الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الرابع والعشرون

 

المركز الإسلامي للدراسات


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الباب الثاني:

غزوة حنين.. الهزيمة.. الجريمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين..

وبعد..

نتابع فيه حديثنا عن هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الإسلام، والتي انتهت بسقوط عنفوان الشرك، في المنطقة بأسرها.. لتكون الهيمنة المطلقة للإسلام وللمسلمين، باعتراف صريح من رموز الشرك، وعتاته، وفراعنته، وجباريه.

وتتمثل نهايات هذه المرحلة بحسم الأمر بالنسبة لقبيلة هوازن في حنين وأوطاس.. وسقوط ثقيف وخثعم في الطائف..

ثم تبع هذه المرحلة تداعيات طبيعية، تمثلت بانثيال وفود قبائل العرب على المدينة، ليعلنوا ولاءهم، وتأييدهم، وقبولهم بالإسلام ديناً، واعترافهم بمحمد نبياً..

والذي يعنينا الحديث عنه في هذا الباب وفصوله هو عرض ما جرى في حنين، وأوطاس، والطائف..

وأما الحديث عن الوفود، وعن سائر الأحداث الهامة، فنأمل أن نوفق للتعرض له فيما سوى ذلك من أبواب إن شاء الله تعالى..

فنقول.. ونتوكل على خير مأمول ومسؤول:

 


 

 

 

 

 

 

بـدايـة:

إن النصوص التاريخية تؤكد على: أن قبيلة هوازن هي التي بادرت إلى جمع الجموع وتحركت من أماكن سكناها باتجاه المسلمين، لتورد ضربتها الحاسمة فيهم، فلما سمع رسول الله «صلى الله عليه وآله» بجمعها، وبتحركها، سار إليها.

وسنحاول في هذا الفصل متابعة أحداث هذا التحرك، والأجواء المهيمنة على هذا المسير، فإلى ما يلي من عناوين ومطالب، ومن الله نستمد العون والقوة، ونبتهل إليه أن يمنحنا التوفيق والتسديد، إنه ولي قدير وبالإجابة حري جدير..

هوازن تحشد وتستعد:

قال المؤرخون، والمؤلفون:

[وتسمى أيضاً غزوة هوازن، لأنهم الذين أتوا لقتال رسول الله «صلى الله عليه وآله». عن أبي الزناد: أقامت هوازن سنة تجمع الجموع وتسير رؤساؤهم في العرب، تجمعهم]([1]).

قال أئمة المغازي: لما فتح رسول الله «صلى الله عليه وآله» مكة مشت أشراف هوازن، وثقيف بعضها إلى بعض، (وكان أهلها عتاة، مردة، مبارزين)([2]) وأشفقوا أن يغزوهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقالوا: قد فرغ لنا فلا ناهية له دوننا، والرأي أن نغزوه.

فحشدوا، وبغوا، وقالوا: والله، إن محمداً لاقى قوماً لا يحسنون القتال، فأجمعوا أمركم، فسيروا في الناس، وسيروا إليه قبل أن يسير إليكم.

فأجمعت هوازن أمرها، وجمعها مالك بن عوف بن سعد بن ربيعة النصري، وهو ـ يوم حنين ـ ابن ثلاثين سنة، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، ونصر، وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، وهم قليل.

قال محمد بن عمر: لا يبلغون مائة، ولم يشهدها من قيس عيلان. إلا هؤلاء، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، مشى فيها ابن أبي براء فنهاها عن الحضور، وقال: والله، لو ناوأوا محمداً من بين المشرق والمغرب لظهر عليهم([3]).

وكان في جشم دريد بن الصمة وهو يومئذ ابن ستين ومائة.

ويقال: عشرين ومائة سنة، وقيل: مائة وخمسون سنة. وقيل: مائة وسبعون سنة([4]). (وذكر السيد محسن الأمين: المكثر يقول بلغ المائتين والمقل المائة والعشرين)([5]) وهو شيخ كبير قد عمي، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه، ومعرفته بالحرب، وكان شيخاً مجرباً قد ذكر بالشجاعة والفروسية وله عشرون سنة([6]).

فلما عزمت هوازن على حرب رسول الله «صلى الله عليه وآله» سألت دريداً الرياسة عليها، فقال: وما ذاك؟! وقد عمي بصري، وما استمسك على ظهر الفرس؟ ولكن أحضر معكم لأن أشير عليكم برأيي على أن لا أخالَف، فإن كنتم تظنون أني أخالف أقمت ولم أخرج.

قالوا: لا نخالفك.

وجاءه مالك بن عوف، وكان جماع أمر الناس إليه، فقالوا له: لا نخالفك في أمر تراه.

فقال له دريد: يا مالك، إنك تقاتل رجلاً كريماً، قد أوطأ العرب، وخافته العجم ومن بالشام، وأجلى يهود الحجاز، إما قتلاً وإما خروجاً على ذل وصغار، ويومك هذا الذي تلقى فيه محمداً له ما بعده.

قال مالك: إني لأطمع أن ترى غداً ما يسرك.

قال دريد: منزلي حيث ترى، فإذا جمعت الناس صرت إليك، فلما خرج من عنده طوى عنه أنه يسير بالظعن والأموال مع الناس([7]).

وكان قائد ثقيف ورئيسهم كنانة بن عبد ليل، وقيل قارب بن الأسود([8]).

وكان جملة من اجتمع من بني سعد وثقيف أربعة آلاف، وانضمت إليهم أعداد من سائر العرب، جموع كثيرة، كان مجموعهم كلهم ثلاثين ألفاً، وجعلوا أمر الجميع إلى مالك بن عوف([9]).

فلما أجمع مالك المسير بالناس إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أمر الناس، فخرجوا معهم أموالهم، ونساؤهم، وأبناؤهم. ثم انتهى إلى أوطاس، فعسكر به، وجعلت الأمداد تأتي من كل جهة، وأقبل دريد بن الصمة في شجار له يقاد به من الكبر، فلما نزل الشيخ لمس الأرض بيده، وقال: بأي واد أنتم؟

قالوا: بأوطاس.

قال: نعم مجال الخيل، لا حَزْنٌ ضرسٌ، ولا سهل دَهِس. مالي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، وبعار الشاء، وخوار البقر؟

قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم، ونساءهم، وأموالهم.

فقال دريد: قد شرط لي ألا يخالفني، فقد خالفني، فأنا أرجع إلى أهلي وتارك ما هنا.

قيل: أفتلقى مالكاً فتكلمه؟

فدُعي له مالك، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام. مالي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، وبعار الشاء، وخوار البقر؟!

قال: قد سقت مع الناس أبناءهم، ونساءهم، وأموالهم.

قال: ولم؟

قال: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله وماله يقاتل عنهم.

فأنقض به دريد، وقال: راعي ضأن والله، ما له وللحرب. وصفق دريد بإحدى يديه على الأخرى تعجباً، وقال: هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً، فارفع الأموال، والنساء، والذراري إلى عليَا قومهم، وممتنع بلادهم، ثم القَ القوم على متون الخيل، والرجال بين أصفاف الخيل، أو متقدمة دريَّة أمام الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك الفاك ذلك، وقد أحرزت أهلك ومالك.

فقال مالك بن عوف: والله، لا أفعل، ولا أغيّر أمراً صنعته، إنك قد كبرت وكبر علمك، أو قال عقلك. وجعل يضحك مما يشير به دريد.

فغضب دريد وقال: هذا أيضاً يا معشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي، إن هذا فاضحكم في عورتكم، وممكّن منكم عدوكم، ولاحق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا واتركوه.

فسل مالك سيفه، ثم نكسه، ثم قال: يا معشر هوازن!! والله، لتطيعنّني، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري. وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي.

فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: والله، لئن عصينا مالكاً ليقتلن نفسه وهو شاب، ونبقى مع دريد وهو شيخ كبير لا قتال معه، فأجمعوا رأيكم مع مالك، فلما رأى دريد أنهم قد خالفوه، قال:

يا لـيـتـني فـيـهـــا جــــذع                أخــب فــيــهـــا وأضـــــــع

أقـــــود وطــفـــاء الـزمـع                كــــأنهـــــا شـــاة صـــــدع([10])

ثم قال دريد: يا معشر هوازن، ما فعلت كعب وكلاب؟

قالوا: ما شهدها منهم أحد.

قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة. وفي لفظ: لو كان ذكراً وشرفاً ما تخلفوا عنه، يا معشر هوازن، ارجعوا، وافعلوا ما فعل هؤلاء.

فأبوا عليه.

قال: فمن شهدها منكم؟

قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر.

قال: ذانك الجذعان من بني عامر لا ينفعان ولا يضران.

قال مالك لدريد: هل من رأي غير هذا فيما قد حضر من أمر القوم؟

قال دريد: نعم، تجعل كميناً، يكونون لك عوناً، إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم، وكررت أنت بمن معك، وإن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد، فذلك حين أمر مالك أصحابه أن يكونوا كميناً في الشعاب، وبطون الأودية، فحملوا الحملة الأولى التي انهزم فيها رسول الله «صلى الله عليه وآله».

قال دريد: من مقدمة أصحاب محمد؟

قالوا: بني سليم.

قال: هذه عادة لهم غير مستنكرة، فليت بعيري ينحّى من سنن خيلهم، فنُحي بعيره مولياً من حيث جاء([11]).

ونقول:

إن لنا هنا ملاحظات، ووقفات عديدة، نشير إليها ضمن العناوين التالية:

حنين واد قرب الطائف:

حنين واد إلى جنب وادي ذي المجاز، قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً([12]).

وقيل: حنين: اسم لما بين مكة والطائف([13]).

وقال بعضهم: اسم موضع قريب من الطائف([14]).

وقيل: بينه وبين مكة ثلاث ليال، قرب الطائف([15]).

سبب غزوة حنين:

تقدم أنهم يزعمون: أن سبب هذه الغزوة هو: أنه بعد فتح مكة مشت أشراف هوازن، وثقيف، وقالوا: قد فرغ لنا فلا ناهية له دوننا، والرأي أن نغزوه.

ولكنّ نصاً آخر يقول: إن سببها هو: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لما خرج لفتح مكة أظهر أنه يريد هوازن، فبلغ الخبر إليهم، فتهيأوا، وجمعوا الجموع والسلاح، واجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف، فرأسوه عليهم وخرجوا الخ..([16]).

ونقول:

أولاً: إن ثمة خللاً في هذا النص الأخير، فإن ما بلغ هوازن قد كان قبل فتح مكة، وبعد فتحها وبقاء النبي «صلى الله عليه وآله» فيها هذه المدة التي قد يقال: إنها قاربت العشرين يوماً، لا بد أن يتوقع أن هوازن قد اقتنعت بأن مكة كانت هي المقصودة بذلك الجيش.. فلا معنى لأن تقرر هوازن أن تجمع هذه الجموع وتسير لحرب رسول الله «صلى الله عليه وآله».

ثانياً: إن هوازن قد بقيت سنة تجمع الجموع، وتحث القبائل على مشاركتها في حربها مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»([17]).

وصرحت بعض الروايات: بأنهم قبل فتح مكة كانوا يريدون قتاله «صلى الله عليه وآله»([18])، فلا معنى لقولهم: إنها قد تهيأت للحرب حين بلغها مسير رسول الله «صلى الله عليه وآله» إليها، أو أنها قد قررت جمع الجموع والحرب بعد فتح مكة..

فلعل الصحيح هو: أنها قد بدأت بالتهيؤ للحرب قبل سنة، ثم زادت وتيرة هذا الاستعداد بعدما بلغها مسير النبي «صلى الله عليه وآله» إليها.. ثم جددت خيار المبادرة والدخول في الحرب بصورة فعلية بعد فتح مكة.

دوافع هوازن:

لقد بات واضحاً: أن هوازن لم تكن تريد بحربها لرسول الله «صلى الله عليه وآله» وللمسلمين أن تحقّ حقاً، أو تبطل باطلاً، كما أنها لم تكن تريد الدفاع عن نفس أو عرض، أو مال، أو أرض، ولا الدفاع عن حرية أو كرامة، ولا عن جاه وزعامة، ولا دفاعاً عن قيم إنسانية، أو عن حقائق إيمانية، أو ثأراً لعدوان سابق عليهم. وإنما كانت حرب العصاة البغاة، والمعتدين الطغاة، وحرب الأجلاف الجفاة، والعتاة القساة.

إنهم يخوضون حرباً يقرر زعماؤهم، وأصحاب الرياسة فيهم زجّهم فيها، ويفرضونها عليهم، وحملهم على مواجهة ويلاتها، وتحمل تبعاتها..

ولو أنهم تركوا الأمور تسير على طبيعتها، فإن غاية ما كان سيفعله معهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو: أن يعرض عليهم ما يدعو إليه، ويقدم لهم الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة عليه، ويبقى خيار القبول أو الرفض عائداً إليهم، وفقاً للشعار الذي طرحه الإسلام في قوله تعالى:

{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}([19]).

و {إِنْ أَنَا إِلاَ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}([20]).

و {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} ([21]).

و {مَنْ شَاء فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاء فَلْيَكْفُرْ}([22]).

إلى عشرات من الآيات الأخرى المصرحة بهذا المعنى..

فلماذا إذن تبادر هوازن إلى جمع الجموع، والاستعداد طيلة سنة كاملة لحرب رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! ولماذا تريد منعه من إبلاغ رسالات ربه، بأساليب القهر، والظلم والتعدي، الذي يبلغ حد شن حرب، تأكل الأخضر واليابس؟!

هل هذا ضعف بصيرة أم خذلان؟!

وقد قرأنا في النصوص المتقدمة ولم نزل نقرأ أمثال هذه المزاعم في مواقف كثيرة أخرى مشابهة لأهل الكفر، مثل يهود خيبر وغيرهم: «أن محمداً «صلى الله عليه وآله» والمسلمين إنما كانوا ينتصرون في حروبهم المتلاحقة، لأنهم كانوا يلاقون قوماً لا يحسنون القتال.. ثم يزعمون أنهم هم أهل الجد والجلد، وأهل العدة والعدد، والعارفون بفنون الحرب، والذين يملكون خبرات عالية بأساليب الطعن والضرب»..

ولكن هؤلاء القوم وكذلك غيرهم من اهل اللجاج والعناد يرون المعجزات الباهرة، التي لا تبقي مجالاً للشك بحتمية الرعاية الربانية لهذا الدين وأهله. وقد كانوا يرون بأم أعينهم المعجزات القاهرة للعقول، أو الكرامات الظاهرة الآسرة للوجدان، الموقظة للضمير.

فما معنى: أن يتعامى أولئك الناس عن كل مظاهر هذه العناية الإلهية، والرعاية الربانية، ويتجهون نحو تزوير الحقائق، وإخفاء أمرها، وتدنيس طهرها..

فهل يرجع هذا إلى ضعف في بصيرتهم، أو إلى خذلان رباني لهم، حجبهم عن الحقائق، أو حجبها عنهم، على قاعدة: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ}([23])، و {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}([24]).

إن الإجابة الصحيحة والصريحة عن ذلك، هي: صحة ووقوع كلا هذين الأمرين، نعوذ بالله من الخذلان، ومن سوء العاقبة وعذاب الخزي في الدنيا والآخرة..

دريد بن الصمة في محكمة الوجدان:

إن كلام دريد بن الصمة مع مالك بن عوف فيما يرتبط برسول الله «صلى الله عليه وآله»، وبموقعه، وبما حققه من إنجازات يشير إلى معرفته التامة بما يجري في المنطقة، وبما آلت إليه الأمور بعد تلك الحروب الطويلة، التي خاضها المسلمون مع أعدائهم من مختلف الأديان والأجناس، وفي جميع المواقع..

كما أنه قد أظهر خبرة غير عادية بحالات القبائل، وسياسات الناس وأحوالهم.. وتنبأ بما تكون عليه الحال، لو التقى الناس في ساحات القتال، وتنبأ بأن مالكاً سيترك أصحابه، ويلجأ إلى حصن الطائف، وهذا ما حصل فعلاً.

فإذا كان هذا الرجل يملك هذه الخبرة العالية، ويعرف: أن النبي «صلى الله عليه وآله» رجل كريم، فلماذا يستجيز لنفسه قتال الرجل الكريم، من دون ذنب أتاه إليه، ولا إلى غيره، سوى أنه يدعوه إلى الحق والخير والهدى؟!

وإذا كان يعرف أيضاً: أن هذا النبي قد أوطأ العرب، وخافته العجم، وخافه من في الشام.

ويعرف: أنه أجلى يهود الحجاز: إما قتلاً، أو خروجاً على ذل وصغار.

ويعرف: أن الحرب مع محمد «صلى الله عليه وآله» ليست مجرد عبث يتلاشى وينتهي، بل هي عمل تبقى آثاره ونتائجه إلى الأعقاب، عبر الأحقاب..

فلماذا يرضى من يعرف ذلك كله: بأن يكون المدبر لهذه الحرب الظالمة، والعدوانية، على رجل كريم، قد حقق كل هذه الإنجازات الهائلة التي لم تعرف لها المنطقة العربية مثيلاً في كل تاريخها الطويل؟!

فهل هذه حكمة ودراية، أم رعونة وغواية؟!

طموح تحمية الرعونة:

ومما لفت نظرنا هنا أيضاً: أن مالك بن عوف لا يرضى بما أشار به دريد بن الصمة، ويسعى إلى فرض رأيه على قومه بأسلوب أرعن وساقط، حيث إنه يأخذ سيفاً، ويهددهم بأنه سوف يقتل به نفسه إن خالفوه..

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضعفه الشديد، وإفلاسه الأكيد، من أي منطق صحيح وسليم.

ولو كان يملك حجة ومنطقاً صحيحاً، فهو يكفي لإلزامهم بالأخذ برأيه، ويفرض عليهم البخوع لحجته..

والأشد غرابة هنا: أن لا نجد في تلك القبيلة الكبيرة بأسرها، والتي هي بصدد اتخاذ قرار مصيري وحاسم، يؤثر على مستقبلها ووجودها ـ لا نجد فيها ـ من يقول له: إن تهديدك بقتل نفسك لا يدل على صحة قراراتك، إن لم يكن دليلاً على ضعف حجتك، وبوار منطقك..

وإذا كان قرارك خاطئاً فسينتج المصائب والبلايا، والكوارث والرزايا، على مئات أو ألوف من البشر، لا يحق لك أن تتصرف بمصيرهم من دون روية، وتدبر، وحكمة وتبصر.

بل إنهم جميعاً خضعوا لإرادته، وأطاعوه حباً بالحفاظ على حياته، ولم يفكروا بما يحفظ لهم حياتهم.. مع أن هذا الرجل هو مجرد شاب طامح، لا يملك الكثير من الخبرة، أو التجربة، والحنكة، ولا يشعر بالمسؤولية بالمستوى الذي يؤهله لإصدار قرارات بهذا القدر من الحساسية، وبهذا المستوى من الخطورة. بل هو يستجيب لأحاسيسه، وينقاد لمشاعره، وأهوائه.

والأغرب من ذلك: أن هؤلاء الناس قد سمعوا حجة دريد بن الصمة على مالك بن عوف.. وكانت حجة قوية، ومرضية، وسمعوا أيضاً جواب مالك عليها، الذي كان مجرد إصرار على رأي ظهر خطؤه، وقد صاحب إصراره هذا الضحك الإزدرائي وحفنة من الشتائم، حيث اعتبره إنساناً قد كبر، وكبر علمه، فأصبح هرم الجسم والعلم والعقل.. فهو يتكلم بما ربما يصنف في دائرة الخرف والإختلال، أو التدني في مستوى الإدراك والوعي للأمور..

الإستطلاع.. والتثبت:

عن جابر بن عبد الله، وعمرو بن شعيب، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما سمع بخبر هوازن بعث عبد الله بن أبي حدرد، فأمره أن يدخل في القوم فيقيم فيهم، وقال: «إعلم لنا علمهم».

فأتاهم، فدخل فيهم، فأقام فيهم يوماً وليلة، أو يومين، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وسمع من مالك، وأمر هوازن، وما هم عليه([25]).

وعند محمد بن عمر: أنه انتهى إلى خباء مالك بن عوف، فيجد عنده رؤساء هوزان، فسمعه يقول لأصحابه: إن محمداً لم يقاتل قوماً قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب، فيظهر عليهم، فإذا كان السحر فصُفُّوا مواشيكم ونساءكم من ورائكم، ثم صفوا، ثم تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم، فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون، واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولاً. انتهى([26]).

ثم أقبل حتى أتى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأخبره الخبر، فقال: رسول الله «صلى الله عليه وآله» لعمر بن الخطاب: «ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد»؟

فقال عمر: كذب.

فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق.

فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: قد «كنت ضالاً فهداك الله»([27]).

(زاد الطبرسي قوله: وابن أبي حدرد صادق)([28]).

ماذا يريد الرسول من ابن أبي حدرد؟!:

1 ـ إننا لسنا بحاجة للتذكير بأهمية الإستخبارات في إنجاح أي عمل عسكري ضد العدو، ولذلك رأينا: أنه حين علم «صلى الله عليه وآله» بأمر هوازن كان أول عمل قام به هو إرسال العيون لمعرفة نواياهم الحقيقية في أمر الحرب والسلم من جهة، ثم معرفة الخطة التي سيعتمدونها في حربهم، فيما لو كان قرارهم هو إثارة الحرب ضد المسلمين من جهة أخرى.

2 ـ ثم إن هذا التروّي، وعدم التسرع في اتخاذ القرار بجرد وصول الخبر عن جمع هوازن، يدخل في دائرة الإنصاف للآخرين، والشعور بالمسؤولية، وتحاشي القيام بأي عمل حربي ضدهم، أو أي عمل إيذائي مهما كان نوعه قبل التأكد من صحة الأخبار الواصلة..

3 ـ ويثير الإنتباه هنا: التعبير الذي اختاره «صلى الله عليه وآله» وهو يصدر أمره لابن أبي حدرد، حيث قال له «صلى الله عليه وآله»: «إعلم لنا علمهم».

فالمهمة إذن هي: أن ينوب عن النبي «صلى الله عليه وآله» في تحصيل العلم بالمطلوب.

4 ـ ومتعلق العلم الذي يريده «صلى الله عليه وآله» من ابن أبي حدرد هو أيضاً نفس علمهم، أي أنه يريد منه أن لا يكتفي بالحدسيات، وبالإمارات والقرائن، ولا بالظنون مهما بلغت قوتها.. ولا بالاستنتاجات المستندة إلى الإجتهاد، بل المطلوب هو: أن يصبح علمه بما عزموا عليه هو نفس علمهم. وكأنه ينقل إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» نفس علمهم.

وهذا غاية في الإحتياط، ومنتهى في الدقة.

موقف عمر من ابن أبي حدرد:

ولا ندري السبب في هذا الموقف الغريب والعجيب، الذي اتخذه عمر بن الخطاب من ابن أبي حدرد!! فإن هذه القضية قد حملت معها الكثير من الدلالات اللافتة والمثيرة.. ونستطيع أن نشير هنا إلى الأمور التالية:

الأمر الأول: سؤال النبي :

فقد لاحظنا: أنه «صلى الله عليه وآله» بعد أن سمع ما نقله ابن أبي حدرد عن مالك بن عوف، قال لعمر: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟

وقد يكون التفسير الطبيعي لهذا السؤال هو: أنه «صلى الله عليه وآله» أراد توجيه عمر إلى خطة مالك بن عوف، التي رسمها لأصحابه لمهاجمة أهل الإسلام.

غير أنه يمكن أن يفسر ذلك بطريقة أخرى، وهي: أنه «صلى الله عليه وآله» أراد استدراج عمر، ليفصح عن دخيلة نفسه. وهذا ما حصل فعلاً.

الأمر الثاني: تكذيب عمر لابن أبي حدرد:

ثم جاءت إجابة عمر نشازاً، وهجينة في مضامينها، حين اتهم ابن ابي حدرد بالكذب. مع أن الله تعالى لم يطلعه على غيبه، كما أنه لم يكن يملك أي دليل يشير إلى كذب هذا الرجل.

إلا أن يكون لعمر بن الخطاب عيون قد حضروا نفس المجلس الذي حضره ابن أبي حدرد، ونقلوا له ما يدل على عدم صحة ما جاء به إلى النبي «صلى الله عليه وآله».

ولا نظن أن أحداً يرتضي حتى إبداء هذا الإحتمال، إلا في صورة واحدة، وهي أن يكون على علم بسوء سريرة عمر بن الخطاب، ويرى أنه يخطط، ويعمل بصورة مستقلة، ولحساب فريق آخر غير رسول الله «صلى الله عليه وآله» وجماعة المسلمين.

أو أنه يتهم عمر بأنه يمالئ مشركي هوازن، ويتصل بهم، وينسق معهم، ويريد بموقفه هذا تعمية الأمور على النبي «صلى الله عليه وآله»، والتستر عليهم عنده، لتمكينهم من إيراد ضربتهم بأهل الإسلام. أو حفظهم، ودفع الأخطار عنهم، ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

وهذه احتمالات خطيرة، ولا يمكن البخوع لها والتسليم بها، إذا لم تدعمها الأدلة الدامغة، والشواهد الواضحة.

الأمر الثالث: لربما كذبت بالحق:

وأما جواب ابن ابي حدرد لعمر بقوله: لربما كذبت بالحق. ثم تفسير النبي «صلى الله عليه وآله» لذلك: بأنه قد كان ضالاً فهداه الله.. فهو غير ظاهر الوجه، ويصعب الإطمئنان إلى عدم عروض التحريف له.. لأن ابن أبي حدرد يريد أن يرد الاتهام بمثله، والتكذيب بالحق أيام الضلال مما لا يختص بعمر، بل هو حال عامة الناس آنئذٍ.

وعمر إنما نسب إلى ابن أبي حدرد الكذب في نفس مقامه، وعين كلامه، فالمناسب أن يكون رد ابن أبي حدرد عليه هو نسبة الكذب إليه بنفس المستوى، وفي نفس ذلك المقام.

بل إن المناسب هو: أن يستبدل كلمة «لربما» بكلمة «لطالما» كما هو المتوقع في أمثال هذه المواقف.. ولعل محبي عمر استبدلوا هذه بتلك للإبقاء على مقام عمر وهيبته

غير أن بالإمكان دفع هذه الإحتمالات بأن مقصود ابن أبي حدرد بكلامه هذا هو: أن حكم عمر بكذب ابن أبي حدرد في هذا المورد ربما يكون تكذيباً بالحق..

ولكن يرد على هذا: أنه يخالف التوجيه الذي نسبوه إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» في جوابه لعمر، وهو قوله: «قد كنت ضالاً فهداك الله»..

كما أن ذلك لا يصحح اعتراض عمر، واستنجاده برسول الله «صلى الله عليه وآله».

ولا يبرر نجدة رسول الله «صلى الله عليه وآله» له بهذا الكلام المنسوب إليه «صلى الله عليه وآله».

ولو كان هذا مقصود ابن أبي حدرد لكان عمر قد فهم كلام ابن أبي حدرد، ولم يكن معنى لأن يتوجه عمر بشكواه إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» من الأساس ولا أن يظهر كأنه يدعو النبي «صلى الله عليه وآله» للإنتصار له.

وليس ثمة ما يبرر الشكوى أو الاستنصار.

كما أنه لم يكن هناك ضرورة للتفسير من قبل النبي «صلى الله عليه وآله»..

الأمر الرابع: صدق أبي حدرد:

وقد انتهى الأمر بإعلان النبي «صلى الله عليه وآله» صدق ابن أبي حدرد في أقواله.

حيث أضاف «صلى الله عليه وآله» قوله: «وابن أبي حدرد صادق».

وهذا في حد ذاته يعتبر إدانة لعمر، وتكذيباً له، بل هو تأييد لقول ابن أبي حدرد: على رواية «لربما كذبت بالحق» إذا كان مقصوده: أن تكذيبك لي في هذا المورد ربما يكون تكذيباً بالحق.. والنبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» قد أكد صحة ذلك..

فإذا كان صادقاً، فلماذا لم يبادر النبي «صلى الله عليه وآله» إلى تأنيب عمر على نسبته إلى الكذب؟! فإن هذا هو المتوقع من النبي الكريم «صلى الله عليه وآله» في مثل هذه الحالات، إلا إذا فرض: أن ثمة ما يمنع من الزيادة على هذا، والله هو العالم بالحقائق.

الأمر الخامس: لماذا الحذف؟!:

وقد لاحظنا: أن أكثر نقلة هذه القضية يقتصرون على بعض فقراتها، ويحذفون سائرها.. خصوصاً حينما يصل الأمر إلى عمر وموقفه، وما جرى، مع أنهم يلاحقون الواو والفاء، والباء، والتاء حين يكون هناك ما يحتملون فيه أدنى تأييد له.. فراجع على سبيل المثال السيرة الحلبية، والإصابة، وأسد الغابة.. وغير ذلك من مصادر..

أليس هذا من أجلى مصاديق القول المعروف: «حبك الشيء يعمى ويصم»؟!.

أعاذنا الله من الزلل والخطل في الفكر، وفي القول، وفي العمل، إنه ولي قدير، وبالإجابة جدير..


 

 

 

 

 

 

الإستعداد للمسير وعقد الألوية:

ويلاحظ: أن المؤرخين لا يجرؤون على ذكر صاحب لواء رسول الله «صلى الله عليه وآله» في هذه الغزوة، ولكن القمي «رحمه الله»، لم يهمل الروايات المصرحة باسمه، فجهر بالحق، ولم يبالِ بالأخطار التي أدناها الاتهام بالزندقة، والخروج عن الدين، فهو يقول:

«بلغ رسول الله «صلى الله عليه وآله» اجتماع هوزان بأوطاس، فجمع القبائل، ورغَّبهم في الجهاد، ووعدهم النصر، وأن الله قد وعده أن يغنمه أموالهم، ونساءهم، وذراريهم.

فرغب الناس، وخرجوا على راياتهم، وعقد اللواء الأكبر، ودفعه إلى أمير المؤمنين «عليه السلام». وكل من دخل مكة براية، أمره أن يحملها. وخرج في اثني عشر ألف رجل، عشرة آلاف ممن كانوا معه([29]).

وقيل: عشرة آلاف([30]).

وقيل: أحد عشر ألفاً([31]).

وقيل: أحد عشر ألفاً وخمس مائة([32]).

وقيل: أربعة عشر ألفاً([33]).

وقيل: ستة عشر ألفاً([34]). فيهم ثمانون من المشركين من أهل مكة منهم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو([35]).

ونلاحظ هنا ما يلي:

أولاً:  إنه «صلى الله عليه وآله» ـ وفق هذا النص ـ قد أخبر الناس بنتائج تلك الحرب مسبقاً. ولعل ذلك يرجع لعدة أسباب:

أحدها: أن يرغِّب الناس في الخروج إلى الحرب..

الثاني: أن يكون ذلك من أسباب الربط على قلوبهم، وتأكيد اليقين لديهم بصحبة النبوة..

الثالث: أن يثقوا برعاية الله تعالى لهم، ولطفه بهم..

الرابع: أن يعرف الناس، ويميز أهل اليقين، والصادقين في إيمانهم عن غيرهم من المدَّعين غير الصادقين.

الخامس: أن يدلهم ما جرى من الهزيمة الشاملة، ثم النصر العتيد الذي يأتي بعدها بسيف علي «عليه السلام» على: أن ذلك كان بعلم الله، وأن الذي تحقق لم يكن عن استحقاق منهم، بل هو أمر صنعه الله لوليه ووصي رسوله «صلى الله عليه وآله»، وأنهم إنما ينعمون بفواضله، ويستفيدون من ثمار جهده وجهاده، فالغنائم ليست لهم، وكذلك السبايا والأسرى، فإذا قسمها رسول الله «صلى الله عليه وآله» على من شاء من المؤلفة قلوبهم، فليس لأحد الحق في أن يعترض بشيء، وليس له أن يتوهم أن له نصيباً أو حقاً فيها.. بل هي لخصوص صانع النصر، ألا وهو علي بن أبي طالب «صلوات الله وسلامه عليه»..

عقد الألوية:

زعموا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» عقد الألوية ليلة حرب حنين في وقت السحر، «فدفع لواء المهاجرين إلى عمر بن الخطاب، ولواء إلى علي بن أبي طالب، ولواء إلى سعد بن أبي وقاص، ولواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج إلى حباب بن المنذر، وآخر إلى سعد بن عبادة.

وقيل: كان لكل من الأوس والخزرج لواء في تلك الغزوة، ولكل قبيلة من القبائل التي كانت معه لواء، ثم ركب «صلى الله عليه وآله» بغلته الخ..» ([36]).

وفي سيرة الدمياطي: في كل بطن من الأوس والخزرج لواء وراية يحملها رجل منهم([37]).

ونقول:

قد تقدم: أن اللواء الأكبر كان مع علي «عليه السلام»، ولكن هؤلاء يحاولون الكيد لعلي «عليه السلام»، والتشكيك بما له من فضائل وكرامات بهذه الطريقة الغبية والمفضوحة، فنحن نسجل هنا ما يلي:

1 ـ إنهم هم أنفسهم يقولون: إنه «صلى الله عليه وآله» قد أعطى لواء المهاجرين لعلي «عليه السلام»، وأعطى راية لعمر بن الخطاب([38]).

إنه لا شك في كذب هذه الإدعاءات، فالألوية إنما تعطى للشجعان الأكفاء، ولم يظهر من عمر بن الخطاب ما يدل على ذلك، بل ظهر منه عكسه في كثير من المقامات التي انهزم فيها.

2 ـ إن عامة المؤرخين، والمصنفين في السيرة النبوية لا يجرؤن على التصريح باسم حامل اللواء الأكبر في هذه الحرب الهائلة، وأنه علي «عليه السلام». وهذا يرجع إلى أن لدى الحكام، وكل من يدور في فلكهم من وعاظ السلاطين، وسائر الناس ـ والناس على دين ملوكهم ـ حساسية كبيرة من ذكر أي شيء يرتبط بعلي «عليه السلام»، أو يشير إلى فضله، ومناقبه ومقاماته..

ولعل تصريح المصادر الكثيرة: بأنه «عليه السلام» كان حامل لواء رسول الله «صلى الله عليه وآله» في بدر، وفي كل مشهد جعلهم يكتفون بذلك، ويعتبرون: أن هذه التصريحات تبرِّئ ذمتهم، وتدفع عنهم الإحراجات التي يخشون التعرض لها من التصريح بهذا الأمر في كل غزوة، ومقام ، ومشهد، فلا ضير إذا أهملوا ذلك واكتفوا به عن التصريح المتعاقب والمتوالي في كل مرة.

وقد غاب عنهم: أن هذا التصرف منهم قد أفسح المجال للحاقدين، والمصطادين بالماء العكر لمحاولة تزوير الحقائق، وإطلاق ادِّعاءات تجانب الواقع والحقيقة في المواقف المختلفة، فزعموا في حرب حنين: أنه «صلى الله عليه وآله» أعطى لواء المهاجرين لعمر بن الخطاب، وأن علياً صلوات الله وسلامه عليه كان يحمل لواء من ألوية المهاجرين، وأعطى «صلى الله عليه وآله» راية لسعد وراية لعمر. ثم أعطى لواء الخزرج لحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن خضير.

نقول:

إن ذلك لا يصح، لأن لواء الجيش كله كان مع علي. ولا يمنع أن يكون معه لواء المهاجرين أيضاً.

ويدل على ذلك:

1 ـ إنهم يقولون: إنه «عليه السلام» كان صاحب لواء رسول الله «صلى الله عليه وآله» في بدر، وفي كل مشهد([39]).

2 ـ عن ابن عباس، قال: لعلي بن أبي طالب «عليه السلام» أربع ما هنّ لأحد: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله «صلى الله عليه وآله». وهو صاحب لوائه في كل زحف. وهو الذي ثبت معه يوم المهراس (أي يوم أحد)؛ وفرَّ الناس. وهو الذي أدخله قبره([40]).

3 ـ عن ابن عباس: كان علي «عليه السلام» أخذ راية رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم بدر.

قال [الحكم ] الحاكم: وفي المشاهد كلها([41]).

4 ـ وعن مالك بن دينار: سألت سعيد بن جبير وإخوانه من القراء: من كان حامل راية رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟

قالوا: كان حاملها علي (رض)([42]).

وفي نص آخر: أنه لما سأل مالك سعيد بن جبير عن ذلك غضب سعيد، فشكاه مالك إلى إخوانه من القرّاء، فعرّفوه: أنه خائف من الحجاج.

فعاد وسأله، فقال: كان حاملها علي (رض).

هكذا سمعت من عبد الله بن عباس([43]).

وفي نص آخر عن مالك بن دينار، قال: قلت لسعيد بن جبير: من كان صاحب راية رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟

قال: إنك لرخو اللبب.

فقال لي معبد الجهني: أنا أخبرك. كان يحملها في المسير ابن ميسرة العبسي، فإذا كان القتال؛ أخذها علي بن أبي طالب رضي الله عنه([44]).

5 ـ عن جابر: قالوا: يا رسول الله، من يحمل رايتك يوم القيامة؟

قال: من عسى أن يحملها يوم القيامة، إلا من كان يحملها في الدنيا، علي بن أبي طالب؟!([45]).

وفي نص آخر: عبر باللواء بدل الراية([46]).

6 ـ وحينما مرّ سعد بن أبي وقاص برجل يشتم علياً «عليه السلام»، والناس حوله في المدينة، وقف عليه، وقال: يا هذا! علامَ تشتم علي بن أبي طالب؟

ألم يكن أول من أسلم؟

ألم يكن أول من صلى مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟

ألم يكن أزهد الناس؟

ألم يكن أعلم الناس؟

وذكر حتى قال: ألم يكن صاحب راية رسول الله «صلى الله عليه وآله» في غزواته؟([47]).

وظاهر كلامه هذا: أن ذلك كان من مختصاته صلوات الله وسلامه عليه.

7 ـ عن مقسم: إن راية النبي «صلى الله عليه وآله» كانت تكون مع علي بن أبي طالب «عليه السلام»، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، وكان إذا استعر القتال كان النبي «صلى الله عليه وآله» مما يكون تحت راية الأنصار([48]).

8 ـ عن عامر: إن راية النبي «صلى الله عليه وآله» كانت تكون مع علي بن أبي طالب «عليه السلام»، وكانت في الأنصار حيثما تولوا([49]).

وقد يناقش في هذين النصين الواردين تحت رقم (7) و (8) بأنهما فيما يبدو يرجعان إلى نص واحد وهو المروي عن ابن عباس([50]) بواسطة عامر تارة ومقسم أخرى وعامر عن مقسم ثالثة، وكلاهما عن ابن عباس في مورد رابع. وقد يظهر لنا من كل ذلك أنها رواية واحدة اكتفى الراوون بذكر واحد ممن رأوه هو الأشهر والأذكر بنظرهم.

وفي جميع الأحوال نقول:

قد يقال: إن هذه الرواية أو الروايتين لا تدلَّان على أن الراية كانت دائماً مع علي «عليه السلام» بصورة أكيدة وصريحة، لكن الإنصاف هو: أن ظاهرهما ذلك. ولكن تبقى هذه رواية شاذة لا عبرة بها إذا قورنت بذلك السيل الهائل من الروايات الصحيحة والصريحة في خلاف ذلك كما هو ظاهر.

9 ـ عن ثعلبة بن أبي مالك، قال: كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول الله «صلى الله عليه وآله» في المواطن كلها؛ فإذا كان وقت القتال أخذها علي بن أبي طالب([51]).

10 ـ قال ابن حمزة: «وهل نقل أحد من أهل العلم: أن علياً كان في جيش إلا وهو أميره»؟([52]).

11 ـ وفي حديث المناشدة: أن علياً «عليه السلام» قال: نشدتكم الله، هل فيكم أحد صاحب راية رسول الله «صلى الله عليه وآله» منذ يوم بعثه الله إلى يوم قبضه، غيري؟!

قالوا: اللهم لا([53]).

عتاب أمير مكة:

قالوا: لما بلغ رسول الله «صلى الله عليه وآله» خبر هوازن وما عزموا عليه، أراد التوجه لقتالهم، واستخلف عتاب بن أسيد أميراً على أهل مكة، ومعاذ بن جبل (إماماً بها، وفقيهاً فيها) يعلمهم السنن والفقه، وكان عمر عتاب إذ ذاك قريباً من عشرين سنة([54]).

ونقول:

قد تقدم الحديث عن عتاب بن أسيد واستخلافه على مكة، وعن إبقاء معاذ بن جبل معه، ليعلمهم بعض الأحكام والسنن.

وقد بينا هناك بعض ما يفيد في معرفة ما يرمي إليه النبي «صلى الله عليه وآله» من هذا الإختيار وذاك..

إستعارة السلاح من المشركين:

عن جابر بن عبد الله، وعمرو بن شعيب، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، والزهري، وعن أمية بن سفيان: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما أجمع السير إلى هوازن ذكر له: أن عند صفوان بن أمية أدرعاً وسلاحاً، فأرسل إليه ـ وهو يومئذٍ مشرك ـ فقال: «يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا».

فقال صفوان: أغصباً يا محمد؟

قال: «لا، بل عارية مضمونة حتى نردها إليك».

قال: ليس بهذا بأس، فأعطى له مائة درع بما يكفيها من السلاح، فسأله رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يكفيهم حملها، فحملها إلى أوطاس([55]).

ويقال: إنه «صلى الله عليه وآله» استعار منه أربعمائة درع بما يصلحها([56]).

وزعم بعضهم: أن بعض تلك الأدرع فُقد، فأراد النبي «صلى الله عليه وآله» أن يضمنها له، فأبى بعد إسلامه، وقال: «أنا اليوم في الإسلام يا رسول الله أرغب»([57]).

قالوا: واستعار رسول الله «صلى الله عليه وآله» في غزوة حنين أيضاً من نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح، فقال: «صلى الله عليه وآله»: كأني أنظر إلى رماحك هذه تقصف ظهر المشركين([58]).

ونقول:

قد يقال: ما هو السبب في استعارة النبي «صلى الله عليه وآله» درعاً من مشرك، وكذلك في اقتراضه أموالاً من المشركين في مكة، ومنهم صفوان بن أمية كما تقدم.

مع أن هذا الأمر لا يخلو من إحسان وتفضل من المعير بالنسبة للمستعير، وكان النبي «صلى الله عليه وآله» يطلب من الله: أن لا يجعل لكافر ولا مشرك عليه يداً يستحق أن يكافئه، أو أن يشكره عليها([59]).

ونقول في الجواب:

إن الإمتنان على الآخرين، إنما يصح لو كان لذلك المشرك مال يبذله، وعطاء يسديه، وأما إعطاء العبد لمالكه مالاً، فلا يعد تفضلاً، لأن العبد وما ملكت يداه لسيده ومولاه..

وصفوان بن أمية كان من مشركي مكة التي افتتحها رسول الله «صلى الله عليه وآله» عنوة، ومن دون قتال، لأن ما وقع من قتال لم يكن بأذن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، بل كان منهياً عنه. فأصبح أهلها الذين نابذوه وقاتلوه ملكاً له، يتصرف فيهم كيف يشاء، وأصبح مالهم ماله، فاستعارة الدروع من صفوان لا تجعل لصفوان يداً عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لأن صفوان ودروعه ملك له «صلى الله عليه وآله».

يضاف إلى ذلك: أنه قد يقال: إن اقتراضه «صلى الله عليه وآله» هذا لم يكن لاستفادته الشخصية، بل هو لأجل حفظ الدين والدفع عن المؤمنين، فليس لهم أن يمنّوا على شخص النبي «صلى الله عليه وآله» بما يعود نفعه لغيره.

فإن قلت: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد حرر أهل مكة، وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. فكانت الأموال لأهلها، فإن أعاروها له «صلى الله عليه وآله» كانت يداً لهم عنده.

ونجيب:

أولاً: إنه «صلى الله عليه وآله» قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، ولم يقل لهم: اذهبوا فأنتم الأحرار. والطليق مقابل المقيد، والأسير. والعبد مقابل الحر.. وإطلاق الأسير يعطيه القدرة على التنقل والحركة، سواء أكان هذا الطليق عبداً أو حراً.

وإنما لم يقل لهم: اذهبوا فأنتم الأحرار، لإمكان أن يوهموا الناس بأن مقصود النبي «صلى الله عليه وآله» هو تقرير حقيقة ثابتة منذ الأزل. فاختيار كلمة: أنتم الطلقاء تعني من جهة: سبق العبودية لهم. وهي من جهة أخرى تبقي الأمر مؤرجحاً بين احتمالين:

أحدهما: أنه قد حررهم بنفس هذه الكلمة.

والثاني: أنهم لا زالوا على عبوديتهم، ولكنه يعطيهم الحرية في التصرف كتصرف الأحرار.

فمعاملتهم من قبل النبي «صلى الله عليه وآله» والأئمة، كما يعامل الأحرار لا ينافي ما قلناه.. لأنه يكون قد جاء على سبيل التفضل والتكرم، فإن للسيد أن يفسح المجال لعبده ليتملك، ويتزوج، ويبيع ويشتري، ولا يلزمه بالإستئذان منه في شيء من ذلك.. وإن انتهى الأمر بعد ذلك إلى صرف ذلك المالك نظره عن عبده هذا بالكلية، ليصبح طليقاً وحراً أيضاً..

أي أن حريته تتحقق بصرف النظر هذا، لا بكلمة: اذهب فأنت طليق..

وعلى هذا الأساس يصح من مالك ذلك العبد أن يقترض من عبده، وأن يرد إليه ما اقترضه منه.

ونلاحظ هنا: دقة وأهمية هذه السياسة النبوية مع أناس يعرف «صلى الله عليه وآله» أخلاقهم وطموحاتهم، ونفسياتهم، ويتوقع، بل ويعرف كيف سيكون موقفهم من هذا الإسلام، ومن رموزه الحقيقين، وهم علي وأهل بيته «عليهم السلام»، فأراد أن يبقي على هذا الشعور عندهم بحقيقة ما انتهى إليه أمرهم معه من خلال تذكيرهم بأنهم لا يستحقون إلا أن يكونوا أرقاء ويسجل ذلك للتاريخ وللأجيال..

نعود لنقول:

إن مكة لم تفتح عنوة، وخوف أهل مكة من الجيش المندفع إليها لا يجعلها مفتوحة بقوة السيف.. ولا نرى فرقاً بين أن تجتمع الجيوش في المدينة، فيخاف أهل مكة، ويعلنون استسلامهم، وبين أن تحضر الجيوش إلى محيط البلد، فيخاف أهلها، ويجنحون إلى الاستسلام، وبين أن يدخلها ذلك الجيش، فيخاف أهلها ويعزفزن عن القتال. ففي هذه الموارد كلها لا يقال: إن البلد قد فتحت عنوة..

وربما يشهد لكون مكة ملكاً لرسول الله «صلى الله عليه وآله»:

ما ورد في الروايات من كراهة تأجير بيوت مكة للحجاج، وأن يعلقوا عليها أبوباً، وأنه لا ينبغي أن يمنعوا الحاج شيئاً من الدور ينزلونها وأن للحجاج أن ينزلوا معهم في دورهم في ساحة الدار، حتى يقضوا مناسكهم، وأن أول من جعل لدور مكة أبواباً هو معاوية([60]).

ثانياً: لو سلمنا: أن إطلاقهم يعني تحريرهم، لكن ذلك لا يخرج أموالهم عن كونها غنائم للفاتحين، ولا يعيدها إليهم إلا بإعطاء جديد وصريح.

ومجرد إغماض النظر عن المطالبة بتلك الأموال يكون منة أخرى له «صلى الله عليه وآله» عليهم، حيث إنه «صلى الله عليه وآله» أباح لهم التصرف بها، وإن لم يملّكهم إياها.

وربما يقال: إن هذه الأموال إن كانت غنائم، وكانت مكة قد فتحت عنوة، فمعنى ذلك: أنها ملك للفاتحين، وهم هذا الجيش الذي دخل مكة كله، فما معنى أن يتصرف بها رسول الله «صلى الله عليه وآله» دونهم، وأن يعطيها لأهل مكة ليتصرفوا بها؟!

ونجيب: بأن فتحها عنوة إنما هو بمعنى أخذها قهراً عن أهلها، ولو بواسطة ما دخلهم من رعب حين رأوا ذلك الجيش.. فإذا لم يقع قتال واستسلم الناس لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإن أموالهم تكون خالصة له«صلى الله عليه وآله»، لا للمقاتلين، وفي هذه الحال يكون هو الذي يعطي ويهب، ويأذن بالتصرف، أو لا يأذن.

فالمراد بقوله: لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب: أنه مما لم يقاتل عليه.

وليس المراد: أنه لم تحضره الخيل والرجال.

وأما ما وقع من خالد بن الوليد، من قتال في مكة، فهو غير مشروع، لأن النبي «صلى الله عليه وآله»، لم يأذن به، بل هو قد نهى عنه..

ودعوى: أن دخول الجيوش إلى مكة، واستسلام أهلها خوفاً من تلك الجيوش لإحساسهم بالعجز عن مواجهتها، لا يوجب اعتبار مكة مفتوحة عنوة، كما أوضحناه فيما سبق، والتعبير بكلمة: «فتح» مكة لا يجدي في تغيير الحكم الذي يدور مدار فتحها نتيجة القتال..

تاريخ خروج النبي إلى حنين:

قال أهل المغازي: خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى حنين لست خلون من شهر شوال([61]).

وقال ابن إسحاق: لخمس، وبه قال عروة، واختاره ابن جرير، وروي عن ابن مسعود([62]).

وقيل: لليلتين بقيتا من شهر رمضان([63]).

وجمع بعضهم بين القولين: بأنه «صلى الله عليه وآله» بدأ بالخروج من أواخر رمضان، وسار سادس شوال([64]).

وكان وصوله في عاشره([65]).

وقد انتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء([66]).

وقال الواقدي: إن ذلك كان يوم السبت([67]).

ونقول:

إننا لا نستطيع أن نؤيد هذا الجمع بين القولين، فإنه «صلى الله عليه وآله» لا يحتاج إلى هذه المدة الطويلة التي تقرب من أسبوع أو أسبوعين، لتحريك قواته إلى المعسكر، مهما كان عدد تلك القوات كبيراً.

ولو صح ذلك، فهو يعني: وجود خلل كبير في حركته، من شأنه أن يسهِّل على أعدائه تسديد ضرباتهم القوية إلى الجيش، وإسقاط مقاومته.

ولكان نجاحه في حروبه غير منطقي، ولا مقبول، بل لا بد من اعتباره من خيالات الرواة والمحدثين.

خيف بني كنانة.. معسكر أهل الإيمان:

عن أبي هريرة: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: حين أراد حنيناً: «منزلنا غداً إن شاء الله تعالى بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر([68]).

وفي رواية قال: «منزلنا إن شاء الله تعالى إذا فتح الله الخيف، حيث تقاسموا على الكفر»([69]).

ونقول:

قد تقدم: أنه «صلى الله عليه وآله» إنما قال ذلك حين فتح مكة، وقد كان أهل مكة قد تقاسموا على الكفر بخيف بني كنانة.. فلعل أبا هريرة قد سمع ذلك من غيره، ثم لما أراد أن يحدث به غيره ذهل عن حقيقة ما سمعه، وسافر وهمه إلى قصة حنين.. أو أراد أن يبعد حديث التقاسم على الكفر عن قريش التي كان ضالعاً في التسويق لبعض الطامحين فيها لإبعاد أمر الخلافة بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن أهل بيته الأطهار «عليهم السلام».

هذا بالإضافة إلى احتمال أن يكون خيف بني كنانة قد أصبح معسكراً لجيش الإسلام في فتح مكة، وفي حرب حنين على حد سواء.. لكي ينطلق منه حماة الدين وأنصار الله ورسوله من المؤمنين المستضعفين، بعد أن كان ذلك المكان مجمعاً لعتاة الكفر، الساعين لإطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.. والكافرون..

والله العالم بحقيقة الحال، وهو الموفق والمسدد في جميع الأحوال..

أهل مكة.. وحرب هوازن:

لقد كان أهل حنين ـ وفي رواية: أهل مكة ـ يظنون حين دنا منهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حين قدم من المدينة أنه مبادر بهوازن، وصنع الله لرسوله أحسن من ذلك، فتح له مكة، وأقر بها عينه، وكبت بها عدوه.

فلما خرج إلى حنين، خرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحداً، ركباناً ومشاة، حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين، نظاراً ينظرون، ويرجون الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصدمة لرسول الله «صلى الله عليه وآله»([70]).

وكان معه ثمانون من المشركين: أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما.

وجعل أبو سفيان بن حرب كلما سقط ترس أو سيف أو متاع من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» نادى رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أن أعطنيه أحمله، حتى أوقر بعيره([71]).

وخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» وزوجتاه: أم سلمة، وميمونة، فضربت لهما قبة([72]).

ونقول:

لابد لنا هنا من بيان ما يلي:

خرج الناس نظاراً ينظرون:

إن خروج جميع أهل مكة، مؤمنهم وكافرهم إلى حنين، وإن كانت أغراض الخارجين فيه مختلفة، إنما يشير إلى عمق تأثير ما جرى في فتح مكة على حياة الناس، وعلى تفكيرهم، وفي أعماق الروح لدى جميع المكيين، حيث لا بد أن يدركوا أنهم أمام تحد هائل ومصيري، قد أصبح في طور التبلور، بصورة عملية ولابد من التعاطي معه بمسؤولية، وعقلانية، واستيعاب تداعياته بحكمة وروية، وبحنكة وأناة، ولم يعد مسموحاً لأحد أن يتصرف وفق هواه، ومشتهاه..

وخروج جميع أهل مكة إلى حنين يدل على أن الناس بدأوا يسعون للمشاركة، ولو على مستوى المشاعر، والعواطف، وأنهم يرصدون التحولات التي تلف منطقتهم، وتهيمن على محيطهم بحرص واهتمام بالغ، وإن كانت أغراضهم من ذلك تختلف وتتفاوت، وكثير منهم إنما يبحثون عن الغنائم والمكاسب. ولكن قسماً كبيراً لم يكن يفكر بهذه الطريقة..

وهذا يعطينا تفسيراً معقولاً ومقبولاً لخروج طائفة من الناس ـ حتى النساء ـ إلى حنين، على غير دين، نظاراً ينظرون. على حد تعبير النص المذكور آنفاً..

الغنائم هي الهدف:

وعن الذين خرجوا يرجون الغنائم، نقول:

إننا لا نستطيع أن نتعقل طمع المشركين بأموال حلفائهم، ومن يرونهم إخواناً لهم، ومن هم على دينهم، وجيرانهم. ومن هم وإياهم في خندق واحد في حرب رسول الله «صلى الله عليه وآله» من معه أهل الإيمان.. نعم.. لا يمكن تعقل ذلك، إلا على أساس انعدام الحس الإنساني، وتلاشي حركة الضمير والوجدان لديهم.

واللافت هنا: أن يكون على رأس الطامعين بالغنائم زعماء الشرك وعلى رأسهم أبو سفيان بن حرب وأضرابه ممن كانوا طيلة كل تلك السنين يدعون الناس إلى حرب محمد «صلى الله عليه وآله»، وإلى سفك دمه، وإسقاط أطروحته ودعوته، ولا يكرهون أن تكون الصدمة لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، وها هم يخرجون مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» بصورة علنية وظاهرة، ولا يخجلون من تصرفهم هذا.

 مع أن هذا لا يتوافق حتى مع مفاهيم الجاهلية، ومع طريقة أهل الشرك أنفسهم، حيث يعدونه غدراً وخيانة، ومن موجبات الخزي والعار.

أبو سفيان يجمع ما يسقط:

ونقرأ في النصوص المتقدمة: أن أبا سفيان كان يجمع ما يسقط من أفراد ذلك الجيش من أترسة وسيوف، وأمتعة. حتى أوقر بعيره منها. وأنه كان هو المبادر لهذا الفعل..

فهل أراد بذلك إظهار حسن نواياه لرسول الله «صلى الله عليه وآله» وللمسلمين؟!. أو أراد أن يكون ما يجمعه بعضاً من غنيمة  كان يرجوها لو كانت الدائرة على المسلمين؟!

لعل ما سيأتي من أنه لم يكن صادقاً في إسلامه، وكان يرجو أن تكون الدائرة على أهل الإيمان.. يؤيد هذا الإحتمال الأخير.

التفريق بين المشرك وزوجته:

ودعوى: أنه «صلى الله عليه وآله» لم يفرق بين صفوان المشرك، وامرأته المسلمة غير ظاهرة الصحة.

فإنه لو صح: أن امرأة صفوان قد أسلمت قبله، فذلك لا يعني خروجها من بيته، وانفصالها التام عنه. بل المطلوب هو: أن يعرِّفها «صلى الله عليه وآله» أنه ليس لصفوان أن يقربها، ويمكنها بعد ذلك أن تنتظر زوجها إلى حين انقضاء عدتها توقعاً لإسلامه.. كما كان الحال بالنسبة لما يذكرونه عن امرأة عكرمة بن أبي جهل، حيث إنها لحقته إلى ساحل البحر، وجاءت به إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكانت مسلمة، وهو لا يزال على شركه، فكانت تمنعه من الإقتراب منها إلى أن أسلم..

إخراج النساء في الحرب:

إن إخراج النبي «صلى الله عليه وآله» لزوجتيه: ميمونة، وأم سلمة معه في هذه الحرب، وإخراجهن، أو إخراج غيرهن من نسائه، وكذلك إخراج ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء «عليها السلام»، أحياناً في حروبه الأخرى.. رغم أن جميع تلك الحروب لم تكن ـ بحسب ظواهر الأمور ـ مأمونة النتائج من حيث الإنكسار، أو الإنتصار. إن ذلك يعد دليلاً آخر على يقينه بوعد الله تعالى له. ولابد أن يعد ذلك من إخباراته الغيبية، ومن دلائل نبوته.. إذ إن أحداً لا يخاطر بهذا الأمر الحساس جداً في مثل هذه الحالات. إذا كان غير واثق بالنصر، وبمصونية عرضه من أن يناله أي أذى.

وقد تقدم: أن مالك بن عوف قد أمر في حنين أصحابه بأن يستصحبوا نساءهم وأطفالهم ونعمهم، فتغيّظ عليه دريد بن الصمة، وصفق بيديه، وقال: «راعي ضأن والله» لاحتمال أن تكون الدائرة عليه، فتكون الفضيحة في أهله وماله. وأمره أن يرفع الأموال والنساء والذراري إلى عليا قومهم، وممتنع بلادهم. هذا على الرغم من أن مالك بن عوف قد جمع أكثر من عشرين ألف سيف، ويرى أن النصر في متناول يده، ويرى أن محمداً «صلى الله عليه وآله» لم يقاتل رجالاً ذوي خبرة قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوماً أغماراً، لا علم لهم بالحرب، فيظهر عليهم على حد تعبيره، كما تقدم تحت عنوان: الإستخبارات العسكرية..

إن حمل النبي «صلى الله عليه وآله» نساءه «صلى الله عليه وآله» يشير للأعداء وللأولياء على حد سواء بثقته بالنصر، بالرغم من عدم توفر شيء من مقوماته.. أو ظهور شيء من علاماته، بل الدلائل والشواهد متوافرة ومتضافرة بضد ذلك، وأن العدو هو الذي يملك مقومات الظفر، ومفاتيح النصر..

فيكون هذا الفعل منه «صلى الله عليه وآله» من أسباب الربط على قلوب الأولياء، ومن أسباب كبت الأعداء أيضاً، وهو بمثابة إخبار غيبي إلهي بنتائج المعركة، وهو من دلائل صدقه، وشواهد نبوته، ومن معجزاته وكراماته كما لا يخفى.

ذات أنواط:

عن أبي قتادة الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى حنين، ونحن حديثوا عهد بالجاهلية، فسرنا معه إلى حنين، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة ـ وعند الحاكم في الإكليل: سدرة خضراء - يقال لها: «ذات أنواط»، يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوماً.

فرأينا ونحن نسير مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا «ذات أنواط» كما لهم «ذات أنواط».

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}([73]) إنها لسنن، لتركبن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة»([74]).

ونقول:

الأنبياء ^ وسنن التاريخ:

1 ـ  إن الحديث عن حركة السنن التاريخية في الأمم السابقة واللاحقة، لا يعني أن ثمة جبرية إلهية تفرض على البشر قراراتهم، وتتحكم بتصرفاتهم، دون أن يكون لهم فيها أي خيار، أو اختيار..

بل هو حديث عن حركة الأسباب والعلل، وتأثيرها في المسببات والنتائج.

وهو من أدلة أن الله سبحانه قد خلق الخلق، وفق نظام دقيق يهيمن عليه قانون السببية، ويمكن التعرف على طبيعة حركته من خلال هذا النظام، حين يقف الإنسان على حقائقه ودقائقه بصورة صحيحة ويقينية، ويعرف منظوماته الأرقى، وطبيعة علاقاتها بما هو أدنى منها في سلسلة مراتبها المختلفة.

وإذا وقف النبي «صلى الله عليه وآله» والمعصوم «عليه السلام» على هذه الحقائق والدقائق من نفس صانعها وواضعها، فإنه سيكون قادراً على رؤية نتائجها المختلفة، في طول الأزمنة المتعاقبة، لأنه يعرف أن الزمان والمكان لا يمثل عائقاً لحركة السنن، بل هما حاضنان لنتائجها وتداعياتها، في عين كونهما خاضعين لها أيضاً..

فإخبار رسول الله «صلى الله عليه وآله» بما سيكون بالإستناد إلى هذه السنن، لا يمكن تلقِّيه على أنه أمر عادي، وقريب المنال.. بل هو دليل عظمة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وآية نبوته، من حيث إنه «صلى الله عليه وآله» قد نال درجة استحق معها أن يطلعه الله على أسرار الخليقة، وسنن الحياة، وحقائق التكوين.. وهو ما لم ينله أحد من البشر سواه على الإطلاق..

من أجل ذلك يكون إخبار النبي «صلى الله عليه وآله» عن هذه السنن  والحقائق، هو عين اليقين، لأنه يأخذ عن الله تبارك وتعالى، خالق الكون، وواهب الحياة، وجاعل السنن.

وأما ما يخبر به غيره، فلا يعدو أن يكون من التظني، والرجم بالغيب، استناداً إلى استقراءات  ناقصة، أو اجتهادات تنتهي إلى الحدس والتخمين.. مع ضعف بل عجز ظاهر عن الإحاطة بالسنن، وبمنظومتها، ومراتبها، وطبيعة ومدى علاقاتها وتأثرها وتأثيراتها في بعضها البعض..

2 ـ ثم إنه لا شك في أن النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» على علم تام بأخلاق الناس وبأهوائهم وميولهم، وهو أعرف من كل أحد بطموحات، وبطريقة تفكير، وبحقيقة وصحة ومدى إيمان أولئك الذين سوف يخلفونه، ويخططون لبلورة دور لهم في المسيرة العامة، خارج دائرة توجيهاته «صلى الله عليه وآله»، ولا تتلاءم مع الأوامر والزواجر الإلهية..

فإذا وضع ذلك في سياق السنن الإلهية في البشر وخَلْقِهم وخُلُقهم، فلا بد أن يدرك المنحى الذي سوف تتخذه تصرفاتهم، ومواقفهم وممارساتهم..

3 ـ واللافت هنا: أن طلبهم من رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يجعل لهم ذات أنواط، كأهل الجاهلية، قد أشبه طلباً لبني إسرائيل من موسى، فهل جاء هذا التشابه بين هؤلاء وأولئك على سبيل الصدقة؟! أم أن له جذوراً في أعماق الذات؟! وهل هذا يشير إلى أن ثمة وجوه شبه أخرى بين هذين الفريقين في سائر المجالات؟!

وهل هناك علاقة بين التعبير الوارد عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الإشارة إلى يهود أمته «صلى الله عليه وآله».. الذين يقتلون ذريته([75])، وبين يهود بني إسرائيل؟!.

إن ذلك كله يحتاج إلى المزيد من التتبع للنصوص، والمقارنة بينها، ورصد الظواهر في هذه الأمة، وفي بني إسرائيل! وكنا قد بذلنا محاولة في هذا الإتجاه، نسأل الله أن يوفقنا لإتمامها في الوقت المناسب.

باتجاه هوازن والبشارة بالغنام:

عن سهل بن الحنظلية: إنهم ساروا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم حنين، فأطنبوا في السير، حتى إذا كان عشية حضرْتُ صلاة الظهر عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا بهوازن قد جاءت عن بكرة أبيهم، بظعنهم، ونعمهم، وشائهم، اجتمعوا.

فتبسم رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقال: «تلك غنيمة للمسلمين غدا إن شاء الله تعالى».

ثم قال: «من يحرسنا الليلة»؟ الخ..([76]).

ونقول:

إن لهذه الحادثة، نظائر عديدة في حياة النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله». ولكن لا بأس بالتوقف قليلاً في هذا المورد على الأقل. ونترك سائر الموارد إلى حصافة القارئ الكريم، الذي سيكون قادراً على استنطاق نصوصها، واستخراج معانيها ومراميها، المناسبة لمقام النبوة، وسياق الأحداث..

فنقول:

لقد بشر النبي الكريم «صلى الله عليه وآله» أصحابه بأن ما جاءت به هوازن من ظعن، ونعم، وشاء سيكون غنيمة للمسلمين.. وذلك على سبيل الإخبار الغيبي، الذي هو من دلائل النبوة، ومن أسباب زيادة اندفاع المؤمنين للقتال، وتشكيك الأعداء بقدراتهم، وبقوتهم..

خصوصاً: وأنه «صلى الله عليه وآله» قد أخبر عن حصول هذا الأمر بالجملة الإسمية المفيدة للتحقق والثبوت..

كما أنه قد تبسم قبل أن يتفوه بهذا الخبر المفرح لأهل الإيمان، والمخيف والمحزن لأهل الكفر والطغيان..

وهو تبسم يوحي بالثقة وبالرضا والإرتياح، وذلك يزيد من رعب العدو، ومن ثقة واندفاع الولي، عوضاً عن التوجس، والترقب..

وهو أيضاً يحمل معه معنى الاستخفاف بالعدو، والسخرية من قراره باستصحاب الظعن والأنعام، وأنه خطأ وقع فيه عدوه، حين أحضر ذلك كله أمام أعين محاربيه من المؤمنين، الذين سوف يزيدهم حضور الغنيمة اندفاعاً وتوثباً.. فكيف إذا كان أهل مكة أنفسهم، والمشركون منهم أيضاً قد حضروا هذه الحرب طمعاً بالغنائم أيضاً حسبما تقدم؟!.

إنه تبسم العارف بالنتائج، والواقف على الخفايا والأسرار.

الغنيمة تقدمة إلهية:

ثم إنه «صلى الله عليه وآله» قد علق حصول المسلمين على تلك الغنيمة على مشيئة الله تبارك وتعالى.

كما أن صياغة العبارة «تلك غنيمة المسلمين غداً»، قد خلت من الإشارة إلى أي دور للمسلمين في أخذ هذه الغنيمة، ولو أراد أن يشير إليهم بشيء من ذلك، لقال: غداً يغنمها المسلمون، أو سيغنمها المسلمون، أو نحو ذلك..

وذلك.. لأن حصول هذه  الغنيمة إنما هو بصنع من الله، وبتوفيق منه لنبيه الكريم «صلى الله عليه وآله»، ولوليه العظيم علي بن أبي طالب «عليه السلام»، ثم يعطيها للمسلمين بمشيئة منه تبارك وتعالى..

من دون استحقاق منهم لها، حتى بأن تنسب الغنيمة إليهم..

فظهر أن قوله «صلى الله عليه وآله»: «إن شاء الله تعالى»، لم يأت لمجرد التيمن، أو الدعاء، بل هو إخبار عن أن الأمر في هذه الغنيمة يرجع كله لله تعالى، وليس لإرادة أو لفعل الناس دور يصح معه نسبة ذلك إليهم.

وقد ظهرت صحة ودقة هذا التعبير حين فرَّ المسلمون بأجمعهم عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم يبق أحد يقاتل المشركين غير علي «عليه السلام».

وإن كان العباس أو غيره من بني هاشم لم يبادروا إلى الفرار، فإنما كانوا حول رسول الله «صلى الله عليه وآله» يحوطونه ويحفظونه كحراس له، في حين كان المهاجم للأعداء، وصاحب النكاية فيهم هو علي «عليه السلام» دون سواه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى..

وآخر ما نشير إليه هنا: أنه «صلى الله عليه وآله»، سرعان ما تجاوز هذا الموضوع، وطوى عنه كشحاً، مظهراً عدم الإكتراث به، حيث بادر إلى القول: «من يحرسنا الليلة»؟! وكأنه يريد أن يفهم الناس أن هذا الأمر مفروغ عنه، فلا حاجة لأن يشغل الناس أنفسهم في تفاصيله.

وهذا يعد تأكيداً آخراً على تحقق هذا الأمر، ولابد أن تظهر ثمرات ذلك كله بعد النصر الذي سيعقب هزيمة جميع المسلمين عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

ابن الأكوع يقتل عيناً للمشركين:

و عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» هوازن، فبينما نحن نتضحى مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزع طلقاً من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم فتغدى مع القوم.

وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة من الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى الجمل، فأطلق قيده، ثم أناخه، ثم قعد عليه. فاشتد به الجمل، واتبعه رجل من أسلم من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» على ناقة ورقاء.

وفي رواية: أتى عين من المشركين إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث. انتهى.

ثم انفتل، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «اطلبوه واقتلوه».

قال سلمة: وخرجت أشتد، فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل، فأنخته، فلما وضع ركبته على الأرض، اخترطتُّ سيفي فضربت رأس الرجل فندر.

ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله «صلى الله عليه وآله» والناس معه، فقال: «من قتل الرجل»؟

قالوا: ابن الأكوع.

قال: «له سلبه أجمع»([77]).

ن

 

 

ونقول:

إن  في هذه الرواية أموراً من شأنها أن تزلزل الطمأنينة لدينا بصحتها، ونذكر منها:

1 ـ إذا كان ابن الأكوع قد تبع ذلك الرجل وحده، فلا معنى لسؤال النبي «صلى الله عليه وآله»: «من قتل الرجل»؟ لاسيما وأنه «صلى الله عليه وآله» قد جاء والناس معه لاستقباله..

إلا أن يقال: ليس في الرواية دلالة على أن ابن الأكوع تبع ذلك الرجل وحده، ولعله بعد أمر النبي «صلى الله عليه وآله» بقتل الرجل انبعث أكثر من شخص، وإنما تحدث سلمة عن خروجه هو، وكيف أنه أدركه فقتله وعاد، فاستقبله النبي «صلى الله عليه وآله» ومعه الناس. أي سوى من كان خرج في طلب الرجل..

ولكن هذا الإحتمال لا يتلاءم مع سياق كلام ابن الأكوع، إذ لو كان معه غيره لقال: فاستقبلنا رسول الله «صلى الله عليه وآله» الخ..

2 ـ إن الرواية الأولى تصرح: بأنه تبعه على ناقة ورقاء.. والثانية تفيد: أنه تبعه راجلاً، فأي ذلك هو الصحيح؟!

3 ـ قد كان بإمكان ذلك الرجل أن ينسل من بينهم بصورة طبيعية، فلماذا يركض ويشتد.. وما معنى: أن يهجم على الطعام بهذه الطريقة المثيرة؟! والمفروض بالعين: أن يكون أكثر كياسة، ولباقة، وحنكة مما نراه.

4 ـ إن حركة الرجل السريعة لا بد أن تثير المسلمين، وتدعوهم لأن يلحقوه، ويأخذوه ليعرفوا خبره، مع أننا لا نجد في الرواية ما يشير إلى أن أحداً تحرك لهذه المهمة سوى رجل واحد هو سلمة بن الأكوع.

واحتمال أن يكون قد تحرك غيره معه لا يتلاءم مع سياق كلام ابن الأكوع حسبما ذكرناه فيما سبق..

5 ـ حين ينزل النبي «صلى الله عليه وآله» بجيشه لكي يتضحوا (أي لأجل أكل طعام الضحى)، فإنه «صلى الله عليه وآله» لا يجلس وحيداً بعيداً عن جيشه وفي عمق الصحراء، بل المتوقع هو: أن ينزل في مكان، ثم يصير الجيش يتحلق حوله حتى يصبح «صلى الله عليه وآله» في الوسط.. فكيف استطاع ذلك الرجل أن يخترق تلك الجموع، ويسير كل تلك المسافات بين جموع تعد بالألوف، ويطارده سلمة بن الأكوع، ثم لا يعترضه أحد من ذلك الجيش، الذي يحتاج إلى عدة دقائق للخروج من بين جموعه؟! وكيف لم تثر حركته فضولهم؟!

وكيف لم يشاركوا سلمة بن الأكوع في اللحاق به؟!

وكيف؟! وكيف؟!

6 ـ هل إن ملاحقة وحسم مصير عينٍ، أو راصدٍ، تستوجب أن يقوم رسول الله «صلى الله عليه وآله» بنفسه، ومعه الناس لاستقبال من فعل ذلك؟!

7 ـ إن ما فعله ذلك الرجل، من مجيئه على  الجمل، وإطلاق قيده، وإناخته، ثم قعوده عليه، ثم إنهاضه، والإنطلاق به، يحتاج إلى بعض الوقت، الذي يستطيع معه ابن الأكوع وغيره الوصول إليه، والفبض عليه قبل أن ينهض به الجمل، فلماذا صبروا حتى فعل ذلك كله. وانطلق بجمله؟!

8 ـ لماذا كان مع الرجل ناقة وجمل؟!

أو فقل: إن الرواية تتحدث أولاً عن جمل جاء به ذلك الرجل، فأناخه، وعقله. ثم تتحدث عن ناقة حاذاها سلمة بن الأكوع، ثم عن جمل حاذاه، ثم تقدم حتى أخذ بخطامه. فمن أين ومتى جاءت تلك الناقة؟! وما هي الحكمة في ذلك؟!

9 ـ إذا كان سلمة يركب الناقة، فمتى نزل عنها، حتى أخذ بخطام ذلك الجمل الذي ينطلق بسرعة فائقة؟!

10 ـ لماذا لم يبادر ذلك الرجل إلى القفز عن ظهر الجمل حينما كان ينخيه سلمة ليتمكن من تجنب سيف سلمة، بل هو قد انتظر حتى اناخ به الجمل، ثم اخترط سيفه، وقتله به؟!

11 ـ إذا كان قتل ذلك الرجل له أهمية إلى حد ان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يخرج مع الناس لاستقبال قاتله، فلماذا اقتصرت الرواية على سلمة نفسه، ولم يهتم بها الرواة، ولم يتناقلوها بالمستوى الذي يليق بها؟!

12 ـ إننا نلاحظ: أن راوي الحديث في البداية كان سلمة بن الأكوع، ولكنه هو نفسه يعود اخيراً ليقول: «واتبعه رجل من أسلم، من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فكيف نفسر هذا السياق لراوٍ يتحدث عن نفسه بهذه الطريقة؟!

هل هذا معقول؟!:

وذكروا: أنهم حين ساروا إلى حنين وأصبحوا قريباً من جمع هوازن. وأرادوا المبيت في موقعهم، قال «صلى الله عليه وآله»: من يحرسنا الليلة؟!

قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله.

قال: «فاركب».

فركب فرساً له، وجاء إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «استقبل هذا الشعب، حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة».

فلما أصبحنا خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى مصلاه، فركع ركعتين ثم قال: «هل أحسستم فارسكم»؟

قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه، فثوب بالصلاة.

فجعل رسول الله «صلى الله عليه وآله» يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى رسول الله «صلى الله عليه وآله» صلاته قال: «أبشروا فقد جاءكم فارسكم».

فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله، فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فلما أصبحت، طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحداً.

فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «هل نزلت الليلة»؟

قال: لا، إلا مصلياً، أو قاضي حاجة.

فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «قد أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بعدها»([78]).

ونقول:

إننا نشك في صحة هذه الرواية، وذلك لما يلي:

أولاً: إذا كانت الحراسة لرسول الله «صلى الله عليه وآله» فهو لا يحتاجها في جيش يبلغ تعداده الألوف، وإن احتاج إليها، فما معنى أن يكون حارسه رجلاً واحداً.

وإن كان المقصود هو: أن يحرس أنس بن أبي مرشد ذلك الجيش كله؟! فهو غير معقول! فإن جيشاً بهذا العدد الكبير، يحتاج إلى عشرات، بل إلى مئات من الفرسان، الذين يحيطون به من جميع الجهات، حتى لا يفاجئهم العدو من أية جهة كانت.

ولو فرضنا: أن العدو كان في الجهة التي كان أنس مرابطاً فيها.

فمن الذي يضمن عدم انتقال العدو منها إلى جهة أخرى، ليشن هجومه منها، أو أن لا  يفرق قواه في مختلف الجهات، لتأتي حملته مؤثرة في تشويش الأمور على الجيش الغافل، والغارق في النوم؟!

ثانياً: كيف أوكل «صلى الله عليه وآله» أمر حراسته، أو حراسة الجيش كله إلى رجل واحد، قد يأخذه النوم، أو يأخذه العدو، وتكون الكارثة؟!.

أليس يزعمون: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد جرب ذلك وهو في طريق عودته إلى خيبر، حيث طلب من بلال أن يبقى مستيقظاً إلى حين طلوع الفجر، فنام بلال، وفاتتهم الصلاة؟!

فإننا وإن كنا قد كذبنا هذه المزاعم، لكننا نذكرها هنا على سبيل إلزام من يصدق بها.

ثالثاً: ما معنى أن يصلي النبي «صلى الله عليه وآله» ويلتفت إلى جهة الشعب؟!.

واحتمال أن يكون «صلى الله عليه وآله» قد صلى عدة صلوات وكان يلتفت إلى الشعب بعد انتهاء كل صلاة لا يتلاءم مع سياق الكلام، ولا سيما قوله: فثوب بالصلاة، حيث إن ظاهره أنه «صلى الله عليه وآله» كان يصلي الصلاة المكتوبة.. ويؤيده قوله: حتى إذا قضى رسول الله «صلى الله عليه وآله» صلاته.

رابعاً: قالت الرواية: إن أنس بن أبي مرشد قد نزل من موقعه لأجل قضاء الحاجة..

ألا يعد ذلك: تفريطاً بالمهمة التي أوكلت إليه؟!

وألم يكن النبي «صلى الله عليه وآله» يعلم: أنه بحاجة إلى أن ينزل من موقعه إذا عرضت الحاجة له؟ فماذا لو أن العدو هجم عليه وعلى المسلمين في هذه اللحظة؟!.

خامساً: لعلَّ الأمرَّ والأدهى من ذلك كله زعمهم: أنه «صلى الله عليه وآله» قال لأنس: «لا عليك، ألَّا تعمل بعدها»!.

فهل سهر هذه الليلة في سبيل الله يكفيه عن العمل بقية عمره؟!

وهل معنى قوله هذا: أن العمل قد سقط عنه، ولم يعد مطالباً به، فإذا جاء به فإنه سيكون قد أتى بعمل لا يطلبه الله منه..

وإذا كان ذلك غير مطلوب، فهل يمكن أن نفهم ذلك أن عمله بعد اليوم أصبح بلا ثمرة، ولا أثر؛ لأن سهر تلك الليلة قد أغنى عنه؟!..

وهل يصح من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يلوح لإنسان بأن يترك العمل، ويكتفي بما سلف؟!.

وقد سئل النبي «صلى الله عليه وآله» ـ والسائل له هي عائشة ـ عن السبب في أنه يجهد نفسه في عبادة الله، مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟([79]). فلماذا لا يدعوه إلى المزيد من الطاعة لله، ليكون عبداً شكوراً أيضاً؟

مع أننا نتحفظ على صحة سؤال عائشة أيضاً، فإنها إنما قالت ذلك بحسب نظرتها هي لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، لا بحسب واقع الأمر.. فإنها كانت ترى: أن المقصود بالذنب المغفور للنبي «صلى الله عليه وآله»: هو ذنبه تجاه ربه.

وذلك غير صحيح، فإنه «صلى الله عليه وآله» معصوم عن الذنب والخطأ، مبرّأ من الزلل.. والمقصود بالذنب في آيات سورة الفتح هو ما يراه قومه ذنباً.

سادساً.. وأخيراً: إن أنساً قد صرح: بأنه قضى ليلته مصلياً، فهل استطاع أن يتوجه إلى الكعبة في صلاته؟!. وماذا لو كانت الكعبة خلف ظهره، حين يكون في مواجهة العدو؟! وهذا هو الأولى بالإحتمال بالنسبة لحنين التي هي إلى جهة الطائف. والمسلمون إنما قدموا من مكة باتجاه حنين، ويفترض أن تكون مكة خلفهم وحنين أمامهم في مسيرهم ذاك..

عباس بن مرداس ينصح هوازن:

ويقولون: إن عباس بن مرداس قد أسدى لهوازن نصيحة في شعره حيث قال:

أبلـغ هـوازن أعـلاهـا وأسفلها         منـي رسـالـة نـصـح فـيـه تبـيـان

إني أظـن رسـول الله صابحـكم          جيشاً له في فضـاء الأرض أركـان

فيهم سليم أخوكم غير تارككم          والمـسـلـمـون عبــاد الله  غســان

وفي عـضـادتـه اليمنى بنو أسـد                والأجـربـان بـنـو عـبـس وذبـيان

تكاد ترجف منه الأرض ترهبـه                 وفي مـقــدمــه أوس  وعــثـــمان

قال ابن إسحاق: أوس وعثمان قبيلا مُزَيْنَة([80]).

وغني عن القول:

أن المقصود بهذا الشعر إن كان هو نصح هوازن لكي تأخذ حذرها، وتستعد للحرب، فتلك خيانة منه، يحاول أن يتستر عليها  بادعاء مدح جيش المسلمين، وتخويف أعدائهم.

وإن كان المقصود هو مجرد الإفتخار، وعرض العضلات، ومن عادة العرب: الإفتخار على أعدائهم بشجاعتهم، وبعدتهم، وعددهم.. فلماذا يخبرهم بوقت وصول النبي «صلى الله عليه وآله» إليهم؟!

والذي نراه هو: أن هذا الشعر قد تضمن ما يلي:

1 ـ تفويت عنصر المفاجأة على جيش المسلمين، لأنه أخبر العدو بوقت وصول رسول الله «صلى الله عليه وآله» بجيشه إليهم، وتلك خيانة عظمى، وجناية كبرى.

2 ـ إنه يتضمن تطميناً لهوازن، بأن سليماً، التي كان هو من زعمائها هم إخوان لهوازن، وهم سوف لن يتركوهم طعمة للسيوف.

ويلاحظ هنا: أنه لم يصف سليماً بالإسلام، بل أطلق وصف الإسلام على غسَّان، ومن بعدهم.

وهذه إشارة أخرى لهوازن: بأن سليماً لم تزل تبطن الكفر، وإن اظهرت الإيمان.

وبعدما تقدم، فقد يراود الذهن احتمال أن يكون هذا الرجل من أهل النفاق، وربما يكون قد عاد إلى نفسه بعد ذلك.

 


 

 

 

 

الفصل الثالث:

قبل أن تبدأ الحرب

 



 

 

 

 

 

النبي في حنين:

وقالوا: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد انتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء([81])، لعشر خلون من شوال([82]).

وكان قد سبقهم مالك بن عوف، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرقهم على الطرق والمداخل([83]).

جواسيس مالك بن عوف:

وبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر من هوازن ينظرون إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأصحابه، وأمرهم أن يتفرقوا في العسكر، فرجعوا إليه، وقد تفرقت أوصالهم.

فقال: ويلكم ما شأنكم.

فقالوا: رأينا رجالاً بيضاً على خيل بُلق، فوالله، ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، والله ما نقاتل أهل الأرض، إن نقاتل إلا أهل السماوات، وإن أطعتنا رجعت بقومك، فإن الناس إن رأوا مثل الذي رأينا أصابهم مثل ما أصابنا.

فقال: أف لكم، أنتم أجبن أهل العسكر، فحبسهم عنده، فرقاً أن يشيع ذلك الرعب في العسكر.

وقال: دلوني على رجل شجاع.

فأجمعوا له على رجل، فخرج، ثم رجع إليه قد أصابه كنحو ما أصاب من قبله منهم.

فقال: ما رأيت؟

قال: رأيت رجالاً بيضاً على خيل بُلق، ما يطاق النظر إليهم، فوالله ما تماسكت أن أصابني ما ترى. فلم يثن ذلك مالكاً عن وجهه([84]).

ونقول:

إن علينا أن ننظر إلى هذه الروايات التي تتحدث عن الإمداد بالملائكة بتروٍّ وأناة، وليس لأحد ان يبادر إلى رفضها، بل نخضعها للبحث والتحقيق، ما دام أن مضمونها ليس من المحالات العقلية.

وفي غزوة بدر صرحت الآيات القرآنية: بأن الله تعالى قد أمدّ رسوله فيها بالملائكة.

كما أن القرآن نفسه قد صرح عن حنين أيضاً بقوله: {ثُمَّ أَنَزلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} ([85])، فلماذا نستغرب أمثال هذه الروايات التي تتحدث عن رؤية الناس والملائكة في ساحات القتال؟! أو نبادر إلى رفضها؟ أو إلى التشكيك فيها؟!.

ولعلك تقول: إن ظاهر الآية القرآنية هو: أن الإمداد بالجنود قد كان بعد أن ولى المسلمون مدبرين، وهذه الرواية تتحدث عن مرحلة ما قبل بدء الحرب.

يضاف إلى ذلك: أن الآية تصرح: بأن الناس لم يروا الجنود.

والرواية تقول: بأنهم قد رأوها.

ويمكن أن يجاب:

أولاً: إن رؤية الجنود المنفية في الآية الكريمة هي رؤية المؤمنين لهم، وأما رؤية الكافرين لهم، فلم تتحدث الآية عنها، وقد كان المطلوب أن يرى الكافرون كثرتهم، ليضعفوا عن الحرب ..

ثانياً: إن الملائكة الذين كانوا جنوداً، ومقاتلين، إنما نزلوا بعد الهزيمة، وذلك لا يمنع من وجود الملائكة مع المسلمين قبل بدء الحرب، لأجل مهمات أخرى غير القتال، وغير الجندية، كأن يكون المقصود تكثير المسلمين، وإلقاء الرعب في نفوس المشركين..

ثالثاً: إن وجود الملائكة مع المسلمين، ثم فرار هؤلاء المسلمين من الحرب، دليل على أن النصر الذي حصل بعد ذلك لم يكن من صنع هؤلاء الهاربين، بل هو من صنع خصوص المؤمنين الحقيقيين، الذين حين أصبحوا وحيدين في ساحة  المعركة، أنزل الله جنوده ليكونوا معهم، بدلاً عن أولئك الهاربين.

ومعنى ذلك: أن المقصود: بـ «المؤمنين» في قوله تعالى: {عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ}، هو: خصوص ع&