الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الثلاثون

 

المركز الإسلامي للدراسات


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الثامن:

جيش الإسلام في تبوك

نزول المسلمين في تبوك:

عن حذيفة، ومعاذ بن جبل، قال: إنه خرج مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» عام تبوك.

قال: فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل فصلى المغرب والعشاء جميعاً، ثم قال: «إنكم ستأتون غداً إن شاء الله تعالى عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي».

وفي حديث حذيفة: «بلغ رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن في الماء قلة، فأمر منادياً ينادي في الناس: أن لا يسبقني إلى الماء أحد».

قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من مائها، فسألهما رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «هل مسستما من مائها شيئاً».

قالا: نعم.

فسبهما، وقال لهما ما شاء الله أن يقول.

ثم غرفوا من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شن، ثم غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيه وجهه ويديه، ومضمض، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير.

ولفظ ابن إسحاق: فانخرق الماء حتى كان يقول من سمعه: إن له حساً كحس الصواعق، وذلك الماء فوارة تبوك. انتهى.

فاستسقى الناس، ثم قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا مليء جناناً»([1]).

وعن عروة: أن النبي «صلى الله عليه وآله» حين نزل تبوك وكان في زمان قلّ ماؤها فيه، فاغترف غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه، ثم بصقه فيها، ففارت عينها حتى امتلأت. فهي كذلك حتى الساعة([2]).

وعن جابر قال: انتهى رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى تبوك، وعينها تبض بماء يسير مثل الشراك، فشكونا العطش، فأمرهم فجعلوا فيها ما دفعها إليهم، فجاشت بالماء، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» لمعاذ: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جناناً»([3]).

ونقول:

النبي لا يسب أحداً:

قد تقدم بعض هذا الحديث فيما سبق حين الكلام عن سبب تسمية عين تبوك، وذلك أول هذا الجزء من الكتاب، وقد قلنا: إنه لا يصح قولهم: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد سب أحداً من الناس، وهو الذي نهى الناس عن السباب..

الجمع بين الصلاتين وتأخير الصلاة:

وقد تضمن النص المتقدم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد جمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وهذا لا إشكال فيه، إذ الجمع بين الصلاتين جائز في فقه أهل البيت «عليهم السلام» مطلقاً، أي سواء أكان ذلك في السفر أو في الحضر، مع عذر من مطر أو غيره وبدونه..

ولكن غير الشيعة يلزمون أنفسهم بالتفريق في الحضر، ويجيزون الجمع في السفر، وفي حال وجود عذر من مطر أو غيره..

وقد بدأ الشيعة بالتفريق وبالجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من عهد الرسول «صلى الله عليه وآله»، وذلك اقتداءً منهم بهذا النبي الكريم والعظيم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين، حيث صرحت الروايات الكثيرة المروية عند السنة والشيعة، بأسانيد صحيحة: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد جمع بين الصلوات من دون عذر من سفر، ولا مطر، ولا غير ذلك([4]).

علماً بأن الشيعة لا يرون الجمع واجباً، كما لا يرون التفريق حتماً لازماً..

يضاف إلى ذلك: أن القرآن نفسه لم يحدد سوى ثلاثة أوقات للصلاة اليومية، حيث قال: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}([5]).

وقد دلت روايات أهل البيت «عليهم السلام» أيضاً: على صحة الجمع والتفريق، فقد روي: أنه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، إلا أن هذه قبل هذه([6]).

وهذا معناه: أن وقت فضيلة الظهرين يكون قد بدأ بمجرد الزوال، مع حتمية تقديم صلاة الظهر، ثم يستمر وقت فضيلتهما معاً إلى حين صيرورة ظل كل شيء مثله كما دلت عليه روايات أخرى، فينتهي حينئذٍ وقت فضيلة الظهر، ويستمر وقت فضيلة العصر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه.. فينتهي هذا الفضل.

فمن صلى الظهر بعد صيرورة ظل الشيء مثله، إلى آخر الوقت، فإنه يكون قد صلاها في غير وقت فضيلتها.

ومن يصلي العصر بعد صيرورة ظل كل شيء مثليه إلى الغروب، فإنه يكون قد صلاها في غير وقت فضيلتها.

ثم إن علينا أن لا ننسى أن الجمع بين الصلاتين حتى في السفر، أو المطر، أو غير ذلك دليل على أن أوقات الصلاة اليومية ثلاثة، لأنها لو كانت خمسة لكان الجمع بين الصلاتين يقتضي أن تكون إحدى الصلاتين قد وقعت في خارج وقتها، أو الإلتزام بسقوط شرطية الوقت في الصلوات الأربع من الأساس، لأن الجمع بين الصلاتين قد يكون بتقديم العصر إلى وقت الظهر، وقد يكون بتأخير الظهر إلى وقت العصر، كما أنه قد يكون بتقديم العشاء إلى وقت المغرب، وقد يكون بتأخير المغرب إلى وقت العشاء..

وأما ما ذكرته الرواية المتقدمة عن تأخير النبي «صلى الله عليه وآله» لصلاته، فلا بد أن يكون المقصود به هو التأخير مع البقاء في داخل وقت الفضيلة، وبدون ذلك، فإن الحديث يكون مكذوباً لأن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يختار من الأعمال إلا ما هو أفضل وأتم..

خطبة النبي في تبوك:

وقالوا: خطب رسول الله «صلى الله عليه وآله» عام تبوك وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: «ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس إن من خير الناس رجلاً يحمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه حتى يأتيه الموت. وإن من شر الناس رجلاً فاجراً جريئاً، يقرأ كتاب الله، لا يرعوي إلى شيء منه([7]).

وعن عقبة بن عامر: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما أصبح بتبوك حمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:

«أيها الناس، أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص القرآن.

هذا وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة.

ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبراً، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً.

ومن أعظم الخطايا اللسان الكذاب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والإرتياب من الكفر، والنياحة من أعمال الجاهلية، والغلول من جثى جهنم، والسكركة([8]) من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الرؤيا رؤيا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله عز وجل، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألَّ على الله يكذبه، ومن يَغفر يُغفر له، ومن يَعف يعفِ الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله.

اللهم اغفر لي ولأمتي ـ قالها ثلاثاً ـ استغفر الله لي ولكم([9]).

الإرتياب من الكفر:

ومن الواضح: أن الإرتياب الذي هو من الكفر هو ذلك الذي يكون في الله عز وجل.. أو في نبوة نبيه «صلى الله عليه وآله»، أو في البعث، أو في القرآن، وغير ذلك، وكذلك الحال إذا كان الريب في صفات الله، كأن يرتاب في علمه تعالى، أو في عدله.. أو في قدرته وما إلى ذلك..

النياحة من أعمال الجاهلية:

والنياحة التي هي من أعمال الجاهلية هي النّياحة بالباطل، أو تلك التي تصاحبها بعض الأمور المحرمة..

الشعر من إبليس:

والشعر الذي هو من إبليس هو الذي تحدث الله تعالى عنه بقوله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}([10]).

وهو الشعر الذي يراد به إشاعة الباطل، أو العدوان على الناس، أو ما إلى ذلك.

الشقي من شَقِيَ في بطن أمه:

وعن قوله: «الشقي من شقي في بطن أمه» نقول:

قد يتخيل البعض أن هذه الفقرة تؤيد مقولة الجبر الإلهي للعباد على أفعالهم..

وهو تخيل باطل، فإن الآيات الكثيرة وكذلك الروايات المتوافرة قد دلت على أن الإنسان هو الذي يختار طريق السعادة، أو طريق الشقاء..

وعِلْمُ الله تعالى بما يختاره لا يؤثر في ذلك الإختيار شيئاً، ولا يجعله مقهوراً أو مجبوراً على فعله، بل يكون مثل علمنا بأن فلاناً سوف يأكل أو سوف يشرب، وأن الشمس ستطلع في صباح اليوم التالي، وأن الأرض سوف تنبت نباتها وزرعها.. وما إلى ذلك..

كما أن وجود الدوافع القوية نحو الشر في داخل الإنسان لا تجعله مجبراً على اختيار طريق الشر، مهما كانت تلك الدوافع والنوازع قوية، وعاصفة، وحتى لو كانت قد ولدت معه..

فقد ورد أن محمد بن أبي عمير، قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر «عليهما السلام» عن معنى قول رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه».

فقال: الشقي من علم الله وهو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال الأشقياء، والسعيد من علم الله وهو في بطن أمه أنه سيعمل أعمال السعداء.

قلت له: فما معنى قوله «صلى الله عليه وآله»: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»؟

فقال: إن الله عز وجل خلق الجن والإنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}([11]). فيسر كلاً لما خلق له، فالويل لمن استحب العمى على الهدى([12]).

ولهذا البحث محل آخر، وقد تقدم بعض منه أكثر من مرة في هذا الكتاب فراجع..

عباد بن بشر على الحرس في تبوك:

وقد استعمل رسول الله «صلى الله عليه وآله» على حرسه بتبوك من يوم قدم إليها، إلى أن رحل منها عباد بن بشر، فكان عباد يطوف في أصحابه على العسكر، فغدا على رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوماً، فقال: يا رسول الله، ما زلنا نسمع صوت تكبير من ورائنا حتى أصبحنا، فولَّيتَ أحدنا يطوف على الحرس؟!

قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «ما فعلت، ولكن عسى أن يكون بعض المسلمين انتدب».

فقال سِلْكان بن سلامة: يا رسول الله، خرجت في عشرة من المسلمين على خيلنا، فكنا نحرس الحرس.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «رحم الله حرس الحرس في سبيل الله، ولكم قيراط من الأجر على كل من حرستم من الناس جميعاً أو دابة»([13]).

ونقول:

إن هذا النص ملتبس بدرجة كبيرة، وذلك من عدة جهات.

الأولى: في أن سلكان بن سلامة وتسعة معه كانوا يحرسون الحرس، وهذه سابقة غير معهودة، فإن الناس إنما ينتدبون لحراسة الجيش الذي يخلد إلى الراحة، خوفاً من أن يفاجئه عدو متربص، ويوقع به.. أما حراسة الحرس، فلم نسمع بها في التدابير المألوفة في مسير الجيوش، وفي حلها وارتحالها..

الثانية: ما معنى أن يسمع الحرس ذلك التكبير بالقرب منهم، ولا يتحرون مصدره، ولا يسعون لكشف حقيقته، فلعلها مكيدة لهم ولعله عدو متربص بهم، ولعل.. ولعل..

الثالثة: هل الذي يتصدى للحرس يعلن بالتكبير حتى يسمعه الآخرون؟!. فلو فرض أن جماعة تفكر في الإيقاع أو الإغارة على بعض أطراف الجيش، ألا يكون صوت الحرس في جوف الليل، من موجبات تحديد موقعهم، وذلك بالتالي يعطي القدرة للعدو على تجنب المرور على مواضع تمركز ذلك الحرس، ويبحث عن ثغرات أخرى يستطيع التسلل والنفوذ منها؟!.

الرابعة: هل كان الحرس متمركزين في موقع بعينه، حتى استطاع عشرة أشخاص فقط أن يقوموا بمهة حفظهم وحراستهم في ذلك الموقع علماً بأن ذلك الجيش الذي يتولون حراسته كان يعد بثلاثين، أو أربعين أو سبعين ألفاً، وتحتاج حراسة موقع نزول هذا العدد، بما معه من دواب ومراكب إلى أعداد كبيرة، قد تصل إلى المئات، لأن المساحة التي يحتاجونها ستكون كبيرة..

الخامسة: إذا كان النبي «صلى الله عليه وآله» قد دعا لهم لأنهم قد حرسوا الحرس، فما معنى أن يتحدث عن الأجر على حراسة الدواب أيضاً.. فإن المفروض: أنهم لم يحرسوها.

وما معنى قوله: «جميعاً أو دابة».

السادسة: لماذا انتظر عباد بن بشر إلى الصباح ليعلم النبي «صلى الله عليه وآله» بأمر ذلك التكبير الذي سمعه؟!. ألم يكن الأحرى به، والأصوب له أن يخبره «صلى الله عليه وآله» بالأمر فور سماعه لذلك التكبير؟!

السابعة: ما معنى أن تقتصر حراسة عباد على الطواف بأصحابه على العسكر؟! ألم يكن ذلك من شأنه أن يهييء الفرصة للعدو ليورد ضربته حين يصبح الحرس المتجولون بعيدين عن النقطة التي يريد الهجوم منها..

مسجد تبوك:

قالوا: لما انتهى رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى تبوك وضع حجراً قبلة مسجد تبوك، وأومأ بيده إلى الحجر وما يليه، ثم صلى بالناس الظهر، ثم أقبل عليهم فقال: «ما ها هنا شام، وما ها هنا يمن»([14]).

ونلاحظ هنا ما يلي:

1 ـ تحديد الجهات:

إن تحديد الجهات للناس الذين يدخلون بلاداً لم يعرفوها ضروري جداً، ليعرفوا قبل كل شيء موقعهم، والجهة التي يتربص بهم عدوهم فيها، أو يأتيهم الخطر من جهتها، كما أنه يحدد لهم الجهة التي يشعرون بالأمن والسكينة فيها، وتحن قلوبهم إليها أو يرجون الخير فيها..

2 ـ مسجد تبوك وقبلته:

ثم إن أول شيء صنعه «صلى الله عليه وآله» في تبوك هو تحديد المسجد والصلاة فيه، وتعيين قبلته بواسطة وضع حجر فيها، ليعرف الناس موضع صلاتهم، ويكون المسجد هو نقطة الإرتكاز في تحركهم في تلك المنطقة ثم أشار إلى الحجر، وإلى الجهة كلها لتصبح جهة القبلة معلومة للجميع.

وإنما أشار إلى ما يلي الحجر، حتى لا يدخل في وهم أحد أن للحجر نفسه خصوصية كما هو الحال بالنسبة لعبادة الأصنام.. بل الخصوصية للجهة، من حيث إنها جهة القبلة، فيتوجه الناس إليها، لا إلى الحجر بما هو حجر..

3 ـ ما هاهنا يمن:

وقوله «صلى الله عليه وآله»: «ما هاهنا شام، وما هاهنا يمن». يؤيد ما ذكرناه في موضع سابق من هذا الكتاب، من أن اليمن يطلق حتى على أهل مكة، بل وعلى أهل المدينة أيضاً.

بل إن هذه العبارة المذكورة هنا تفيد أن كل ما بعد تبوك إلى جهة اليمن، هو يمن.. وأن كل ما قبل تبوك إلى جهة الشام فهو شام.. فتبوك هي الحد الفاصل بين هاتين المنطقتين..

واللافت هنا: أنه قد عبر عن ذلك بالاسم الموصول، وهو كلمة «ما» بالنسبة لليمن والشام على حد سواء، فدل ذلك على أنه يريد إطلاق كلمة يمن وشام على كل أرض بعد تبوك لتكون يُمناً، وكل أرض قبلها، فهي شام..

النبي في تبوك يصلي على ميت في المدينة:

عن معاوية بن أبي سفيان، وعن أنس قالوا: كنا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» بتبوك، قال أنس: فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت بمثلهم فيما مضى، فأتى جبريل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «يا جبريل ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت بمثلهم فيما مضى»؟!

قال: «ذلك معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة اليوم، فبعث الله تعالى سبعين ألف ملك يصلون عليه، فهل لك في الصلاة عليه؟

قال: «نعم».

فخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» يمشي، فقال جبريل بيده هكذا يفرج له عن الجبال والآكام، ومع جبريل سبعون ألف ملك، فصلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وصف الملائكة خلفه صفين، فلما فرغ رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال لجبريل: «بم بلغ هذه المنزلة».

قال: «بحبه {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}([15]) يقرؤها قائماً أو قاعداً، أو راكباً أو ماشياً وعلى كل حال([16]).

«قال الحافظ في لسان الميزان في ترجمة محبوب بن هلال: هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وله طرق يقوى بعضها ببعض.

وقال في فتح الباري، في باب الصفوف على الجنازة: إنه خبر قوي بالنظر إلى مجموع طرقه.

وقال في اللسان في ترجمة نوح بن عمر: طريقه أقوى طرق الحديث. انتهى.

وأورد الحديث النووي في الأذكار في باب: «الذكر في الطريق».

فعلم من ذلك رد قول من يقول: إن الحديث موضوع لا أصل له»([17]).

ونقول:

1 ـ لقد مات سلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، بل لقد استشهد أو مات الكثيرون من الأنبياء، والأوصياء، والأولياء، ولم نرَ الشمس قد طلعت بضياء وشعاع ونور فريد، لم تطلع بمثله. باستثناء حالات خاصة أريد بها إفهام الأمة معنى، وإيقافها على حقيقة تحتاج إلى معرفتها في دينها ويقينها. كما هو الحال بالنسبة لاستشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» في كربلاء.

2 ـ لم توضح الرواية تلك الخصوصية التي ظهرت في نور الشمس وشعاعها، ونورها، هل هي الحمرة؟ أم الحدة؟ أم تمازج الألوان؟ أم ماذا؟

3 ـ ما الفرق بين ضياء الشمس ونورها، وكيف اختلف حالهما فيما بينهما، ثم اختلف الحال بينهما وبين الشعاع.

4 ـ حين خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» يمشي، وكان جبريل يزيح الجبال والآكام من أمامه.. إلى أين كان يقصد؟! وإلى أين بلغ؟! ولماذا احتاج إلى قطع هذه المسافات؟! ألم يكن يمكنه «صلى الله عليه وآله» أن يَصُفَّ الناس، ويصلي على ذلك الميت، وهو في موضعه؟!

5 ـ لم يذكر النص الآنف الذكر ما يدل على خروج أحد من المسلمين مع النبي «صلى الله عليه وآله» إلى تلك الصلاة، بل يذكر ـ فقط ـ أن سبعين ألف ملك اصطفوا خلف النبي «صلى الله عليه وآله»، وصلوا بصلاته.

6 ـ هل يمكن القبول بافتراض أن لا يكون النبي «صلى الله عليه وآله» عارفاً بأثر قراءة {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} في هذه الأحوال، أو أنه قد عرف ذلك لكنه لم يعلم حتى الخلَّص من أصحابه به، حتى فاتتهم هذه المنزلة والكرامة؟

قد يدَّعى: أن سؤال النبي «صلى الله عليه وآله» لجبرئيل عن سبب بلوغ هذه المنزلة يدل على صحة الإحتمال الأول، وهو أن هذه الرواية المزعومة تريد أن تدَّعي: أنه لم يكن عالماً بذلك. نعوذ بالله من الزلل والخطل في الإعتقاد وفي القول وفي العمل..

7 ـ وأخيراً لو صح هذا الحديث ـ ودون إثبات صحته خرط القتاد ـ فهو لا يدل على مشروعية صلاة الغائب، لاحتمال أن يكون ما صنعه جبرئيل قد جاء لإكرام رسول الله «صلى الله عليه وآله» بخفض كل رفع، ورفع كل خفض له، حتى أصبحت جنازة ذلك الرجل أمامه، فصلى عليه النبي «صلى الله عليه وآله» صلاة الحاضر لا الغائب، تماماً كما كان الحال بالنسبة للنجاشي ملك الحبشة حسبما تقدم في بعض فصول هذا الكتاب..

المرور بين يدي المصلي:

عن يزيد بن نِمْرَان قال: رأيت رجلاً بتبوك مقعداً، فقال: مررت بين يدي رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأنا على حمار، وهو يصلي، فقال: «اللهم اقطع أثره»، فما مشيت عليها بعدها.

وعن سعيد بن غزوان عن أبيه: أنه نزل بتبوك وهو حاج، فإذا رجل مقعد فسأله عن أمره، فقال: سأحدثك حديثاً فلا تحدث به ما سمعت أنِّي حي، إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» نزل بتبوك إلى نخلة فقال: «هذه قبلتنا»، ثم صلى إليها.

فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال: «قطع صلاتنا قطع الله أثره». فما قمت عليها إلى يومي هذا([18]).

ونقول:

إننا لا نشك في كذب هذه الرواية.

فأولاً: إن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يدعو بقطع الأثر على غلام لا يحسن تقدير الأمور، ولم يبلغ سن التكليف، كما أن الله تعالى لا يستجيب دعاءً على بريء، ولا يشارك في ظلم أحد..

ثانياً: حتى لو كان هذا الغلام قد بلغ سن التكليف، ثم مر في حال الغفلة أمام المصلي، فإنه معذور، ولا يستحق أن يدعو عليه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، بل لا يجوز له ذلك..

ثالثاً: من الذي قال: إن ذلك الغلام كان يعرف أن المرور بين يدي المصلي حرام؟!

رابعاً: إن قول النبي «صلى الله عليه وآله» في دعائه على ذلك الشخص: «قطع الله أثره» ليس معناه أن لا يقف على رجليه.. بل هو شيء آخر يختلف عن مضمون تلك الدعوة تماماً..

فما معنى جعل عدم قدرته على الوقوف على رجليه استجابة لتلك الدعوى؟!..

خامساً: روي عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يصلي، وأنا معترضة بين يديه اعتراض الجنازة.

وقد روي هذا بوجوه مختلفة.

وقالت في بعضها: وأنا حائض.

وفي بعضها: أنه «صلى الله عليه وآله» كان يغمز رجليها فتقبضهما، فإذا رفع رأسه بسطتهما([19]).

فإذا كان اعتراض المرأة خصوصاً الحائض بين المصلي، وبين القبلة لا يقطع الصلاة، فالمرور من بين يدي المصلي بطريق أولى([20]).

وعن عائشة وهي ترد على قولهم: لا يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة قالت: أعدلتمونا بالكلب والحمار؟! لقد رأيتني مضطجعة على السرير، فيجيء النبي «صلى الله عليه وآله»، فيتوسط السرير فيصلي، فأكره أن أسنِّحه (أي أن تستقبله ببدنها في صلاته)، فأنسل من قبل السرير، حتى انسل من لحافي([21]).

قال العيني: «وفيه دلالة على أن مرور المرأة بين يد المصلي لا يقطع صلاته، لأن انسلالها من لحافها كالمرور بين يدي المصلي»([22]).

وقال الطحاوي: «دل حديث عائشة على أن مرور بني آدم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة»([23]).

ونضيف هنا: أن نفس أن يبادر النبي «صلى الله عليه وآله» للصلاة في موضع يكون هناك إنسان معترض في قبلته فيدفعه ذلك إلى الإنسلال من أمامه يدل على عدم قادحية وجود أو مرور إنسان أمام المصلي..

سادساً: إن الروايات عن أهل البيت «عليهم السلام» وهم أعرف بما فيه تدل عدم حرمة المرور بين يدي المصلي([24]).

سابعاً: إن ظاهر رواية غزوان عن المقعد الذي رآه في تبوك: أنه لم تكن لغزوان معرفة بذلك الرجل المقعد، فلماذا وكيف وثق ذلك المقعد به، حتى باح له بسره، وأوصاه ألا يحدِّث به ما سمع أنه حي؟! مع العلم: بان غزوان إنما نزل بتبوك، وهو حاج، فكيف يسمع بحياة ذلك المقعد وهو في بلده البعيد عن تبوك مئات الأميال.. فهل كان ذكر ذلك الرجل المقعد واسمه يطبق الآفاق؟! لكي يسمع به غزوان..

كرامات لرسول الله في تبوك:

قال رجل من بني سعد هُذَيم: جئت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهو جالس بتبوك في نفر، فقال: «يا بلال أطعمنا».

فبسط بلال نطعاً ثم جعل يخرج من حميتٍ له، فأخرج خرجات بيده من تمر معجون بسمن وأقط، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «كلوا».

فأكلنا حتى شبعنا، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لآكل هذا وحدي.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معاء واحد».

ثم جئت في الغد متحيناً لغدائه لأزداد في الإسلام يقيناً، فإذا عشرة نفر حوله، فقال: «هات أطعمنا يا بلال».

فجعل يخرج من جراب تمراً بكفه قبضة قبضة، فقال: «أخرج، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً».

فجاء بالجراب ونشره، فقال: فحزرته مُدَّين، فوضع رسول الله «صلى الله عليه وآله» يده على التمر وقال: «كلوا باسم الله».

فأكل القوم وأكلت معهم، وأكلت حتى ما أجد له مسلكاً.

قال: وبقي على النطع مثل الذي جاء به بلال، كأنا لم نأكل منه تمرة واحدة.

قال: ثم غدوت من الغد، وعاد نفر فكانوا عشرة أو يزيدون رجلاً أو رجلين، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «يا بلال أطعمنا».

فجاء بلال بذلك الجراب بعينه، أعرفه، فنثره، ووضع رسول الله «صلى الله عليه وآله» يده عليه وقال: «كلوا باسم الله».

فأكلنا حتى نهلنا، ثم رجع مثل الذي صب، ففعل ذلك ثلاثة أيام([25]).

عن عرباض بن سارية قال: كنت ألزم باب رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الحضر والسفر، فرأيتنا ليلة ونحن بتبوك، وذهبنا لحاجة، فرجعنا إلى منزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقد تعشى ومن معه من أضيافه، ورسول الله «صلى الله عليه وآله» يريد أن يدخل قبته ـ ومعه زوجته أم سلمة ـ فلما طلعت عليه قال: أين كنت منذ الليلة؟

فأخبرته، فطلع جعال بن سراقة وعبد الله بن مغفل المزني، فكنا ثلاثة كلنا جائع، إنما نغشى باب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فدخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» البيت، فطلب شيئاً نأكله، فلم يجده، فخرج إلينا فنادى: «يا بلال هل من عشاء لهؤلاء النفر».

فقال: والذي بعثك بالحق لقد نفضنا جربنا وحمتنا.

قال: «انظر عسى أن تجد شيئاً».

فأخذ الجرب ينفضها جراباً جراباً، فتقع التمرة والتمرتان، حتى رأيت في يده سبع تمرات، ثم دعا بصحفة فوضع التمر فيها، ثم وضع يده على التمرات، وسمى الله تعالى، فقال: «كلوا باسم الله».

فأكلنا، فحصيت أربعاً وخمسين تمرة، أعدها عداً، ونواها في يدي الأخرى، وصاحباي يصنعان مثل ما أصنع، وشبعنا، فأكل كل واحد منا خمسين تمرة، ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هي. فقال: «يا بلال ارفعها، فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل شبعاً».

فلما أصبح رسول الله «صلى الله عليه وآله» صلى صلاة الصبح ثم انصرف إلى فناء قبته، فجلس وجلسنا حوله، فقرأ من «المؤمنون» عشراً، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «هل لكم في الغداء»؟

قال عرباض: فجعلت أقول في نفسي أي غداء، فدعا بلالاً بالتمرات، فوضع يده عليهن في الصحفة، ثم قال: «كلوا بسم الله».

فأكلنا، فوالذي بعثه بالحق، حتى شبعنا وإنا لعشرة، ثم رفعوا أيديهم منها شبعاً، وإذا التمرات كما هي، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «لولا أني أستحي من ربي لأكلنا من هذا التمر حتى نرد المدينة عن آخرنا».

وطلع عليهم غلام من أهل البدو، فأخذ رسول الله «صلى الله عليه وآله» التمرات فدفعها إليه، فولى الغلام يلوكهن([26]).

الكافر يأكل في سبعة أمعاء:

ونقول بالنسبة لما تقدم، من أن الكافر يأكل بسبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معاء واحد([27]) نقول:

قد ذكرنا أن هذا الحديث إن ثبت، فلا بد أن يكون المراد منه المعنى المجازي، وهو:

أولاً: أن المؤمن لا يأكل رزقه إلا من باب واحد وهو باب الحلال، أما الكافر فلا يبالي من أي باب أكل، ومن أين أكل، فأي باب فتح له أكل منه.. فمآكل الكافر كثيرة، وذكر السبعة إنما هو لإفادة الكثرة، كقوله تعالى: {وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ}([28]).

ثانياً: أو يقال: إن المؤمن يأكل ليعيش، أي أنه لا يهتم إلا بما يمسك به الرمق، ويقيم الأود، ولا يعيش ليأكل، فيكون كالدابة المربوطة همها علفها، وشغلها تقممها. فكأن المؤمن لشدة قناعته يأكل بمعاء واحد، وكأن الكافر لشدة شرهه، واستقصائه في البحث عن اللذة له سبعة أمعاء..

ثالثاً: أو يقال: إن هذا كناية عن طمع الكافر وجشعه، وحبه للدنيا، واستغراقه في طلبها، واتساع رغبته بها، فهو يأكل كل ما يحصل عليه، يأكل الدينار، ويأكل القنطار، ويأكل البلاد والعباد..

وأما أن يكون المراد: أن الكافر يأكل سبعة أضعاف ما يأكله المؤمن، فلا مجال لقبوله، لأن المشاهد خلاف ذلك، وأنه لا فرق بين المؤمن والكافر في مقدار الطعام الذي يتناوله كل واحد منهما.

رابعاً: يفهم من بعض النصوص: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: ستكون من بعدي سنة، يأكل المؤمن في معاء واحد، ويأكل الكافر في سبعة أمعاء([29])..

فإن كان المراد هو الإخبار عن سنة من الزمان يكون فيها ذلك، فالأمر واضح، وإن كان المراد بها ـ كما احتمله العلامة المجلسي ـ السُّنَّة([30]) ـ بالضم والتشديد ـ فالحديث يشير إلى أمر سيحصل، ولا نعرف متى سيكون ذلك.

حديث الجراب في ميزان الإعتبار:

ونحن نعتقد: أن حديث الجراب الذي يرويه ذلك الرجل، الذي لم نعرف اسمه، وإن كان ممكناً في حد نفسه، وأن له نظائر كثيرة جداً في حياة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأن صدور أمثال هذه المعجزات والكرامات منه «صلى الله عليه وآله» وعنه يعد بالعشرات، إن لم يكن بأكثر من ذلك..

إلا أن اللافت هنا: أن نقل هذه الحادثة قد اقتصر على رجل مجهول من بني سعد هذيم..

مع أن هذا الحدث قد تكرر أمام جماعة من الناس.. وتكرر مع بلال حامل الجراب ثلاث مرات، فهل زهد المسلمون بنقل هذه الحوادث لكثرتها؟!

على أن لنا أن نسأل: لماذا لم يأت هذا الرجل نفسه في اليوم الرابع أيضاً؟! لكي يأكل من جراب رابع وخامس.

ويلاحظ هنا: أن رقم عشرة تكرر في اليومين الأخيرين، مع الإشارة إلى أن العشرة الأخيرة كانت هي نفس العشرة التي جاءت في اليوم السابق.

عرباض ملازم لباب الرسول :

وعن رواية عرباض بن سارية نقول:

إن دعواه أنه كان ملازماً لباب رسول الله «صلى الله عليه وآله» في السفر والحضر.. لا نجد ما يؤيدها، بل المعروف خلافه، إلا إن كان يقصد أنه كان ملازماً للمسجد مع أهل الصفة، الذين كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يهتم بأمرهم، ويقوم بإعالتهم، لكونهم من الفقراء، وكان عرباض منهم([31])..

لماذا المعجزة والكرامة هنا؟!:

على أننا لا ندري سبب إظهار هذه الكرامة لعرباض، وجعال، وابن مغفل، فإن كان السبب هو جوع هؤلاء، فإن غيرهم أيضاً كان يعاني من نفس المشكلة، فلماذا آثر هؤلاء وحرم أولئك؟!. فليظهر هذه الكرامة لكل جائع.

وإن كان السبب هو أن هؤلاء كانوا يحتاجون إلى إظهار المعجزة، لترسيخ يقينهم، وإزالة الريب من نفوسهم، فذلك يعني أن شائبة النفاق كانت ماثلة فيهم، أو في بعضهم.

وتستمر هذه الشبهة حولهم إلى ما بعد وفاة النبي «صلى الله عليه وآله».

ولعل مما يؤكد هذا الأمر بالنسبة لبعضهم: أنهم يقولون: إن إبليس تصور بصورة مغفل بن سراقة يوم أحد([32])..

لولا أني أستحي من ربي!!:

وحين نقرأ قوله «صلى الله عليه وآله»: «لولا أني أستحي من ربي، لأكلنا من هذا التمر حتى نرد المدينة عن آخرنا».. قد يراودنا خاطر يزعج اليقين لدينا بصحة هذا القول، من حيث تضمنه جرأة على مقام العزة الإلهية، لأنه يعطي: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان أكرم من الله على عباد الله، وأرفق بهم منه.. وهذا المنطق مرفوض ومدان جملة وتفصيلاً.. لأنه يؤدي إلى الخروج من الدين.

فلا بد أن يكون المقصود: أنه «صلى الله عليه وآله» يستحي من الله لأن هذا الطلب يؤدي إلى نقض الغرض من المعجزة أو الكرامة.. لأن أولئك الناس قد ينتزعون منه فكرة خاطئة، أو يزينها الشيطان لهم، وهو أن هذا العطاء، وهذه الكرامة.. قد منحهم الله إياها عن استحقاق منهم لها.

أو لربما يدخل في وهمهم: أن هذا العطاء هو السنة الإلهية التي لو لم يجرها الله تعالى فيهم لكان ظالماً لهم، ولكان لهم الحق في أن يطالبوه بها..

أو غير ذلك من الأوهام الشيطانية التي تؤدي إلى أن يصبح حالهم مع النبي «صلى الله عليه وآله» حال بني إسرائيل مع موسى «على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام»..

أو لأن المقصود هو ـ كما ذكره بعض الإخوةـ: أنه لا ينبعي للنبي «صلى الله عليه وآله» أن يعتمد، ولا يغري المؤمنين بالإعتماد على المنح الإلهية التي حباه الله تعالى بها في تحصيل الأرزاق، فإن ذلك يؤدي إلى قعود الناس عن طلب الرزق، وإلى غير ذلك من أمور..

نفضنا جُرَبَنا:

إن ثمة سؤالاً يحتاج إلى إجابة، وهو أنه إذا كان الطعام قد فقد، وكانوا قد نفضوا جُرُبَهم و.. و.. حتى احتاجوا إلى التصرف النبوي، والإستجابة الإلهية.. فماذا كانوا سيأكلون، وينفقون في الأيام التالية، وإلى حين رجوعهم إلى المدينة؟! والحال أن البلاد ليست بلادهم، وليس لهم فيها زراعة ولا تجارة، ولا غير ذلك!!.

إلا أن يكون المقصود: أن الطعام الذي كان عند رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد استنفد، أما الآخرون فكان لديهم طعام، ولعلهم لا يتركون رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الأيام التالية..

أو يقال: إن نفاد الطعام لا يعني نفاد المال الذي يشتري به في اليوم التالي حيث يبيعه المسلمون أو غيرهم من سكان تلك المنطقة.

يطلع قرن الشيطان من المشرق:

وقالوا: كان رجل من بني عذرة يقال له: عدي يقول: جئت رسول الله «صلى الله عليه وآله» بتبوك، فرأيته على ناقة حمراء يطوف على الناس، يقول:

«يا أيها الناس، يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي الوسطى، ويد المعطى السفلى، أيها الناس، فتغنوا ولو بحزم الحطب، اللهم هل بلغت» ثلاثاً.

فقلت: يا رسول الله، إن امرأتيَّ اقتتلتا، فرميت إحداهما، فَرُمي في رميتي ـ يريد أنها ماتت ـ فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «تعقلها ولا ترثها».

فجلس رسول الله «صلى الله عليه وآله» في موضع مسجده بتبوك، فنظر نحو اليمين، ورفع يده يشير إلى أهل اليمن، فقال: «الإيمان يمان».

ونظر نحو الشرق، فأشار بيده فقال: إن الجفاء وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر، من نحو المشرق، حيث يطلع الشيطان قرنيه([33]).

ونقول:

إن لنا مع هذا النص وقفات، نقتصر منها على ما يلي:

تعقلها، ولا ترثها:

هناك حكم شرعي يقول: لا يرث القاتل من المقتول إذا قتله عمداً، وإذا كان القتل شبيهاً بالعمد، كأن يكون قاصداً لإيقاع الفعل على المقتول غير قاصد للقتل، وكان الفعل مما لا يترتب عليه القتل في العادة، فقد اختلفت كلمات الفقهاء فيه، تبعاً لاختلاف ما استفادوه من النصوص..

أما قتل الخطأ فلا يمنع من التوارث..

فقد يقال: إن قتل هذا الرجل لزوجته لم يكن متعمداً، بل هو شبيه بالعمد.. وقد حكم النبي «صلى الله عليه وآله» بعدم إرثه منها.. فهذا يؤيد قول من قال: بعدم الإرث في شبه العمد.

ونجيب: بأن هذا المورد ليس من موارد شبه العمد، لأن الآلة التي استعملت، والفعل الذي حصل هو بحسب الظاهر مما يترتب عليه القتل عادة، لأن الظاهر من كلامه أنه رماها بسهم، والسهم يقتل عادة، أو هو من آلات القتل والقتال.

إن قلت: لكن رواية الضحاك تقول: «فرميت إحداهما بحجر»([34]).

قلنا: إن الحجر يمكن أن يكون كبيراً بحيث يقتل عادة، أو يكون رماه بحيث يصيب منها مقتلاً في العادة بحسب جلستها أو نومتها أو حالها، وعلى كل حال، فمع مثل هذه الإحتمالات لا يثبت أنه شبه العمد، لأنه على بعض الوجوه عمد كرميها بسهم أو نحوه.

ها هنا يطلع قرن الشيطان:

وقد ادعت الرواية المتقدمة: أن النبي «صلى الله عليه وآله» أشار إلى الشرق، وقال: إن الجفاء، وغلظة القلوب في الفدادين أهل الوبر، من نحو الشرق، حيث يطلع قرن الشيطان..

ونقول:

إن الحديث المعروف والثابت والمتداول هو ذلك الذي رواه البخاري عن نافع، عن ابن عمر قال: قام النبي «صلى الله عليه وآله» خطيباً، فأشار إلى مسكن عائشة، وقال: ها هنا الفتنة ـ ثلاثاً ـ من حيث يطلع قرن الشيطان([35]).

وفي البخاري أيضاً قال: خرج النبي «صلى الله عليه وآله» من بيت عائشة، فقال: رأس الكفر من ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان([36]).

وحين صدمتهم دلالة هذا الحديث حاولوا إيجاد مخارج له.. فتمخض الجبل فولد فأرة حين زعموا: أن حجرة عائشة كانت إلى جهة الشرق.

وباقي الأحاديث تقول: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أشار إلى الشرق، وقد فسره «صلى الله عليه وآله» بقوله: «حيث يطلع قرن الشيطان»، أي من جانب الشرق..

قالوا: ولو كان المراد حجرة عائشة، فكيف يصح أن يقول: إن الشيطان يطلع من حجرته المقدسة؟!.

والحال أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يطلع من الحجرة؟!([37]).

ونقول:

أولاً: إن ظاهر الكلام يمنع من إرادة جهة الشرق، بل المقصود هو مسكن عائشة، الذي يزعمون أنه يقع في جهة الشرق، ولذلك صرح البخاري: بأنه أشار إلى مسكن عائشة، وأورده في باب ما جاء في بيوت أزواج النبي «صلى الله عليه وآله»، فإن كان قد ذكر جهة الشرق حقاً، فلأن مسكن عائشة كان يقع في تلك الجهة حسب زعمهم.. أي أن المطلق، وهو جهة الشرق يحمل على القيد، وهذا هو طبع الكلام في الموارد المختلفة..

ثانياً: إن مسكن عائشة كان إلى جانبه بيوت كثيرة، ولم يكن وحده في تلك الجهة، فلماذا خص الراوي مسكنها بالذكر؟!.

ثالثاً: لماذا قال «صلى الله عليه وآله»: «من ها هنا» (الذي هو للإشارة للقريب)، ولم يقل: من هناك الذي يشار به للبعيد؟!.

في حين أنه قد استعمل لفظ: «هناك» في الحديث الذي أشار به إلى نجد فقال: هناك الزلازل والفتن([38]).

رابعاً: إنه «صلى الله عليه وآله» لم يرد أن كل من يطلع من تلك الحجرة فهو قرن شيطان، لكي يشمل نفسه بهذا الكلام ـ كما زعموا ـ بل أراد التكنية عن شخص بعينه، يكون منه ما لا يرضاه الله تعالى. كما أظهرته الوقائع بعد استشهاد النبي «صلى الله عليه وآله»..

خامساً: إننا نقول: إن الروايات التي تتحدث عن الشرق ربما تكون مجعولة، من أجل تخفيف وطأة حديث البخاري، ويكون ذلك مخرجاً له..

إذ إن بيت عائشة لم يكن إلى جهة الشرق، بل كان في جهة القبلة في مسجد رسول الله «صلى الله عليه وآله». فلاحظ ما يلي:

1 ـ قالوا: «والمعروف عند الناس أن البيت الذي على يمين الخارج من خوخة آل عمر المذكورة هو بيت عائشة»([39])..

وخوخة آل عمر كانت قبلي المسجد الشريف، وهي اليوم، «يتوصل إليها من الطابق الذي بالرواق الثاني من أروقة القبلة. وهو الرواق الذي يقف الناس فيه للزيارة أمام الوجه الشريف، بالقرب من الطابق المذكور»([40])..

وكان دار حفصة قبلي المسجد([41])، ملاصقاً لبيت عائشة من جهة القبلة([42]).

2 ـ وقال محمد بن هلال عن بيت عائشة: كان بابه من جهة الشام([43]).

وقال ابن عساكر: «وباب البيت شامي»([44])..

ومن المعلوم: أن الجهة الشامية التي للمسجد هي الجهة الشمالية، فإذا كان باب بيت عائشة يقابل الجهة الشمالية، فإنه لا يكون لجهة الشرق..

سادساً: وأخيراً نقول:

إنه لا مانع من أن يطلع قرن الشيطان من موضعين أحدهما: جهة المشرق..

وثانيهما: مسكن عائشة، الذي لم يكن في تلك الجهة، وليس ثمة ما يحتم أن تكون الروايات مسوقة لبيان أمر واحد، إذ لعل هناك حالتين لا بد من أن يخبر النبي «صلى الله عليه وآله» عنهما جميعاً..

الإيمان يمان:

وعن قوله «صلى الله عليه وآله»: «الإيمان يمان»، نقول:

قد تحدثنا عن هذا الموضوع قبل بضعة صفحات تحت عنوان: «3 ـ ما ها هنا يمن». وفي فصل: «خمسة وفود بلا تاريخ». تحت عنوان: «وفد الأشعريين». فراجع..

غير أننا نحب أن نشير إلى أنه إذا كان المقصود باليمن واليمان هو ما يشمل الحجاز كله، واليمن أيضاً، فلا ضير في ذلك ما دام أصل الإيمان المتمثل بالنبي «صلى الله عليه وآله» وأهل بيته «عليهم السلام»، قد ظهر في هذه المنطقة، وتبعهم أولئك الذين تربوا على أيديهم، ونهلوا من معين علمهم..

فإن أريد معارضة هذا الحديث بحديث: لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من فارس([45]). فيجاب عن ذلك: بأننا لا نمنع من أن ينال رجال من فارس الدين والعلم، ولكن أصله الأصيل، وحقيقته الظاهرة المتمثلة بصفوة الخلق كله، إنما كان في منطقة الحجاز اليمانية..

ما ذنب الفدادين؟!:

قد ذكرت الرواية المتقدمة: أن الجفاء، وغلظ القلوب، في الفدادين أهل الوبر، من نحو المشرق الخ..

والفداد: هو الشديد الصوت.

والفدادون: هم الرعيان، والبقارون، والجمالون، والفلاحون وسواهم. وهم أهل الوبر، لغلظ أصواتهم، وجفائهم. ولعله لأجل رفع أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، وهم أصحاب الإبل الكثير الذين يملك أحدهم المائتين من الإبل إلى الألف، وهم مع ذلك جفاة وأهل خيلاء([46]).

ونقول:

1 ـ إنه لا دليل على أن رفع الصوت للراعي، والبقار، والجمال، والفلاح، يوجب الجفاء وغلظ القلب، إلا إذا كان الدليل هو هذه الرواية وأمثالها، ثم أخذ المصنفون في اللغة تفاسيرهم من هذه الأحاديث.

ومجتمع أهل الإيمان لا يشير إلى وجود أي فرق في أخلاق الناس الذين يشتغلون بهذه الأمور مع غيرهم من سائر الناس..

2 ـ لو كان الرعي أو الفلاحة، أو اقتناء الإبل، من موجبات الجفاء والخيلاء، فإن ذلك يفرض انحسار الإهتمام بهذه الأمور في مجتمع أهل الإيمان، ولكن هذه الأمور قد بقيت كما كانت عليه قبل الإسلام، واستمرت على نفس الوتيرة عبر العصور والدهور..

3 ـ إننا لم نجد فرقاً بين الفدادين من أهل المشرق والفدادين في المناطق الأخرى، ولم نجد الشيطان يطلع قرنيه في مشرق جزيرة العرب، أكثر مما كان ولا يزال يطلعه في سائر المناطق، مثل بلاد الشام ونجد، فضلاً عن سائر البلاد التي لا تدين بالإسلام، فإن الشيطان يطلع قرنيه في كل موقع لا يهيمن فيه دين الله تبارك وتعالى..

فلماذا اختص الفدادون المشرقيون بهذا التوصيف الحاد؟!.

إن من الأنبياء من كان يرعى الأغنام، وبعضهم كان يحرث الأرض ويزرعها، فهل هذا الوصف يشملهم؟!

هبوب ريح لموت عظيم النفاق:

قالوا: وهاجت ريح شديدة بتبوك، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: هذا لموت منافق عظيم النفاق.

فقدموا المدينة، فوجدوا منافقاً عظيم النفاق قد مات([47])..

ونقول:

قد تقدم حين الحديث عما جرى في الحجر، ومنع النبي «صلى الله عليه وآله» الناس من الإستفادة من مائها، وإكفائه القدور الخ..: أنه «صلى الله عليه وآله» أخبر الناس هناك بأنه ستهب في تلك الليلة ريح شديدة، وأن سبب ذلك هو موت عظيم من المنافقين.. وقد حصل ذلك فعلاً.

وقد تكرر ذكر هذه القضية هنا، غير أن الروايات لم تذكر اسم هذا العظيم النفاق في الموضعين، مع أنهم يهتمون بتسمية من هو أقل شأناً وخطراً بمراتب، ولو من دون مناسبة.

فهل كان هذا الرجل العظيم النفاق من أقارب بعض من يرغبون في تفخيمه وتعظيمه، ولا يريدون التلميح، فكيف بالتصريح بأدنى شيء يشير إليه أو إلى أحد من أقاربه، إذا كان مما يشين؟!.

وهل كانت الريح تهب كلما مات منافق عظيم النفاق؟! وهل هبت الريح عند موت عبد الله بن أُبي، الذي يحبون أن يصفوه بأنه رئيس المنافقين في المدينة؟!.

وأما الرواية التي تصرح باسم رفاعة بن تابوب، أو رافع بن تابوت فيرد عليها: أن هذا العظيم لم يعرف له ذكر أو دور ذو بال في تاريخ الإسلام، ولا أشار إلى أسباب عظمته في شيء، بخلاف عبد الله بن أبي، الذي زعموا أنه كان ينظم له الخرز ليتوج قبيل قدوم النبي «صلى الله عليه وآله»إلى المدينة..

بئر سعد بن هذيم:

قالوا: قدم على رسول الله «صلى الله عليه وآله» نفر من سعد هذيم، فقالوا: يا رسول الله، إنا قدمنا إليك، وتركنا أهلنا على بئر لنا قليل ماؤها، وهذا القيظ، ونحن نخاف إن تفرقنا أن نُقْتَطَع، لأن الإسلام لم يفشُ حولنا بعد، فادع الله تعالى لنا في مائها، فإنا إن روينا به فلا قوم أعز منا، لا يعبر بنا أحد مخالف لديننا.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «ابغوا لي حصيات».

فتناول بعضهم ثلاث حصيات، فدفعهن إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ففركهن بيده، ثم قال: «اذهبوا بهذه الحصيات إلى بئركم، فاطرحوها واحدة واحدة، وسَمُّوا الله تعالى».

فانصرف القوم من عند رسول الله «صلى الله عليه وآله» ففعلوا ذلك، فجاشت بئرهم بالرواء، ونفوا من قاربهم من أهل الشرك ووطئوهم، فما انصرف رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى المدينة حتى أوطئوا من حولهم غلبة، ودانوا عليه بالإسلام.

ونحن لا نريد أن نرهق القارئ بالأسئلة عن مدى صحة أن يكون هؤلاء قد وطأوا جميعاً من حولهم غلبة، ودانوا عليه بالإسلام في غضون أيام يسيرة ـ فإن ذلك مما لا يغفل عنه القارئ الكريم إن شاء الله تعالى.

أعطيت خمساً:

عن عبد الله بن عمر قال: كنا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» بتبوك، فقام من الليل يصلي، وهو كثير التهجد بالليل، ولا يقوم إلا استاك، فقام ليلة فلما فرغ أقبل على من كان عنده فقال: «أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهن أحد قبلي: بعثت إلى الناس كافة، وكان النبي يبعث إلى قومه. وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت، وكان من قبلي لم يعطوا ذلك، وكانوا لا يصلون إلا في الكنائس والبيع، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يحرمونها، والخامسة هي ما هي، هي ما هي، هي ما هي» ثلاثاً.

قالوا: يا رسول الله، وما هي؟

قال: «قيل لي سل، فكل نبي قد سأل، فهي لكم، ولمن شهد أن لا إله إلا الله».

ونقول:

إن لنا مع هذه الرواية عدة وقفات نذكر منها:

متى بعث النبي للعالمين :

جاء في الرواية المتقدمة: أن الله تعالى بعث محمداً «صلى الله عليه وآله» إلى الناس كافة في غزوة تبوك.

ونقول:

أولاً: إن الله تعالى يقول في سورة التكوير: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}([48]).

وسورة التكوير نزلت في مكة قبل الهجرة.. وقال تعالى في سورة الفرقان: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}([49]).

والجمهور على أن سورة الفرقان مكية. وقال الضحاك: مدنية([50]).

ثانياً: قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}([51]). وهي مكية أيضاً.

رابعاً: إن رسائله إلى ملوك الأرض في سنة ست دليل على أنه مبعوث إلى الناس جميعاً.

آية التيمم متى نزلت؟:

وقد صرحوا: بأن آية التيمم قد نزلت في غزوة المريسيع، وغزوة المريسيع قد سبقت غزوة تبوك بعدة سنوات، وقد قدمنا طائفة من المصادر الدالة على ذلك في فصل: «ما عشت أراك الدهر عجباً»، في فقرة: «ضياع العقد مرة أخرى».

فكيف تقول الرواية الآنفة الذكر: إن الله تعالى أعطاه التيمم في غزوة تبوك؟!

الصلاة في الكنائس والبيع، وحرمة الغنائم:

ولا ندري مدى صحة ما أطلقته الرواية: من أن الأنبياء قبل النبي «صلى الله عليه وآله» كانوا لا يصلون إلا في الكنائس والبيع.. فإن ذلك لم نجده إلا في هذه الرواية التي تعاورت عليها العلل والأسقام، وهل كان الانبياء، وغيرهم من المؤمنين لا يصلون في أسفارهم وفي حضرهم إذا لم يكن ثمة بيعة أو كنيسة قريبة منهم؟! وكذلك الحال بالنسبة لتحريم الغنائم من قبل من سبقه من الأنبياء..

أو أنهم كانوا كلما أرادوا الصلاة في أسفارهم بنوا بيعة أو كنيسة لأجل ذلك.

هي! ما هي؟!:

إننا لم نفهم ماذا عناه بقوله ثلاثاً: هي! ما هي؟!..

هل القصد أن يطرحها عليهم كأحجية، يطلب منهم حلها؟!.. أم أنه هو نفسه قد نسي الخامسة، ثم هو يحاول أن يتذكرها؟!.

نقض أول الكلام بآخره:

واللافت هنا: أن الرواية تذكر: أنه «صلى الله عليه وآله» قد نقض أول كلامه بآخره، فإنه قد قرر أولاً: أن الله تعالى قد أعطاه أولاً خمساً لم يعطها أحداً قبله.. ثم عاد أخيراً فنقض ذلك وقال: إن كل نبي قد سأل، وأنه هو أيضاً له الحق في أن يسأل كما سأل من سبقه، فلم تكن الخامسة مما اختصه الله تعالى به.. وبذلك تكون الخمسة قد نقصت واحدة، لم تكن مختصة به «صلى الله عليه وآله»، دون من سبقه..

لو تركته لسال الوادي سمناً:

عن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى غزوة تبوك، وكنت على خدمته، فنظرت إلى نِحي السمن قد قل ما فيه، وهيأت للنبي «صلى الله عليه وآله» طعاماً فوضعت النحي في الشمس، ونمت فانتبهت بخرير النحي، فقمت فأخذت رأسه بيدي.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» ورآني: «لو تركته لسال الوادي سمناً»([52]).


 

 
 

 

 
 

 

 

 

رسائل بين النبي وقيصر:

قالوا: لما وصل رسول الله «صلى الله عليه وآله» تبوك كان هرقل بحمص ـ وقيل: بدمشق ـ ولم يكن يهمُّ بالذي بلغ رسول الله «صلى الله عليه وآله» عنه من جمعه، ولا حدثته نفسه بذلك..

وعن أبي بكر بن عبد الله المزني قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «من يذهب بهذا الكتاب إلى قيصر وله الجنة»؟

فقال رجل: وإن لم يقبل؟.

قال: وإن لم يقبل.

فانطلق الرجل فأتاه بالكتاب([53]).

ونص كتاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» لقيصر هو التالي:

من محمد رسول الله إلى صاحب الروم: إني أدعوك إلى الإسلام، فإن أسلمت فلك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم، فإن لم تدخل في الإسلام فأعط الجزية، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}([54]) .

وإلا فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام أن يدخلوا فيه، وأن يعطوا الجزية([55]).

فقرأه فقال: اذهب إلى نبيكم، فأخبره أني متَّبعه، ولكن لا أريد أن أدع ملكي.

وبعث معه بدنانير إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فرجع، فأخبره، فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «كذب»، وقسم الدنانير([56]).

وعن سعيد بن أبي راشد قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» بحمص، وكان جاراً لي شيخاً كبيراً قد بلغ المائة أو قَرُبَ، فقلت: ألا تحدثني عن رسالة رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى هرقل؟

فقال: بلى، قدم رسول الله «صلى الله عليه وآله» تبوك، فبعث دحية الكلبي إلى هرقل، فلما أن جاء كتاب رسول رسول الله «صلى الله عليه وآله» دعا قسيسي الروم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم الدار.

فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، وقد أرسل يدعوني إلى ثلاث خصال: أن أتبعه على دينه، أو أن أعطيه مالنا على أرضنا، والأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب. والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن أرضنا، فهلم فلنتبعه على دينه، أو نعطه مالنا على أرضنا.

فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا: تدعونا أن نذر النصرانية، أو نكون عبيداً لأعرابي جاء من الحجاز؟

فلما ظن أنهم إذا خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقاهم ولم يكد، وقال: إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم([57]).

ثم دعا رجلاً من عرب تجيب كان على نصارى العرب، قال: ادع لي رجلاً حافظاً للحديث، عربي اللسان، أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه.

فجاءني، فدفع إلي هرقل كتاباً، فقال: اذهب بكتابي هذا إلى هذا الرجل، فما سمعته من حديثه، فاحفظ لي منه ثلاث خصال: هل يذكر صحيفته التي كتب إلي بشيء؟

وانظر إذا قرأ كتابي هذا هل يذكر الليل؟

وانظر في ظهره هل فيه شيء يريبك؟

قال: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكاً، فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبياً على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟

قيل: ها هو ذا.

قال: فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي، فوضعه في حجره، ثم قال: «ممن أنت»؟

فقلت: أنا أخو (أحد) تنوخ.

فقال: «هل لك في الإسلام، الحنيفية، ملة أبيك إبراهيم»؟

فقلت: إني رسول قوم، وعلى دين قوم، [لا أرجع عنه] حتى أرجع إليهم.

فضحك، وقال: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ}([58]).

يا أخا تنوخ، إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه، والله ممزقه وممزق ملكه، وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فمزقها، والله ممزقه وممزق ملكه.

وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأساً ما دام في العيش خير.

قلت: هذه إحدى الثلاث، التي أوصاني بها صاحبي، فأخذت سهماً من جعبتي، فكتبتها في جفن سيفي.

ثم ناول الصحيفة رجلاً عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟

قالوا: معاوية.

فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «سبحان الله أين النهار إذا جاء الليل».

قال: فأخذت سهماً من جعبتي فكتبته في جفن سيفي، فلما فرغ من قراءة كتابي قال: «إن لك حقاً، وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون».

قال قتادة: فناداه رجل من طائفة الناس قال: أنا أجوزه، ففتح رحله، فإذا هو بحلة صفورية، فوضعها في حجري.

قلت: من صاحب الجائزة؟

قيل لي: عثمان.

ثم قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «أيكم ينزل هذا الرجل»؟

فقال فتى من الأنصار: أنا.

فقام الأنصاري وقمت معه، حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله «صلى الله عليه وآله» فقال: «تعال يا أخا تنوخ».

فأقبلت أهوي حتى كنت قائماً في مجلسي الذي كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره وقال: «ها هنا امض لما أمرت له».

فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم النبوة في موضع غضروف الكتف، مثل المحجمة الضخمة ([59]).

قال محمد بن عمر: فانصرف الرجل إلى هرقل، فذكر ذلك له.

فدعا قومه إلى التصديق بالنبي «صلى الله عليه وآله»، فأبوا حتى خافهم على ملكه، وهو في موضعه بحمص لم يتحرك ولم يزحف، وكان الذي خبر النبي «صلى الله عليه وآله» من تعبئة أصحابه، ودنوه إلى وادي الشام لم يرد ذلك ولا هم به([60]).

وذكر السهيلي: أن هرقل أهدى لرسول الله «صلى الله عليه وآله» هدية فقبل رسول الله «صلى الله عليه وآله» هديته، وفرقها على المسلمين ([61]).

ثم إن هرقل أمر منادياً ينادي: ألا إن هرقل قد آمن بمحمد واتبعه، فدخلت الأجناد في سلاحها وطافت بقصره تريد قتله، فأرسل إليهم: إني أردت أن أختبر صلابتكم في دينكم، فقد رضيت عنكم، فرضوا عنه.

ثم كتب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» كتاباً مع دحية يقول فيه: إني معكم، ولكني مغلوب على أمري، فلما قرأ رسول الله «صلى الله عليه وآله» كتابه قال: «كذب عدو الله، وليس بمسلم بل هو على نصرانيته».

ونقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات:

نص الراوندي:

قد روى الراوندي: هذا الحديث باختلاف ظاهر عما ذكرناه آنفاً، ففيه: أن رسول قيصر كان رجلاً من غسان، وأن الثلاث التي أمره أن يحفظها هي: من الذي يجلس على يمين النبي «صلى الله عليه وآله»، وعلى أي شيء يجلس، وخاتم النبوة.

فوجد الغساني رسول الله «صلى الله عليه وآله» جالساً على الأرض، وكان علي «عليه السلام» عى يمينه، ونسي الغساني الثالثة، فقال له «صلى الله عليه وآله»: تعال، فانظر إلى ما أمرك به صاحبك، فنظر إلى خاتم النبوة..

فعاد الغساني إلى هرقل، فأخبره بما رأى وجرى، فقال: «هذا الذي بشر به عيسى بن مريم، أنه يركب البعير، فاتبعوه، وصدقوه».

ثم قال للرسول: أخرج إلى أخي، فاعرض عليه، فإنه شريكي في الملك..

فقلت له: فما طاب نفسه عن ذهاب ملكه([62]).

وليس في الرواية: أن ذلك قد حصل في تبوك، بل فيها ما يدل على خلاف ذلك، فإن ذكر أمير المؤمنين «عليه السلام» يدل على أن ذلك كان في المدينة، لأنه «عليه السلام» لم يكن مع النبي «صلى الله عليه وآله» في تبوك، لأنه خلفه في المدينة..

ولعل الرواة قد خلطوا بين ما حصل في تبوك من مراسلات، وبين ما حصل في المدينة قبل ذلك، حين راسل «صلى الله عليه وآله» الملوك ومنهم قيصر الروم.

على أن لنا أن نحتمل: أن يكون النبي «صلى الله عليه وآله» قد كتب إلى ملك الروم، ثم جاء جوابه مع دحية إلى تبوك، ثم جاء رسوله الآخر، وهو ذلك الرجل التنوخي إلى المدينة، ولكن الرواة قد تعمدوا أو اجتهدوا، فذكروا تبوك دون المدينة..

لماذا ضمان الجنة؟!:

وقد ضمن النبي «صلى الله عليه وآله» الجنة لمن حمل رسالته إلى ملك الروم.. ولعل هذا يشير إلى أن الناس كانوا يشعرون بخطر عظيم من التوغل في بلاد الروم، ويرون أن من الصعب جداً وصول الرسول إلى هرقل حياً. وحتى لو وصل إليه، فإن خطر أن يأمر ذلك الطاغية الغاضب والحانق بقتل الرسول قائم، وجدي، لا سيما وأن مرسل الرسالة هو قائد هذا الجيش العظيم الذي يقف عل مشارف بلاده، ويخشى أن ينقض عليها، وينقض ملك ذلك الجبار، وربما ينتهي الأمر بقتله، والتعجيل بروحه إلى النار..

فلأجل ذلك كان ثمن الدخول في هذا الخطر العظيم والجسيم هو الجنة، إذ لا شيء سواها يمكن أن يطمع به من يعرض نفسه للقتل..

غير أن لسائل أن يسأل هنا فيقول: إذا كان الله يطلع نبيه على الغيب فلماذا لم يسترشد النبي «صلى الله عليه وآله» من ربه سبحانه، ويستأذنه بإعلام هذا الرسول بنجاته من شر هرقل، ومن شر الروم كلهم.. ويدفع بذلك الخوف عنه، ويكون من ثم أكثر ثباتاً وإقداماً؟!.

ولنا أن نجيب: بأنه «صلى الله عليه وآله» لا يريد أن يعوِّد أصحابه على هذه الطريقة في التعامل مع الأمور، ومواجهة قضاياهم.. أي أنه لا يريد لهم أن يتكلوا على الغيب إلى هذا الحد، فإن سلبيات هذه الطريقة كثيرة وخطيرة، إذ هي تؤدي:

أولاً: إلى حرمانهم من ثواب الجهاد في سبيل الله، وقصد القربة، وثواب الخوف والتغرب، وحمل النفس وتوطينها على مواجهة الضرر والخطر..

ثانياً: إن ذلك يجعلهم إتكاليين في مواجهاتهم، ويسلب منهم روح الإبداع والخلاقية، ويمنعهم من التدبر في الأمور ومن التدبير الصحيح والسليم..

ثالثاً: إنه إذا مست الحاجة إلى ارتكاب المخاطر حتى الاستشهاد، وكان العمل بالإستناد إلى الغيب، الذي يحتم تعريف الناس بمآل الأمور، فقد لا نجد أحداً يقدم على ذلك باختياره، وسيظهر الفشل، وتحل الكارثة، إما بسقوط الهكيل على رؤوس الجميع، وإما بالخسران في الآخرة.

رابعاً: إن ذلك قد يختزن في داخله نزاعات، واعتراضات، وانقسامات، وعداوات، وتشكيكات في المعصوم، تخرج الناس من الدين، وتؤدي بهم إلى الردة، وإلى تركه ليواجه وحده المحنة والشدة.

بقي أن نشير إلى أن ذلك الذي تبرع بحمل الرسالة طمعاً بالجنة، كأنه تخيل أنه لا يكون له ما وعد به رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلا إذا استجاب هرقل إلى دعوة النبي «صلى الله عليه وآله» وقبل الإسلام..

فجاءه الجواب: أن المطلوب منه هو مجرد إيصال الرسالة، وأن ذلك يكفي لاستحقاق ما وعده به رسول الله «صلى الله عليه وآله».

إذا جاء الليل أين يكون النهار؟!:

وقد أجاب «صلى الله عليه وآله» على السؤال عن مكان النار بقوله: إذا جاء الليل فأين يكون النهار؟!

وهو كلام في غاية الدقة والأهمية، حيث إنه يتضمن حقيقة علمية لم تكتشفها الأمم إلا في العصور المتأخرة، حيث أشار «صلى الله عليه وآله» إلى كروية الأرض، لأن الليل إذا كان من جهة الأرض، فإن الجانب الآخر يكون هو المقابل للشمس، ويكون النهار في ذلك الجانب..

بل هو يترقى إلى ما هو أهم من ذلك، حيث يقرر أيضاً: أن هذه المجرة السابحة، أو حتى منظومة المجرات نفسها السابحة في الكون ربما تكون جميعها ككومة من حبات عنب، منظومة في عنقود أو بدونه، إن هذه المجرات التي ربما تكون في حالة اتساع مستمر على قاعدة: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}([63]). فإن الجنة إذا كانت في جهة من هذه المجرة، أو منظومة المجرات، فلتكن النار في الجهة الأخرى، فإن ما يسبح في الفضاء أي جهة من جهاته توازي الجهة الأخرى، وتقابلها تماماً كما يكون الليل في جهة من الأرض السابحة في الفضاء والنهار في الجهة الأخرى.

توضيحات لا بد منها:

إن الألفاظ إنما وضعت لمعانٍ يدركها الإنسان وهي بالدرجة الأولى المعاني المحسوسة، بالبصر أو السمع أو اللمس.. ثم المعاني القريبة من الحس، كالكرم، والشجاعة، والعدالة والغضب وغير ذلك مما يرى دلائله، ويحس بآثاره. ثم هو يركِّب من هذه وتلك معانيَ جديدة، ويستفيد منها في الإنتقال إلى ما هو أدق وأغرب.

ولكن القرآن يريد أن يوصل للإنسان معاني أسمى وأعظم مما يخطر على باله، أو يمر في خياله.

وقد احتاج إلى أن يضعها في قوالب لفظية، كانت قد وضعت لمعان مبتذلة وعادية، وقريبة ومحدودة؛ فكان عليه أن يتوسل لإيصال الإنسان إلى تلك المعاني العالية بالمجازات والكنايات، والإستعارات، واستعمال تراكيب مختلفة، وإشارات وتلميحات، ومختلف أنواع الدلالات.

فحين أراد مثلاً بيان حجم الكون..

قال أولاً: هناك سماء وأرض، والسماء مأخوذة من السمو، وهو العلو..

ثم قال: هناك سماء دنيا، وهي القريبة الدانية، وهناك سماوات عُلى.

ثم ذكر: أن السماوات سبع.

ثم قال: إن جميع ما نراه من نجوم يسطع نورها، فإنما هو في السماء الدنيا، فقال تعالى: {وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}([64]).

وحيث إنه قد يفهم من ذلك: أن هذا يختص بالنجوم التي تظهر في الليل، لأن المصابيح تكون في الظلمة، عاد فذكر في آية ثانية ما يفيد التعميم لكل كوكب حتى للشمس التي تطلع في النهار، فقال: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}([65]).

أو لعل كلمة «المَصَابِيحَ» توهم الاختصاص بما يكون نوره نابعاً من ذاته، كما هو الحال في المصباح، فلا يشمل ما كان نوره مكتسباً من غيره، فجاءت الآية الثانية لتفيد الشمول إلى كل ما يضيء، سواء أكان في الليل أم في النهار، حيث عبرت بكلمة «الْكَوَاكِبِ» ثم جاء التعبير بـ «الزينة» ليشير إلى أن هناك رؤية وتلذذاً، وإدراكاً لهذه الحالة الجمالية «الزينة».

وإذا رجعنا إلى ما لدينا من معلومات، فسنجد: أنهم يقولون: إن هناك كواكب لم يصل نورها حتى الآن إلينا. وإن هناك كواكب يحتاج نورها إلى ملايين السنين الضوئية ليصل إلينا، ثم هم يقولون: إن الضوء يقطع ما يقارب الثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية.

فإذا ضممنا ذلك كله بعضه إلى بعض، وعلمنا: أنه كله في السماء الدنيا، فسندرك: أن حجم هذه السماء لا يمكن أن يناله وهم أو خيال..

فكيف إذا جاء الحديث ليقول لنا: إن السماء الدنيا بالنسبة للثانية كحلقة ملقاة في فلاة. وإن السماء الثانية بالنسبة للثالثة كذلك.. وهكذا السماوات السبع في الكرسي كذلك، والكرسي بالنسبة للعرش كذلك..

كما أن الله تعالى قد قال: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً}([66]).

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً}([67]).

وصرح أيضاً بقوله: {تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}([68]).

وقال تعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}([69]).

وذلك كله يظهر لنا: أن القمر الذي يبعد عن الأرض أقل من ثانية ونصف بحسب مسيرة الضوء، لا يعد بعيداً، بل هو أقرب من قريب.. وكذلك سائر الكواكب التي يفكر الإنسان بالوصول إليها كالمريخ والزهرة ونحوها، ولا يعد هذا البعد شيئاً ذا بال في حساب مسافات السماء الدنيا، فضلاً عن السماوات العلى..

هذا وقد ذكرت الآية الشريفة: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}([70])، أن الإنسان قادر على اختراق أقطار السماوات والأرض كلها، والخروج من دائرتها إلى عالم جديد، لأنه تعالى قد حدد للإنسان طبيعة المانع، وسماه له، وأخبره أنه إن تغلَّب عليه فسيتمكن من الخروج من جميع جهات السماوات والأرض، لا من جهة واحدة وحسب، ولذلك قال «مِنْ أَقْطَارِ».

فمن وصل إلى القمر لا يكون قد خرج من دائرة السماوات، أو اخترقها من أقطارها وجوانبها المختلفة، بل يكون في بداية انطلاقته إلى مسافات تحتاج إلى مليارات المليارات التي لا تنتهي من السنين الضوئية، ليقترب حتى من بعض الكواكب البعيدة نسبياً في السماء الدنيا، فضلاً عن غيرها من السماوات..

وبعد كل هذا الذي ذكرناه من حقائق مثيرة وعظيمة وهائلة نقول:

لا شك في أن الأرض واقعة في محيط السماء الدنيا، في هذه المجرة، ولكن أين هي السماوات السبع، والكرسي، والعرش، وسدرة المنتهى؟!

وكيف يكون موقعها بالقياس إلى الأرض؟!

هل تكون مثل طبقات البصلة التي يحيط بعضها ببعض؟!

أم هي منظومات هائلة من المجرات المختلفة.. يقع بعضها إلى جانب البعض الآخر، على نحو الاستطالة، أو الاجتماع المنتظم في صعيد واحد.. أو التفرق غير المنتظم؟!..

إن تحديد ذلك كله لا يدخل في نطاق قدراتي شخصياً، ولا أدري إن كان ثمة من يستطيع أن يعطي تصوراً حاسماً في هذا المجال، سوى الإمام المهدي المعصوم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطيبين الطاهرين..

غير أن من المقطوع به: أن السماء الدنيا محيطة بالأرض، وبكل ما يقع في داخلها.. ولكن إحاطتها لا تعني استدارتها في مجموع تكوينها.. كما أن موقعها بالنسبة إلى سائر السماوات لا يمكن تحديده كم أسلفنا.

وقد ظهر من جميع ما تقدم: أن مجموع السماوات والأرض وكل ما تحويه من مجرات إن هي إلا سابحة في الفضاء، وهو محيط بها من كل جانب.

لم تحدثه نفسه بشيء:

تقدم: قولهم إن هرقل لم يكن يهمُّ بالذي بلغ النبي «صلى الله عليه وآله» عنه، ولا حدثته نفسه بذلك.. ونقول:

إننا قد نقبل من هؤلاء أن يقولوا: إن فلاناً لم يفعل الشيء الفلاني، لأن المعرفة بصدور ذلك منه أو عدم صدوره قد تكون متيسرة في كثير من الأحيان، ولا سيما إذا كان ذلك الأمر جمع الجيوش، والتهيؤ للحرب، وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى عادة.

ولكننا لا نقبل من أحد أن يقول لنا: إن فلاناً لم يهم بالأمر الفلاني، لأن الهمَّ بالشيء فعل قلبي قد تصاحبه بعض الحركات باتجاه ما يهم به، وقد يخلو عنها.

وأما أن يقول قائل لنا: إن فلاناً لم تحدثه نفسه بالشيء الفلاني، فذلك ما لايمكن قبوله من أحد إلا من نبي، أو وصي نبي، لأنه قول يستبطن العبث بنا، والإستخفاف بعقولنا، وهذا ما لا نرضاه لأنفسنا، لأنه من إنسان لم يطلعه الله على غيبه، ولا أوقفه على ما يكنه ضمائر عباده.

صاحب الروم.. وعظيم الروم:

وقد عرفنا فيما سبق حين الكلام حول مراسلات النبي «صلى الله عليه وآله» لملوك الأرض في سنة ست: أنه «صلى الله عليه وآله» كتب إلى ملك الروم بعنوان: «إلى عظيم الروم» وكتب إليه في تبوك بعنوان: «صاحب الروم».

ولا ندري هل هذا هو نفس الملك السابق، أم أن ذاك قد مات أو عزل، وحل محله ملك آخر احتاج النبي «صلى الله عليه وآله» إلى الكتابة إليه، كما كان الحال بالنسبة للنبي «صلى الله عليه وآله» مع ملك الحبشة؟

غير أن ما رأيناه في الحالتين: أنه «صلى الله عليه وآله» لم يخاطبه بصفة «ملك»، ربما لكي لا يتوهم أحد أن ذلك يمثل إقراراً من نبي لا ينطق عن الهوى بالملك له، ثم يشيعون: أن هذا يثبت له حقاً منحه الله تعالى إياه، ويتخذ ذلك ذريعة لخداع السذَّج والبسطاء من الناس.

بين هرقل وفرعون:

ولا شك في أن رسالة النبي «صلى الله عليه وآله» إلى هرقل كانت في غاية الدقة. وهي رسالة هادئة وحازمة، وقد راعت أهداف الإسلام، من دون أن تعطي ذلك الطاغية أية ذريعة للتمرد، أو اللامبالاة، كما أنها لم تخلَّ بشرط الإختيار، والحرية لطاغية الروم، فقد خيره بين أمور لم يذكر له الحرب، ولا إبرام العهد..

ولكن هرقل تخلص أولاً من دحية الكلبي بكذبة كان يعرف أنها لا تنفع مع النبي «صلى الله عليه وآله»، حين زعم له أنه قد أسلم.

ثم هيأ رسولاً آخر، يستطيع أن يأتيه بالمعلومات التي يحتاج إليها، ولكنه على ما يظهر أراد أن يطمئن إلى ولاء قومه، وطاعتهم له.. فعقد جلسة مع قسيسي الروم وبطارقتها وأخبرهم بالخيارات التي كتب بها إليه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد بهرج الكلام بحيث أثار حفيظتهم، وأيقظ عنجهيتهم الدينية أولاً، حين وضعهم وهم بطارقة وقسيسون أمام خيار قبول الإسلام، والحال أنهم يرون أن كل ما لديهم هو نتيجة الإلتزام بالنصرانية، والتسويق لها، فالتخلي عنها معناه الخسارة لكل شيء.

فلم يبق أمامهم إلا خيار قبول الجزية أو والسيف، وقد عرض عليهم إعطاء الجزية بصورة تحريضية على الرفض، من خلال ما يثيره فيهم من شعور بالمظلومية.. حيث قال لهم: «أو أن أعطيه مالنا، والأرض أرضنا».

ثم إنه قد صعَّد من لهجته التحريضية، التي تسوقهم إلى المقاومة بشراسة وبقسوة حين قال لهم مرة أخرى: «ليأخذن أرضنا».

ثم قال لهم ثالثة: «فلنتبعه على دينه، أو نعطه مالنا على أرضنا»..

ويذكرنا هذا الأسلوب بما فعله فرعون «لعنه الله» في مواجهة موسى «عليه السلام»، وذلك حين كان الحوار يجري بينهما لإبطال ادِّعاء فرعون للألوهية، فأظهر الله تعالى المعجزة على يد موسى «عليه وعلى نبينا وآله السلام»، بانقلاب العصا إلى ثعبان، وظهور يده البيضاء، لكن فرعون {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ..}([71]).

ثم أكد لهم ذلك بإعلانه خروجه عن دائرة الصراع، وإيكال أمر اتخاذ القرار في حق موسى «عليه السلام» إليهم، لأن الأمر يعنيهم، والقضية قضيتهم، وهو إنما كان يساعدهم على درء الخطر فقال لهم: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}؟([72]).

وقد جاءت النتائج وفق ما خطط له قيصر، فقد «نخروا نخرة رجل واحد، حتى خرجوا من برانسهم، وقالوا: تدعونا أن نذر النصرانية، أو نكون عبيداً لأعرابي جاء من الحجاز»؟

فلما اطمأن إلى أنه قد نال ما أراد بادر إلى استيعابهم من جديد، فطمأنهم إلى أنه إنما أراد أن يختبرهم، ويقف على مدى صلابتهم.

ذهاب ملك النجاشي:

قد يعترض على النصوص المتقدمة بأنها تقول: إنه «صلى الله عليه وآله» قال لرسول ملك الروم: «وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فمزقها، والله ممزقه وممزق ملكه».

مع أن الروايات تقول: إن النجاشي أسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وإنه قد مات في حياة النبي «صلى الله عليه وآله». فصلى عليه النبي «صلى الله عليه وآله»، بعد أن رفع الله له كل خفض، وخفض له كل رفع، حتى رأى جنازته أمامه..

والجواب: أن هذا الذي مات اسمه أصحمة، وليس هو المقصود بكلام رسول الله «صلى الله عليه وآله»، بل المقصود هو الذي تولى بعده، ويقال له «النجاشي» أيضاً، لأن هذه الكلمة هي لقب ملك تلك البلاد كما يقال: كسرى وقيصر لِمَلَكَيْ الروم والفرس..

مؤتة هي القوة الرادعة:

ونعتقد: أن ما جرى في مؤتة على يد القادة الثلاثة الذين استشهدوا كان له أكبر الأثر في قرارات هرقل، وكل بطارقته وأعوانه، فقد رأيناه مذبذباً يسعى إلى التملص، والتخلص من المواجهة، فيزعم للنبي «صلى الله عليه وآله» في بادئ الأمر أنه على دينه، ويرسل إليه هدية..

ثم يرسل له رسالة أخرى، يحاول فيها أن يطرح بعض الأسئلة، ربما بهدف تسويف الوقت، وعدم إفساح المجال لإلزامه بشيء..

ولكن ما لا بد من الوقوف عنده ملياً هو: أن قيصر كان لا يزال يعيش نشوة النصر على كسرى قبل نحو سنتين، ويرى نفسه أنه يملك نصف الدنيا، وكانت حتى بلاد الشام، وفلسطين والأردن، وسواها من بلاد العرب خاضعة لسلطانه، وتدين بالولاء له.

وكان يستطيع أن يزحف بمئات الألوف من الجيوش المجهزة بأفضل الأسلحة، ليواجه بها عربياً يعيش في صحراء الحجاز، لا يملك من المال ما يهيء به نعالاً لجيشه الذي يريد أن يخترق به تلك الصحراء الشاسعة ليتقي بها ذلك الجيش حر الرمضاء، فيضطر الكثيرون منه إلى قطع تلك المسافات مشاة وحفاةً.

إن هرقل هذا لا يجرؤ على التفوه بكلمة «لا» أمام دعوة رسول الله «صلى الله عليه وآله» له، رغم أنه يدعوه وقومه إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون..

ولم يحدث في تاريخ طواغيت الأرض وعتاتها أن تأتي عساكر أعدائهم لتقف على تخوم بلادهم، وهي ثلة قليلة العدد ضعيفة العدة، ثم يسكتون ولا يحركون ساكناً، وكأن شيئاً لم يكن، مع قدرتهم على تجنيد عشرة أضعاف ذلك العدو بأفضل عدة، وأتم وأوفى عدد!!

بل تراه يتحايل على ذلك العدو، ويرسل له بالهدايا، وبالكلمات المعسولة، حتى إنه ليدَّعي ـ كاذباً ـ الإنقياد له، والقبول به، والتبعية والطاعة لكل ما يأمر به وينهى عنه.

ثم يتبع ذلك بما يشير إلى أنه بصدد التأكد من أمر النبوة، وأنه يبحث عن الحقيقة، لكي يسلب منه القدرة على التصميم على مهاجمته، وليحرجه في قرار المضي بالحرب معه، أو في التوغل في بلاده، لو أنه فكر في ذلك، لأنه كان يعلم أنه لا يمكن للنبي «صلى الله عليه وآله»أن يتخذ قراراً كهذا في حق من يظهر أنه يبحث عن الحق، ويتلمس دلائله..

والذي يبدو لنا: هو أن سبب هذا الإستخذاء من هرقل، ومن أصحاب القرار في مملكة الروم هو ما جرى في مؤتة..

فهي قد عرَّفت قيصر، ومن معه: أن الأمر في أية مواجهة مع هذا النبي الكريم «صلى الله عليه وآله»، سيكون بالغ الخطورة، إن لم نقل: إنهم كانوا على يقين من أنه لن يأتي لهم بغير الخزي والعار، والذل والصَّغار، والهزيمة النكراء، والفضيحة الصلعاء..

إذ إن مئات الأولوف التي جاء بها قيصر إلى حرب مؤتة قد واجهت ثلاثة آلاف فقط من المسلمين، وكان من المتوقع: أن يسقط أكثر المسلمين صرعى في أول ساعة بل في الدقائق الأولى من المعركة، حيث لا بد أن تتناهبهم سيوف ورماح مئات الألوف من الرجال، إن لم نقل: إن الحجارة كانت تكفيهم، لتبيد جميع أعدائهم وتفنيهم..

ولكن ما حصل كان نقيض ذلك، فإن الحرب لم تنته في اللحظات الأولى، بل طالت ربما لأيام، ولم يسقط فيها من الشهداء سوى عدد ضئيل جداً، لا يتجاوز السبعة أشخاص، كان القادة الثلاثة منهم، ولولا الهزيمة التي فرضها عليهم خالد بن الوليد، فلربما بلغ السيل الزبى، والحزام الطبيين.. والذين قتلوا من غير القادة لعلهم قتلوا بعد فرار خالد بالمسلمين، أو على الأقل لا يمكن تأكيد قتلهم في ساحة المعركة قبل ذلك.. وقد كان هذا، والحال أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن معهم.. فلو كان «صلى الله عليه وآله» معهم، فكيف ستكون عليه الحال والمآل..

ولعل قيصر وأهل الروم قد سمعوا بمعاقبة النبي «صلى الله عليه وآله» والمسلمين للعائدين من مؤتة، حتى لقد حثوا في وجوههم التراب، واستقبلوهم بما يكرهون، وقد قاطعهم وعاداهم أهلهم وذووهم وإخوانهم، وحتى نساؤهم ومحبوهم.. ولم يقل لهم أحد: «الحمد لله على سلامتكم»..

وها هو قيصر يرى عشرة أضعاف الثلاثة آلاف، ومعهم قائدهم، ورائدهم وسيدهم الذي يقدسونه، ويفدونه بأنفسهم، فأي جيش يمكن أن يواجه هؤلاء وينتصر عليهم، ولذلك اتخذ قرار الخداع دون الإنصياع، والمخاتلة والمماطلة، بديلاً عن المواجهة والمقابلة..

ولا يبعد أن حصول هرقل على أخبار إلهية من كتب سماوية وصلت إليه تتحدث عن شأن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي اضطره لاتخاذ الإجراءات التي اتخذها، أو كان عاملاً مؤثراً في ذلك.

الإستكبار الغبي:

وإن أقبح أنواع الإستكبار هو ذلك الذي ينضح بالغباء البغيض المهلك، ويضج بالسماجة المقيتة والمميتة، ولعل استكبار أولئك الأساقفة والبطارقة، والذي وافقهم عليه ملكهم أوضح مثال على ما نقول.. إذ لا معنى لأن يستكبر هؤلاء على نبي يجدونه مكتوباً عندهم في إنجيلهم وتوراتهم، وعلى رجل لا يريد أن يستعبدهم، بل يريد أن يحررهم من عبادة الشيطان، ومن العبودية للأكاسرة والقياصرة، والطواغيت والجبابرة.. ومن أسر الشهوات، وحب الدنيا، وينطلق بهم نحو الله، ليكونوا أحراراً في دنياهم، سعداء في آخرتهم..

ويا ليتهم يقدمون التبرير المقبول والمعقول لذلك، بل ذكروا: أن سبب رفضهم للإنقياد له هو كونه قد جاءهم من الحجاز، معتبريه أعرابياً، والحال أنهم لم يروه، ولم يسمعوا كلامه، ولا شاهدوا معجزته.. وذلك هو الإستكبار السمج والغبي بكل تأكيد، وأغبى منهم من قبل منهم، ورضي عنهم، وانقاد لمشورتهم، مع علمه ببوار حجتهم، وفيال رأيهم.. وهو قيصر بالذات لأن هذا الرجل قد أعلمهم مسبقاً أن هذا الحجازي هو الذي أخبرتهم به كتبهم، وعرفتهم أنه سوف ينتصر عليهم، إن عاجلاً، وإن آجلاً، فما هذه المكابرة، ولماذا المخاطرة؟!. إذن..

كذب عدو الله، وليس بمسلم:

وقد أتم الله الحجة على قيصر، وأظهر الله تعالى كذبه وخداعه، وأنه يماطل ويخاتل حين أرسل ذلك التنوخي برسالته إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، لأنها قد دلت على أنه قد كذب فيما قاله لدحية من أنه متبع للنبي «صلى الله عليه وآله»، ولكن لا يريد أن يدع ملكه، وقد تمت الحجة عليه بما عرفه من كتبهم التي أخبرتهم عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وبما بلغه عنه «صلى الله عليه وآله» من معجزات وكرامات وحالات، ثم بما عاينه من صنع الله لنبيه «صلى الله عليه وآله» في غزوة تبوك.. ثم بما عاينه مبعوثه، وأخبره به، حيث وجد ذلك المبعوث صحة كل ما أوصاه باستكناهه، وكشف حقيقته، بدءاً من:

1 ـ ذكره «صلى الله عليه وآله» لصحيفته، وإخباره بما يجري على كسرى، والنجاشي، وبما يؤول إليه أمر قيصر.. وصولاً إلى:

2 ـ إجابته «صلى الله عليه وآله» على سؤاله عن مكان النار والجنة، وانتهاءً بـ:

3 ـ مشاهدة مبعوثه خاتمَ النبوة، بعد أن ذكَّره النبي «صلى الله عليه وآله» به، إذ قد يظهر أنه كان قد نسيه..

وقد صرح النبي «صلى الله عليه وآله»: بأن قيصراً يكذب فيما يدعيه، فقد قال حين أخبره دحية بما قاله له: «كذب».

ولما قرأ كتابه أيضاً قال: «كذب» «عدو الله» «وليس بمسلم» «بل هو على نصرانيته»..

ورغم ذلك كله، تجد أن المؤرخين يوردون قضية هرقل في سياق يظهر نفس ما كان يريد هرقل أن يخدع به رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وتصوير أنه مغلوب على أمره، وأنه.. وأنه.. فهل هذا غباء؟!. أم أنهم ممن أضلهم الله تعالى على علم؟!. أم الإثنان معاً؟!

رفض التنوخي للإسلام غير منطقي:

وقد تقدم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» دعا ذلك التنوخي للإسلام، فلم يقبل بحجة أنه رسول قوم، وعلى دينهم، ولا يرجع عن دينه حتى يرجع إليهم..

وهي حجة واهية، وغير منطقية، فإن كونه رسولاً لا يمنع من قبول الحق، والإلتزام بالهدى الإلهي، ولا سيما بعد أن رأى البينات بأم عينيه، فقد رأى خاتم النبوة، وسمع إخباره عما فعله قيصر بالصحيفة التي أرسلها إليه، وعما يجري للنجاشي، وكسرى، وسمع وسجل إجابته على السؤال حيث طابقت تلك الإجابة ما أخبره به قيصر الذي أرسله..

وعاين سلوك النبي «صلى الله عليه وآله» وأخلاقه مع الناس عن قرب، حتى إنه لم يستطع أن يميزه من بينهم، حتى احتاج للسؤال عنه، فقال: أين صاحبكم؟ ولم يقل: من هو صاحبكم؟ وكأنه قد ظن أنه غائب، مع أنه يأتي من قبل أحد الملوك، ويعرف كيف يعامل الملوك رعاياهم، وما هي حقيقة تعامل رعاياهم معهم ..

هرقل يمنع الفلاحين من الإسلام، ومن الجزية:

وقد ورد في كتاب النبي «صلى الله عليه وآله» قوله لهرقل: «..وإلا..»، أي إن لم تدخل في الإسلام، ولم تعط الجزية، «فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام أن يدخلوا فيه، أو يعطوا الجزية..».

قال أبو عبيد: «لم يرد الفلاحين خاصة، ولكنه أراد أهل مملكته جميعاً، وذلك أن العجم عند العرب كلهم فلاحون، لأنهم أهل حرث وزرع، لأن كل من كان يزرع، فه&