الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الخامس والعشرون

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الباب الرابع:

حرب أوطاس.. وحصار الطائف:


 

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين..

وبعد..

نتابع فيه حديثنا عن هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الإسلام، والتي انتهت بسقوط عنفوان الشرك، في المنطقة بأسرها.. لتكون الهيمنة المطلقة للإسلام وللمسلمين، باعتراف صريح من رموز الشرك، وعتاته، وفراعنته، وجباريه.

وتتمثل نهايات هذه المرحلة بحسم الأمر بالنسبة لقبيلة هوازن في حنين وأوطاس.. وسقوط ثقيف وخثعم في الطائف..

ثم تبع هذه المرحلة تداعيات طبيعية، تمثلت بانثيال وفود قبائل العرب على المدينة، ليعلنوا ولاءهم، وتأييدهم، وقبولهم بالإسلام ديناً، واعترافهم بمحمد نبياً..

والذي يعنينا الحديث عنه في هذا الباب وفصوله هو عرض ما جرى في حنين، وأوطاس، والطائف..

وأما الحديث عن الوفود، وعن سائر الأحداث الهامة، فنأمل أن نوفق للتعرض له فيما سوى ذلك من أبواب إن شاء الله تعالى..

فنقول.. ونتوكل على خير مأمول ومسؤول:



 

 
 

 

 

الفصل الأول:

أوطاس في الحديث والتاريخ



 

 

 

 


 

 

رواياتهم عن أوطاس:

تتدرج رواياتهم في تضخيم الأمور، فتراها على النحو التالي:

1 ـ قالوا: إنه «صلى الله عليه وآله» بعث أبا عامر وجماعة معه في أثر فُرّار هوازن يوم حنين، فأدرك بعض المنهزمين فناوشوه القتال، فرمي أبو عامر بسهم فقُتل، فأخذ الراية أبو موسى، ففتح الله عليه، وهزمهم الله([1]).

2 ـ وقالوا: إن هوازن لما انهزمت يوم حنين ذهبت فرقة منهما فيهما رئيسهم مالك بن عوف النصري، فلجأت إلى الطائف، فتحصنت.

وفرقة أخرى عسكرت بمكان يقال له: أوطاس، فبعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى هذه سرية، وأمَّر عليهم أبا عامر الأشعري.

ثم سار رسول الله «صلى الله عليه وآله» بنفسه الكريمة إلى الطائف فحاصرها.

قال أبو موسى الأشعري: بعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» أبا عامر الأشعري على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله تعالى أصحابه([2]).

3 ـ وزعموا أيضاً: أن أبا عامر بارز تسعة فرسان يقال: إنهم إخوة، فقتلهم واحداً بعد واحد، بعد أن كان يدعوهم إلى الإسلام. ثم برز أخوهم العاشر فقتل أبا عامر([3]).

4 ـ وعن أبي موسى أيضاً أنه قال: بعثني رسول الله «صلى الله عليه وآله» مع أبي عامر، قال سلمة بن الأكوع، وابن هشام: لما نزلت هوازن عسكروا بأوطاس عسكراً عظيماً، وقد تفرق منهم من تفرق، وقتل من قتل، وأسر من أسر، فانتهينا إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون، فبرز رجل معلم يبحث للقتال، فبرز له أبو عامر فدعاه إلى الإسلام، ويقول: اللهم اشهد عليه.

فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي.

فكف عنه أبو عامر، فأفلت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه.

فكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذا رآه يقول: «هذا شريد أبي عامر»([4]).

قتل أبي عامر:

وقال ابن هشام: ورمى أبا عامر أخوان: العلاء، وأوفى، ابنا الحارث، من بني جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه، والآخر ركبته فقتلاه([5]).

قال أبو موسى: رمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي([6]).

وفي حديث سلمة: أن العاشر ضرب أبا عامر فأثبته. قال سلمة: فاحتملناه وبه رمق.

وقال أبو موسى: فانتهيت إلى أبي عامر، فقلت له: يا أبا عامر، من رماك؟

فأشار إلى أبي موسى، وقال: ذاكه قاتلي الذي رماني. (أي هو صاحب العصابة الصفراء).

قال أبو موسى: فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولىَّ، فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي، ألا تثبت؟

فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته.

ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك.

قال: فانزع هذا السهم فنزعته، فنزا منه الماء.

فقال: يا ابن أخي أقرئ النبي «صلى الله عليه وآله» السلام، وقل له: استغفر لي.

أبو موسى يخلف أبا عامر:

قال أبو موسى: واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثم مات([7]).

وفي حديث سلمة: وأوصى أبو عامر إلى أبي موسى، ودفع إليه الراية وقال: ادفع فرسي وسلاحي إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»([8]).

فقاتلهم أبو موسى حتى فتح الله تعالى عليه، وانهزم المشركون بأوطاس، وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا، وقتل قاتل أبي عامر، وجاء بسلاحه وتركته وفرسه الى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقال: إن أبا عامر أمرني بذلك.

دعاء النبي لأبي عامر، وأبي موسى:

وفي حديث أبي موسى: «فرجعت، فدخلت على النبي «صلى الله عليه وآله» في بيته، وهو على سرير مرمل، وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفر لي.

فدعا رسول الله «صلى الله عليه وآله» بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر».

ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس».

فقلت: ولي، فاستغفر.

فقال: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً([9]).

ونقول:

إيضاحات:

أوطاس: وادٍ في ديار هوازن، وهو موضع قرب حنين إلى جهة الطائف. وكانت هوازن وثقيف في بادئ الأمر  قد عسكروا هناك، ثم التقوا هم والمسلمون بحنين ـ اسم جبل ـ فانهزمت هوازن ومن معها، فصارت طائفة من المشركين إلى الطائف، وأخرى إلى نخيلة، وثالثة إلى أوطاس([10]).

وسرير مرُْمَل: أي منسوج بحبل ونحوه، وهي حبال الحصر التي يضفر بها الأسرة.

أبو موسى بطل شجاع!!:

قال أبو موسى الأشعري: لما هزم الله المشركين يوم حنين، بعث رسول الله «صلى الله عليه وآله» على خيل الطلب أبا عامر الأشعري، وأنا معه. فقتل ابن دريد أبا عامر، فعدلت إليه فقتلته، وأخذت اللواء([11]).

ونحن نشك في صحة أقوال أبي موسى.

فأولاً: قد اختلفوا في قاتل أبي عامر. هل هو سلمة بن دريد؟ أو اشترك فيه رجلان أخوان، هما: العلاء، وأوفى، ابنا الحارث، من بني جشم؟! رماه أحدهما في قلبه، والآخر في ركبته، فقتلاه([12]).

ثانياً: هل قتل أبو موسى قاتل أبي عامر قبل أن يموت أبو عامر، كما تقدم في حديث سلمة؟ أو قتله بعد موت أبي عامر، كما دلت عليه الرواية المتقدمة وسواها؟

وهل قتل رجلاً واحداً أم رجلين؟!

إن الروايات قد اختلفت في ذلك، فلا شك في أن بعضها مكذوب، ويبقى البعض الآخر الذي لا بد من التأكد من صدقه أيضاً..

ثالثاً: هل أخذ أبو موسى اللواء بمبادرة منه، بمجرد قتل ابن دريد، وذلك بعد موت أبي عامر، كما صرحت به الرواية الآنفة الذكر، التي هي محل البحث؟ أو أن أبا عامر أوصى بدفع الراية إلى أبي موسى قبل موته، وقال له: ادفع فرسي وسلاحي إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! الخ..

رابعاً: تقدم أنهم زعموا: أن أبا عامر قد لقي عشر إخوة، فقتلهم واحداً بعد واحد، حتى كان العاشر، فحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام، ويقول: اللهم اشهد عليه.

فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي.

فكف عنه أبو عامر، ظناً منه أنه قد أسلم، فقتله العاشر ثم أسلم بعد.

ثم ذكروا أيضاً: أن نفس هذا العاشر قد عاد إلى أبي عامر فقتله. ثم بقي هذا القاتل حياً، وقد أسلم بعد، فحسن إسلامه، فكان النبي «صلى الله عليه وآله» يسميه: «شهيد أبي عامر»([13])، أو «شريد أبي عامر»([14]).

فما معنى قولهم: إن أخوين قتلاه؟! وإن أبا موسى قد قتل قاتله؟!

وإن كان الصالحي الشامي قد شكك بهذه الرواية التي تقول: إن الأخ العاشر قد قتل أبا عامر، زاعماً: أنها من قول ابن هشام لا من قول ابن إسحاق. وأن ما نقله عن ابن إسحاق ليس في رواية البكائي و.. و.. الخ..([15]).

غير أننا نقول:

إن عدم وجودها في رواية البكائي لا يعني أنها لا توجد في رواية غيره.

وجزم ابن سعد، والواقدي: بأن العاشر لم يسلم، لا يدفع الشك الذي أوجدته الرواية التي تقول: إنه قد أسلم، وإنه لم يقتل([16]).

من الذي ولى أبا موسى:

قد تقدم: أن أبا موسى قال: «واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثم مات»([17]).

وفي حديث سلمة ابن الأكوع: «ودفع إليه الراية»([18]).

غير أن ذلك أيضاً موضع شك، فإن ابن هشام قال: «وولى الناس أبا موسى»([19]).

أبو عامر على خيل الطلب:

ونحن لا ننكر أن يكون أبو عامر قد قتل بعض المشركين، كما أننا لا نريد أن نشكك في أن يكون «صلى الله عليه وآله» قد كلفه بمهمة من نوع ما في حرب حنين.. غير أننا نقول:

إنه يظهر لنا: أن ثمة تضخيماً للأمور أخرج قضية أبي عامر عن سياقها الطبيعي، ولعل سبب هذا التضخيم هو إرادة منح أبي موسى الذي خان الله ورسوله في التحكيم في صفين نصيباً كان يرغب في الحصول عليه..

ولعل الذي حصل هو: أن من طبيعة الحروب أن تكون هناك بعض المجموعات التي تتولى ملاحقة المهزومين، لتفريق شملهم، وتشتيتهم، لمنعهم من التجمع مرة أخرى، ثم العودة لمباغتة الجيش المنتصر، وإلحاق الأذى به.

وهذا بالذات هو ما حصل فعلاً، فقد تقدم قول أبي موسى: «لما هزم الله المشركين يوم حنين، بعث «صلى الله عليه وآله» على خيل الطلب أبا عامر الأشعري، وأنا معه الخ..»([20]).

ويشير إلى ذلك أيضاً قولهم: إنه «صلى الله عليه وآله» بعث أبا عامر «في آثار فُرَّار هوازن، فأدرك بعض المنهزمين فناوشوه القتال الخ..»([21]). فلماذا إذن يضخمون الأمور، فيقولون: لما نزلت هوازن عسكروا بأوطاس عسكراً عظيماً..

إلى أن قال: فانتهينا إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون.

ثم تذكر الرواية: حديث المبارزة بين أبي عامر وعشرة إخوة من المشركين.. فإن قولهم: إنهم كانوا قد أنشأوا معسكراً هناك بعد هزيمتهم، لا يصح، لأن من تقع عليهم الهزيمة، وتكون الخيل في أثرهم، لا تكون لديهم فرصة لإنشاء عسكر عظيم، ثم الإمتناع فيه.

على أن هذا القائل لم يذكر لنا بأي شيء كانوا ممتنعين. إلا إن كان مقصوده بالإمتناع: أنهم متيقظون حذرون، لا أكثر..

وإن كان المراد: أن معسكر هوازن الذي أنشأوه قبل الهزيمة، وقد قتل منه من قتل، وسبي فيه من سبي، وتفرق من تفرق، وبقيت بقية منه قد امتنعت في مواضعها، ومعسكرها.

فذلك أيضاً لا يصح، لأن المفروض: أن أبا عامر قد لحق بهم بعد هزيمتهم، وكان يطاردهم على الخيل، فهم لم يبقوا في مواضعهم، ليعسكروا ويمتنعوا..

قتل دريد بن الصمة:

وأما ما ذكر في النص السابق: من أن أبا عامر قد لقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله تعالى أصحابه([22]).

فهو أيضاً: غير دقيق، فإن دريد بن الصمة كان أعمى، وكان طاعناً في السن، وكان محمولاً في شجار له، ولم يرض بأن يوكل إليه أمر القيادة في ذلك الجيش، لا عليه كله، ولا على بعضه.. ولم يكن معه جماعة يقاتل بهم، أو معهم.

بل تقدم: أن أحد المقاتلين لقيه دريد بن الصمة ـ واسمه قنيع ـ فقتله، وكان قد ظن في بادئ الأمر أنه امرأة([23]).

خيل الطلب، والمبارزة، وقتل أبي عامر:

وعن الرواية التي تزعم: أن أبا عامر قد بارز عشرة من الرجال كلهم إخوة، فقتل تسعة منهم، ثم خدعه العاشر، وأفلت منه، ثم عاد ذلك الذي أفلت إلى أبي عامر، فقتله، نقول:

1 ـ إنه إذا كان أبو عامر يقود خيل الطلب، وهي الخيل التي تطارد فلول المنهزمين، فلا تسنح الفرصة لتلك الفلول للإصطفاف، وطلب البراز، بل تكون همة هؤلاء في النجاة بأنفسهم، وهمة أولئك في الإمعان بتشتيتهم، وأخذ من يمكن أخذه منهم.

2 ـ على أن ما تقدم في حرب حنين، قد دل على أن جيش المشركين قد ملئ رعباً وخوفاً، بل إن المنهزمين حسب تصريحهم قد أمعنوا في الهرب، حتى دخلوا حصن ثقيف، وهم يظنون أن المسلمون خلفهم، يطاردونهم، ويوشكون أن يدخلوا معهم إلى الحصن..

وهذا ما صنعه الله تعالى لنبيه «صلى الله عليه وآله»، حيث إن رؤيتهم للجنود التي أنزلها الله له قد أرعبتهم، وقد رسخ هذا الرعب وضاعفه لديهم ما عانوه من سيف علي «عليه السلام»، الذي حصد منهم العشرات، بل المئات حسبما تقدم. مع العلم بأن أحداً غير علي «عليه السلام» لم يطعن برمح، ولم يرم بسهم، ولم يضرب بسيف، كما صرحت به النصوص.

وقد قلنا: إن ذلك يدل على: أن جميع قتلى المشركين في حنين قد قتلوا بسيفه «عليه السلام»، ولا يمكنهم إثبات خلاف ذلك، إلا على سبيل التحكم، والمكابرة

وقد تقدم: أن راجعة المسلمين ما رجعت من الهزيمة حتى وجدت الأسارى مكتفين عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهم أكثر من ألف فارس، وستة آلاف سبية، وعشرات الألوف من الإبل، والمواشي المختلفة..

3 ـ على أنه قد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع: أن أبا موسى سأل أبا عامر: من رماك؟ فدله عليه أبو عامر بالإشارة.. فلو أن أبا عامر قد بارز الإخوة العشرة، وقتل في المبارزة، فلا بد أن يراه كل الناس، ولاسيما الفرسان المعروفون منهم، والذين يقفون عادةً في الصفوف الأولى، ويشاهدون ما يجري.

إلا إن كان لم يقتله حين المبارزة، بل قتله بعد ذلك حين اختلط الناس.

إلا أن ذلك يتعارض مع ما زعموه: من أنه قتل على يد رجلين، ومن أن أبا موسى قد قتل قاتله، مع أن ذلك العاشر قد أسلم وحسن إسلامه وغير ذلك.

4 ـ قولهم: إنه حين نزع السهم نزا من جرحه الماء.

نقول فيه: إن المفروض هو: أن يسيل الدم وليس الماء، إذ من أين يأتي الماء؟ سواء أكان قد أصاب السهم قلبه، أو أصاب ركبته، حسبما ورد في الروايات الأخرى.

دعاء النبي لأبي موسى:

وعن دعاء النبي «صلى الله عليه وآله» لأبي موسى نقول:

إن الكلام حول أبي موسى الأشعري واستقامته على جادة الحق يحتاج إلى فرصة أخرى.

غير أننا نكتفي هنا بالقول: إن دعاء النبي «صلى الله عليه وآله» مستجاب بلا شك، ولا يصح لعن من دعا له النبي «صلى الله عليه وآله» بأن يدخله الله يوم القيامة مدخلاً كريماً.

فكيف كان علي «عليه السلام» ـ بعد قضية التحكيم، التي خان فيها أبو موسى الله تعالى ورسوله ـ يقنت في الفجر والمغرب ويلعن معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، والوليد بن عقبة، وأبا الأعور، والضحاك بن قيس، وبسر بن أبي أرطأة، وحبيب بن مسلمة، وأبا موسى الأشعري، ومروان؟!

وكان هؤلاء يقنتون عليه، ويلعنونه([24]).

وفيما كتبه الإمام الرضا «عليه السلام» للمأمون، من محض الإسلام: أن البراءة من الذين ظلموا آل محمد «صلى الله عليه وآله» واجبة، وذكر لعن معاوية، وعمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري([25]).

وقال أبو موسى لأبي ذر: يا أخي.

فطرده أبو ذر عن نفسه، وقال له: لست بأخيك، إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل([26]).

وقال له الأشتر لما بعثه علي «عليه السلام» لإخراج أبي موسى من الكوفة: «فوالله، إنك لمن المنافقين قديماً»([27]).

وقال أبو عمر في الإستيعاب: روي فيه لحذيفة كلام كرهت ذكره.

قال المعتزلي: مراد الإستيعاب: أن أبا موسى ذكر عند حذيفة بالدين، فقال: أما أنتم فتقولون ذلك، وأما أنا فأشهد أنه عدو لله ولرسوله، وحرب لهما في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة، ولهم سوء الدار([28]).

وكان حذيفة عارفاً بالمنافقين، أسرَّ إليه النبي «صلى الله عليه وآله» أمرهم، وعرفه أسماءهم([29]).

وروي أيضاً: أن عماراً سئل عن أبي موسى، فقال: لقد سمعت فيه من حذيفة قولاً عظيماً، سمعته يقول: صاحب البرنس الأسود، ثم كلح منه كلوحاً علمت أنه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط([30]).

وروي عن النبي «صلى الله عليه وآله»: أنه وصفه بالسامري([31]).

محاولة اغتيال الرسول :

وقال أبو بردة بن نيار: لما كنا بأوطاس، نزلنا تحت شجرة، ونظرنا إلى شجرة عظيمة، فنزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» تحتها وعلق سيفه وقوسه، وكنت أقرب أصحابي إليه، فما راعني إلا صوته: يا أبا بردة.

فقلت: لبيك يا رسول الله. فأقبلت سريعاً، فإذا رسول الله «صلى الله عليه وآله» جالس، وعنده رجل جالس.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: إن هذا الرجل جاءني وأنا نائم، فسل سيفي، وقام به على رأسى، فانتبهت وهو يقول: يا محمد، من يمنعك مني؟

فقلت: الله تعالى.

قال أبو بردة: فسللت سيفي.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: شم سيفك.

فقلت: يا رسول الله، دعني أضرب عنق عدو الله، فإنه من عيون المشركين.

فقال لي: «اسكت يا أبا بردة».

فما قال له رسول الله «صلى الله عليه وآله» شيئاً، ولا عاقبه.

قال: فجعلت أصيح به في العسكر لِأُشهره للناس، فيقتله قاتل بغير أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأما أنا فقد كفني رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن قتله.

فجعل النبي «صلى الله عليه وآله» يقول: «يا أبا بردة، كف عن الرجل».

فرجعت إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: «يا أبا بردة، إن الله مانعي وحافظي، حتى يظهر دينه على الدين كله»([32]).

ونقول:

إن علينا أن ننبه القاري الكريم هنا إلى ما يلي:

1 ـ تشابه الأحداث:

قد يتبادر إلى ذهن القارئ هنا سؤال يقول: إن هذا الحادث قد ذكر في أكثر من غزوة، وأكثر من مقام.. فلماذا كان ذلك؟!

وكيف يجب أن نتعامل مع هذه الظاهرة؟!

ونجيب: لعل أحداً لا يستطيع أن يتيقن بعدم تكرار محاولات قتل النبي «صلى الله عليه وآله»، ما دام أن الناس يتشابهون في تفكيرهم، واندفاعاتهم، حين تتوفر لهم عناصر ذلك ويرونها ماثلة أمام أعينهم، وفي متناول يدهم، كما هو الحال في هذه الحوادث. فإن النبي «صلى الله عليه وآله» في جميع سفراته، وتحركاته يأتي إليه الناس، ويحضرون مجالسه، ويسيرون في ركابه، وبالقرب منه، وقد يراه بعض أعدائه وحده، فتظهر لديه رغبة في اغتنام الفرصة لقتله، ويزين له الشيطان أنه قادر على ذلك..

ولاسيما إذا آنس منه غفلة عنه، أو ظن أنه مستغرق في النوم، أو أنه لا يراه، فيبادر إلى فعل مقدمات ذلك، وإذ به يفاجأ بكرامة الله لنبيه، ويكون ذلك برهاناً لكل جاحد، وحجة على كل معاند، وتثبيتاً لأهل الإيمان على إيمانهم.

وقد يقال: إن ذلك، وإن كان ممكناً في نفسه، ولكن التحقيق في وقوعه يحتاج إلى وسائل إثبات تكفي لذلك، وهي لا تكاد توجد، لأن نقلة هذه الأخبار ليسوا في المستوى المطلوب من حيث الوثاقة، والدقة والتحري. بل قد وجدنا في نقولاتهم الكثير من أسباب الشك والريب، وفيها ما يقطع بكذبه، أو بتحريفه.

غير أننا نقول:

إن ذلك لا يعني: أنه يجب الحكم بسقوط هذه الأخبار عن الإعتبار، ولزوم صرف النظر عنها جميعها، فإن الموقف العلمي منها يقضي: بلزوم تصفيتها، وتنقيتها من كل ما هو موهون ومشكوك، ومكذوب، ثم الأخذ بعصارتها، وصفوتها، حتى وإن عسر تحديد زمان وقوعها، أو لم يمكن تحديد الواقع منها. هل هو مرة؟ أو مرات؟ ما دام ان ذلك لا يؤثر على أصل ما ينبغي أن يستفاد منها، من عبرة أو فكرة، أو مفهوم إيماني، أو تربوي، أو ما إلى ذلك..

2 ـ لا يطاع الله من حيث يعصى:

وقد اظهرت الروايات السابقة: أن أبا بردة بن نيار يصر على مخالفة امر رسول الله «صلى الله عليه وآله». بل هو يسعى في الناس ليجد من يبادر إلى القيام بعمل ظهر له أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا يريده..

فلماذا أصبح أبو بردة حريصاً على قتل هذا الرجل إلى هذا الحد؟! وهل يريد أن يثبت للناس وللرسول شدة حبه له بهذه الطريقة المؤذية لشخص الرسول، من حيث إنه يريد أن يثبت أنه يتفانى في حبه؟! وكيف جاز له أن يخالف أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» الذي أصدره إليه بالسكوت والكف..

إن أبا بردة إن كان أراد أن يطيع الله، فهو قد عصاه بفعله هذا، ولا يطاع الله من حيث يعصى..

3 ـ في حنين، أم في أوطاس؟!:

وقد صرحت الرواية المذكورة آنفاً: بأن هذه القضية جرت في أوطاس، ومن الواضح: أن التجمع الذي كان في أوطاس قد فضه ـ كما يزعمون ـ أبو عامر الأشعري بأمر من رسول الله «صلى الله عليه وآله».. وإن كنا نعتقد: أن أمر أوطاس أيضاً قد حسم على يد علي «عليه السلام» دون سواه.

إلا أن يقال: لعل النبي «صلى الله عليه وآله» قد مرّ من أوطاس حين عودته من الطائف إلى الجعرانة.. كما ربما يشير إليه قول الراواية: لما كنا بأوطاس، نزلنا تحت شجرة، ونظرنا إلى شجرة، فنزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» تحتها وعلق سيفه وقوسه، وكنت أقرب أصحابي إليه الخ.. فإنه ظاهر في أن ذلك كان حين المسير والإستطراق، وليس حين نزل فيها لأجل الحرب.

4 ـ أين الحرس؟!

إنهم يزعمون: أن عباد بن بشر، ومحمد بن مسلمة، وأبا نائلة([33]) كانوا يحرسون رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأين كان هؤلاء عنه في هذه اللحظة بالذات؟! وهل الحراسة تكون له «صلى الله عليه وآله» إلا في هذه الحال؟!

بل أين علي بن أبي طالب «عليه السلام»؟ فإنه هو الذي كان يحرس رسول الله «صلى الله عليه وآله» في حضره وفي سفره، كما هو معلوم.

5 ـ أسئلة تحتاج إلى أجوبة:

ثم إن الرواية لم توضح لنا: كيف ولماذا عدل ذلك الرجل عن تصميمه على قتل رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! ولماذا ومتى جلس ذلك الرجل إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! مع العلم: بأن النبي «صلى الله عليه وآله» قد نادى أبا بردة لحظة أخذ ذلك الرجل السيف بيده، ليقتل به رسول الله «صلى الله عليه وآله». وهل كان سيف رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا يزال معه حين جلس إليه؟! أم أخذ منه قهراً، أو أعاده طائعاً مختاراً؟! وعلى هذا لماذا اختار أن يعيده؟!

وكيف عرف أبو بردة: أن ذلك الرجل كان من عيون المشركين، ولم لا يظن أنه كان من المنافقين الحاقدين؟!

ولماذا يدافع الرسول «صلى الله عليه وآله» عن ذلك الرجل؟ هل لإنه كان قد اسلم؟! فإن كان الأمر كذلك، فلماذا لم يخبر أبا بردة بإسلامه ليفرح بذلك؟ وليكف عنه من أجل إسلامه؟!

وإن لم يكن قد أسلم، فهل يدافع عنه لأنه يأمل إسلامه؟! أو لأنه كان قد أعطاه أماناً، ولا يريد أن ينقض ما أعطاه؟!

إن جميع هذه الأسئلة وسواها يحتاج إلى جواب مقنع ومقبول، وأين؟! وأنى؟!



 

 

 

 

الفصل الثاني:

حصار الطائف



 

 

 

 

غزوة الطائف بروايتهم:

الطائف بلد كبير، يقع على ثلاث مراحل، أو على مرحلتين من مكة، إلى جهة المشرق([34]).

وقالوا: إنه لما فتح رسول الله «صلى الله عليه وآله» حنيناً لعشر، أو لأحد عشر من شوال، خرج إلى الطائف يريد جمعاً من هوازن وثقيف، وكانوا قد هربوا من معركة حنين([35]).

ويذكرون في بيان ما جرى: أنه لما قدم فَلُّ ثقيف الطائف رمُّوا حصنهم، وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم، وتهيؤا للقتال.

وكانوا أدخلوا فيه قوت سنة لو حصروا، وجمعوا حجارة كثيرة، وأعدوا سككاً من الحديد، ورتبوا عليه المجانيق، وأدخلوا معهم قوماً من العرب من عقيل وغيرهم، وأمروا بسرحهم أن يرفع في موضع يأمنون فيه.

وقدَّم رسول الله «صلى الله عليه وآله» بين يديه خالد بن الوليد في ألف من أصحابه إلى الطائف، فأتى خالد الطائف، فنزل ناحية من الحصن، وقامت ثقيف على حصنها بالرجال والسلاح.

ودنا خالد في نفر من أصحابه، فدار بالحصن، ونظر إلى نواحيه، ثم وقف في ناحية من الحصن فنادى بأعلى صوته: ينزل إلي بعضكم أكلمه، وهو آمن حتى يرجع، أو اجعلوا لي مثل ما جعلت لكم، وأدخل عليكم حصنكم أكلمكم.

قالوا: لا ينزل إليك رجل منا، ولا تصل إلينا.

وقالوا: يا خالد، إن صاحبكم لم يلق قوماً يحسنون قتاله غيرنا.

قال خالد: فاسمعوا من قولي، نزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» بأهل الحصون والقوة بيثرب، وخيبر، وبعث رجلاً واحداً إلى فدك، فنزلوا على حكمه.

وأنا أحذركم مثل يوم بني قريظة، حصرهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» أياماً، ثم نزلوا على حكمه، فقتل مقاتلتهم في صعيد واحد، ثم سبى الذرية، ثم دخل مكة فافتتحها، وأوطأ هوازن في جمعها، وأنتم في حصن في ناحية من الأرض، لو ترككم لقتلكم من حولكم ممن أسلم.

قالوا: لا نفارق ديننا.

ثم رجع خالد بن الوليد إلى منزله([36]).

ونقول:

إننا نذكر القارئ الكريم بالأمور التالية:

1 ـ إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أبقى جيشه على نفس التعبئة التي خرج عليها من مكة، فأبقى خالداً على مقدمته التي كانت تتكون من أهل مكة، ومن بني سليم، وكانوا ألف رجل كما يقولون.

والظاهر: أنهم كان معهم مائة فرس.

وقال الحلبي: «وقدَّم «صلى الله عليه وآله» خالد بن الوليد على مقدمته، أي وهي خيل بني سليم، مائة فرس، قدَّمها من يوم خرج من مكة، واستعمل عليهم خالد بن الوليد الخ..» ([37]).

أي أنه «صلى الله عليه وآله» لم يرد أن يغير في تعبئة الجيش لسببين:

أولهما: أن المصلحة التي اقتضت جعل خالد على مقدمته، وقبول أهل مكة في المقدمة، لا تزال قائمة، بل لعلها أصبحت أكثر إلحاحاً من ذي قبل، لأن الهزيمة التي وقعت على المسلمين. وكانت قد جاءت أولاً من المقدمة بالذات ربما تكون قد أعطت الإنطباع للمشركين: بأن حضور أهل مكة في جيش المسلمين قد كان مجاراة منهم. وهذا يجعلهم غير مطمئنين، ويثير لديهم مخاوف تمنعهم من التفكير بدخول الإسلام، لأنهم ربما يخشون من عودة فراعنة الشرك إلى ملاحقة من يسلم بالتنكيل والأذى. فلا بد أن تنتهي الحرب، وأهل مكة في مواقعهم، ولا بد أن يظهروا حرصاً على دعوة الناس للدخول في هذا الدين، وأن يبذلوا جهداً في الذب عنه، مهما اختلفت أهواؤهم، ودوافعهم. وتباينت ميولهم واتجاهاتهم.

الثاني: لو أدخل «صلى الله عليه وآله» أي تغيير على تركيبة جيشه، لظن كثير من الناس: أن لا لوم على الذين انهزموا، لأن سبب الهزيمة هو الخطأ في التعبئة، ووضع الأمور في غير موضعها الصحيح، ولبطل أثر الآيات الإلهية التي أنبت المنهزمين ولامتهم، وحملتهم المسؤولية..

بل لعل زعماء الهزيمة أنفسهم يثيرون في الناس هذه المعاني، ويحملون رسول الله «صلى الله عليه وآله» نفسه مسؤولية الهزيمة، ويصورون للناس البريء المجاهد الصابر على أنه هو المذنب، والقاصر والمقصر.. ويظهرون العاصي والمجرم على أنه البريء، بل هو المظلوم..

2 ـ لا ندري مدى صحة قولهم: إنه لما قدم فلُّ ثقيف من حنين رمّوا حصنهم، فإن النبي «صلى الله عليه وآله» قد جاء في أثرهم، وربما لم يفصل بين وصوله إلى حصنهم، ووصول فلُّ ثقيف إليه إلا اليسير من الوقت قد لا يتجاوز اليوم واحد.. وحتى لو زاد على ذلك، فإن ترميم الحصن قد يحتاج إلى وقت طويل، وإلى جهد كبير..

إلا أن يقال: لعل ترميمه كان لا يحتاج إلى وقت كبير، لأنه كان جزئياً ويسيراً.

مع أننا نعتقد: أن إدخال الأقوات لسنة، وإعداد سكك الحديد، وجمع الحجارة الكثيرة، وترتيب المجانيق، الذي يقولون: إنه قد حصل في وقت سابق على حنين، لا بد أن يرافقه أو يسبقه ترميم للحصن أيضاً، إذ لا معنى لهذا الإعداد والإستعداد العظيم، إذا كان الحصن نفسه غير صالح لحمايتهم.

وهذا معناه: أن التعبير المتقدم قاصر عن إفادة المراد، أو أن ثمة غفلة عرضت لمنشئه، فنتج عنها هذا الخطأ.

3 ـ ونقرأ في النص السابق قول ثقيف: إن صاحبكم لم يلق قوماً يحسنون القتال غيرهم..

هذه الكلمة التي لم نزل نسمعها من كل مغرور بقوته، معجب بعديده وعدته، وقد سبقهم إليها مالك بن عوف الذي هزم معهم بالأمس، والتجأ إليهم اليوم، وأنها شارة الغرور الذي يورد صاحبه المهالك، ويعمِّي عليه السبل والمسالك.

وإنه لمن أغرب الأمور: أن تقول ثقيف هذه الكلمة اليوم مع أنها لم تخلع ثياب الهزيمة في حنين عنها بعد، وكان الذي هزمها هو علي «عليه السلام» وحده. فلماذا لم يحسنوا القتال تحت راية مالك بن عوف؟! وما الذي تغير بالنسبة إليهم؟! سوى أنهم أصبحوا يقاتلون في قرى محصنة، ومن وراء جدر؟! كما قال تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ}([38]).

أحداث جرت في مسيرة النبي إلى الطائف:

وسار رسول الله «صلى الله عليه وآله» في إثر خالد، ولم يرجع إلى مكة، ولا عرَّج بها على شيء إلا على غزو الطائف، قبل أن يقسم غنائم حنين وقد ترك السبي بالجعرانة، وملئت عرش مكة منهم.

وكان مسيره في شوال سنة ثمان.

وقال شداد بن عارض الجشمي في مسير رسول الله «صلى الله عليه وآله»:

لا تنـصروا الـلات إن الله مهلكها               وكيف ينصر من هو ليس  ينتصر؟

إن التي حرقت بالسَّـدِّ فاشتعـلت                 ولم تقـاتـل لـدى أحـجـارها هدر

إن الرسـول متى ينـزل بــلادكـم                يظعن ولـيـس بهـا مـن أهلها بشر

قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله «صلى الله عليه وآله» ـ يعني من حنين إلى الطائف ـ على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرغاء من ليَّة، فابتنى بها مسجداً، فصلى فيه.

وأقاد يومئذٍ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام، أتي برجل من بني ليث قتل رجلاً من هذيل فقتله به.

وأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو بِلَيَّة بحصن مالك بن عوف فهدم. وصلى الظهر بلية([39]).

ثم سلك في طريق يقال لها: الضيقة، فلما توجه إليها رسول الله «صلى الله عليه وآله» سأل عن اسمها، فقيل: الضيقة.

فقال: «بل هي اليسرى».

فخرج منها على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة، قريباً من مال رجل من ثقيف، قد تمنع فيه، فأرسل إليه رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «إما أن تخرج، وإما أن نحرق عليك حائطك».

فأبى أن يخرج.

فأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بإحراقه([40]).

ونقول:

ويثير الإنتباه هنا عدة أمور، نذكر منها:

بناء المسجد، وهدم حصن مالك:

كان من الطبيعي: أن يصلي النبي «صلى الله عليه وآله» في أسفاره في أي بقعة يصل إليها، ويحل فيها وقت الصلاة، وأما أن يتعمد بناء مسجدٍ في هذه البقعة أو تلك، فذلك أمر له دلالاته وإيحاءاته بالنسبة للتخطيط لمستقبل المنطقة بأسرها.. لاسيما في هذه المرحلة التي تجري فيها حروب خطيرة وحاسمة، مع عتاة الكفر في ذلك المحيط.

والأهم من ذلك: أن يكون هذا المسجد في نفس المكان الذي كان فيه حصن مالك بن عوف رئيس الجيوش التي حاربته «صلى الله عليه وآله» في حنين. ومحور الإرتكاز للطغيان والغطرسة والبغي..

ويزيد ذلك أهمية: إذا رافق بناء المسجد، في خصوص هذا المكان هدم حصن ذلك العاتي الخاسر، مالك بن عوف. ليقطع بذلك أمله في أي شيء يمكن أن يثير فيه حالة الغطرسة، والغرور بالقوة، ولكي لا يجد هو ولا غيره في هذا المسجد نقطة ارتكاز تتجمع حولها ذكريات، قد يشعر معها بشيء من الزهو، في حين لا بد أن يكون الخجل، والشعور بالخزي هو المهيمن على كل وجوده، وكلما مرت هذه الذكريات في خياله..

تغيير أسماء البقاع:

وليس بعيداً عن هذا السياق أيضاً أن نرى هذا الرسول الكريم، والنبي العظيم «صلى الله عليه وآله» يمارس الأمور، ويتصرف في المنطقة بنحو يعطي الإنطباع بأن قضية الحرب والسلم قد أصبحت محسومة، وأن أمر البلاد والعباد قد عاد إلى موقعه الطبيعي، وهو موقع النبوة، ولذلك صار «صلى الله عليه وآله» يتصدى حتى لأعلام البقاع كما تصدى لمعالمها، لتصبح أسماءها متوافقة مع نهجه، وملائمة لأطروحته، ومفاهيمه، وتوجهاته..

فلا يرضى باسم إحدى الطرق التي يمر بها، فيبادر إلى تغيير اسم «الضيقة» ليصبح اسمها «اليسرى».

جيوب لا بد من اقتلاعها:

ومن الطبيعي جداً: أن نراه «صلى الله عليه وآله» يعمل على اقتلاع كل الجيوب التي يحتمل أن تكون مثار قلق، وريبة بالنسبة إليه، إذ لا يمكن ان يرضى قائد مجرب، وعاقل أريب، بإبقاء أي من الأعداء يسرح ويمرح خلف ظهره، في وقت يكون هو منشغلاً بحرب من هم أمامه.. فإن فعل ذلك، فسيكون في نظر العقلاء، وأهل الحزم، والتدبير ممعناً في السذاجة، والغباء، والتغفيل، إلى الحد الذي يسلبه الأهلية لأي موقع قيادي، يمكن أن يحتاج فيه الناس إلى قائد حكيم، يقظ، وحازم.

ولذلك نرى: أنه «صلى الله عليه وآله» حين رأى ذلك الثقفي مصراً على موقفه العدواني، ويرى نفسه: أنه قد تمنَّع في الموقع الذي هو فيه، ولم يستجب للإنذار الذي وجهه إليه، وأنه قد أخذ بأسباب الحذر، وبادر إلى التفكير بإلحاق حرمان ذلك الرجل من مناعة موقعه، لكي يعود إليه صوابه، وليفقد القدرة على أي نوع من أنواع الأذى بأهل الإيمان، وجيش الإسلام..

الإقادة من قاتل:

وأما بالنسبة للقود الذي أجراه «صلى الله عليه وآله» في حق رجل من بني ليث، فذلك أيضاً يؤكد للناس كلهم: أن مواجهة الأعداء، وممارسة الحرب والقتال، مهما كان ضارياً وشرساً، وخطيراً، لا يعني: أن ثمة تهاوناً في فرض النظام العادل، وإقامة شرع الله، أو تعني التهاون بدماء الناس، واسترخاص أرواحهم، والإستخفاف بحقوقهم.. بل إن هذا القتال نفسه، إنما يأتي في سياق إرساء العدل وحفظ الكرامات، وصيانة الأرواح، وحقن الدماء، ورعاية الحقوق.. لأنه يراد الذب عن المبادئ، وحفظ القيم، التي ينبثق عنها ذلك كله..

ولذلك لم تشغله «صلى الله عليه وآله» تلك الحرب الضارية عن أخذ حق المظلوم من ظالمه، وإقادته منه..

إن على الجميع أن يعرف: أنه «صلى الله عليه وآله» لا يقود حروبه ليسقط القيم، والمبادئ، بل ليؤكدها، ويقويها، ويحفظها.. كما أنه لا يريد بها إشاعة الخوف والرعب، بل يريدها أن تنتج الشعور بالسكينة، والسلام، والأمن.. ولا يريد منها زرع الموت والدمار، والفناء، بل يريد أن تكون ذلك الكوثر الذي يهب الحياة، ويعطي شجرتها المزيد من الرواء، والنماء، لتصبح جذورها قوية وراسخة، وأغصانها غضة وباسقة.. تثمر الحب والرضا، والسلامة والسلام على الدوام..

وليطمئن الناس كلهم، فإن الحكم لم يعد للأهواء، ولا بيد العتاة والأشقياء، بل الحكم لشرع الله، بيد الأنبياء، والأوصياء، والأولياء.

قبر أبي رغال:

عن عبد الله بن عمر: أنهم حين خرجوا مع رسول الله، فمروا بقبر أبي رغال، فقال «صلى الله عليه وآله»: «هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك: أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه».

قال: فابتدره الناس فنبشوه، فاستخرجوا منه الغصن([41]).

وقالوا: إنه بقي بعد قومه أربعين يوماً وكان بالحرم، فجاءه حجر ليصيبه في الحرم، فقام إليه ملائكة الحرم، فقالوا للحجر: ارجع من حيث جئت، فإن الرجل في حرم الله تعالى.

فرجع فوقف خارجاً من الحرم أربعين يوماً بين السماء والأرض، حتى قضى الرجل حاجته، وخرج من الحرم إلى هذا المحل أصابه الحجر، فقتله، فدفن فيه([42]).

ونقول:

إن لدينا ما يبعث على الشك في صحة هذا المضمون، فلاحظ ما يلي:

أولاً: إن أبا رغال هذا ـ كما يدَّعون ـ قد عاش إلى زمن أبرهة، وعبد المطلب. وقوم ثمود قد أهلكوا قبل مئات السنين من ذلك؛ لأنهم يذكرون: أن أبرهة حين قصد مكة مر بالطائف، وتلقاه أهله، وأظهروا له الطاعة، وقالوا له: نرسل معك من يدلك على الطريق، فأرسلوا أبا رغال معه([43]).

فهل عاش هذا الرجل هذه المئات والألوف من السنين كلها حتى أصبحت ذريته قبيلة تعد بالألوف، وصارت تنشئ الحصون، وتؤلف الجيوش، وتصبح بحيث ترى في نفسها القوة على حرب رسول الله «صلى الله عليه وآله» دون حكمة ظاهرة تبرر هذا البقاء الطويل؟!

ثانياً: إذا كان أبو رغال من قوم ثمود، وقد أنرل الله عذاب الإستئصال عليهم، ولم يبق منهم أحد، فكيف بقي أبناء أبي رغال حتى تكونت قبيلة ثقيف؟! مع أن أبناءه هم من قبيلته أيضاً..

وإذا كان الله تعالى قد أنزل العذاب على ثمود في مساكنهم. فهل يتعدى العذاب تلك الديار، ليشمل كل من كان غائباً عنها، إذا كان ينتسب إليهم؟! وهل كان العذاب على نحو التطهير العرقي الشامل؟!

وإذا كان أبو رغال من هؤلاء القوم، فلماذا حين خرج من مكة لم يرجع إلى بلده، الذي هو بالقرب من تبوك([44]) إلى جهة الشام. بل ذهب بالإتجاه المخالف نحو الطائف؟!

ثالثاً: لماذا يدفنون مع أبي رغال غصناً من ذهب، وهو لم يكن من أهل الأموال، لأن أهل الأموال كانت لهم في تلك المجتمعات المنحرفة مكانة مرموقة في أقوامهم، ومن كان كذلك فلا يرضى بأن يعمل دليلاً على طرقات البلاد، لأي كان من الناس.

رابعاً: إذا كانت الملائكة تنتظر أبا رغال إلى أن يخرج من الحرم، فلماذا صبرت عليه حتى ابتعد هذا المقدار الكبير عنه؟!

أليس من واجبها المبادرة إلى قتله بمجرد خروجه من حرم الله، ليكون عبرة لسواه؟!

بدء حصار الطائف:

قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى نزل قريباً من الطائف، فضرب عسكره، وأشرفت ثقيف على حصنهم ـ ولا مثال له في حصون العرب ـ وأقاموا رماتهم، وهم مائة رام، فرموا بالسهام والمقاليع من بَعُدَ من حصنهم، ومن دخل تحت الحصن دلوا عليه سكك الحديد محماة بالنار يطير منها الشرر، فرموا المسلمين بالنبل رمياً شديداً، كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراح، وقتل منهم اثنا عشر رجلاً([45]).

فارتفع «صلى الله عليه وآله» إلى موضع مسجده اليوم، الذي بنته ثقيف بعد إسلامها، بناه أمية بن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك، وكانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم، حتى يسمع لها نقيض أكثر من عشر مرات، فكانوا يرون أن ذلك تسبيح.

وكان معه «صلى الله عليه وآله» من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين طول حصار الطائف كله.

وقال عمرو بن أمية الثقفي ـ وقد أسلم بعد ذلك، ولم يكن عند العرب أدهى منه ـ: لا يخرج إلى محمد أحد، إذا دعا أحد من أصحابه إلى البراز، ودعوه يقيم ما أقام.

وأقبل خالد بن الوليد ونادى: من يبارز؟

فلم يطلع إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد.

فنادى عبد ياليل: لا ينزل إليك أحد، ولكنا نقيم في حصننا، خبأنا فيه ما يصلحنا سنين، فإذا أقمت حتى يذهب هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعاً حتى نموت عن آخرنا([46]).

فقاتلهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالرمي عليهم، وهم يقاتلونه بالرمي من وراء الحصن، فلم يخرج إليه أحد، وكثرت الجراحات له من ثقيف بالنبل، وقتل جماعة من المسلمين([47]).

ونحن لا نناقش في أكثر هذا الذي ذكر آنفاً، ولا نرى في اكثره ما يدعو إلى الريبة والشك.

أبو سفيان يرغب في الجنة:

قالوا: وأصيبت عين أبي سفيان، فأتى النبي «صلى الله عليه وآله»، وعينه في يده، فقال: يا رسول الله، هذه عيني أصيبت في سبيل الله.

فقال النبي «صلى الله عليه وآله»: إن شئت دعوت، فردَّت عليك، وإن شئت فعين في الجنة.

قال: في الجنة.. ورمى بها من يده([48]).

ونحن نتيقن بعدم صحة هذه المزعمة، فعدا عن أن التي تصاب بمثل هذا لا يمكن أن تبقى على حالها بحيث يأخذها بيده، فإن أبا سفيان ـ كما يقول أبو عمر في الإستيعاب ـ لم يزل كهفاً للمنافقين منذ أسلم([49]).

كما أنه لم يزل يبغي للإسلام شراً حسبما ورد عن أمير المؤمنين «عليه السلام».

بل هو القائل بعد أن ركل قبر حمزة برجله: إن الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا اليوم يتلعبون به([50]).

وهو القائل لعثمان: تداولوها يا بني أمية تداول الولدان الكرة، فوالله ما من جنة ولا نار([51]).

والنصوص حول سقطات أبي سفيان كثيرة، وهي تشير إلى عدم صحة إيمانه، وأنه كان يظهر الإسلام، ويبطن الكفر.. ولا حاجة إلى ذكر أكثر من ذلك..

نفاق عيينة بن حصن:

وروي: أنه لما حاصر النبي «صلى الله عليه وآله» أهل الطائف قال عيينة بن حصن: إئذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلمهم.

فأذن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فجاءهم، فقال: أدنو منكم وأنا آمن؟

قالوا: نعم.

وعرفه أبو محجن، فقال: أدن.

فدخل عليهم، فقال: فداكم أبي وأمي، والله، لقد سرني ما رأيت منكم. وما في العرب أحد غيركم. والله، ما في محمد مثلكم، ولقد قلَّ المقام وطعامكم كثير، وماؤكم وافر، لا تخافون قطعه.

وفي نص آخر: تمسكوا بمكانكم، فوالله، لنحن بأذل من العبيد. وأقسم بالله لو حدث به حدث ليملكن العرب عزاً ومنعة، وإياكم أن تعطوا بأيديكم، ولا يتكاثر عليكم قطع هذا الشجر([52]).

فلما خرج قال ثقيف لأبي محجن: فإنَّا قد كرهنا دخوله، و خشينا أن يخبر محمداً بخلل، إن رآه فينا، أو في حصننا.

فقال أبو محجن: أنا كنت أعرف به، ليس أحد منا أشد على محمد منه، وإن كان معه.

فلما رجع إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: قلت لهم: ادخلوا في الإسلام، فوالله لا يبرح محمد من عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لأنفسكم أماناً، فخذلتهم ما استطعت.

فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: لقد كذبت، لقد قلت لهم: كذا.. وكذا..

وعاتبه جماعة من الصحابة، وقال: أستغفر الله، وأتوب إليه، ولا أعود أبداً([53]).

ونقول:

1 ـ إن هذا النص يدل دلالة واضحة على نفاق عيينة بن حصن، وأنه إلى تلك الساعة كان لا يزال على شركه..

بل إن هذا الرجل قد استمر على هذا الحال، حتى إنه تبع طليحة بن خويلد، وآمن به، ثم عاد إلى إظهار الإسلام.

2 ـ قد صرحت الرواية المذكورة: بأن عيينة كان أشد على رسول الله «صلى الله عليه وآله» من أهل الطائف أنفسهم، رغم أنه كان معه، يظهر له الولاء والمحبة، وكان أهل الطائف يعلنون الشرك، والبغض له، والحرب معهم قائمة على قدم وساق.

3 ـ إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أعلن للملأ: بأن عيينة كاذب فيما ينقله.. ذلك بحضور عيينة نفسه، وفي مواجهة صريحة معه..

ولعل ذلك يرمي: إلى قطع الطريق على كل من يريد أن يسير في طريق النفاق والخيانة، ويزرع في داخل نفوس من يفكر بهذه الطريقة الخوف من افتضاح أمره بواسطة جبرئيل «عليه السلام».. حتى إذا حدَّث أحدهم نفسه بالإقدام على عمل من هذا القبيل، فإنه يحتاج إلى أن يكون في منتهى الجرأة على الله وعلى رسوله، وفي غاية الصلف والوقاحة، وعدم المبالاة بالنتائج التي سيكون أقلها الفضيحة، التي قد تأتيه على لسان جبرئيل «عليه السلام»..

4 ـ إن هذه القضية تظهر حقيقة أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله»، وإلى أي مدى يمكن لرسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يعتمد على جيش من هذا القبيل، وهذا نموذج من قيادات ذلك الجيش، وعرض حي لمدى إخلاص تلك القيادات له «صلى الله عليه وآله»، وبينان لحقيقة إيمانها بالقضية التي يحارب من أجلها..

خصوصاً بعد أن تنضم تلك القيادات إلى بعضها البعض، وتتضامن فيما بينها، وتتعاون، وتتكاتف على الوصول إلى ما ترمي إليه من أهداف، ومنهم خالد بن الوليد، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وأضرا بهم، فضلاً عن رجالات مكة وبني سليم وسواها..

ولا ندري أين كان عمر بن الخطاب عن عيينة هذا؟! فلماذا لا نسمع له صوتاً، ولا نرى من هملجته شيئاً، مثلما كنا نراه في مواقفه السابقة تجاه رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الحديبية وغيرها؟!  ولماذا لم يقم ليقول: دعني أقتله يا رسول الله، كما كان يفعل في المواقف المشابهة؟!

ولذلك نقول:

إن من الطبيعي: أن نرى هؤلاء يتفقون على الفرار في أول لحظات المواجهة في حنين، ويتبعهم الجيش كله، ويبقى في مواجهة العدو رجل واحد، يأتي الله تعالى بالنصر على يديه، وهو علي بن أبي طالب «عليه السلام»..

ولعلك تقول: إن أهداف هؤلاء تختلف وتتفاوت، وليس لهم لون واحد، ولا كانت عصبياتهم متوافقة!

ونجيب: بأن من الطبيعي أن يختلف طلاب الدنيا فيما بينهم، ولكنه يبقى اختلافاً في الجزئيات والتفاصيل. وتبقى لهم جامعة تربط بعضهم ببعض، وتوحد جهدهم، ووجهتهم إلا وهي الإضرار بالأطروحة التي يظهرون الإلتزام بها نفاقاً، والقبول بكل أشكال السلوك والمواقف التي تنشأ عن تلك الأطروحة، ويقتضيها ذلك النهج.

ولكن الحقيقة هي: أن كل همهم وجهدهم منصب على إفشال تلك الأطروحة، وإسقاط ذلك النهج.. وهذا ما حصل بالفعل في حرب حنين ولا يزال يتكرر في الطائف وفي غيرها..

5 ـ إن مصارحة النبي «صلى الله عليه وآله» لعيينة، حتى اضطر عيينة للإعتراف والإستغفار، والتعهد بعدم العود قد صعّب عليه القيام بأي عمل آخر من هذا النوع بعد ذلك، لأن هذه المصارحة قد عزلته عن محيطه الذي هو فيه، وجعلت أي اتصال به مرصوداً ومراقباً من كل الناس..

6 ـ إن ما جرى يجعل أولئك الذين تآمروا على الفرار في حنين، بهدف إلحاق الأذى بالنبي «صلى الله عليه وآله» وبالمؤمنين، يشكون في أنفسهم، ويعيشون العقدة في أن يكون جبرئيل «عليه السلام» قد فضح أمرهم لرسول الله «صلى الله عليه وآله». وفرض عليهم أن يتوقعوا إعلان هذه الخيانة عند ظهور أول إخلال آخر منهم..

وبذلك يكون خيارهم الوحيد هو: الإنضباط التام، وعدم القيام بأي شيء من شأنه أن يضعهم أمام ذلك الإمتحان الصعب والخطير، المتمثل بالفضيحة على أقل تقدير..

ولسوف لن تنفعهم التبريرات والإعتذارات في تلك الحال، ولربما لا يصدقهم الناس حين يعلنون توبتهم، ويقدمون تعهداتهم بعدم العود. وسوف تلتهمهم باستمرار نظرات الريبة والشك، ولن يكون ذلك سهلاً عليهم، بل هو سيعرقل الكثير من مشاريعهم، ويفشل من خططهم ما هو أدهى وأخطر..

غير أن حرص بعض أولئك على دنياهم قد دفعهم إلى تصرفات فضحت أمرهم، مرة بعد أخرى.. فقد كتبوا صحيفتهم الملعونة، ونفروا برسول الله «صلى الله عليه وآله» ليلة العقبة، وتجرؤا عليه مرات ومرات بعد ذلك أيضاً.

ثواب من رمي بسهم:

ورووا: عن عمرو بن عبسة أنه قال: حاصرنا قصر الطائف مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فسمعته يقول: «من بلغ بسهم فله درجة في الجنة». فبلغت يومئذ ستة عشر سهماً.

وسمعته يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، وأيما رجل أعتق رجلاً مسلماً، فإن الله سبحانه وتعالى جاعل كل عظم من عظامه وقاء، كل عظم بعظم، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله عز وجل جاعل كل عظم من عظامها وقاء كل عظم من عظامها في النار([54]).

ونقول:

إن الحديث الثاني، الذي أوله: من رمى بسهم في سبيل الله، فهو عدل محرر، قد يكون عمرو بن عبسة سمعه من النبي «صلى الله عليه وآله» في مناسبة أخرى غير مناسبة حصار الطائف.

غير أننا لا ندري مدى صحة ما زعمه في ذيل الحديث الأول: من أن السهام التي بلغت كانت ستة عشر سهماً. وتبقى عهدة ذلك على مدَّعيه.

نداء: من نزل من العبيد فهو حر:

قال اليعقوبي: إنه قد نزل من حصن ثقيف إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» أربعون رجلاً([55]).

ولعل هؤلاء هم الذين استجابوا للنداء الذي أطلقه النبي «صلى الله عليه وآله» فيهم، فقد قالوا:

نادى منادي رسول الله «صلى الله عليه وآله»:

«أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر».

فخرج من الحصن بضعة عشر رجلاً: ثم ذكروا أسماءهم على النحو التالي:

المنبعث، وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله «صلى الله عليه وآله» المنبعث حين أسلم. وكان عبداً لعثمان بن عامر بن معتب، وكان جواداً رومياً.

والأزرق بن عقبة بن الأزرق. وكان عبداً لكلدة الثقفي، ثم صار حليفاً في بني أمية.

ووردان، وكان عبداً لعبد الله بن ربيعة الثقفي.

ويحنس ـ بضم التحتية ـ النبال. وكان عبداً ليسار بن مالك الثقفي، وأسلم سيده بعد، فردّ رسول الله «صلى الله عليه وآله» إليه ولاءه.

وإبراهيم بن جابر، وكان عبداً لخرشة الثقفي.

ويسار، وكان عبداً لعثمان بن عبد الله.

وأبو بكرة نفيع ـ بضم النون ـ بن مسروح وكان عبداً للحارث بن كلدة، وإنما كني بأبي بكرة لأنه نزل في بكرة ـ وهي خشبة مستديرة في وسطها محز، يستقى عليها ـ من الحصن.

ونافع أبو السايب، وكان عبداً لغيلان بن سلمة، فأسلم غيلان بعد، فرد رسول الله «صلى الله عليه وآله» ولاءه إليه.

ونافع بن مسروح.

ومرزوق غلام لعثمان بن عبد الله([56]).

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم الطائف: «من خرج إلينا من العبيد فهو حر».

فخرج عبيد من العبيد، فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»([57]).

وفي رواية: نزل إلى النبي «صلى الله عليه وآله» ثلاثة وعشرون من الطائف([58])، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة، واغتاظوا على غلمانهم،  فأعتقهم رسول الله «صلى الله عليه وآله».

ودفع «صلى الله عليه وآله» كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين، يمونه، ويحمله. فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وكان الأزرق، إلى خالد بن سعيد بن العاص، وكان وردان إلى أبان بن سعيد بن العاص، وكان يحنس النبال إلى عثمان بن عفان، وكان يسار بن مالك إلى سعد بن عبادة، وكان إبراهيم بن جابر إلى أسيد بن الحضير.

وأمرهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يقرئوهم القرآن، ويعلموهم السنن.

فلما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم في هؤلاء المعتقين، منهم الحارث بن كلدة، يردونهم إلى الرق، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «أولئك عتقاء الله، لا سبيل إليهم»([59]).

ونقول:

1 ـ قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن سعد بن أبي وقاص كان أول من رمى بسهم في سبيل الله. ولسنا هنا بصدد تحقيق ذلك، غير أننا نقول:

إن شانئي علي «عليه السلام» يهتمون بتسطير الفضائل والكرامات لمناوئيه «عليه السلام» وقد عرفنا في فصل: في موقع الحسم، في غزوة أحد: أن سعداً كان أحد الستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم، فجعل سعد حقه لعبد الرحمن بن عوف([60]).

كما أنه قعد عن علي «عليه السلام» في حروبه، ولم يخرج معه.. وأبى أيضاً أن يبايعه، فأعرض عنه علي «عليه السلام» وقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ([61])»([62]).

وشكاه أهل الكوفة بأنه لا يحسن يصلي([63]).

وأخذ مالاً من بيت المال ولم يؤده، وعزله عمر وقاسمه ماله كما عن أبي الفرج في الأغاني.

وحينما دعاه عمار ليبايع علياً «عليه السلام» أظهر الكلام القبيح([64]).

وصارمه عمار([65]).

وقطع علي «عليه السلام» عطاءه([66]).

رد الولاء:

وتقدم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد رد ولاء بعض العبيد الذين نزلوا إليه من حصن الطائف وأعتقهم.. إلى الذين كانوا يملكونهم، ولكنه أمضى عتقهم. ولم يعدهم إليه.. والمراد برد ولائه أن يجعل لسيده الحق في أن يرثه، إذا لم يكن للعتيق قرابة قريبة أو بعيدة.

وهذا تفضل من رسول الله «صلى الله عليه وآله» على أولئك الذين أسلم عبيدهم قبلهم، حيث لم يجعل إرثهم إليه «صلى الله عليه وآله» في حياته، ثم للإمام «عليه السلام» بعد وفاته..

إلا أن يقال: إن نزولهم من الحصن إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا يعني إسلامهم، لكي يقال: إن المشرك لا يرث المسلم، فلعلهم نزلوا طمعاً بالحرية التي وعدهم «صلى الله عليه وآله» بها، ثم بقوا على شركهم..

ويجاب: بأنهم قد أسلموا بلا ريب، لتصريحهم: بأنه «صلى الله عليه وآله» دفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين، وأمرهم أن يقرؤوهم القرآن، ويعلموهم السنن. وهذا إنما يصح إذا كانوا قد أسلموا..

وأما الحديث عن: أن عتقهم إن كان قبل إسلامهم، فعتقهم لا يقطع علاقة الولاء بينهم وبين مواليهم.. فإن كلا الفريقين في تلك الحال كان على حال الشرك..

وإن كانوا قد أسلموا قبل عتقهم، فإن إسلامهم قد أزال حكم الولاء، لأن المشرك لا يرث المسلم.

وفي هذا البحث تفصيلات ومناقشات ليس ها هنا محلها.

مغزى نداء الحرية:

وإذا تأملنا هذا النداء، أعني: «نداء الحرية» فسنرى: أن فيه سمات وآثاراً هامة، نشير إلى بعض منها فيما يلي:

1 ـ إن العبيد هم الطرف الأضعف والمستضعف في أي مجتمع كان، فكيف بالمجتمع الجاهلي الذي يعيش الإنحراف، والظلم والتعدي، بأجلى صوره، وأوضح معانيه؟! ولم يكن يعرف معنى للرأفة والرحمة، حتى على الأب والأخ والولد، فهل يرحم عبداً اشتراه بماله، أو قهره بسيفه؟!

إن من يدفن ولده حياً لأنه لا يريد أن يشاركه في طعامه، ولو بلقمة، فهل تراه يسخى على عبده بشيء من حطام الدنيا، فضلاً عمن سواه؟! إن من يراجع التاريخ سيجد: أن الناس كانوا في ذلك المجتمع يمارسون سلطتهم على عبيدهم بأبشع صورها وأخبث أشكالها..

2 ـ إن الذين كانوا يملكون العبيد هم الرؤساء والأعيان، وأهل الحول والطول، دون غيرهم من سائر الناس.. وهؤلاء هم الذين يملكون قرار السلم والحرب وغير ذلك في قبائلهم، فإذا خرج حتى عبيدهم عن طاعتهم، فإن الآخرين سوف يكونون أجرأ على الخروج من هذه السلطة، وسوف ينظرون إلى أولئك الرؤساء والزعماء بشيء من المهانة والإستهانة، والإستخفاف، وستهتز الأرض تحت أقدامهم، وسيضعف موقفهم القيادي بصورة كبيرة، وهذا يمثل نكسة، بل ضربة روحية كبرى لهم.

ولذلك يقول المؤرخون ـ حسبما تقدم ـ: «فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة واغتاظوا على غلمانهم».

بل تقدم: أن أولئك الأسياد حتى بعد ان أسلموا قد بذلوا محاولة لإعادة أولئك العبيد إلى الرق، فلم يفلحوا في ذلك.

تعليم العبيد بعد عتقهم:

ومن البديهي: أن الإسلام لا يرضى باحتكار العلم على فريق من الناس دون سواه، كما نجده لدى بعض الشعوب، بل طلب العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم.

فطبيعي إذن: أن يرتب «صلى الله عليه وآله» لهؤلاء العبيد معلمين يعلمونهم القرآن والسنن فوراً حتى وهم في حال الحرب والحصار، ولم يؤجل ذلك إلى أن تضع الحرب أوزارها.. لأنه يرى: أن العلم ضروري كالطعام والشراب فمن ترك الطعام والشراب هلك، لكن من ترك العلم هلك وأهلك.

ولذلك نرى: أنه «صلى الله عليه وآله» قد رتب لهم كلا هذين الأمرين في آن واحد، فسلمهم لمن يمونهم ويحملهم، ولمن يعلمهم القرآن والسنن.


 

 


 

 

 

 

الفصل الثالث:

المنجنيق في الطائف



 

 

 

 

 

رمي الطائف بالمنجنيق:

قالوا: وشاور رسول الله «صلى الله عليه وآله» أصحابه في أمر حصن الطائف، فقال له سلمان الفارسي: يا رسول الله، أرى أن تنصب المنجنينق على حصنهم، فإنَّا كنَّا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون. وتنصب علينا، فنصيب من عدونا ويصيب منا بالمنجنيق، وإن لم يكن منجنيق طال الثواء.

فأمره رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فعمل منجنيقاً بيده، فنصبه على حصن الطائف. وهو أول منجنيق رمي به في الإسلام([67]).

وعن مكحول: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوماً([68]).

ويقال: قدم به يزيد بن زمعة بن الأسود، وبدبابتين.

ويقال: بل قدم به الطفيل بن عمرو، لما رجع من سرية ذي الكفين([69]).

ويقال: إن خالد بن سعيد قدم من جرش بمنجنيق، وبدبابتين([70]).

إجراءات حربية أخرى:

ونثر رسول الله «صلى الله عليه وآله» الحسك، شقتين من حسك من عيدان حول حصنهم، ودخل المسلمون من تحت الدبابة، وهي من جلود البقر. وذلك اليوم يقال له: يوم الشدخة، لما شدخ فيه من الناس.

ثم زحفوا بها إلى جدار الحصن ليحفروه، فأرسلت ثقيف بسكك الحديد المحماة بالنار، فحرقت الدبابة، فخرج المسلمون من تحتها وقد أصيب منهم من أصيب، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتل منهم رجال([71])، فأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بقطع أعنابهم ونخيلهم وتحريقها.

قال عروة: أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» كل رجل من المسلمين أن يقطع خمس نخلات، وخمس حبلات، فقطع المسلمون قطعاً ذريعاً.

فنادت ثقيف (أو فنادى سفيان بن عبد الله الثقفي): لم تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: فإني أدعها لله وللرحم.

فتركها رسول الله «صلى الله عليه وآله»([72]).

وكان رجل يقوم على الحصن، فيقول: روحوا رعاء الشاء، روحوا جلابيب محمد، أتروننا نبتئس على أحبل أصبتموها من كرومنا؟

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «اللهم روِّح مروّحاً إلى النار».

قال سعد بن أبي وقاص: فأرميه بسهم فوقع في نحره، فهوى من الحصن ميتاً. فسر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بذلك([73]).

ونقول:

إننا نتوقف هنا لنسجل ما يلي:

أعتدة حربية، وأساليب قتالية:

قد ظهر من النصوص المتقدمة: أنه «صلى الله عليه وآله» قد استفاد من وسائل حربية لم يكن المسلمون قد استعملوها من قبل، فقد استعملوا الدبابة لنقب الحصون، فواجههم عدوهم بسكك الحديد المحماة بالنار، التي تخترق تلك الدبابات، وتصل إلى من فيها فتؤذيهم.

ونشروا الحسك حول الحصون، وهي أوتاد من الخشب تزرع في ساحة المعركة بكثافة، فلا تتمكن الخيل من الجولان فيها، وهي بمثابة عراقيل وموانع مؤثرة في ردع العدو عن التفكير بالمباغتة السريعة، وتوجيه الضربات الخاطفة، التي من شأنها أن تزعزع ثبات الطرف الآخر، وتشوش تفكيره وتشل حركته، وتوزع اهتماماته، وتؤثر عليه من الناحية النفسية.

كما أنه قد استفاد من المنجنيق الذي يجعل العدو حتى وهو في حصونه يترقب الكارثة، ويخشاها، ليس على نفسه كمقاتل وحسب، وإنما هو يخشى أن تصيبه في أهله، وولده ونسائه، وكل ما ومن يتعلق به.

ويرى أن هذا الحصن الذي وضع نفسه في داخله غير قادر على حمايته، ولا يستطيع أن يتترس بأحد، ويصبح همُّ كل مقاتل هو ان يجد لنفسه ولأهله موضعاً آمناً.

وهذا يسقط النظرية، التي أطلقها أهل الطائف، والخطة التي اعتمدوها في أول الأمر، والتي تقول:

إنهم قادرون على تحمل الحصار لمدة سنة كاملة، لأن أقواتهم معهم. فقد ظهر لهم: أن مجرد تحمل الحصار شيء، وتحمل الخطر الداهم، والعيش في محيط الرعب والخوف الدائم شيء آخر، وهم قد خططوا للحصار، لا لسواه..

ولم تعد الحرب سجالاً بينهم وبين الطرف الآخر. بل أصبحت حرباً من طرف واحد، حيث لم يعد المسلمون بحاجة للإقتراب من الحصن، لتنالهم نبال أهله.. ولا كان أهل الحصن يقدرون على أية مناورة من شأنها أن تربك حركة المسلمين، أو تشوش أفكارهم.

بل أصبح بإمكان المسلمين الإستغناء عن طائفة من الجيش، ليقوم بمهام أخرى تموينية أو غيرها، مما من شأنه أن يعزز صمود من بقي منهم. بل قد يمكنهم الإنطلاق في مهمات قتالية أو غيرها في مواقع أخرى أيضاً..

أما أهل الطائف فلا حول لهم ولا قوة. بل هم بانتظار قذائف المنجنيقات، وليس لهم همٌّ إلا ترميم الخراب، ومداواة الجراح، ودفن الأموات..

ولعل هذا الأمر كان من أهم أسباب سرعة استسلام أهل الطائف، وإرسال الوفود إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، ليعفوا عنهم، ويقبل منهم، ويرضى عنهم.

توضيحات:

المنجنيق: آلة حربية تصنع من جلود، وخشب وحديد يقذفون الحجارة بها.

والدبابة: آلة حربية توضع الجلود عليها، ويدخل فيها الرجال، فيدبون إلى أسوار الحصن لينقبوها.

المنجنيق.. ومشورة سلمان:

تقدم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد نصب المنجنيق على الطائف وضربهم به([74]).

وقيل: اكتفى بنصبه، ولم يرم به([75]).

وقالوا أيضاً: إن هذا الذي وضع على الطائف كان أول منجنيق رمي به في الإسلام([76]).

وتقدم قولهم: إن سلمان الفارسي هو الذي أشار به، وقال: إنهم كانوا بأرض فارس ينصبون المنجنيقات على الحصون.

ومرَّ بنا قولهم: إن سلمان عمله لهم بيده.

وقد حاول بعضهم أن يناقش في ذلك: بأنهم وجدوا في أحد حصون خيبر، وهو حصن الصعب منجنيقات ودبابات.. فما معنى أن يقال: إن سلمان قد صنعه لهم؟!

وأجيب: بأن ما وجدوه في حصن الصعب في خيبر، لعله بقي في المدينة([77])، بل ذلك هو الراجح. وحين احتاجوا إليه في الطائف، فإنهم سيصنعون ما يكفيهم منه، ولا يرسلون إلى المدينة من يأتيهم به، ثم ينتظرون الأيام والأسابيع من أجل ذلك..

ولكن قولهم: إن سلمان هو الذي أرشدهم إليه، قياساً على ما كانوا يصنعونه في بلاد فارس، يبقى موضع ريب أيضاً.

إذ قد تقدم: أنهم حين حاصروا حصن الوطيح والسلالم في خيبر، وطال الحصار، همّ رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يجعل عليهم المنجنيق([78]).

بل تقدم: أنه «صلى الله عليه وآله» قد نصب المنجنيق على حصن البراء فعلاً([79]).

إلا أن يقال: إن نصبه لا يستلزم الرمي به. فلعله لم يرم به إلا في حصن الطائف؟([80]).

ضرب العدو بما يعم إتلافه:

وقد يقال: ما هو المبرر لتجويز النبي «صلى الله عليه وآله» لجيشه رمي حصن الطائف بالمنجنيق، وهو قد يصيب الشيوخ والأطفال والنساء، وقد كان النبي «صلى الله عليه وآله» في وصاياه لبعوثه وسراياه ينهى عن قتلهم، كما أنه قد يصيب بعض المسلمين، إن كان في البلد أقلية مسلمة من سكان، أو من تجار، أو كان فيه أسرى، وأراد العدو أن يتخذ منهم دروعاً بشرية؟!

وأين هي الرأفة والرحمة، التي لم يزل الإسلام يدعو إليها، ويحث عليها؟!

ألا يدل هذا: على عدم صحة قولهم: إنه «صلى الله عليه وآله» قد نصب المنجنيق على الطائف، ورماهم به؟!

ونجيب:

أولاً: أما بالنسبة لقتل الشيوخ من المشركين، فلا ريب في جواز قتل القادة منهم، وكذا الحال بالنسبة لأهل الرأي في الحرب، وقتل دريد بن الصمة في حنين خير شاهد على ذلك([81]).

إلا أن يقال: إنه لم يقتل بأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله»«صلى الله عليه وآله».

ويجاب: بأن النبي «صلى الله عليه وآله» قد رضي بقتله، واعتبره من أئمة الكفر الذين لا محذور في قتلهم كما تقدم..

وكذا لا إشكال في جواز قتل النساء، إذا شاركن في القتال([82]).

ومثله: ما لو تترس العدو بالأسرى، ولم يمكن التحرز عن قتلهم، وتوقف عليه تحقيق النصر، وحفظ الدين وأهله.

أما بالنسبة للأطفال، فقد دلت بعض الروايات: على جواز قتلهم أيضاً([83]).

ولكنها ناظرة ـ كما هو صريح الروايات الأخرى ـ: إلى صورة إرادة تبييت العدو إذا توقف التخلص من معرته على هذا التبييت، وكذا لو احتاج الأمر إلى ضرب العدو بالمنجنيق، حيث لا يمكن التحرز عن قتل الأطفال في مثل هذه الأحوال([84])، فيما إذا كان لا يمكن حفظ الدين والإسلام والمسلمين إلا بذلك.

وأما الإثم والمؤاخذة، فإنما يلحق من تترس بهم، أو من اعتدى وظلم، وساق الأمور إلى هذه الحال، حيث إنه بسوء اختياره قد وضع الإسلام وأهله في خطر، واضطرهم إلى الدفاع ودرء الخطر عن أنفسهم من دون أن يحترز على أطفاله، وشيوخه، ويهيء لهم الموضع الآمن، فهو الذي فرط فيهم، وهيأ الظروف لقتلهم، فهو الظالم والآثم لهؤلاء الأطفال من خلال تجنيه على الدين، وظلمه لأهله، والتبييت لاضطرارهم إلى الدفع عن أنفسهم بهذه الطريقة.

ثانياً: إنه لم يظهر من أي نص على الإطلاق: أن أحداً من الشيوخ، والأطفال، والنساء، والأسرى، قد أصيب في الطائف بسبب المنجنيق.

فلعل ضرب أهل الطائف بالمنجنيق قد اقتصر على المواضع التي يؤمن فيها من إصابة غير المقاتلين..

فلا يصح قولهم: إن تجويز الضرب بالمنجنيق ينافي الرحمة، أو أنه يستبطن تجويز ضرب الأقليات المسلمة، أو الأسرى منهم، أو الأطفال، أو الشيوخ والنساء، فإن النصوص التي توفرت لنا لم تصرح بشروط جواز الضرب بالمنجنيق، ولا شرحت الظروف التي تم فيها هذا الفعل، كما أنها تذكر: أنه «صلى الله عليه وآله» قد صرح لهم بما دل على إلزامهم، أو على الإذن لهم بقتل أحد من غير المقاتلين..

ثالثاً: إن الله سبحانه، قد أخذ بعض الأمم بعذاب الإستئصال، فقال: {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ}([85]).

وقال عن قوم عاد: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ المُجْرِمِينَ}([86]).

وقال تعالى على لسان نبيه، نوح عليه وعلى نبينا وآله السلام: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً([87]). فتجويز قتل النساء والأطفال، والشيوخ ليس بالأمر المستهجن.

وقد دلت بعض النصوص على: أن الله تعالى يقدر قبض أرواحهم في تلك اللحظة، فلا يكون ما يحل بهم من باب العذاب لهم..

رابعاً: قال القاضي النعمان: «ذكر أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» نصب المنجنيق على أهل الطائف، وقال: إن كان في حصنهم قوم من المسلمين، وأوقفوهم معهم، فلا تتعمدوا إليهم بالرمي، وارموا المشركين. وأنذروا المسلمين ليتقوا، إن كانوا أقيموا كرها، ونكبوا عنهم ما استطعتم، فإن أصبتم أحدا ففيه الدية»([88]).

ولعلك تقول: لكن رواية حفص بن غياث تقول: إنه لا دية ولا كفارة في قتل المسلمين والتجار، إن أصيبوا بضرب المنجنيق، او غيره، فقد قال:

سألت أبا عبد الله «عليه السلام» عن مدينة من مدائن الحرب، هل يجوز أن يرسل عليها الماء، أو تحرق بالنار، أو ترمى بالمنجنيق حتى يقتلوا، وفيهم النساء والصبيان، أو الشيخ الكبير، والأسارى من المسلمين والتجار؟!

فقال: يفعل ذلك بهم، ولا يمسك عنهم لهؤلاء، ولا دية عليهم للمسلمين، ولا كفارة([89]).

ويمكن أن يجاب: بأنه لا منافاة بين رواية حفص بن غياث، وبين رواية القاضي النعمان، فإن رواية حفص بن غياث قد تكون ناظرة إلى صورة ما لو لم يعلم الرامي بوجود مسلمين، فصادف وجودهم، وإصابتهم، فلا تجب عليه الدية.

أما رواية الدعائم: فهي ناظرة إلى صورة علم الرامي بوجودهم، فرماهم، فتجب دية المسلمين الذين أصيبوا منهم.

قطع شجر الطائف:

وتقدم: أنه «صلى الله عليه وآله» شرع بقطع نخيل وشجر الطائف، وتحريقه. ووكل كل رجل من أصحابه، بقطع خمس نخلات، ثم تركها لهم، لأجل الله وللرحم، حين ناشدوه ذلك.

مع أنه «صلى الله عليه وآله» كان في وصاياه لسراياه وبعوثه ينهاهم عن ذلك ويقول: «ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها».

فإن كان «صلى الله عليه وآله» قد اضطر إلى قطع الشجر، من أجل تمكين جيشه من التحرك في ساحات القتال، ومنع العدو من الإستفادة من ذلك الشجر، ومنعه من وضع كمائن قتالية في بعض المواضع.. فلماذا عاد فترك قطعها حين ناشدوه الله والرحم؟!

وإن كان قد قطعها من غير ضرورة، بل تشفياً وإمعاناً في أذى أعدائه، فكيف يفعل ما كان هو ينهى عنه بعوثه وسراياه؟!

ويمكن أن يجاب: بأنه من الجائز أن يكون النبي «صلى الله عليه وآله» قد احتاج لمنع تسلل أعدائه إليه، أو لإعطاء قدر أكبر من حرية الحركة وسهولتها حلى جيشه ـ احتاج ـ إلى قطع طائفة من الأشجار، لأنها كانت في مواضع يشكل بقاؤها خطراً على جيش المسلمين، لإمكان استفادة العدو منها، أو لأنها كانت تعيق حركة الجيش، أو لغير ذلك.. فظن أهل الطائف، وكذلك بعض المسلمين أو كلهم، أنه «صلى الله عليه وآله» يريد قطع جميع نخيلهم، وأعنابهم وشجرهم، فناشدوه أن يترك ذلك، فترك استكمال قطعها، مكتفياً بما قطع منها، وآثر أن يتحمل قسطاً من الجهد بالنسبة لما بقي، تعظيماً لله، وصلة للرحم.

لأجل الله والرحم:

والغريب في الأمر هنا: أن تلجأ ثقيف في مطالبتها النبي «صلى الله عليه وآله» بترك قطع الأشجار إلى أمر لم تزل هي تنقضه، وتحارب النبي «صلى الله عليه وآله» من أجله.

فثقيف هي التي أعلنت الحرب على الله ورسوله، وتسعى في قتل النبي والمسلمين، وقد بدأت بجمع الجموع لحربهم قبل سنة، من غير ذنب أتوه إليها.

إلا أنهم يقولون: ربنا الله، وهي تريد منعهم من ذلك.

وثقيف هي التي قطعت رحمه «صلى الله عليه وآله»، ولا تزال تجهد في تأكيد هذه القطيعة، وهذا الوضع الذي أوجدته هي لنفسها هو من أجلى ذلك.

فما معنى: أن تناشده الله والرحم، من أجل نخلات اضطر إلى قطعها ليدفع الخطر عن نفسه، ويحفظ أرواح أصحابه، وليتمكن من إنهاء الحرب بأقل الخسائر في الأرواح؟! ولعل ذلك يوفر على ثقيف نفسها أيضاً الكثير من الخسائر، إذا أمكن حسم أمر الحرب، وسقطت مقاومة ثقيف بسرعة، فإنه «صلى الله عليه وآله» لم يكن يريد استئصالها، بل كان يريد لها الحياة، والكرامة، والسعادة..

وقد أثبت «صلى الله عليه وآله» ذلك بالأفعال لا بالأقوال.. كما أظهرته الوقائع، حتى حين أراد تقسيم غنائم حنين، وتعيين مصير الأسرى والسبايا فيها، حيث عمل على إطلاق سراحهم جميعاً، واكتفى بتقسيم الغنائم، لا على أصحابه المؤمنين، وإنما على الذين نابذوه وحاربوه في الفتح وفي حنين.. ليتألَّفهم بها، وليطفئ نار حقدهم، وليطمئنهم على أنه لا يريد بهم سوءاً.. وليمنعهم من مواصلة مؤامراتهم، والعبث بأرواح الناس، والتلاعب بمصائرهم، وبأمنهم.

ولم تكن مناشدة ثقيف إياه الله والرحم، إلا لأنهم يعرفون صدقه في دعوته، والتزامه بشعاراته، ووقوفه عند تعهداته، وانسجامه مع قناعاته، لا يحيد عنها قيد شعرة في أي من الظروف والأحوال.

ولعل هذه الإستجابة منه «صلى الله عليه وآله» لثقيف كانت من جملة المحفزات لها أيضاً على ترك الحرب، وإرسال وفودها إليه، لتعلن إسلامها، وذلك بعد أيام يسيرة من هذه الوقائع.

ليس المطلوب أكثر من الحصار:

قال ابن إسحاق: وبلغني أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال لأبي بكر: «إني رأيت أنى أهديت لي قعبة مملوءة زبداً، فنقرها ديك، فهراق ما فيها».

فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «وأنا لا أرى ذلك»([90]).

وعن جابر «رضي الله عنه» قال: «قال: يا رسول الله، أحرقتنا نار ثقيف، فادع الله تعالى عليهم، فقال: اللهم اهدِ ثقيفاً، وأت بهم»([91]).

ونقول:

أبو بكر وتعبير الرؤيا:

بالنسبة للرؤيا التي يزعمون أن أبا بكر قد عبرها لرسول الله «صلى الله عليه وآله» نقول:

أولاً: إننا لا نستطيع أن نؤكد صحة روايتها، فإن ابن إسحاق لم يذكر لنا من الذي أبلغه بها، فلعله ممن لا يصح الإعتماد على روايته، ممن كان ابن إسحاق يتحرج من ذكر اسمه، خوفاً من أن ينسب إليه: أنه يأخذ عن غير الموثوقين، فيسقط محله بين أهل العلم.

ثانياً: إن التعبير الذي جاء به أبو بكر، لا يتلاءم مع طبيعة الرؤيا، فإن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي اختار ترك أهل الطائف، ولم يكن هناك من يمكن أن يكون سبباً في تضييع فتحها عليه «صلى الله عليه وآله»، لكي يقال: «إن الديك الذي نقر القعبة، فهراق ما فيها، هو فلان مثلاً».

ثالثاً: سيأتي: أنه «صلى الله عليه وآله» قد أدرك من الطائف ما أراد، بفضل الله تعالى، وبجهاد علي أمير المؤمنين «عليه السلام»، حيث ألقى الله الرعب في قلوبهم، وطلبوا من رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يتنحى عنهم حتى يقدم عليه وفدهم، ففعل، رفقاً منه «صلى الله عليه وآله» بهم، وسار حتى نزل مكة، فجاءه وفدهم بإسلامهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى([92]).

وبذلك يظهر: أنه لا صحة لما يدَّعونه، من أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد تركهم، لأنه لم يدرك منهم ما أراده.

ولا صحة أيضاً: لما يذكرونه، من أن قدوم وفدهم قد تأخر عدة أشهر، فقدم في شهر رمضان المبارك.. ولا أقل من أن ذلك مشكوك فيه.

رابعاً: لو سلمنا أنه «صلى الله عليه وآله» قد انصرف عنهم، من دون أن يطلبوا منه ذلك، ولكن من الذي قال: إنه كان يريد من حصاره للطائف فتح الطائف عنوة، ثم غيَّر رأيه، وانصرف عنها عجزاً وضعفاً.. فلعل هدفه «صلى الله عليه وآله» كان من أول الأمر هو: أن يذيق أهل الطائف مرارة الحصار، والخوف من ضربات المنجنيق، ثم يتركهم ليتدبروا أمرهم بعد ذلك، وفق ما توفر لديهم من  معطيات..

ولم يكن يريد أن يلجئهم إلى العناد واللجاج، والمكابرة، أكثر مما كان، بل يريد أن يجعل طريق الرشد والغي واضحين لهم.

وقد ظهر لهم بالفعل: أن علياً «عليه السلام» قد أخضع محيطهم كله لإرادة الله، ورسوله، وأدركوا أن لا قدرة لهم على منابذة ومعاداة محيطهم، الذي قبل بالإسلام ديناً، وأصبح يحارب من أجله. وهم إنما يعيشون على التجارات، وعلى بيع ثمرات نخيلهم وأعنابهم، وغيرها، في مكة وسواها من البلاد المجاورة.

وقد أصبحوا يواجهون عزلة مريرة في المنطقة، وقد يفاجؤهم النبي «صلى الله عليه وآله» في كل وقت بحصارات، أو بغارات ربما لا يتمكنون من الصمود أمامها، وسوف يكلفهم عنادهم، وإصرارهم على موقفهم هذا أثماناً غالية، لا مبرر للتفريط بها، ولاسيما مع رؤيتهم المزيد من الرفق، ومراعاة الحال، والحفاظ على الرحم فيهم ممن عادوه ونابذوه وحاربوه، وهو رسول الله «صلى الله عليه وآله». فلماذا العناد إذن؟! ولماذا الإصرار؟!

وقد أظهرت الوقائع: أن المستقبل سيكون مع هذا الدين، ومع المسلمين أرحب، والفرص فيه أوفر، والسعادة وراحة البال أيسر، وأكبر.

بل قد أصبحت الحياة في خارج هذا المحيط صعبة وقاسية، ومريرة، وغير مؤهلة للإستمرار، ولا للإستقرار..

اللهم اهد ثقيفاً، وائت بهم:

وبالنسبة لحديث جابر، وطلبه من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يدعو على ثقيف، نقول:

1 ـ إن من الجائز أن يكون جابر قد طلب من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يدعو على ثقيف، انطلاقاً من حميمته الدينية، إلا أن نبي الرحمة قد أبى إلا أن يكون الرحيم الرؤوف حتى بمن يحاده ويضاده.

ومن الجائز أن يقال في تفسير ذلك أيضاً: أنه يُظْهِر مفارقة مثيرة بين مرامي رسول الله «صلى الله عليه وآله» ونظرته إلى الأمور، وأهدافه من الحرب.. وبين نظرة ومرامي، وأهداف غيره..

فإن الحرب، وآلامها وقسوتها قد أثرت حتى على مثل جابر، فأظهر حرصه على التخلص منها، ولو بقيمة هلاك ثقيف بدعوة من رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

فأصبح يرى: أن المشكلة تتمثل في نار ثقيف التي أحرقتهم، وأن التخلص من هذه النار إنما يكون بهلاك أصحابها..

أما النبي «صلى الله عليه وآله» فيرى: أن المشكلة هي كفر ثقيف واستكبارها، وحميتها الجاهلية، وجهلها، ولا أخلاقيتها، وانقيادها لأهوائها.. وأن التخلص من هذه المشكلة إنما يكون بإيمان ثقيف، وفتح باب الهداية لها، والكشف عن بصيرتها، وعندئذٍ سوف تصبح نارها برداً وسلاماً، وحقدها محبة ووئاماً..

ولأجل ذلك قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» في جوابه لجابر: «اللهم اهد ثقيفاً».

2 ـ ثم إنه «صلى الله عليه وآله» لم يكتف بطلب هدايتهم، بل طلب من الله تعالى أن يأتي بهم..

فلماذا أضاف «صلى الله عليه وآله» هذا الطلب إلى طلب الهداية؟!..

والجواب:

أن مجرد معرفة الحق، والوقوف على معالمه لا يكفي، بل ليس هو المطلوب، بل المطلوب هو العلم والعمل معاً، وذلك يحتاج إلى أخلاقية مبدؤها نبذ الإستكبار، وأخلاقية تدعوه إلى الإنقياد، وتصونه من الجحود، وتبعث فيه روحاً إلهية تغمره بالروحانية، وتفيض عليه السكينة، والرضا، والسلام.

ولأجل ذلك: كان الإتيان بثقيف منقادة لأمر الله، نابذة للإستكبار والجحود، هو المطلوب النهائي في دعاء رسول الله «صلى الله عليه وآله».

 


 

 

 

 

 

 

خولة تطلب الحلي من الطائف:

وعن طلب خولة بنت حكيم، زوجة عثمان بن مظعون، من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يعطيها حلي بادية بنت غيلان، أو حلي الفارعة بنت عقيل، إن فتح الله عليه الطائف نقول:

إننا لا نراه طلباً معقولاً، لأن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يعود الناس على إقتراحات لعطاءات من هذا القبيل، بل كان يقسم الغنائم بين المقاتلين وفق شرع الله تبارك وتعالى؟!.

كما أننا لم نعرف السبب الذي جعل خولة تستحق هذا العطاء الكبير، وتطالب به!!

ولا ظهر لنا: المبرر لجرأتها وإقدامها على هذا الطلب!! وكيف لم تتوقع من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يقول لها: لماذا أعطيك وأحرم غيرك؟!.

وهل كانت هذه المرأة محبة لزينة الحياة الدنيا إلى هذا الحد؟! وهل التي يقولون: إنها تصوم النهار، وتقوم الليل، وهي امرأة صالحة، فاضلة([93])، فهل من يكون هذا حالها تسعى للإستئثار بحلي أحلى نساء ثقيف، دون سائر النساء اللواتي حضرن تلك الحرب؟!

عيينة بن حصن يمدح الأعداء:

وقد كان البلاء والعناء لرسول الله «صلى الله عليه وآله» يأتيه من قبل أصحابه، الذين كانوا ـ وخصوصاً الزعماء والرؤساء منهم ـ على درجة كبيرة من المباينة معه، فهم شيء والنبي «صلى الله عليه وآله» شيء آخر.. سواء من ناحية التفكير، أو من ناحية المرامي والأهداف، أو المميزات والملكات والصفات، أو في طريقة الحياة. أو في أي شأن من الشؤون..

بل إن الكثيرين منهم هم إلى اعدائه أقرب منهم إليه.. ومن شواهد ذلك ـ وما أكثرها ـ ما روي: من أنه حين أراد النبي «صلى الله عليه وآله» الرحيل عن الطائف نادى: ألا إن الحي مقيم.

فقال عيينية: أجل و&#