الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء التاسع والعشرون

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الحادي عشر:

الكيد السفياني في حديث المباهلة

إهمال ذكر علي ×:

إن إشراك علي، والحسنين، وفاطمة «عليهم السلام» في المبالهلة مما تواترت به الأخبار، واجتمعت عليه كلمة المسلمين، فقد قال الطبرسي: «أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا: الحسن والحسين»([1]).

وقال الطوسي: «أجمع أهل النقل والتفسير على ذلك»([2]).

وقال الرازي وغيره: «هذا الحديث كالمتفق عليه بين أهـل التفسير والحديث»([3]).

وقال الجصاص: «نقل رواة السيرة، ونقلة الأثر، ولم يختلفوا في أن النبي «صلى الله عليه وآله» أخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة رضي الله عنهم، ثم دعا النصارى الذين حاجوه في المباهلة»([4]).

وقال الحاكم: «تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عباس وغيره: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أخذ يوم المباهلة بيد علي والحسن والحسين، وجعلوا فاطمة وراءهم الخ..»([5]).

غير أننا نجد في مقابل ذلك: أن ابن كثير تبعاً للشعبي لم يذكر علياً «عليه السلام» في حديث المباهلة([6]).

قال الطبري في تفسيره: «حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، قال: فقلت للمغيرة: إن الناس يروون في حديث أهل نجران أن علياً كان معهم، فقال: أما الشعبي فلم يذكره، فلا أدري، لسوء رأي بني أمية في علي، أو لم يكن في الحديث»؟([7]).

ونقول:

والصحيح هو الأول؛ لأن ذكره في الحديث متواتر ولا شك. ولكنهم حين لم يجدوا مبرراً لإقحام أي من محبيهم في هذا الحدث الهام جداً، ولم يمكنهم إنكار أو دلالة هذا الحدث على عظيم فضل أمير المؤمنين، إلى حد أنه يجعله أفضل من سائر الأنبياء باستثناء نبينا الأعظم «صلى الله عليه وآله»، لجأوا إلى ما ربما يثير شبهة، أو على الأقل يبعد علياً «عليه السلام» عن الذاكرة، إلى أن يجدوا مخرجاً من هذه الورطة، وكان الشعبي هو الرائد في تنفيذ هذه الرغبة.. فله موقف بين يدي الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وسيجد فيه أن تجاهله هذا لعلي «عليه السلام» سيجر عليه من البلاء ما لا قبل له به ولا قدرة له على تحمله.

أبو بكر وعمر وحفصة وعائشة في المباهلة:

وقد ذكر بعضهم: أن عمر قال للنبي «صلى الله عليه وآله»: «لو لاعنتهم بيد من تأخذ؟!

قال: آخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، وعائشة، وحفصة. وهذا (أي زيادة عائشة وحفصة) يدل علىه قوله تعالى: {وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ}([8])»([9]).

وعن الصادق «عليه السلام» عن أبيه، في هذه الآية: {تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ}([10]) قال: «فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعلي وولده» والظاهر: أن الكلام في جماعة من المؤمنين([11]).

ونقول:

1 ـ إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أخذ بيد علي وفاطمة والحسنين «عليهم السلام»، فعلاً، ولم يأخذ بيد عائشة ولا حفصة..

2 ـ إن كلمة: «ونساءنا ونساءكم» لا تقتضي إضافة عائشة وحفصة، وسيأتي توضيح ذلك، لأن المقصود هو إشراك جنس المرأة الكاملة التي هي المثل الأعلى للتربية الإلهية، وليس ذلك غير الزهراء «عليها السلام»، وليس المراد مطلق امرأة حتى لو قادت حروباً بين المسلمين، وضد إمام زمانها بالذات..

وسيأتي: أن لذلك نظائر في الآيات القرآنية، التي تتحدث عن جماعة ويكون المقصود بها أفراد بأشخاصهم، كآية التطهير، وآيات أخرى..

3 ـ إن حديث مجيئه «صلى الله عليه وآله» بأبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي وولدهم بالإضافة إلى أنه مما تكذِّبه الروايات المتواترة، قد جاء موافقاً لترتيب الخلافة.

واللافت: أن أحداً من أتباع الخلفاء ومحبيهم لم يذكر هذه الرواية ولا أشار إليها في سياق تشكيكاتهم بصحة أو بدلالة حديث المباهلة.. فكيف فاتهم ذلك، حتى انفرد به الإمام الصادق «عليه السلام» حسبما نسبه إليه ابن عساكر؟!

4 ـ قد المحت بعض النصوص المتقدمة إلى أنه «صلى الله عليه وآله» قد أخرج فاطمة «عليها السلام» دون سائر نسائه، حيث قالت: «وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة وله يومئذٍ عدة نسوة». أي أنه أخرجها دون نسائه رغم تعددهن، وذلك يدل على عدم صحة إضافة كلمتي: «وعائشة وحفصة» إلى الجماعة التي أخرجها «صلى الله عليه وآله» إلى المباهلة.

البعض يفتئت ويناقش:

وقد حاول البعض التشكيك في حديث المباهلة، بأنحاء أخرى، فنقل عن أستاذه الشيخ محمد عبده: «أن الروايات متفقة على أن النبي «صلى الله عليه وآله» اختار للمباهلة علياً وفاطمة وولديهما. ويحملون كلمة «نساءنا» على فاطمة، وكلمة «أنفسنا» على علي فقط».

ومصادر هذه الروايات الشيعة، ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا، حتى راجت على كثير من أهل السنة.

ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية، فإن كلمة «نساءنا» لا يقولها العربي ويريد بها بنته، لا سيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم.

وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي عليه الرضوان.

ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن الآية نزلت فيهم، لم يكن معهم نساؤهم وأولادهم.

وكل ما يفهم من الآية أمر النبي «صلى الله عليه وآله» أن يدعو المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الإجتماع رجالاً ونساءً، وأطفالاً، ويبتهلون إلى الله بأن يلعن هو الكاذب فيما يقول عن عيسى.

وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه، وثقته بما يقول. كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب، سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم، على امترائهم في حجاجهم، ومماراتهم فيما يقولون، وزلزالهم فيما يعتقدون، وكونهم على غير بينة ولا يقين. وأنى لمن يؤمن بالله أن يرضى بأن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد، متوجهين إلى الله تعالى في طلب لعنه، وإبعاده من رحمته؟! وأي جراءة على الله، واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا؟!

قال: أما كون النبي «صلى الله عليه وآله» والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى «عليه السلام» فحسبنا في بيانه قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ}([12]) فالعلم في هذه المسائل الإعتقادية لا يراد به إلا اليقين.

وفي قوله: {نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ..}([13]) وجهان:

أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر، فأنتم تدعون أبناءنا، ونحن ندعو أبناءكم، وهكذا الباقي.

وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله، فنحن المسلمين ندعو أبناءنا ونساءنا وأنفسنا، وأنتم كذلك.

ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس، وإنما الإشكال فيه على قول الشيعة ومن شايعهم من القول بالتخصيص([14]).

ونقول:

إن هذه المناقشات ظاهرة الوهن بينة السقوط، فلاحظ ما يلي:

أولاً: إن ما زعمه من أن مصادر هذا الحديث هم الشيعة غير صحيح، فإن هذا الحديث قد روي في صحاح أهل السنة ومجاميعهم الحديثية والتفسيرية. ومن غير المعقول أن يكون الشيعة قد دسوا هذه الروايات في تلك المجاميع.. إذ إن ذلك يؤدي إلى سقوطها، ومنها صحيح مسلم والترمذي وتفسير الطبري، والدر المنثور، وسائر صحاح ومصادر أهل السنة عن الإعتبار..

كما أن ذلك لو صح، لأفسح المجال للقول: بأن الدس في كتب أهل السنة ميسور لكل أحد، وأن حصره في الشيعة لا وجه له، وتكون النتيجة هي: أن تصبح روايات أهل السنة كلها مسرحاً لتلاعب جميع الفئات، فتصبح موضع شك وريب، وتسقط بذلك عن الإعتبار..

وإن كان المقصود بالشيعة هو خصوص الصحابة والتابعين الذين رووا هذا الحديث فالأمر يصبح أشد خطورة، إذ هو يؤدي إلى نسبة جماعة من أئمة أهل السنة، ورواة حديثهم، وفقهائهم، إلى التشيع والشيعة، مع أنه لا يرتاب أحد في تسننهم، بل فيهم من هو من الأركان في التسنن..

ثانياً: بالنسبة لقوله عن الشيعة: «ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة، وكلمة أنفسنا على علي فقط» نقول:

إن المقصود من التعبير بالنساء والأبناء هو: إيراد الكلام وفق ما يقتضيه طبعه العام، وإن كان مصداقه ينحصر في فرد واحد تماماً كما هو الحال في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}([15]). إذ لا مصداق للمفهوم العام سوى علي بن أبي طالب «عليه السلام» في قضية تصدقه بالخاتم التي يعرفها كل أحد.

وكذلك الحال في قوله: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ}([16])، التي لا يقصد بها سوى الأئمة الإثني عشر..

ومنه: آية التطهير التي قصد بها خصوص الخمسة أصحاب الكساء، مع أن كلمة أهل البيت يمكن أن تشمل العباس وأولاده أيضاً. ولكن الله أخرجهم منها. وبيّن أن المراد بالآية أشخاص بأعيانهم.

وكذلك الحال في قوله: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}([17])، مع أن المقصود بها خصوص أصحاب الكساء والأئمة الأثني عشر كما دلت عليه الروايات.

ومنه: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ}([18]) في حين أن إثبات بنات للنبي «صلى الله عليه وآله» غير الزهراء «عليها السلام» صعب المنال، فراجع كتابنا «بنات النبي أم ربائبه»، وكتاب: «القول الصائب في إثبات الربائب»..

ثالثاً: بالنسبة لقوله: «إن العربي لا يطلق كلمة نساءنا على بنت الرجل، لا سيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم» نقول:

ألف: إن الذين أوردوا هذه الروايات التي طبقت الآية على علي وفاطمة «عليهما السلام»، كانوا من العرب الأقحاح الذين عاشوا في عصر النبوة وبعده، وقد سجلها أئمة اللغة، وعلماء البلاغة في كتبهم ومجاميعهم، ولو كان الأمر كما ذكره هذا الرجل لسجلوا تحفظهم على هذه الروايات أيضاً..

ب: إن إشكال هذا الرجل لو صح، فهو وارد على قوله هو على جميع الأحوال، فإنه يزعم: أن وفد نجران لم يكن معه نساءٌ ولا أولادٌ، فما معنى أن تقول الآية: {نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ}؟!. فكيف يمكنه تطبيق الآية؟!.

ج: إن المقصود هو أن يُبْلِغَهم أنه يباهلهم بجميع الأصناف البشرية التي لها خصوصية اشتراك في العلم والأهلية، وهم النساء والأطفال والرجال، حتى لو لم يكن الجامعون للشرائط سوى فرد واحد من كل صنف، فهو كقول القائل: شرفونا وسنخدمكم نساءً ورجالاً وأطفالاً. أي أن جميع الأصناف سوف تشارك في خدمتهم، حتى لو شارك واحد أو اثنان من كل صنف.

رابعاً: زعم هذا القائل: أن ظاهر الآية هو أن المطلوب هو دعوة المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب جميع نسائهم ورجالهم وأبنائهم، ويجمع النبي جميع أبناء ونساء ورجال المؤمنين، ثم يبتهلون. وهذا من طلب المحال. ويحق للنصارى أن يرفضوا هذا الطلب، وبذلك يثبت أن ثمة تعنتاً، وطلباً لما لا يكون. وهو يستبطن الإعتراف بصحة ما عليه النصارى..

وإن كان المقصود هو: نساء وأبناء الوفد، ونساء وأبناء النبي فيرد إشكال: إنه لم يكن مع الوفد نساء..

والجواب:

إن ما زعمه: من أنه لم يكن لدى الوفد أبناء ولا نساء، غير ظاهر المأخذ، فإن الناس كثيراً ما كانوا يسافرون ومعهم نساؤهم وأبناؤهم. وكان النبي «صلى الله عليه وآله» يصطحب معه في حروبه إحدى زوجاته، وكان المشركون يأتون بنسائهم في حروبهم، كما كان الحال في بدر، وأحد.

أما في موضوع الوفود فلا يوجد فيها احتمال مواجهة أخطار، وتعرض لأذى وأسر وسبي، فالداعي إلى استصحاب النساء والأطفال، لا يواجهه أي مانع أو رادع..

خامساً: لقد زعم هذا القائل: أن النبي «صلى الله عليه وآله» والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى «عليه السلام». ونقول:

إن الآية تدل على يقين النبي «صلى الله عليه وآله»، وقد دل فعل النبي «صلى الله عليه وآله» في المباهلة على أن الذين أخرجهم معه كانوا على يقين من ذلك أيضاً.

ودل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}([19]). حيث إنهم جميعاً كانوا شركاء في الدعوى، وعلى يقين من صحتها.

وأما بالنسبة لسائر المؤمنين فلا شيء يثبت أنهم كانوا على يقين من ذلك، فلعل بعضهم كان خالي الذهن عن كثير من التفاصيل.

بل لقد صرح القرآن بأن الشكوك كانت تراود أكثرهم، فقال: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَهِ إِلاَ وَهُمْ مُشْرِكُونَ}([20]).

سادساً: لا معنى لقوله: إن الآية قد تعني أن يفوض إلى النصارى دعوة الأبناء والنساء من المؤمنين، ويدعو المؤمنون أبناء ونساء النصارى في المباهلة، إذ كيف يسلط النبي «صلى الله عليه وآله» النصارى على أبناء ونساء المؤمنين، ثم يطلب من النصارى أن يسلطوه على دعوة نسائهم وأبنائهم.. في حين أن المباهلة لا تحتاج إلى ذلك، بل يمكن أن يأتي كل فريق بمن أحب لكي يباهل الجماعة التي تأتي من قبل الفريق الآخر؟!.

سابعاً: بالنسبة لدعوة النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه نقول:

إن الشيعة لا يقولون بأن الآية تفرض ذلك، بل هم يقولون: إن المراد بقوله: وأنفسنا هو الرجال من أهل بيت الرسول «صلى الله عليه وآله»، الذين يكون حضورهم بمثابة حضور نفس النبي «صلى الله عليه وآله»، وهم إنما يحضرون بدعوة بعضهم بعضاً([21]).

المباهلة بأعز الناس:

زعم بعضهم: أن آية المباهلة قد دلت على لزوم إحضار كل فريق أعز شيء عنده، وأحب الخلق إليه في المباهلة، والأعز والأحب هو الأبناء، والنساء، والأنفس (الأهل والخاصة).

ثم تقدم بعض آخر خطوة أخرى فزعم: أن إشراك أهل البيت في المباهلة أسلوب اتبعه النبي «صلى الله عليه وآله» للتأثير النفسي على الطرف الآخر ليوحي لهم بثقته بما يدَّعيه.

ونقول:

1 ـ إن هذا يؤدي إلى إبعاد قضية المباهلة عن أن تكون بمستوى الجدية الحقيقية، لتصبح أسلوب مناورة، يهدف للتأثير النفسي على الطرف الآخر، لينسحب من ساحة المواجهة.

2 ـ إن اللافت هنا: أن هذا البعض قد نسب هذه المبادرة إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، مع أن الآية قد صرحت: بأن الأمر للنبي «صلى الله عليه وآله» قد جاء من الله تبارك وتعالى، فهي تدبير إلهي، وقرار رباني.

3 ـ إن كون هذا الأمر تدبيراً إلهياً يعطي: أن لهؤلاء الصفوة الذين أخرجهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» قيمة كبرى ومقاماً خاصاً عنده تبارك وتعالى، وليست القضية هي حب رسول الله «صلى الله عليه وآله» لولده أو سبطه، أو لصهره الذي يوحي بأن سبب محبته ومعزته لهم هو الرابطة النسبية، وكونهم أبناءه ونساءه، وأهله «صلى الله عليه وآله»..

4 ـ إننا لا نريد أن ننفي أن يكون في خروج هؤلاء إلى المباهلة دلالة على قيمتهم عند رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ودلالة على معنى أن إشراك الحسنين والزهراء وعلي «عليهم السلام» في قضية لها مساس بحقيقة دين الإسلام، من حيث إن ما يراد إثباته، هو بشرية عيسى «عليه السلام»، ونفي الألوهية عنه يدل دلالة قاطعة على أن من يباهل النبي «صلى الله عليه وآله» بهم قد بلغوا في الفضل والكرامة والسؤدد حداً يصبح معه جعل الله ورسوله «صلى الله عليه وآله» لهم في معرض الخطر، من أعظم الوثائق الدالة على صدق الرسول «صلى الله عليه وآله» فيما يدَّعيه من حيث إن التفريط بهم وهم أكرم الخلق عليه، والنموذج الأمثل للإنسان الإلهي في أسمى تجلياته يكون تفريطاً بكل شيء، حيث لا قيمة لشيء في هذا الوجود بدونهم، وهو ما أشير إليه في الحديث الشريف([22]).

وأنفسنا:

وزعم بعضهم: أن المراد بـ «أنفسنا» الرجال([23])، أي بقول مطلق، فتطبيق ذلك على علي «عليه السلام» لا لخصوصية فيه، بل لكونه رجلاً، وحسب.

وجوابه واضح:

فأولاً: روي عن علي «عليه السلام»، قوله يوم الشورى: أنشدكم بالله، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الرحم مني، ومن جعله نفسه، وأبناءه أبناءه، ونساءه نساءه غيري؟!

قالوا: اللهم لا([24]).

وعن الشعبي: أنه قال: أبناؤنا الحسن والحسين ونساؤنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب([25]).

فإن ذلك كله يدل على أن المراد: هو خصوص شخص بعينه، لا مطلق الرجال..

مساواة علي × للنبي :

وقال العلامة الحلي «رحمه الله»: إن الله تعالى جعل علياً «عليه السلام» نفس محمد «صلى الله عليه وآله»، فساواه بالنبي «صلى الله عليه وآله»، فأجاب الفضل بن روزبهان بأن دعوى المساواة خروج من الدين.

فرد عليه الشيخ محمد حسن المظفر: بأن المقصود هو: المساواة في الخصائص والكمال الذاتي عدا خاصة أوجبت نبوته، وميزَّته عنه، وهو مفاد ما روي: من أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال لعلي «عليه السلام»: ما سألت الله شيئاً إلا سألت لك مثله، ولا سألت الله شيئاً إلا أعطانيه، غير أنه قيل لي: إنه لا نبي بعدك([26]).

ويدل عليه: ما روي مستفيضاً عن النبي «صلى الله عليه وآله»: إن علياً مني وأنا منه([27]).

فتدل الآية الشريفة على إمامة أمير المؤمنين «عليه السلام» لأن مساواته للنبي «صلى الله عليه وآله» في خصائصه عدا مزية النبوة تستوجب أن يكون مثله أولى بالمؤمنين من أ نفسهم، وأفضل من غيره بكل الجهات، وأن يمتنع صيرورته رعية ومأموراً لغيره كالنبي «صلى الله عليه وآله»([28]).

ونقل الرازي عن الشيخ محمود بن حسن الحمصي: أنه استدل بجعل علي «عليه السلام» نفس النبي «صلى الله عليه وآله» على كونه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد «صلى الله عليه وآله»، لأن النبي «صلى الله عليه وآله» أفضل منهم، وعلي «عليه السلام» نفسه.

ثم رد الرازي على ذلك بقيام الإجماع على أن الأنبياء «عليهم السلام» أفضل من غيرهم.

وأجاب المظفر «رحمه الله»: بأن المجمع عليه هو تفضيل صنف من الأنبياء على صنف آخر منهم، وتفضيل كل نبي على جميع أمته، لا تفضيل كل شخص من الأنبياء على جميع من عداهم، حتى لو كان من أمم غيرهم.

فذلك نظير تفضيل صنف الرجال على صنف النساء، فإنه لا ينافي تفضيل امرأة بعينها على كثير من الرجال.

والقول بما قاله الحمصي قال به الشيعة قبل الحمصي..

سبب إثارة الشبهات:

وأخيراً.. فإننا لانجد مبرراً لكل تلك التمحلات البالية، والتوهمات والخيالات الخاوية سوى التخلص من شبح إثبات كرامة وفضيلة لأهل البيت «عليهم السلام»، وذلك بعد أن وجدوا: أن علماءهم مرغمون على الإقرار بهذا الأمر، والبخوع له، حتى لقد قال الزمخشري وغيره: «وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء»([29]).

تناقضات الشعبي:

ويلاحظ هنا: أن الشعبي يقع في المتناقضات، فقد روى تارة: أن علياً «عليه السلام» هو المقصود بقوله تعالى: {وَأَنْفُسَنَا} كما تقدم([30]).

ولكنه في مورد آخر يروي قضية المباهلة ولا يذكر علياً «عليه السلام»، فتحيّر الراوي في ذلك، وعزاه إما إلى سقط في رواية الشعبي، أو لسوء رأي بني أمية في علي([31]). ولا ريب في أن الثاني هو الأصوب، حسبما عرفناه وألفناه من أفاعيلهم.

ونحن لا نستطيع في هذه العجالة أن نتعرض لجميع الجوانب التي لا بد من بحثها في حديث المباهلة، فإن ذلك يحتاج إلى تأليف مستقل، ولكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى الأمور التالية:

الأمر الأول: النموذج الحي:

إن إخراج الحسنين «عليهما السلام» في قضية المباهلة لم يكن بالأمر العادي، أو الإتفاقي.. وإنما كان مرتبطاً بمعاني ومداليل هامة، ترتبط بنفس شخصية الحسنين «عليهما السلام»، فقد كانا صلوات الله وسلامه عليهما ذلك المصداق الحقيقي، والمثل الأعلى، والثمرة الفضلى التي يعنى الإسلام بالحفاظ عليها، وتقديمها على أنها النموذج الفذ لصناعته الخلاقة، والبالغة أعلى درجات النضج والكمال.. حتى إنه ليصبح مستعداً لتقديمها على أنها أعز وأغلى ما يمكن أن يقدمه في مقام التدليل على حقانيته وصدقه، بعد أن فشلت سائر الأدلة والبراهين ـ رغم وضوحها، وسطوع نورها، وقاطعيتها لكل عذر ـ في التخفيف من عنت أولئك الحاقدين، وصلفهم، وصدودهم عن الحق الأبلج..

فالنبي «صلى الله عليه وآله» حينما يكون على استعداد للتضحية بنفسه، وبهؤلاء، الذين هم القمة في النضج الرسالي، بالإضافة إلى أنهم أقرب الناس إلى الله، وهم النموذج الأعلى للتربية الإلهية، فإنه لا يمكن أن يكون كاذباً ـ والعياذ بالله ـ في دعواه.

كما لاحظه نفس رؤساء أولئك الذين جاؤوا ليباهلوه، وذلك لأن محبة النفس، ثم محبة الأقارب، وإن كانت قد تجعل الإنسان على استعداد للتفريط بكل شيء، قبل أن يفكر في التفريط بنفسه وبهم، إلا أن الأنبياء لا يفكرون بهذه الطريقة، وإنما يفكرون بما من شأنه حفظ الدين والرسالة، وهم لا يبخلون عليها بمال ولا بنفس ولا بولد حتى لو كان هذا الولد يملك من المزايا والفضائل والكمالات، ما لا يملكه أحد على وجه الأرض([32]).

فإذا كان على استعداد للتضحية بنفسه، وبنوعيات كهذه ـ من أهل بيته ـ فإن ذلك يكون أدل دليل على صدقه، وعلى فنائه المطلق في هذا الدين، وعلى ثقته بما يدعو إليه ـ وليس هدفه هو الدنيا الفانية، وحطامها الزائل، لأنه يعلم أن أي ضرر يلحق به وبهؤلاء سوف يسقط محل هذه الدعوة التي جاء بها، لأنهم هم المحور والأساس لها..

وهذا بالذات هو ما حصل في قضية المباهلة، التي كان النزاع يدور فيها حول بشرية عيسى عليه الصلاة والسلام، وإبطال ما يقوله النصارى فيه، تمهيداً للتأكيد على صحة الإسلام، وأحقية ما جاء به النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله».

بل إن بعض الإخوة قد ذكر أن من المحتمل أن لا يريد النصراني في: «إذا باهلكم بأهل بيته فهو صادق» الإشارة إلى قاعدة عامة، وأن لكل نبي ـ أو كل من باهل ـ بأهل بيته فهو صادق، لأنهم أغلى ما عنده، ولا يمكنه التفريط بهم، بل يكون ذلك للإشارة إلى بعض المأثور عندهم في كتبهم من أن نبي آخر الزمان يباهلهم بأهل بيته الذين هم خير الناس وأفضلهم.

الأمر الثاني: التخطيط.. في خدمة الرسالة:

ولربما يتصور البعض: أن اعتبارنا هذا الوليد اليافع، وأخاه عليهما الصلاة والسلام ذلك المثل الأعلى، والنموذج الفذ لصناعة الإسلام وخلاقيته.. نابع عن متابعة غير مسؤولة للعواطف والأحاسيس المتأثرة بتعصب مذهبي، أثارته لجاجة الخصوم..

لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً، فإن ما ذكرناه نابع عن وعي عقائدي سليم، فرضته الأدلة والبراهين، التي تؤكد ـ بشكل قاطع ـ على أن الأئمة الأطهار «عليهم السلام» كانوا حتى في حال طفولتهم في المستوى الرفيع الذي يؤهلهم لتحمل الأمانة الإلهية، وقيادة الأمة قيادة حكيمة وواعية، كما كان الحال بالنسبة لإمامنا الجواد والإمام الهادي عليهما الصلاة والسلام، وكذلك الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، حيث شاءت الإرادة الإلهية أن يتحملوا مسؤوليات الإمامة في السنين المبكرة من حياتهم. تماماً كما كان الحال بالنسبة لنبي الله عيسى «عليه السلام»، الذي قال الله تعالى عنه: {فأشارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهدِ صَبِيّاً قَالَ إنّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً..} الآيات»([33]).

وكما كان الحال بالنسبة لنبي الله يحيى عليه الصلاة والسلام، الذي قال الله سبحانه عنه: {يَا يَحيىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وآتَينَاهُ الحُكمَ صَبِياً}([34]).

نعم.. لقد كان الحسنان «عليهما السلام» حتى في أيام طفولتهما الأولى في المستوى الرفيع من الكمال الإنساني، ويملكان كافة المؤهلات التي تجعلهما محلاً للعناية الإلهية، وأهلاً للأوسمة الكثيرة التي منحهما إياها الإسلام على لسان نبيه الأعظم «صلى الله عليه وآله»، وتجعلهما قادرين على تحمل المسؤوليات الجسام، حتى يصح إشراكهما في الدعوى، وفي المباهلة لإثباتها.. حسبما أشار إليه العلامة الطباطبائي والمظفر رحمهما الله تعالى، على اعتبار أن قوله تعالى: {فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبين}([35]) يراد منه: الكاذبون الذين هم في أحد طرفي المباهلة، وإذا كانت الدعوى، والمباهلة عليها هي بين شخص النبي «صلى الله عليه وآله»، وبين السيد والعاقب والأهتم، فكان يجب أن يأتي بلفظ صالح للإنطباق على المفرد والجمع معاً، كأن يقول: (فنجعل لعنة الله على الكاذب)، أو (على من كان كاذباً) مثلاً..

ولكن الآية أوردت صيغة الجمع، لتشير إلى وجود جماعة كاذبة، ولا بد من طلب إهلاكها.

وهذا يعطي: أن الحاضرين للمباهلة شركاء في الدعوى، فإن الكذب لا يكون إلا فيها.. وعليه.. فعليٌّ، وفاطمة، والحسنان «عليهم السلام» شركاء في الدعوى، وفي الدعوة إلى المباهلة لإثباتها. وهذا من أفضل المناقب التي خص الله بها أهل بيت نبيه([36]).

وتقدم قول الزمخشري: «وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء».

وقال الطبرسي وغيره: «قال ابن أبي علان ـ وهو أحد أئمة المعتزلة ـ: هذا يدل على أن الحسن والحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين.

وقال أصحابنا: إن صغر السن ونقصانها عن حد البلوغ لا ينافي كمال العقل، وإنما جعل بلوغ الحلم حداً لتعلق الأحكام الشرعية»([37]).

وقد كان سنهما في تلك الحال سناً لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل.

على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة، ويخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن، لجاز ذلك فيهم: إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى، واختصاصهم.

ومما يؤيده من الأخبار قول النبي «صلى الله عليه وآله»: «ابناي هذان إمامان، قاما، أو قعدا»([38]).

أضف إلى ما تقدم: أن مما يدل على ما ذكره الطباطبائي والمظفر وغيرهما: نزول سورة هل أتى، في أهل الكساء، ومنهم الحسنان «عليهما السلام»، وقد وعدهم الله تعالى جميعاً بالجنة.

ويؤيد ذلك أيضاً: إشراكهما «عليهما السلام» في بيعة الرضوان، ثم استشهاد الزهراء «عليها السلام» بهما في قضية نزاعها مع أبي بكر حول فدك([39])، إلى غير ذلك من أقوال ومواقف للنبي «صلى الله عليه وآله» منهما في المناسبات المختلفة..

كما أن ذلك كله ـ كان يتجه نحو إعداد الناس نفسياً ووجدانياً لقبول إمامة الأئمة «عليهم السلام»، حتى وهم صغار السن، كما كان الحال بالنسبة للأئمة: الجواد والهادي والمهدي «عليهم السلام».

الأمر الثالث: سياسات لا بد من مواجهتها:

هذا وقد كان ثمة سياسات ومفاهيم منحرفة، لا بد من مواجهتها، والوقوف في وجهها.. ونشير هنا إلى أمرين:

عنصر المرأة:

إن إخراج عنصر المرأة ممثلة بفاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، والتي تعتبر النموذج الفذ للمرأة المسلمة ـ في أمر ديني ومصيري كهذا. من شأنه أن يضرب ذلك المفهوم الجاهلي البغيض، الذي كان لا يرى للمرأة أية قيمة أو شأن يذكر، بل كانوا يرون فيها مصدر شقاء وبلاء، ومجلبة للعار، ومظنة للخيانة، وقد قدمنا بعض الكلام حول هذا الموضوع في بعض فصول هذا الكتاب؛ فلم يكن يتصور أحد أن يرى المرأة تشارك في مسألة حساسة وفاصلة، بل ومقدسة كهذه المسألة، فضلاً عن أن تعتبر شريكة في الدعوى، وفي الدعوة لإثباتها ولو بمواجهة أعظم الأخطار.

ويرى البعض: أن إخراج الزهراء «عليها السلام» للمباهلة، دون سائر نسائه «صلى الله عليه وآله»، رغم أن الآية قد جاءت عامة، حيث عبرت بـ «نساءنا» ومع أن زوجاته «صلى الله عليه وآله» من أجلى مصاديق هذا التعبير ـ إن ذلك ـ له مغزى يشبه إلى حد كبير المغزى من إرسال أبي بكر بآيات سورة براءة، ثم عزله، استناداً إلى قول جبرئيل: لا يُبَلِّغُ عنك إلا أنت أو رجل منك!!.

وهكذا يقال بالنسبة للعموم في قوله: «وأنفسنا»، ولم يخرج سوى أمير المؤمنين «عليه السلام»، وفي قوله: «وأبناءنا» ولم يخرج سوى الحسنين «عليهما السلام». انتهى.

ونقول:

إننا نلاحظ على ما ذكره هذا الأخ الكريم ما يلي:

أولاً: إن إطلاق كلامه حول النساء غير مقبول، فإن بعض نساء النبي «صلى الله عليه وآله» ـ كأم سلمة ـ لم يكنَّ ممن يستحقنّ التعريض بهن.. لأنها كانت من خيرة النساء، ومن فضلياتهنَّ.

إلا أن يقال: إن المقصود هو: أنه ليس أحد منهن أهلاً لأن يباهل النبي «صلى الله عليه وآله» به سوى فاطمة «عليها السلام»، لأنها وحدها المرأة التي بلغت أعلى درجات الكمال حتى استحقت أن تشارك الأنبياء والأوصياء في مثل هذه المهمات الكبرى..

وثانياً: إن هذا المحقق يريد: أن قوله: «نساءنا» لا يقصد به الزوجات، وإن كان قد أطلق في القرآن عليهن في بعض الموارد.

بل المقصود هو: المرأة المنسوبة إليه، وبنت الرجل تنسب إليه، ويطلق عليها: أنها من نسائه.

وعلى هذا نقول:

إن ما ذكره هنا يناقض ما ذكره هو نفسه في موضع آخر حيث قال: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أخرج فاطمة «عليها السلام» للمباهلة بعنوان: «المرأة المسلمة من ذوات الأزواج، من أهل هذه الدعوة، لا باعتبار أنها من نساء النبي «صلى الله عليه وآله».

وإن كان كلامه هذا الأخير ليس في محله، كما ستأتي الإشارة إليه.

الحسنان أبناء النبي :

إن إخراج الحسنين «عليهما السلام» إلى المباهلة بعنوان أنهما أبناء الرسول الأكرم، محمد «صلى الله عليه وآله»، مع أنهما ابنا ابنته الصديقة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليها له دلالة هامة، ومغزى عميق كما سنرى..

لكننا قبل أن نشير إلى ذلك، وإلى مغزاه، لا بد من الإجابة على مناقشة طرحها بعض المحققين([40])، مفادها:

أن الآية لا تدل على أكثر من أن المطلوب هو إخراج أبناء أصحاب هذه الدعوة الجديدة، حيث قال: «أبناءنا»، ولم يقل «أبنائي». وليس في الآية ما يدل على لزوم إخراج ابني صاحب الدعوة نفسه، فكون الحسنين «عليهما السلام» ابنين لبعض أصحاب الدعوة كاف في الصدق.. انتهى.

ونقول:

1 ـ إن الإمام علياً «عليه السلام» قد استدل بهذه الآية يوم الشورى على أن الله سبحانه قد جعله نفس النبي «صلى الله عليه وآله»، وجعل ابنيه إبنيه، ونساءه نساءه..

واحتج بها أيضاً الإمام الكاظم «عليه السلام» على الرشيد.

واحتج بها أيضاً يحيى بن يعمر.

وكذلك سعيد بن جبير على الحجاج ـ كما سيأتي ـ فلم يكن استدلالهم بأمر تعبدي بحت، وإنما بظهور الآية، الذي لم يجد الخصم سبيلاً إلا التسليم به، والخضوع له..

2 ـ لو كان المراد مطلق أبناء أصحاب الدعوة، لكان المقصود بأنفسنا مطلق الرجال الذين قبلوا بهذا الدين، وليس شخص النبي «صلى الله عليه وآله» فقط.. وعليه فقد كان الأنسب أن يقول: «ورجالنا ورجالكم» بدل قوله: «وأنفسنا».

أضف إلى ذلك: أن من غير المناسب أن يقصد من الأنفس شخص النبي «صلى الله عليه وآله»، ثم يقصد من الأبناء والنساء أبناء ونساء رجال آخرين، إذ الظاهر: أن الأبناء والنساء هم لنفس من أرادهم بقوله: «وأنفسنا»، ولو كان المقصود بأنفسنا شخص النبي «صلى الله عليه وآله»، وبأبنائنا أبناء الآخرين، لكان من قبيل قولنا: «إن لم يكن ما أدعيه صحيحاً فليمتني الله، وليمت ابن فلان» مثلاً!!..

3 ـ إن كلمات: «أنفسنا»، و «أبناءنا»، و «نساءنا» كلها جاءت بصيغة الجمع.. فلماذا اقتصر من الأنفس على اثنين، وكذلك من الأبناء، ومن النساء، على واحدة؟! فإن ذلك إنما يدل على مزيد من الخصوصية لهؤلاء الذين أخرجهم بالذات..

ولو كان المقصود مجرد النموذج، فلماذا لم يكتف بواحد واحدٍ من الأنواع الثلاثة؟.

ولو كان المقصود تخصيص جماعة بشرف معين، للتعبير عن أنهم وحدهم هم الذين بلغوا الذروة في فنائهم بهذه الدعوة، التي يراد المباهلة من أجلها.

فيصح قولهم: إن هذه الآية تدل على فضيلة لا أعظم منها لأصحاب الكساء. ولا سيما بملاحظة ما تقدم عن العلامتين ـ الطباطبائي والمظفر ـ: من أن هؤلاء شركاء في الدعوى، وفي الدعوة للمباهلة لإثباتها.

وهكذا يتضح: أن دعوى أن الآية لا تدل على أكثر من الأمر بإخراج نموذج من أبناء من اعتنق هذه الدعوة لا يمكن القبول بها، ولا الاعتماد عليها بوجه.

عود على بدء:

كانت تلك هي المناقشة التي أحببنا الإشارة إليها، وكان ذلك هو بعض ما يمكن أن يقال في الإجابة عنها..

وبعد ذلك.. فإننا نشير إلى أن إخراج الحسنين «عليهما السلام» في المباهلة، يدل دلالة واضحة على أنهما ابنان للنبي «صلى الله عليه وآله»، مع أنهما ابنا ابنته، فلا مجال لإنكار ذلك، أو للتشكيك فيه، حتى إنهم ليعترفون صراحة بأن: في الآية دلالة على أن الحسن والحسين، وهما ابنا البنت يصح أن يقال: إنهما ابنا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لأنه وعد أن يدعو أبناءه، ثم جاء بهما»([41]).

وظاهر الآية: أن كلمة الأبناء قد أريد بها المعنى الحقيقي، سواء بالنسبة إلى النبي «صلى الله عليه وآله» والمسلمين، أو بالنسبة إلى النصارى والكافرين.

وذلك له دلالات هامة، أشرنا إلى بعضها آنفاً، ونضيف هنا ما يلي:

أولاً: إن ذلك يسقط المفهوم الجاهلي البغيض، القائل: بأن أبناء الأبناء هم الأبناء في الحقيقة، دون بني البنات، الأمر الذي ينشأ عنه أن يتعرض جماعات من الناس لكثير من المشاكل النفسية، والمصاعب الإجتماعية، والإقتصادية، وغيرها. تلك المشاكل التي لا مبرر لها، ولا منطق يساعدها، إلا منطق الجاهلية الجهلاء، والعصبية العمياء..

ولكن مما يؤسف له هو: أن المروجين لهذه المفاهيم العمياء قد أصروا بعده «صلى الله عليه وآله» على الأخذ بها إلى حد أنها انعكست حتى على آرائهم الفقهية أيضاً، ومن ذلك جعلهم قوله تعالى: {يُوصِيكمُ اللهُ فِي أوْلادِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}([42]) مختصاً بعقب الأبناء، دون من عقبته البنات.

قال ابن كثير: «قالوا: إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، «أي دون بني بنته»، واحتجوا بقول الشاعر:

بـنـونـا بـنـو أبـنـائنـا، وبنـاتنـا         بنـوهـن أبنـاء الـرجـال الأباعد([43])

«وقال العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث، وأن الإنتساب إلى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه»([44]).

ونقل القرطبي: أن الإمام مالك بن أنس هو الذي لا يدخل ولد البنات في الوقف الذي يكون على الولد، وولد الولد([45]).

ومالك هذا هو الذي كان خلفاء بني العباس يعظمونه، وقد بلغ من اهتمامهم بأمره: أن أرادوا حمل الناس على العمل بالموطأ بالقوة([46]).

وحينما أخذ المنصور أموال عبد الله بن الحسن، وباعها، وجعلها في بيت مال المدينة «أخذ مالك بن أنس الفقيه رزقه من ذلك المال بعينه اختياراً»([47]).

كما أن المنصور كان إذا أراد أن يولي أحداً على المدينة يستشيره أولاً([48]).

كما أن محمد بن الحسن الشيباني يقول: إن من أوصى لولد فلان، وله ابن، وولد بنت «إن الوصية لولد الابن، دون ولد البنت»([49]).

نعم.. لقد ألغى الله سبحانه ذلك المفهوم الجاهلي البغيض بنص المباهلة، ولكن هؤلاء قد احتفظوا به، حتى حكَّموه في آرائهم الفقهية، وذلك انصياعاً للجو السياسي، وتنفيذاً لمآرب الحكام، الذين كانوا ـ سواء منهم الأمويون أو العباسيون ـ يحاولون تركيز هذا المفهوم وتثبيته، كما سنرى..

وثانياً: لقد كان لا بد من تفويت الفرصة على أولئك الحاقدين والمنحرفين، الذين سوف يستفيدون من ذلك المفهوم الجاهلي لمقاصد سياسية، فيما يتعلق بموضوع الإمامة والخلافة والزعامة بعد رسول «صلى الله عليه وآله»، وبالذات فيما يختص بشخص هؤلاء الذين أخرجهم عليه وآله الصلاة والسلام للمباهلة، وكرمهم في حديث الكساء، وآية التطهير، وغير ذلك مما لا مجال له هنا..

وذلك لأن الذين استأثروا بالأمر بعد النبي محمد «صلى الله عليه وآله» قد احتجوا في السقيفة بأنهم: أولياء النبي «صلى الله عليه وآله»، وعشيرته، وبأنهم عترة النبي، وبأنهم أمسُّ برسول الله «صلى الله عليه وآله» رحماً([50]).

وجاء الأمويون أيضاً، واتّبعوا نفس الخط، وساروا على نفس الطريق، وكانت الخطط الجهنمية لهؤلاء وأولئك تتجه نحو تضعيف شأن أهل البيت «عليهم السلام»، وعزلهم عن الساحة، بل والقضاء عليهم وتصفيتهم بشكل نهائي: إعلامياً وسياسياً، وإجتماعياً، ونفسياً، بل وحتى جسدياً، أيضاً..

وكان رأس الحربة يتجه أولاً وبالذات إلى أولئك الذين طهرهم الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه، وأخرجهم نبيه الأكرم محمد «صلى الله عليه وآله» ليباهل بهم أهل الكفر، واللجاج والعناد.. حيث إن تصفية هؤلاء على النحو الذي قدمناه هي الأصعب، والأهم، وذلك بسبب ما سمعته الأمة من النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله»، وبسبب ما عرفته من آيات قرآنية نزلت في حقهم وبيان فضلهم.. فضلاً عن كثير من المواقف التي لا يمكن تجاهلها أو على الأقل لا يمكن تشويهها، أو التعتيم عليها بيسرٍ وسهولة..

نعم.. لقد كان الأمويون يحاولون إظهار أنفسهم على أنهم هم دون غيرهم أهل بيت النبي محمد «صلى الله عليه وآله»، وذوو قرباه.. وقد أثرت جهودهم في تضليل كثير من الناس حتى ليحلف للسفاح عشرة من قواد أهل الشام، وأصحاب الرياسة فيها: أنهم ما كانوا يعرفون إلى أن قُتِل مروان أقرباء للنبي «صلى الله عليه وآله»، ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية([51]).

كما أن أروى بنت عبد المطلب تُذكِّر معاوية بهذا الأمر، وتقول له: «ونبينا (صلى الله عليه وآله) هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول الله الخ..»([52]).

ويقول الكميت:

وقـالـوا: ورثنـاهـا، أبانـا وأمنــا               ولا ورثــتـــهـــم ذاك أم ولا أب

وقال إبراهيم بن المهاجر، الذي كان يسير في الإتجاه العباسي:

أيها النــاس اسمـعوا أخـبــركـم        عـجـبـاً زاد عـلـى كـل عـجــب

عجبـاً مـن عبـد شمــس إنهـــم         فتحـوا لـلـنـاس أبـواب الكـذب

ورثــوا أحمــد فيـمــا  زعـمــوا                 دون عبــاس بـن عبـد  المـطـلـب

كــذبـــوا والله مــا نــعــلــمـه            يحـــرز المـيــراث إلا  مـن قرب([53])

هذا كله.. رغم أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أخرج بني عبد شمس من قرباه، حينما قسَّم خمس بني النضير، أو خيبر، فاعترض عليه عثمان، وجبير بن مطعم، بأن: قرابة بني أمية وبني هاشم واحدة، فلم يقبل النبي «صلى الله عليه وآله» ذلك منه. والقصة معروفة ومتواترة([54]).

وبعد هذا.. فإن العباسيين قد اتّبعوا نفس هذا الأسلوب أيضاً، فأظهروا أنفسهم على أنهم هم ذوو قربى النبي محمد «صلى الله عليه وآله»، بهدف إضفاء صفة الشرعية على حكمهم وسلطانهم، حتى لنجد الرشيد يأتي إلى قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابن عم، فيتقدم الإمام الكاظم «عليه السلام» إلى القبر الشريف ويقول: السلام عليك يا أبه، فتغير وجه الرشيد، وتبين الغيظ فيه([55]).

هذا.. وقد ربط العباسيون دعوتهم وحبل وصايتهم في البداية بأمير المؤمنين «عليه السلام»، ونجحوا في الإستفادة من عواطف الناس تجاه ما تعرض له العلويون وأهل البيت «عليهم السلام» من ظلم، واضطهاد، وآلام، على يد أسلافهم الأمويين..

ولكنهم بعد ذلك رأوا: أنهم في مجال التمكين لأنفسهم لا يسعهم الإستمرار بربط دعوتهم بأمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام، لوجود من هم أمسّ بعلي «عليه السلام» رحماً منهم، فاتجهوا نحو التلاعب ببعض الركائز والمنطلقات الفكرية والعقائدية للناس، فأسس المهدي ـ والظاهر أن هذه هي فكرة أبيه المنصور من قبل ـ فرقة تَدَّعي: أن الإمام بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو العباس بن عبد المطلب، ثم ولده عبد الله، ثم ولده.. وهكذا.. إلى أن ينتهي الأمر إلى العباسيين.

ولكنهم أجازوا بيعة علي «عليه السلام»، لأن العباس نفسه كان قد أجازها.. وادَّعوا: أن الإرث للعم دون البنت، ولذلك فإن حق الخلافة لا يصل إلى الحسن والحسين «عليهما السلام»، عن طريق فاطمة صلوات الله وسلامه عليها.

واهتموا في إظهار هذا الأمر وتثبيته كثيراً، حتى قال شاعرهم:

أنــى يـكـون وليـس ذاك بكـائن          لـبـنـي البنــات وراثـة الأعمــام

فنال على هذا البيت مالاً عظيماً.

وهذا موضوع واسع ومتشعب، وقد تحدثنا عنه وأوردنا له بعض الشواهد في كتابنا: «الحياة السياسية للإمام الرضا «عليه السلام»» ص78 ـ 81 فليراجعه من أراد.

الخطة.. ومواجهتها:

ولكن هذا الخط السياسي، وإن حظي بكثير من الدعم والإصرار من قبل الحكام، وكل أعوانهم.. وقد جندوا كل طاقاتهم المعنوية والمادية من أجل تأكيده وتثبيته.. إلا أنه قد كان ثمة عقبة كؤود تواجههم، وتعترض سبيل نجاحهم في تشويه الحقيقة، وتزوير التاريخ، وهي وجود أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين يملكون أقوى الحجج، وأعظم الدلائل والشواهد من القرآن، ومن الحديث المتواتر، ومن المواقف النبوية المتضافرة، التي يعرفها ورآها وسمعها عدد هائل من صحابة الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله»، وسمعها منهم التابعون، ثم من بعدهم..

وكان من جملة تلك الحجج الدامغة «آية المباهلة» بالذات.. وكم رأينا من مواقف للأمويين وللعباسيين على حد سواء يصرون فيها على نفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» له «صلى الله عليه وآله».. فكانت تواجه من قبل أهل البيت «عليهم السلام» وشيعتهم، والمنصفين من غيرهم بالإحتجاجات القوية والفاصلة.. الأمر الذي جعل «السحر ينقلب على الساحر»..

وسرعان ما أدركوا: أن أسلوب الحجاج والمنطق، من شأنه أن يظهر الحق الذي يجهدون في إخفائه، وتشويهه.. فكانوا يعملون على عزل الأئمة وشيعتهم عن الساحة، وإبعادهم عن الأنظار، عن طريق الإرهاب والإضطهاد والتنكيل، حتى إذا وجدوا أن ذلك لا يجدي، تصدوا لتصفيتهم جسدياً.. بالسم تارة، وبالسيف أخرى..

أمثلة تاريخية هامة:

ونستطيع أن نذكر هنا بعض ما يتضمن محاولتهم نفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» له «صلى الله عليه وآله»، واحتجاجات الأئمة وغيرهم عليهم في ذلك.. وبعضه يتضمن الإستدلال بآية المباهلة.. وذلك في ضمن النقاط التالية:

1 ـ عن ذكوان، مولى معاوية، قال: «قال معاوية: لا أعلمنَّ أحداً سمى هذين الغلامين([56]) ابني رسول الله «صلى الله عليه وآله». ولكن قولوا: ابني علي «عليه السلام».

قال ذكوان: فلما كان بعد ذلك، أمرني أن أكتب بنيه في الشرف.

قال: فكتبت بنيه وبني بنيه، وتركت بني بناته.. ثم أتيته بالكتاب، فنظر فيه، فقال: ويحك، لقد أغفلت كُبر بنيّ!

فقلت: من؟

فقال: أما بنو فلانة ـ لابنته ـ بَنيَّ؟. أما بنو فلانة ـ لابنته ـ بنيّ؟.

قال: قلت: الله!! أيكون بنو بناتك بنيك، ولا يكون بنو فاطمة بني رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

قال: ما لك؟ قاتلك الله! لا يسمعنَّ هذا أحد منك؟!..»([57]).

2 ـ جاء عن الإمام الحسن «عليهما السلام» محتجاً على معاوية قوله: «فأخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» من الأنفس معه أبي، ومن البنين أنا وأخي، ومن النساء فاطمة أمي، من الناس جميعاً، فنحن أهله، ولحمه ودمه، ونفسه، ونحن منه وهو منا»([58]).

3 ـ قال الرازي في تفسير قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ..} إلى قوله: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى}([59]) ـ بعد أن ذكر دلالة الآية على بنوة الحسنين «عليه السلام» للنبي «صلى الله عليه وآله» ـ قال ـ: «ويقال: إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف»([60]).

4 ـ إحتج أمير المؤمنين علي «عليه السلام» يوم الشورى على المجتمعين، بأن الله، تعالى جعله نفس النبي «صلى الله عليه وآله»، وجعل ابنيه ابنيه، ونساءه نساءه([61]).

5 ـ عن الشعبي، قال: كنت عند الحجاج، فأتِيَ بيحيى بن يعمر، فقيه خراسان، من بلخ، مكبلاً بالحديد فقال له الحجاج: أنت زعمت: أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟

فقال: بلى.

فقال الحجاج: لتأتيني بها واضحة بيّنة من كتاب الله (!!)، أو لأقطعنَّك عضواً عضواً.

فقال: آتيك بها بيّنة واضحة من كتاب الله يا حجاج.

قال: فتعجبت من جرأته بقوله: يا حجاج.

فقال له: ولا تأتني بهذه الآية: {نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ}.

فقال: آتيك بها بيّنة واضحة من كتاب الله، وهو قوله: {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ..} إلى قوله: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى}([62]). فمن كان أبو عيسى، وقد ألحق بذرية نوح؟!.

قال: فأطرق الحجاج ملياً، ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلُّوا وثاقه الخ..»([63]).

وفي نور القبس: أنَّ الحجاج طلب منه أن لا يعود لذكر ذلك، ونشره.

6 ـ لسعيد بن جبير قصة مع الحجاج شبيهة بقصة يحيى بن يعمر، فلا نطيل بذكرها([64]).

7 ـ سأل هارون الرشيد الإمام الكاظم «عليه السلام»، فقال له: كيف قلتم: إنَّا ذرية النبي، والنبي لم يعقب، وإنما العقب للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد البنت، ولا يكون له عقب؟

فسأله «عليه السلام» أن يعفيه، فلم يقبل، فاحتج «عليه السلام» بأن القرآن قد اعتبر عيسى من ذرية إبراهيم في آية سورة الأنعام، مع أنه ينتسب إليه عن طريق الأم. ثم احتج عليه بآية المباهلة، حيث قال الله تعالى فيها: {أَبْنَاءنَا}([65]).

8 ـ إن عمرو بن العاص أرسل إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» يعيبه بأشياء، منها: أنه يسمي حسناً وحسيناً ولَدَيْ رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقال لرسوله: «قُلْ للشانيء ابن الشانيء: لو لم يكونا ولديه لكان أبتر، كما زعم أبوك»([66]).

9 ـ قال الحسين صلوات الله وسلامه عليه في كربلاء: «اللهم إنَّا أهل بيت نبيك، وذريته وقرابته، فاقصم من ظلمنا، وغصبنا حقنا، إنك سميع قريب».

فقال محمد بن الأشعث: أي قرابة بينك وبين محمد؟!.

فقال الحسين «عليه السلام»: «اللهم إن محمد بن الأشعث يقول: ليس بيني وبين محمد قرابة، اللهم أرني فيه في هذا اليوم ذلاً عاجلاً، فاستجاب الله دعاءه الخ..»([67]).

10 ـ وقد أوضح الباقر «عليه السلام» لنا: أنه قد كانت سياسات الآخرين تقضي بنفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» للنبي «صلى الله عليه وآله»، فراجع ما قاله «عليه السلام» في ذلك([68]).

هذا ولهم «عليهم السلام» احتجاجات أخرى بآية المباهلة على خلافة أمير المؤمنين، وعلى أفضليته «عليه السلام»، وغير ذلك، لا مجال لذكرها هنا([69]).

مفارقة:

وبعد أن اتضح: أن السياسة الأموية كانت تقضي بأن يستبعد اسم علي «عليه السلام» من جملة من باهل بهم النبي «صلى الله عليه وآله» ثم الإصرار على نفي بنوة الحسنين «عليهما السلام» لرسول الله «صلى الله عليه وآله».

فإننا نجدهم يصرون على خؤولة معاوية للمؤمنين، ويجعلون ذلك ذريعة للإنكار على من ذكر معاوية بسوء، ولكنهم إذا ذكر محمد بن أبي بكر بسوء رضوا أو أمسكوا، ومالوا مع ذاكره، وخؤولته ـ حسب منطقهم ـ ظاهرة بائنة.

وقد نفرت قلوبهم من علي بن أبي طالب «عليه السلام»، لأنه حارب معاوية وقاتله، وسكنت قلوبهم عند قتل عمار ومحمد بن أبي بكر، وله حرمة الخؤولة، وهو أفضل من معاوية، وأبوه خير من أبي معاوية، وما ذلك إلا خديعة أو جهالة، وإلا فلماذا لا يستنكرون قتل محمد بن أبي بكر ولا يذكرون خؤولته للمؤمنين؟!([70]).

من مواقف الإمام الحسن ×:

نعم.. ولم يقتصر الأئمة في تصديهم للمغرضين والحاقدين، والوقوف في وجه سياساتهم تلك بحزم وصلابة ـ على مواقف الحِجَاج هذه، بل تعدَّوا ذلك إلى المناسبات الأخرى، واستمروا يعلنون بهذا الأمر على الملأ، ويؤكدون عليه في كثير من المناسبات والمواقف الحساسة، وكشفوا زيف تلك الدعاوى بشكل لا يدع مجالاً لأي شك أو ريب..

وقد صدع الإمام الحسن «عليه السلام» بهذا الأمر أيضاً في أكثر من مناسبة، وأكثر من موقف..

ولم يكن يكتفي بإظهار وإثبات بنوَّته لرسول الله «صلى الله عليه وآله» وحسب.. وإنما كان يهتم بالتأكيد على أن حق الإمامة والخلافة له وحده، ولا تصل النوبة إلى معاوية وأضرابه، لأن معاوية ليس فقط يفقد المواصفات الضرورية لهذا الأمر، وإنما هو يتصف بالصفات التي تنافيها وتنقضها بصورة أساسية.. وكمثالٍ على كل ذلك نذكر:

1 ـ أنه «عليه السلام» يخطب فور وفاة أبيه أمير المؤمنين «عليه السلام»، فيقول: «أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبي، وأنا ابن الوصي»([71]).

لاحظ كلمة: «الوصي» في هذه العبارة الأخيرة.

وفي نصٍ آخر أنه قال: «فأنا الحسن بن محمد (صلى الله عليه وآله)»([72]).

وقال حينئذٍ أيضاً: «أنا ابن البشير النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً، أنا من أهل بيت افترض الله طاعتهم في كتابه الخ..».

ثم قام ابن عباس، فقال: «هذا ابن بنت نبيكم، ووصي إمامكم فبايعوه»([73]).

وفي نص آخر: أنه «عليه السلام» قال حينئذٍ أيضاً: «وعنده نحتسب عزاءنا في خير الآباء رسول الله الخ..»([74]).

2 ـ وفي مناسبة أخرى في الشام، طلب منه معاوية ـ بمشورة عمرو بن العاص ـ أن يصعد المنبر، ويخطب ـ رجاء أن يحصر ـ فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم أورد خطبة هامة، تضمنت ما تقدم، وسواه الشيء الكثير، قال الراوي: «ولم يزل به حتى أظلمت الدنيا على معاوية، وعرف الحسن من لم يكن عرفه من أهل الشام وغيرهم، ثم نزل.

فقال له معاوية: أما إنك يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة، ولست هناك!

فقال الحسن «عليه السلام»: أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول الله «صلى الله عليه وآله» وعمل بطاعة الله عز وجل. وليس الخليفة من سار بالجور، وعطل السنن، واتخذ الدنيا أماً وأباً، وعباد الله خولاً، وماله دولاً، ولكن ذلك أمر ملك أصاب ملكاً، فتمتع منه قليلاً، كَأَنْ قد انقطع عنه..» إلى آخر كلامه عليه السلام ([75]).

ونفس هذه القضية تذكر له مع معاوية، حينما جرى الصلح بينهما في الكوفة ([76]).

وهذا يؤيد ما ذكره البعض: من أن معاوية قد دس السم الى الإمام الحسن «عليه السلام»، لأنه كان يقدم عليه إلى الشام ([77]).

3 ـ وفي نص آخر: أن معاوية طلب من الإمام الحسن «عليه السلام»: أن يصعد على المنبر، ويخطب.. فصعد المنبر وخطب، وصار يقول: أنا ابن، أنا ابن.. إلى أن قال: «لو طلبتم ابناً لنبيكم ما بين لابتيها لم تجدوا غيري وغير أخي»([78]). ومن أراد الرواية بطولها فليراجع المصادر.

4 ـ وفي نص آخر: أن معاوية طلب منه: أن يصعد المنبر وينتسب، فصعد، وصار يقول: بلدتي مكة ومنى، وأنا ابن المروة والصفا، وانا ابن النبي المصطفى..

إلى أن قال: فأذن المؤذن، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، فالتفت إلى معاوية، فقال: أمحمد أبي؟ أم أبوك؟! فإن قلت: ليس بأبي، كفرت، وإن قلت: نعم، فقد أقررت..

ثم قال: أصبحت العجم تعرف حق العرب بأنَّ محمداً منها، يطلبون حقنا، ولا يردون إلينا حقنا»([79]).

5 ـ وفي مناسبة أخرى، طلب منه معاوية أن يخطب ويعظهم، فخطب وصار يقول: أنا ابن رسول الله، أنا ابن صاحب الفضايل، أنا ابن صاحب المعجزات والدلايل، أنا ابن أمير المؤمنين، أنا المدفوع عن حقي.. إلى أن قال: أنا إمام خلق الله، وابن محمد رسول الله، فخشي معاوية أن يتكلم بما يفتن به الناس، فقال: إنزل، فقد كفى ما جرى، فنزل»([80]).

6 ـ بل لقد رأينا معاوية يعترف له بهذا الأمر، فيقول له مرة في كلام له: «ولا سيما أنت يا أبا محمد، فإنك ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وسيد شباب أهل الجنة»([81]).

ويدخل في هذا المجال أيضاً: قول الإمام الحسن «عليه السلام» لأبي بكر، وقول الإمام الحسين «عليه السلام» لعمر: انزل عن منبر أبي، حسبما سيأتي، إن كان المقصود بأبي: هو النبي «صلى الله عليه وآله»، كما يظهر من اعترافهما لهما. وإن كان المقصود به أباهما أمير المؤمنين ـ كما احتمله بعض المحققين([82])ـ فيدخل في مجال احتجاجاتهما «عليهما السلام» على أحقيتهم بالأمر، دون كل أحد سواهم.. ويكونان قد انتزعا منهما اعترافاً صريحاً وهاماً في هذا المجال.

والإمام الحسين × أيضاً:

وبعد ذلك، فإنا نجد الإمام الحسين «عليه السلام» يخطب الناس، ويقول: «أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد «صلى الله عليه وآله»، ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته، تريدون قتلهم..

إلى أن قال: ألست أنا ابن بنت نبيكم، وابن وصيه، وابن عمه»([83]).

ويقول في موضع آخر، حينما اشتد به الحال: «ونحن عترة نبيك، وولد نبيك، محمد «صلى الله عليه وآله»، الذي اصطفيته بالرسالة الخ..»([84]).

ويقول في وصف جيش يزيد، في يوم عاشوراء: «فإنما أنتم طواغيت الأمة.

إلى أن قال: وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيري عترة الأوصياء»([85]).

وقد اعترفوا له بذلك حينما ناشدهم، فقال: أنشدكم الله، هل تعرفوني؟

قالوا: نعم، أنت ابن رسول الله وسبطه»([86]).

الإمام السجاد ابن رسول الله :

وللإمام السجاد «عليه السلام» موقف هام في الشام، حينما ألقى خطبته الرائعة، فقال: «أيها الناس، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا..

إلى أن قال: أنا ابن من حُمِلَ على البراق، وبلغ به جبرئيل سدرة المنتهى..».

إلى آخر الخطبة التي كان من نتيجتها: أن «ضجَّ الناس بالبكاء، وخشي يزيد الفتنة، فأمر المؤذن أن يؤذن للصلاة».. ولكنه «عليه السلام» تابع خطبته، واحتجاجاته الدامغة على يزيد، وتفرق الناس، ولم ينتظم لهم صلاة في ذلك اليوم([87]).

خطبة زينب وسواها:

وبعد ذلك.. فإننا نجد العقيلة زينب تقف في وجه يزيد لتقول له: «أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله سبايا؟..».

وفيها: «واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية رسول الله «صلى الله عليه وآله»..».

إلى أن قالت: «ولتردنَّ على رسول الله «صلى الله عليه وآله» بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته ولحمته»([88]).

وفي خطبة لها لأهل الكوفة: «الحمد لله، والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار».

وفي نص آخر: «والصلاة عن أبي رسول الله»([89]).

وتقول فاطمة بنت الحسين في خطبة لها في الكوفة أيضاً: «..وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ أولاده ذبحوا بشط الفرات»([90]).

وتتبع كلمات الأئمة وأبناءهم في هذا السياق يحتاج إلى جهد مستقل ووقت طويل، وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الرشد والهداية.

على خطى النبي الأكرم :

وبعد.. فإنَّ ذلك كله لم يكن منهم «عليهم السلام» إلا تأسياً بالنبي محمد «صلى الله عليه وآله»، الذي كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، وقد ورد عنه الكثير مما يدل على إصراره «صلى الله عليه وآله» على تركيز قضية بنوة الحسنين «عليهما السلام» له «صلى الله عليه وآله» في ضمير الأمة ووجدانها، بشكل لا يبقى معه أي مجال للشبهة، أو الشك والترديد..

وكنموذج على ذلك نشير إلى ما يلي:

1 ـ قال «صلى الله عليه وآله»: «هذان ابناي، من أحبهما فقد أحبني»([91]).

وفي نص آخر: «هذان ابناي، وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما، وأحب من يحبهما([92]).

وفي رواية أخرى عن عائشة: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يأخذ حسناً، فيضمه إليه، ثم يقول: «اللهم إن هذا ابني، وأنا أحبه، فأحببه، وأحب من يحبه»([93]).

2 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» بمجرد ولادة أحدهما: الحسن والحسين «عليهما السلام»، يقول لأسماء: هلمي ابني، كما تقدم.

3 ـ ويقول: إن ابني هذا سيد([94]).

4 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» يجلس في المسجد، ويقول: ادعوا لي ابني، قال: فأتى الحسن يشتد..

إلى أن قال: وجعل رسول الله «صلى الله عليه وآله» يفتح فمه في فمه، ويقول: «اللهم إني أحبه، فأحبَّه، وأحبَّ من يحبه، ثلاث مرات»([95]).

5 ـ وعنه «صلى الله عليه وآله» إنه قال: كل ابن آدم ينتسبون إلى عصبة أبيهم، إلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم، وأنا عصبتهم»([96]).

ومن أراد المزيد من النصوص الدالة على بنوة الحسنين «عليهما السلام» لرسول الله «صلى الله عليه وآله» فليراجع المصادر المذكورة في الهامش([97]).


 

 

 
 

 

 

 

غزوة تبوك في القرآن الكريم:

قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}([98]).

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}([99]).

وقال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}([100]).

وقال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}([101]).

وقال تعالى: {فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَجَاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى المَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}([102]).

وقال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآَخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}([103]).

وقال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}([104]).

{مَا كَانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}([105]).

 


 

 

 

 

الفصل الأول:

الإعداد والإستعداد



 

 

 

 

 

تبوك علم لا ينصرف:

تبوك اسم موضع، ولفظه لا ينصرف للعَلَمية ووزن الفعل، وقيل للعلمية والتأنيث، فإن أريد صرفها، فيراد منها «الموضع» ـ كقول كعب بن مالك كما في بعض الروايات ـ:«فلم يذكرني حتى بلغ تبوكاً»([106]).

تبوك هي أقصى موضع بلغه رسول الله «صلى الله عليه وآله» في غزواته.. وهي في طرف الشام من جهة القبلة، وبينها وبين المدينة المشرَّفة اثنتا عشرة مرحلة([107]). وقيل: أربع عشرة([108]).

قال في النور: وقد سرناها مع الحجيج في اثنتي عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة([109]).

وهذا الإختلاف لا يضر ولا نرى كثير فائدة في تحقيقه، فإن هذا الموضع معروف اليوم.

سبب تسمية الغزوة بتبوك:

قال في الروض تبعاً لابن قتيبة: سميت الغزوة بعين تبوك، وهي العين التي أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» ألا يمسوا من مائها شيئاً، فسبق إليها رجلان، وهي تبض بشيء من ماء، فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها، فسبهما رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقال لهما: ما زلتما تبوكانها منذ اليوم، فلذلك سميت العين تبوك.

والبوك: كالنقش والحفر في الشيء، ويقال: منه باك الحمار الأتان يبوكها إذا نزا عليها([110]).

ونقول:إن لنا مع هذا النص وقفات:

الأولى: فسبهما رسول الله :

زعم هذا النص: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد سب ذينك الرجلين اللذين حاولا إثارة ماء العين بسهميهما..

وهذا كلام باطل لما يلي:

أولاً: إن هذين الرجلين لم يقصدا الخلاف على رسول الله «صلى الله عليه وآله» وإنما وجداها تبض بماء قليل، فأرادا إثارتها، ليزداد ماؤها لينتفع به المسلمون.. وهذا معناه: أن نيتهما كانت صالحة، فلم يفعلا ما يستحقان به السبّ بحسب ظاهر الأمر..

ومع غض النظر عن ذلك، فقد كان اللازم هو الرفق بهما، والإستعلام عن نيتهما، ثم تكون العقوبة، أو يكون العفو، وهو الأمثل والأجمل برسول الله «صلى الله عليه وآله»، المأمور بالعفو عن الناس..

ثانياً: لو سلمنا أنهما قصدا الخلاف عليه، فإنه «صلى الله عليه وآله» لم يزل ينهى عن سب الناس، والتفوه بالألفاظ الفاحشة، فقد روي أن عائشة قالت له معترضة عليه: قلت لفلان: بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألنت له القول؟

فقال: «يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش»([111]).

وقال لها: «..إن الفحش لو كان مثالاً لكان مثال سوء»([112]).

وقال «صلى الله عليه وآله»: «لو كان الفحش خَلْقاً لكان شر خَلق الله»([113]).

وقال: «إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام»([114]).

وروي عنه «صلى الله عليه وآله» قوله: «ألا أخبركم بأبعدكم مني شبهاً»؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: «الفاحش المتفحش البذيء»([115]).

وقال: «يا عائشة، لا تكوني فاحشة»([116]).

وأما بالنسبة لسباب المسلم، فقد روي عنه «صلى الله عليه وآله» أنه قال: «سباب المسلم فسق»([117]).

وقال «صلى الله عليه وآله»: «سباب المسلم فسق وقتاله كفر»([118]).

فما معنى أن ينسب إليه أنه قد بادر إلى سب ذينك الرجلين؟!

ثالثاً: لعل المقصود بنهيه عن مساس ذلك الماء بشيء هو عدم الأخذ منه، تماماً كما جرى في قضية، قول طالوت لعسكره: {إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}([119]).

ولا أقل من أن ذلك قد يكون مما احتمله أو ظنه الرجلان المشار إليهما، فما معنى سبهما قبل التأكد من الأمر؟!

رابعاً: إن كلمة: «فسبهما» من الراوي كما لا يخفى، في حال أنّا لا نرى في قول النبي «صلى الله عليه وآله»:  «ما زلتما تبوكانها منذ اليوم» أي سباب، بعدما تقدم من أن البوك هو النقش والحفر!!

إلا إذا كان المراد: أنه «صلى الله عليه وآله» قد سبهما بكلام آخر غير هذه الكلمة..

الثانية: تسمية العين تبوك:

ولا مجال أيضاً لقبول ما زعمته تلك الرواية: من أن تسميتها بتبوك بسبب قول النبي «صلى الله عليه وآله» لذينك الرجلين: ما زلتما تبوكانها.. لأن النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه قد أطلق اسم تبوك على تلك البقعة قبل أن يصل إلى تبوك بيوم، حيث رووا: أنه «صلى الله عليه وآله» قال لأصحابه: «إنكم ستأتون غداً ـ إن شاء الله ـ عين تبوك»([120]).

فهذا الاسم كان ثابتاً للموضع، ومتداولاً قبل وصول النبي «صلى الله عليه وآله» والمسلمين، ومنهم ذانك الرجلان إليه، فما معنى قولهم: أن تسميتها بتبوك متفرع على اعتراضع «صلى الله عليه وآله» على الرجلين.

تاريخ غزوة تبوك وهي آخر مغازيه:

وقد صرحوا: بأن تبوك آخر مغازيه «صلى الله عليه وآله»([121])، وهي المعروفة بغزوة العسرة، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها كما سيأتي إن شاء الله تعالى..

وقد وقع في الصحيح ـ يعني صحيح البخاري ـ ذكرها بعد حجة الوداع.

قال الحافظ: وهو خطأ، ولا خلاف أنها قبلها، ولا أظن ذلك إلا من النساخ، فإن غزوة تبوك كانت في رجب سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف.

وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس: أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر.

وليس هذا مخالفاً لقول من قال إنها في رجب إذا حذفنا الكسور، لأنه «صلى الله عليه وآله» قد دخل المدينة بعد رجوعه إلى الطائف في ذي الحجة([122]).

إما تبوك، وإما الهلاك:

في حديث عمران بن حُصين: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يجلس كل يوم على المنبر فيقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تُعبد في الأرض. فلم يكن للناس قوة»([123]).

ونحن نعلم: أنه «صلى الله عليه وآله» قد قال هذه الكلمة في بدر، وهو ساجد.. وقد ذكرنا أن حرب بدر كانت مصيرية بالنسبة إلى الإسلام، والمسلمين، فقوله «صلى الله عليه وآله» هذه الكلمة في تبوك يفيد:

أولاً: أن ثمة خطراً حقيقياً يتهدد عصابة أهل الإيمان كلها. وكان ذلك في بدر ظاهراً للعيان، فإن قريشاً إذا انتصرت، فسوف لا تبقي على أحد تتوهم فيه أنه سيكون ميّالاً إلى القيام بأي نشاط في الدعوة إلى عبادة الله سبحانه.. وسوف تدخل المدينة لتلتقي مع المشركين واليهود، وسيكونون فرحين جداً بها، وسيتعاونون معها لاستئصال البقية الباقية من المسلمين في المدينة أيضاً، وذلك سيكون أغلى أمانيهم، وأعظم إنجازاتهم بنظرهم..

ثانياً: إنه لا ريب في أن هلاك تلك العصابة سينتج أن لا يعبد الله تعالى على الأرض.. وهذا يساوق محو معالم الدين، وإزالة كل أثر له من العقول، والنفوس..

ثالثاً: إنما كان «صلى الله عليه وآله» يقول ذلك على المنبر، لأنه يريد أن يعرف الناس خطورة تلكئهم عن ذلك المسير حيث يثير ذلك شهية العدو الخارجي لانتهاز فرصة العمر بزعمه، وليبطل كيد المنافقين الذين كانوا يتآمرون على تضييع جهد النبي «صلى الله عليه وآله» في حشد الناس للجهاد والدفاع..

ولعل هناك من يتوهم أن الكثرة سوف تغني عنهم من الله شيئاً، فأهملوا، وتقاعسوا، واتكلوا عليها، ولم يلتفتوا إلى أن كثرة المنافقين والساعين في عرقلة الأمور، والمدبرين للمكائد والمصايد والساعين للإخلال بالأمن الداخلي بعد مسير الجيش باتجاه تبوك، فإن ذلك كله سوف يطمع جيش الروم، ويدفعه لاغتنام الفرصة لإنزال أقسى ضرباته بجيش الإسلام..

رابعاً: إن هذا الذي ذكرناه يبين أن كلمة: فلم يكن للناس قوة، قد جاءت في غير محلها، وأنها مجرد أسلوب تضليلي عن حقيقة معاناة رسول الله «صلى الله عليه وآله» مع قومه..

لماذا كانت غزوة تبوك؟!:

وقد اختلفت المزاعم والإجتهادات في بيان أسباب غزوة تبوك، ونذكر هنا بعض ترهاتهم وأباطيلهم في هذا المجال، مع الإشارة إلى بعض وجوه الخلل فيه، وذلك على النحو التالي:

1 ـ النبي ليس ألعوبة بيد اليهود:

ورووا عن عبد الرحمن بن غنم: أن اليهود أتوا رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوماً، فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقاً أنك نبي فالحق با