الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الثامن والعشرون

 

المركز الإسلامي للدراسات


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الثالث:

وفادة الملوك سنة تسع.. ووفد همدان


 

ملوك حمير قبل الإسلام:

كان ملوك حمير يعتنقون اليهودية، وهم الذين قتلوا نصارى نجران قتلاً ذريعاً، فتسلط الأحباش عليهم، وذهب ملكهم([1])، إلا عبد كلال، فإنه آمن بعيسى «عليه السلام»، وبالنبي محمد «صلى الله عليه وآله» قبل مبعثه([2]).

النبي وملوك حمير:

وكانت عساكر المسلمين تضرب في كل وجه يدعون إلى الله سبحانه، وإلى الإسلام، فمن آمن يكون له ما للمسلم، ومن كفر جوزي بعمله، فعندئذٍ وفدت قبائل العرب على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لكي يأمنوا العساكر المتفرقة في مخاليف اليمن([3]).

وذكروا: أن النبي «صلى الله عليه وآله» بعث مهاجر بن أبي أمية إلى ملوك حمير([4]).

وقال بعضهم([5]): بعث الأقرع بن عبد الله الحميري إلى عمير ذي مران، وزاد في الإصابة ذي رود. وبعث إلى زرعة بن سيف بن ذي يزن، وفهد، والبسي، والبحيري، وربيعة، وهجر، وعبد كلال، وغيرهم([6]).

وبعث خالد بن الوليد إلى همدان، فبقي فيهم ستة أشهر، فلم يجيبوه، ثم أرسل علياً «عليه السلام» فأسلمت على يديه همدان كلها في يوم واحد، حسبما تقدم.

والذي يظهر بعد التتبع أنه «صلى الله عليه وآله» كتب في سنة تسع كتباً، وأرسل رسلاً إلى جميع أذواء اليمن وأقيالها، وبعث دعاته إلى تلك البلاد: معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد (لا ابن رواحة([7])، فإنه استشهد في مؤتة سنة ثمان) وأبا موسى الأشعري، ومالك بن عبادة (مرارة)، وعتبة بن نيار، ليفقّهوا الناس، ويعلموهم معالم الإسلام، فأجابوا إلى الإسلام، ووفدت إليه وفودهم، وكتب لكل الوافدين كتباً، وأمنهم على دورهم، وزروعهم وأموالهم وأنفسهم.

وممن كتب إليهم ابنا عبد كلال، وهم: مسروح، ونعيم.

وزاد ابن سعد وابن الأثير: الحارث.

وعند الهمداني في الإنساب: كتب إلى الحارث وأخيه نعيم([8]).

ومن أبناء عبد كلال أيضاً: أيفع، وعريب، وشرحبيل، وكان الملك منهم يومئذٍ الحارث وعريب([9]).

كتابه إلى ملوك حمير، وأذواء اليمن:

ونصوص الكتب التي يقال: إنه «صلى الله عليه وآله» أرسلها إلى أهل اليمن متعددة، ومنها: نص الكتاب الذي أرسله «صلى الله عليه وآله» إلى أبناء عبد كلال، وغيرهم، وهو كما يلي:

«سلم أنتم، ما آمنتم بالله ورسوله، وأن الله وحده لا شريك له، بعث موسى بآياته، وخلق عيسى بكلماته. قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: الله ثالث ثلاثة، عيسى ابن الله»([10]).

ومن الواضح: أن أهل اليمن الذين كان كثير منهم على دين اليهودية، وبعض منهم كان على دين النصرانية.. فهذا الكتاب قد لاحظ ذلك، فتعرض لمزاعم اليهود والنصارى، وأعلن بطلانها.

قال ابن سعد: بعث بالكتاب مع عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وقال: إذا أصبت أرضهم، فلا تدخل ليلاً حتى تصبح، ثم تطهَّر، فأحسن طهورك، وصل ركعتين، وسل الله النجاح والقبول، واستعد لذلك. وخذ كتابي بيمينك، وادفعه بيمينك في أيمانهم، فإنهم قابلون.

واقرأ عليهم: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ}([11])، فإذا فرغت منها فقل: آمن محمد، وأنا أول المؤمنين. فلن تأتيك حجة إلا دُحضت، ولا كتاب زخرف إلا ذهب نوره.

وهم قارئون عليك، فإذا رطنوا، فقل: ترجموا.

قل: حسبي الله {آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ}([12]) فإذا أسلموا فسلهم تصبهم الخ..([13]).

فلما وصلت كتبه «صلى الله عليه وآله» أسلم أبناء عبد كلال، وزرعة بن سيف بن ذي بزن، وعمير ذو مران، والنعمان قَيْل ذي رعين، ومعافر، وكتبوا بإسلامهم، وأرسلوا الكتاب مع وافدهم مالك. فأتى المدينة مع وفد همدان، مالك بن نمط وغيره، فلقوا النبي «صلى الله عليه وآله» مقدمه من تبوك، فأخبروه بإسلامهم وكتابهم، فأكرم رسولهم([14]).

من هو وافد حمير:

وكان وافد ملوك حمير: مالك بن مرارة([15]).

وقيل: هو الحارث بن عبد كلال، وأنه حين قدم اعتنقه النبي «صلى الله عليه وآله» وأفرشه رداءه، وقال قبل أن يدخل عليه: «يدخل عليكم من هذا الفج رجل كريم الجدين، صبيح الخدين فكأنه..»([16]).

وأضافوا إلى الوافدين أيضاً: نعيم بن عبد كلال، والنعمان قَيْلُ ذي رعين، ومعافر وهمدان([17]). ولعل ذلك غير دقيق، فإن هؤلاء هم ملوكهم ـ على الظاهر([18]) ـ وكان النعمان من الأقيال، ومن البعيد أن يكون الملك هو الرسول، فلعلهم وفدوا على النبي «صلى الله عليه وآله» وفادة الملوك.

وقال ابن حجر عن الحارث: تظافرت الروايات أنه أرسل بإسلامه، وأقام باليمن([19]).

ويدل على ذلك أيضاً: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كتب في كتابهم: «من محمد النبي إلى الحارث بن عبد كلال. ولو كان هو الوافد لكان الكتاب له لا إليه»([20]).

وصرح ابن الأثير: بأن مالك بن مرارة الرهاوي قدم على النبي «صلى الله عليه وآله» بكتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك، بإسلام الحارث بن عبد كلال([21]).

أي أن ملوك حمير كتبوا إلى النبي «صلى الله عليه وآله» يخبرونه بإسلام الحارث الذي كان ملكهم.

كتاب النبي لأهل اليمن:

ومهما يكن من أمر، فقد روى ابن سعد عن رجل من حمير، أدرك رسول الله «صلى الله عليه وآله» ووفد عليه قال: قدم على رسول الله «صلى الله عليه وآله» مالك بن مرارة الرهاوي رسول ملوك حمير بكتابهم (وإسلامهم)، وهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين، ومعافر وهمدان، وذلك في شهر رمضان سنة تسع([22]).

وقال ابن إسحاق: مقدم رسول الله «صلى الله عليه وآله» من تبوك.

فأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بلالاً أن ينزله ويكرمه ويضيفه. وكتب إليهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»:

«أما بعد.. فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.

أما بعد.. فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فبلغ ما أرسلتم به، وخبّر عما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم، وقتلكم المشركين، فإن الله تبارك وتعالى قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغنم خمس الله، وخمس نبيه وصُفِيِّه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة، من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر. إن في الإبل الأربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع، جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيراً فهو خير له، ومن أدى ذلك، وأشهد على إسلامه، وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله.

وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالم ـ ذكر أو أنثى، حر أو عبد ـ دينار واف من قيمة المعافر، أو عوضه ثياباً. فمن أدى ذلك إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله.

أما بعد.. فإن رسول الله محمداً أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيراً: معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرارة، وأصحابهم. وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم، وأبلغوها رسلي، وأن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضياً.

أما بعد.. فإن محمداً يشهد ألا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرارة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيراً، ولا تخونوا، ولا تخاذلوا، فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو مولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة يتزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكاً قد بلغ الخبر، وحفظ الغيب، وآمركم به خيراً، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي، وأولي دينهم، وأولي علمهم، وآمركم بهم خيراً، فإنهم منظور إليهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»([23]).

وقد أرسل الكتاب إليهم مع عمرو بن حزم.

وهناك كتاب آخر أرسله لزرعة بن ذي يزن، وكتاب ثالث لأهل اليمن([24]) أرسله مع معاذ، يشبهان هذا الكتاب، فراجع وقارن في المصادر الآتية([25]).

ونقول:

إنه عدا عن أن بعض النصوص لهذا الكتاب تخالف ما ثبت عن أئمة أهل البيت المعصومين «عليهم السلام»([26]) فإننا نشير إلى ما يلي:

تكرار كلمة «أما بعد»:

بالنسبة لهذا الكتاب الأخير نلاحظ: أن كلمة «أما بعد» قد تكررت فيه أربع مرات، بالإضافة إلى تكرار فقرات ومطالب أخرى، مثل الحديث عن الصدقة مرتين، كما أن الإشارة إلى الأشخاص قد تكررت أيضاً.

وهو أمر غير مألوف في الرسائل، فقد يثير هذا احتمال أن تكون رسائل مختلفة أرسلت لعدة فئات أو جهات أو أشخاص في اليمن، فمزجها الرواة عمداً وسهواً. وقد ظهر نتيجة لذلك ضعف في التركيب، وتفكك وعدم انسجام، فهو تارة يكلمهم بصيغة الجمع، وأخرى بصيغة المفرد.

الإعلان والإشهاد على الإسلام:

وقد ذكر في الكتاب: أن من أدى زكاة ماله، وأشهد على إسلامه، وظاهر المسلمين على المشركين فهو من المؤمنين..

ولعل المقصود بالإشهاد على الإسلام هو: إشهار إسلامه وإعلانه حتى لا يتعرض لمعرة جيوش المسلمين، فإنه إذا تكتم على ذلك، وستره، وكانت المنطقة في أجواء حرب وقتال، فقد يظن به من لا يعرفه الكفر والشرك، وأنه محارب فيوقعون به.

الإيمان قول وعمل:

قد ذكر في الكتاب: أن هدايتهم متوقفة على إصلاحهم، وطاعتهم لله ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وإعطاء الحق الشرعي من المغانم..

وهذا يدل على: أن الإقرار باللسان لا يوجب نجاتهم من العذاب، ولا أمنهم من القتل، بل لا بد أن يعملوا بالمذكورات. كما أن من يعمل بها فله ذمة الله ورسوله، أي أن من لم يعمل فليس له ذلك..

قتال المشركين دون غيرهم:

ثم إنه «صلى الله عليه وآله» قد شرط عليهم قتل المشركين، وعدم الإكتفاء بقطع الصلة معهم..

ولعل المراد: أن لا يتحرجوا من قتلهم حين وقوع الواقعة بين المسلمين والمشركين.

ومن المعلوم: أنه لا يقبل من المشركين إلا الإسلام أو الحرب، ويخيِّر اليهود والنصارى، بين الجزية، والإسلام، والحرب. ربما لأن الشرك يتناقض مع التوحيد، أما اليهودية والنصرانية فليستا بهذه المثابة، فلأجل ذلك لا يجبر النصارى واليهود على ترك دينهم، إذا أعطوا الجزية، وقد تحدثنا عن ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب..

من يأخذ الصدقات من الناس؟!:

وقد ذكر الكتاب المتقدم: أن زرعة، وسائر ملوك حمير، وهمدان، وغيرهم، هم الذين يجمعون صدقاتهم. ويأخذون الجزية ممن لم يسلم من اليهود والنصارى من قومهم، ثم يسلمونها إلى مبعوثي رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

وهذا غاية في الإرفاق بهم، ورعاية حالهم، فإن بعضهم أعرف بأحوال بعض من غيرهم، وبذلك يتحقق الإجراء الصحيح لما هو مطلوب، ويطمئن قومهم إلى إجراء سنة العدل فيهم.

رسول الله مولى غنيكم وفقيركم:

وبعد أن أمرهم في الكتاب بأن لا يخونوا ولا يتخاذلوا، علل لهم ذلك بقوله: «فإن رسول الله مولى غنيكم وفقيركم»، فلا يشعر الفقير بأن ثمة استقواءً عليه، واستغلالاً لحاله، فيؤخذ بما لا يؤخذ به غيره، وتفرض عليه قرارات لا تفرض على الغني، ولا تطلب منه..

فإن النبي «صلى الله عليه وآله» يطلب ما يطلبه ويفرض ما يفرضه على الجميع، من دون استثناء، لأنه ولي الغني والفقير، والكبير والصغير..

إنما هي زكاة يتزكى بها:

ويلاحظ: أن الكتاب يقول عن الزكاة: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهله، إنما هي زكاة يتزكى بها على فقراء المؤمنين، وأبناء السبيل».

فقد تضمنت هذه الفقرة الإشارة إلى أمور عديدة، فقد عبَّرت بكلمة «المؤمنين»، دون كلمة المسلمين، ربما لتؤكد: أن مجرد إظهار الإسلام لا يكفي، بل لا بد من الإيمان بمعناه الصحيح، الذي هو قول وقبول والتزام قلبي وعملي بكل ما جاء به رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

ثم إن الزكاة تطهير للنفوس، وتنمية لها، من خلال إبعادها الإنسان المؤمن عن التعلق بالمال وحب الدنيا، وإيجابها القرب من الله تعالى، وهي تدفع إلى الإيثار، وإلى الشعور بحوائج المؤمنين..

وصية النبي لرسوله:

وقد تقدم: أنه «صلى الله عليه وآله» أوصى لرسوله عياش بن أبي ربيعة بأن لا يدخل على من يبعثه إليهم، وأن يتوضأ قبل دخوله عليهم، ويصلي ركعتين، ويسأل الله النجاح والقبول، وأن يأخذ كتابه بيمينه، ويدفعه إليهم بأيمانهم..

أي أنه «صلى الله عليه وآله» أراد أن يسن لهم ما شرعه الله تعالى في شأن الرسل في هذه المناسبة بالذات، لتكون حساسيتها من أسباب وعيها بعمق، وتحسس نتائجها الرضية على الرسول وعلى المرسل إليهم على حد سواء.

ولعل عياش بن أبي ربيعة كان يشعر بخطورة الموقف، فجاءت التوجيهات منه «صلى الله عليه وآله» لتربط على قلبه، وتعيده إلى الله، فيشعر بعظمته، وبهيمنته، وبقدرته، وبمحبته له وللمؤمنين، ولطفه وعناياته بهم.. فيعيش الثقة بالله، والسكينة في قلبه، وروحه، والقوة في دينه، وعدم المبالاة بالأخطار إذا كان الله محباً له، راضياً عنه.

على أن هذه القوة الروحية، والثبات والإتزان في الخطاب وفي الموقف يعطي للكلمة قوة مضاعفة على التأثير، ويضفي على شخصيته الهيبة، ويفرض على الآخرين احترامه، والإصغاء إليه، والتدبر فيما يأتيهم به.

وفد همدان:

وفي شهر رمضان من سنة تسع، مرجع النبي «صلى الله عليه وآله» من تبوك قدم وفد همدان على رسول الله «صلى الله عليه وآله» مع وفد حمير.

وكان الوافد من كل بطن من همدان سيدهم. فمالك بن أيفع من بني ناعط. وعميرة بن مالك من بني حازم، ومن بني سلمان ضمام بن مالك. ومن بني حدان مسلمة بن هدان، وهم بطن من همدان. ومن بني خارف من بني حاشد (بطن من همدان) مالك بن نمط، وكنيته أبو ثور، ولقبه ذو المشعار.

وقيل: كان مجموع وفد همدان مائة وعشرين نفساً([27]).

وكان على وفد همدان مقطعات الحبرات، مكففة بالديباج، وفيهم حمزة بن مالك من ذي مشعار، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «نِعْمَ الحي همدان، ما أسرعها إلى النصر، وأصبرها على الجهد، ومنهم أبدال وأوتاد الإسلام»([28]).

فأسلموا، وكتب لهم النبي «صلى الله عليه وآله» كتاباً بمخلاف خارف، ويام، وشاكر، وأهل الهضب، وحقاف الرمل من همدان لمن أسلم منهم([29]).

وفي زاد المعاد: «قدم عليه وفد همدان منهم:مالك بن النمط، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك، وعمرو بن مالك،فلقوا رسول الله «صلى الله عليه وآله»عند منصرفه من تبوك،وعليهم مقطعات الحبرات، والعمائم العدنية، برحال الميس على الرواحل المهرية والأرحبية، ومالك بن النمط يرتجز:

همــدان خير سوقة وأقــيال             ليـس لها في العـالمين أمــثال

محلها الهضب ومنها الأبطال           لهــا أطـابـات بهـا وآكــال

وكان يرتجز بين يدي رسول الله «صلى الله عليه وآله» ويقول:

إلـيك جاوزن سواد الـريف               في هبوات الصيف والخريف

مخطـمات بحبـال الـلـيـف

وذكروا له كلاماً حسناً فصيحاً، سيأتي.

فكتب لهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» كتاباً أقطعهم فيه ما سألوه، وأمَّر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف. وكان لا يخرج لهم سرح إلا أغاروا عليه([30]).

ولكننا نشك في هذا الكلام الأخير، فإن همدان لا يمكن أن تقاتل ثقيفاً، ولا أن تُغير على سرحهم، فإن همدان باليمن، وثقيفاً بالطائف([31]).

ثم إن الصحيح هو: أن همدان قد أسلمت على يد علي «عليه السلام»، لا أنها وفدت وأسلمت، وقد تقدم الكلام في ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب.

وقال ابن إسحاق: «فقام مالك بن نمط بين يديه، فقال: يا رسول الله نصية من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواح، [متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام] وشاكر، أهل السود والقود، أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا الآلهات والأنصاب، عهدهم لا يُنقض [عن سنة ماحل، ولا سوداء عنقفير]، ما أقام لعلع، وما جرى اليعفور بصيلع».

فكتب لهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» كتاباً فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله «صلى الله عليه وآله» لمخلاف خارف، وأهل جناب الهضب، وحقاف الرمل، مع وافدها ذي المشعار، مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه أن لهم فراعها، ووهاطها، وعزازها ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، يأكلون ظلافها، ويرعون عفاءها، [لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب، والناب، والفصيل والفارض، والداجن، والكبش الحوري. وعليهم فيها الصالغ والقارح]. لكم بذلك عهد الله، وذمام رسوله، وشاهدكم المهاجرون والأنصار». فقال في ذلك مالك بن نمط:

ذكرت رسول الله في فحمة الدجى      ونـحـن بأعـلى رحـرحان وصلدد

وهـن بنا خوص طــلائح تغــتلي                بركــبانهـا في لاحــب  مـتـمــدد

على كــل فتلاء الذراعين جـسرة                تمــــر بــنا مـر الهـجـف  الخفيدد

حلفت برب الراقصات إلى  مـنى                صوادر بالركبان من هضب  قـردد

بأن رسول الله فـيـنــا مصــــدق                رسول أتى من عند ذي العرش مهتد

فـما حمـلـت من ناقـة فوق رحلها               أشـد عـلى أعــدائــه مـن محـمـد

وأعطى إذا ما طالب العـرف جاءه              وأمـضـى بـحـد المشـرفي المـهند([32])

ونقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات هي التالية:

توضيحات:

قد تضمن كتاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» مفردات تحتاج إلى إيضاح، وهي:

خارف: بطن من همدان، منهم الحارث الأعور.

شية ماحل: أي عن وشاية وسعاية واشٍ. وروي عن سنة ماحل. والسنة الطريقة أي طريقة ساع ونمام.

الهضب: جمع هضبة. وجناب الهضب اسم موضع.

حقاف الرمل: اسم موضع أيضاً. والحقاف: جمع حقف، وهو ما اعوَّج واستطال من الرمل.

المشعار: موضع أيضاً.

الفراع: ما علا من الأرض وارتفع.

الوهاط: المواضع المطمئنة.

الدفء: نتاج الإبل.

الصرام: النخل الذي يصرم ويقطع.

الثلب: ما هرم من ذكور الإبل، وتكسرت أسنانه.

الناب: الناقة الهرمة التي طال سنها.

الفصيل: ما انفصل من أمه من أولاد الإبل.

الفارض: المسن من الإبل ومن البقر.

الداجن: ما يعلف في المنزل.

الحوري: الذي في صوفه حمرة.

الصالغ: من البقر والغنم ما انتهى سنه بالسادسة.

القارح: من الخيل ما دخل في الخامسة أو السادسة.

أي أن الصدقة لا تعطى لا من الخيار، ولا من الرذال.

كتاب لهمدان:

ولما بلغ النبي «صلى الله عليه وآله» إسلام همدان كتب إليهم بما يلي:

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله إلى عمير ذي مران، ومن أسلم من همدان، سلم أنتم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو.

أما بعد ذلك، فإنه بلغني إسلامكم مرجعنا من أرض الروم، فأبشروا، فإن الله قد هداكم بهداه، وإنكم إذا شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، فإن لكم ذمة الله وذمة رسوله على دمائكم وأموالكم، وأرض البور التي أسلمتم عليها، سهلها وجبلها، وعيونها وفروعها غير مظلومين، ولا مضيق عليكم.

وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة تزكونها عن أموالكم لفقراء المسلمين، وإن مالك بن مرارة الرهاوي قد حفظ الغيب وبلغ الخبر، فآمركم به خيراً فإنه منظور إليه. وكتب علي بن أبي طالب»([33]).

ومران: مخلاف باليمن.

والبور: الأرض التي لم تزرع.

ورها: بطن من مذجح.

الثناء على همدان:

1 ـ قد تضمنت النصوص المتقدمة ثناء النبي «صلى الله عليه وآله» على قبيلة همدان. وإذا تأملنا في مضمون هذا الثناء، فسنجد أنه وصفها بأوصاف قد لا نجد لها مصداقاً في زمنه «صلى الله عليه وآله»، فإن هذه القبيلة إنما دخلت في الإسلام في وقت متأخر، ولا يختلف حالها عن حال سائر القبائل من ناحية الثقافة الدينية، والإلتزام بأحكام الشرع الحنيف. ولم يظهر لنا أنه كان في تلك القبيلة آنئذٍ من يمكن وصفه بأنه من الأبدال أو من الأوتاد..

ولو قبلنا وجود أشخاص من هذا القبيل، فإنهم لا يمكن وصفهم بأنهم أوتاد الإسلام.. فإن أحداً منهم لم يصل إلى مقام سلمان، وأبي ذر، وعمار، والمقداد. فإن صح إطلاق وصف أوتاد الإسلام على أحد، فإن هؤلاء الأربعة أولى من همدان وسواها بذلك.. فما معنى أن يترك «صلى الله عليه وآله» هؤلاء ليقرر أن أوتاد الإسلام من همدان؟!..

2 ـ أما الحديث عن أن أبدال الإسلام منهم، فهو الآخر لا يختلف عن سابقه، وتعارضه روايتهم: أن الأبدال بالشام، في حين أن قبيلة همدان يمانية..

يضاف إلى ذلك: أن أهل البيت «عليهم السلام» لم يذكروا لنا شيئاً عن هؤلاء الأبدال، بل انحصرت الرواية التي تذكرهم بغير أهل البيت «عليهم السلام» وشيعتهم. ولو وجدت رواية عنهم، فإنها تبقى على درجة من الشذوذ، بحيث يدور حولها أكثر من سؤال.

3 ـ وأما السرعة إلى النصر، والصبر على الجهد، فهي صفات قد تتحقق في المؤمن وفي غيره، ولكن اقتران ذلك بقوله: نعم الحي همدان، يفيد أنه «صلى الله عليه وآله» بصدد الثناء عليها، ولكنه ثناء يبقى غير حاسم، فإن الإتصاف ببعض الصفات قد يوجب مدحاً، مثل صفة السخاء والصدق في القول، ولكنه يبقى مدحاً على أمر دنيوي، لا يعطي منزلة في الدين ولا مقاماً عند الله، إلا إذا انطلق من الطاعة له تعالى، والتعبد والتقرب به إليه..


 

 


 

 

 

 

 

 

وفود مرّة:

وقالوا: قدم وفد بني مرّة على رسول الله «صلى الله عليه وآله» حين رجع من تبوك سنة تسع، وهم ثلاثة عشر رجلاً رأسهم الحارث بن عوف، فقالوا: يا رسول الله، إنّا قومك وعشيرتك، ونحن قوم من بني لؤي بن غالب..

فتبسم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ثم قال: «أين تركت أهلك»؟

قال: بسلاح وما والاها.

قال: «وكيف البلاد»؟

قال: والله، إنهم لمسنتون، فادعُ الله لنا.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «اللهم اسقنا الغيث».

فأقاموا أياماً ثم أرادوا الإنصراف إلى بلادهم، فجاؤوا رسول الله «صلى الله عليه وآله» مودعين له، وأمر بلالاً أن يجيزهم، فأجازهم بعشر أواق فضة، وفضّل الحارث بن عوف فأعطاه اثنتي عشرة أوقية، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد أمطرت. فسألوا: متى مطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا فيه رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وقدم عليه وهو يتجهز لحجة الوداع قادم منهم، فقال: يا رسول الله، رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مصبوبة مطراً في ذلك اليوم الذي دعوت لنا فيه، ثم قلدتنا أقلاد الزرع في كل خمس عشرة [ليلة] مطرة جوداً، ولقد رأيت الإبل تأكل وهي بروك، وإن غنمنا ما توارى من أبياتنا، فترجع فتقيل في أهلنا.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «الحمد لله الذي هو صنع ذلك»([34]).

وفي نص آخر: أن الحارث بن عوف أتى النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: ابعث معي من يدعو إلى دينك وأنا له جار.

فبعث معه رجلاً أنصارياً، مادَّاً به عشيرة الحرث، فقتلوه، فقال حسان:

يـا حـار من يغـدر بـذمـة جـاره          مـنـكـم فـإن محـمـداً لا يـغـــدر

وأمـانـة المــريّ حــين لـقـيـتها                 كسـر الـزجـاجة صدعها لا  يجبر

إن تغدروا فالغدر من عاداتكـم          والـلـؤم يـنبت في أصول السخبر

فاعتذر، وودى الأنصاري، وقال: يا محمد، إني عائذ بك من لسان حسان، لو أن هذا مزج بماء البحر لمزجه([35]).

ونقول:

تحدثنا في مواضع عديدة من مناقشاتنا لما يذكرونه عن سائر الوفود عن عدد من النقاط التي وردت في النص الآنف الذكر، وذلك مثل:

1 ـ إنهم حاولوا التقرب من رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالنسب، وأنهم قومه وعشيرته، وأنهم من بني لؤى بن غالب..

ويلاحظ: هنا أيضاً أنه «صلى الله عليه وآله» لم يجبهم بشيء، بل اكتفى بالتبسم..

2 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» سألهم عن حال بلادهم، من حيث الجدب والخصب، ولم يسألهم ولم يحدثهم عن شيء آخر قد يكون له علاقة بالقربى النسبية..

3 ـ إنهم بعد أن أخبروه بالجدب في بلادهم طلبوا منه أن يدعو لهم، مؤكدين بذلك نظرتهم إلى الأنبياء، وتوقعاتهم منهم..

4 ـ إن المعجزة قد تحققت، حيث سقاهم الله الغيث في نفس الساعة التي دعا لهم فيها، وقد أدركوا هم أنفسهم ذلك..

ونضيف إلى النقاط المتقدمة ما يلي:

الكرامة صنع إلهي:

إنه «صلى الله عليه وآله» لم ينسب نزول الغيث، وحصول الخصب إلى نفسه، بل قال: «الحمد لله، الذي هو صنع ذلك»، فالحمد ثناء على الله لأجل فعل اختاره سبحانه وتعالى، ليكون بمثابة استجابة لدعائه.. ثم أكد على نفس هذا المعنى وبطريقة تفيد التخصيص والحصر به تعالى، حيث قال: «هو» صنع ذلك. ولم يقل: «الذي» صنع ذلك.. وذلك لكي لا يدخل في وهم أحد من قاصري النظر أي وهم يؤثر على سلامة اعتقاده، وذهابه بهذا الأمر إلى أكثر مما يجوز فيه..

قتل الدعاة إلى الله:

ولا شك في أن قتل بني مرة لذلك الأنصاري كان في غاية القبح، ومن موجبات أعظم الخزي، فإنهم لم يقتلوا ذلك الرجل لذنب جناه، ولا لدفع ضرر يأتي من ناحيته، حتى ولو بمستوى أن يأكل من طعامهم، ولا طمعاً في ماله، أو بغير ذلك مما يرتبط به.. كما أنهم لم يقتلوه لمجرد التلهي بسفك دمه..

بل قتلوه لأنه يريد أن يعلمهم لكي يخرجهم من الظلمات إلى النور، وينيلهم السعادة في الدنيا، والفوز بجنات الله في الآخرة. ولأنه يحمل إليهم رسالة الله، ويرشدهم إلى الحق والخير، ويدعوهم إلى الهدى.. فكان جزاؤه منهم أقبح وأخزى مما جوزي به سنمار..

وقد أدرك الحارث بن عوف هذه الحقيقة، وأن شعر حسان بن ثابت من شأنه أن يفضح بني مرة في العرب، ويكون له عليهم أوخم العواقب، لا سيما وأن فعلتهم هذه قد جاءت في وقت انتصار الإسلام وانتشاره، وقوته، وظهور بخوع العرب له، والتزامهم به، وهم يرون ثمرات إسلامهم أمناً ورفعة شأن، وصلاح أمور، ونشوء حضارة، وتخلصاً من كثير من المشاكل..

وإذا أصبحت فعلتهم هذه على ألسنة الشعراء، فتلك هي المصيبة العظمى، والداء الذي لا دواء له، ولذلك طلب الحارث من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يكف عنه لسان حسان، فأجابه إلى ما طلب، رحمة ورأفة، وحسن تقدير، وصحة تدبير..

وفود فزارة:

روى ابن سعد، والبيهقي عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي قال: لما رجع رسول الله «صلى الله عليه وآله» من تبوك، وكانت سنة تسع، قدم عليه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلاً، فيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس بن حصن، وهو أصغرهم ـ وهم مسنتون ـ على ركاب عجاف، فجاؤوا مقرين بالإسلام. فنزلوا دار رملة بنت الحدث. وسألهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن بلادهم.

فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربك يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «سبحان الله، ويلك، هذا أنا أشفع إلى ربي عز وجل، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه؟

لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد»([36]).

وقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «إن الله عز وجل ليضحك من شففكم، وأزلكم، وقرب غياثكم».

فقال الأعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربنا عز وجل؟

فقال: «نعم».

فقال الأعرابي: لن نعدمك من رب يضحك خيراً([37]).

فضحك رسول الله «صلى الله عليه وآله» من قوله، وصعد المنبر، فتكلم بكلمات، وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الإستسقاء. فرفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه.

وكان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، طبقاً واسعاً،، عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضار، اللهم اسقنا رحمة ولا تسقنا عذاباً، ولا هدماً، ولا غرقاً، ولا محقاً، اللهم اسقنا الغيث، وانصرنا على الأعداء».

فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، فقال: يا رسول الله، التمر في المربد.

وفي لفظ: المرابد.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «اللهم اسقنا».

فعاد أبو لبابة لقوله، وعاد رسول الله «صلى الله عليه وآله» لدعائه.

فعاد أبو لبابة أيضاً، فقال: التمر في المربد يا رسول الله.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «اللهم اسقنا، حتى يقوم أبو لبابة عرياناً يسد ثعلب مربده بإزاره»([38]).

قالوا: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت.

قال: فلا والله، ما رأينا الشمس سبتاً.

وقام أبو لبابة عرياناً يسد ثعلب مربده بإزاره، لئلا يخرج التمر منه.

فجاء ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل.

فصعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» المنبر فدعا، ورفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، فانجابت السحابة عن المدينة انجياب الثوب»([39]).

ونقول:

إن هذا النص قد تضمن أموراً أشرنا إليها في العديد من الموارد ومع ذلك نشير إلى ما يلي:

ويضحك ربنا:

قد ذكرت الرواية المتقدمة: أن الله تبارك وتعالى يضحك، وقد تعجب الأعرابي من ذلك، حيث وجد فيه ما يصادم فطرته ويناقض حكم عقله..

وقد تحدثنا حين ذكر وفود أبي رزين عن هذا الموضوع، وبيّنا: أنه من دسائس أهل الكتاب القائلين بالتجسيم الإلهي، وكانوا مهتمين بإشاعة عقائدهم بين المسلمين، وكان كثير من المسلمين مبهورين بهم، آخذين عنهم، وقد تكلم عن هذا الموضوع أيضاً الشيخ محمود أبي ريَّا في كتابه: «أضواء على السنة المحمدية». وكتاب «شيخ المضيرة (أبو هريرة)». فلابأس بمراجعة ما قال.

سؤال النبي عن حال بلاد فزارة:

وقد لاحظنا هنا أيضاً: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد سأل وفد فزارة عن حال بلادهم، فأخبروه بمعاناتهم، وطلبوا منه أن يدعو لهم الله ليغيثهم، ويشفع لهم عند ربهم.

فدعا «صلى الله عليه وآله»، فنزل الغيث، حتى شكوا ذلك إليه، فقال «صلى الله عليه وآله»: «اللهم حوالينا ولا علينا الخ..» فانجابت السحابة عن المدينة انجياب الثوب..

ولسنا بحاجة إلى إعادة ما قلناه: من أن ذلك يدل على: أنه «صلى الله عليه وآله» كان يريد أن يعرفهم معنى النبوة، ويفهمهم أنه معني بقضاياهم، فهو ليس مجرد رسول يبلغهم ما جاء به، وينتهي الأمر عند هذا الحد..

كما أن ذلك الوفد قد عبر عن إيمانه بأن الأنبياء يشفعون عند الله.. وطلبوا منه «صلى الله عليه وآله» أن يطلب من ربه أن يتولى حل مشكلاتهم..

فاستجاب «صلى الله عليه وآله» لمطلبهم.

أين نزل المطر؟!:

لقد صرحت الرواية: بأن سحابة قد جاءت من جهة سلع، مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت. مما يعني: أن المطر قد نزل في المدينة، مع أن المحتاجين إلى المطر هم بنو فزارة، وإنما يسكنون بين خيبر وفدك، ومنطقة جنفا هي أحد مياههم هناك([40]).

ليشفع ربك إليك:

ذكرت الرواية المتقدمة: أنهم قالوا لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: «واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربنا إليك».

فاستنكر «صلى الله عليه وآله» قولهم هذا، قائلاً: «فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد..».

ونقول:

إننا لا نرتاب في: أن هذا النص مكذوب على لسان رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لأن قولهم هذا ليس فيه أي اشكال. إذا كانوا يرون: أنهم قد أذنبوا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» بتكذيبهم إياه، وممالأتهم عدوه عليه، فشعروا أنهم بحاجة إلى من يشفع لهم عنده. وهذا نظير من يقسم على غيره بالله أو برسول الله، لكي يعفو عن إساءته أو ليقضي حاجته.. أو يجعل الله شافعاً له عنده، ووسيلة إليه من أجل ذلك..

ويكفي أن يكون هذا المعنى من محتملات كلامهم هذا، فما معنى أن يواجههم النبي «صلى الله عليه وآله» بالملامة والتقريع بهذه الصورة؟!

ألا يدل ذلك على: أن نسبة هذا الأمر له «صلى الله عليه وآله» غير صحيحة؟!

إعتراض أبي لبابة على الله ورسوله:

ويواجهنا في النص المتقدم: إصرار أبي لبابة على الإعتراض ثلاث مرات على رسول الله «صلى الله عليه وآله».. وهذا ما لا يمكن قبوله من صحابي مؤمنٍ بنبوة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وبعصمته، وحكمته، وبأنه: {مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى}([41]).

فما معنى: أن يراجِعَ رسول الله «صلى الله عليه وآله» عدة مرات، ولماذا لا يرضى بما يرضاه الله ورسوله؟!

عري أبي لبابة:

ثم ما معنى قول الرواية: فقال «صلى الله عليه وآله»: «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عرياناً، يسد ثعلب مربده». فكان كما قال.. حيث قام عرياناً يسد ثعلب مربده بإزاره؟! إذ متى تعرّى أبو لبابة.. حتى اضطر إلى القيام عرياناً؟! فإن الوقت كان قصيراً جداً..

فإن السحاب قد لبّى الطلب، وبدأ هطول الأمطار مباشرة.. إلا إن كان أبو لبابة قد حضر بين ذلك الجمع، وهو عريان!!

وألم يسمع أبو لبابة كلام النبي «صلى الله عليه وآله» وحديثه عن عريه؟! فلماذا لم يحتط لنفسه، ويبقى لابساً ثيابه؟!

إلا أن يكون غير مؤمن بأن الله سوف يستجيب دعاء نبيه الكريم «صلى الله عليه وآله».

ولو أنه لم يكن مصدقاً بذلك، فلماذا اعترض على النبي «صلى الله عليه وآله» ثلاث مرات؟!

اللهم حوالينا.. لا علينا:

وحول دعاء النبي «صلى الله عليه وآله» بقوله: «اللهم حوالينا، ولا علينا. اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر»، فانجابت السحابة الخ.. نقول:

إن ذلك يشير إلى: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يمارس التصرف في أمور ترتبط بالظواهر الكونية العامة، فيطلب الناس منه المطر، فيلبي طلبهم، ويأتيهم به، ثم يطلبون منه الصحو في مكان، وحصرالمطر في غيره، فيلبي طلبهم أيضاً..

ولم يقل لمن كانوا يطلبون منه هذه التصرفات: إن هذا ليس من صلاحياتي، بل أنا مجرد رسول، ومعلم للشريعة، ومربٍّ، وسياسي، ومصلح اجتماعي، وقاضي، وقائد جيوش، أو نحو ذلك..

كما أن الناس كانوا على اختلاف أذواقهم، ومشاربهم، وثقافاتهم، ومواضع سكناهم، وطبقاتهم الإجتماعية، يرون: أن هذا الذي يطلبونه منه «صلى الله عليه وآله» هو من حقهم, وأن المفروض بالنبي «صلى الله عليه وآله» أن يلبي طلبهم..

كان لا يرفع يديه في الدعاء:

زعم النص المتقدم: أنه «صلى الله عليه وآله» كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الإستسقاء. ومثله في الصحيحين من حديث أنس([42]).

ولكن ذلك غير دقيق، فقد قال الزرقاني: إن العسقلاني قال: هو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع (أي برفع اليدين) في غير الإستسقاء.

وفي سبل السلام: أن المراد به المبالغة في الرفع وأنه لم يقع إلا في الإستسقاء([43]).

وقد تقدم: أنها كثيرة، وأفردها البخاري بترجمته في كتاب الدعوات، وساق فيه عدة أحاديث..

فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى. وحمل حديث أنس على نفي رؤيته. وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره..

وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس لأجل الجمع، بحمله على نفي الرفع البالغ إلا في الإستسقاء، ويدل عليه قوله: حتى رؤي الخ..

ويؤيده: أن غالب الأحاديث الواردة في رفع اليدين في الدعاء: المراد به مدّ اليدين وبسطها عند الدعاء. وكأنه عند الإستسقاء زاد، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذٍ يرى بياض أبطيه.

أو على صفة اليدين في ذلك، لما في مسلم عن أنس: أنه «صلى الله عليه وآله» استسقى، فأشار بظهر كفه إلى السماء..

ولأبي داود عن أنس: كان يستسقي هكذا، ومد يديه، وجعل بطونها مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه..

قال النووي: قال العلماء: السُّنَّة في كل دعاء لرفع بلاء: أن يرفع يديه جاعلاً ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء الخ..

وتعقب الحمل الثاني: بأنه يقتضي أنه يفعل ذلك، وإن كان استسقاؤه للطلب كما هنا، مع أنه نفسه ذكر: أن ما كان لطلب شيء كان ببطون الكفين إلى السماء..

والظاهر: أن مستند هذا استقراء حاله «صلى الله عليه وآله» في دعاء الإستسقاء وغيره([44])..

ونقول:

إن خير كلمة نقولها هي:

إننا لم نزل نسمع: أن الفاخوري يضع أذن الجرَّة في المكان وبالكيفية التي تروق له.. ولكن الفاخوري ـ وهو الزرقاني هنا ـ قد عجز عن الإمساك بالجرَّة وبأذنها، لأن مرض الرعاش قد أسقطهما من يده فتحطمتا بمجرد محاولته الإمساك بهما، فلم يعد هناك من جرَّة تحتاج إلى أذن.. ولا تجد بعد أذناً لتبحث لها عن جرَّة..

وخلاصة القول: إن ما ذكره الزرقاني من وجوه جمع وتأويلات وافتراضات لا يسمن ولا يغني من جوع.. بل هو مضر جداً، لأنه يفسح المجال أمام أهل الأهواء ليتلاعبوا بالنصوص، من دون أي وازع أو رادع، لأن هذه التأويلات والوجوه التي ذكرها، ما هي إلا افتراضات واحتمالات لا شاهد لها، ولا تستطيع ألفاظ الحديث أن تدل أو أن تشير إلى شيء منها..

فإذا جاز التعلق بمثل هذه الإفتراضات والتأويلات، فسيكون بالإمكان تحريم الحلال وتحليل الحرام، وقلب الأمور رأساً على عقب في مختلف المواضع، إذ لا يعقل أن تكون باء هؤلاء تجرّ، وباء غيرهم لا تجرّ، فإن الباء باء أينما كانت، وحيثما وجدت.

فإذا قيل: كان «صلى الله عليه وآله» لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الإستسقاء.. فلا يمكن تفسير هذا بأنه كان لا يرفع يديه رفعاً بالغاً.

كما لا يصح القول: بأن المراد أن المتكلم لم يره يفعل ذلك..

كما أنه لا يدل على ذلك كون المراد برفع اليدين مدهما وبسطهما في غالب أحاديث رفع اليدين.. إذ من الذي قال: إن المراد بالرفع في تلك الأحاديث هو: المد والبسط، فإن الرفع يصدق على هذا المستوى من الرفع، وعلى غيره، فما الذي أوجب تعيُّن هذه المرتبة من الرفع دون سواها..

وأما حمل رفع اليدين في الإستسقاء على إرادة الإشارة بظهر كفية إلى السماء، وجعل بطونهما إلى الأرض فهو لا يحل المشكلة، فإن رفع اليدين الذي أثبته أو نفاه يصدق على كل رفع لهما سواء أكانت بطون الكفين حال الرفع إلى جهة السماء، أو إلى جهة الأرض، فالرفع منفي في هذه الرواية بجميع أشكاله ومثبت في غيرها.. وليس في المنفي والمثبت إشارة إلى خصوصية في هذا أو في ذاك..

وفود بني كلاب:

عن خارجة بن عبد الله بن كعب قال: قدم وفد بني كلاب في سنة تسع على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهم ثلاثة عشر رجلاً فيهم لبيد بن ربيعة، وجبّار بن سلمى، فأنزلهم دار رملة بنت الحدث، وكان بين جبار وكعب بن مالك خُلة، فبلغ كعباً قدومهم فرحب بهم، وأهدى لجبار وأكرمه، وخرجوا مع كعب، فدخلوا على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فسلموا عليه بسلام الإسلام، وقالوا: إن الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله وبسنتك التي أمرت بها، وإنه دعانا إلى الله، فاستجبنا لله ولرسوله، وإنه أخذ الصدقة من أغنيائنا، فردها على فقرائنا([45]).

ونقول:

1 ـ إن هذا الوفد قد أخبر النبي «صلى الله عليه وآله» بسيرة الضحاك في بني كلاب، إذ إن النبي «صلى الله عليه وآله» لما رجع من الجعرانة بعثه على بني كلاب يجمع صدقاتهم([46]).

وروي: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كتب إليه أن ورِّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها([47]).

وقال ابن سعد: كان ينزل نجداً في موالي ضرية، وكان والياً على من أسلم هناك من قومه([48]).

وبعثه «صلى الله عليه وآله» أيضاً عيناً إلى قومه يتجسس أخبارهم([49]).

ولعله ولاه على من أسلم، وجعله عيناً على من لم يسلم، ليخبره بكل تحركاتهم التي تعني المسلمين بنحو أو بآخر.

2 ـ إن ما قاله الوفد لرسول الله «صلى الله عليه وآله» يؤيد أن الضحاك لم يكن مجرد جامع للصدقات بل هو كان يتولى أمورهم، ويسير فيهم بكتاب الله، وسنة نبيه، وكان يدعو الناس إلى الإسلام، وقد استجاب له فريق من قومه، ومنهم الوفد الذي نتحدث عنه.

3 ـ إن مبادرة الوفد لإعلام النبي «صلى الله عليه وآله» بهذا الأمر يشير إلى رضاهم وسعادتهم به، وأنهم يشعرون بقيمة الإلتزام بأحكام الكتاب، وسنة الرسول «صلى الله عليه وآله» وما إلى ذلك لأنهم عاينوا عن قرب الفرق الشاسع بين ما كانوا عليه وما صاروا إليه.. فهم يتحسسون لذة هذا الواقع الجديد، وهم مشدودون إليه بكل وجودهم..

وفود الداريين:

قالوا: قدم وفد الداريين على رسول الله «صلى الله عليه وآله» منصرفه من تبوك، وهم عشرة نفر، منهم: تميم، ونُعيم ابنا أوس، ويزيد بن قيس بن خارجة، والفاكه بن النعمان بن جَبَلَة، وأبو هند، والطيب ابنا ذر، وهو عبد الله بن رزين، وهانئ بن حبيب، وعزيز ومرة ابنا مالك بن سواد بن جَذِيْمَة. فأسلموا، وسمى رسول الله «صلى الله عليه وآله» الطيب: عبد الله، وسمى عزيزاً: عبد الرحمن.

وأهدى هانئ بن حبيب لرسول الله «صلى الله عليه وآله» أفراساً وقباء مخوصاً بالذهب، فقبل الأفراس والقباء، [وأعطاه العباس بن عبد المطلب]، فقال: «ما أصنع به»؟

قال: انتزع الذهب، فتحلّيه نساءك، أو تستنفقه، ثم تبيع الديباج فتأخذ ثمنه.

فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف درهم.

وقال تميم: لنا جيرة من الروم، لهم قريتان يقال لإحداهما: حِبْرَى، والأخرى: بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي.

قال: «فهما لك». فلما قام أبو بكر أعطاه ذلك، وكتب له به كتاباً([50]).

وأقام وفد الداريين حتى توفي رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأوصى لهم بجادّ (وهو النخل الذي يجد. أي تقطع ثمرته) مائة وسق أي من خيبر([51]).

ونقول:

لماذا تغيير الأسماء؟!:

ذكرت الرواية المتقدمة: أنه «صلى الله عليه وآله» قد غير اسم الطيب إلى عبد الله، وسمى عزيزاً عبد الرحمن، ونحن نشك في ذلك، إذ:

1 ـ لماذا لم يغير اسم مرة أيضاً، مع أن المروي عنه «صلى الله عليه وآله» أن أقبح الأسماء حرب ومرة، وفي نص آخر: شر الأسماء: ضرار، ومرة، وحرب، وظالم([52]).

وروي: أن أبا مرة هي كنية إبليس([53]).

2 ـ إننا نلاحظ: أن أكثر الموارد التي زعموا أنه «صلى الله عليه وآله» قد غيّر فيها الأسماء، كان الاسم الذي اختاره فيها هو «عبد الرحمن»، ولا ندري سر التركيز على هذا الاسم دون سواه، فهل هذا من التسويق السياسي لاسم بعينه أحبه الرواة، لأجل قيامه بعمل كبير أثلج صدورهم؟!

ككونه قتل غدراً إماماً يعتبرونه عدواً لهم كان يصلي في مسجد الكوفة، ولم يكونوا قادرين على الجهر بحب هذا القاتل إلا بهذه الطريقة؟!

3 ـ لماذا غيّر «صلى الله عليه وآله» اسم الطيب؟ هل كان هذا من الاسماء القبيحة التي كان يغيرها؟([54]). أليس هذا من الأسماء الحسنة التي ورد الحث على التسمية بها؟!([55]). وألم يكن للنبي «صلى الله عليه وآله» ولد اسمه الطيب؟!([56]). وقد ولد له «صلى الله عليه وآله» بعد البعثة.

تاريخ وفادة الداريين:

زعموا: أن الداريين وفدوا على النبي «صلى الله عليه وآله» قبل الهجرة، فقد ذكروا: أن تميم الداري وأخاه نُعيم الداري وأربعة آخرين وفدوا على رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبل الهجرة، وطلبوا منه «صلى الله عليه وآله» أن يعطيهم أرضاً من أرض الشام، فتشاوروا فيما بينهم فسألوه بيت جيرون وكورتها، فكتب لهم بها.

ثم قال: انصرفوا حتى تسمعوا أني هاجرت([57]).

ونقول:

إن هذه الرواية تتناقض مع ما قدمناه، لأن هذه الرواية تقتضي أن الداريين أسلموا قبل الهجرة، مع أن ما قدمناه يتضمن التصريح بأنهم قد أسلموا سنة تسع.

ولو قبلنا أن الداريين قد وفدوا إليه «صلى الله عليه وآله» مرتين، فالسؤال هنا هو: لماذا تأخرت وفادتهم الثانية إلى سنة تسع بعد الهجرة، مع أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال لهم: «انصرفوا حتى تسمعوا أني هاجرت».

فهل هم لم يسمعوا بهجرته طيلة هذه السنين؟! أو أنهم سمعوا بها وتهاملوا في تنفيذ أمر النبي «صلى الله عليه وآله»؟! أو أنهم نسوا هذا الأمر، ثم تذكروه بعد كل هذه السنين، وما هو الشاهد على أي من هذه الإحتمالات أو غيرها؟! نقول هذا، لأننا نستبعد أن يفدوا إليه «صلى الله عليه وآله» وهو في مكة. ولو أنهم فعلوا ذلك لوجدت المشركين يتحلقون حولهم، ويضايقونهم ويؤذونهم، ولكان ذلك قد تناقلته الرواة على نطاق واسع.

إقطاع قريتين لتميم:

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن إقطاع قريتين معمورتين، ولهما أهل لتميم ولمن معه ليس بالأمر الذي يمكن قبوله بعفوية وسذاجة، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: لأن الإقطاع إنما كان للأرض الموات ونحوها مما هجره أهله، إذ لا معنى لإعطاء قريتين لهما غلة حاضرة، ونفع ظاهر لرجل واحد، وحرمان سائر المسلمين منهما، فكيف إذا كان ذلك قبل أن تفتح تلك البلاد، وقبل أن يأخذها المسلمون.

ثانياً: من الذي يضمن أن تصبح هاتان القريتان في قبضة المسلمين بحيث يصح منحهما لهذا أو ذاك، إذ لعل أهلها يسلمون عليها، وتبقى لهم وفي يدهم.

ثالثاً: إن النص المتقدم يقول: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أعطى بيت عينون، وحبرى أو جيرون لتميم الداري([58]). ونص الكتاب في بعض صيغة يقتصر على ذكر تميم أيضاً([59]).

مع أن ثمة نصوصاً لكتاب النبي «صلى الله عليه وآله» بإعطائهم تقول: إنه «صلى الله عليه وآله» قد أعطى القريتين للداريين([60]).

رابعاً: لعل البلد يفتح عنوة وبسيوف المسلمين، فلا يكون حكمه حكم ما أفاء الله على رسوله «صلى الله عليه وآله» من دون أن يوجف عليه بخيل ولا ركاب، بل لا بد من أن يستفيد منه المسلمون الفاتحون أيضاً..

خامساً: قد لاحظنا: أن بعض نصوص الكتاب الذي زعموا أنه «صلى الله عليه وآله» كتبه للداريين يتضمن أخطاءً في النحو، لا يمكن أن تصدر عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كقوله: إني أنطيكم بيت عينون، وجيرون، والمرطوم، وبيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام برمتهم، وجميع ما فيهم.. مع أن الصحيح هو أن يقول: «برمتها وجميع ما فيها»([61]).

سادساً: هناك اختلافات كبيرة بين نصوص الكتاب، فمثلاً تارة يقول: إنه لتميم، وأخرى: أنه له ولذريته، وثالثة يقول: هو لتميم وإخوته، ورابعة: للدارين الخ..

وتارة يقول: إن الكاتب هو شرحبيل بن حسنة.

وأخرى يقول: هو معاوية.

وثالثة يقول: هو علي «عليه السلام»..

وتارة يقول: إنه كتب الكتاب لتميم.

وأخرى: إنه كتبه لنعيم بن أوس الداري([62]).

وسائر الإختلافات بين نصوص الكتاب تعرف بالمراجعة والمقارنة..

سابعاً: قد ذكر في الشهود اسم عتيق بن أبي قحافة.

فإن كان هذا إشارة إلى ما زعموه من أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد لقبه بذلك لكونه عتيقاً من النار، فنقول فيه:

لو سلمنا بأن إثبات هذه الفضيلة ممكن، فإنه لا يستحسن من الإنسان أن يوقع على الوثائق بما فيه مدح وثناء على نفسه.

وإن كان قد أطلق عليه لعتاقة وجه أبي بكر وجماله، فقد قدمنا في هذا الكتاب: أن أبا بكر لم يكن له حظ من شيء من الجمال، مهما كان ضئيلاً، بل كان على عكس ذلك تماماً..

ثامناً: هذا كله عدا عن أن في جملة الشهود المذكورين الخلفاء الأربعة، وقد وردت أسماؤهم مرتبة حسب توليهم للخلافة، وهو أمر يوجب الريب بلا شك.

تاسعاً: إن بعض نصوص الكتاب قد صرحت: بأن من آذى الداريين فقد آذى الله، وهذا معناه: أنهم قد بلغوا درجة العصمة. لأن غير المعصوم قد يؤذي، لأجل منعه من ارتكاب المعاصي، أو لأجل أخذ الحق منه..

فإن كان يحرم إيذاؤه مطلقاً، فإما أن يكون الحق أصبح باطلاً، والطاعة معصية، أو أن الله تعالى يرضى بالباطل وبالمعصية ويحبهما والعياذ بالله.

عاشراً: قد ذكرت بعض نصوص الكتاب: قوله ونفذت وسلمت ذلك لهم، ولأعقابهم، فكيف نفذ ذلك وسلمها للداريين، والحال أن تلك القرى كانت لا تزال بيد أهلها.

وفود طيء مع زيد الخيل:

وفي سنة تسع جاء وفد طيء([63]).

وكانوا: خمسة عشر رجلاً، رأسهم وسيدهم زيد الخيل بن مهلهل من بني نبهان، وفيهم وزر بن جابر بن سدوس، وقبيصة بن الأسود بن عامر من جرم طيء، ومالك بن عبد الله بن خيبري من بني معن، وقعين بن خليف من جديلة، ورجل من بني بولان.

فدخلوا المدينة، ورسول الله «صلى الله عليه وآله» في المسجد، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ثم دخلوا، فدنوا من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فعرض عليهم الإسلام، فأسلموا وحسن إسلامهم، وأجازهم بخمس أواق فضة كل رجل منهم، وأعطى زيد الخيل اثنتي عشرة أوقية ونشاً.

زاد في الروض الأنف قوله: وكتب لكل واحد منهم على قومه إلا وزر بن سدوس، فقال: إني أرى رجلاً تملّك رقاب العرب. والله لا يملك رقبتي عربي أبداً، ثم لحق بالشام وتنصر، وحلق رأسه([64]).

وقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «ما ذكر رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي إلا ما كان من زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه»([65]).

وسماه رسول الله «صلى الله عليه وآله» زيد الخير، وقطع له فيد وأرضين، وكتب له بذلك كتاباً، ورجع مع قومه. وفي لفظ: فخرج به من عند رسول الله «صلى الله عليه وآله» راجعاً إلى قومه، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «إن ينجُ زيد من حمى المدينة فإنه»، أي فإنه قد نال مراده أو نحو ذلك.

فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له: فردة ـ وفي لفظ فرد ـ أصابته الحمى بها فمات هناك، وعمدت امرأته بجهلها وقلة عقلها إلى ما كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» كتب له به فحرقته بالنار([66]).

قال في زاد المعاد، وفي العيون: لما أحس بالموت أنشد يقول:

أمرتحـل قـومـي المشـارق غدوة               وأتـرك في بـيـت بـفـردة مـنـجـد

ألا رب يوم لو مرضـت لعـادني         عـوائـد مـن لم يـبر مـنـهـن يجـهد

وذكر ابن دريد عن أبي محسن أن زيداً أقام بفردة ثلاثة أيام ومات، فأقام عليه قبيصة بن الأسود المناحة سنة، ثم وجه براحلته ورحله وفيها كتاب النبي «صلى الله عليه وآله»، فلما رأت امرأته الراحلة ليس عليها زيد ضرمتها بالنار، فاحترقت واحترق الكتاب([67]).

وعن أبي سعيد الخدري: أن علياً كرم الله وجهه «بعث إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، فقسمها رسول الله «صلى الله عليه وآله» بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، وعلقمة بن غيلان»([68]).

وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا عند رسول الله «صلى الله عليه وآله» فأقبل راكب، فأناخ، فقال: يا رسول الله، إني أتيتك من مسيرة تسع، أنضيت راحلتي، وأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري لأسألك عن خصلتين أسهرتاني.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «ما اسمك»؟

فقال: أنا زيد الخيل.

قال: «بل أنت زيد الخير، فسل، فرب معضلة قد سئل عنها».

فقال: أسألك عن علامة الله فيمن يريد، وعن علامته فيمن لا يريد.

فقال له النبي «صلى الله عليه وآله»: «كيف أصبحت»؟

فقال: أصبحت أحب الخير وأهله، ومن يعمل به، وإن عملت به أيقنت بثوابه، وإن فاتني منه شيء حننت إليه.

فقال له النبي «صلى الله عليه وآله»: «هذه علامة الله فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد، ولو أرادك بالأهدى هيأ لك لها ثم لا تبالي من (في) أي واد هلكت». وفي لفظ «سلكت»([69]).

ونقول:

إن لنا مع ما تقدم الوقفات التالية:

متى غير اسم زيد الخيل؟!:

إن الرواية ذكرت أن زيد الخيل جاء يسأل النبي «صلى الله عليه وآله» عن خصلتين فسأله «صلى الله عليه وآله» عن اسمه أيضاً، فأخبره به فغيَّره إلى زيد الخير.

وظاهر هذه الرواية: أنه قد جاء إليه وحده ولم يكن معه وفد، وأن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن قد رآه، لأنه سأله عن اسمه، ولازم ذلك أن يكون معروفاً لدى النبي «صلى الله عليه وآله» حين جاء في وفد طيء، وأن يكون اسمه قد غيِّر قبل مجيئه مع وفد طيء..

فما معنى قولهم: إنه قد غيَّر اسمه حين جاء إلى النبي «صلى الله عليه وآله» مع الوفد المذكور؟!

عظمة زيد عند رسول الله :

ثم إننا لا ندري ما الذي لفت نظر النبي «صلى الله عليه وآله» في شخصية زيد، حتى قال: ما ذكر رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي، إلا ما كان من زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه.

هل رآه متميزاً بعلمه، أم بأخلاقه أم بشجاعته، أم بعقله، أم بضخامة جثته.

إننا لم نجد في التاريخ ما يشير إلى امتيازه في شيء في ذلك، فكيف إذا رأيناه لا يرضى بالإسلام ديناً حتى اعتبره «صلى الله عليه وآله» في المؤلفة قلوبهم.

ثناء النبي على زيد الخيل:

قرأنا فيما تقدم ثناء نبوياً عاطراً على زيد الخيل، مع العلم بأن الحديث المتقدم عن ابي سعيد الخدري قد صرح بأن زيد الخيل كان من المؤلفة قلوبهم، وذلك مروي في صحاح أهل السنة.. مما يعني: أن هذا الثناء مكذوب على رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

وقد حاول الزرقاني أن يرد على ذلك: بأن قدوم زيد الخيل في وفد طيء كان سنة تسع.

فقد قال: «هذا يرد على ما في النور: أن زيداً كان من المؤلفة، لأن المؤلفة من أعطي من غنائم حنين. وكان ذلك سنة ثمان. وقد تقدم: أن الحافظ نقله في سردهم عن التلقيح لابن الجوزي، وأن الشامي توقف فيه بأنه لم يره في نسختين من التلقيح.

ويقوي ذلك ما في الروض، من رواية أبي علي البغدادي: قدم وفد طيء، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ودخلوا، وجلسوا قريباً من النبي «صلى الله عليه وآله»، حيث يسمعون صوته..

فلما نظر «عليه السلام» إليهم، قال: إني خير لكم من العزى، ومن الجمل الأسود الذي تعبدون من دون الله، ومما حازت مناع، من كل ضار غير نفاع.

فقام زيد زيد الخيل، وكان من أعظمهم خلقاً، وأحسنهم وجهاً وشعراً، وكان يركب الفرس العظيم الطويل فتخط رجلاه في الأرض كأنه حمار.

فقال له النبي «صلى الله عليه وآله» ولا يعرفه: الحمد لله الذي أتى بك من حزنك وسهلك، وسهّل قلبك للإيمان. ثم قبض على يده فقال: من أنت؟!

فقال: أنا زيد الخيل بن مهلهل، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله.

فقال له: بل أنت زيد الخير. ما خبرت عن رجل قط شيئاً إلا رأيته دون ما خبرت عنه غيرك([70]).

ونقول:

أولاً: إن حديث كونه من المؤلفة قلوبهم أصح عندهم من غيره، فلماذا عدل عنه الزرقاني إلى الأخذ بالحديث الضعيف؟!..

ثانياً: إن من الواضح: أن ما زعمه الزرقاني من أن اسم المؤلفة قلوبهم لا يطلق إلا على الذين أعطاهم النبي «صلى الله عليه وآله» من غنائم حنين ليس له ما يثبته، بل هم كل من كان يعطيهم النبي «صلى الله عليه وآله» ليتألفهم على الإسلام قبل حنين وبعدها، وسهم المؤلفة قلوبهم ثابت في الإسلام والقرآن وإلى يوم القيامة، وإنما ألغاه أبو بكر.

قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}([71]).

ومن الواضح: أن هذه الآية في سورة التوبة، وهي قد نزلت في ذي الحجة من سنة تسع، فلو كان الحكم مختصاً بأهل حنين لم ينزل هذا الحكم بعد سنة كاملة في الآية التي ذكرناها..

ولكن لما ولي أبو بكر، وجاءه المؤلفة قلوبهم لأخذ سهمهم، كتب لهم بذلك فلقيهم عمر، فأخذ الكتاب منهم ومزقه، وقال لهم: لا حاجة لنا بكم، فقد أعز الله الإسلام، وأغنى عنكم، فإن أسلمتم، وإلا فالسيف بيننا وبينكم. فرجعوا إلى أبي بكر فأمضى ما فعله عمر([72]).

وقد عبروا عن هذا الأمر بتعابير قاسية ومهينة للدين وأهله، فقد قالوا: إن أبا بكر قطع الرشا في الإسلام([73]).

ثالثاً: قد ذكر الزرقاني نفسه الرواية التي ترّد ما زعموه: «من أن وفادة زيد الخيل كانت في سنة تسع»، وأن الحديث المذكور آنفاً قد ذكر أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: إن عبادتهم للعزى لا تنفعهم.

ومن المعلوم: أن العزى قد هدمت عقب فتح مكة مباشرة([74])، فتكون وفادتهم قبل هدم العزى.. لا في سنة تسع([75]).

دخول المشركين إلى المسجد:

ربما يدَّعي البعض: أن النص المتقدم، ونظائره يدل على أن المشركين قد دخلوا مسجد النبي «صلى الله عليه وآله»، وذلك يدل على جواز دخول الكفار إلى مساجد المسلمين، حتى إلى مسجد النبي «صلى الله عليه وآله»، وبذلك يرد على فتوى الفقهاء بحرمة دخول الكافر إلى المسجد..

وأما بالنسبة لقوله تعالى: {إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}([76])، فلا دلالة فيه على خلاف ذلك:

فأولاً: قد يكون المراد به القذارة المعنوية الروحية، وهي قذارة الكفر والشرك، لا القذارة بمعنى النجاسة على حد نجاسة الكلب والخنزير، والدم وما إلى ذلك.

ثانياً: لو سلمنا أن المراد به النجاسة الحسية بمعناها المصطلح عند أهل الشرع، فإننا نقول:

من الذي قال: إنه يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد، إذ لا دليل على حرمة إدخال قارورة دم إلى المسجد الحرام، إذا لم يلحق المسجد منها شيء..

ثالثاً: لعل الحكم بعدم جواز دخول المشركين إلى المسجد الحرام خاص بالمسجد الحرام، ولا يتعداه إلى سائر المساجد.

وليكن هذا هو وجه الجمع بين الآية، وبين ما ثبت من أن نصارى نجران، وغيرهم من المشركين كانوا يدخلون المسجد النبوي، ويجادلون النبي «صلى الله عليه وآله» في الدين، ويُسْلِم بعضهم، ويصرُّ بعضهم على كفره.

ونقول:

إن ذلك كله لا يصح، وذلك لما يلي:

أولاً: إن المحرَّم هو دخول الكافر إلى موضع الصلاة من المسجد، أما دخوله إلى غيرها من قاعات وباحات وساحات لم تعد للصلاة، فلم يكن ذلك محرماً، فلعل المراد بدخولهم إلى المسجد هو الدخول إلى بعض باحاته وساحاته، إذ يصح إطلاق اسم الكل على بعض إجزائه، أو مشتملاته أو على توابعه..

وقد يشهد لذلك: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد بنى موضعاً في مسجده يقال له: الصفة، لينزل ويبيت فيه من لا منزل ولا مال ولا أهل له. ولعل من يبيت هناك يبتلى بالإحتلام والجنابة، ولم يكن النبي «صلى الله عليه وآله» ليسمح لهم بالمبيت في الموضع الذي ينبغي تنزيهه عما هو مكروه من نومٍ أو غيره.

فذلك يشير إلى أن هذا الموضع لم يكن مخصصاً للصلاة، فكان يصح النوم فيه..

ثانياً: من الذي قال إن ملاك حرمة دخول الكافر للمسجد هو قذارته الجسدية، فلعل الملاك هو: أن دخول من لا يؤمن بالله إلى بيت الله هتك لحرمة المساجد التي يعبد الله فيها، وأما إدخال الدم إلى المسجد في قارورة فليس فيه هتك لحرمته، وليس فيه تنجيس له فلا يحرم.

لكن دخول الكلب والخنزيرأيضاً ـ والعياذ بالله ـ إلى المسجد فيه هتك لحرمة المسجد، فيحرم من أجل ذلك، حتى لو لم يوجب دخوله تنجيساً..

ثالثاً: إن الآية الكريمة وإن كانت قد وردت في سورة التوبة التي هي من آخر ما نزل من القرآن([77])، لكن ذلك لا يمنع من أن يكون الحكم بحرمة دخول الكافر إلى المسجد قد بيّن على لسان النبي «صلى الله عليه وآله» قبل ذلك بسنوات. وقد تأخر نزول الآية عن ذلك..

بل لعل نفس تشريع عدم جواز دخول الكافر للمساجد قد تأخر أيضاً لحكمة اقتضاها التشريع، وهي أن يضرب الدين بجرانه، وتظهر أعلامة وتنتشر شرائعه وأحكامه، فنزلت في ذي الحجة من السنة التاسعة للبعثة([78]).

وزر بن سدوس ينتصر:

ولا ندري كيف نفسر تصرف وزر بن سدوس الذي رحل إلى الشام، واختار النصرانية على أن يملك عربي رقبته، حتى لو كان هو النبي «صلى الله عليه وآله»، فنلاحظ:

1 ـ أننا لم نعهد من النبي «صلى الله عليه وآله» أنه تصرف مع الناس على أنه مالك لرقابهم، ولم يدِّع هو ذلك لنفسه، إنما هو يعلن أنه ينفذ ما يأمره به الله.

2 ـ كما أن هذا الرجل قد ترك مظهر الرحمة الإلهية، الذي يريد أن يحرره من هيمنة الطواغيت والظلمة والجبارين، والذي يكون مع المؤمنين كأحدهم، ولا يرى لأحد فضلاً على أحد إلا بتقوى الله، وذهب إلى الشام ليكون تحت حكم الجبارين، الذين يتخذون عباد الله خولاً، وماله دولاً.

3 ـ إن ما عرضه النبي «صلى الله عليه وآله» عليهم يعود نفعه إليهم في الدنيا والآخرة، وهو ما تحكم به فطرتهم، وتقضي به عقولهم، وهو أن يكونوا عبيداً لله وحده لا شريك له، وقد بين له بما لا مزيد عليه أنه هو وجميع الناس سواء في هذا الأمر.

وفد بني البكَّاء:

قالوا: وفد من بني البكَّاء على رسول الله «صلى الله عليه وآله» سنة تسع، ثلاثة نفر: معاوية بن ثور بن عبادة البكَّائي، وهو يومئذٍ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له: بشر، والفجيع بن عبد الله بن جندح بن البكَّاء، ومعهم عبد عمرو، وهو الأصمّ. فأمر لهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» بمنزل وضيافة، وأجازهم، ورجعوا إلى قومهم.

وقال معاوية بن ثور للنبي «صلى الله عليه وآله»: «إني أتبرك بمسِّك، وقد كبرت وابني هذا بَرٌّ بي، فامسح وجهه».

فمسح رسول الله «صلى الله عليه وآله» وجه بشر بن معاوية، وأعطاه أعنُزاً عُفراً وبَرَّك عليهن.

قال الجعد: فالسنة ربما أصابت بني البكَّاء ولا تصيب آل معاوية.

وقال محمد بن بشر بن معاوية بن ثور بن عُبادة بن البكَّاء:

وأبي الذي مسح الرسول برأسه               ودعـا لـه بـالخـير  والـبركــــات

أعـطـاه أحمـد إذ أتـاه أعـنُـــزاً          عُفـراً نـواجـل لسـن بالـلجنـات

يمـلأن رفـد الحـي كـل عـشية            ويـعـود ذاك المــلء  بالـغــدوات

بوركن من منح وبورك مانحـاً          وعـلـيـه مـنـي مـا حييت صـلاتي

وسمى رسول الله «صلى الله عليه وآله» عبد عمرو الأصمّ عبد الرحمن، وكتب له بمائه الذي أسلم عليه بذي القصة. وكان عبد الرحمن من أصحاب الظُلَّة، يعني: الصُفَّة، صفَّة المسجد([79]).

التبرك بالرسول :

وقد ذكر النص المتقدم: أن معاوية بن ثور قال للنبي «صلى الله عليه وآله»: إني أتبرك بمسِّك، ثم طلب منه أن يمسح وجه ابنه، ففعل «صلى الله عليه وآله».

وهذا يعطينا:

1 ـ أن سكوت النبي «صلى الله عليه وآله» وقبوله بأن يتبرك به ذلك الرجل، ثم استجابته لطلب معاوية بن ثور بالتبريك على ولده يؤكدان مشروعية التبرك، وأنه لا صحة لما يدَّعيه البعض من عكس ذلك.

2 ـ إن هذا الطلب من معاوية بن ثور يشير إلى أن إيمان هذا الرجل لم يكن بسبب ترغيب أو طمع، أو ترهيب، أو جزع. وإنما هو نتيجة تفاعل روحي، تجاوز حدود القناعة الفكرية، وسكن في القلب، وترسخ في أعماق الوجدان..

3 ـ ثم هو من جهة ثالثة: تعبير عن شعور فطري، لم يقتصر الأمر فيه على هذا الرجل، بل تجاوزه ليكون ميزة إنسانية تجدها لدى سائر الذين آمنوا برسول الله «صلى الله عليه وآله»، مهما اختلفت طبائعهم، وثقافاتهم، وأعرافهم، وبلدانهم، وعاداتهم، ومواقعهم الإجتماعية، وما إلى ذلك..

وذلك يدل على: أن هذا هو مقتضى الخلق الإنساني، والطبع البشري، وهو مقتضى الفطرة والسجية والعفوية..

4 ـ إن التبريك على تلك الأعنز أيضاً بمبادرة من رسول الله «صلى الله عليه وآله» نفسه هو الآخر يفتح أمام التأمل أبواباً على آفاق رحبة في هذا الإتجاه، ويدفع به إلى دراسة أكثر شمولية وعمقاً للنهج التربوي، الذي يعتمد على تجسيد المعاني الغيبية في مفردات واقعية، لتصبح أكثر قرباً للإنسان، وليسهل عليه وعيها، والاستفادة منها في حياته العملية، ولهذا البحث مجال آخر.


 

 

 

 

الفصل الخامس:

وفود سنة تسع قبل شهر رمضان.. ووفد ثقيف

 



 

 

 

 

 

وفد بني أسد:

روى ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قالا: «قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله «صلى الله عليه وآله» في أول سنة تسع، فيهم حضرمي بن عامر، وضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد، وقتادة بن القائف، وسلمة بن حبيش، وطليحة بن خويلد، ونقادة بن عبد الله بن خلف، ورسول الله «صلى الله عليه وآله» في المسجد مع أصحابه، فسلموا وقال متكلمهم: يا رسول الله، إنا شهدنا ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله.

وقال حضرمي بن عامر: «أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثاً ونحن لمن وراءنا..» إلى آخر ما قالوا. فنزلت فيهم: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا}([80])»([81]).

وسألوا عن مسائل، ثم جاؤوا رسول الله «صلى الله عليه وآله» فودعوه، وأمر لهم بجوائز، وكتب لهم ثم انصرفوا إلى أهليهم([82]).

وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وبسند حسن عن عبد الله بن أوفى، قال الأولان: «جاءت بنو أسد إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» فقالوا: يا رسول الله، أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك العرب، وفي رواية: بنو فلان. فأنزل الله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا}»([83]).

قال ابن سعد: وكان معهم قوم من بني الزنية، وهم بنو مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد. فقال لهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «أنتم بن الرشدة».

فقالوا: لا نكون مثل بني محولة، يعني: بني عبد الله بن غطفان([84]).

وسألوا رسول الله «صلى الله عليه وآله» ـ يومئذ عن: العيافة، والكهانة، وضرب الحصى، فنهاهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» ـ عن ذلك كله.

فقالوا: يا رسول الله، إن هذه الأمور كنا نفعلها في الجاهلية، أرأيت خصلة بقيت؟

قال: «وما هي»؟

قال «صلى الله عليه وآله»: «الخط، علمه نبي من الأنبياء، فمن صادف مثل علمه علم»([85]).

ونقول:

يمنون عليك أن أسلموا، فيمن نزلت؟!:

وقد ذكر النص المتقدم: أن قوله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ}([86]) قد نزلت في وفد بني أسد.

ويرد عليه:

أولاً: ما روي عن جابر: من أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان يوم الخندق، حيث قال له النبي «صلى الله عليه وآله»: «احفر».

فغضب عثمان وقال: لا يرضى محمد أن أسلمنا على يده حتى يأمرنا بالكد، فأنزل الله على نبيه «صلى الله عليه وآله»: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا}..([87]).

ثانياً: روي أن عثمان مَرَّ على عمار بن ياسر وهو يحفر الخندق، وقد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع عثمان كمه على أنفه ومر فقال:

لا يستـوي من يعـمر المسـاجدا         يـصـلي فـيـهـا راكعـاً وسـاجــدا

كـمـن يـمـر بالغـبـار حـأيـداً              يـعـرض عـنـه جـاهـداً مـعـانـدا

فالتفت إليه عثمان فقال: يا بن السوداء، إياي تعني؟!

ثم أتى النبي «صلى الله عليه وآله» فقال له: لم ندخل معك لتُسبَّ أعراضنا.

فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «قد أقلتك إسلامك، فاذهب»، فأنزل الله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا..} الآية..»([88]).

غير أننا نقول:

إن قصة بني أسد قد حصلت سنة تسع، ولا مانع من نزول الآية مرتين أو أكثر، إذا كانت المناسبة تقتضيها، فتنزل في عثمان يوم الخندق، حيث واجه النبي «صلى الله عليه وآله» أولاً، ثم واجه عماراً، ثم تنزل مرة أخرى بعد حوالي خمس سنوات من ذلك التاريخ، ولذلك نظائر.

ثالثاً: إن سورة الحجرات قد نزلت قبل سورة الفتح، التي نزلت في الحديبية([89])، وهذا يؤيد ما ذكرناه: من أن سورة الحجرات قد نزلت قبل حادثة بني أسد بسنوات عديدة..

بنو الزنية أو الرشدة:

ومن الغريب حقاً: أن نجد هؤلاء الأعراب الجفاة يرفضون تسمية النبي «صلى الله عليه وآله» لهم ببني الرشدة، بدل «بني الزنية».

فأولاً: إن هذا الرفض يمثل اعتراضاً على قرار نبي الله الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى..

ثانياً: إن التسمية ببني الزنية لا تُسعد من تطلق عليه، ولا بد أن يرى فيها إهانة لشرفه، ولنسبه، فالمتوقع منه: أن يرفضها بحزم وإصرار، وربما يحتاج إلى المجابهة والحدة في سعيه إلى أن منع الناس من تداولها، وأما أن يصر على حفظها، وعلى إشاعتها بينهم، ويرضى بإطلاقها عليه ونسبتها إليه، فذلك ما لا يخطر على البال..

إلا إذا افترض مفترض: أن ثمة خللاً في عقله، أو في تفكيره أو في أخلاقياته، وقيمه..

وبعد..

فإن النبي «صلى الله عليه وآله» كان معنياً جداً بتغيير هذا الاسم، لأنه يعلم أن للأسماء آثارها على الروح والنفس، وهو لا يريد أن يعتاد سمعهم على مثل هذا الأسماء، ولا أن تألفها أرواحهم، وتتعلق بها نفوسهم، بل يريد أن تنكرها النفوس، وتتأذى منها الأرواح، وتمجها الأذواق والأسماع.

وإن رفض هؤلاء الناس لمثل هذا الطلب الصادر من أقدس الخلق، والذي يفترض فيهم أن يتلهفوا لتلبيته، وأن يكونوا سعداء في استجابتهم له ـ إن هذا الرفض ـ يدل دلالة واضحة على جهلهم، وجفائهم، وقلة عقولهم، وضعف تدبيرهم..

علم الخط وضرب الرمل:

اختلفوا في المراد من علم الخط، مع تصريحهم بحرمة العمل به.

قال الصالحي الشامي: قوله «صلى الله عليه وآله» في الخط: «علمه نبي من الأنبياء الخ..».

الخط: قال في المطالع والتقريب: «فسروه بخط الرمل، ومعرفة ما يدل عليه».

وقال في النهاية: [قال ابن عباس: الخط] «هو الذي يخطه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلواناً، فيقول له: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطاً كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: «ابنَيْ عِيَان أسرعا البيان». فإن بقي خطان فهما علامة النُّجْح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة.

وقال الحربي: «الخط هو: أن يخط ثلاثة خطوط ثم يضرب عليهن بشعير أو نوى، ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة».

قال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن، ولهم فيه أوضاع، واصطلاح وأسامٍ، وعمل كثير، ويستخرجون به الضمير وغيره، وكثيراً ما يصيبون فيه. انتهى.

وقال: ضرب الرمل حرام، صرح به غير واحد من الشافعية والحنابلة وغيرهم([90]).

الأنبياء ^ وعلم الخط:

وقال الصالحي الشامي: قوله «صلى الله عليه وآله»: «علمه نبي من الأنبياء» في حفظي أنه سيدنا إدريس «عليه السلام»، ولا أعلم من ذكره فيحرر([91]).

وقد ورد في الروايات عن أهل البيت «عليهم السلام»: أن إدريس «عليه السلام»، وهو جد نوح «عليه السلام» أول من خط بالقلم([92]). أي كتب به، فلعل الأمر اشتبه على هؤلاء، فنسبوا إليه «عليه السلام» علم الخط (أي خط الرمل) أو نحوه. مع أن المقصود بالخط: الكتابة بالقلم.

ويكون مراد النبي «صلى الله عليه وآله» بقوله: «الخط علمه نبي من الأنبياء، فمن صادف مثل علمه فقد علم» هو حثهم على تعلم الكتابة، ليخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، والإحتفاظ به، ونقله إلى الأجيال اللاحقة بدقة وأمانة. وبذلك يظهر فساد قول الصالحي الشامي هنا:

«فمن صادف مثل علمه فقد علم»، وفي صحيح مسلم: «فمن وافق خطه فذاك» أي: فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح [والمقصود: أنه حرام لأنه لا يباح] إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها.

وإنما قال النبي «صلى الله عليه وآله»: «فمن وافق خطه فذاك». ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة، لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذلك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي «صلى الله عليه وآله» على حرمة ذاك النبي، مع بيان الحكم في حقنا، فالمعنى: أن ذاك النبي لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها»([93]).

على أننا نقول:

إن هذا الكلام موهون، ولا يمكن قبوله من جهات عديدة:

فأولاً: إذا كان علم الخط ضرباً من الكهانة، فإنه ليس علماً، إذ لا يصح عدّ الكهانة في جملة العلوم، التي هي عبارة عن قواعد وضوابط توصل إلى نتائج ذات غرض واحد.. ولم نجد في الخط الذي فسّر آنفاً بتفاسير مختلفة ما يدخله في هذا السياق..

ثانياً: إذا كان هذا العلم من الكهانة، فإن الحكم بتحريم الكهانة قد جاء مطلقاً وعاماً، ولم يستثن منها كهانة علم الخط بأي معنى من المعاني المتقدمة..

ثالثاً: