الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

 

الجزء الثالث والعشرون

 

المركز الإسلامي للدراسات


بسم الله الرحمن الرحيم

  

الباب الثالث:

نهايات فتح مكة

 

الفصل الأول:

الذين أهدر النبي دمهم


 

كذلك نجزي المجرمين:

قالوا: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أهدر دم عدد من الأشخاص لأمور صدرت منهم، قد يصل عددهم إلى عشرين، بين رجل وامرأة. وقد أمر «صلى الله عليه وآله» بقتلهم، ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة([1])، وهم:

1 ـ عبد العزى بن خطل (عبد الله بن خطل).

2 ـ عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

3 ـ عكرمة بن أبي جهل.

4 ـ الحويرث بن نقيدر.

5 ـ مقيس بن صبابة.

6 ـ هبار بن الأسود.

7 ـ الحويرث بن الطلاطل الخزاعي.

8 ـ كعب بن زهير.

9 ـ وحشي بن حرب.

10 ـ سارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب، بن عبد مناف.

11 ـ هند بنت عتبة.

12 ـ أرنب، مولاة ابن خطل.

13 ـ فرتنا. قينة لابن خطل.

14 ـ قريبة. قينة أخرى لابن خطل.

15 ـ أم سعد([2]).

16 ـ صفوان بن أمية.

17 ـ الحارث بن هشام.

18 ـ زهير بن أمية، أخو أم سلمة زوج الرسول «صلى الله عليه وآله»([3]).

19 ـ عبد الله بن ربيعة.

20 ـ زهير بن أبي سلمى.

وذكر أيضاً إسما الرباب وخولة، ويحتمل أن تكون بعض هذه المذكورات أسماء وبعضها ألقاب، والتحقيق في ذلك ليس بالأمر المهم([4]).

وهناك أشخاص آخرون أهدر النبي «صلى الله عليه وآله» دمهم، كـ:

1 ـ أسيد بن إياس (أناس).

2 ـ عبد الله ابن الزبعرى

3 ـ هبيرة بن أبي وهب.

وأسباب ذلك لا تبتعد عن الأسباب التي دعت إلى إهدار دم من ذكرنا أسماءهم آنفاً، ولذلك فنحن نحيل القارئ على الكتب التي تعرضت لترجمة هؤلاء أو لقضايا تاريخية تتصل بهم.

فظهر أن ما يذكرونه من عددهم، مثل قول بعضهم: أن عددهم أحد عشر رجلاً.

وفي الإمتاع: ستة نفر، وأربع نسوة([5]).

وعند الدياربكري: أحد عشر رجلاً، وستة نسوة([6]).

إن ذلك كله يبقى غير دقيق.

اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة:

وقد يتساءل البعض: عن كيفية التوفيق بين احترام الكعبة وتعظيمها، واعتبار مكة بلداً آمناً.. وبين أمره «صلى الله عليه وآله» بقتل أفراد هذه الجماعة، حتى لو كانوا متعلقين بأستار الكعبة. فإن تناقض هذين الأمرين يكاد يكون ظاهراً.

والجواب: أن هذين الأمرين في غاية التوافق والإنسجام، بل إن الأمر بقتل هؤلاء الناس هو من مفردات تعظيم الكعبة، وحفظ حرمة الحرم.

لأنهم بشركهم، وبصدهم عن سبيل الله، وسعيهم في الأرض فساداً، وجدهم واجتهادهم لإبطال دين الله، وقتل الأنبياء والمؤمنين من أجل نصرة الباطل، وتقويض صرح الحق، ومحاربتهم لله تعالى ـ إنهم بذلك كله ـ يمثلون الرجس والإثم والقاذورات التي لا بد من تطهير بيت الله وحرمه منها، فقتلهم حتى لو كانوامتعلقين بأستار الكعبة تكريم للكعبة، وتكريس لمعنى الطهر والقداسة فيها.

ويتأكد هذا المعنى: إذا كان هؤلاء يتخذون من الكعبة وسيلة لمواصلة إجرامهم في حق أنفسهم، وفي حق الإنسانية، وسبيلاً للإمعان في تمردهم على الله تعالى، وقهر عباده المؤمنين، وإطفاء نور الهداية الإلهية، عن طريق محاربة أنبياء الله، والسعي في قتلهم، أو محاصرتهم بالهموم والمتاعب، والبلايا والمصائب.

إن دخول هؤلاء إلى المسجد الحرام لا يرضاه الله تعالى، وهو محظور كحظر دخول أي حيوان نجس العين إلى مساجد الله سبحانه، فكيف إذا كان ذلك الحيوان يحمل القاذورات في كل جوارحه، وأجزاء جسده.

فإذا كان ذلك الحيوان عقوراً، شرساً، ضارياً، ولا يمكن دفع شره عن عباد الله إلا بقتله، فلابد من المبادرة إلى ذلك.

هذا.. ولا بأس بأن نشير هنا إلى بعض ما يرتبط بإهدار دم هؤلاء الناس بصورة تفصيلية، فنقول:

1 ـ عكرمة بن أبي جهل:

أما عكرمة([7]) بن أبي جهل، فإنه إنما أمر بقتله، لأنه كان هو وأبوه أشد الناس أذية للنبي «صلى الله عليه وآله»، وكان أشد الناس على المسلمين.

ولما بلغه أن النبي «صلى الله عليه وآله» أهدر دمه فرّ إلى اليمن، فاتبعته امرأته وهي بنت عمه، أم حكيم بنت الحارث بن هشام بعد أن أسلمت، فوجدته في ساحل البحر يريد أن يركب السفينة.

وقيل: وجدته في السفينة فردته([8]).

وروي: أن عكرمة قال: بلغني أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» نذر دمي يوم الفتح، وكنت في جمع من قريش بأسفل مكة ـ وقد ضوى إلي من ضوى ـ فلقينا هناك خالد بن الوليد، فأوقع بنا، فهربت منه أريد ـ والله ـ أن ألقي نفسي في البحر، وأموت تائهاً في البلاد قبل أن أدخل في الإسلام، فخرجت حتى انتهيت إلى الشعيبة.

وكانت زوجتي أم حكيم بنت الحارث امرأة لها عقل، وكانت قد اتبعت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فدخلت على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقالت: يا رسول الله، إن ابن عمي قد هرب يلقي نفسه في البحر، فأمنه([9]).

وعن سعد بن أبي وقاص، عن عروة: أن عكرمة ركب البحر، فأصابتهم ريح عاصف، فنادى عكرمة اللات والعزى، فقال أهل السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً([10]).

فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم لك عهداً، إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفواً غفوراً كريماً، فجاء وأسلم([11]).

وقيل: وقع بصره على دفة السفينة، فرأى عليها مكتوباً: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحَقُّ}([12]) وكان معه محك، فأراد أن يمحو به تلك الكتابة فلم يستطع، فعلم أنه كلام الحق جل وعلا، فوقع في باطنه تغيُّر([13]).

وفي المشكاة: أن عكرمة هرب حتى قدم اليمن، فسافرت أم حكيم حتى قدمت عليه اليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وثبتا على نكاحهما([14]).

وقالوا: إن أم حكيم قالت لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: يا رسول الله، قد ذهب عكرمة عنك (أو هرب عكرمة منك) إلى اليمن، وخاف أن تقتله، فأمنه يا رسول الله.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «هو آمن».

فخرجت أم حكيم في طلبه، ومعها غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنِّيه حتى قدمت به على حي من عك، فاستعانتهم عليه، فأوثقوه رباطاً، وأدركت عكرمة وقد انتهى إلى البحر، فركب سفينة، فجعل نوتي يقول له: أخلص أخلص.

قال: أي شيء أقول؟

قال: قل: لا إله إلا الله.

قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، وإن هذا أمر تعرفه العرب والعجم حتى النواتي!! ما الدين إلا ما جاء به محمد، وغيَّر الله قلبي.

وجاءتني أم حكيم على هذا الأمر، فجعلت تليح إلي وتقول: يا ابن عم، جئتك من عند أبر الناس، وأوصل الناس، وخير الناس، لا تهلك نفسك.

فوقف لها حتى أدركته، فقالت له: إني قد استأمنت لك رسول الله «صلى الله عليه وآله» فأمنك.

فرجع معها، وقالت: ما لقيته من غلامك الرومي، وأخبرته خبره، فقتله، وهو يومئذ لم يسلم.

فلما وافى مكة قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً، مهاجراً، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت»([15]).

فجعل عكرمة يطلب امرأته يجامعها، فتأبى عليه، وتقول: أنت كافر وأنا مسلمة.

فقال: إن أمراً منعك مني لأمر كبير.

وقالوا: فلـما رأى رسول الله «صلى الله عليه وآله» عكـرمـة وثب إليـه ـ وما على رسول الله «صلى الله عليه وآله» رداء ـ فرحاً بعكرمة، (زاد في بعض المصادر قوله: مرحباً بمن جاء مؤمناً مهاجراً)([16])، ثم جلس رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فوقف عكرمة بين يديه، ومعه زوجته متنقبة، فقال: يا محمد!! إن هذه أخبرتني أنك أمنتني.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «صدقت فأنت آمن».

قال عكرمة: فإلامَ تدعو يا محمد؟

قال: «أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفعل وتفعل» حتى عد خصال الإسلام.

فقال عكرمة: والله، ما دعوت إلا إلى خير وأمر حسن جميل، قد كنت فينا يا رسول الله قبل أن تدعونا ـ إلى ما دعوتنا إليه ـ وأنت أصدقنا حديثاً، وأبرنا براً، ثم قال عكرمة: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله «صلى الله عليه وآله» فسر بذلك رسول الله «صلى الله عليه وآله».

ثم قال: يا رسول الله، علمني خير شيء أقوله.

قال: «تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله».

قال عكرمة: ثم ماذا؟

قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «تقول: أشهد الله، وأشهد من حضر أني مسلم، مجاهد، مهاجر». فقال عكرمة ذلك([17]).

قالوا: فرد رسول الله «صلى الله عليه وآله» امرأته بذلك النكاح الأول([18]) وقد أسلمت امرأته قبله.

وعن عطاء قال: أسلم أبو سفيان، وحكيم بن حزام، ومخرمة بن نوفل قبل نسائهم، ثم قدموا على نسائهم في العدة، فردهن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بذلك النكاح.

مع أنه قد تقدم: أن رد هند على أبي سفيان بالنكاح الأول كان هو الأول بالنسبة إلى من أسلم، مع أنهم يذكرون: أن حكيم بن حزام قد أسلم هو وأبو سفيان معاً في مر الظهران.

وفي بعض النصوص: أنه وبديل بن ورقاء قد أسلما قبل أبي سفيان([19]).

وأسلمت امرأة صفوان، وامرأة عكرمة قبل أزواجهما، ثم أسلما، فرد رسول الله «صلى الله عليه وآله» نساءهم عليهم، وذلك أن إسلامهم كان في عدتهن([20]).

لم يقم النبي إلا لعكرمة:

قالوا: قام رسول الله «صلى الله عليه وآله» لعكرمة قائماً، وهو بعد مشرك لم يسلم، ولم يقم رسول الله «صلى الله عليه وآله» لرجل داخل عليه من الناس، شريف ولا مشرف إلا عكرمة([21]).

ونقول:

أولاً: إن قيام النبي «صلى الله عليه وآله» لرجل مشرك، ليس له في الدين أثر ولا مقام، مما لا يمكن قبوله.

فعن إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله «عليه السلام» من قام من مجلسه تعظيماً لرجل؟

قال: مكروه إلا لرجل في الدين([22]).

والنبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن ليقدم على عمل المكروه.

ثانياً: ما زعمته الرواية: من أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يقم لأحد دخل عليه إلا لعكرمة، غير صحيح، فلاحظ:

1 ـ ما روي من قيامه «صلى الله عليه وآله» عند إقبال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والحسن والحسين «عليهم السلام» عليه، وتقبيله إياهم([23]).

2 ـ كان «صلى الله عليه وآله» يقوم لابنته فاطمة إذا دخلت إليه، تعظيماً لها([24]).

3 ـ قام «صلى الله عليه وآله» لجعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة، فرحاً بقدومه([25]).

4 ـ قام «صلى الله عليه وآله» للأنصار لما وفدوا عليه([26]).

ثالثاً: لا ندري ما هو الشيء الذي ميَّز عكرمة عن غيره، حتى استحق هذا من رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

هل هذا اتهام لخالد؟!:

وقد ذكر عكرمة: أنه كان بأسفل مكة مع بعض الأشخاص، فلقيهم خالد بن الوليد، فأوقع بهم.

وهو تعبير يشير إلى: أن خالداً هو المتعمد للإيقاع بهم، والبادئ بذلك، دون أن يكون لدى الطرف الآخر خطة أو نشاط في هذا الإتجاه..

وسواء أكان هذا الإستنتاج دقيقاً أو غير دقيق. على اعتبار أن من الجائز أن يكونوا هم المعتدين، ثم يوقع بهم المعتدى عليهم.. غير أن الحقيقة هي: أن خالداً كان هو المبادر للقتال، مخالفاً بذلك أوامر رسول الله «صلى الله عليه وآله». ولا يصح ما ادَّعوه لتبرير هذه الفعلة من خالد: بأنهم اجتمعوا بالخندمة لحربه، فقاتهلم وقتلهم.

كما لا يصح قولهم: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أمر بذلك..

بل الصحيح: أن النبي «صلى الله عليه وآله» نهى خالداً عن القتال، فعصى خالد أمره.

غصَّة عكرمة ويأسه:

ونرى في الحديث المتقدم عن عكرمة كيف أن عكرمة يعيش الغصة، ويهيمن عليه اليأس، ويصده عمله السيء عن الإيمان بالله، ويفكر بالإنتحار غرقاً، أو بأن يهيم على وجهه، على أن لا يدخل في دين الله تعالى..

ولكن هذا الإستكبار والعناد سرعان ما تحول ـ حسب زعمهم، ونصوصهم المجعولة ـ إلى إيمان وهجرة، وفضائل وكرامات، وجهاد ونفقات، وما إلى ذلك!!

فهل ترى الأمر بهذه السهولة حقاً؟!

وهل ما رآه من آيات ودلالات كان أعظم وأهم مما كان قد رآه طيلة عشرين سنة سبقت؟!

إن ذلك يبقى مثاراً للريبة بالدوافع التي تدعو لنسج هذه الكرامات والفضائل لمن لا تدل على حياته قبل إسلامه وبعده على أي تبدل جوهري، في حياته وفي ممارساته.

عكرمة مهاجر ومؤمن:

 1 ـ وزعموا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال لهم: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً.

مع أنهم قد رووا: أنه لا هجرة بعد الفتح، وعكرمة إنما أسلم بعد الفتح، وبعدما هرب من مكة إلى اليمن.. أو غيرها.

2 ـ وعن إيمان عكرمة نقول:

كيف يصف النبي «صلى الله عليه وآله» عكرمة: بأنه مؤمن وهم قد صرحوا في روايات إسلامه: بأنه حين جاء إلى النبي لم يكن قد اسلم، فضلاً عن أن يكون قد آمن. وإنما اسلم بعد مجيئه..

غاية الأمر: أنهم يدَّعون: أنه قد وقع في باطنه تغير، ولكنهم اختلفوا في سببه.

فتارة يقولون: إن السبب هو: أن عاصفة ضربتهم في البحر، فطلب منهم النوتي أن يخلصوا (أي أن يقولوا كلمة الإخلاص).

وتارة يقولون: إنه رأى آية مكتوبة على دفة السفينة، فأراد أن يمحوها، فلم يستطع، فعلم أنه كلام الحق جل وعلا.

3 ـ سيأتي قصة منام النبي «صلى الله عليه وآله» عن عذق أبي جهل في الجنة، وأنه لما جاءه عكرمة مسلماً فرح، وأوَّلَ ذلك العذق به.

فهذه الرواية تفيد: أنه «صلى الله عليه وآله» إنما عرف بإسلامه بعد ان جاءه. ولو لم يأته مسلماً لم يؤول ذلك العذق به.

ولكنهم يناقضون قولهم هذا، فيقولون: إنه «صلى الله عليه وآله» لم يدعُ على أبي جهل في أول بعثته لأن عكرمة كان في صلبه كما سيأتي.. وأنه أخبر عن إسلام عكرمة قبل الفتح حين طعن مسلماً فقتله في بعض الحروب.

لا تسبوا أبا جهل:

وأما نهي النبي «صلى الله عليه وآله» عن سب أبي جهل، فإن سب الميت يؤذي الحي([27]).

فأولاً: إننا لا نعرف السبب في تخصيص أبي جهل بهذا النص الناهي عن التعرض له بالسب، رغم أن العشرات، والمئات، وربما الألوف من الصحابة كان آباؤهم يحاربون الإسلام، وقد قتلوا، وبقي أبناؤهم يعيشون بين المسلمين. إلا إن كان سب أبي جهل دون سواه هو المرسوم والشائع والمتداول بين المسلمين!!

ثانياً: إن هذا التعليل الذي ذكره، وهو: أن سب الميت يؤذي الحي لا يختص بأبي جهل، وابنه عكرمة، فلماذا تأخر إصدار الأمر للمسلمين كل تلك السنين؟! ولماذا سكت النبي «صلى الله عليه وآله» كل هذه المدة وهو يرى المسلمين واقعين بهذا الخطأ، ولا يحذرهم منه؟!

ثالثاً: إنه «صلى الله عليه وآله» قد ذم أبا جهل بما لا مزيد عليه، فهل يجيز للناس أن ينقلوا أقواله فيه؟! أم لا يجيز لهم ذلك؟!

وإذا نقلوها، فهل يؤذي ذلك أولاده الأحياء أم لا يؤذيهم؟!

ألا يتوقع أن يكون تأذيهم به أكبر بكثير مما قد يسمعونه من الناس العاديين الذين قد يوصفون بالجهل وسوء الأدب..

ولكن كلام رسول الله «صلى الله عليه وآله» يبقى خالداً عبر العصور والدهور.. وإلى يوم القيامة.

ويكفي أن يقول الناس: إن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي سماه بأبي جهل، مع أن كنيته هي: أبو الحكم([28]).

ورووا: أن علياً أمير المؤمنين «عليه السلام» قد عدَّه من الفراعنة([29])، ولم يكن «عليه السلام» ليخالف أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيه، ولا في غيره..

تناقضات وتشابه بين قصتي صفوان وعكرمة:

1 ـ إن ملاحظة ما جرى لصفوان، وما جرى لعكرمة تعطي: أن ثمة تشابهاً بينهما، فكلاهما قصد اليمن.

وكلاهما يريد أن يلقي بنفسه في البحر.

وكلاهما يأتيه قريب له بالأمان من رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وكلاهما يدركه وسيطه عند البحر.

وكلاهما يقول له وسيطه: جئتك من عند أبر الناس، وأوصل الناس، ونحو ذلك.

وكلاهما يذهب إلى النبي «صلى الله عليه وآله» ويقول له: إن فلاناً زعم أنك أمنتني.

غير أن في قصة صفوان زيادة طلب العلامة، وفي قصة عكرمة زيادات، فيما يرتبط بمقامه، وثناء النبي «صلى الله عليه وآله» عليه، وقيامه له، ووصفه بالمؤمن المهاجر، وما إلى ذلك.

2 ـ إن هناك تناقضات ظاهرة في رواية عكرمة يمكن استخلاصها بالمراجعة والمقارنة.

سر تعظيم عكرمة:

إن عكرمة بن أبي جهل هو أحد من أهدر النبي «صلى الله عليه وآله» دمه، حتى لو كان متعلقاً بأستار الكعبة، بسبب شدة طغيانه، وعظيم استكباره، وقبيح عدوانه..

وقد عظموه، وبجلوه بصورة لافتة، حتى ادَّعوا: أنه «صلى الله عليه وآله» رأى في منامه أنه دخل الجنة، ورأى فيها عذقاً، فأعجبه وقال: لمن هذا؟

فقيل: لأبي جهل.

فشق ذلك عليه «صلى الله عليه وآله»، وقال: لا يدخلها إلا نفس مؤمنة.

فلما جاءه عكرمة بن أبي جهل مسلماً فرح به، وأوَّلَ ذلك العذق لعكرمة([30]).

وأنه حين أسلم قام إليه «صلى الله عليه وآله» واعتنقه، وقال: مرحباً بالراكب المهاجر.

وزعموا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يدعُ على أبي جهل في أول بعثته، لأن عكرمة كان في صلبه([31]).

وأنه طعن مسلماً فقتله، فضحك النبي «صلى الله عليه وآله»، فسئل عن ذلك، فقال «صلى الله عليه وآله»: أضحكني أنهما في درجة واحدة في الجنة([32]).

ونقول:

أولاً: حديث الرؤيا منقطع: لأن راويه هو مصعب بن سعد عنه، ومصعب لم يدركه([33])، وحتى لو أدركه فإنه هو راوي ذلك لنفسه، وهو إنما يجر النار إلى قرصه.

ثانياً: كيف يكون مهاجراً ـ كما ورد في الحديث الآخر ـ وهم يدَّعون: أنه لا هجرة بعد الفتح؟!

ثالثاً: إن عكرمة كان في أول البعثة كبير السن، وفي يوم أحد كانت معه زوجته أم حكيم([34]). وكان من رؤساء القوم([35]). وكان يومئذٍ على ميسرة المشركين. وكان على الحرس أيضاً، وكان خالد بن الوليد على ميمنتهم([36]).

ويوم الأحزاب عبر الخندق مع عمرو بن عبد ود، وضرار بن الخطاب الفهري، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله([37]).

وفي بدر ضرب معاذ بن عمرو بن الجموح على عاتقه فطرح يده، وذلك حين رآه قتل أباه أبا جهل([38]).

وقتل من المسلمين يوم بدر رافع بن المعلى الزرقي([39]) ولكن زياد بن لبيد سلب عكرمة درعه يوم بدر([40]).

وكان ممن قدم في أسرى بدر([41]) وكان من أشراف قريش الذين مشوا إلى أبي سفيان يحرضونه على المسير إلى أُحد([42]).

رابعاً: إنه كان من المناوئين لأمير المؤمنين «عليه السلام».. ولعل هذا هو السبب في إغداقهم الأوسمة عليه، ونسج الكرامات له.

فقد ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي: أنه قد ظاهر أعداءه عليه «صلوات الله وسلامه عليه»، وحين هتف الأنصار باسم علي «عليه السلام» قال: «وإن الذى هم فيه من فلتات الأمور ومن نزغات الشيطان، وما لا يبلغه المنى، ولا يحمله الأمل. أَعْذِرُوا إلى القوم، فإن أبوا فقاتلوهم. فوالله، لو لم يبق من قريش كلها إلا رجل واحد لصيَّر الله هذا الأمر فيه»([43]).

2 ـ صفوان بن أمية:

ولما علم صفوان بن أمية أن النبي «صلى الله عليه وآله» أهدر دمه يوم فتح مكة، هرب مع عبد له، اسمه يسار إلى جدة([44]).

وقالوا: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله، إن صفوان بن أمية سيد قومي وقد خرج هارباً منك، ليقذف نفسه في البحر، فأمنه صلى الله عليك وسلم.

قال: «هو آمن».

وفي الحلبية: (فأمنه، فإنك أمنت الأحمر والأسود.

فقال «صلى الله عليه وآله»: أدرك ابن عمك، فهو آمن.

فقال: أعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطى «صلى الله عليه وآله» لعمير عمامته التي دخل بها مكة)([45]).

فخرج عمير حتى أدركه ـ وهو يريد أن يركب البحر ـ وقال صفوان لغلامه يسار ـ وليس معه غيره ـ: ويحك!! أنظر من ترى؟

قال: هذا عمير بن وهب.

قال صفوان: ما أصنع بعمير بن وهب، والله ما جاء إلا يريد قتلي، قد ظاهر علي محمداً.

فلحقه، فقال: يا أبا وهب جعلت فداك، جئت من عند أبر الناس، وأوصل الناس، فداك أبي وأمي، الله الله في نفسك أن تهلكها، هذا أمان من رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد جئتك به.

قال: ويحك، أغرب عني فلا تكلمني.

قال: أي صفوان، فداك أبي وأمي. أفضل الناس، وأبر الناس، وخير الناس ابن عمك، عزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك.

قال : إني أخافه على نفسي.

قال: هو أحلم من ذلك وأكرم.

قال: ولا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها.

فقال: امكث مكانك حتى آتيك بها.

فرجع عمير إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: إن صفوان أبى أن يأنس لي حتى يرى منك أمارة يعرفها، فنزع رسول الله «صلى الله عليه وآله» عمامته فأعطاه إياها، وهي البرد الذي دخل فيه رسول الله «صلى الله عليه وآله» معتجراً به برد حبرة.

فرجع معه صفوان حتى انتهى إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو يصلي بالمسلمين العصر في المسجد، فلما سلم رسول الله «صلى الله عليه وآله» صاح صفوان: يا محمد، إن عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم: أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمراً، وإلا سيَّرتني شهرين.

فقال: «انزل أبا وهب».

قال: لا والله حتى تبين لي.

قال: «بل لك تسيير أربعة أشهر».

فنزل صفوان.

ولما خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى هوازن (وعند الواقدي والدياربكري: أرسل إليه يستعير سلاحه، فأعاره سلاحه، مائة درع بأداتها، فقال: طوعاً أو كرهاً.

قال «صلى الله عليه وآله»: عارية مؤداة.

فأعاره، فأمره رسول الله «صلى الله عليه وآله» فحملها إلى حنين، فشهد حنيناً والطائف، ثم رجع «صلى الله عليه وآله» إلى الجعرانة، فبينا رسول الله «صلى الله عليه وآله» يسير في الغنائم ينظر إليها).

وفرق غنائمها، فرأى رسول الله «صلى الله عليه وآله» صفوان ينظر إلى شعب ملآن نعماً وشاء ورعاء، فأدام النظر إليه، ورسول الله «صلى الله عليه وآله» يرمقه، فقال: «يا أبا وهب يعجبك هذا الشعب»؟

قال: نعم.

قال: «هو لك وما فيه».

فقبض صفوان ما في الشعب، وقال عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. وأسلم مكانه([46]).

يحسبون كل صيحة عليهم:

وبعد.. فقد حكى الله حالة الرعب التي تهيمن على أعداء الله من المنافقين، فكيف بالكافرين، فقال: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} ([47]).

وحالة صفوان بن أمية تجسد مضمون هذه الآية بصورة دقيقة، فقد كان يرى نفسه من الرؤساء والزعماء الكبار في قومه، وكان يعيش حالة الإستكبار والجحود، ويمارس الطغيان والتعدي والظلم، حسب ما يروق ويحلو له.. وإذ به بين ساعة وأخرى يرى نفسه شريداً طريداً هارباً، يستجدي الرحمة من أي كان من الناس.

ويرى: أن كل شيء يلاحقه، حتى أبناء عشيرته، ولذلك فهو يقسم: أن عمير بن وهب، وهو من قومه وعشيرته، جاء يريد قتله، وقد ظاهر عليه محمداً «صلى الله عليه وآله».

مع أن عميراً كان يفكر في الإتجاه الآخر، وقد حصل له على الأمان من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فهو يلاحقه ليعيد السكينة إلى قلبه، وليحفظ حياته، بل هو يريد أن يراه عزيزاً شريفاً مكرماً برسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولذلك قال له، كما تقدم: «عزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك».

إنقلاب الصورة:

واللافت هنا: أن هذا الرجل المشرك الذي لم يزل يفتئت على رسول الله «صلى الله عليه وآله» ويرميه بكل فرية، ويصفه بأنه قاطع الرحم، وبأنه شاعر، وكاهن، وكاذب، ومفرق الجماعة، وسبب الشرور والبلايا، والمصائب والرزايا. ولا تزال هذه الكلمات تتزاحم في فمه، وتتراكض على لسانه.

وإذ به حين يختار الإسلام يبادر إلى الحديث عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بما يناقض ذلك كله.. فيصفه: بأنه أبر الناس، وأكرمهم، وأفضلهم، وخيرهم..

وتجده بالغ الحماس لإثبات صحة ما يقول في إسراره وإعلانه، وفي سائر المواقف، مهما اختلفت خصوصياتها، وحالاتها، واقتضاءاتها..

ما أسرع ما أجاب!!:

واللافت أيضاً: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا يتردد في العفو عن عكرمة، وعن صفوان، وعن غيرهما ممن أهدر دمهم في فتح مكة.

وتجد سهولة ظاهرة في إعطائه الأمان لهم، حتى كأنه ينتظر هذا الطلب، وقد أعد له هذه الإجابة والإستجابة!!

ولم نلاحظ: أنه «صلى الله عليه وآله» قد ناقش أحداً في أمر الأمان، أو ذكَّر أحداً منهم بما صدر منه، مما اقتضى اعتباره مجرماً مهدور الدم.

وقد طلب منه صفوان أن يسيره شهرين، فأعطاه «صلى الله عليه وآله» أربعة أشهر، تفضلاً منه «صلى الله عليه وآله» وكرماً، وسماحة، وفضلاً.

ولكن ذلك لا يقلل من قيمة الإجراء الأول، وهو إهدار الدم، الذي اتخذه في حق ذلك المجرم، بل ذلك إعلان لكل أحد: بأن ثمة جرائم وعظائم تستحق أمثال هذه العقوبات، ولا ترتفع عقوباتها إلا بهذا الأمان، الذي يستبطن انصياعاً واعترافاً، واستسلاماً، وتخلياً عن منطق الجحود، والطغيان، وخروجاً عن صفة العتو والتمرد، ورفضاً وإدانة لسبل الجبارين والمفسدين.

فيأتي هذا التفضل النبوي، ليعطي للناس الإنطباع الصحيح عن حقيقة هؤلاء، ليدركوا بعقولهم، وبفطرتهم البون الشاسع بينهم وبين حقيقة الشخصية النبوية الإلهية، التي تعيش روح التقوى، والعمل الصالح في كل مفردات حياتها.

هذه هي معاييرهم:

والذي يثير استغراب الإنسان العاقل والمنصف حقاً: أن ترى صفوان بن أمية، وهو من الزعماء والرؤساء في قومه، لا يستجيب لنداء العقل، ولا ينساق مع قضاء الفطرة، ولا يخضع لما تقتضيه المعجزات الإلهية القاهرة، التي تضطر كل ذي لب، وضمير، ووجدان حي للانقياد، والتسليم، والخضوع، ولا لغير ذلك من كرامات حبا الله بها نبيه والمؤمنين، أو دلالات وآيات بينات.

إن صفوان يتجاهل ذلك كله، ويرى أنه لا يعني له شيئاً، ويصر على العناد واللجاج والجحود، وعلى مواصلة حرب الله ورسوله، والمؤمنين..

ثم يبوء بالفشل، ويواجه الهزيمة الذليلة، ويعيش الخزي بأقسى وأظهر معانيه، حتى استنقذه بعض أهل الإسلام، الذين حاربهم، وبغى ـ ولم يزل ـ الغوائل لهم، ووجد الخلق الرفيع، وأعظم مظاهر الكرم، والفضل، والبر، والنبل، والسماحة لدى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حين عفا عن جرائمه الكبيرة، التي جعلته مهدور الدم..

نعم.. إن صفوان لا يرى في ذلك كله: أية دلالة على الحق والهدى، ولا يدله على بطلان ما يعتقده في أصنامه، التي هي مجرد أحجار، وجمادات ومخلوقات لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فيعطيها مقام الألوهية والخالقية، والرازقية. ولا يدله ذلك على قبح الظلم والإفساد، والطغيان، وغير ذلك من جرائم يرتكبها.

ولكنه يهتدي للحق ـ بزعمه ـ حين يرى: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد منحه بعض فضول الحطام في هذه الدنيا الدنية، فيدَّعي: أن ذلك قد دله على بطلان أصنامه، وعلى أن ثمة ألهاً سواها يستحق أن يعبد، وعلى وجود حساب وعقاب، وثواب، وعلى وجود آخرة، وعلى صحة نبوة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعلى رسوليته و.. و.. الخ.

فهو يقول عندما أعطاه النبي «صلى الله عليه وآله» بعض الإبل التي رمقها بعين الوامق: «ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. وأسلم مكانه..».

فهل عميت بصيرته عن كل تلك الدلالات، وعن جميع المعجزات والكرامات؟! أم انطفأ سراج عقله؟! وتلاشت كل ومضات النور في فطرته؟! حتى لم يبق إلا رشحات الأطماع، وومضات الأهواء والشهوات لتكون هي التي تهدي صفوان من الضلال، وتحفظه من الضياع؟!

ولكنك مع ذلك كله تجد بعض الناس يعظمون أمثال صفوان، ويعتقدون عدالته، وإخلاصه.

فما أعجب أمر هؤلاء!! وما عشت أراك الدهر عجباً!!

صفوان بن أمية في ميزان الإعتبار:

لقد حاولت بعض الروايات: أن تعطي صورة مشرقة عن صفوان قبل إسلامه، ثم تدَّعي: أنه قد حسن إسلامه، بعد أن كان من المؤلفة قلوبهم.

غير أن مراجعة تاريخ صفوان، لا تشجع على تصديق ما يذكرونه عنه، فهو قبل أن يتظاهر بالإسلام كان من المعاندين والجاحدين، الذين يجهدون لإطفاء نور الله تبارك وتعالى بماله، وبلسانه، وبيده..

وإذا تتبعنا أحوال هذا النوع من الناس، فقد لا نعثر على أي واحد منهم يمكن الإطمينان إلى إخلاصه وسلامة دينه، بعد أن أظهر الإسلام.

ويكفي أن نذكر: أن صفوان هو الذي أخرج خمس مائة دينار ليجهز بها جيش المشركين إلى بدر([48]).

وهو الذي ضمن لعمير بن وهب قضاء دينه، وأن يضم عياله إلى عياله، على أن يقتل محمداً «صلى الله عليه وآله»، إذا أصيب في هذا السبيل، ثم جهزه وأرسله إلى المدينة، لينفذ ما تآمرا عليه([49]).

ويروى عن أبي عبد الله «عليه السلام»، قال: جرت في صفوان بن أمية الجمحي ثلاث من السنن: استعار منه رسول الله «صلى الله عليه وآله» سبعين درعاً حطمية، فقال: أغصباً يا محمد؟

قال: بل عارية مؤداة.

فقال: يا رسول الله إقبل هجرتي.

فقال النبي «صلى الله عليه وآله»: «لا هجرة بعد الفتح»([50]).

وكان راقداً في مسجد رسول الله «صلى الله عليه وآله» وتحت رأسه رداؤه، فخرج يبول، فجاء وقد سرق رداؤه، فقال: من ذهب بردائي؟ وخرج في طلبه، فوجده في يد رجل، فرفعه إلى النبي «صلى الله عليه وآله».

فقال «صلى الله عليه وآله»: اقطعوا يده.

فقال: أتقطع يده من أجل ردائي يا رسول الله؟ فأنا أهبه له.

فقال «صلى الله عليه وآله»: ألا كان هذا قبل أن تأتيني به.

فقطعت يده([51]).

ويلاحظ: أن هذه السنن التي جرت فيه قد جاءت كلها على خلاف رغباته وتوجهاته.

هذا، وقد عاش صفوان أكثر من ثلاثين سنة بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم نسمع عنه أنه نصر حقاً، أو اعترض على باطل.. رغم أنها كانت فترة مليئة بالأحداث الكبيرة والخطيرة والحافلة بالتعديات على الحق وأهله، بدءاً مما جرى على أهل البيت «عليهم السلام» حين استشهاد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وانتهاءً بما كان من معاوية ضد الإمام الحسن المجتبى «عليه السلام»، ومن معه من أهل الدين والإيمان.

3 ـ عبد العزى بن خطل:

وقد أهدر النبي «صلى الله عليه وآله» دم ابن خطل، وكان اسمه عبد العزى، وكان قد أسلم، فسماه رسول الله «صلى الله عليه وآله» عبد الله، وهاجر إلى المدينة، وبعثه رسول الله «صلى الله عليه وآله» ساعياً، وبعث معه رجلاً من خزاعة (أو من أسلم، أو من الروم)، وكان يصنع له طعامه ويخدمه، فنزلا في مجمع ـ وهو المكان الذي تجتمع الأعراب يؤدون فيه الصدقة ـ فأمره أن يصنع له طعاماً، ونام نصف النهار، واستيقظ، والخزاعي نائم، ولم يصنع له شيئاً، فعدى عليه فضربه فقتله، وارتد عن الإسلام، وساق ما أخذ من الصدقة، وهرب إلى مكة.

(زاد الواقدي قوله: فقال له أهل مكة: ما ردك إلينا؟!

قال: لم أجد ديناً خيراً من دينكم).

وكان يقول الشعر يهجو به رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وكانت له قينتان، وكانتا فاسقتين، فيأمرهما ابن خطل أن يغنيا بهجاء رسول الله «صلى الله عليه وآله»([52]).

وعن أنس قال: دخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» مكة يوم الفتح على رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «اقتلوه»([53]).

زاد في نص آخر قوله: إن الكعبة لا تعيذ عاصياً، ولا تمنع من إقامة حد واجب. فقتله سعيد بن حريث، وأبو برزة، وقيل: قتله الزبير، وقيل سعد بن ذؤيب، وقيل: سعيد بن زيد.

قال في النور: والظاهر اشتراكهم فيه جميعاً جمعاً بين الأقوال([54]).

وقال الواقدي يقال: قتله سعيد بن حريث المخزومي، ويقال: عمار بن ياسر، ويقال: شريك بن عبدة العجلاني، وأثبته عندنا أبو برزة([55]).

وقيل: إن الجميع ابتدر قتله، فكان المباشر أبو برزة([56]).

وقال الطبرسي: استبق إليه سعيد بن حريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عماراً فقتله([57]).

ولما دخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى ذي طوى، أقبل ابن خطل من أعلى مكة مدججاً بالحديد، على فرس، وبيده قناة. فمر ببنات سعيد بن العاص، فقال لهن: أما والله لا يدخلها محمد حتى ترين ضرباً كأفواه المزاد.

قالوا: ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة، فرأى خيل الله، ورأى القتال، فدخله رعب، حتى ما يستمسك من الرعدة، فرجع حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه، وطرح سلاحه، وأتى البيت، فدخل تحت أستاره، فأخذ رجل من بني كعب سلاحه، وأدرك فرسه عائراً، فاستوى عليه، ولحق برسول الله «صلى الله عليه وآله» بالحجون، وأمر «صلى الله عليه وآله» بقتله([58]).

ولنا توضيحات أو تأملات فيما تقدم، فلاحظ ما يلي من مطالب:

تغيير الاسم إحسان وتفضل:

وأول ما يواجهنا في قصة ابن خطل هو: أن النبي «صلى الله عليه وآله» غيَّر اسمه من عبد العزى إلى عبد الله.

وهذا التغيير، الذي يأتي من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والمطاع أمره، والنافذ قراره، يعد إحساناً وتفضلاً منه «صلى الله عليه وآله» على ابن خطل.

يضاف ذلك إلى ما له عليه من فضل وإحسان، بهدايته إلى الله تعالى، ودلالته على شرائعه، وإخراجه من الظلمات إلى النور.

وللأسماء إيحاءاتها، وتأثيراتها على النفس، وعلى المكانة، والنظرة، والسمعة، وفي كثير من الجهات، فتغيير الاسم من عبد العزى إلى عبد الله لا بد أن ينقل هذا الإنسان إلى أجواء تختلف عن الأجواء التي كان فيها، ولابد أن يتبع ذلك تبدل في المشاعر لديه، ولدى الآخرين، الذين يتعاملون معه، وتبدل في الإيحاءات وفي الخلجات، وفي الصور التي سوف تفرض نفسها بصورة عفوية، وسينتقل تلقائياً إلى جو جديد، ومحيط مختلف في ذلك كله وسواه.

الهروب إلى الأمام:

لم يكتف ابن خطل بارتكاب جريمته في حق رفيقه الذي بعثه النبي «صلى الله عليه وآله» معه، وكان يخدمه، فقتله لمجرد أنه نام ولم يصنع له الطعام الذي طلبه منه..

بل زاد على ذلك: بأن ارتد عن الإسلام، واستولى على ما كان في يده من أموال الصدقة، وهرب إلى مكة، وصار يقول الشعر في هجاء رسول الله «صلى الله عليه وآله».. ويأمر جاريتيه بأن يغنيا بهجائه «صلى الله عليه وآله»..

مع أنه لو اقتصر على الجريمة الأولى، لأمكن أن يكون له مخرج، بأن يعفو ولي المقتول، فيسقط القصاص. ولعل العفو يأتي من قبل النبي «صلى الله عليه وآله» مباشرة إذا رأى المصلحة في ذلك، فإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم..

ولكن شدة خبث سريرة هذا الرجل، وسوء نواياه، قد حجب اللطف الإلهي عنه، ووكله الله سبحانه إلى نفسه على قاعدة: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَهُ قُلُوبَهُمْ} ([59]).

فساقته شقوته إلى الإيغال في طريق الغي، فقد كان من الذين يقول الله تعالى فيهم: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} ([60]).

الكعبة لا تعيذ عاصياً ولا تمنع من إقامة الحد:

ثم إننا نقول:

1 ـ إن ابن خطل قد ارتكب جرائمه في حرم الله تعالى، فاستحق العقوبة عليها، ولا تراعى له حرمة في ذلك، لأنه لم يراع حرمات الله في حرم الله. ولو أنه ارتكب جرمه خارج الحرم، ثم دخل الحرم متعوذاً لكان اللازم هو التضييق عليه حتى يخرج منه، ليؤخذ، ويقام عليه الحد الواجب.. وذلك واضح لا يخفى.

2 ـ إن دخول ابن خطل تحت أستار الكعبة، يدل على معرفته بأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يعظم بيت الله، ولا يمكن أن يفعل أي شيء يؤدي إلى هتك حرمته، أو المساس بقدسيته..

وقد فاته: أن تطهير البيت من دنس الشرك والمشركين، وكبح جماح المجرمين، والذين تجرؤوا على حرمات الله، في حرم الله، وعند بيته المعظم ـ إن ذلك ـ لا يتنافى مع تعظيم البيت وتكريمه، بل هو واجب إلهي، وفرض إنساني وأخلاقي لا بد من تأديته على أكمل وجه وأتمه.

فليس لهؤلاء أن يتوقعوا أن يتركوا يمارسون هتك حرمة بيت الله، ثم يتخذون من الكعبة ملاذاً ومعاذاً، يمنع من التصدي لهم لإقامة حدود الله عليهم، وردعهم عن معصية الله في حرم الله.

 

 

4 ـ عبد الله بن سعد بن أبي سرح:

قال الحلبي الشافعي وابن إسحاق: «وإنما أمر بقتل عبد الله بن أبي سرح([61])، لأنه كان أسلم قبل الفتح، وكان يكتب لرسول الله «صلى الله عليه وآله» الوحي، وكان إذا أملى عليه: سميعاً بصيراً، كتب عليماً حكيماً، وإذا أملى عليه: عليماً حكيماً، كتب غفوراً رحيماً.

وكان يفعل مثل هذه الخيانات حتى صدر عنه أنه قال: إن محمداً لا يعلم ما يقول.

فلما ظهرت خيانته لم يستطع أن يقيم بالمدينة فارتدّ وهرب إلى مكة([62]).

وقيل: إنه لما كتب: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} إلى قوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ..} تعجب من تفصيل خلق الإنسان فنطق بقوله: {فَتَبَارَكَ اللَهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ} ([63]) قبل إملائه.

فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: اكتب ذلك، هكذا أنزلت.

فقال عبد الله: إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ، فارتد ولحق بمكة([64])، فقال لقريش: إني كنت أصرف محمداً كيف شئت، كان يملي عليّ عزيز حكيم. فأقول: أو عليم حكيم، فيقول: نعم، كل صواب([65]). وكل ما أقوله يقول: اكتب، هكذا نزلت.

فلما كان يوم الفتح، وعلم بإهدار النبي «صلى الله عليه وآله» دمه لجأ إلى عثمان بن عفان أخيه من الرضاعة([66])، فقال له: يا أخي استأمن لي رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبل أن يضرب عنقي.

فغيبه عثمان حتى هدأ الناس واطمأنوا، فاستأمن له، ثم أتى به إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فأعرض عنه النبي «صلى الله عليه وآله»، فصار عثمان يقول: يا رسول الله، أمنته؟ والنبي «صلى الله عليه وآله» يعرض عنه.

ثم قال: نعم.

فبسط يده فبايعه.

فلما خرج عثمان وعبد الله قال «صلى الله عليه وآله» لمن حوله: أعرضت عنه مراراً، ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.

وقال «صلى الله عليه وآله» لعباد بن بشر، وكان نذر إن رأى عبد الله قَتَلَه، أي وقد أخذ بقائم السيف، ينتظر النبي «صلى الله عليه وآله» يشير إليه أن يقتله، فقال له «صلى الله عليه وآله»: «انتظرتك أن تفي بنذرك».

قال: يا رسول الله خفتك، أفلا أومضت إليّ.

فقال: «إنه ليس لنبي أن يومض».

وفي رواية: «الإيماء خيانة ليس لنبي أن يومي»([67]).

فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله.

فقال «صلى الله عليه وآله»: إن النبي لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين([68]).

وقيل: إنه أسلم وبايع والنبي «صلى الله عليه وآله» بمرّ الظهران، وصار يستحيي من مقابلته، فقال «صلى الله عليه وآله» لعثمان: أما بايعته وأمنته؟

قال: بلى، ولكن يذكر جرمه القديم فيستحيي منك.

قال: «الإسلام يجبّ ما قبله». وأخبره عثمان بذلك، ومع ذلك فصار إذا جاء جماعة للنبي «صلى الله عليه وآله» يجيء معهم، ولا يجيء إليه منفرداً([69]).

قال الواقدي: «قالوا: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله «صلى الله عليه وآله» الوحي، فربما أملى عليه رسول الله «صلى الله عليه وآله» {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فيكتب عليم حكيم، فيقرأ رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فيقول: كذلك الله، ويقره.

وافتتن وقال: ما يدري محمد ما يقول. إني لأكتب له ما شئت. هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى محمد. وخرج هارباً من المدينة إلى مكة مرتداً، فأهدر «صلى الله عليه وآله» دمه يوم الفتح»([70]).

وعند الواقدي: أنه طلب من عثمان أن يحتبسه في مكان مّا، ثم يذهب إلى النبي «صلى الله عليه وآله» ليكلمه فيه، لأنه لو رآه لقتله، لأن جرمه أعظم جرم، فأصر عليه عثمان أن ينطلق معه.

فلم يرع رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلا بعثمان آخذ بيد ابن أبي سرح واقفين بين يديه، فكلمه فيه، فأعرض عنه. «وجعل عثمان كلما أعرض عنه النبي «صلى الله عليه وآله» بوجهه استقبله، فيعيد عليه هذا الكلام.

فإنما أعرض النبي «صلى الله عليه وآله» عنه إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه، لأنه لم يؤمنه.

فلما رأى أن لا يقدم أحد، وعثمان قد أكب على رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقبل رأسه، وهو يقول: يا رسول الله، تبايعه فداك أبي وأمي».

فقال: نعم.

ثم التفت إلى أصحابه، فقال: ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله؟! أو قال: الفاسق.

فقال عباد بن بشر: ألا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية، رجاء أن تشير إليَّ فأضرب عنقه.

ويقال: قال هذا أبو اليسر (أو أبو البشير).

ويقال: عمر بن الخطاب.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: إني لا أقتل بالإشارة، أو إن النبي لا تكون له خائنة الأعين([71]).

قال الصالحي الشامي وغيره: وحسن إسلامه بعد ذلك، وولاه عمر بعض أعماله، ثم ولاه عثمان، ومات وهو ساجد في صلاة الصبح، أو بعد انقضائها، وكان أحد النجباء، الكرماء، العقلاء من قريش، وكان فارس بني عامر بن لؤي المقدم فيهم([72]).

ابن أبي سرح أعظم إجراماً:

إن من يراجع حديث الذين أهدر النبي «صلى الله عليه وآله» دمهم يلاحظ: أن النبي رغم إصداره هذا القرار الحازم الحاسم بقتل هؤلاء سرعان ما يعفو عنهم، ويعطيهم الأمان بمجرد أن يطلب ذلك منه، ولاسيما بعد أن كسرت شوكتهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت..

غير أن من بين جميع هؤلاء يوجد استثناء واحد، كان النبي «صلى الله عليه وآله» حريصاً على إنفاذ الأمر بقتله أكثر من سائرهم، لولا تدخل عثمان بن عفان، وعدم التفات من حضر من المسلمين إلى ما كان ينبغي لهم أن يفعلوه لحظة مجيء ابن أبي سرح إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» في ظل حماية عثمان له..

فما هو السر لتلك السهولة في العفو والسماح هناك، والرغبة في إجراء الأمر هنا؟!

إن الإجابة على هذا السؤال، وإن كانت تحتاج إلى مزيد من البسط والبيان، لكننا سنكتفي بالإلماح إلى بعض النقاط التي تفتح نافذة يستطيع الباحث عن الحقيقة أن يطل منها على الأسباب والمعطيات لكلا موقفيه «صلى الله عليه وآله»، فنقول:

إن الذي اقتضى إهدار دم هؤلاء هو جرائم وفظائع ارتكبوها، في حق الدين والإنسانية، لصد الناس عن الحق، وزعزعة أركانه، وتقويض بنيانه.. لكن جرائمهم هذه تختلف فيما بينها، فهناك جرائم رغم بشاعتها، وفظاعتها، تبقى محصورة في نطاقها الخاص، بل ربما يكون الزمن قد تجاوزها، بعد أن ضرب الإسلام بجرانه، وبعد ثبات ورسوخ قواعده وأركانه..

كما أن بعضها الآخر قد يكون بنفسه سبباً لنفرة الناس من فاعله، لأنه يجرح العاطفة الإنسانية، ويصدم الروح، وتتقزز منه النفس.

ومن ذلك: إقدام هند بنت عتبة على استخراج كبد الحمزة، والتشفي بقطع أطرافه «عليه السلام»، وجعلها قلادة تتزين بها.

كما أن بعضها الآخر البشعة والقاسية، قد يرتبط في أذهان الناس بشخص ما، فيكون بنظره حقاً له.

كما أن بعض تلك الجرائم يمكن تجاوزه والعفو عنه، لمصلحة أقوى منه تقتضي ذلك. ولعلهم يرون أن قضية هبار بن الأسور مع زينب من هذا القبيل.

بل وكذلك الحال بالنسبة لأولئك الذين هجوا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أو تغنوا بهجائه، سعياً منهم في توهين أمره «صلى الله عليه وآله»، وصد الناس عن الإيمان به..

ولكن الحال بعد انتصار الإسلام في مكة قد تغير، وأصبح بالإمكان تجاوز هذه السلبية، بسبب قوة الإسلام، التي قد تفرض على نفس هؤلاء السعي إلى جبر ذلك الكسر، ومدح الرسول «صلى الله عليه وآله» بما هو فيه.

وليظهر للناس مدى التزوير والتضليل الذي كانوا يمارسونه لصدهم عن الحق، وإضعاف أمر نبي الله «صلى الله عليه وآله» في القلوب والنفوس.

وتبقى جريمة عبد الله بن سعد بن أبي سرح هي الأشد خطراً، والأبعد والأقوى أثراً، من حيث إنها تستهدف النبوة في الصميم، وتثير شبهة لا يقوى الإنسان العادي على دفعها، ولا على التخلص من آثارها..

وهي شبهة لا يحدها زمن، ولا تنتهي عند جيل من الناس.. بل هي تسري عبر الأجيال إلى آخر الزمان.. حيث إن هذا الرجل قد زعم: أنه يستطيع أن ينزل قرآناً مثل الذي أنزل على محمد «صلى الله عليه وآله».

وزعم أيضاً: أنه كان يغيِّر في الآيات، ويكتب سميعاً بصيراً، بدل حكيماً عليماً مثلاً، ولا يلتفت النبي «صلى الله عليه وآله» إلى فعله هذا، بل كان يرضى بفعله أحياناً، ولا يفرق بين ما نزل عليه، وبين ما كتبه ابن أبي سرح من عند نفسه..

وهذه شبهة هائلة، وخبيثة، وسيئة الأثر، لأن الإنسان العادي لا يملك سبيلاً إلى دفعها، أو التخلص من الآثار التي تتركها في روحه ووجدانه، إذا ثار لديه احتمال أن يكون ثمة من يقدر على مجارات القرآن، ويغير في كلماته من عند نفسه، ولا شك في أن هذا يؤثر في يقينه، وفي صحة إيمانه. ويجعله فريسة سهلة لأصحاب الأهواء، وطلاب اللبانات، وما أكثرهم!!.

بين الحياء، وظن السوء:

وقالوا: إن ابن أبي سرح لم يكن يأتي إلى مجلس النبي «صلى الله عليه وآله» فأخبروا النبي «صلى الله عليه وآله» بذلك.

وزعموا: أنه لا يأتيه حياءً، فقال «صلى الله عليه وآله»: الإسلام يجب ما قبله، وأخبروه بذلك. ومع ذلك، فإنه صار يأتي إليه مع الجماعات، ولا يأتيه منفرداً..

ونقول:

إن اتهام ابن أبي سرح بالحياء لا يمكن أن يكون مرضياً ولا مقبولاً، فإن تاريخه يشهد بخلاف ذلك.

ولعل الصحيح هو: أنه كان لا يأتي النبي «صلى الله عليه وآله» خشية من أن يقتل عنده، وبإيماءة منه إلى بعض أصحابه، لأنه يظن أنه «صلى الله عليه وآله» إنسان غادر لا يؤمن جانبه. أي أنه يقيس النبي «صلى الله عليه وآله» على نفسه..

ويكفي أن نذكر: أنه يقتل حامل رسالة عثمان إليه، فإنه حين جعله عثمان عاملاً له على مصر، وشكاه المصريون. أرسل عثمان إليه كتاباً ينهاه فيه عما شكاه المصريون من أجله، فأبى أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه به من قبل عثمان من أهل مصر حتى قتله.. فكان ذلك من أسباب خروج المصريين إلى عثمان.. وتطورت الأمور حتى قتل عثمان([73]).

تبارك الله أحسن الخالقين:

وعن قولهم: إنه وافق ما أنزل الله، حين قال: {فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ}.

نقول:

إنه غير صحيح.

أولاً: لأن الآية المذكورة قد وردت في سورة «المؤمنون» وهي من السور المكية، واستثني منها قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} ـ إلى قوله ـ {مُبْلِسُونَ} ([74]).

على أنهم قد ادّعو: أن عمر بن الخطاب أيضاً قد وافق ربه (أو وافقه ربه) في هذا الجزء من الآية.. فراجع([75]). فأي ذلك هو الصحيح؟! وإن كنا نعتقد أنهما معاً من المكذوبات!!

ثانياً: إن زيد بن ثابت ينقل: «أن النبي «صلى الله عليه وآله» أملى آيات خلق الإنسان عليه، فقال معاذ بن جبل: فتبارك الله أحسن الخالقين، فضحك رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقال له معاذ: ما أضحكك يا رسول الله؟

قال: إنها ختمت: {فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ}»([76]).

ومن الواضح: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن يملي الآية على كل من كان يكتب، بل كان يمليها على أحد الكتاب، أو على من حضر منهم.. فلا معنى للقول بتكرار الحادثة تارة مع معاذ بن جبل، وأخرى مع ابن أبي سرح!!

عثمان وأخوه، وعلي × وأخته:

وقد قرأنا فيما سبق: موقف علي «عليه السلام» من الذين أجارتهم أخته أم هاني بنت أبي طالب، حيث أصر على قتلهم، ولم يرض من أخته أن تجيرهم، حتى اشتكته إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فجاءه قبول إجارتها لهم من الرسول «صلى الله عليه وآله» مباشرة.

ولكن عثمان ليس فقط لا يبادر إلى تنفيذ أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» في ابن أبي سرح، بل هو يخبؤه في بيته، ثم يأتي به إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويبدأ في التماس الأمان له، ويعرض عنه رسول الله «صلى الله عليه وآله» مرة بعد أخرى، ولا يرتدع ولا يتراجع.

حتى اقتنص من النبي «صلى الله عليه وآله» الأمان له على مضضٍ، وبمزيد من المرارة، بل هم ينقلون: أنه «صلى الله عليه وآله» حتى بعد أن أعطاه الأمان قد وصفه بـ «الكلب»، وأظهر العتب على من حضره من المسلمين: كيف لا يقتلونه وهم يرون امتناعه عن إعطائه الأمان..

فما هذه المخالفات الظاهرة من عثمان؟

ولماذا هذا الإصرار على كسر القرار النبوي بقتل ذلك الكلب على حد تعبير النبي «صلى الله عليه وآله»؟

ولماذا يريد عثمان الحياة لشخص يريد الله ورسوله له أن يقتل؟

وأي نفع للإسلام وللمسلمين من حياة من يريد الله ورسوله له ذلك؟!

كله صواب:

تقدم قول ابن أبي سرح: إن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يملي عليه عزيز حكيم، فيقول ابن أبي سرح: أو عليم حكيم، فيقول له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: كل صواب.

ونقول:

قد لا يكون الحكم على هذه الرواية بأنها مكذوبة من الأساس صواباً، لأن قول ابن أبي سرح: أو عليم حكيم، ليس من الأوصاف المكذوبة على الله تعالى، فإنه عزيز، وعليم، وحكيم حقاً بلا ريب، فيكون قول النبي «صلى الله عليه وآله»: كل صواب، في محله.. لأن هذا وذاك مما يصح وصف تعالى الله به..

وليس مقصوده «صلى الله عليه وآله»: تصويب كون هذا جزءاً للآية، كصوابية كون ذاك جزءاً لها.

أما بالنسبة لرواية الكافي عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما «عليهما السلام» قال: سألته عن قول الله عز وجل: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}([77]). قال نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر وهو من كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم فتح مكة هدر دمه وكان يكتب لرسول الله «صلى الله عليه وآله» فإذا أنزل الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. كتب: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، فيقول له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: دعها فإن الله عليم حكيم. وكان ابن أبي سرح يقول للمنافقين: إني لأقول من نفسي مثل ما يجيء به فما يغيِّر عليّ، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه الذي أنزل. ـ فإن هذه الرواية ـ لا تنافي ما ذكرناه، فإن المقصود بقوله دعها: هو أن يدع الآية التي أنزلت على ما هي عليه من دون تغيير، فالضمير في قوله دعها يعود إلى الآية الأولى، أي اتركها في مكانها ولا تغير فيها، فإننا نقر أن الله عليم حكيم ولكن ليس هذا موقع كلمة عليم التي تريد أن تستبدل بها كلمة عزيز.

أما إذا كان الضمير يرجع إلى الفقرة التي يريد ابن أبي سرح أن يكتبها، فالمقصود بقوله دعها: أي اتركها وأسقطها، فإن هذا الموقع ليس محلاً لها، مع العلم أن الله عليم حكيم بلا ريب.

استأمن له، ثم أتى به:

وأما ما ذكره الحلبي: من أن عثمان استأمن لابن أبي سرح، ثم جاء به إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فأعرض عنه، فهو:

أولاً: كلام متناقض. لأنه إذا كان مقصود عثمان بقوله: قد أمنته، أنه أخذ له الأمان من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فلا معنى لأن يعطيه النبي «صلى الله عليه وآله» الأمان، ثم يعرض عنه مرة بعد أخرى.

ثم يقول: نعم، فيبسط يده فيبايعه. ولا يصح أن يطلب عثمان له الأمان من النبي «صلى الله عليه وآله» بعد ذلك، ويصر عليه فيه..

ثانياً: قد صرحت رواية الواقدي: بأن النبي «صلى الله عليه وآله» إنما أعرض عنه «إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه، لأنه لم يؤمنه».

أين كان علي ×؟!:

وقد يسأل سائل: لماذا لم يقم علي بن أبي طالب «عليه السلام»، فيقتل ابن أبي سرح، حين كان النبي «صلى الله عليه وآله» يعرض عنه مرة بعد أخرى؟! فإنه لا شك في أن علياً «عليه السلام» كان أعرف الناس بمرادات رسول الله «صلى الله عليه وآله».

ويمكن أن يجاب: بأنه لم يثبت أن علياً «عليه السلام» كان حاضراً في ذلك المجلس، ولكن عمر كان حاضراً جزماً، حتى زعموا: أنه كان ـ كأبي اليسر، أو كعباد بن بشر ـ يتتبع طرف النبي «صلى الله عليه وآله» في كل ناحية، رجاء أن يشير إليه ليضرب عنقه..

كما أن عثمان الذي يصر على رسول الله «صلى الله عليه وآله» بأن يعطيه الأمان، ولا يبالي بإعراض النبي «صلى الله عليه وآله» عنه مرة بعد أخرى. كان ينبغي أن يبادر إلى تنفيذ أمر النبي «صلى الله عليه وآله» فيه، لا أن يأتي شافعاً له إلى حد الإلحاح..

وملامة النبي «صلى الله عليه وآله» لأصحابه على عدم مبادرتهم إلى قتله تدل على أن لزوم قتله كان على درجة من البداهة والوضوح، بحيث صح للنبي «صلى الله عليه وآله» أن يرجو مبادرتهم إليه، ثم صح له أن يلومهم على عدم إقدامهم عليه..

الوسطاء لابن أبي سرح:

وذكر عكرمة والحسن البصري: أن الذين سعوا لدى النبي «صلى الله عليه وآله» ليؤمن ابن أبي سرح هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان.

وزعموا: أنه هو الذي نزل فيه قوله تعالى {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ([78]).

مع أنه هذه الآية قد نزلت في عمار([79])، أو في غيره من الذين فتنوا عن دينهم([80]).

علماً بأن ابن أبي سرح لم يهاجر.

ولم يفتن عن دينه كما جرى لعمار.

ولم يجاهد ولم يصبر.

وإنما افتتن وارتد.

هذا كله، عدا عن أن هذا يتنافى مع ما أسلفناه، من ادِّعائهم أن عمر كان يتتبع طرف رسول الله «صلى الله عليه وآله» علَّه يشير إليه بقتله.

مات وهو ساجد:

ولا ندري ماذا نقول في رجل يصفه هؤلاء: بأنه من النجباء، الكرماء، العقلاء في قريش. وكان المقدم في بني عامر، وأنه حسن إسلامه، وأنه مات وهو ساجد في صلاة الصبح و.. و.. الخ..؟! مع أن حياته مليئة بما يدل دلالة واضحة على ضد ذلك، ويكفي أن نشير إلى ما يلي:

إن عثمان ولاه مصر سنة خمس وعشرين، وأعطاه خُمس جميع ما أفاءه الله على المسلمين في فتح إفريقية([81])، والذي بلغ من كثرته أن قالوا: إن سهم الفارس في فتح إفريقية بلغ ثلاثة آلاف مثقال ذهباً، وسهم الراجل ألف مثقال([82]).

وقال ابن قتيبة: إن أهل مصر جاؤوا يشكون ابن أبي سرح، عاملهم. فكتب إليه عثمان يتهدده، فأبى أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه به من قبل عثمان من أهل مصر حتى قتله، فخرج من أهل مصر سبع مائة إلى عثمان، ودخل معهم علي «عليه السلام»، فكان مما قاله «عليه السلام» لعثمان: إنما يسألونك رجلاً مكان رجل، وقد ادَّعوا قِبَلَهُ دماً، فاعزله عنهم، واقض بينهم([83]).

عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} ([84])، قال: ذاك عمار.

وفي قوله تعالى: {ولَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} ([85]) قال: عبد الله بن سعد بن أبي سرح([86]).

5 ـ عبد الله بن الزبعرى:

وكان ابن الزبعرى يهجو المسلمين، ويحرض عليهم كفار قريش وكان من شعراء العرب، وهو الذي تمثَّل يزيد «لعنه الله» بأبياته التي قالها في غزوة أحد. وذلك حين جيء إليه برأس الإمام الحسين «عليه السلام» وبالأسارى، فصار ينكت ثنايا الإمام «عليه السلام» بقضيب كان في يده «لعنه الله».

وكان ابن الزبعرى يهجو النبي «صلى الله عليه وآله» أيضاً، ويعظم القول فيه، وهو الذي ألقى الفرث والدم عليه الله «صلى الله عليه وآله» وهو يصلي، ثم جاء أبو طالب، وسل سيفه، فأمرَّ ذلك الفرث على لحاهم وأسبلتهم([87]).

وكان أيضاً يهجو أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله»، ويحرض المشركين على قتالهم.

ويوم الفتح سمع أن النبي «صلى الله عليه وآله» أهدر دمه، فهرب إلى نجران وسكنها([88]).

وقال أبو عمر بن عبد البر: إن حسان بن ثابت رماه وهو في نجران ببيت واحد، فما زاد عليه:

لا تـعد من رجـلاً أحـلـك بغضه          نـجـران في عـيـش أجــد لـئـيـم

فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى قدم على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأسلم، وحسن إسلامه([89]).

وقال الصالحي الشامي وغيره:

فأرسل حسان بن ثابت أبياتاً يريد بها ابن الزبعري:

لا تـعدمـن رجـلاً أحلك بغضه            نـجـران في عيـش أحـذ لـئــيـم

بليت قناتك في الحروب فألفـيت                 خــوارة خـوفـاء ذات وصـــوم

غضب الإله على الزبعرى وابنـه               وعـــذاب سـوء في الحياء مقيم([90]).

وذكر ابن إسحاق البيت الأول فقط.

فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان، خرج إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو جالس في أصحابه، فلما نظر إليه رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: «هذا ابن الزبعرى، ومعه وجه فيه نور الإسلام».

فلما وقف على رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، الحمد الله الذي هداني للإسلام، لقد عاديتك، وأجلبت عليك، وركبت الفرس والبعير، ومشيت على قدمي في عداوتك، ثم هربت منك إلى نجران، وأنا أريد أن لا أقر بالإسلام أبداً، ثم أرادني الله منه بخير، وألقاه في قلبي، وحببه إلي. وذكرت ما كنت فيه من الضلالة، واتباع ما لا ينبغي، من حجر يذبح له ويعبد، لا يدري من عبده، ولا من لا يعبده.

قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «الحمد لله الذي هداك للإسلام، إن الإسلام يجب ما كان قبله»([91]).

وقال عبد الله حين أسلم:

يـا رسـول المـلـيـك إن لســـاني                 راتــق مــا فـتـقـت إذ أنـا بـــور

إذ أباري الشيطان في سنن الغـي               ومــــن مـــــال مـيـلــه مـثبور

آمـن الـلـحــم والـعـظـام لربي           ثـم قـلـبـي الـشـهـيد أنت النذير

إنـني عـنـك زاجـر ثـم حـيـــا             مـن لـؤي وكـلـهــم مـغــرور([92])

وقال عبد الله أيضا حين أسلم:

منـع الـرقـاد بـلابــل وهـمـوم           والـلـيـل مـعـتـلـج الـرواق  بهيم

ممــا أتــاني أن أحـمــد لامــني          فـيــه فــبــت كــأنــني محـمـوم

يا خـير من حمـلت على أوصالهـا              عـيرانـــة سـرح اليـديـن غشـوم

إنـي لمـعـتـذر إلـيـك من الـذي           أسـديـت إذ أنـا في الضـلال أهيم

أيــام تــأمــرني بـأغــوى خطة         سـهـم وتـأمــــرني بهــا  مخــزوم

وأمـد أسـبـاب الـردى ويقودنى                 أمـر الـوشـاة وأمـرهــم  مـشـؤم

فـالـيـوم آمــن بــالــنـبي محمد          قـلـبـي ومخـطــئ هــذه  محــروم

مضت العـداوة فانقضت أسبابها                ودعـت أواصـر بـيـنـنـا  وحـلوم

فـاغفر فـدى لك والداي كلاهما          زلـلي فـإنـــك راحـم  مـرحــوم

وعليك من علم المليك عـــلامة         نــور أغــر وخــاتـــم  مخــتـوم

أعـطــاك بعــد محـبــــة برهانه         شــرفـــاً وبـرهــان الإله عظيـم

ولقـد شـهـدت بأن دينك صادق          حـق وأنـك في الـعـبــاد  جسـيم

والله يـشـهـد أن أحمـد مصطـفى                مسـتـقـبـل في الصـالحـين كريـم

قـرم عـلا بـنـيــانـــه من هاشم          فــرع تمـكـن في الــذرى وأروم([93])

ونقول:

إننا لا نناقش في أن يكون ابن الزبعرى وسواه يمدحون رسول الله «صلى الله عليه وآله» بمثل هذه المدائح، أو بما هو أجل وأعظم منها ولكننا نشك كثيراً في صحة ما يدَّعى: من أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أشار إلى وجود نور الإسلام في وجه هؤلاء الذين قضوا عمرهم في حرب هذا الدين، ولم يسلموا إلا بعد أن فقدوا كل أمل بالإنتصار عليه، وبعد أن أهدر النبي «صلى الله عليه وآله» دمهم، ولم يعودوا يأمنون على حياتهم، حتى من أقرب الناس إليهم.

فإن الاستسلام للأمر الواقع، أو التظاهر بالإسلام شيء، والإسلام الصادق وظهور نوره في الوجه شيء آخر..

6 ـ الحويرث بن نقيدر:

قالوا: كان الحويرث بن نقيدر يؤذى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد نخس بزينب بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما هاجرت إلى المدينة، فأهدر النبي «صلى الله عليه وآله» دمه.

فبينما هو في منزله قد أغلق عليه بابه، سأل عنه على بن أبي طالب «عليه السلام»، فقيل: هو بالبادية.

فأخبر الحويرث أنه يطلب، فتنحى علي «عليه السلام» عن بابه، فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى آخر، فتلقاه علي «عليه السلام»، فضرب عنقه([94]).

وقالوا أيضا: كان العباس بن عبد المطلب حمل فاطمة، وأم كلثوم بنتي رسول الله «صلى الله عليه وآله» من مكة يريد بهما المدينة، فنخس بهما الحويرث، فرمى بهما الأرض([95]).

وكان (يؤذي) يعظم القول في رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وينشد الهجاء فيه، ويكثر أذاه وهو بمكة([96]).

ونقول:

أولاً: إن العباس بن عبد المطلب لم يحمل فاطمة ولا سواها من بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله» من مكة إلى المدينة، بل كان علي «عليه السلام» هو الحامل للفواطم من مكة يوم الهجرة.

ثانياً: إن أم كلثوم لم تكن بنتاً لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، بل كانت ربيبة زوجته من قبل أختها على ما يظهر.. فراجع كتابنا: «بنات النبي أم ربائبه»، وكتابنا: «القول الصائب في إثبات الربائب».

ثالثاً: لعل الصحيح هو الرواية التي تقول: إن هذا الرجل كان هو وهبار، وقد نخساً ربيبة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فسقطت، وأسقطت، حسبما تقدم([97]).

أسلوب استدراجي:

وقد لوحظ: أن الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام»، لم يهاجم ذلك الرجل في بيته. ولعل سبب ذلك:

أولاً: أنه لم يرد أن يفهم بعض قاصري النظر: أنه «عليه السلام» قد نقض قول رسول الله «صلى الله عليه وآله»: من أغلق بابه فهو آمن، ثم أن يتخذ المغرضون ذلك ذريعة للتشنيع على الإسلام وأهله، واتهام علي «عليه السلام» بعدم احترام قرار النبي «صلى الله عليه وآله». ثم اتهام النبي «صلى الله عليه وآله» بأنه قد شارك في ذلك، من حيث إنه لم يعترض على علي «عليه السلام» فيما فعله، ولا اتخذ إجراءً ضده.

مع أن من البديهي: أن النداء بالأمان لمن أغلق باب داره لا يشمل الذين أهدر النبي «صلى الله عليه وآله» دمهم..

ثانياً: قد يكون «عليه السلام» أراد أن يتجنب إلحاق أي أذى بالآخرين الذين قد يكونون في ذلك البيت، ولو بمقدار إثارة جوٍ من الرهبة والخوف لديهم..

فاتجه صلوت الله وسلامه عليه إلى أسلوب استدراجي، أخرج ذلك المجرم إلى الشارع، وأجرى فيه أوامر رسول الله «صلى الله عليه وآله».. فقد سأل عنه بنحو أوصل إليه الخبر، بأن ثمة من يبحث عنه، إذ إن من الطبيعي أن يكون بيت الرجل أول هدف للبحث وهو المنطلق، فيفتش البيت أولاً، ويسأل عنه ساكنيه، ثم يسأل عنه جيرانه، وربما بعض أهل عشيرته، وأصدقائه. ثم يواصل البحث وفق المعطيات التي توفرت لديه، بسبب هذه الأسئلة الإستقصائية..

فلما سأل عنه علي «عليه السلام» بادر المطلوب إلى الإبتعاد عن هذه النقطة الحساسة، والمقصودة والمرصودة، ليكون أكثر أمناً. وأكثر قدرة على الحركة في الإتجاهات المختلفة فإن ابتعاده عن موطن الخطر. يمكِّنه من أن يتدبر أمره، وفق ما يتوفر له من معطيات..

فكان علي «عليه السلام» له بالمرصاد.. وأنزل فيه ما يستحقه من جزاء..

7 ـ هبار بن الأسود:

كان هبار بن الأسود شديد الأذى للمسلمين، وعرض لزينب بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما هاجرت فنخس بها، أو ضربها بالرمح، فسقطت عن راحلتها، فأسقطت، ولم يزل ذلك المرض بها حتى ماتت([98])، فلما كان يوم الفتح، وبلغه أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أهدر دمه، أعلن بالإسلام، فقبله منه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعفا عنه([99]).

وزعموا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: «إن لقيتم هباراً هذا فأحرقوه، ثم قال: إنما يعذب بالنار رب النار، إن ظفرتم به فاقطعوا يده ورجله، ثم اقتلوه. فلم يوجد يوم الفتح، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه([100]).

ويذكر: أنه لما أسلم، وقدم المدينة مهاجراً جعلوا يسبونه، فذكر ذلك للنبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: «سب من سبك» فانتهوا عنه.

وهذا السياق يدل على: أنه أسلم قبل أن يذهب إلى المدينة.

وفي لفظ: ولما رجع النبي «صلى الله عليه وآله» إلى المدينة جاء هبار رافعاً صوته، وقال: يا محمد، أنا جئت مقراً بالإسلام، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. واعتذر إليه. أي قال له بعد أن وقف عليه: السلام عليك يا نبي الله، لقد هربت منك في البلاد، فأردت اللحوق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتك وفضلك في صفحك عمن جهل عليك، وكنا يا نبي الله أهل شرك فهدانا الله بك، وأنقذنا بك من الهلكة، فاصفح عن جهلي، وعما كان مني، فإني مقر بسوء فعلي.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: يا هبار، عفوت عنك، وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام، والإسلام يجب ما قبله.

وقوله: «مهاجراً» فيه، إنه لا هجرة بعد فتح مكة.

إلا أن يقال: هي مجاز عن مجرد الإنتقال عن محل إلى آخر([101]).

غير أننا نقول:

قال الواقدي: بينا رسول الله «صلى الله عليه وآله» جالس بالمدينة في أصحابه، إذ طلع هبار بن الأسود ـ وكان لَسِناً ـ فقال: يا محمد، سبّ من سبّك، إني جئت مقراً بالإسلام، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله الخ..

فقبل منه رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فخرجت سلمى مولاة النبي «صلى الله عليه وآله»، فقالت: لا أنعم الله بك عيناً، أنت الذي فعلت وفعلت.

فقال: إن الإسلام محا ذلك.

ونهى رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن سبه والتعرض له([102]).

ثم ذكر الواقدي وغيره، عن جبير بن مطعم: إن هباراً أسلم بعد منصرف النبي «صلى الله عليه وآله» من الجعرَّانة، حين فرغ «صلى الله عليه وآله» من حنين حيث طلع عليه، وهو جالس في مسجده، فأراد بعضهم القيام إليه، فأشار إليه النبي «صلى الله عليه وآله» أن اجلس، فأسلم هبار واعتذر إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فقبل منه.

وعن الزبير بن العوام: «ما رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» ذكر هباراً قط إلا تغيّظ عليه، ولا رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعث سرية قط إلا قال: إن ظفرتم بهبار فاقطعوا يديه ورجليه، ثم اضربوا عنقه.

فوالله، لقد كنت أطلبه وأسأل عنه، والله يعلم لو ظفرت به قبل أن يأتي إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» لقتلته.

ثم طلع على رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأنا عنده جالس، فجعل يعتذر إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويقول: سُبّ يا محمد من سَبّك وأوذي من آذاك، فقد كنت موضعاً في سبِّك وأذاك، وقد نصرني الله وهداني إلى الإسلام.

قال الزبير: فجعلت أنظر إلى النبي «صلى الله عليه وآله» وإنه ليطأطئ رأسه استحياءً مما يعتذر هبار، فقال له: قد عفوت عنك، والإسلام يجب ما قبله.