطقة بأسرها.

وأما استبعاد البعض: أن يكون عمر قد فعل ذلك، لكونه كان معروفاً بشدة البأس عليهم([61])، فقد تقدم في غزوة أُحد ما يفيد في بيان عدم صحة هذا الكلام، حيث قلنا: إن هناك ما يشير إلى وجود عطف متبادل فيما بين المشركين وبين عمر.

وأما المواقف التي كان يظهر فيها عمر شدته عليهم، فإنما هي في المواقع التي كان يعلم أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد اتخذ قراراً بعدم التعرض لهم. ولأجل ذلك لم نجده «صلى الله عليه وآله» أذن له ولو مرة واحدة بإلحاق الأذى بأي فرد منهم، رغم كثرة طلبه ذلك منه «صلى الله عليه وآله».

أبو سفيان يُقَبِّل غرز رسول الله :

وقد أشرنا أكثر من مرة إلى مشروعية التقبيل للأنبياء والأولياء وآثارهم، وقد ذُكر في الروايات الكثير من الشواهد والدلالات على ذلك، والروايات المتقدمة أظهرت سعي أبي سفيان، ومزاحمته للناس حتى مر تحت الرماح، ووصل إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، وأخذ بغرزه فقبله..

ولم يمنعه رسول الله «صلى الله عليه وآله» من ذلك، ولا أشار إلى أي تحفظ على هذا التقبيل، فيدخل تحت قاعدة مشروعية فعل ما سكت المعصوم عن الاعتراض على فاعله..

ومن جهة أخرى، فإن أبا سفيان الذي لم يزل يجد في داخله إرهاصات الانتقام من النبي «صلى الله عليه وآله» والمسلمين استكباراً منه، وظلماً وعتواً قد أصبح في موقع المستجدي لعطفهم، والمتملق لهم، والمُقَبِّل لغرز النبي «صلى الله عليه وآله»، والمعلن بالمدح والثناء عليه، فهو يقول له: أنت أبر الناس، وأوصل الناس، وأرحم الناس.

فهل يعتبر هذا الرجل، ويكف عن التآمر، والكيد، وبث الفتن والأحقاد؟!

تأثير المرأة على رسول الله !!:

وقد تقدم في بعض الروايات: أن ضرار بن الخطاب الفهري حين سمع مقالة سعد أرسل أبياتاً مع امرأة من قريش، فعارضت رسول الله «صلى الله عليه وآله» بها، «فكأن ضراراً أرسل به المرأة ليكون أبلغ في انعطاف رسول الله «صلى الله عليه وآله» على قريش».

ونقول:

إن هذا تفكير تافه وسخيف، يتناسب مع ذهنية المشركين الذين لا يعرفون معنى النبوة، ولا يعيشون آفاقها.

فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإن كان إنساناً كامل المزايا الإنسانية ومنها العاطفة الجياشة، ولكن عاطفته هذه تبقى خاضعة لعقله، ومحكومة بالشرع والدين، وبرضا الله تبارك وتعالى..

فإذا كان هذا العطف متوافقاً مع الباطل، ويسخط الله، فإنه يتحول إلى غضب حازم، وقرار جازم لا يحابي، ولا يجامل، ولا تخالطه عاطفة، ولا عصبيات باطلة.

وإن كان متوافقاً مع الحق، ومع رضا الله، فرضاه تعالى هو الذي يحرك النبي «صلى الله عليه وآله»، والحق هو الذي يهيمن على تلك الحركة.

إيحاءات لا تجدي شيئاً:

وقد ذكرت بعض الروايات المتقدمة: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد دخل مكة وهو بين أبي بكر (الصديق) وأسيد بن حضير، وهو يحدثهما..

فقال العباس لأبي سفيان: هذا رسول الله!!

ونقول:

إن مجرد أن يمشي النبي «صلى الله عليه وآله» بين هذا وذاك لا يدل على فضيلة لأيٍ منهما.

إلا إذا ثبت: أنه «صلى الله عليه وآله» هو الذي طلب منهما أن يكونا معه وإلى جانبه.

وثبت أيضاً: أنه أراد تكريمهما بذلك..

ولم يثبت أي من هذين الأمرين.. لكننا نعرف أن من المألوف أن يسعى الناس أنفسهم للتقرب من العظماء، فكيف لا يتقربون من الأنبياء؟ ولا سيما في مثل هذا الفتح العظيم.

بل إن التحدث عن أن هذا الأمر يشير إلى خصوصية امتاز بها أبو بكر وأسيد بن حضير على من سواهما يوجب الريب فيما يدَّعيه أتباع ومحبو نفس هؤلاء، من تقدم لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وسواهما على أسيد بن حضير، فكيف اختص أسيد بهذه الفضيلة دون هؤلاء، بما فيهم عمر بن الخطاب؟!

وأما قولهم: إن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يحدث أبا بكر، وأسيد بن حضير.. فإن كان على تقدير أن يكون أحدهما قد سأل النبي «صلى الله عليه وآله» عن أمر مّا، فكان النبي «صلى الله عليه وآله» يجيبه عنه، فهو مقبول..

وأما إن كان يراد تعظيم أبي بكر وأسيد، ولو بقيمة تصغير شأن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقد خاب من اعتدى وافترى على مقام النبوة الأقدس.

على أن من الجائز أن يكونا قد حشرا نفسيهما في هذا الموقع، وبادرا إلى طرح بعض الأسئلة لكي يرى الناس أن لهما من رسول الله «صلى الله عليه وآله» موقعاً خاصاً.

أسلم بنا:

وعن قول العباس لأبي سفيان، حين بُعث النبي «صلى الله عليه وآله»: أسلم بنا، نقول:

إنه لمن الغريب حقاً: أن يكون ابن عبد المطلب سيد الحجاز، وشيخ بني عبد مناف يعيش هذه التبعية الذليلة والمهينة أمام أبي سفيان، حتى إنه يعتبر إسلام أبي سفيان أساساً لإسلامه، وإسلام من هم على شاكلته من الناس.. فأبو سفيان هو المتصرف بهم، حتى في قضايا الإيمان والإسلام.

ويا ليت العباس كان قد تستر على هذا الضعف المهين، أو أخفى طرفاً من هذه التبعية المشينة، فإن إظهارها بهذه الطريقة، وكأنها من الأمور العادية والمسلمة، حيث يقول: أسلم بنا!! فذلك يؤلم روح الإنسان الحر، ويؤذي مشاعره، لأنه يعتبر ذلك إهانة للإنسانية واستخفافاً بالضمير، وتحقيراً للعقل.

وعلى كل حال، فإن العباس بقي على تبعيّته لأبي سفيان طيلة عشرين سنة، بل إنه حتى حين لم يعد له مناص هو وأبو سفيان من إعلان الإسلام لم يضعف اهتمامه بحفظ أبي سفيان، ولم يفتر عن السعي في مصالحه، وما يرضيه.. ولم نجده متحمساً لحفظ أهل الإيمان، حتى لابن أخيه علي «عليه السلام» حين اعتدى عليه المعتدون بعد وفاة النبي «صلى الله عليه وآله»، بمقدار عشر حماسته لأبي سفيان في يوم الفتح.. وذلك ظاهر لا يخفى.

 

الفصل الثاني:

دخول مكة

 

أدوار مخترعة للعباس &:

هذا.. وقد رووا: عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وعن عروة: أن العباس قال: يا رسول الله!! لو أذنت لي فأتيتهم ـ أي أهل مكة ـ فدعوتهم فأمنتهم ، فركب العباس بغلة رسول الله «صلى الله عليه وآله» الشهباء، وانطلق.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «ردوا عليّ أبي، ردوا عليّ أبي، فإن عم الرجل صنو أبيه. إني أخاف أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود، دعاهم إلى الله ـ تعالى ـ فقتلوه، أما والله لئن ركبوها منه لأضرمنها عليهم ناراً».

فكره العباس الرجوع، وقال: يا رسول الله، إن تُرْجِع أبا سفيان راغباً في قلة الناس، فيكفر بعد إسلامه.

فقال: «احبسه» فحبسه.

فذكر عرض القبائل ومرورها بأبي سفيان، وفيه: فقال أبو سفيان: امض يا عباس.

فانطلق العباس حتى دخل مكة، فقال: يا أهل مكة!! أسلموا تسلموا قد استبطنتم بأشهب بازل([62]).

وفي حديث عروة: وكفهم الله عز وجل ـ عن العباس ـ انتهى.

قال: ثم إن النبي  «صلى الله عليه وآله» قال لأبي سفيان: تقدم إلى مكة فأعلمهم الأمان([63]).

قال العباس: فقلت لأبي سفيان بن حرب: أنج ويحك، فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فخرج أبو سفيان، فتقدم الناس كلهم حتى دخل مكة من كداء، فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، أسلموا تسلموا، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

قالوا: قاتلك الله! وما تغني دارك؟!

قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.

فقامت إليه هند بنت عتبة زوجته، فأخذت بشاربه، وقالت: أقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قُبِّح من طليعة قوم.

فقال أبو سفيان: ويلكم! لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به([64]).

وفي نص آخر: أن أبا سفيان أقبل يركض حتى دخل مكة وقد سطع الغبار من فوق الجبال([65])، ثم صاح: يا آل غالب، البيوت البيوت. من دخل داري فهو آمن، فعرفت هند فأخذت تطردهم..

إلى أن قالت الرواية: أن أبا سفيان قال لها: ويلك إني رأيت ذات القرون، ورأيت فارس أبناء الكرام، ورأيت ملوك كندة وفتيان حمير، يسلمن (يسلمون) آخر النهار، ويلك اسكتي، فقد والله جاء الحق، ودنت البلية([66]).

ونقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات، نذكرها فيما يلي:

خوف النبي على العباس:

وبالنسبة لما ذكر من خوف النبي «صلى الله عليه وآله» على عمه العباس، وطلبه أن يردوه عليه، نقول:

إننا نكاد نطمئن إلى أنها رواية مفتعلة في معظمها ، فلاحظ ما يلي:

1 ـ كيف يرضى رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يذهب العباس إلى أهل مكة، ويأذن له بأن يركب بغلته.. إذ لم يكن ليركب العباس بغلة رسول الله «صلى الله عليه وآله» من دون إذنه.. ثم يغير قراره مباشرة، ويطلب من الناس إرجاع العباس.

فإن لم يكن ملتفتاً في بادئ الأمر إلى أن أهل مكة قد يؤذون عمه، وقد يجري له معهم كما جرى لعروة بن مسعود حيث قتلته ثقيف حينما دعاهم إلى الله تعالى، فذلك يشير إلى نقص لا يصح نسبته إلى النبي «صلى الله عليه وآله».. وإن كان قد التفت إلى ذلك وكان قراراً مصيباً، فلماذا عدل عنه؟! وإن كان قراراً خاطئاً فلماذا اتخذه، وأصدر أمره على أساسه؟!

وهل يمكن أن يكون النبي «صلى الله عليه وآله» متردداً إلى هذا الحد؟ ثم ألا يوجب ذلك وهن أمره، وضعف أثره؟

ومن تكون هذه حاله، كيف يستطيع أن يجمع هذه الجموع ويحقق هذه الإنجازات؟!

2 ـ إن عروة بن مسعود حين دعا ثقيفاً إلى الله لم يكن وراءه من تخشاه ثقيف ولا كان معه، عشرة آلاف مقاتل، ولا كان قد أخذ من زعمائهم من هو مثل أبي سفيان، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام..

أما العباس، فكان كل ذلك متوفراً بالنسبة إليه، فلا معنى لقياس حاله بحال ابن مسعود الثقفي، الذي قتلته ثقيف..

3 ـ إن واضع الرواية لم تكن لديه خبرة كافية بالتاريخ. فإن ما ذكره من خشية النبي «صلى الله عليه وآله» من أن يجري على عمه مثل ما جرى على عروة بن مسعود، حيث قتلته ثقيف حين ذهب إليهم يدعوهم إلى الله، لا يمكن أن يصح، لأن عروة ـ كما صرحت به النصوص ـ إنما قتلته ثقيف في سنة تسع بعد رجوع أبي بكر من الحج([67]).

وقد كان فتح مكة في شهر رمضان من سنة ثمان كما هو معلوم، أو بعد حرب الطائف كما ذكره ابن إسحاق([68]). وقد كان الفتح في شوال سنة ثمان.

وسيأتي ذلك كله مع مصادره بعد غزوة الطائف إن شاء الله تعالى.

4 ـ ما معنى: أن لا يرضى العباس أن يمتثل لأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حيث كره الرجوع، رغم أنه «صلى الله عليه وآله» قد أمره به.

5 ـ ما معنى: أن يأمر أبو سفيان العباس بأن يمضي معه، فيطيعه، ويدخل معه مكة، وذلك بعد أن رأى أبو سفيان عرض القبائل ومرورها.. ولا يرضى بإطاعة أمر الرسول «صلى الله عليه وآله» له بالرجوع؟!

فهل كان النبي «صلى الله عليه وآله» غافلاً عن أن المصلحة هي في أن يرى أبو سفيان ذلك العرض، ثم يذهب هو والعباس بعده إلى أهل مكة؟!

ولو صح ذلك، فكيف نرد على الروايات المصرحة: بأن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أمر العباس ـ فور إسلام أبي سفيان ـ أن يوقفه عند العقبة، ويريه عرض القبائل؟! بل الروايات تقول: إن العباس هو الذي اقترح ذلك، فقبله منه النبي «صلى الله عليه وآله».

فإن هذا يعني: أن أمر النبي «صلى الله عليه وآله» للعباس بدخول مكة، ثم تراجعه عن قراره ـ حسبما يزعمون ـ قد كان بعد العرض الذي رآه أبو سفيان، وهو ينافي قولهم: إنه رأى العرض بعد إرجاع النبي «صلى الله عليه وآله» للعباس..

6 ـ لماذا يراد تضخيم دور العباس بتصوير أنه مستهدف من قبل المشركين، حتى كأن سيوفهم ورماحهم مشرعة لتغمد في صدره ونحره، حتى ليقول عروة: «وكفهم الله عز وجل عن العباس ». إذ متى استهدف المشركون العباس بسوء؟

7 ـ إن الروايات تظهر: أن أبا سفيان هو الذي دعا أهل مكة للإسراع بالاستسلام، وهو الذي أخبرهم بالأمان، ثم دخل الجيش مكة.

ولم نجد أية فرصة للعباس ليقول لأهل ذلك البلد شيئاً، سوى تلك الكلمة التي يزعمون: أن أبا سفيان أمره بأن يقولها، وهي نفسها التي قالها لهم أبو سفيان أيضاً.

8 ـ إننا لم نعهد النبي الكريم «صلى الله عليه وآله» يتصرف بهذه اللهفة على العباس، أو على غيره انطلاقاً من الداعي النَسَبي، فضلاً عن أن يبرر تصرفه هذا بأمر عادي جداً. حيث يقول: «فإن عم الرجل صنو أبيه»، مع ملاحظة أن أبا لهب كان عم النبي «صلى الله عليه وآله» أيضاً، فهل هو الآخر صنو أبيه أيضاً في مواقفه، وفي حربه له ولدينه؟!

9 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» لم يرسل العباس لدعوة أهل مكة لدينه. بل أرسله بالأمان لهم على دمائهم وأموالهم. فهم يرونه محسناً لهم.. حتى لو خطّأوه في دعوتهم إلى هذا الأمان. مع أنهم سوف يرون موقفه هذا هو عين الصواب.

سهم العباس في عكاظ.. أكذوبة أخرى:

ومما يدخل في سياق تعظيم العباس وتفخيمه، ما زعموه من أن النبي «صلى الله عليه وآله» لما فتح مكة أوحى الله إليه: إن عمك له عليك يد سابقة، وجميل متقدم، وهو ما أنفق عليك في وليمة عبد الله بن جدعان، مع ما له عليك في سائر الأزمان. وفي نفسه سهم من سوق عكاظ، فامنحه إياه في مدة حياته، وولده بعد وفاته.

ثم قال: ألا لعنة الله على من عارض عمي في سوق عكاظ، ونازعه فيه. ومن أخذه فأنا بريء منه، وعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين.

فلم يكترث عمر بذلك، وحسد العباس على دخول سوق عكاظ، وغصبه منه([69]).

ونقول:

إن لنا على هذا النص العديد من المؤاخذات.

أولاً: قال العلامة الشيخ محمد تقي التستري ما محصله: إن مضمون هذا الحديث يدل على كذبه.

ولو كان صحيحاً، فلِم لَم يذكر مضامينه المفيد، والمرتضى، ولم يرد في كتاب آخر، أو خبر؟!([70]).

ثانياً: ما معنى: أن ينفق العباس على رسول الله «صلى الله عليه وآله» في وليمة شخص آخر وهو عبد الله بن جدعان؟ فإن المفروض: أن يكون من ينفق في الوليمة هو صاحبها، وأن لا يرضى بأن يشاركه غيره في الإنفاق، لأن ذلك يتضمن انتقاصاً من مقامه، وتشكيكاً في قيامه بما يتوجب عليه.

ثالثاً: ما معنى: أن يحسد عمر العباس على دخول عكاظ؟ فإن المفروض هو: أن يحسده على حصته في ذلك السوق، لا على مجرد الدخول فيه، علماً بأن الناس كلهم يقدرون على دخول سوق عكاظ، ومنهم عمر نفسه؟! إلا أن يكون المقصود هو دخوله بعنوان كونه مالكاً وشريكاً في جزء منه، لا مطلقاً.. ولكن لماذا لا يفصح هذا القائل عن مراده، ويورد الكلام بصورة مبهمة؟!

رابعاً: هل كان ذلك السوق مملوكاً لأشخاص، أم كان مجرد مكان عام واسع يجتمع به الناس، ويبيعون ويشترون، ويتناشدون الأشعار وما إلى ذلك؟!

خامساً: قد دعا رسول الله «صلى الله عليه وآله» ربه أن لا يجعل لفاسق ولا لفاجر عنده نعمة([71]). فما بالك بالمشرك؟! كما أنه «صلى الله عليه وآله» كان لا يقبل هدية من المشرك([72]).

فذلك الدعاء يدل على أنه «صلى الله عليه وآله» لم يكن لأحد منهم قبل الدعاء وبعده أية يد عنده.

وإذا كان الله تعالى قد مدح الأتقى حيث قال: {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى}([73])، فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو الأولى بهذا المدح، لأنه المصداق الأتم لما ذكرته الآيات من أوصاف حميدة..

فما معنى أن يكون للعباس يد عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»، مما كان أنفقه عليه في وليمة ابن جدعان، مع ما له عليه في سائر الأزمان؟! ألم يكن العباس مشركاً آنئذٍ وبعد ذلك إلى عشرات السنين؟!

وألا ينافي ذلك نص الآية الكريمة التي نفت ـ على سبيل المدح ـ أن يكون لأحد عند ذلك المؤمن نعمة تجزى، فبطريق أولى أن لا يكون لأحد عند النبي «صلى الله عليه وآله» أية نعمة تستحق الجزاء والمكافأة؟!

كيف دخل النبي مكة؟!:

قالوا: لما ذهب أبو سفيان إلى مكة بعد ما عاين جنود الله ـ تعالى ـ تمر عليه، واصل المسلمون سيرهم، حتى انتهوا إلى ذي طوى، فوقفوا ينتظرون رسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى تلاحق الناس، وأقبل رسول الله «صلى الله عليه وآله» في كتيبته الخضراء، وهو على ناقته القصواء، معتجراً([74]) بشق برد حبرة([75]) حمراء([76]). وقد أردف أسامة بن زيد وقد طأطأ رأسه تواضعاً لله تعالى، وهو يقرأ سورة الفتح([77]).

وعن أنس قال: لما دخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» استشرفه الناس، فوضع رأسه على رحله متخشعاً([78]).

وعن أبي هريرة قال: دخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» يومئذٍ وعليه عمامة سوداء، ورايته سوداء، ولواؤه أسود حتى وقف بذي طوى، وتوسط الناس، وإن عثنونه([79]) ليمس واسطة رحله، أو يقرب منها تواضعاً لله عز وجل، حين رأى ما رأى من فتح الله تعالى، وكثرة المسلمين، ثم قال: «اللهم إن العيش عيش الآخرة»([80]).

قال: وجعلت الخيل تمعج([81]) بذي طوى في كل وجه، ثم ثابت وسكنت حين توسطهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»([82]).

وعن أنس وعمرو بن حريث: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» دخل مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام([83]).

وعن عمرو بن حريث قال: كأني أنظر إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء خرقانية، وقد أرخى طرفها بين كتفيه([84]).

وقد أشرنا أكثر من مرة إلى الإختلاف بين اللواء والراية، وغير ذلك..

وبالنسبة لما روي عن أبي هريرة: من أن لواء رسول الله «صلى الله عليه وآله» أسود ورايته سوداء، في فتح مكة.. نقول:

قد رووا عن جابر أيضاً، أنه قال: كان لواء رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم دخل مكة أبيض([85]).

وعن عائشة: «كان لواء رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم الفتح أبيض، ورايته سوداء، تسمى العقاب، وكانت قطعة مرط([86]) مرحل([87])»([88]).

وعنها أيضاً قالت: دخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم الفتح من كداء من أعلى مكة([89])، وخرج من أسفلها وهو ثنية كدى.

وعند الواقدي: أنه «صلى الله عليه وآله» أمر الزبير أن يدخل من كدى، وأمر خالداً أن يدخل من الليط (موضع بأسفل مكة)، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل من كداء، والراية مع ابنه قيس، ومضى «صلى الله عليه وآله» فدخل من أذاخر([90]).

وقالوا: دخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبة([91]).

ورووا: عن ابن عمر: لما دخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» مكة عام الفتح، رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر، فقال: «يا أبا بكر كيف قال حسان»؟!

فأنشده أبو بكر قول حسان:

عـدمـت بـنـيـتـي إن لم تـروهـا          تـثـير الـنـقـع مـن كـتـفي كـداء

يـنـازعـن الأعـنـة مسـرجــات           يـلـطـمـهـن بـالخــمـر الـنسـاء

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «ادخلوها من حيث قال حسان»([92]).

قال الصالحي الشامي: وفي الصحيح وغيره عن عروة: «أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أمر الزبير بن العوام أن يدخل من كداء من أعلى مكة، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه»([93]).

وقال في الصحيح أيضاً عن العباس: أنه قال للزبير بن العوام: يا أبا عبد الله ها هنا أمرك رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن تركز الراية؟

قال: نعم([94]).

قال: وأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» خالد بن الوليد ـ وكان على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم، وسليم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل من العرب ـ أن يدخلوا من الليط، وهو أسفل مكة، وأمره أن يغرز رايته عند أدنى البيوت([95])، وبها بنو بكر، وبنو الحارث بن عبد مناة، والأحابيش الذين استنفرتهم قريش([96]).

وأمّر أبا عبيدة بن الجراح على الحسَّر([97]). والحاسر في مقابل الدارع.

وقال الصالحي الشامي: وقع في الصحيح عن عروة قال: وأمر النبي «صلى الله عليه وآله» يومئذٍ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء، ودخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» من أسفل مكة من كدى، أي بالقصر([98]). وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة.

ففي الصحيح وغيره: أن خالد بن الوليد دخل من أسفل مكة، ودخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» من أعلاها، وبه جزم ابن عقبة، وابن إسحاق وغيرهما([99]).

وعن عبد الله بن رباح: أن أبا عبيدة كان على البياذقة، يعني الرجالة([100]).

وعند ابن إسحاق وعبد الله بن أبي نجيح أن أبا عبيدة بن الجراح أقبل بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله «صلى الله عليه وآله».

قالوا: وأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» أمراءه أن يكفوا أيديهم، ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم([101]).

النبي يقرأ سورة الفتح:

عن قراءة النبي «صلى الله عليه وآله» سورة الفتح حين دخوله مكة نقول:

إن هذه السورة قد نزلت في شأن الحديبية في ذي القعدة سنة ست([102]).

وقد قرأها النبي «صلى الله عليه وآله» على المسلمين، ليذكرهم برعاية الغيب لهم، وتحقق ما وعدهم به وإذا كان المشركون يتتبعون أخبار رسول الله «صلى الله عليه وآله»، خصوصاً ما له ارتباط بحركة الصراع معه، فلا بد من أن يكون قد تناهى إلى مسامعهم نزول هذه السورة التي تعنيهم بصورة مباشرة، وجديَّة وحقيقية، لأنها تتضمن الوعد بالفتح، وبأمور أخرى هامة وحساسة جداً، وفيها ما يمسهم هم كأشخاص في تعاملهم معه «صلى الله عليه وآله».

فإذا قرأ هذه السورة في حال دخوله مكة، فإن أهل  الإيمان سوف يزدادون إيماناً، وأهل الكفر والشرك سوف يغرقون في بحر من التأمل الذي قد ينتهي بقناعة تتكون لديهم بعدم جدوى استمرار الجحود، وبأن لا فائدة من تبييت النوايا السيئة، ولن ينتهي كيدهم ومكرهم وتآمرهم إلى أية نتيجة..

بل إن قراءة هذه السورة في حال دخول مكة لا بد من أن يسوق المسلمين والمشركين معاً إلى ترقب تحقق سائر المضامين التي ذكرت في آياتها التي نزلت قبل سنوات، والتي حضر وقت تحققها.

وستكون لحظات ممتعة، ولذيذة لكل أحد، وهو يرى أمراً غيبياً عرفه، وسمعه ووعاه، يتحقق أمام عينيه.

الفتح جائزة المذنب:

وقد جاء في أول سورة الفتح قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً وَيَنصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً}([103]). فليلاحظ:

أولاً: إن الله تبارك وتعالى يقول: إن سبب هذا الفتح الذي منحه إياه، هو أنه أراد أن يغفر له ذنبه.. فهل يعقل أن يعطى المذنب جائزة بهذه العظمة، والأهمية والخطورة على جرأته عليه، وعلى ذنب ارتكبه؟! بحيث يكون مغفرة الذنب سبباً لهذه الجائزة!!

ثانياً: كيف نتصور أن يكون الله تعالى قد فتح لنبيه «صلى الله عليه وآله» ليغفر له ذنبه؟!

ثالثاً: لو سلمنا: أن هذا الفتح سبب لمغفرة الذنب الصادر، فكيف يكون سبباً لمغفرة الذنب الذي سوف يصدر؟!

إن هذا الأسئلة ستكون محرجة جداً إذا كان المراد بالذنب هو الجرأة على الله، وارتكاب ما نهى عنه، ومخا