الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء السادس والعشرون

 

المركز الإسلامي للدراسات


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الباب السادس:

أحداث وسرايا.. قبل تبوك..


 

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين..

وبعد..

نتابع حديثنا عن هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الإسلام، والتي انتهت بسقوط عنفوان الشرك، في المنطقة بأسرها.. لتكون الهيمنة المطلقة للإسلام وللمسلمين، باعتراف صريح من رموز الشرك، وعتاته، وفراعنته، وجباريه.

وتتمثل نهايات هذه المرحلة بحسم الأمر بالنسبة لقبيلة هوازن في حنين وأوطاس.. وسقوط ثقيف وخثعم في الطائف..

ثم تبع هذه المرحلة تداعيات طبيعية، تمثلت بانثيال وفود قبائل العرب على المدينة، ليعلنوا ولاءهم، وتأييدهم، وقبولهم بالإسلام ديناً، واعترافهم بمحمد نبياً..

والذي يعنينا الحديث عنه في هذا الباب وفصوله هو عرض ما جرى في حنين، وأوطاس، والطائف..

وأما الحديث عن الوفود، وعن سائر الأحداث الهامة، فنأمل أن نوفق للتعرض له فيما سوى ذلك من أبواب إن شاء الله تعالى..

فنقول.. ونتوكل على خير مأمول ومسؤول:

 



 

 
 

 

 

الفصل الأول:

إبراهيم ابن النبي ، وربيبته زينب..



 

 

 

 

 

وفاة زينب ربيبة الرسول :

قال الصالحي الشامي: روى الطبراني مرسلاً برجال الصحيح، عن ابن الزبير: أن رجلاً أقبل بزينب بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فلحقه رجلان من قريش، فقاتلاه حتى غلباه عليها، فدفعاها، فوقعت على صخرة، فأسقطت وهريقت دماً، فذهبوا بها إلى أبي سفيان، فجاءته نساء بني هاشم، فدفعها إليهن.

ثم جاءت بعد ذلك مهاجرة، فلم تزل وجعة حتى ماتت من ذلك الوجع، فكانوا يرون أنها شهيدة([1]).

وكانت وفاتها في أول سنة ثمان من الهجرة، فغسلتها أم أيمن، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة.

وصلى عليها رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ونزل في قبرها، ومعه أبو العاص. وكان جعل لها نعش، فكانت أول من اتخذ لها ذلك([2]).

ونقول:

إن لنا على هذا النص ملاحظات عديدة، نذكر منها:

1 ـ قد ذُكر: أن زينب زوجة أبي العاص بن الربيع هي بنت رسول الله«صلى الله عليه وآله»، والحال أننا قد ذكرنا في أوائل هذا الكتاب: أن الدلائل والشواهد تشير إلى أنها لم تكن بنتاً للنبي «صلى الله عليه وآله» على الحقيقة، وإنما كانت تنسب إليه، لأنها تربت عنده في بيته.

ولم نستبعد أن يكون لرسول الله «صلى الله عليه وآله» بنات أخريات باسم: زينب، ورقية، وأم كلثوم أيضاً، ولكنهن متنَ في حال الصغر، فراجع.

2 ـ لا ندري لماذا لا يصرح ابن الزبير باسم الرجلين اللذين أدركا زينب في الطريق، وروعاها، مع أن التاريخ لم يبخل علينا بهذا الأمر، فإن هبَّار بن الأسود هو الذي سبق إليها وروعها بالرمح، وأسقطها على الصخرة، فطرحت ذا بطنها.. وقد أهدر النبي «صلى الله عليه وآله» دمه في فتح مكة، وتقدمت قصته.

3 ـ أما الرجل الذي أقبل بزينب ليسلمها إلى زيد بن حارثة، الذي أرسله النبي «صلى الله عليه وآله» لاستلامها، فهو نفس زوجها العاص بن الربيع، فلحقه رجال من قريش فيهم: أبو سفيان، وهبَّار بن الأسود، فسبق إليها هبَّار، فكان ما كان حسبما أوضحناه([3]).

4 ـ ما زعمه: من أنهم أخذوا زينب من زوجها قهراً، فذهبوا بها إلى أبي سفيان، غير دقيق، فإن الروايات أيضاّ قد صرحت: بأن أبا سفيان كان حاضراً حين أسقطوها على الصخرة، فألقت ذا بطنها، فبرك حموها كنانة بن الربيع ونثل كنانته بين يديه، وتهددهم، فتكركر الناس.

ففاوضه أبو سفيان، وأقنعه: بأن ترجع إلى مكة. يسلُّها سراً، حتى لا يظن الناس أن إخراجها جهاراً كان عن ذل أصابهم، ودليل وهن وضعف منهم.

فأرجعها إلى مكة، فبقيت عند هند بنت عتبة، ثم انسلت إلى زيد بن حارثة، فقدم بها على رسول الله «صلى الله عليه وآله»([4]).

5 ـ وقد ذكرت رواية الطبراني: أنها حين توفيت جُعل لها نعش، فكانت أول من اتُّخذ لها ذلك.

ولكننا قد ذكرنا حين الكلام عن زواج النبي «صلى الله عليه وآله» بزينب بنت جحش: أنهم يقولون عن زينب أيضاً: أنها حين ماتت صنعوا لها نعشاً، وأنها كانت أول من اتُخذ لها ذلك.

وقلنا هناك: إن الصحيح، هو: أن أول من صنع لها نعش هي فاطمة الزهراء «عليها السلام».

6 ـ قد ذكرنا في باب «ما بين بدر وأحد»، فصل: «شخصيات وأحداث» كلام النقيب أبي جعفر مع ابن أبي الحديد المعتزلي حول موقف النبي «صلى الله عليه وآله» من إسقاط زينب لجنينها، وما يتوقعه من موقف له «صلى الله عليه وآله».

وأشرنا هناك إلى موضوع إسقاط الزهراء «عليه السلام» للمحسن، بسبب العدوان علىها في يوم وفاة أبيها «صلى الله عليه وآله»، بالإضافة إلى أمور أخرى قد يكون الرجوع إليها مفيداً أيضاً.

مهلاً يا عمر، دعهن يبكين:

وقالوا: لما ماتت زينب بنت (ربيبة) رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: ألحقوها بسلفنا الخيِّر، عثمان بن مظعون، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله «صلى الله عليه وآله» يده وقال: مهلاً يا عمر، دعهن يبكين، وإياكن ونعيق الشيطان.

إلى أن قال: وقعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» على شفير القبر، وفاطمة «عليها السلام» تبكي، فجعل النبي «صلى الله عليه وآله» يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها([5]).

ونقول:

1 ـ قد رويت هذه الحادثة في مناسبة وفاة رقية أختها([6]).

والروايات تؤكد على: أن هذا الفعل قد تكرر من عمر أمام رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» ينهاه ويزجره في كل مرة، وبقي يفعل ذلك بعد وفاة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولكنه سمح لعائشة بالبكاء على أبيها، وظل يضرب سائر النساء من أجل ذلك.

وقد ذكر العلامة الأميني «عليه الرحمة والرضوان» طائفة من هذه الموارد في كتابه القيم: «الغدير» ج6 ص160 ـ 166 فراجعه..

2 ـ وعن موقف النبي «صلى الله عليه وآله» من فاطمة «عليها السلام» نقول:

ليت النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» كان حاضراً يوم هجموا على بيتها، وأسقطوا جنينها، وأحرقوا بابها، وكشفوا بيتها، وتسببوا باستشهادها مظلومة مكلومة، ليكون «صلى الله عليه وآله» هو الذي يبلسم جراحها، ويكفكف دموعها، ويدافع عنها..

إبراهيم ابن رسول الله :

وفي شهر ذي الحجة من سنة ثمان ولد إبراهيم ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله» من مارية في موضع يقال له: العالية في المدينة، وكانت قابلتها سلمى زوجة أبي رافع، فأخبر زوجها أبو رافع رسول الله «صلى الله عليه وآله» بولادته، فوهب له عبداً.

وسماه النبي «صلى الله عليه وآله» إبراهيم، وعق عنه يوم سابعه بشاة، وحلق رأسه، فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض.

وتنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه، فدفعه «صلى الله عليه وآله» إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد، وزوجها البراء بن أوس.

وكان «صلى الله عليه وآله» يأتي أم بردة فيقيل عندها، ويؤتى بإبراهيم.

ويقال: دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة، يقال له: أبو سيف([7]).

وغارت نساء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، واشتد عليهن حين رزق منها الولد.

ولما ولدته جاء جبرئيل «عليه السلام» إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: «السلام عليك يا أبا إبراهيم»([8]).

ونقول:

إن هناك جزئيات وتفاصيل كثيرة ترتبط بنحو أو بآخر بإبراهيم ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولكن ربما يكون التعرض لذلك كله بالتحقيق والتحليل غير ممكن، من حيث إنه يستغرق وقتاً طويلاً وجهداً، ومعاناة قد يرى البعض أن يكون صرفهما في أمور أكثر حساسية وأهمية أولى وأوجب، ولعل بعضها له مساس قريب بما يهم الناس التعرف عليه، وتمييز الصحيح منه عن غيره..

ولذلك، فنحن نقتصر هنا على التذكير ببضع نقاط، رأينا أنه لا ضير في التعرض لها هنا.

فنقول:

عائشة: إبراهيم لا يشبه النبي :

ذكرت الروايات: أنه أتي النبي «صلى الله عليه وآله» بإبراهيم يوماً وهو عند عائشة، فقال: انظري إلى شبهه.

فقالت: ما أرى شبهاً.

فقال: ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟!

فقالت: من قصرت عليه اللقاح، وسقي ألبان الضأن سمن وابيض([9]).

وكانت عائشة تقول: «ما غرت على امرأة غيرتي على مارية، وذلك لأنها كانت جميلة، جعدة الشعر، وكان النبي «صلى الله عليه وآله» معجباً بها، ورزق منها الولد وحرمناه»([10]).

وعن الإمام الباقر «عليه السلام»: «أنه «صلى الله عليه وآله» حجب مارية، وكانت قد ثقلت على نساء النبي «صلى الله عليه وآله»، وغرن عليها، ولا مثل عائشة»([11]).

وعنه أيضاً: أن إبراهيم لما هلك، وحزن عليه النبي «صلى الله عليه وآله»، قالت له عائشة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جريج.

فبعث النبي «صلى الله عليه وآله» علياً «عليه السلام»، وأمره بقتله..

ثم تذكر الرواية: أنه وجده ما له ما للرجال، ولا ما للنساء.

فقال «صلى الله عليه وآله»: «الحمد لله الذي صرف عنَّا أهل البيت السوء»([12]).

وحديث الخصي، واتهام بعض الناس لمارية به، مذكور في كثير من المصادر([13]).

جبرئيل يبرئ مارية:

عن أنس قال: لما ولد إبراهيم لرسول الله «صلى الله عليه وآله» جاء جبرئيل «عليه السلام» إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» فقال: «السلام عليك يا أبا إبراهيم»([14]).

وفي نص آخر: لما ولد إبراهيم كاد يقع في نفس النبي «صلى الله عليه وآله»، حتى أتاه جبرئيل، فقال: «السلام عليك يا أبا إبراهيم»([15]).

وأصرح من ذلك: ما روي: من أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال لعمر: «ألا أخبرك يا عمر: إن جبرئيل «عليه السلام» أخبرني أن الله عز وجل قد برَّأ مارية وقريبها مما وقع في نفسي، وبشرني: أن في بطنها غلاماً، وأنه أشبه الخلق بي، وأمرني أن أسميه إبراهيم»([16]).

ثم أكد «صلى الله عليه وآله» على هذا الأمر حتى حين موت إبراهيم، فقد روي: أنه «لما توفي إبراهيم قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة»([17]).

فجبرئيل قد أخبر النبي «صلى الله عليه وآله» ليس فقط بشبه ولده به، بل هو قد أخبره: بأنه أشبه الخلق به، حتى قبل أن يولد.

ولكن عائشة لا ترى أي شبه لإبراهيم برسول الله «صلى الله عليه وآله»، وجبرئيل يخبر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بأن هذا الطفل ابنه، وعائشة تقول لرسول الله «صلى الله عليه وآله» بعد موت هذا الطفل: إنه ليس ولده، بل هو ابن جريج القبطي.. وتشكك في بنوته له قبل أن يولد أيضاً.

ورسول الله «صلى الله عليه وآله» يخبر عمر قبل أن تلد مارية ولده: بأن جبرئيل قد برَّأ مارية مما قذفت به، وبأن الجنين ابنه..

وعائشة تبقى مصرة على قذف مارية قبل أن تلد ولدها، وبعد ولادتها، وحتى بعد موت ذلك الولد أيضاً.

قسوة وجرأة:

وبعد.. فإن عظمة الرسول «صلى الله عليه وآله»، وهو أفضل وأشرف وأقدس خلق الله تعالى.. من شأنها: أن تجعل الناس جميعاً يتريثون في الإقدام على أي موقف، أو التفوه بأية كلمة، أو القيام بأي تصرف في حضوره «صلى الله عليه وآله»..

وتفرض عليهم حسابات كثيرة في هذا الإتجاه، ويخضعون لهذا الواقع بصورة عفوية، ومن دون حاجة إلى توجيه أو دلالة من أحد..

أضف إلى ذلك: أن موقع النبوة، وقداسة الأنبياء، وعلاقة ذلك برضا الله تعالى، وبقبول الأعمال، وبالثواب والعقاب يفرض المزيد من الحذر، ومراقبة الإنسان لنفسه، ويحتم عليه السير نحو الإنضباط التام في كل حركة وسكون، وقول وفعل، ما دام أن قيمة أي زلل أو خطل سيكون هو مستقبل الإنسان ومصيره في الدنيا والآخرة.

ولكننا إذا رجعنا إلى حياة أم المؤمنين عائشة مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فسنجد: أنها لا تخضع لهذا التقدير، ولم تتأثر بهذا الواقع.. بل هي تبدو شديدة الإندفاع في الإتجاه الآخر، من خلال ما نشهده من جرأة لها على مقام النبوة، ثم من عدم مبالاة في عواقب تعاملها البالغ في القسوة على رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالذات.. بخلاف ما نشاهده لدى خديجة وأم سلمة وميمونة مثلاً.. من سلوك خاضع لمقام النبوة والرسالة.

أما سائر أمهات المؤمنين، وخصوصاً حفصة وكذلك أم حبيبة.. فكنَّ يتأثرن بالأجواء التي تثيرها عائشة نفسها، التي كانت تحرك الأمور باتجاه حالة من التوتر والمشاحنات التي لا مبرر لها، دون أن يردعها عن ذلك ما ينشأ عنه من أذى، بل ومن إهانة لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولأهل بيته الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

بل ولعل من أوضح مفردات هذا الواقع قولها لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: إن الله يسارع في هواك([18]).

وقولها: أنت الذي تزعم أنك نبي الله([19]).

وقولها له أمام أبيها: اقصد([20]). أي أعدل (أو قل ولا تقل إلا حقاً).

ثم ما لهجت به النصوص، التي قدمناها عن تصرفات عائشة مع شخص رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيما يرتبط بأمر بالغ الحساسية والخطورة بالنسبة إليه.

وتفصيل ذلك، قولها: كان في متاعي خف وكان على جمل ناج وكان متاع صفية فيه ثقل، وكان على جمل ثقال، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «حولوا متاع عائشة على جمل صفية، وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب».

قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله «صلى الله عليه وآله».

قالت: فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «يا أم عبد الله، إن متاعك فيه خف، وكان متاع صفية فيه ثقل، فأبطأ الركب فحولنا متاعها على بعيرك وحولنا متاعك على بعيرها.

قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فتبسم رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقال: أوفي شك؟

أنت يا أم المؤمنين يا أم عبد الله.

قالت: قلت: ألست تزعم أنك رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فهلا عدلت. وسمعني أبو بكر الخ.. ([21]).

إنها مسألة تمس موقع النبوة أولاً، وتمثل طعنة نجلاء في أعماق أعماق روحه، بحربة تقطر بسم الحقد، والضغينة، وتهدف إلى هدم شرفه، وتقويض كرامته، والنيل من عزه، ومجده الأثيل..

فالنبي «صلى الله عليه وآله» أغْيَرُ مخلوق وُجد، فما بالها تطعن في عرضه، مرة بعد أخرى، غير آبهة بتواتر الوحي الإلهي، بالتأكيد على طهارة ذلك العرض، وبراءته من أي مغمز، وسلامته من أي وليجة..

ولماذا لا تكف عن غمزها، ولا يقنعها الوحي الإلهي، ولا يؤثر فيها قول جبرئيل، ولا تأكيد الرسول المسدد والمؤيد«صلى الله عليه وآله»، الذي لا ينطق عن الهوى؟!

وما الذي يدعوها إلى نبذ أبسط قواعد اللياقة والأدب، مع أشرف وأفضل، وأقدس وأنبل، وأعظم، وأكمل الخلق، وسيد رسل الله تعالى؟!

إن أقوالها مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» حول ولده إبراهيم بعيدة كل البعد عن أبسط قواعد الأدب، والإلتزام والإحترام.. فلماذا هذا الطعن المتوالي الممعن في القسوة لقلب الإنسانية، الطافح بالرحمة، والمودة، والحنان، والغيرة، والشعور بالكرامة والعزة؟!

وهل يجرؤ إنسان يدَّعي أنه قريب وحبيب على التصريح لمن يحبه، ويتقرب منه، بأن ولده الذي يبكي عليه، وقد مات قبل ساعة أو ساعات ليس ولده الشرعي؟!

رغم قيام الشواهد لذلك الأب على صحة ولادة ذلك الطفل وشرعيته.

فكيف إذا كان الوحي الإلهي هو الذي يؤكد له هذه الحقيقة، التي يصر الآخرون على إنكارها وتكذيبها، بلا أي شاهد أو مبرر؟!. إلا الحسد والغيرة، وإلا التجني والإمعان في جرح الكرامة، وإلا الإيذاء..

مرضعة إبراهيم:

هذا.. ولا نرى أن ثمة تناقضاً بين رواية إرضاع أم سيف لإبراهيم، أو رواية إرضاع أم بردة بنت المنذر له. فلعل كل واحدة منهما قد أرضعته برهة من الزمن. وربما تكون أم سيف قد أرضعته أياماً يسيرة، ثم أخذته أم بردة، فإنه «صلى الله عليه وآله» قد أعطى أم بردة هذه قطعة نخل.

كاد يقع في نفس النبي:

وعن الرواية التي تدَّعي: أنه لما ولد إبراهيم كاد يقع في نفس النبي «صلى الله عليه وآله».. نقول:

إنها لا يمكن أن تصح، لأن النبي «صلى الله عليه وآله» كان أتقى لله من أن يقع في قلبه أمر من هذا القبيل.. وهو الذي عرَّفه جبرئيل حتى قبل ولادة إبراهيم: بأن مارية تحمل ولداً هو أشبه الناس به..

يضاف إلى ذلك: أن جبرئيل ـ كما تقدم ـ حين ولد إبراهيم قد جاءه، وقال له: السلام عليك يا أبا إبراهيم..

ثم إنه «صلى الله عليه وآله» كان يعلم: بأن رمي هؤلاء لمارية لا يستند إلى شاهد ولا يعتمد على دليل.. ويعرف أن من يرمي المؤمنين بشيء من ذلك، لابد أن يأتي بالشهداء على ما يقول، فإذا لم يأت بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون.

بل هم يستحقون العقاب والنكال على قذفهم هذا. لولا أن الله تعالى لم يرد معاقبتهم في الدنيا، لكي لا يتعرض مقام النبوة الأقدس للريب والشك والكيد من أصحاب النفوس المريضة، فيضر ذلك بإيمان الناس إلى يوم القيامة..

إنَّا بك يا إبراهيم لمحزونون:

وروي: أن إبراهيم ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله» مات سنة عشر، وجزم به الواقدي، وقال: مات يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول([22]).

وقالت عائشة: عاش ثمانية عشر شهراً([23]). وروي ذلك عن غير عائشة أيضاً.

وفي صحيح البخاري: أنه عاش سبعة عشر شهراً، أو ثمانية عشر شهراً على الشك([24]).

وعن البراء، وأنس، وجابر: توفي إبراهيم ابن النبي «صلى الله عليه وآله» وهو ابن ستة عشر شهراً أو ثمانية عشر شهراً([25]).

وقال محمد بن المؤمل: بلغ سبعة عشر شهراً وثمانية أيام([26]).

وقيل: توفي وهو ابن سنة وعشرة أشهر وستة أيام([27]).

وقيل: مات وهو له إحدى وسبعون ليلة([28]).

وروي عن مكحول، وعطاء، وعبد الرحمن بن عوف، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وقتادة، وأنس: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى النخل الذي فيه إبراهيم «عليه السلام»، فدخل وإبراهيم يجود بنفسه، فوضعه في حجره، فلما (مات) ذرفت عينا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال له عبد الرحمن بن عوف: تبكي يا رسول الله؟ أولم تنه عن البكاء؟

قال: «إنما نهيت عن النوح، وعن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب، ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجه، وشق جيب، ورنة شيطان»([29]).

وفي رواية: فلقد رأيته يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، والله يا إبراهيم، إنا بك لمحزونون».

وعن أنس وأبي أمامة: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الله تعالى، والله إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»([30]).

وعن أنس: لما قبض إبراهيم ابن النبي «صلى الله عليه وآله» قال لهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «لا تدرجوه في أكفانه، حتى أنظر إليه»، فأتاه، فانكب عليه، وبكى([31]).

ونقول:

إن لنا هنا بعض الوقفات، أو الإيضاحات، وهي التالية:

فضائل ابن عوف:

إن تفويض عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف أمر تعيين الخليفة من بعده، وهو الذي كان يعلم: أن هوى عبد الرحمن كان في عثمان، فاختار عثمان.. كان وراء سعي محبي عمر إلى تعظيمه، وتسطير الفضائل له.

فما دام أنه كان موضع ثقة ذلك الذي منحوه حبهم وإخلاصهم، فلماذا لا يسعى الفريق الأموي إلى التصدق على عبد الرحمن بن عوف ببعض فتات الفضائل، أو الأدوار التي لا تكلفهم شيئاً، لأنها تكون مسروقة من محبي علي «عليه السلام»، أو من أناس ليس لهم نشاط في تأييد ملكهم وسلطانهم، ولا في إضعاف أمر علي وأهل بيته «عليهم السلام»، الذين يرون أن لا بقاء، ولا قرار لحكمهم معهم..

الحكمة البالغة:

من المعلوم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن عقيماً، فقد ولد له من خديجة «عليها السلام» عدة أولاد، وقد ماتوا جميعاً، ولم يبق منهم سوى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء«عليها السلام».

ومن المعلوم أيضاً: أنه لم يطرأ عليه العقم بعد خديجة «عليها السلام»، بدليل ولادة إبراهيم «عليه السلام» في أواخر سني حياته «صلى الله عليه وآله».

ثم إن من المعلوم كذلك: أنه بعد أن ولدت له خديجة ومارية لم يولد له من أي من نساء العرب الأخريات، حتى القرشيات، ولا من نساء سائر الأمم التي تدَّعي لنفسها أحوالاً ومقامات، فلم يولد له ممن يتصل نسبها ببني إسرائيل كصفية بنت حيي بن أخطب مثلاً، ربما منعاً لأي استغلال تضليلي من قبل أولئك الناس، الذين عرفوا بالإنتهازية، وبتحريف الكلم عن مواضعه، وبالمتاجرة حتى بالنصوص المقدسة، حتى إنهم كانوا {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ}([32]).

ورغم كثرة النساء اللواتي تزوجهن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد كن من قبائل مختلفة، فإن الله تعالى لم يرزقه ولداً إلا من خديجة، ثم من جارية أهديت إليه من بلاد بعيدة، ليدل ذلك على سرٍّ إلهي في خديجة والزهراء «عليهما السلام»، مفقود في جميع النساء الأخريات، ولا يمكن أن يتوفر في أي ذرية تولد له «صلى الله عليه وآله» منهن.

بل ربما تكون ولادة وبقاء ذرية له من غير خديجة أمراً مضراً بالإسلام بدرجة يصعب على البشر تقدير حجم الخطر والضرر فيه..

ولذلك حُرِم سائر نسائه رغم كثرتهن من الولد. وتلك حكمة بالغة، وتسديد ولطف إلهي بالبشر كلهم، ولعل تصرفات عدد من نسائه «صلى الله عليه وآله» التي تعبر عن طموحات خطيرة، وعن نفسيات غير سليمة تظهر هذه الحقيقة بجلاء، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك..

النياحة المنهي عنها:

وبعد.. فقد بين «صلى الله عليه وآله» سبب نهيه عن النياحة على الأموات، فقال ـ كما روي عنه ـ : «إنما نهيت عن النياحة، وأن يندب الميت بما ليس فيه».

ثم قال: «..وإنما هذه رحمة، ومن لا يَرحَم لا يُرحم يا إبراهيم، لولا أنه حق، ووعد صادق، ويوم جامع..»([33]).

ونقول:

1 ـ إن هذه الكلمات تدلنا على أنه «صلى الله عليه وآله» قد بكى رحمة منه لإبراهيم.

أي أن هذا البكاء كان استجابة منه «صلى الله عليه وآله» لشعور حرَّكته رؤية لحالة ضعف أو عجز، أو نقص وجده في ذلك الطفل تمثل فيما كان يعانيه إبراهيم من جهد أو ألم حين كان يصارع المرض، أو حين كان يجود بنفسه.

فلم يكن البكاء إذن لأجل شيء يعود لشخص رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فهو لا يبكي لأنه يفقد شيئاً يشعر أنه بحاجة إلى استمرار احتفاظه به، ولا لأن ذلك يورد عليه نقصاً، أو يسبب له عجزاً، أو يوجب له ألماً، وأذى كشخص.

وإذن، فهذا البكاء لم يكن أنانياً بل هو بكاء إنساني، إذ إن حالة إبراهيم لو وجدت في أي شخص آخر ـ قريباً كان أو غير قريب ـ فسيبكي له رسول الله «صلى الله عليه وآله»، كما بكى «صلى الله عليه وآله» على عثمان بن مظعون، وعلى الشهداء في مؤتة، وفي مناسبات أخرى.. لأن بكاءه بكاء الرحمة، وليس بكاء الحرص، أو الشعور بالنقص، أو للإحساس بالخسارة الشخصية.

وذلك كله يدلنا على كمال النبي «صلى الله عليه وآله» في ميزاته وخصائصه، وفي مشاعره، وأحاسيسه، الإنسانية. وعلى أن النبوة لا تمنع من هذا الكمال، بل هي ترسخه وتؤكده.

2 ـ إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أوضح ما قصده حين نهى عن النياحة، وأعطى الضابطة الصحيحة للحزن وللفرح على حد سواء.

فذكر «صلى الله عليه وآله»: أن الحزن لا يبرر إطلاق الدعاوى الفارغة في الهواء، والكذب، ولا ينبغي أن يفسح المجال ليدخل إلى حياة الناس، ولو على مستوى التعبير عن العاطفة.. ولا يجوز أن يجعل وسيلة لسلو المحزونين، فإن الإحساس بنفع الكذب ولو بهذا المقدار يجرئ الناس على الاستفادة منه في كل موقع يرون أن لهم فيه فائدة شخصية، وتصبح الفائدة الشخصية هي المعيار عندهم في الحلال والحرام. وتضيع المعايير الواقعية، ويتلاشى تأثيرها.

الصوتان الفاجران الأحمقان:

وقد تضمنت النصوص المتقدمة: أنه «صلى الله عليه وآله» نهى عن صوتين فاجرين أحمقين: صوت عند نغمة لهو ولعب، ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجه، وشق جيب، ورنة شيطان»([34]).

وعن بكير بن عبد الله بن الأشج: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بكى على ابنه إبراهيم، فصرخ أسامة بن زيد، فنهاه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: رأيتك تبكي!!

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «البكاء من الرحمة، والصراخ من الشيطان»([35]).

ونقول:

قد تقدمت الإشارة إلى بكاء الرحمة، وبكاء الفقدان. وأن البكاء الأول مطلوب ومحبوب، دون الثاني. وإلى أن النياحة المنهي عنها هي تلك التي تتضمن الأكاذيب والمبالغات غير المقبولة في شأن الميت..

وقد ذكر النص المشار إليه أعلاه أموراً أخرى في هذا السياق:

1 ـ فذكر النهي عن صوتين وصفهما بالفجور والحمق..

فأما الفجور فيهما، فلأنهما يتجاوزان حدود الشرع، ويستخفان العقل، ويلقيانه على قارعة الطريق، ويسلبانه أي أثر أو دور.

وأما الحمق فيهما، فلأنهما لا يخضعان لأي ضابطة أو ميزان عقلي. بل هما خارجان عن حدود المقبول والمعقول. فمسحة العقل تكون ضعيفة أو تكاد تكون معدومة فيهما، لأنهما إنما يعتمدان على إبعاد العقل عن الساحة، والتوجه نحو الغرائز، والأهواء لمخاطبتها واستثارتها.

2 ـ وقد اعتبر أن أول صوت أحمق فاجر هو صوت نغمات اللهو واللعب، حيث يتم إقصاء العقل، ويكون زمام الإنسان بيد هواه، وغرائزه، لأن العقل لا يرضى باللهو ولا باللعب، كما ان المزامير الشيطانية لا تخاطب العقل، لعدم وجود لغة مشتركة بينهما. بل هي تشطنه، وتقيده، وتمنعه من الحركة ومن التأثير..

وقد تقدم: أن الإسلام لا يريد أن تدخل أمثال هذه الأمور إلى حياة الناس، فإن ذلك من شأنه أن يفسدها، وأن يجعلها خاضعة لأمزجة الأشخاص، وأهوائهم، وميولهم الفردية، وانفعالاتهم.

يضاف إلى ذلك: أن للحياة واقعيتها، وثباتها، فلا يمكن بناؤها على اللهو واللعب، والعبث. ولا رسم حدودها وفق ردود فعل الأمزجة، والأهواء. ولا تحريكها بغير معايير العقل وضوابطه، ومن دون الاعتماد على هدايته ودلالته..

وهكذا الحال في حالات الحزن حين يرتكز إلى التصرف غير المتوازن، والذي تفرضه الإنفعالات غير المسؤولة، والتي تنتهي بتصرفات غير مبررة، ولا ينتج عنها إلا الأذى والخسران، لأنها مجرد حركات هستيرية، تكون ضابطتها عدم الإلتزام بضابطة، وقاعدتها إسقاط كل قاعدة.

وأما حين يتم اللجوء إلى الحركات المصطنعة، كذلك الصراخ الذي صدر عن أسامة بن زيد، ثم يكون المبرر الذي انتحله لنفسه هو رؤيته النبي «صلى الله عليه وآله» يبكي ولده إبراهيم، فإن الأمر يصبح أكثر حساسية وخطورة، فقد تبين أن أسامة قد تجاوز الحدود المقبولة والمعقولة في فهمه لبكاء النبي «صلى الله عليه وآله» على ولده، وأمعن في الإبتعاد عن مراميه وأهدافه حين استنتج منه أموراً ليس فقط لا تتوافق معه، وإنما هي في موقع النقيض منه..

فشتان ما بين البكاء الناشئ عن الرحمة، وبين الصراخ المصطنع، الخاوي من أية عاطفة، وإنما يُقْصَدُ به إثارة أجواء من الأسى والغم، وهي أجواء يجد الشيطان فيها مسرحاً لتسويلاته ومجالاً لإغواءاته، وجر الناس إلى مزالق ومهالك لم تكن تخطر لهم على بال.

ولذلك قال له النبي «صلى الله عليه وآله»: «والصراخ من الشيطان».

 

 


 

 

 

 

الفصل الثاني:

النبي يعتزل نساءه أو يطلقهن



 

 

 

 

 

النبي يعتزل نساءه: كيف؟ ولماذا؟:

قال ابن عباس: كنت أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن قول الله عز وجل: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ}([36])، فكنت أهابه، حتى حججنا معه حجة، فقلت: لئن لم أسأله في هذه الحجة لا أسأله، فلما قضينا [حجنا] أدركناه، وهو ببطن مرو، قد تخلف لبعض حاجاته، فقال: مرحباً بك يا ابن عم رسول الله «صلى الله عليه وآله». ما حاجتك؟

قلت: شيء كنت أريد أن أسألك عنه يا أمير المؤمنين، فكنت أهابك.

فقال: سلني عما شئت، فإنا لم نكن نعلم شيئاً حين تعلمنا.

فقلت: أخبرني عن قول الله تعالى: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} من هما؟

قال: لا تسأل أحداً أعلم بذلك مني، كنا بمكة لا يكلم أحدنا امرأته، إنما هي خادم البيت، فإن كان له حاجة سفع برجليها، فقضى حاجته، فلما قدمنا المدينة، تعلمن من نساء الأنصار، فجعلن يكلمننا ويراجعننا، وإني أمرت غلماناً لي ببعض الحاجة، فقالت امرأتي: بل اصنع كذا وكذا.

فقمت إليها بقضيب فضربتها به.

فقالت: يا عجباً لك، يا بن الخطاب! تريد أن لا تكلم؟! فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله» تكلمه نساؤه.

فخرجت، فدخلت على حفصة، فقلت: يا بنية، انظري لا تكلمي رسول الله «صلى الله عليه وآله» ولا تسأليه، فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله» ليس عنده دينار ولا درهم يعطيكهن، فما كانت لك من حاجة حتى دهن رأسك فسليني.

وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم دخل على نسائه امرأة امرأة، يسلم عليهن، ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن جلس عندها، وإنها أهديت لحفصة بنت عمر عكة عسل من الطائف، أو من مكة، وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذا دخل يسلم عليها حبسته حتى تُلعقه منها، أو تسقيه منها. وإن عائشة أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرية عندها، حبشية يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها، فانظري ما يصنع.

فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت عائشة إلى صواحبتها، فأخبرتهن، وقالت: إذا دخل عليكن فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير.

ثم إنه دخل على عائشة، فقالت: يا رسول الله، أطعمت شيئاً منذ اليوم، فإني أجد منك ريح مغافير.

وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» أشد شيء عليه: أن يوجد منه ريح شئ، فقال: هو عسل، والله لا أطعمه أبداً.

حتى إذا كان يوم حفصة قالت: يا رسول الله، إني لي إلى أبي حاجة، إن نفقة لي عنده، فأْذن لي أن آتيه.

فأذن لها.

ثم إنه أرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقاً، فجلست عند الباب، فخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو فزع، ووجهه يقطر عرقاً، وحفصة تبكي، فقال: ما يبكيك؟

فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا؟! أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها على فراشي؟! ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، أما والله ما يحل لك هذا يا رسول الله.

فقال: والله، ما صدقت: أليس هي جاريتي، قد أحلها الله تعالى لي، أشهدك أنها علي حرام، ألتمس بذلك رضاك، انظري لا تخبري بذلك امرأة منهن، فهي عندك أمانة.

فلما خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشري، إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد حرم أمته، فقد أراحنا الله منها.

فقالت عائشة: أما والله، إنه كان يريبني أنه كان يقبل من أجلها، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ}([37]). ثم قرأ رسول الله «صلى الله عليه وآله»: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ}([38])، فهي عائشة وحفصة.

وزعموا: أنهما كانتا لا تكتم إحداهما للأخرى شيئاً.

وكان لي أخ من الأنصار إذا حضرت، وغاب في بعض ضيعته، حدثته بما قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإذا غبت في بعض ضيعتي، حدثني.

فأتاني يوماً وقد كنا نتخوف جبلة بن الأيهم الغساني([39])، فقال: ما دريت ما كان؟

فقلت: وما ذاك؟ لعله جبلة بن الأيهم الغساني، تذكر.

قال: لا، ولكنه أشد من ذلك، إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» صلى صلاة الصبح، فلم يجلس كما كان يجلس، ولم يدخل على أزواجه كما كان يصنع، وقد اعتزل في مشربته، وقد ترك الناس يموجون ولا يدرون ما شأنه، فأتيت والناس في المسجد يموجون ولا يدرون.

فقال: يا أيها الناس كما أنتم، ثم أتى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو في مشربته، قد جعلت له عجلة، فرقى عليها، فقال لغلام له، أسود، وكان يحجبه: استأذن لعمر بن الخطاب، فاستأذن لي.

فدخلت ورسول الله «صلى الله عليه وآله» في مشربته، فيها حصير وأهب معلقة، وقد أفضى بجنبه إلى الحصير، فأثر الحصير في جنبه، وتحت رأسه وسادة من أدم محشوة ليفاً، فلما رأيته بكيت.

قال: ما يبكيك؟

قلت: يا رسول الله، فارس والروم، أحدهم يضطجع في الديباج والحرير.

فقال: إنهم عجلت لهم طيباتهم، والآخرة لنا.

ثم قلت: يا رسول الله، ما شأنك؟ فإني قد تركت الناس يموج بعضهم في بعض، فعن خبر أتاك، فقال: اعتزلهن؟

فقال: لا، ولكن كان بيني وبين أزواجي شيء، فأحببت ألا أدخل عليهن شهراً.

ثم خرجت على الناس، فقلت: يا أيها الناس، ارجعوا، فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان بينه وبين أزواجه شيء فأحب أن يعتزل.

فدخلت على حفصة، فقلت: يا بنتي، أتكلمين رسول الله، وتغيظينه، وتغارين عليه؟

فقالت: لا أكلمه بعد بشيء يكرهه.

ثم دخلت على أم سلمة، وكانت خالتي، فقلت لها كما قلت لحفصة.

فقالت: عجباً لك يا عمر بن الخطاب، كل شيء تكلمت فيه، حتى تريد أن تدخل بين رسول الله «صلى الله عليه وآله» وبين أزواجه، وما يمنعنا أن نغار على رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأزواجكم يغرن عليكم.

فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}([40]) حتى فرغ منها([41]).

وروي حديث المغافير عن عائشة بطريقة أخرى، فقد قالت: كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يحب الحلوى، ويحب العسل. وكان إذا صلى العصر دار على نسائه، فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك، فقيل لى: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت رسول الله «صلى الله عليه وآله» منه، فقلت: أما والله، لنحتالن له.

فذكرت ذلك لسودة، وقلت: إذا دخل عليك، فإنه سيدنو منك، فقولي له: يارسول الله، أكلت مغافر؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح؟

وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يشتد عليه أن يوجد منه ريح، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط. وسأقول له ذلك، فقولي له أنت يا صفية.

فلما دخل على سودة قالت سودة: والذى لا إله إلا هو، لقد كدت أن أبادئه بالذى قلت لي، وإنه لعلى الباب فرقاً منك، فلما دنا رسول الله «صلى الله عليه وآله» قلت: يارسول الله أكلت مغافر.

قال: لا.

قلت: فما هذه الريح؟

قال: سقتني حفصة شربة عسل.

قلت: جرست نحله العرفط.

فلما دخل علي قلت له مثل ذلك، ثم دخل على صفية، فقالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟

قال: لا حاجة لى به.

قال: تقول سودة: سبحان الله، والله لقد حرمناه.

قلت لها: اسكتي([42]).

حديث اعتزال النساء بطريقة أخرى:

وقد رووا حديث اعتزال النبي «صلى الله عليه وآله» لنسائه بطريقة، أو بطرائق أخرى، فيها الكثير من الخلل والوهن.. واستعراض جميع تلك الروايات، وبيان وجوه الإشكال فيها يحتاج إلى وقت وجهد لا نرى أننا نستطيع توفيرهما في هذا الظرف، فلا بد أن نقتصر على ما يتيسر لنا عرضه، آملين أن نوفق لدراسة هذه القضية في فرصة أخرى، فنقول:

إن أبا بكر وعمر دخلا على النبى «صلى الله عليه وآله» وهو جالس وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لعله يضحك.

فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد (امرأة عمر) سألتنى النفقة آنفاً، فوجأت عنقها.

فضحك النبي «صلى الله عليه وآله» حتى بدا ناجذه، وقال: هن حولي يسألننى النفقة.

فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان النبي «صلى الله عليه وآله» ما ليس عنده؟!

فنهاهما رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن هذا.

فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعد هذا المجلس ما ليس عنده.

وأنزل الله الخيار، فبدأ بعائشة، فقال: إنى ذاكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك.

قالت: ما هو؟

فتلا عليها: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}.

قالت عائشة: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله ورسوله، وأسالك أن لا تذكر إلى امرأة من نسائك ما اخترت([43]).

وفي نص آخر: أنه «صلى الله عليه وآله» لم يخرج إلى الصلاة، فأطال الصحابة الوقوف ببابه، فلم يأذن لهم، ولم يخرج إليهم، فتفرقوا، وتمكن عمر من الدخول، فسأله عن الأمر.

فأخبره بأنهن سألنه ما ليس عنده.

فقال له عمر: يا نبي الله قد صككت جميلة بنت ثابت صكة ألصقت خدها منها بالأرض، لأنها سألتني ما ليس عندي..

ثم تذكر الرواية ما جرى.. وفيها: فاخترن أن لا يتزوجن بعده([44]).

النبي يهجر عائشة:

عن عائشة قالت: كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» في سفر ـ وفي رواية: «حجة الوداع» ـ ونحن معه، فاعتل بعير لصفية، وكان مع زينب فضل، فقال لها رسول الله «صلى الله عليه وآله»: إن بعير صفية قد اعتل، فلو أعطيتها بعيراً لك!

قالت: أنا أعطي هذه اليهودية؟!

فغضب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهجرها بقية ذي الحجة، ومحرم، وصفر، وأياما من ربيع الأول، حتى رفعت متاعها وسريرها فظنت أنه لا حاجة له فيها، فبينما هي ذات يوم قاعدة نصف النهار، إذ رأت ظله قد أقبل، فأعادت سريرها ومتاعها([45]).

وعن أبي هريرة قال: هجر رسول الله «صلى الله عليه وآله» نساءه ـ قال شعبة: أحسبه قال: شهراً ـ فأتاه عمر بن الخطاب، وهو في غرفة، وهو على حصير قد أثر الحصير بظهره، فقال: يا رسول الله، كسرى يشربون في الذهب والفضة، وأنت هكذا؟!

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: إنهم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، ثم قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: الشهر هكذا، وهكذا وهكذا، وكسر في الثالثة الإبهام([46]).

قال الصالحي الشامي:

تنبيهات:

الأول: سبب نزول قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا}([47]): أن نساء النبي «صلى الله عليه وآله» سألنه في عرض الدنيا ومتاعها أشياء، وطلبن منه زيادة في النفقة، وأذينه بغيرة بعضهن بعضاً، فهجرهن رسول الله «صلى الله عليه وآله» وآلى (أي حلف) لا يقربهن شهراً ولم يخرج إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه وكانوا يقولون: طلق رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقال عمر: لأعلمن لكم شأنه، فاستأذن عليه «صلى الله عليه وآله» كما تقدم.

الثاني: قال في (زاد المعاد): وطلق رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وراجع، وآلى إيلاء مؤقتاً بشهر، ولم يظاهر أبداً، وأخطأ من قال: إنه ظاهر خطأً عظيماً، وإنما ذكر هنا تنبيهاً على ذكر خطائه ونسبته إليه ما أمره الله تعالى به([48]). انتهى.

ونقول:

أولاً: إن ما ذكره الصالحي الشامي، من أن أزواج النبي «صلى الله عليه وآله» قد سألنه زيادة في النفقة يأباه صريح الروايات التي تقدمت، والتي تقول: إنهن سألنه النفقة، وقد تقدمت الرواية بذلك آنفاً([49]).

وذلك يدل على: أنه «صلى الله عليه وآله» قد قصر في أداء ما يجب عليه لهن. وحاشاه من ذلك.

ثانياً: إن الله عز وجل قد وعدهن بالرزق الكريم إن أطعن الله ورسوله. فقال: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً}([50]).

وهذا يدل على: أن القضية لم تكن قضية نفقة، وإنما هي قضية طاعة وانقياد..

ثالثاً: إن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يبادي من تطلب منه حقها بهذا النحو من الشدة، فيعتزلها، ويهم بطلاقها. بل هو يلين لها ويعترف لها بحقها، ولا يحرمها من ليلتها مدة شهر كامل.. فيكون بذلك قد ظلمها، واستأثر بما لا يحق له الاستئثار به. فلماذا لا يبقى معهن، ويؤدي لهن حقهن؟! فإذا صمم على طلاقهن، فإنه يمتنع عن غشيانهن، إلى أن يتمكن من تسريحهن بإحسان، بعد ان يصبح ذلك ممكناً من الناحية الشرعية..

رابعاً: إن عدم تمكنه من الإنفاق لا يستلزم حلفه على طلاقهن، فيمكنه أن يطلقهن، أو أن يطلق من يشاء منهن، من دون حاجة إلى هذا الحلف.

خامساً: إن تصميمه على الطلاق حتى لو كان قد حلف عليه، واعتزل نساءه لا يستوجب أن ينقطع عن أصحابه، وأن يمتنع من الإذن لهم بالدخول عليه.. وما إلى ذلك.

سادساً: هل صحيح أنه كان لا يقدر على الإنفاق عليهن جميعاً؟! أم أنه كان يقدر على الإنفاق على بعضهن؟!

وفي كلتا الصورتين: كيف ومن أين كنّ زوجاته «صلى الله عليه وآله» ينفقن على أنفسهن؟!

هل كن يتسولن في الأزقة والشوارع؟! أم كن ينفقن من أموالهن؟! مع علمنا: بأنهن لم يكنّ يملكن أموالاً. فما الذي تغير حتى أعرض عن اعتزاله لهن؟!

النبي يضحك لضرب عمر لزوجته؟:

وذكروا: أنه «صلى الله عليه وآله» قد ضحك حين أخبره عمر بن الخطاب: بأنه ضرب زوجته حتى ألصقت خدها بالأرض، أو لأنه وجأ عنقها!

وهذا غريب حقاً، فإن المفروض بالنبي «صلى الله عليه وآله»: أن يغضب من فعل عمر هذا، وأن يعترض على عمر، ويبادر إلى تأنيبه على هذا الجرم الذي اقترفه، إن لم نقل: إن المطلوب هو أكثر من ذلك أيضاً..

ولكن النبي «صلى الله عليه وآله» ـ حسب زعمهم ـ حين تخلف عن هذا الواجب، لم يكتف بهذا التخلف، والسكوت عن هذا المنكر، بل هو ـ حسب روايتهم المزعومة ـ قد ضحك له، وأفرحه ما صدر من عمر بن الخطاب، من ظلم وعدوان على امرأة ضعيفة، لم يزل النبي «صلى الله عليه وآله» يوصي بمثيلاتها، حيث يقول ـ حتى في مرض موته ـ: أوصيكم بالضعيفين. (يريد النساء وما ملكت يمينكم)([51]).

على أن ما ذكره عمر لا يتضمن ما يستوجب التبسم، فضلاً عن أن يضحك حتى يبدو ناجذه..

فهل كان ضحكه هذا شماتة بتلك المرأة المظلومة والمستضعفة، وابتهاجاً بهذا الظلم والطغيان العارم؟!

حاشا رسول الله «صلى الله عليه وآله» وألف حاشا..

ثم إنهم يقولون: إن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن يزيد في ضحكه عن التبسم، فلماذا بلغ الأمر به إلى الضحك حتى بدا ناجذه؟!

التناسب.. والإنسجام:

على أن ما تقدم: من أن زوجة عمر اعترضت عليه فيما أمر به غلمانه فضربها، فأخبرته باعتراض نساء النبي «صلى الله عليه وآله» عليه.. لا يتناسب مع ما زعمته الرواية نفسها، من أنه خرج فدخل على حفصة، وطلب منها أن لا تطلب من النبي «صلى الله عليه وآله» شيئاً، إذ ليس عنده درهم ولا دينار. فراجع.

حديث الإعتزال بسبب عائشة وحفصة:

ونجد عمر بن الخطاب يؤكد على: أن اعتزال النبي «صلى الله عليه وآله» لنسائه قد كان بسبب عائشة وحفصة، حين تظاهرتا عليه، ولم يذكر لنا سبب ذلك سوى بعض اجتهاداتٍ منه، حول أن نساء الأنصار كنّ يراجعن أزواجهن، فتعلمت سائر النساء منهن ذلك([52]).

أو أن الموضوع موضوع العسل، الذي ادَّعت بعض نسائه: أن فيه ريح مغافير..

ونقول:

1 ـ إنه إذا كان المذنب هو عائشة وحفصة، فلماذا اعتزل «صلى الله عليه وآله» جميع نسائه؟

ألا يدل ذلك: على أنه «صلى الله عليه وآله» قد رأى أن ثمة تواطؤاً فيما بينهن على أمر عظيم ـ وإن كانت عائشة وحفصة هما المحركتان لباقي النساء؟!

2 ـ يضاف إلى ذلك: أن مجرد مراجعة المرأة لزوجها لا تستدعي هذا الإجراء القوي..

3 ـ إنه يبدو: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان حين انقطع عن المسلمين يريد أن يشرك سائر المسلمين في التصدي لهذا الأمر العظيم، حتى إن جماعة منهم كانوا حول المسجد يبكون.

وهذا معناه: أنه أمر يعنيهم، ويؤثر على حياتهم ودينهم، وليس مجرد أمر شخصي أو شيء يرتبط بأمور الدنيا.

4 ـ يضاف إلى ذلك: أنه لو صحت قضية المغافير، فذلك يدعوه إلى اعتزال النساء اللواتي شاركن في ذلك، دون النساء اللواتي لم يشاركن فيه..

5 ـ وحديث مارية، إنما يختص بحفصة، فلماذا يعتزل سائر النساء من أجل كلام تكلمت به حفصة دون سواها؟!

6 ـ وقد ذكر لحفصة: أنه يحل له أن يقارب جاريته، فلماذا عاد وحرم جاريته على نفسه، وهي لا ذنب لها؟!

7 ـ على أن في روايات ابن عباس عن عمر تناقضاً، فهل ذكر عمر لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: أنه صك وجه، أو وجأ عنق زوجته؟!

وأن الزوجة التي تعرضت لهذا أو ذاك هي ابنة زيد، أو هي جميلة بنت ثابت.

هجر النبي لعائشة:

تقدم عن عائشة: أن بعير صفية في حجة الوداع قد اعتل، فطلب النبي «صلى الله عليه وآله» من عائشة أن تعطيها بعيراً، فقالت: أنا أعطي هذه اليهودية، فهجرها النبي حوالي ثلاثة أشهر..

والظاهر هو: أن هذه قضية أخرى حدثت لرسول الله «صلى الله عليه وآله» مع زوجاته، وخصوصاً عائشة وما أكثر أمثال هذه القضايا في حياة هذه المرأة مع رسول الله «صلى الله عليه وآله».

غير أن ما يؤسف له هو: محاولة جعل بعض نصوص هذه الرواية قادرة على أن توهم قارئها: بأن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يعتزل عائشة، إنما اعتزل المرأة التي أهانتها عائشة، فراجع([53]).

الإصرار على تضييع الحقيقة:

والذي يضحك الثكلى روايتهم عن أبي جعفر، أنه قال: قال نساء رسول الله «صلى الله عليه وآله»: ما نساء أغلى مهوراً منا.

فغار الله لنبيه «صلى الله عليه وآله»، فأمره أن يعتزلهن، فاعتزلهن تسعة وعشرين يوماً، ثم أمره أن يخيّرهن فخيّرهن([54]).

ولا ندري كيف صار هذا سبباً لهذا التدخل الإلهي القوي، فإن مجرد قولهن: ما نساء أغلى مهوراً منا.. إن كان صحيحاً في نفسه، فهو لا يوجب هذا الإجراء الحازم والصارم.

وإن لم يكن صحيحاً، وظهر أنه كان في مهور النساء آنئذٍ ما هو أغلى من مهورهن، فكان يكفي أن يقول لهن: إن هذا القول غير صحيح..

ولكن الذي نظنه هو: أن هولاء يريدون التعمية على الأسباب الحقيقية التي دعت النبي «صلى الله عليه وآله» إلى اتخاذ هذا الإجراء، الذي خلده الله تعالى في كتابه الكريم إكراماً لنبيه، وإزراء على من اجترأ على مقام النبوة والرسالة، وأساء إليها..

الحقيقة المنقوصة:

وفي حين فشل الحسن (البصري) في تبيان حقيقة سبب ما جرى، فأبهمه أيما إبهام، فإن قتادة يكاد يقترب من إظهاره، ولعله هو الآخر، عاد فتراجع، ربما لأنه لا يريد أن يعرض نفسه لخطر عظيم، وبلاء جسيم.

فعن الحسن، وقتادة: أن الله تعالى أمر نبيه أن يخيرهن في شيء كن أردنه من الدنيا.

وقال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة([55]).

ولكن مجرد الغيرة من عائشة لا تكفي، لو لم تكن هناك تصرفات وأقوال هائلة أخرى، قد رافقت ذلك.

وربما يكون حديث الآيات عن الفاحشة، والتوعد عليها بمضاعفة العذاب في هذه المناسبة حيث قال: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}([56]) يقوي ويؤيد رواية القمي حول هذا الأمر، بالإضافة إلى روايات أخرى أشارت إلى: أن النساء قد اتخذن من غيرة ـ عائشة على ما يظهر ـ سبباً للتعدي إلى ما هو أشرّ وأضرّ، وهو ما أشارت إليه رواية الخدري وجابر، فقد جاء في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}([57])، فاخترن أن لا يتزوجن بعده([58]).

وهذا يشير إلى: أن القضية كانت ترتبط بهذا الأمر، وأعني به أمر الزواج بعده «صلى الله عليه وآله»، وهو أمر يمس شرف الرسول «صلى الله عليه وآله» ورسالته وهو ما توضحه الرويات الآتية.

يضاف إلى ذلك: أن هذه الآية الشريفة تظهر بمفردها، ولو لم تعضدها أية رواية أخرى: أن القضية ليست قضية نفقة، فإن عدم النفقة لا يستوجب رفضهن لرسول الله «صلى الله عليه وآله».. وليست قضية غيرة لعائشة أو لحفصة من مارية أو من غيرها، فإن الغيرة معناها إرادة التفرد بالزوج، ورفض مشاركة أمرأة أخرى لها فيه، وهذه الآية تقول: أنهن كنّ لا يردن الله ورسوله، بل يردن غير الرسول، وكن لا يردن الآخرة، بل يردن الحياة الدنيا وزينتها، وهذا بدوره يؤكد لنا مضمون رواية القمي الآتية في العنوان التالي..

الصحيح في القضية:

وبعد.. فقد أوضح علي بن إبراهيم حقيقة القضية، فقال: لما رجع رسول الله «صلى الله عليه وآله» من غزاة خيبر، وأصاب كنز آل أبي الحقيق، قلن أزواجه: أعطنا ما أصبت.

فقال لهن رسول الله «صلى الله عليه وآله»: قسمته بين المسلمين على ما أمر الله.

فغضبن من ذلك، وقلن: لعلك ترى إن طلقتنا ألَّا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجونا؟!

فأنف الله لرسوله، فأمره الله أن يعتزلهن.

فاعتزلهن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في مشربة أم إبراهيم تسعة وعشرين يوماً، حتى حضن وطهرن، ثم أنزل الله هذه الآية، وهي آية التخيير، فقال:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ}([59]) الآية.

فقامت أم سلمة أول من قامت، فقالت: قد اخترت الله، واخترت رسوله.

فقمن كلهن فعانقنه، وقلن مثل ذلك، فأنزل الله: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ}.

فقال الصادق «عليه السلام»: من آوى فقد نكح، ومن أرجى فقد طلق([60]).

وقد أيدت رواية جابر وأبي سعيد الخدري التي تقدمت الإشارة إليها آنفاً: أن القضية كانت تدخل في هذا الإتجاه، أعني مسألة زواجهن بعده «صلى الله عليه وآله»، مما يعني: أن غضب الله لرسوله، وغضب النبي لشرف الرسالة، وكرامة الرسول «صلى الله عليه وآله» هو السبب لهذا الإعتزال..

وقد لاحظنا في روايات هواة التبرير والتعذير: أنهم يسعون جاهدين لإبهام هذا الأمر. والتحايل على الألفاظ والعبارات من أجل صرف الأنظار إلى جهات أخرى، فظهرت حيرتهم، وبدا عيّهم، وأظهر الله الحقيقة على لسان أهل البيت «عليهم السلام» وشيعتهم، بل إن مصادرهم لم تخل من إشارات إليها، ودلالات عليها كما أوضحناه..

ويؤيد هذا الذي قلناه: روايات أخرى، يمكن أن يستفاد منها: أن غيرة عائشة التي أشار إليها قتادة، كانت هي التي دعت زينب بنت جحش للتصريح بما كن قد تواطأن عليه، فاستحققن هجران الرسول «صلى الله عليه وآله» لهن، حتى يطهرن تمهيداً لفراقهن بالطلاق ليظهر عدوانهن الفاحش عليه، وعلى كرامته ودينه، فإن شرف الرسالة والرسول، فوق كل اعتبار.

ويمكن للقارئ الكريم أن يلاحظ الرويات التالية أيضاً:

1 ـ روي عن الإمام الصادق «عليه السلام»: «أن زينب قالت لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: «لا تعدل وأنت رسول الله»؟

فقالت حفصة: «إن طلقنا وجدنا في قومنا أكفاءنا».

فاحتبس الوحي عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» عشرين يوماً.

قال: فأنف الله تعالى لرسوله، فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}([61]).

قال فاخترن الله ورسوله، ولو اخترن أنفسهن لبِنَّ، وإن اخترن الله ورسوله، فليس بشيء»([62]).

2 ـ وفي نص آخر عن الإمام الصادق «عليه السلام»: «أن زينب بنت جحش قالت: يرى رسول الله «صلى الله عليه وآله» إن خلَّى سبيلنا أن لا نجد زوجاً غيره.

وقد كان اعتزل نساءه تسعاً وعشرين ليلة، فلما قالت زينب الذي قالت بعث الله جبرئيل إلى محمد «صلى الله عليه وآله»، فقال: {قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا..}»([63]).

3 ـ وفي نص آخر عن أبي بصير، عن أبي جعفر «عليه السلام»: أن زينب لما قالت: إن طلقنا وجدنا في قومنا أكفاءنا، احتبس الوحي عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» تسعاً وعشرين ليلة([64]).

4 ـ وعن زرارة، عن أبي حعفر «عليه السلام» نحوه، وفيه: أنه اعتزلهن في مشربة أم إبراهيم تسعاً وعشرين ليلة، ثم دعاهن فخيرّهن، فاخترنه([65]).

قضية المغافير دليل سمو وعظمة:

والذي نلاحظه أخيراً: أن قضية المغافير رغم أنه «صلى الله عليه وآله» يعرف أنها قائمة على التجني والإفتراء، فإنه كان يستشم رائحة العسل بمجرد أن يوضع أمامه، وحين شروعه بتناوله..

نعم.. رغم معرفته بالحقيقة، ورغم الإهانة الهائلة التي وجهت له، ورغم التعدي السافر على مقام النبوة، وكرامة الأنبياء، فإنه بقي يعامل أولئك الذين فعلوا ذلك كله بهذا الخلق الرضي، وبهذا الإيثار القوي.. رغم أنه أشد الناس رهافة حس، وأعظمهم شعوراً بالأذى، وأكثرهم اهتماماً بتأييد الدين، واندفاعاً إلى حفظ نواميسه، وصيانة قدسيته..

ولذلك يقول الله تعالى له: كم أنت عظيم الوفاء، ورؤوف ورحيم.. تقابل الإساءة بالإحسان، الخطيئة بالغفران، والأذى والمساءة بالشفقة والرضا والحنان..

طلاق سودة:

ومما يدخل في سياق نسبة ما لا يليق إلى رسول الله، ما زعموه: من أن النبي «صلى الله عليه وآله» طلق سودة بنت زمعة تطليقة، فجلست في طريقه فلما مرَّ سألته الرجعة، وأن تهب قسمها لأي من أزواجه شاء، رجاء أن تبعث يوم القيامة زوجته، فراجعها، وقبل ذلك منها.

أو قالت: واجعل يومي لعائشة، فراجعها([66]).

وهناك رواية تقول: إن سودة حين أسنّت فرِقت أن يفارقها «صلى الله عليه وآله»، فقالت: يا رسول الله، يومي لعائشة.

فقبل «صلى الله عليه وآله» ذلك منها([67]).

وقيل: إن آية: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} نزلت في قضية سودة([68]).

ونص آخر يقول: إنه «صلى الله عليه وآله» أراد أن يطلقها، فقالت: دعني في أزواجك، واجعل يومي لعائشة، ففعل «صلى الله عليه وآله»([69]).

وصرحت بعض هذه النصوص: بأنها وهبت يومها لعائشة تبتغي بذلك رضا النبي «صلى الله عليه وآله»([70]).

ونقول:

1 ـ إن ملاحظة الروايات المتقدمة: تظهر مدى الإختلاف فيما بينها، وخصوصاً في بيان الدافع لهبتها يومها لعائشة، فهل الدافع لها هو: أنها خافت من أن يطلقها بعد أن أسنت؟!

أو لأنه طلقها بالفعل؟!

أو أنه أراد أن يطلقها فعلاً؟!

2 ـ إن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن ليطلق امرأة لمجرد أنها أسنت، وقد أسنت خديجة عنده، ولم يطلقها.

3 ـ إنه إن صح: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد طلق سودة، أو أراد أن يطلقها، فلعله لأمر اقتضى ذلك..

ولعلها أساءت الأدب معه «صلى الله عليه وآله» بسبب حدتها التي كانت فيها، وقد أشارت لها عائشة، ولذلك كانت تسرع فيها اللعنة، كما زعمت عائشة([71]).

والظاهر: أن المقصود هو: أنها كانت كثيراً ما تعمل عملاً يوجب المبادرة إلى لعنها..

وقد تقدم في كتابنا هذا: ما يدل على أنها حين رأت سهيل بن عمرو أسيراً في بدر، وكانت أولاً زوجة أخيه السكران بن عمرو، قالت سودة لسهيل: أأعطيتم بأيديكم؟ هلَّا متم كراماً؟

فقال النبي «صلى الله عليه وآله»: يا سودة، أعلى الله ورسوله؟

فاعتذرت له([72]).

وأما نزول آية: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} في قضية سودة، فيرد عليه:

أولاً: إن ذلك يستلزم الإنتقاص من مقام النبوة الأقدس.

ثانياً: عن عائشة: نزلت هذه الآية {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ..} في رجل كانت تحته إمراة قد طالت حجتها، وولدت منه أولاداً، فأراد أن يستبدل بها، فراضته على أن يقيم عندها، ولا يقيم لها([73]).

ولم يكن لسودة أولاد من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، كما أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن يريد أن يستبدل بها، بل هم يدَّعون: أنها فَرِقَتْ أن يطلقها.

ثالثاً: عن مجاهد: إن الآية نزلت في أبي السنابل بن بعكك([74]).

رابعاً: رووا عن أبي هريرة: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط([75]).

فهل يمكن أن نتصور سودة تخاف من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يميل، أو أن يعرض عنها، ويكون هذا حاله يوم القيامة؟!

وألا يعد ذلك من أسباب الطعن في دين من يتوهم في النبي «صلى الله عليه وآله» ذلك؟!

خامساً: ذكروا: أن آية خوف النشوز والإعراض من الزوج قد «نزلت في امرأة رافع بن خديج، وهي: بنت محمد بن مسلمة، التي كانت قد أسنت، فتزوج عليها امرأة شابة، فأعجب بها، فطالبته زوجته الأولى، فعرض عليها أن تكون لها ليلة، ولتلك يومان أو ثلاثة، فلم ترض، فطلقها تطليقة، فرضخت لقوله، فراجعها، فشحت نفسها بنصيبها، ولم تطق ذلك، فطلقها الثانية، فشحت نفسها أيضاً، ثم رضيت بالصلح، واستقرت على ما عرضه عليها، فلم يستطع هو أن يعدل بينهما، فنزلت: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ}([76])»([77]).

رضا النبي أم رضا عائشة!!

وقد زعمت بعض الروايات المتقدمة: أن سودة قد وهبت يومها لعائشة، تبتغي بذلك رضا رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

والذي نظنه هو: أنها كانت بذلك تطلب رضا عائشة، لا رضا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقد وجدت في عائشة ما يجعلها تخشى من أي حالة جفاء لها معها.

ويكفي أن نتذكر: كيف لطخت عائشة وجهها بحريرة (نوع من الطعام) كان في قصفة أتت بها عائشة، وذلك بحضور رسول الله، لمجرد أنه «صلى الله عليه وآله» جلس بينهما([78]).

بل هي قد صرحت: بأنها كانت تخاف من عائشة لدرجة أنها رضيت بالإقدام على الكذب، وعلى أذى رسول الله «صلى الله عليه وآله» فرقاً منها، أنها كانت قد أمرتها بذلك، فراجع قصة المغافير التي تقدمت([79]).

فلعلها رأت: أن من مصلحتها أن ترشو عائشة بأمر تعلم أنه يرضيها، وتستريح من كثير من المشكلات، التي كان يجب أن تتوقعها وتواجهها، ولا تملك حيلة للتخلص منها..

سبب طلاق سودة:

إنه لو صح: أنه «صلى الله عليه وآله» قد طلق سودة، فلا بد أن تكون قد ارتكبت حماقة كبرى بالجرأة على مقامه الأقدس، وتواطئها مع أقرانها على رسول الله «صلى الله عليه وآله» إذ ليس من الطبيعي أن يتحملها رسول الله «صلى الله عليه وآله» تلك السنيين الطويلة، ويغض الطرف حتى حينما كانت تؤنب سهيل بن عمرو على فشله مع المسلمين في حرب بدر، وتقول له: هلَّا متم كراماً؟ ثم يطلقها لسبب تافهٍ وشخصي بعد ذلك..

من الذي خدع مليكة الكندية؟!:

وذكروا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» تزوج في السنة الثامنة في شهر رمضان مليكة بنت كعب الكندية. وكانت ذات جمال بارع، وكان خالد بن الوليد قد قتل أباها يوم الفتح، فقالت لها عائشة: ألا تستحين؟! تتزوجين رجلاً قتل أباك؟!

فقالت: فكيف أصنع؟

فقالت: استعيذي بالله منه.

فاستعاذت، فطلقها([80]).

إننا لسنا بحاجة إلى التذكير: بأن أمثال هذه الأمور قد تكررت من عائشة، التي لم تسلم من لسانها ومن أذاها أي من زوجات رسول الله «صلى الله عليه وآله».

حتى إنها قد لحقت حتى الأموات منهن في قبورهن، رغم أنها لم تجتمع معهن في بيت الزوجية أبداً.

فقد نالت من أفضل نساء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهي السيدة خديجة في أكثر من مناسبة، وسمعت من رسول الله «صلى الله عليه وآله» الرد الحاسم والقوي الذي لم تكن تتوقعه فيما يظهر..

وقد تقدم ذلك في بعض فصول هذا الكتاب.

طلقها قبل أن يدخل بها:

عن عطاء بن يزيد الجندعي، قال: تزوج رسول الله «صلى الله عليه وآله» مليكة بنت كعب الليثي في شهر رمضان سنة ثمان، ودخل بها، فماتت عنده([81]).

ونقول:

إن هذه الرواية مردودة بما يلي:

أولاً: بضعف سندها([82]).

ثانياً: قال الواقدي: وأصحابنا ينكرون ذلك، ويقولون: لم يتزوج رسول الله «صلى الله عليه وآله» كنانية قط([83]) وعن الزهري والكلبي مثله.

ثالثاً: قد ذكر أبو معشر استعاذة مليكة من رسول الله، وطلاقه «صلى الله عليه وآله» لها، وقال: «فجاء قومها، فقالوا: يا رسول الله، إنها صغيرة، وإنها لا رأي لها، وإنها خدعت، فارتجِعها».

فأبى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فاستأذنوه أن يتزوجها قريب لها من بني عذرة، فأذن لهم، فتزوجها العذري([84]).

أسماء بنت النعمان ضحية أخرى:

ولم تكن مليكة هي الضحية الوحيدة، التي وقعت في هذا الفخ، بل شاركتها في ذلك أسماء بنت النعمان الجونية، فقد أراد النبي «صلى الله عليه وآله» أن يتزوجها، فجعلت عائشة وحفصة تصلحان من شأنها، فقالتا لها: إن النبي «صلى الله عليه وآله» يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك.

فلما خلا بها رسول الله «صلى الله عليه وآله» قالت له ذلك، فخرج عنها، وأرسلها إلى أهلها، ومتعها برازقيتين (نوع من الثياب) وطلقها([85]).

وطلاق هذه المرأة هو الأنسب بحالها والأقرب إلى الرفق بها. فإن بقاءها في بيت النبي «صلى الله عليه وآله» سوف يمكّن هاتين المرأتين، وغيرهن من النساء اللواتي يتحركن بوحي منها أضحوكة وموضعاً للسخرية والإستهزاء، وفي معرض الأذى في أكثر من اتجاه.



 

 

 

 

 

 

عتَّاب بن أسيد يحج بالناس:

وأقام «صلى الله عليه وآله» بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب([86]).

قالوا: وحج بالناس في تلك السنة ـ وهي سنة ثمان ـ عتَّاب بن أسيد.

وذلك: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما فتح مكة استعمله عليها للصلاة والحج([87])، فحج بالناس تلك السنة على ما كان عليه الناس في الجاهلية([88])، ثم كانت غزوة تبوك.

ونقول:

قد يقال: لماذا لم يبقَ «صلى الله عليه وآله» في مكة إلى ذي الحجة الذي أصبح على الأبواب، ولم يكن قد بقي لحلوله سوى أيام قليلة، ليحج هو بالناس؟!.

مع أنه «صلى الله عليه وآله» حين عاد إلى المدينة لم يقم بعمل أساسي، طيلة أكثر من سبعة أشهر.

وقد يمكن أن يكون الجواب: أنه «صلى الله عليه وآله» يريد أن يتلافى ما كان قد جرى في مؤتة، بإفهام الروم، وخصوصاً بعد فتح مكة، وامتداد نشاطه إلى مناطق اليمن: أنه بعد مؤتة لم ينكفىء إلى الداخل، لأنه يشعر بالضعف والعجز عن مواجهتهم، وأن مؤتة لم تفرز لديه شعوراً من هذا القبيل، بل توجه إلى الداخل ليهييء أسباب القوة، وليزيل أعتى قوى الشرك في المنطقة، ثم هو بعد ذلك لم يزل راصداً لتحركات كل من تحدثه نفسه بالعدوان، أو بالإنتقاص من حقه، وحق أهل الإسلام، بل وسائر المستضعفين في الأرض.

صنع المنبر لرسول الله :

وقد ذكروا في جملة أحداث السنة الثامنة: صنع المنبر لرسول الله «صلى الله عليه وآله» بعد أن كان يقف حين يخطب عند جذع كان هناك. فلما ترك النبي «صلى الله عليه وآله» الجذع سمعوا له حنيناً..

وقد تقدمت هذه القضية بشيء من التفصيل في أحداث السنة السابعة للهجرة، فأغنانا ذلك عن الإعادة هنا.

موت النجاشي:

وذكروا في أحداث السنة التاسعة للهجرة في شهر رجب موت النجاشي ملك الحبشه، واسمه أصحمة. وأن النبي «صلى الله عليه وآله» أخبر المسلمين بموته في نفس اليوم الذي مات فيه. وصفَّهم وصلى عليه، وكبّر عليه أربع تكبيرات، وقال: استغفروا لأخيكم([89]).

ولكننا قد تحدثنا عن هذا الأمر في أحداث السنة السابعة. فراجع فصل: شخصيات.. وأحداث إلى عمرة القضاء.

وقلنا: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد كبر عليه خمساً.. وذكرنا تفاصيل أخرى تحسن مراجعتها.

بيع بعض المسلمين أسلحتهم:

قالوا: وفي السنة التاسعة باع بعض المسلمين أسلحتهم، وقالوا: انقطع الجهاد.

فقال «صلى الله عليه وآله»: لا ينقطع الجهاد حتى ينزل عيسى بن مريم([90]).

ونقول:

إن في بيع هؤلاء أسلحتهم دلالة واضحة على قصر نظرهم وعدم التزامهم بتوجيهات قيادتهم، فهم قد باعوا أسلحتهم دون أن يراجعوا النبي «صلى الله عليه وآله» ليستجيزوه بذلك، أو ليعرفوا رأيه فيما يقدمون عليه..

ثم إن مما يؤكد ضيق أفق تفكيرهم: أنهم ظنوا أن أقصى ما يريده الله ورسوله هو: دخول الإسلام إلى مكة والحجاز، ولا شيء أكثر من ذلك، مع أن الله تعالى لم يزل يقول لنبيه الكريم: إنه مرسل للبشرية جمعاء، فقد قال تعالى: {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ}([91])، {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}([92])، {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}([93])، {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}([94])، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}([95]) وغير ذلك..

ودخول جزيرة العرب في الإسلام، وردُّ تحديات سكانها، وسقوط الشرك، واستسلام رموزه لا يعني شمول دعوة الإسلام للعالم كله، ولا يمنع من ظهور تحديات أعتى وأقوى من قبل قوى الإستكبار في دولتي الأكاسرة والقياصرة وسواهما، ممن يمكن أن يجد في نفسه القوة لمواجهة أهل الإيمان.

كعب بن زهير في محضر رسول الله :

وبعد انصراف النبي «صلى الله عليه وآله» من الطائف قدم كعب بن زهير على النبي «صلى الله عليه وآله» فأنشده قصيدته التي أولها:

بانـت سعاد فقلبي اليـوم متـبـول               مـتـيـم إثــرهــا لم يـفـد مكبـول

وأسلم بعد أن كان النبي «صلى الله عليه وآله» قد أهدر دمه([96]).

وقد روى البيهقي، وأبو بكر محمد بن القاسم بن بشار، وأبو البركات عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي الأسعد الأنباريان، قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العراف (العراق)، فقال بجير لكعب: أثبت في عجل هذا المكان، حتى آتي هذا الرجل، يعني رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأسمع ما يقول.

فثبت كعب، وخرج بجير، فجاء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فسمع كلامه فآمن به.

وذلك: أن زهير بن أبي سلمى ـ فيما يزعمون ـ كان يجالس أهل الكتاب، فسمع منهم أنه قد آن مبعث نبي.

ورأى زهير في منامه: أنه قد مد سبباً من السماء، وأنه قد مد يده ليتناوله ففاته، فأوله بالنبي «صلى الله عليه وآله» يبعث، وأنه في آخر الزمان لا يدركه، وخبّر بنيه بذلك، وأوصاهم إن أدركوا النبي «صلى الله عليه وآله» أن يسلموا.

ولما اتصل خبر إسلام بجير لأخيه أغضبه ذلك، فقال:

ألا أبـلـغـن عني بجـيراً رسـالــة                 فهل لك فيما قلت ويحك هل  لكـا

فـبـين لنـا إن كنـت لست بفاعـل        عـلى أي شـيء غـير ذلـك  دلكــا

على خلق لم تلق (تلف) أماً ولا أباً             عـلـيـه ولم تـدرك عـلـيه أخاً لكـا

فإن أنـت لم تفـعـل فلست بآسف                ولا قـائـل إمـا عـثـرت لعـاً لكــا

سقـاك بهـا المــأمــون كأسا روية              فانهـلـك المـأمـون مـنـها وعلكا([97])

وفي الإستيعاب:

شـربـت بكـأس عنـد آل محـمـد         وانـهـلـك المـأمـور فيها  وعلكا([98])

وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيراً كره أن يكتمها رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأنشده إياها، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «سقاك بها المأمون! صدق، وإنه لكذوب، وأنا المأمون».

وأهدر دمه، وقال: من لقي كعباً فليقتله، فكتب بجير إلى أخيه يذكر أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد أهدر دمه، وقال: من لقي كعباً فليقتله، وليقول له: النجاء، وما أراك تنفلت.

ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أن رسول الله لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله إلا قبل ذلك منه، وأسقط ما كان قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم، وأقبل([99]).

وذكر ابن إسحاق: أن بجيراً كتب إليه:

فمن مبـلـغ كعبـاً فهل لك في التي       تـلـوم عـلـيـها باطلاً وهي أحـزم

إلى الله لا العزى ولا اللات وحـده      فـتـنـجو إذا كـان النجاء وتسـلـم

لدى يوم لا تـنـجو ولست بمفلت       من الناس إلا طـاهر  القلب مسلم

فـديـن زهـير وهـو لا شـيء دينـه      وديـن أبـي سـلـمـى عـليّ  محــرم

فلما بلغ كعباً الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه. وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، فقالوا: هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بداً قال قصيدته التي مطلعها:

بانـت سعـاد فـقـلبي اليوم متبول               مـتـيـم إثـرهـا لم يـفـد مـكـبول([100])

قال العسقلاني: وأسلم كعب، وقدم حتى أناخ بباب المسجد، قال: فعرفت رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالصفة، فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت، ثم قلت: الأمان يا رسول الله، أنا كعب بن زهير.

قال: أنت الذي تقول، والتفت إلى أبي بكر، فقال: كيف قال.

فذكر الأبيات الثلاثة، فلما قال: فانهلك المأمور، قلت: يا رسول الله، ما هكذا قلت، وإنما قلت: المأمون.

قال مأمون والله، وأنشده القصيدة([101])..

إلى أن يقول فيها:

نـبـئـت أن رسـول الله أوعـدني         والـعـفو عنـد رسـول الله مـأمول

وفيها:

إن الـرسـول لنـور يستضاء بـه        مـهـنـد من سيـوف الله مسـلــول

فكساه رسول الله «صلى الله عليه وآله» بردة له، فاشتراها معاوية من ولده، فهي التي يلبسها الخلفاء في الأعياد.

وقد مدح فيها المهاجرين، ولم يذكر الأنصار، وفيها:

في فتية من قريش قـال قائلـهم         بـبـطـن مـكـة لمـا أسلموا زولـوا

فكلمته الأنصار، فصنع فيهم شعراً([102]).

ونقول:

إن لنا هنا بعض الوقفات والإيضاحات، وهي كما يلي:

رواية لا تصح:

ذكرت بعض الروايات: أن كعب بن زهير قدم المدينة، فسأل عن أرقّ أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فدل على أبي بكر، فأخبره خبره، فمشى أبو بكر، وكعب على أثره، وقد التثم، حتى صار بين يدي النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: رجل يبايعك.

فمد النبي «صلى الله عليه وآله» يده، فمد كعب يده، فبايعه وأسفر عن وجهه، فأنشده قصيدته..([103]).

وهي رواية نشك في صحتها، وذلك لما يلي:

أولاً: إن ما تقدم عن العسقلاني يبين: أن كعباً قد وصل مباشرة إلى رسول «صلى الله عليه وآله»، ولم يتوسط له أž