الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

 

الجزء الواحد والثلاثون

 

 المركز الإسلامي للدراسات


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الثالث:

حج النبي برواية الإمام الصادق ×

دخول مكة والمسجد الحرام:

ثم نهض رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى أن نزل بذي طوى، وهي المعروفة اليوم بآبار الزاهر، فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ونهض إلى مكة من أعلاها من الثنية العليا، التي تشرف على الحجون.

وكان في العمرة يدخل من أسفلها، وفي الحج دخل من أعلاها وخرج من أسفلها.

ثم سار حتى دخل المسجد ضحى.

وعن ابن عمر قال: دخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» ودخلنا معه من باب عبد مناف، وهو الذي تسميه الناس: «باب بني شيبة»([1]).

وخرج من باب بني مخزوم (إلى الصفا).

فلما نظر إلى البيت، واستقبله ورفع يديه وكبر، وقال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفاً، وتعظيماً، وتكريماً، ومهابةً، وزد من عظَّمه، ممن حجه أو اعتمره، تكريماً وتشريفاً، وتعظيماً وبراً»([2]).

ونقول:

إن المروي بسند صحيح عن صادق أهل البيت «عليهم السلام»: أنه «صلى الله عليه وآله»: «فلما دخل مكة دخل من أعلاها من العقبة، وخرج حين خرج من ذي طوى»([3]).

وفي نص آخر: «دخل من أعلى مكة، من عقبة المدنيين، وخرج من أسفل مكة، من ذي طوى»([4]).

حج النبي برواية أهل البيت ^:

وحيث إنه قد وردت عن أهل بيت النبي «عليهم السلام» روايات صحيحة السند تصف لنا حج رسول الله «صلى الله عليه وآله».. نرى أن عرضها للقارئ الكريم ضروري جداً، ليأخذ الحقيقة من أهل الحقيقة، فإن أهل البيت أدرى بما فيه..

وقد رأينا تقديم ذكرها على التفاصيل التي يذكرها أتباع غير أهل البيت، لكي تكون رواياتهم «عليهم السلام» هي المعيار والميزان للصحيح من الفاسد، والحقيقي من المزيف..

وبما أن هذه الروايات قد تعددت، فقد رأينا أن نأتي بخلاصة جامعة لما تضمنته من جزئيات وخصوصيات، مقتصرين منها على ما أورده الكليني «قدس الله نفسه الزكية» في باب «حج النبي «صلى الله عليه وآله»..» وخصوصاً الروايات التي جاءت مطولة ومفصلة، فنقول:

في صحيحة معاوية بن عمار عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: أنزل الله عز وجل عليه: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}([5])، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم: بأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يحج في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة، وأهل العوالي والأعراب، واجتمعوا لحج رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإنما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون ويتبعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه([6]).

وفي صحيح عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: ذكر رسول الله «صلى الله عليه وآله» الحج، فكتب إلي([7]): من بلغه كتابه ممن دخل في الإسلام: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يريد الحج، يؤذنهم بذلك، ليحج من أطاق الحج([8]).

وفي صحيح معاوية بن عمار: فخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة زالت الشمس، فاغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة، فصلى فيه الظهر، وعزم بالحج مفرداً، وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأول، فصف له سماطان، فلبى بالحج مفرداً، وساق الهدي ستاً وستين، أو أربعاً وستين([9]) حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجة([10]).

وفي صحيح الحلبي عن علي «عليه السلام»: خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشجرة، فصلى بها، ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء، فأحرم منها، وأهل بالحج، وساق مائة بدنة، وأحرم الناس كلهم بالحج لا ينوون عمرة، ولا يدرون ما المتعة([11]).

وفي صحيح ابن سنان: فأقبل الناس، فلما نزل الشجرة أمر الناس بنتف الإبط، وحلق العانة، والغسل، والتجرد في إزار ورداء، أو إزار وعمامة، يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء.

وذكر أنه حيث لبى قال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».

وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يكثر من ذي المعارج، وكان يلبى كلما لقي راكباً، أو علا أكمة، أو هبط وادياً، وفي آخر الليل، وفي إدبار الصلوات.

فلما دخل مكة دخل من أعلاها من العقبة، وخرج حين خرج من ذي طوى.

فلما انتهى إلى باب المسجد استقبل الكعبة.

وذكر ابن سنان: أنه باب شيبة، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على أبيه إبراهيم، ثم أتى الحجر فاستلمه، فلما طاف بالبيت (وطاف الناس معه) صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم «عليه السلام».

ودخل زمزم فشرب منها، ثم قال: «اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء وسقم»، فجعل يقول ذلك وهو مستقبل الكعبة.

ثم قال لأصحابه: ليكن آخر عهدكم بالكعبة استلام الحجر، فاستلمه([12]).

وفي صحيح معاوية بن عمار: فطاف بالبيت سبعة أشواط، ثم صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم «عليه السلام»، ثم عاد إلى الحجر فاستلمه، وقد كان استلمه في أول طوافه، ثم قال: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَهِ}، فابدأ بما بدأ الله تعالى.

وإن المسلمين كانوا يظنون أن السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون، فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا..}([13]).

ثم أتى الصفا فصعد عليه، واستقبل الركن اليماني، فحمد الله وأثنى عليه، ودعا مقدار ما يقرء سورة البقرة مترسلاً.

ثم انحدر إلى المروة، فوقف عليها كما وقف على الصفا، ثم انحدر وعاد إلى الصفا فوقف عليها، ثم انحدر إلى المروة حتى فرغ من سعيه([14]).

وفي صحيح الحلبي عن الإمام الصادق «عليه السلام»: وهو شيء أمر الله عز وجل به، فأحل الناس، وقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم»([15]).

ولم يكن يستطيع أن يحل من أجل الهدي الذي كان معه، إن الله عز وجل يقول: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ}([16]).

وفي صحيح معاوية بن عمار، عن الإمام الصادق «عليه السلام»، وكذا في صحيح الحلبي باختصار: فلما فرغ من سعيه وهو على المروة، أقبل على الناس بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا جبرئيل، وأومأ بيده إلى خلفه، يأمرني أن آمر من لم يسق هدياً أن يحل، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم، ولكني سقت الهدي، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله.

قال: فقال له رجل من القوم: لنخرجن حجاجاً ورؤوسنا وشعورنا تقطر؟

وفي بعض الروايات: «وذكرنا تقطر»؟ أي من ماء المني([17]).

فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أما إنك لن تؤمن بهذا أبداً.

فقال له سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول الله، علمنا ديننا كأنا خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟

فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: بل هو للأبد، إلى يوم القيامة، ثم شبك أصابعه وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»([18]).

قال: وقدم علي «عليه السلام» من اليمن على رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو بمكة، فدخل على فاطمة «سلام الله عليها» وهي قد أحلت، فوجد ريحاً طيبةً، ووجد عليها ثياباً مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة؟

فقالت: أمرنا بهذا رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فخرج علي «عليه السلام» إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» مستفتياً، فقال: يا رسول الله، إني رأيت فاطمة قد أحلت وعليها ثياب مصبوغة؟

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «أنا أمرت الناس بذلك، فأنت يا علي بما أهللت»؟

قال: يا رسول الله، إهلالاً كإهلال النبي.

فقال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «قرّ على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هديي».

قال: ونزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» بمكة بالبطحاء هو وأصحابه، ولم ينزل الدور، فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويهلوا بالحج، وهو قول الله عز وجل، الذي أنزل على نبيه «صلى الله عليه وآله»: {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ (أبيكم) إِبْرَاهِيمَ}([19]).

فخرج النبي «صلى الله عليه وآله» وأصحابه مهلين بالحج حتى أتى منى، فصلى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء الآخرة، والفجر.

ثم غدا والناس معه، وكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع، ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله «صلى الله عليه وآله» وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله تعالى عليه: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَهَ..}([20])، يعني إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم.

فلما رأت قريش أن قبة رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد مضت، كأنه دخل في أنفسهم شيء، للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهى إلى نمرة، وهي بطن عرنة بحيال الأراك، فضربت قبته، وضرب الناس أخبيتهم عندها.

فلما زالت الشمس خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» ومعه قريش وقد اغتسل، وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثم صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين.

ثم مضى إلى الموقف فوقف به، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جانبها، فنحاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: «أيها الناس، ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف، ولكن هذا كله»، وأومأ بيده إلى الموقف، فتفرق الناس، وفعل مثل ذلك بالمزدلفة.

فوقف الناس حتى وقع القرص ـ قرص الشمس ـ ثم أفاض، وأمر الناس بالدعة حتى انتهى إلى المزدلفة، وهو المشعر الحرام، فصلى المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين.

ثم أقام حتى صلى فيها الفجر، وعجل ضعفاء بني هاشم بليل، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتى تطلع الشمس.

فلما أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى، فرمى جمرة العقبة([21]).

وفي صحيح إسماعل بن همام، عن الإمام الحسن «عليه السلام» قال: أخذ رسول الله «صلى الله عليه وآله» حين غدا من منى في طريق ضب (جبل عند مسجد الخيف)، ورجع ما بين المأزمين. وكان إذا سلك طريقاً لم يرجع فيه([22]).

وكان الهدي الذي جاء به رسول الله «صلى الله عليه وآله» أربعة وستين أو ستة وستين.

وجاء علي «عليه السلام» بأربعة وثلاثين أو ستة وثلاثين، فنحر رسول الله «صلى الله عليه وآله» ستة وستين، ونحر علي «صلى الله عليه وآله» أربعة وثلاثين بدنة.

وفي الرواية الأخرى: نحر رسول الله «صلى الله عليه وآله» ثلاثاً وستين نحرها بيده، ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلها في قدر الخ.. ([23]).

وأمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يؤخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم، ثم تطرح في برمة، ثم تطبخ، فأكل رسول الله «صلى الله عليه وآله» وعلي «عليه السلام»، وحسيا من مرقها([24]).

زاد في صحيح الحلبي قوله: «قد أكلنا منها الآن جميعاً، والمتعة خير من القارن السائق، وخير من الحاج المفرد»([25]).

وفي صحيح معاوية بن عمار: ولم يعطيا الجزارين جلودها، ولا جلالها، ولا قلائدها، وتصدق به، وحلق، وزار البيت ورجع إلى منى، وأقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق.

ثم رمى الجمار ونفر حتى انتهى إلى الأبطح، فقالت له عايشة: يا رسول الله، ترجع نساؤك بحجة وعمرة معاً، وأرجع بحجة؟

فأقام بالأبطح، وبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم.

فأهلت بعمرة، ثم جاءت، وطافت بالبيت وصلت ركعتين عند مقام إبراهيم «عليه السلام»، وسعت بين الصفا والمروة، ثم أتت النبي «صلى الله عليه وآله»، فارتحل من يومه، ولم يدخل المسجد الحرام، ولم يطف بالبيت.

ودخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين، وخرج من أسفل مكة من ذي طوى([26]).

وفي صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: الذي كان على بُدن رسول الله «صلى الله عليه وآله» ناجية بن جندب الخزاعي الأسلمي، والذي حلق رأس النبي «صلى الله عليه وآله» في حجته معمر بن عبد الله بن حراثة بن نصر بن عوف بن عويج بن عدي بن كعب.

قال: ولما كان في حجة رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو يحلقه، قالت قريش: أي معمر! أُذُنُ رسول الله «صلى الله عليه وآله» في يدك، وفي يدك الموسى؟!

فقال معمر: والله، إني لأعده من الله فضلاً عظيماً علي.

قال: وكان معمر هو الذي يرحل لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال رسول الله: «يا معمر، إن الرحل الليلة لمسترخى».

فقال معمر: بأبي أنت وأمي، لقد شددته كما كنت أشده، ولكن بعض من حسدني مكاني منك يا رسول الله أراد أن تستبدل بي.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «ما كنت لأفعل»([27]).

ونقول:

إن النصوص المتقدمة وإن كانت مأخوذة من روايات صحيحة السند، ولكنها تحتاج أيضاً إلى بعض التوضيح والبيان، فنقول:

إضافة فقرة وتصحيف أخرى:

جاء في رواية الصدوق للخبر الأخير عن الإمام الصادق «عليه السلام» فقرة أخرى لم يوردها الكليني، وهي قوله: «والذي حلق رأسه «عليه السلام» يوم الحديبية خراش بن امية الخزاعي».

وفيه أيضاً: «كان معمر بن عبد الله يرجل شعره «عليه السلام»..».

قال المجلسي «رحمه الله»: لعل الأصل يرحل بعيره، فصحفوه بقولهم: يرجل شعره، لعله لكونه يناسب الحلق.

لا فضل لقرشي على غيره إلا بالتقوى:

قال البيضاوي ـ على ما نقله عنه المجلسي ـ: «وقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}([28]). أي من عرفة، لا من المزدلفة، والخطاب مع قريش لما كانوا يقفون بالجمع، وساير الناس بعرفه، ويرون ذلك ترفعاً عليهم، فأمروا بأن يساووهم.

إلى أن قال: والمعنى أن الإفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه»([29]).

وبذلك يكون الله تعالى، ورسوله قد بينا بصورة عملية أن لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

أحرم من المسجد:

تقدم في صحيح الحلبي: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قاد راحلته حتى أتى البيداء، فأحرم منها.

قال العلامة المجلسي: «لعل المراد بالإحرام هنا عقد الإحرام بالتلبية، أو إظهار الإحرام وإعلامه، لئلا ينافي الأخبار المستفيضة الدالة على أنه «صلى الله عليه وآله» أحرم من مسجد الشجرة»([30]).

ساق مائة بدنة:

وذكرت صحيحة الحلبي أيضاً: أنه «صلى الله عليه وآله» ساق مائة بدنة.

والمراد ـ كما ذكره العلامة المجلسي أيضاً ـ: أنه «صلى الله عليه وآله» ساق مائة، لكن ساق بضعاً وستين لنفسه، والباقي لأمير المؤمنين «عليه السلام»، لعلمه بأنه «عليه السلام» يحرم كإحرامه، ويهل كإهلاله الخ..([31]).

أو المراد: أنه «صلى الله عليه وآله» هو وعلي «عليه السلام» قد ساقا مائة بدنة، فنسب ما جاء به علي «عليه السلام» إلى النبي «صلى الله عليه وآله» لأنه أخوه، ولأنه أهلّ بما أهلَّ به رسول الله «صلى الله عليه وآله» واشتركا في مجموع المائة.

يتمنى القرشيون قتل رسول الله :

قال الفيض الكاشاني «رحمه الله» تعليقاً على الرواية الأخيرة: «كأن قريشاً كنوا بما قالوا عن قدرة معمر على قتل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وتمنوا أن لو كانوا مكانه، فقتلوه. وربما يوجد في بعض نسخ الكافي: «أذى» بدل «أذن».

والمعنى حينئذ: أن ما يوجب الأذى من شعر الرأس وشعثه منه «صلى الله عليه وآله» في يدك، كأنه تعيير منهم إياه بهذا الفعل في حسبه ونسبه، وهذا أوفق للجواب من الأول» ([32]).

حج النبي قران!! أم تمتع؟!:

لقد كان حج النبي «صلى الله عليه وآله» في حجة الوداع حج قران لا حج تمتع ولا إفراد.. وقد تحير أتباع غير أهل البيت «عليهم السلام» في هذا الأمر، واختلفوا فيه..

ونحن نذكر ما قالوه مستفيدين من عبارة الصالحي الشامي أكثر من غيره، ثم نناقش أو نبين بعض ما قالوه وفق ما يتيسر لنا، فنقول:

قالوا: وساق هديه مع نفسه، و دعا ببدنته، وفي رواية: بناقته فأشعرها في صفحة سنامها من الشق الأيمن، ثم سلت الدم عنها، وقلدها نعلين، وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غيره، وكان معه «صلى الله عليه وآله» هدي كثير.

قال ابن سعد: وكان على هديه ناجية بن جندب الأسلمي، وكان جميع الهدي الذي ساقه من المدينة([33]).

«فلما صلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» الصبح أخذ في الإحرام، فاغتسل غسلاً ثانياً، غير الغسل الأول، وغسل رأسه بخطمي وأُشنان، ودهن رأسه بشيء من زيت غير كثير»([34]).

وعن ابن عمر قال: «كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يدّهن بالزيت ـ وهو محرم ـ غير المقتت»([35]).

وفي حديث أبي أيوب عند الشيخين: أنه «صلى الله عليه وآله» في غسله حزك رأسه (أي ضغطه) بيديه جميعاً، فأقبل بهما وأدبر، وطيبته بذريرة وطيب فيه مسك([36])، وبالغالية الجيدة ـ كما رواه الدارقطني، والبيهقي ـ في بدنه ورأسه حتى كان وَبِيص المسك يرى من مفارقه، ولحيته الشريفة «صلى الله عليه وآله»([37]). ثم استدامه، ولم يغسله.

وعن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب في مفرق رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعد أيام وهو محرم([38]).

وقالوا أيضاً:

ولما كان بسرف قال «صلى الله عليه وآله» لأصحابه: «من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا».

قال ابن القيم: وهذا رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات، فلما كان بمكة، أمر أمراً حتماً من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، ويحل من إحرامه، ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه، ولم ينسخ ذلك شيء البتة.

وقد روي عنه «صلى الله عليه وآله» الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من الصحابة، وأحاديثهم صحاح، وسرد أسماءهم([39]).

ولم يحل هو «صلى الله عليه وآله» من أجل هديه، فحل الناس كلهم إلا النبي «صلى الله عليه وآله» ومن كان معه هدي، ومنهم أبو بكر وعمر، وطلحة والزبير، وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة».

وهناك سأله سراقة بن مالك بن جشم، وهو في أسفل الوادي، لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة والإحلال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟

فشبك رسول الله «صلى الله عليه وآله» أصابعه واحدة في الأخرى، فقال: «لا»، ثلاث مرات.

ثم قال: «دخلت العمرة في الحج ـ مرتين أو ثلاثاً ـ إلى الأبد»، فحل الناس كلهم إلا النبي «صلى الله عليه وآله» ومن كان معه هدي([40]).

وأمر «صلى الله عليه وآله» من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، رواه عنه خلائق من الصحابة.

وقد اختلفوا في ذلك، فقال مالك، والشافعي: كان ذلك من خصائص الصحابة، ثم نسخ جواز الفسخ كغيرهم، وتمسكوا بما رواه مسلم، عن أبي ذر: لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا إلى أصحاب محمد «صلى الله عليه وآله»([41]).

وأما أحمد فرد ذلك، وجوّز الفسخ لغير الصحابة.

وهناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثاً، وللمقصرين مرة.

فأما نساؤه فأحللن، وكن قارنات إلا عائشة، فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها بحيضتها، وفاطمة حلت، لأنها لم يكن معها هدي، وعلي لم يحل من أجل هديه.

وأمر من أهل بإهلال كإهلاله «صلى الله عليه وآله» أن يقيم على إحرامه، إن كان معه هدي، وأن يحل من لم يكن معه هدي([42]).

حج تمتع أو قران أو إفراد؟!:

قال الصالحي الشامي:

اختلف في ذلك على أربعة أقوال:

الأول: الإفراد بالحج.

روى الشافعي وأحمد، والشيخان، والنسائي عن عائشة.

وأحمد، ومسلم، وابن ماجة، والبيهقي عن جابر بن عبد الله.

وأحمد، ومسلم، والبزار، عن عبد الله بن عمر.

ومسلم، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عباس: «أنه - «صلى الله عليه وآله» أهل بالحج مفرداً»([43]).

الثاني: القران.

روى أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة والبيهقي عن عمر بن الخطاب.

وأحمد عن عثمان.

وأحمد والبخاري، وابن حبان، عن علي.

وأحمد، والنسائي، والشيخان، والبزار، والبيهقي، عن أنس.

والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والدارقطني، والبيهقي، عن جابر بن عبد الله.

وأحمد، وابن ماجة، عن أبي طلحة، زيد بن سهل الأنصاري.

وأحمد، عن سراقة بن مالك.

ومالك، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي عن سعد بن أبي وقاص.

والطبراني، عن عبد الله بن أبي أوفى.

وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، عن ابن عباس.

وأحمد ومسلم، والنسائي، والدارقطني، عن الهرماس بن زياد.

وأبو يعلى، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب.

وأحمد، والشيخان، عن ابن عمرو.

وأحمد، عن عمران بن حصين.

والدارقطني، عن أبي قتادة.

والترمذي ـ وحسنه ـ عن جابر بن عبد الله.

وأحمد، عن حفصة.

والشيخان، والبيهقي، عن عائشة: «أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان قارناً»([44]).

الثالث: التمتع.

عن ابن عمر قال: تمتع رسول الله «صلى الله عليه وآله» في حجة الوداع بالعمرة، إلى الحج، وأهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله «صلى الله عليه وآله» فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج. الحديث([45]).

وعن عائشة عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في تمتعه بالعمرة إلى الحج: وتمتع الناس معه([46]).

وعن ابن عباس قال: «قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحِلَّ كلَّه، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة»([47]).

وعن حفصة أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلُّوا بعمرة؟ ولم تحلل أنت من عمرتك؟

قال: «إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر»([48]).

وعن ابن عباس قال: «تمتع رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من نهى عنه معاوية»([49]).

وعن ابن عباس، عن معاوية قال: «قصرت عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» بمشقص»، زاد مسلم، فقلت: «لا أعلم هذه إلا حجة عليك»([50]).

وعن عطاء، عن معاوية قال: «أخذت من أطراف شعر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بمشقص كان معي، بعد ما طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، في أيام العشر»([51]).

قال قيس بن سعد الراوي، عن عطاء: «والناس ينكرون هذا على معاوية»([52]).

وروى البخاري عن ابن عمر قال: «اعتمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبل أن يحج»([53]).

الرابع: الإطلاق.

عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا نذكر حجاً ولا عمرة، وفي لفظ: «نلبي لا نذكر حجاً ولا عمرة»، وفي لفظ: «خرجنا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا نرى إلا الحج. حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» من لم يكن معه هدي إذا طاف بين الصفا والمروة، أن يحل»([54]).

وفي نص آخر: «خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» من المدينة لا يسمي حجاً ولا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهلَّ ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة..»([55]) الحديث.

فهذه أربعة أقوال: الإفراد، والقران، والتمتع، والإطلاق، ورجحا أنه «صلى الله عليه وآله» كان قارناً، ورجحه المحب الطبري، والحافظ، وغيرهم.

قال: أهلَّ في مصلاه، ثم ركب ناقته، فأهل أيضاً، ثم أهلَّ لما استقلت به على البيداء، وكان يُهِلُّ بالحج والعمرة تارة، وبالعمرة تارة، وبالحج تارة، لأن العمرة جزء منه، فمن ثم قيل: قرن. وقيل: تمتع، وقيل: أفرد، وكل ذلك وقع بعد صلاة الظهر، خلافاً لابن حزم، وصاحب الاطلاع.

قال النووي، والحافظ: وطريق الجمع بين الأحاديث، وهو الصحيح: أنه «صلى الله عليه وآله» كان أولاً مفرداً بالحج، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج فصار: قارناً، فمن روى الإفراد هو الأصل، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي، وهو الانتفاع والإرتفاق([56]).

ترجيحات لحج القران:

وذكروا ترجيحات لقول من رأى أنه «صلى الله عليه وآله» كان قارناً:

وذلك من وجوه، كما قال في زاد الميعاد.

الأول: أنهم أكثر.

الثاني: أن طريق الإخبار بذلك تنوعت.

الثالث: أن فيهم من أخبر عن سماعه لفظه «صلى الله عليه وآله» صريحاً، وفيهم من أخبر عن نفسه بأنه فعل ذلك، ومنهم من أخبر عن أمر ربه بذلك، ولم يجئ شيء من ذلك في الإفراد.

الرابع: تصديق روايات من روى أنه اعتمر أربعاً، وأوضح ذلك ابن كثير بأنهم اتفقوا على أنه «صلى الله عليه وآله» اعتمر عام حجة الوداع، فلم يتحلل بين النسكين، ولا أنشأ إحراماً آخر للحج، ولا اعتمر بعد الحج، فلزم القران، قال: وهذا مما يفسر الجواب عنه انتهى([57]).

الخامس: أنها صريحة لا تحتمل التأويل، بخلاف روايات الإفراد، كما سيأتي.

السادس: أنها متضمنة زيادة سكت عنها من روى الإفراد، أو نفاها، والذاكر والزائد مقدم على الساكت، والمثبت مقدم على النافي.

السابع: روى الإفراد أربعة: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، وغيرهم رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض، وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه ولا اختلفت، كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأنس، والبراء، وعمران بن حصين، وأبي طلحة، وسراقة بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن أبي أوفى، وهرماس بن زياد.

الثامن: أنه النسك الذي أُمِرَ به من ربه، كما تقدم فلم يكن ليعدل عنه.

التاسع: أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي، ثم يسوق هو الهدي ويخالفه.

العاشر: أنه النسك الذي أمر به له ولأهل بيته، واختاره لهم، ولم يكن يختار لهم إلا ما اختار لنفسه.

الحادي عشر: قوله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، يقتضي أنها صارت جزءاً منه أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل بينه وبينه، وإنما يكون كالداخل في الشيء معه.

الثاني عشر: قول عمر: للصبي بن معبد ـ وقد أهل بحج وعمرة ـ فأنكر عليه زيد بن صوحان، وسلمان بن ربيعة، فقال له عمر: هديت لسنة نبيك «صلى الله عليه وآله» وهذا يوافق رواية عمر: أنه الوحي جاء من الله بالإهلال بهما جميعاً، فدلَّ على أن القران سنة التي فعلها، وامتثل أمر الله تعالى بها.

قال ابن كثير: والجمع بين رواية من روى أنه أفرد الحج، وبين رواية من روى القران، أنه أفرد أفعال الحج، ودخلت فيه العمرة نيةً وفعلاً وقولاً، واكتفى بطواف الحج وسعيه عنه وعنها، كما في مذهب الجمهور في القارن خلافاً لأبي حنيفة.

وأما من روى التمتع وصح عنه أنه روى القران، فالتمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص، والأوائل يطلقونه على الإعتمار في أشهر الحج، وإن لم يكن معه حج.

قال سعد بن أبي وقاص: تمتعنا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإنما يريد بهذا إحدى العمرتين المتقدمتين: إما الحديبية، وإما القضاء، فأما عمرة الجعرانة، فإنها كانت بعد الفتح، وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر.

وأما حديث ابن عمر وعائشة السابقان، فقد رويا التمتع، فهو مشكل على الأقوال، أما قول الإفراد ففي هذا إثبات عمرة إما قبل الحج أو معه، وأما على قول التمتع الخاص، فإنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعدما طاف بالصفا والمروة، وليس هذا شأن المتمتع([58]).

 



 

 

 

 

الفصل الرابع:

قبل أن يسير إلى عرفات (بروايتهم)



 

 

 

 

 

طواف النبي واستلام الركن والحجر:

وكان طوافه «صلى الله عليه وآله» بالبيت في حجة الوداع ماشياً، فقد روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي «صلى الله عليه وآله» باب المسجد، فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد، فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثاً، ومشى أربعاً حتى فرغ، قبَّل الحجر، ووضع يديه عليه، ومسح بهما وجهه»([59]).

هل طاف ماشياً؟!:

ولكن وفي مقابل ما ذكرناه آنفاً هناك نصوص تقول: إنه «صلى الله عليه وآله» قد طاف راكباً لا ماشياً، فقد روي عن عائشة أنها قالت: «طاف رسول الله «صلى الله عليه وآله» على بعيره، يستلم الركن، كراهة أن يضرب عنه الناس»([60]).

وعن ابن عباس قال: «قدم رسول الله «صلى الله عليه وآله» مكة يشتكي، فطاف على راحلته، وكلما أتى الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين([61]).

وعن ابن عباس وأبي الطفيل وجابر وغيرهم: «طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن»([62]).

زاد في نص آخر قوله: «ويقبل المحجن»([63]).

قال: طاف رسول الله «صلى الله عليه وآله» في حجته بالبيت على ناقته الجدعاء، وعبد الله بن أم مكتوم آخذ بخطامها يرتجز

وقد أجابوا عن هذه الأحاديث: بأنه «صلى الله عليه وآله» كما يقول ابن كثير: كان له في حجة الوداع ثلاثة أطواف، هذا الأول.

والثاني: طواف الإفاضة، وهو طواف الفرض وكان يوم النحر.

والثالث: طواف الوداع.

فلعل ركوبه «صلى الله عليه وآله» كان في أحد الأخيرين، أو في كليهما.

فأما الأول: وهو طواف القدوم فكان ماشياً فيه، وقد نص على هذا الشافعي.

والدليل على ذلك: ما رواه البيهقي بإسناد جيد، عن جابر قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي «صلى الله عليه وآله» باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، حتى فرغ، فلما فرغ قبَّل الحجر، ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه([64]).

قال ابن القيم: وحديث ابن عباس إن كان محفوظاً فهي في إحدى عمره، وإلا فقد صح عنه: الرمل في الثلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن يقول كما قال ابن حزم في السعي: إنه رمل على بعيره، فقد رمل لكن ليس في شيء من الأحاديث أنه كان راكباً في طواف القدوم. فلما حاذى «صلى الله عليه وآله» الحجر الأول استلمه، ولم يزاحم عليه قلت: وقال لعمر: «يا عمر، إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر، تؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر([65]).

وثبت عنه: أنه استلم الركن اليماني، ولم يثبت عنه أنه قبّله، ولا قبل يده حين استلامه.

وقول ابن عباس: كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقبل الركن اليماني، ويضع خده عليه([66]).

قال ابن القيم: «المراد بالركن اليماني ها هنا الحجر الأسود، فإنه يسمى الركن اليماني مع الركن الآخر يقال لهما: اليمانيان.

ويقال له مع الركن الذي يلي الحجر من ناحية الباب: العراقيان.

ويقال للركنين اللذين يليان الحجر: الشاميان.

ويقال للركن اليماني، والذي يلي الحجر من ظهر الكعبة: الغربيان.

ولكن ثبت عنه: أنه قبّل الحجر الأسود، وثبت عنه أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه ثم قبلها.

وثبت عنه: أنه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات.

وروي عنه: أنه وضع شفته عليه طويلاً يبكي([67]).

وعن عمر بن الخطاب: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبل الركن، ثم سجد عليه، ثم قبله، ثم سجد عليه، ثلاث مرات، ولم يمس من الركنين إلا اليمانيين فقط([68]).

وعن جعفر بن عبد الله قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس يقبله ويسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» فعل هكذا، ففعلت([69]).

وعن ابن عباس: رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يسجد على الحجر([70]).

ونص آخر يقول: استقبل رسول الله «صلى الله عليه وآله» الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً([71]).

وعن نافع قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده وقبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يفعله([72]).

وكان جابر وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس يفعلون ذلك أيضاً([73]).

وثمة مصادر أخرى ذكرت استلام أركان البيت، وتقبيل الحجر عن النبي «صلى الله عليه وآله»، وعن الصحابة، وعن أئمة أهل البيت «عليهم السلام»([74]).

قالوا: وروى الشيخان، عن ابن عباس قال: طاف رسول الله «صلى الله عليه وآله» في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجنه.

قال ابن القيم: وهذا الطواف ليس بطواف الوداع، فإنه كان ليلاً، وليس بطواف القدوم، لوجهين:

أحدهما: أنه قد صح عنه: أن الرمل في طواف القدوم. ولم يقل أحد قط رملت به راحلته، وإنما قالوا رمل نفسه.

والثاني: قول عمرو بن الشريد: أفضت مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعاً، وهذا ظاهره: أنه من حين أفاض معه، ما مست قدماه الأرض إلى أن رجع([75]).

فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً}([76]). فصلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت([77]).

ونقول:

إننا نسجل حول النصوص المتقدمة بعض الإيضاحات، أو التحفظات على النحو التالي:

السعي والطواف راكباً:

وقد تقدم: أن النبي«صلى الله عليه وآله» قد طاف راكباً.

وعن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال: طاف رسول الله «صلى الله عليه وآله» على ناقته العضباء، وجعل يستلم الأركان بمحجنه، ويقبل المحجن([78]).

وعن الإمام الباقر، عن أبيه «عليهما السلام»: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» طاف على راحلته، واستلم الحجر بمحجنه، وسعى عليها بين الصفا والمروة([79]).

وفي نص آخر: أنه كان يقبل الحجر بالمحجن([80]).

سؤال.. وجوابه:

غير أن من الواضح: أن الأفضل هو الطواف والسعي ماشياً.

فعن أبي عبد الله «عليه السلام»: سألته عن الرجل يسعى بين الصفا والمروة راكباً؟!

قال: لا بأس، والمشي أفضل([81]).

ونحن نعلم: أنه «صلى الله عليه وآله» قال: ابن سمية (أو عمار) ما عرض عليه أمران قط إلا اختار الأرشد منهما (أو أرشدهما)([82]) فإن كان هذا حال عمار فكيف بالنبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»؟!.

فركوبه «صلى الله عليه وآله» على الناقة مع كون المشي أفضل لا بد له من سبب موجب.

وقد وجدنا بعض النصوص المتقدمة عن ابن عباس تصرح: بأن السبب في ذلك هو: أنه «صلى الله عليه وآله» قدم مكة يشتكي.

ورواية عائشة المتقدمة تقول: إنه طاف راكباً كراهة أن يُضرب عنه الناس.

غير أننا نعلم: أن المقصود إن كان هو إضراب الناس عن استلام الركن لو لم يستلمه بالمحجن، فيكفي لتلافي هذه السلبية أن يصدر لهم أمره باستلامه، وأن يبادر هو إلى استلامه حين يطوف ماشياً بعد ذلك..

وإن كان المقصود هو أن الناس حين يطوفون مشاةً يزدحمون على النبي «صلى الله عليه وآله»، فيضربون ليتفرقوا عنه، فالجواب هو: أن أحداً لم يكن ليتجرأ على ضرب أحد بمحضر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكان يكفي أن يأمر الناس بأمره ليلتزموا به، خصوصاً إذا كان ذلك بمحضره..

فقول ابن عباس: إنه «صلى الله عليه وآله» كان يشتكي هو الأولى والأقرب، إن لم نقل: إنه الأصح والأصوب.

متى طاف راكباً؟!:

وملاحظة النصوص المختلفة تعطي: أنه «صلى الله عليه وآله» لم يطف راكباً، بل طاف ماشياً واستلم الحجر، وسجد عليه، ومسحه بيده ومسح بها وجهه إلى آخر ما تقدم ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون قد طاف راكباً كما ورد في عمرة القضاء، وربما تكرر ذلك منه، في عمرة له في بعض طوافاته الأخرى التي طافها في حجة الوداع، ومنها: طواف الحج وطواف النساء، وربما العديد من الطوافات المستحبة.. حيث كان مرضه يمنعه من الطواف ماشياً.

إنك حجر لا تضر ولا تنفع:

وقد رووا: أن عمر بن الخطاب استند في تقبيله الحجر الأسود إلى فعل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقالوا: لما دخل عمر المطاف قام عند الحجر، فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبلك ما قبلتك.

فقال له علي «عليه السلام»: بلى يا أمير المؤمنين هو يضر وينفع.

قال: ولم؟!

قلت: ذاك بكتاب الله.

قال: وأين من كتاب الله؟!

قلت: قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ..}([83]) الآية. وكتب ذلك في رق.. فألقمه ذلك الرق، وجعله في هذا الموضع.

فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن([84]).

وكلام عمر عن أنه يعلم أنه حجر لا يضر ولا ينفع، ولو لم ير رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقبله لما قبله مذكور في مصادر كثيرة فراجع([85]).

ولعل هذا الموقف العُمري، بالإضافة إلى أمره بقطع الشجرة التي كانت بيعة الرضوان تحتها، وكان المسلمون يقصدونها للتبرك بها والصلاة عندها، وتوعد من يعود للصلاة عندها بالقتل([86])، هما الأصل في النزعة التي ظهرت في المسلمين، والتي تقضي بالمنع من التبرك بآثار الأنبياء والصالحين.

لماذا هذا الموقف من عمر؟!:

والذي نظنه: أن عمر بن الخطاب أراد أن يظهر شدة رفضه لعبادة الأصنام بهذه الطريقة وأنه يمتاز عن غيره بهذا التشدد في كل ما يشير إلى تقديس الأحجار، حتى لو كان هو الحجر الأسود. فهو مغرق في التوحيد، حتى إنه ليتجاوز فيه ويفوق رسول الله «صلى الله عليه وآله» نفسه.

عمر يخطِّئ رسول الله :

ولكن إغراق عمر في التوحيد والإنقطاع إلى الله، يتضمن التعريض بغيره، والإتهام لهم بمن فيهم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، بأنهم مقصرون في هذا الأمر، بل إن شائبة عبادة الأحجار والأوثان لا تزال تظهر فيهم..

نعم.. لقد تضمن كلام عمر عن الحجر الأسود، وأنه لا يضر ولا ينفع تسفيهاً لفعل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإفراغاً له من محتواه، بل فيه اتهام للنبي «صلى الله عليه وآله» في دينه، وفي صحة توحيده، فإنه ومن معه لا يقدسون حجراً هو الحجر الأسود وحسب، بل يرونه معبوداً ولذلك قال له عمر: إني لأعلم أنك حجر ـ المشعر بأن غيره لا يراه حجراً.. لأنه يرى له من القدر ما يرفعه عن مستوى الحجرية، ويجعله وثناً يعبد.

بل إن قوله: إنه يعلم أنه حجر لا يضر ولا ينفع، ولولا التأسي برسول الله «صلى الله عليه وآله» لما قبله. يثير سؤالاً عن حكمة رسول الله «صلى الله عليه وآله» وسلامة عقله، وصحة تصرفاته، إذ لا جدوى من تقبيل النبي «صلى الله عليه وآله» لحجر لا يضر ولا ينفع.

على أنه إما قبَّله بأمر من الله، أو من عند نفسه، فإن كان بأمر من الله، فهل يأمر الله تعالى بشىء عبثي؟! وإن كان من عند نفسه فذلك يمثل طعناً في رسول الله «صلى الله عليه وآله». كما هو واضح..

التبرك في أجلى مظاهره:

إن تقبيل المحجن وتقبيل اليد بعد استلام الحجر أو الركن بهما، وكذلك وضع اليد على الحجر، ثم مسح الوجه بها، لهو من أجلى مظاهر التبرك، وأقواها دلالةً، إذ هو لا يتبرك بملامسة الشيء المبارك، بل يتبرك بما لامسه أيضاً، ولو كان محجناً.

سجود النبي على الحجر:

ويذكرَّنا سجود النبي «صلى الله عليه وآله» على الحجر بما يرمى به الشيعة من قبل أهل السنة، حين يرونهم يسجدون على التربة الحسينية ويقبلونها، فيتهمونهم بأنهم يعبدون الحجر.

وليت شعري هل يتهم هؤلاء رسول الله «صلى الله عليه وآله» أيضاً بأنه يعبد الحجر، لأنه يسجد على الحجر الأسود ويقبله؟!.

وهل يمكن أن يقال: إن أهل السنة قد أخذوا هذه التهمة من عمر بن الخطاب حين لمّح في كلامه إلى أن الذين يقبلون الحجر، ويسجدون عليه إنما يقبلون حجراً لا يضر ولا ينفع، فهو بمثابة الوثن الذي يعبد؟!

فإن كان النبي «صلى الله عليه وآله» والصحابة لا يعبدون الحجر الأسود حين يسجدون عليه ويقبلونه، فلماذا يعتبرون الشيعة عبَّاد أحجار، ولماذا لا يقلعون عن اتهامهم في دينهم، وعن مضايقتهم، وتوجيه أنواع الأذى والتجريح إليهم؟!.

الصلاة خلف مقام إبراهيم:

وقد صلى النبي «صلى الله عليه وآله» خلف مقام إبراهيم، وقد قال تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}([87])، ومقام إبراهيم هو الموضع الذي في الأصل حجر أو صخرة كان يقف عليها إبراهيم وإسماعيل لما بنيا البيت، وكان ملصقاً بالكعبة أعزها الله تعالى، ولكن العرب بعد إبراهيم وإسماعيل أخرجوه إلى مكانه اليوم.

ولما بعث الله محمداً «صلى الله عليه وآله»، وفتح الله له ألصقه بالبيت كما كان على عهد أبويه إبراهيم وإسماعيل..

فلما ولي عمر أخره إلى موضعه اليوم، وكان على عهد النبي «صلى الله عليه وآله»، وأبي بكر ملصقاً بالبيت([88]).

فما هذا الولع في العودة إلى رسوم الجاهلية، كما هي الحال هنا وفي رجوعهم في التاريخ الهجري إلى جعل شهر محرم هو أول السنة، كما كان في الجاهلية، بدلاً من شهر ربيع الأول، وكما في المنع من العمرة في أشهر الحج كما كانوا في الجاهلية.. وكما في منعهم من زواج المتعة، الذي لم يكن في الجاهلية.. و.. و..

ثم إنهم يرمون الناس كلهم بالشرك، ويكفرونهم لمجرد تقبيلهم قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله» أو سجودهم على تربة الحسين «عليه السلام» مع مبالغتهم في إظهار شدة تعلقهم بالتوحيد، حتى ليخيل للناظر أنهم يكادون يرمون رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالوثنية، لأنه قبَّل الحجر الأسود واستلم الأركان.. فما هذه المفارقات في تصرفاتهم وفي مواقفهم؟!

بكاء النبي حين استلام الحجر:

وعن بكاء النبي «صلى الله عليه وآله» حين استلام الحجر الأسود نقول:

إنه «صلى الله عليه وآله» لم يبك خوفاً من عقوبة على ذنب اقترفه، فإنه «صلى الله عليه وآله» نبي معصوم عن الخطأ، مبرأ من الزلل..

ولكنه بكاء الشوق إلى الله تعالى، والفرح بالوفاء بالميثاق، وبمصافحة أول ملك من الملائكة أقر بالميثاق. فأودعه الله تعالى مواثيق الخلائق([89])..

بل في بعض الروايات عن النبي «صلى الله عليه وآله» أنه قال: الحجر يمين الله، فمن شاء صافحه لها([90]).

قال المجلسي: «وهذا القول مجاز، والمراد: أن الحجر جهة من جهات القرب إلى الله تعالى، فمن استلمه وباشره قرب من طاعته تعالى، فكان كاللاصق بها، والمباشر لها..»([91]).

ابن أم مكتوم آخذ بزمام الناقة:

ولا نستطيع أن نؤيد صحة الخبر الذي يقول: إنه «صلى الله عليه وآله» قد طاف على ناقته، وابن أم مكتوم آخذ بخطامها يرتجز([92]).. لأن ابن أم مكتوم كان أعمى، وقد يرتبك الأعمى في طوافه حول البيت وحده، ومن دون مرشد ودليل، فكيف يتولى هداية ناقة غيره أيضاً في الطواف؟!.

طواف الوداع:

وقد مرت في النصوص المتقدمة الإشارة إلى طواف الوداع، الذي يكون بعد طواف الفرض.

ونقول:

إن طواف الوداع فيما يبدو لنا: هو في الأصل طواف النساء، ولكنهم بدلوا حقيقته، فلم يعد مجزياً عن طواف النساء الواجب، لعدم توفر النية الصحيحة فيه، فيا ليتهم تركوا هذا الحكم، وأراحوا أنفسهم من السؤال عنه، أو المحاسبة عليه يوم القيامة..

إنكار تقبيل الركن اليماني:

وقد أنكر ابن القيم تقبيل النبي «صلى الله عليه وآله» الركن اليماني، رغم صراحة الروايات في أنه قبَّله ووضع خده عليه.

وادَّعى: أن المراد بقول ابن عباس: كان «صلى الله عليه وآله» يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه هو ركن الحجر الأسود، لأنه يماني أيضاًَ، ولذلك يقال له، وللركن اليماني: يمانيان.

وهو تأويل بارد، عار من القرينة والشاهد..

بل ربما يقال: إنه لا يصح إطلاق كلمة «الركن اليماني» على ركن الحجر الأسود، إذ لعل إطلاق اليماني على ركن الحجر الأسود قد جاء على سبيل التغليب كقولك: العمرين، والحسنين، والقمرين، ونحو ذلك.

ولكن لا يصح إطلاق هذا الوصف على الطرف الآخر مع إفراده، فأبو بكر لا يقال له: عمر، والشمس لا يقال لها: قمر، والحسين «عليه السلام» لا يقال له: حسن هكذا.

ولو سلمنا أنه كان يطلق عليهما ذلك، فإن إرادة الحجر من كلمة الركن اليماني، تحتاج إلى قرينة وشاهد، وأما مع الإطلاق، فالمتبادر هو خصوص الركن اليماني المقابل للحجر، دون سواه..

عمر رجل قوي لا يزاحم:

وعن قول رسول الله «صلى الله عليه وآله» لعمر: «إنك رجل قوي لا تزاحِم»، نقول:

إنه لا شك في حرمة أذى الناس، سواء جاء هذا الأذى من القوي، أو من الضعيف، ولا بد من تجنب أذى الناس وهو أمر ممكن وواقع من القوي ومن الضعيف على حد سواء..

ولم نسمع أن قوياً آذى أحداً في الزحام وعفي من المؤاخذة والعقوبة، إلا إذا صدر عنه بلا اختيار.. ولم نسمع أحداً اعتذر في مقام الدفاع عن نفسه أمام القاضي في المحاكم بأنه «قوي»، كما لم نسمع أن القاضي احتمل في حقه ذلك ليجعله سبباً في تخفيف العقوبة، أو شبهة توجب درء الحد عنه..

وكل ذلك يدلنا على أن عمر بن الخطاب حين كان يؤذي الناس في الزحام، لم يكن له عذر في ذلك، بل السبب في صدور هذا الأذى منه أنه لم يكن يهتم لراحة الناس، بل كان يستفيد من قوته وشدته للحصول على ما يريد.. ومن كان كذلك، هل يكون للرعية كالوالد الرحيم، ليصح أن يتولى أمرهم؟!.

الرمل في الطواف:

وعن الرمل في الطواف نقول:

إن ذلك لا يصح، وإنما كان الرمل في عمرة القضاء، فقد روي: أنه «صلى الله عليه وآله» مر في عمرة القضاء بنفر من أصحابه جلوس في فناء الكعبة فقال: «هو ذا قومكم على رؤوس الجبال، لا يرونكم، فيروا فيكم ضعفاً».

قال: فقاموا فشدوا أزرهم، وشدوا أيديهم على أوساطهم فرملوا([93]).

وفي نص آخر عن أبي جعفر «عليه السلام»: «أمر الناس أن يتجلدوا، وقال: أخرجوا أعضادكم، وأخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» عضده، ثم رمل بالبيت ليريهم أنه لم يصبهم جهد، فمن أجل ذلك يرمل الناس، وإني لأمشي مشياً، وقد كان علي بن الحسين «عليه السلام» يمشي مشياً»([94]).

زاد في نص آخر عن ابن عباس قوله: «ورملوا بالبيت ثلاثة أشواط، ورسول الله «صلى الله عليه وآله» على ناقته، وعبد الله بن رواحة آخذ بزمامها، والمشركون بحيال الميزاب، ينظرون إليهم، ثم خرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعد ذلك، فلم يرمل، ولم يأمرهم بذلك»([95]).

وقد تحدثنا عن هذا الأمر في عمرة القضاء، في هذا الكتاب، فراجع..

سعى راكباً:

عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة ليراه الناس.

وبكونه سعى راكباً جزم ابن حزم([96]).

وظاهر الأحاديث عن جابر وغيره، يقتضي: أنه مشى، خصوصاً قوله: فلما انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى.

وجزم ابن حزم: بأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله، وانصبت قدماه أيضاً مع سائر جسده.

قال ابن كثير: وهذا بعيد جداً([97]).

وفي الجمع بينهما وجه أحسن من هذا، وهو: أنه سعى ماشياً أولاً، ثم أتم سعيه راكباً، وقد جاء ذلك مصرحاً به، ففي صحيح مسلم، عن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكباً، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة.

قال: «صدقوا وكذبوا».

قال: قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا؟!

قال: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، حتى خرج عليه العواتق من البيوت، قال: وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا يضرب الناس بين يديه، قال: فلما كثر عليه الناس ركب، والمشي أفضل([98]).

وعن قدامة بن عمار قال: «رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو يسعى بين الصفا والمروة على بعير، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك»([99]).

قلت: «وفي حديث يعلى بن أمية: أنه رأى رسول الله «صلى الله عليه وآله» مضطجعاً بين الصفا والمروة بِبُرْدٍ له نَجْرَاني»([100]).

يرى بياض فخذ رسول الله :

وعن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: «رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدور به إزاره وهو يقول: «اسمعوا فإن الله عز وجل كتب عليكم السعي».

وفي الكبير قال: «ولقد رأيته من شدة السعي يدور الإزار حول بطنه وفخذيه حتى رأيت بياض فخذيه»([101]).

ونقول:

إن لنا مع هذه الأقاويل وقفات عديدة، هي التالية:

الإضطباع:حكمه، ومعناه:

إضطبع الرجل: أبدى أحد ضبعيه، واضطبع المحرم بثوبه، أدخل الرداء تحت إبطه الأيمن، وغطى به الأيسر..

وروايات أهل البيت «عليهم السلام» لم تشر إلى الإضطباع بشيء، بل تكتفي بالأمر بلبس الإزار والرداء، ولا تشير إلى لزوم كيفية بعينها، فلا بد من حملها على لبسهما على النحو المتعارف، وهو أن يأتزر بأحد الثوبين، ويرتدي بالآخر بوضعه على الكتفين.

وأما حديث علي بن أمية أنه رأى النبي «صلى الله عليه وآله» مضطبعاً بأحد ثوبيه، فإن كان له نصيب من الصحة، فربما يكون رداء الرسول «صلى الله عليه وآله» قد اختل بسبب الهواء، أو الزحام، فرآه يعلى في تلك الحال، قبل أن يصلحه «صلى الله عليه وآله»..

رأى بياض فخذي رسول الله !!:

وإذا كانوا يروون عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن الفخذ من العورة التي لا يجوز إظهارها، فإن ذلك يقتضي عدم جواز تشريع ما يوجب انكشافها من الأساس..

واحتمال أن يكون التشريع لا يوجب ذلك، وإنما اتفق ذلك لرسول الله «صلى الله عليه وآله» لسبب ما.. لا مجال لقبوله، لأن ذلك لا بد أن يدخل في سياق التهاون والتقصير في رعاية الأحكام، وهذا ممنوع على النبي الكريم «صلى الله عليه وآله».. وبدون ذلك، فإن الله تعالى لا بد أن يسدد نبيه ويحفظه من أن يظهر منه ما يخل بمقامه، ولا سيما العورة التي يأنف كل أحد من أن يراها أي كان من الناس، حتى ولو بالرغم عنه..

وقد تقدم لنا كلام حول هذا الموضع حين الحديث عن نقل الحجارة لبناء الكعبة في الجزء الثاني من هذا الكتاب، فراجع..

قدوم علي × من اليمن:

قالوا: وسار رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبل يوم التروية بيوم، فقلنا غداً إن شاء الله تعالى بالخيف، حيث استقسم المشركون، ثم سار رسول الله «صلى الله عليه وآله» ـ والناس معه ـ حتى نزل الأبطح شرقي مكة، في قبة حمراء من أدم، ضربت له هناك.

وهناك ـ كما قال ابن كثير ـ: قدم علي من اليمن ببدن رسول الله «صلى الله عليه وآله» محرشاً لفاطمة.

فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «صدقت» ثلاثاً، «أنا أمرتها يا علي بم أهللت»؟

قال: قلت: اللهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك. قال: ومعي هدي.

قال: «فلا تحل»، فكان جملة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي ساقه رسول الله «صلى الله عليه وآله» من المدينة مائة بدنة([102]).

ونقول:

لاحظ ما يلي:

تحريش علي لفاطمة :

قد تقدم في روايات أهل البيت «عليهم السلام»: أن علياً «عليه السلام» قدم من اليمن فوجد فاطمة «عليها السلام» قد أحلت، فذهب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» مستفتياً.

فتغيرت كلمة مستفتياً عند مناوئي أهل البيت «عليهم السلام»، فصارت: «محرشاً» لتدل على: أن فاطمة «عليها السلام» لم تكن مأمونة في دينها بنظر علي «عليه السلام»، أو أن علياً «عليه السلام» نفسه كان ذا طبيعة عدوانية، واستفزازية..

الإجمال في النية:

لقد دلت نية علي «عليه السلام» وهي: أهللت بما أهل به النبي «صلى الله عليه وآله»، صحة الإجمال في النية، حين يكون المنوي محدداً في الواقع، وإن لم يعلم الناوي تفصيله، وحدوده وخصوصياته حين إنشائه للنية.

فنية النبي «صلى الله عليه وآله» كانت محددة واقعاً، فيكفي أن يقصد علي «عليه السلام» ما قصده النبي «صلى الله عليه وآله»، إذ لا ترديد في النية ولا في المنوي بحسب الواقع..

الكلب والحمار والمرأة:

وكان «صلى الله عليه وآله» يصلي مدة مقامه هنا إلى يوم التروية بمنزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة: الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء.

ولم يعد إلى الكعبة، كما في الصحيح عن ابن عباس.

وفي حديث أبي جحيفة: أنه أتى رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالأبطح وهو في قبة له حمراء، فخرج بلال بفضل وضوئه، فمن ناضح ومن نائل.

قال: فأذن بلال، فكنت أتتبع فاه ها هنا وها هنا، يعني يميناً وشمالاً، ثم خرج بلال بالعنزة بين يديه، فخرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» وعليه حلة حمراء، فكأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بنا الظهر والعصر، ركعتين ركعتين، تمرّ المرأة، والكلب، والحمار من وراء العنزة.

فقام الناس، فجعلوا يأخذون بيده فيمسحون بها وجوههم.

قال: فأخذت يديه فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك([103]).

ونقول:

1 ـ لقد تحدثنا فيما سبق عن عدم صحة قولهم: لا يقطع الصلاة إلا الكلب، والحمار، والمرأة.. وأن في هذا الكلام إساءة إلى الدين، وتكذيب لآياته، وإبطال لمناهجه، فإنه لا يصح مساواة المرأة بالكلب والحمار، وقد قال الله تعالى في كتابه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}([104])، بلا فرق في ذلك بين المرأة والرجل..

وقد كانت الزهراء «عليها السلام» بعد أبيها وبعلها أفضل الخلق. وأكرمهم على الله تبارك وتعالى.

2 ـ على أننا لا ندري لماذا انحصر قطع الصلاة بالكلب والحمار دون سائر البهائم، فلم يقطعها مرور الخنزير، أو الفرس، أو أي حيوان آخر؟!

3 ـ وقد تحدثنا عن تبرك الصحابة بآثار نبيهم الأكرم «صلى الله عليه وآله» أكثر من مرة فلا نعيد.

 


 

 

 

 

الفصل الخامس:

حج النبي برواية أهل السنة

 



 

 

 

 

 

النبي في عرفات:

قال ابن سعد: فوقف بالهضبات من عرفات وقال: «كل عرفة موقف إلا بطن عرنة»([105]). أي بالنون.

قال ابن تيمية: بطن عرنة واد من حدود عرفة.

فخطب الناس قبل الصلاة على راحلته خطبة عظيمة.

وهو قائم في الركابين ـ كما عند أبي داود ـ عن العداء بن خالد([106]).

ونص الخطبة بعد الحمد لله، والثناء عليه:

«أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليردها لمن ائتمنه عليها.

ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، وإن أول دمائكم أضع. وفي رواية: وإن أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة.

(وفي رواية: دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعاً في بني سعد بن بكر، فقتلته هذيل([107]).

وعند ابن إسحاق، والنسائي، في بني ليث، فقتلته هذيل). فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، وإن كل ربا موضوع، {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}([108])، قضى الله أنه لا ربا، وإن أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله.

أما بعد أيها الناس، الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكنه إن يطمع فيما سوى ذلك، فقد رضي بما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.

أيها الناس، إنّ {النَّسِيءَ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ}([109]) ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، وفي رواية: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً}، {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}([110])، ثلاثة متوالية: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان.

«أما بعد.. أيها الناس، اتقوا الله، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهم شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله». وفي رواية: «بكتاب الله».

ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين فلهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.

فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي أبداً ـ إن اعتصمتم به ـ أمرين، (وفي رواية: أمراً بيناً) كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه «صلى الله عليه وآله».

أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمُنّ أن كل مسلم أخ لمسلم.

وفي رواية: أخو المسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، فلا تظلمُن أنفسكم.

واعلموا أن القلوب لا تغل على ثلاث: إخلاص العمل لله عز وجل، ومناصحة أولي الأمر، وعلى لزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم.

ومن تكن الدنيا نيته يجعل الله فقره بين عينيه، ويشتت عليه ضيعته، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته، وتأتيه الدنيا وهي راغمة.

فرحم الله امرأً سمع مقالتي حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. أرقاءكم، أرقاءكم، أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، فإن جاء بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله، ولا تعذبوهم، أوصيكم بالجار (حتى أكثر، فقلنا: إنه سيورثه).

أيها الناس، إن الله قد أدى لكل ذي حق حقه، وإنه لا يجوز وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادّعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.

العارية مؤداة، والنحلة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم.

أما بعد.. فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب الشمس، حتى تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. هدْينا مخالف هدْيهم، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، فأخر الله هذه وقدم هذه. (يعني: قدم المزدلفة قبل طلوع الشمس، وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس)، وإنّا لا ندفع من عرفة حتى تغيب الشمس، وندفع من المزدلفة حتى تطلع الشمس، وهدينا مخالف لهدي الأوثان والشرك»([111]).

وفي حديث المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

«أما بعد.. أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال، كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنّا ندفع بعد أن تغيب، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام إذا كانت الشمس منبسطة»([112]).

«وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون»؟

قالوا: نشهد أنك بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها على الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد». ثلاث مرات.

وعن ابن عباس: «أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» خطب بعرفات، فلما قال: «لبيك اللهم لبيك، قال: إنما الخير خير الآخرة».

ونقول:

قد تضمنت هذه الخطبة العظيمة أموراً هامة لا مجال للإفاضة في الحديث عنها، فآثرنا أن نقتصر منها على ثلاثة أمور، نعرضها للقارئ الكريم باختصار هنا، وبتفصيل بعد انتهاء الحديث عن حج رسول الله «صلى الله عليه وآله». وهي التالية:

الأول: قريش في مواجهة الرسول :

إنها تعرضت لموضوع الإمامة بشكل أساسي، فواجهت قريش وأعوانها رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالسوء والأذى والإهانة والغوغائية.. وسنشرح ذلك بالتفصيل إن شاء الله حين نتعرض له، في باب «الغدير والإمامة».

الثاني: لبيك اللهم لبيك:

قد يقال: إنه «صلى الله عليه وآله» قد لبى في آخر الخطبة المذكورة آنفاً، مع أن الحاج يقطع التلبية في عرفة.

ويجاب: بأن قطع الحاج للتلبية في عرفة إنما هو عند زوال الشمس..

وقد صرح النص المتقدم: بأنه «صلى الله عليه وآله» قد خطب هذه الخطبة قبل الصلاة، وهذا معناه: أن تلبيته المشار إليها في آخر الخطبة قد حصلت مع الزوال أو قبله بلحظات..

الثالث: تحريف خطبة رسول الله :

إن التدقيق في نصوص الخطبة المشار إليها، وفي النصوص التي وردت في سائر الآثار بالأسانيد الصحيحة والصريحة يفيد أن هذه الخطبة قد تعرضت ـ فيما يظهر ـ للتحريف من ناحيتين:

إحداهما: قوله «صلى الله عليه وآله»: «قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي أبداً، إن اعتصمتم به»، أمرين: كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه.

فإن الرواية الصحيحة في حديث الثقلين هي قوله «صلى الله عليه وآله»: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي».

ولكنها بُدلت وغُيرت من قبل مناوئي العترة، ظناً منهم أن ذلك يجدي في تقوية موقفهم مقابل أهل بيت النبوة عليهم الصلاة والسلام.

على أننا نقول:

أولاً: قد ذكرنا في بعض فصول هذا الكتاب: أن حديث «وسنتي» لا يتنافى مع حديث «وعترتي»، بل منسجم معه تمام الإنسجام حيث يدلان معاً على أن السنة التي تركها «صلى الله عليه وآله»، لا بد أن تؤخذ من العترة دون غيرهم، لأن العترة هم المأمونون على سنته أكثر من كل أحد سواهم كما أظهرته الوقائع..

ثانياً: إن نفس هذا الذي اختار إيراد الخطبة المحرفة التي قالت: «وسنتي» بدل وعترتي.. ولم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى الروايات الصحيحة..

إنه هو نفسه قد عاد فذكر الرواية الصحيحة في موضع آخر من كتابه، فأوجب هذا الفصل بين الروايتين صعوبة التنبه والجمع بينهما على القارئ العادي، بل قد لا يخطر في باله: أن ثمة رواية أخرى على الإطلاق، والرواية الصحيحة أو الأصح هي التالية:

روى الترمذي وحسنه، عن جابر بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» في حجة الوداع يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي([113]).

الثانية: إنه قد حذف من الخطبة حديث: «الأئمة بعدي إثنا عشر، كلهم من قريش»، الذي نص البخاري ومسلم، ومصادر كثيرة أخرى على أنه «صلى الله عليه وآله» قد قاله في يوم عرفة على رؤوس الأشهاد، فأقامت قريش، ومن يدور في فلكها الدنيا عليه ولم تقعدها..

وأساءت الأدب مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وفضحت نفسها، وضجت وعجت، ومنعت النبي «صلى الله عليه وآله» من إكمال كلامه، كما سنوضحه في باب: «الغدير.. والإمامة». إن شاء الله تعالى..

الذين أردفهم النبي خلفه:

ويلاحظ هنا: أنهم يذكرون: أنه «صلى الله عليه وآله» حين أفاض من عرفة أردف أسامة بن زيد خلفه([114])..

وقالوا: إنه «صلى الله عليه وآله» سار بمزدلفة مردفاً للفضل بن عباس، وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش([115]).

وحين أفاض إلى مكة، زعموا: أنه أردف معاوية بن أبي سفيان من منى إلى مكة([116]).

الفضل بن عباس.. والنظر إلى الأجنبية:

وقالوا أيضاً: إنه حين كان مردفاً الفضل بن عباس في طريقه تلك عرضت له امرأة من خثعم جميلة، فسألته عن الحج عن أبيها. وكان شيخاً كبيراً لا يستمسك على الراحلة، فأمرها أن تحج عنه، وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فوضع «صلى الله عليه وآله» يده على وجهه، فصرفه إلى الشق الآخر، لئلا تنظر إليه ولا ينظر إليها.

وقال جابر: وكان الفضل رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فقال العباس: لويت عنق ابن عمك.

فقال: «رأيت شاباً وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما»([117]).

ليس هذا قياساً:

وسأله آخر هناك عن أمه، وقال: «إنها عجوز كبيرة، وإن حملتها لم تستمسك، وإن ربطتها خشيت أن أقتلها».

قال: «أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيه»؟

قال: نعم.

قال: «فحج عن أمك»([118]).

ونقول تعليقاً على ما تقدم:

حتى معاوية:

إننا لا ننكر أن يردف النبي «صلى الله عليه وآله» من يحتاج إلى الإرداف، لأجل حاجته إلى ما يركبه.. أو لأنه «صلى الله عليه وآله» كان يريد تكريمه وتشريفه.

ولكننا لا يمكن أن نصدق: أن هذا الأمر قد أصبح ظاهرة سلوكية، وكأنه مهنة له «صلى الله عليه وآله»..

ولا سيما إذا كان يردف أشخاصاً ليسوا ممن يحتاج إلى راحلة، ولا ينقصهم المال الذي يهيئون به ما يحتاجون إليه، كما أنهم ليسوا أهلاً للتكريم، بل قد يستفيدون من هذا التكريم لخداع الناس، والمكر بهم.

من أجل هذا وذاك، فنحن نشك كثيراً في صحة قولهم: إنه أردف معاوية أيضاً في مسيره من منى إلى مكة، أو إلى غيرها.. فإن معاوية لم يكن عاجزاً عن تهيئة الراحلة، كما أنه لم يكن ثمة موجب لتكريمه من قبل رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

تحويل وجه فضل بن عباس:

وقد رأينا: أنه «صلى الله عليه وآله» لم يزجر فضل بن عباس عن النظر إلى تلك المرأة، بل هو قد مارس الفعل عوضاً عن القول، فحول وجه فضل بن عباس إلى الجهة الأخرى بصورة عملية، فنستفيد من ذلك:

أولاً: إنه «صلى الله عليه وآله» لم يفسح المجال لممارسة التدليس، بمسارقة النظر، مع التظاهر بغض البصر، مع تعذر مراقبته ومراقبتها في لحظة واحدة، حسبما تجري به العادة..

ثانياً: إنه بفعله هذا قد سلب الشابين القدرة على النظر غير البريء إلى بعضهما البعض..

ثالثاً: إن فعله هذا قد لفت نظر الآخرين ودعاهم للتساؤل عن سببه، لكي يأتيهم التصريح بعد التلويح.. فيكون أوقع في النفس، وأكثر تعبيراً عن المطلوب.

رابعاً: إن ذلك يعطي درساً مفاده أن الحكمة تقضي بعدم السماح لأسباب الفساد بالوجود، لا أن يتركها توجد وتتنامى، ثم يحاول اقتلاعها، وهيهات أن يوفق لذلك..

خامساً: إنه لم يتهم فضل بن عباس، ولا تلك المرأة بشيء، بل صرح: بأنه أراد أن لا يقعا في خلاف ما يرضي الله تبارك وتعالى..

سادساً: إن هذا الأمر يعطي: أن على الحاكم أن يقدر الأمور، وأن يحتاط لأي طارئ قبل حدوثه، وأنَّ للإجراءات الإحتياطية قوتها في مجال التطبيق والعمل، كغيرها مما يكون لمعالجة واقع راهن..

تطبيق للقاعدة:

أما بالنسبة لحج الإنسان عن أمه، واعتبار الحج ديناً، فنقول:

إن هذا ليس من قبيل الإستدلال بالقياسات الظنية، التي منع عنها الشارع، وحاشا رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يمارس أمراً نهى هو نفسه عنه.. بل هذا من قبيل تطبيق الكبرى على الصغرى، والقاعدة على موردها.

فإن الحج دين على تلك المرأة، سوف يطالبها الله تعالى به، وولدها مطالب بقضاء ديونها، فلا فرق بين ما كان ديناً لله، وما كان ديناً للناس، إذا كان الذي لله مما يمكن أداؤه وقضاؤه..

النبي ينشد الشعر:

وفي حديث ابن عمر: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أفاض من عرفات وهو يقول:

«إليـك تـغـدو قُلفـاً وَضِيـنُـهـا            مخـالفـاً ديـن النـصـارى ديـنـهـا»

رواه الطبراني وقال: المشهور في الرواية أنه من فعل ابن عمر([119]).

يضاف إلى ذلك:

أولاً: لماذا خص النصارى بمقالته هنا، مع أن اليهود كانوا هم الأشر والأضر، وكان العرب والمشركون مبهورين بهم أكثر من كل أحد سواهم؟.

ثانياً: إنهم يزعمون، وإن كنا لم نرتض ذلك ـ: أنه «صلى الله عليه وآله» لم يكن يحسن حتى التفوه بالشعر، ولو على سبيل النقل والحكاية. فكيف استطاع أن يتفوه بهذا الشعر هنا؟!.

ثالثاً: إننا لا نظن أنه «صلى الله عليه وآله» ينشد الشعر في هذا الوقت وفي هذه الأمكنة بالذات، إذ إن الذي يعهد من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، هو انشغاله بتسبيح الله وتقديسه، ولا سيما في المشاعر المقدسة، وحيث يريد لكل حركة من حركاته أن تحمل عبرة، وكل كلمة من كلماته أن تتضمن درساً وعظة..

الصلاة قبل الوقت:

قالوا: فلما برق الفجر، صلاها (يعني صلاة الصبح) في أول الوقت خلافاً لمن زعم أنه صلاها قبل الوقت بأذان وإقامة، يوم النحر، وهو يوم العيد، ويوم الحج الأكبر، ويوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك([120])..

ومن الواضح: أن دعوى أنه «صلى الله عليه وآله» قد صلى الصبح قبل وقتها، افتئات وافتراء على رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

ولا نرى حاجة إلى الإستدلال على كذب هذه الترهات التي ربما يكون وراءها أعداء الله وأعداء رسوله «صلى الله عليه وآله»، لإشغال الناس بأباطيل، وأضاليل وإثارة شبهات من شأنها أن تسقط محل النبي «صلى الله عليه وآله» من نفوسهم..

الغلو في الدين هو الأخطر:

وأمر الفضل بن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات، ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة، كما يفعل من لا علم عنده، ولا التقطها بالليل.

فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء، فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»([121]).

ويلاحظ هنا:

1 ـ قوله: إنه لم يلتقط حصيات الجمار بالليل، لا يدل على كراهة التقاطها فيه، ما لم يرد نص صريح في كراهة ذلك..

2 ـ إنه «صلى الله عليه وآله» قد أخذ الحصيات وأراهم إياها، ولاحظوا نوعها، وألوانها، وأشكالها، وأحجامها، وأمرهم أن يرموا بأمثالها، فاستغنى بذلك عن وصفها بما ربما يلتبس المراد منه لدى بعض القاصرين لسبب أو لآخر..

3 ـ ثم نهاهم عن الغلو في الدين، وأخبرهم أن سبب هلاك من كان قبلهم، هو الغلو في الدين..

والغلو: هو الخروج عن حد الإعتدال فيه، وهو أخطر بكثير من التفريط في الإلتزام بأحكامه، لأن الغلو يؤدي إلى الإبتداع وإدخال ما ليس من الدين في الدين، حيث تتبدل حقائقه، بسبب تبدل حدوده، من الأدنى إلى الأعلى، ومن الأقل إلى الأكثر، فتدخل مساحات من الإعتقاد والممارسة لم تكن من قبل.. فإذا انتقل إلى الآخرين على هذه الحالة، فإن الخطر سيتضاعف ويزداد تبعاً لسعة انتشاره.. فتصبح الأولوية هي منع هذا الإتساع والإنتشار، ومحاربة الجهود التي تبذل في ذلك.

أما التفريط في الإلتزام فغاية ما يترتب عليه هو المخالفة العملية لأحكامه وشرائعه مع بقائها على ما هي عليه.. وذلك يبقى أثره محصوراً بالشخص، ولا يتعداه إلى غيره.. فيمكن أن يصل الدين إلى الغير سليماً وقويماً، ولا يكون هناك أي ضير من هذا الإنتقال.

خذوا عني مناسككم:

عن جابر قال: رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» على راحلته يوم النحر، يقول لنا: «خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»([122]).

ونقول:

1 ـ إن هناك روايات تقول: إنه «صلى الله عليه وآله» قد قال للناس ذلك حين كان يطوف([123])، وحين صلى خلف المقام([124])، وحين سعى، وحين رمى الجمار، وحين كان بعرفة، وغير ذلك.

ولا مانع من أن يتكرر هذا القول منه «صلى الله عليه وآله»، في المواضع المختلفة، ولا سيما في المناسك، حين وصوله إلى مكة، وشروعه بالأعمال، بل قبل ذلك أيضاً..

2 ـ وغني عن البيان: أن الرؤية التطبيقية للفعل هي أفضل أنواع التعليم وأدقه، حيث يبقى ما يراه الإنسان في وعيه وفي ذاكرته، أكثر من الذي يُلقى إليه كأوامر وزواجر يراد لها أن تحفظ في الذاكرة..

3 ـ وحين تهتز مشاعرهم بقوله: «لا أدري، لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»، فإن اندفاعهم إلى التأسي بأفعاله في هذه الحالة سيصاحبه شعور بالحنين والإشفاق، فتتحقق درجة من الإرتباط بين الفعل والفاعل، لتحتفظ به الذاكرة، كحدث مميز، تعرف حدوده، وتدرك دقة تطابقها مع الرمز الكبير، ويستمر ذلك إلى ما شاء الله..

التظليل:

وقالوا: «وكان «صلى الله عليه وآله» في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي، وبلال وأسامة معه، أحدهما: آخذ بخطام ناقته، والآخر: يظله بثوب من الحر»([125]).

والذي كان يظله بلال كما في حديث أبي أمامة، عن بعض الصحابة([126])..

وحديث أم جندب: أنه كان راكباً يظلله الفضل بن العباس..

قال بعضهم: وهو غريب مخالف للروايات الصحيحة([127]).

ونقول:

1 ـ المفروض: أن يقطع التلبية بزوال الشمس من يوم عرفة، فلا معنى للعودة إليها في مسيره إلى منى، والإستمرار فيها إلى حين الشروع في الرمي..

2 ـ إن اختلافهم في تحديد الشخص الذي كان يظلل النبي «صلى الله عليه وآله»، يلقي بظلاله على مستوى الوثوق بصحة هذا النقل.

يضاف إلى ذلك: أنه كيف يصح حديث تظليل بلال، أو الفضل بن العباس على النبي «صلى الله عليه وآله» حين مسيره، وحين رميه، مع أنه لا يجوز التظليل؟!

إلا إذا فرض: أنه «صلى الله عليه وآله» كان مريضاً أو مضطراً، وليس لدينا ما يثبت ذلك أو يشير إليه، لا من قريب ولا من بعيد؟!

بطن مُحَسِّر:

قالوا: فلما أتى بطن محسَّر حرك ناقته، وأسرع السير، وهذه كانت عادته «صلى الله عليه وآله» في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فهنالك أصاب الفيل ما قص الله علينا. ولذلك سمي الوادي وادي محسر، لأن الفيل حُسِر فيه. أي أَعْيَى وانقطع عن الذهاب([128]).

خطبة النبي في منى:

وبعد أن رمى النبي «صلى الله عليه وآله» جمرة العقبة.. رجع إلى منى، فخطب الناس خطبة بليغة.

قال بعض الصحابة: خطب رسول الله «صلى الله عليه وآله» الناس بمنى، وأنزلهم منازلهم، فقال: «لينزل المهاجرون ها هنا» وأشار إلى يمين القبلة، «والأنصار ها هنا» وأشار إلى ميسرة القبلة، «ثم لينزل الناس حولهم»، وعلمهم مناسكهم، ففتحت أسماع أهل منى، حتى سمعوه في منازلهم([129]).

وسئل رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يُبنى له بناءٌ بمنى يظله من الحر، فقال: «لا، منى مناخ لمن سبق إليه»([130]).

و قال «صلى الله عليه وآله» وهو على ناقته العضباء، بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

«ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم. ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر،الذي بين جمادى وشعبان، أتدرون أي يوم هذا»؟

قلنا: