الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

الجزء الثاني والثلاثون

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحي

 

الفصل السابع:

سورة المائدة متى نزلت وكيف؟!

 

لماذا تأخرت آية البلاغ عن آية إكمال الدين؟!

إن ثمة سؤالاً يفرض نفسه هنا مفاده: أن الروايات قد صرحت بأن قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}([1]).. قد نزل بعد نصب النبي «صلى الله عليه وآله» علياً «عليه السلام» إماماً في يوم الغدير..

وإن آية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}([2]).. قد نزلت قبل يوم الغدير..

مع أن آية الإكمال قد وردت في أول سورة المائدة، وآية الأمر بإبلاغ إمامة الإمام «عليه السلام» قد جاءت في وسط السورة. والمفروض هو أن يكون العكس، لاسيما وأن القرآن كان ينزل نجوماً، وبالتدريج.. فكيف تفسرون ذلك؟!..

ونجيب عن ذلك بما يلي:

مرتكزات الإيمان:

إن الإيمان بنبوة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، يرتكز إلى أمرين:

أحدهما: الإيمان المستند إلى إدراك العقل، وقضاء الفطرة بصحة الحقائق التي جاء بها..

وهذا هو ما كان إيمان أبي طالب، وحمزة وجعفر، وخديجة.. و.. و.. مرتكزاً إليه وعليه، فإنهم قد أدركوا صحة ما جاء به رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعقولهم، وقضت به فطرتهم، ولم يحتاجوا إلى إظهار معجزة، ولا طلبوا من النبي «صلى الله عليه وآله» ذلك، خصوصاً مع ما صاحب ذلك من معرفة قريبة، واطلاع مباشر على حياة الرسول «صلى الله عليه وآله»، ومزاياه، وصدقه، ثم رؤية كرامات الله له، وألطافه به، ثم ما حباه به من رعاية وتسديد، ومن نصر وتأييد..

وهذا هو إيمان أهل البصائر، الذين يَزِنون الأمور بموازين العدل، ويعطون النصفة من أنفسهم، وهو ما يفترض بالناس كلهم أن يكونوا عليه، أو أن يسعوا للوصول إليه، وأن يلتزموا به ولا يتجاوزوه..

ولو أن الناس سلكوا هذا النهج لاستغنوا عن طلب الآيات والمعجزات، خصوصاً في ما يرتبط بأمر التوحيد والانقياد لله، والطاعة، والعبادة له، وما يتبع ذلك من تفاصيل تفيد في التعريف بصفات ذاته، وصفات فعله تبارك وتعالى.. فضلاً عن كل ما حدثهم به الله ورسوله مما يرتبط بالعلاقة والرابطة بين الخالق، ومخلوقاته.. وتدبير شؤون الحياة وفق الحكمة.. وهداية الكائنات كلها، ورعايتها وتربيتها.. فإن ذلك كله مما تفرض الفطرة السليمة والعقول المستقيمة الخضوع له، والإيمان به، وعقد القلب عليه.

فإذا قال لهم الله سبحانه وتعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}([3]).. فهو إنما يخاطب عقولهم، ويتحدث عن أمر يمكنهم أن يدركوه، وأن يؤمنوا به.. وكذلك حين يقول لهم: {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}([4]). وغير ذلك مما تحكم به العقول، وتؤيده الفطرة البشرية الصافية والمستقيمة..

والأمر الثاني: الإيمان المستند إلى ظهور المعجزة القاهرة، والقاطعة للعذر، والتي تضطر العقل إلى الإقرار بالعجز، والبخوع والخضوع والاستسلام. وهذا ما يحتاج إليه أو يطلبه نوعان من الناس:

النوع الأول:

الذين يرغبون في إبقاء الأمور على ما كانت عليه.. ممن يثقل عليهم الانقياد إلى دعوات الأنبياء، ويأنفون من الالتزام بأحكام الله.

وهؤلاء هم الذين كانوا يقترحون على الأنبياء أن يأتوهم بالآيات، وأن يظهروا المعجزات، ثم يكونون هم أول الجاحدين بها، والمكذبين لها..

النوع الثاني:

أولئك الذين يرغبون في معرفة الحق، ولا يأبون عن الالتزام به لو ظهر لهم.. ولكنهم ليسوا مثل جعفر، وحمزة، وخديجة و.. في وعيهم، وفي نظرتهم إلى الأمور، وإدراكهم للحقائق. فيحتاجون إلى عوامل تساعدهم على تحصيل اليقين بحقانية الدعوة، وواقع ارتباطها بالله سبحانه. من خلال المعجزة التي تقهر عقولهم، وتسوقهم إلى التسليم، لأن بها يتم إخضاع وجدانهم للغيب الإلهي..

وبما أن هذا القرآن هو معجزة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم يكن بإمكان كل هؤلاء أن ينالوا معانيه، ولا أن يدركوا حقائقه ودقائقه ومراميه.. لأن فيهم الكبير والصغير، وفيهم الذكي والغبي، وكانوا في أسوأ حالات الأمية والجهل، والبداوة.. فكان لا بد من الرفق بهم، وتيسير الإيمان لهم، وفتح أبواب الهداية أمامهم..

فاحتاج الأمر إلى وسيلة إقناع، يفهمها هذا النوع من الناس ـ الذين لا يمكنهم إدراك حقائق القرآن، والوقوف على مستوى إعجازه التشريعي، أو العلمي، أو البلاغي، أو غير ذلك..

ولم يكن يمكن تأجيل إيمانهم وإسلامهم إلى حين تحقق بعض الإخبارات الغيبية المستقبلية، الأمر الذي قد يمتد إلى سنوات كثيرة، كالإخبار عن غلبة الروم في قوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}([5]).. ولا.. ولا.. الخ..

ولا بد أن تكون وسيلة الإقناع هذه بحيث يدركها، ويفهمها جميع الناس، بمختلف فئاتهم، وطبقاتهم، وأن تكون في متناول يد أعلم الناس، وأعقلهم، كما هي في متناول يد أكثر الناس سطحية وسذاجة، ولو كان بعمر تسع سنوات للفتاة، وبعمر خمس عشرة سنة للفتى..

وقد اختار الله سبحانه أن تكون هذه الوسيلة هي أن تنزل السورة في بادئ الأمر بتمامها، فيقرؤها النبي «صلى الله عليه وآله» على الناس، ثم تبدأ الأحداث بالتحقق في متن الواقع، فكلما حدث أمر، ينزل جبرئيل «عليه السلام»، بالآيات التي ترتبط بذلك الحدث، فيرى الناس: أن هذه الآيات هي نفسها التي كانت قد نزلت في ضمن تلك السورة قبل ساعة، أو يوم، أو شهر مثلاً.. فيدرك الذكي والغبي، وكل من يملك أدنى مستوى من العقل، بأن هذا القرآن لا بد أن يكون من عند الله، لأن الله وحده هو الذي يعلم بما يكون في المستقبل. وها هو قد أنزل الآيات المرتبطة بأحداث بعينها قبل أن تحدث..

وهم يعرفون النبي «صلى الله عليه وآله» عن قرب، ويعيشون معه، ويرون أنه مثلهم، ويملك الوسائل التي يملكونها، ويعيش نفس الحياة التي يعيشونها.

وبعدما تقدم نقول:

إننا من أجل توضيح هذه الإجابة، نشير إلى العديد من القضايا ضمن الفقرات التالية:

سورة المائدة نزلت دفعة واحدة:

إن سورة المائدة قد نزلت دفعة واحدة، كما يظهر مما رواه:

1 ـ عبد الله بن عمرو، قال: أنزلت على رسول الله «صلى الله عليه وآله» سورة المائدة، وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها([6])..

2 ـ عن أسماء بنت يزيد، قالت: إني لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، إذ نزلت المائدة كلها، فكادت من ثقلها تدق عضد الناقة([7])..

3 ـ عن أم عمرو بنت عبس، عن عمها: أنه كان في مسير مع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق كتف راحلته العضباء، من ثقل السورة([8])..

4 ـ عن محمد بن كعب القرظي، قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله «صلى الله عليه وآله» في حجة الوداع، فيما بين مكة والمدينة، وهو على ناقته، فانصدعت كتفها، فنزل عنها رسول الله «صلى الله عليه وآله»([9])..

5 ـ عن الربيع بن أنس قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله «صلى الله عليه وآله» في المسير من حجة الوداع، وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثقلها([10]).

تاريخ نزول سورة المائدة:

وقد اختلفوا في تاريخ نزول سورة المائدة، وقد تقدم وسيأتي أيضاً ما يدل على أنها قد نزلت في حجة الوداع إما في الطريق، أو في يوم عرفة. وهذا هو المعتمد، وقد صرح عدد من النصوص بأنها آخر السور نزولاً.

وهناك قولان آخران:

الأول: ما روي من أن سورة المائدة قد نزلت منصرف رسول الله «صلى الله عليه وآله»، من الحديبية([11]).

ولكن الروايات المصرحة بأن سورة المائدة كانت آخر ما نزل تدفع هذا القول، كما أشرنا إليه في موضعه من هذا الكتاب.

الثاني: قال القرطبي: «من هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما نزل عام الفتح»([12]).

فالجمع بين هذا القول، وبين روايات نزولها دفعة واحدة، هو أن يقال: إنها نزلت مرتين:

إحداهما: دفعة واحدة.

والأخرى: أن آياتها نزلت نجوماً([13]).

ضعوا هذه الآية في سورة كذا:

ومن جهة أخرى، فإنهم قالوا: «الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك»([14])..

وقد رووا: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، كان يقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا..

وقد روي ذلك عن ابن عباس([15])..

وعن عثمان بن عفان أيضاً([16])..

وفي نص آخر: أنه «صلى الله عليه وآله» شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة([17]).

وفي رواية عن ابن عباس: كان المسلمون لا يعرفون انقضاء السورة حتى تنزل {بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فإذا نزلت عرفوا أن السورة قد انقضت([18])..

وروي ذلك عن سعيد بن جبير([19])، وعن ابن مسعود([20])..

قال أبو شامة: يحتمل أنه «صلى الله عليه وآله» كان لا يزال يقرأ في السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية فيعلم أن السورة قد انقضت([21]).

ولكننا لا نجد إلا موارد يسيرة تحدثت عن أن النبي «صلى الله عليه وآله» فعل ذلك في آيات بعينها([22])..

الدوافع والأهداف:

وهذا معناه: أن النبي «صلى الله عليه وآله»، الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل شيئاً من تلقاء نفسه قد قدم آية الإكمال على آية التبليغ بأمر من الله تبارك وتعالى، أو أن جبرئيل «عليه السلام» قد كان يأمر بذلك تنفيذاً لأمر الله تعالى، انطلاقاً من مصلحة اقتضت وضع الآية في خصوص ذلك الموضع، وتكون النتيجة هي أن وضع آية الإكمال قبل آية الأمر بالتبليغ قد روعيت فيه المصلحة أيضاً..

لماذا قدم آية الإكمال:

وإذ قد عرفنا: أن هذا التفريق بين آية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.. وآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}.. قد جاء وفق سياسة إلهية، ورعاية لمصالح بعينها.

فهل يمكن معرفة شيء عن هذه المصلحة التي اقتضت تقديم إحدى الآيتين في الذكر على الأخرى على عكس ما جرى عليه الحال في الواقع العملي؟!

فقد يقال: لعل المصلحة في هذا التقديم هي حفظ الإمامة، وحفظ إيمان الناس.. وتيسير سبل الهداية لهم..

يضاف إلى ذلك: إرادة حفظ القرآن عن امتداد يد التحريف إليه، فإن الإسلام يحتاج إلى صيانة حقائقه ومقدساته، كما كان يحتاج أيضاً إلى جهاد الإمام علي «عليه السلام» وتضحياته..

هذا الجهاد الذي حمل معه الخزي والعار والذل، لأهل الطغيان والجحود، فأورثهم الحقد والضغينة، حتى ظهرت فيهم حسيكة النفاق هذه بأبشع صورها بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولا حاجة إلى البيان أكثر من هذا..

استطراد وتوضيح:

غير أننا نقول:

إن الخيارات التي يمكن أن نتصورها كانت هي التالية:

أن يباشر الرسول «صلى الله عليه وآله»، بنفسه قتل المعتدين، ويرد بسيفه كيد الطغاة والجبارين، فيقتلهم ويستأصل شأفتهم، ويبيد خضراءهم..

وهذا يعني أن لا تصفو نفوس ذويهم له، وأن لا يتمكن حبه «صلى الله عليه وآله» من قلوبهم، فضلاً عن أن يكون أحب إليهم من كل شيء حتى من أنفسهم!!.. كما يفرضه الإلتزام بالإسلام، والدخول في دائرة الإيمان..

وسوف تتهيأ الفرصة أمام شياطين الإنس والجن لدعوة هؤلاء الموتورين إلى خيانته والكيد له، والتآمر عليه، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً..

كما أنهم إذا ما اتخذوا ذلك ذريعة للعزوف عن إعلان إسلامهم واستسلامهم.. فإنهم سوف يمنعون الكثيرين ممن له اتصال بهم، من أبناء وأرحام، وأقوام وحلفاء وأصدقاء، من التعاطي بحرية وبعفوية مع أهل الإيمان، ثم حرمانهم وحرمان من يلوذ بهم من الدخول الجدي في المجتمع الإسلامي، والتفاعل معه، والذوبان فيه.

أن يتولى هذا الأمر الآخرون من رجال القبائل المختلفة، فيقاتلون وحدهم الناس لأجل الإسلام، ودفاعاً عن المسلمين، وهذا خيار غير مرضي أيضاً، فإن احتفاظه «صلى الله عليه وآله»، بأهل بيته وذوي قرابته سيكون مثاراً لتساؤلات كثيرة، من شأنها أن تضعف عامل الثقة، وتؤثر سلباً على حقيقة الإعتقاد بالنبوة، ودرجة الإنقياد لها، ومستوى صفاء النية والإستبسال في المواقف الحرجة، حين تفرض الحاجة خوض اللجج، وبذل المهج..

ثم هو يهيء لزيادة حدة التمزق داخل الكيان الإسلامي، الذي لم يزل كثير من الناس فيه يعيش روح الجاهلية، ومفاهيمها. وتتحكم به العصبيات العشائرية والقبلية، ولم يقطع مراحل كبيرة في مسيرة السمو الروحي، وتزكية النفوس، وإخلاصها لله في ما تحجم عنه، أو تقدم عليه..

وقد يؤسس ذلك لحروب، وتعديات، ومآسٍ لا تنتهي، ولأحقاد لا تزول، بل تتضاعف باطراد، حيث ستدفعهم عصبياتهم للانتقام المتبادل.. وستكون النتيجة هي قتل الأبرياء، والتمزق والتشرذم، وضعف أهل الدين، والسقوط في مستنقع الجريمة.. ثم الرذيلة بأبشع الصور، وأكثرها إثارة للإشمئزاز والتقزز..

وقد لاحظنا: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» يصر في حرب صفين ـ مثلاً ـ على أن يقابل كل قبيلة بمثلها، فيقابل تميم الشام بتميم العراق، وربيعة الشام، بربيعة العراق([23]). وهكذا بالنسبة لسائر القبائل، لا لأجل أنه يتعامل «عليه السلام» بالمنطق القبلي ـ حاشاه ـ بل لأنه يريد:

أولاً: أن لا يمعن الناس في قتل بعضهم البعض، لأن المهم عنده هو وأد الفتنة بأقل قدر من الخسائر..

ثانياً: أن لا يكون هناك حرص من القبائل على إدراك ما تعتبره ثارات لها عند القبائل الأخرى، الأمر الذي سيهيء للمزيد من التمزق والصراع داخل المجتمع الإسلامي..

وقد كان الخيار الأقل ضرراً، هو أن يدفع النبي «صلى الله عليه وآله» بأهل بيته الأبرار، ليكونوا هم حماة هذا الدين، والمدافعين عنه، وأن لا يحرم الآخرين من فرصة للجهاد في سبيل الله تعالى.. ضمن الحدود المقبولة والمعقولة. فكان يقدم أهل بيته، وعلى رأسهم الإمام علي «عليه السلام»، ليكونوا هم أنصار دين الله.. وقتلة أعداء الله، ثم ليكونوا هم الشهداء على هذه الأمة، والحافظين لوحدتها، والمحافظين على عزتها وكرامتها.

وإذا ما سعى الناس للانتقام من علي وأهل بيته «عليهم السلام»، وذريته، وتآمروا عليهم، فإنهم «عليهم السلام»، لن يعاملوهم بغير الرفق، لأن همهم ليس هو الإنتقام لأنفسهم، بل حفظ الدين، ونشر أعلامه..

وبذلك يكون «صلى الله عليه وآله»، قد حفظ الناس من الجحود والعناد، وجنبهم مخاطر إبطان الحقد عليه «صلى الله عليه وآله»، أو السعي لتحريف كتاب الله، أو الإعلان بالخروج على الدين وأهله، لأن ذلك ـ لو حصل ـ سوف يزيد من صعوبة نشر هذا الدين، إن لم يكن سبباً في أن يسقط الكيان كله، ولتبطل من ثم جهود الأنبياء، وتُطَلّ دماء الشهداء..

فالأخذ بهذا الخيار إذن يجسد رحمة الله للناس، ورفقه بهم، وتيسير الإيمان لهم، ولذرياتهم، ولمن يلوذ بهم.

ولعله لأجل ذلك لم يذكر اسم الإمام علي «عليه السلام» في القرآن.. حفظاً للقرآن من أن يحرفه من هو أشر وأضر ممن رمى القرآن بالنبل وهو يقول:

تــهــددني بـجـبـار  عـنـــيــد             فـهـا أنـا ذاك جـبــار عـنـــيـــد

إذا مـا جـئـت ربـك يوم حشـر           فـقـل: يــا رب مـزقـني الـولـيـد

نعم، إنه من أجل ذلك وسواه لم يذكر اسم الإمام علي «عليه السلام» في القرآن بصراحة، مع كثرة ذكره للأمور التي صنعها الإمام علي «عليه السلام»، كآية النجوى، وكتصدّقه بالخاتم حين صلاته وغير ذلك.. وأنزل آيات كثيرة فيه، ومنها آية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.. وآية الأمر ببلاغ الرسالة.. وتحدث عن إمامته «عليه السلام» كأساس للدين، وركز مفهومها، وأوضح معالمها..

ومما يؤيد حقيقة: أن عدم ذكر اسم الإمام علي «عليه السلام» في القرآن قد جاء وفق سياسة بيانية إلهية.. ما روي بسند صحيح عن الإمام الصادق «عليه السلام»، حيث أوضح صلوات الله وسلامه عليه هذا المعنى.

وأشار إلى أن ذلك يدخل في السياسة القاضية بحفظ القرآن: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}([24]).. والرفق بالأمة، واللطف بالناس، وتألفهم، وفسح المجال أمام من يلوذ بهم للتأمل، والتدبر، بعيداً عن الموانع، والعُقَدِ، وغير ذلك، والحديث الصحيح الذي نتحدث عنه، يقول:

قيل للإمام الصادق «عليه السلام»، إن الناس يقولون: فما له لم يسمّ علياً وأهل بيته «عليهم السلام» في كتاب الله عز وجل..

قال: فقال: قولوا لهم: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» نزلت عليه الصلاة، ولم يسم الله لهم ثلاثاً، ولا أربعاً، حتى كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهماً درهم، حتى كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو الذي فسر ذلك لهم..

ونزلت: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأولِي الأمْرِ مِنْكُمْ}([25]).. ونزلت في علي والحسن والحسين «عليهم السلام» ـ فقال رسول الله «صلى الله عليه وآله» في علي «عليه السلام»: من كنت مولاه فعلي مولاه..

وقال «صلى الله عليه وآله»: أوصيكم بكتاب الله، وأهل بيتي، فإني سألت الله عز وجل أن لا يفرق بينهما، حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك..

وقال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم.

وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة..

فلو سكت رسول الله «صلى الله عليه وآله» فلم يبين مَنْ أهل بيته «عليهم السلام»، لادّعاها آل فلان، وآل فلان. لكن الله عز وجل، أنزله في كتابه تصديقاً لنبيه «صلى الله عليه وآله»: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}([26]).. فكان علي والحسن والحسين، وفاطمة «عليهم السلام» فأدخلهم رسول الله «صلى الله عليه وآله» تحت الكساء في بيت أم سلمة الخ([27])..

خلاصة توضيحية:

وخلاصة ما نريد أن نؤكد عليه هنا هو: أن آية الإكمال قد نزلت قبل آية {بَلِّغْ مَا أنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}، سواء في النزول الدفعي لسورة المائدة، حيث تقدم: أن الروايات دلت على أن سورة المائدة، قد نزلت دفعة واحدة في عرفات، وفيها آية أمر الله تعالى نبيه «صلى الله عليه وآله» بنصب علي «عليه السلام» إماماً، وآية إكمال الدين مبينة له أن الدين يكمل بهذه الولاية.

وقد حاول رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يبين للناس ذلك، فمنع، فكان ينتظر توفر الشرائط والظروف لذلك، ومنها: العصمة الإلهية من كيد الخائنين.

ثم أمره الله في منى في مسجد الخيف، فلم يتمكن منه أيضاً.

حتى نزلت آية بلغ ما أنزل إليك، وفي النزول التدريجي، لتشير له إلى أن الشرائط قد تحققت، والعصمة قد حصلت، فبادر إلى نصب علي «عليه السلام» في يوم الغدير، وتمت الحجة بذلك على الناس جميعاً.

النزول على النبي قبل الإبلاغ:

ولبيان أن نزول آية الإكمال قبل آية البلاغ إنما هو في النزول الدفعي، لا في التدريجي، نقول:

هناك آيات دلت أو أشارت إلى نزول القرآن دفعة واحدة، فقد قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}([28])..

وقال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}([29])..

هناك الآيات التي تقول: إن القرآن {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}([30])..

{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}([31])..

وقد روى أهل السنة وغيرهم: أن القرآن قد نزل أولاً إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم صار ينزل نجوماً([32])..

وحكي الإجماع على ذلك([33])..

وهناك روايات تقول: إن القرآن قد نزل أولاً جملة واحدة إلى البيت المعمور([34])، الذي هو في السماء الرابعة([35]).

ولم ير الشيخ المفيد أنه يمكن الإطمينان إلى صحة هذه الروايات([36])..

وبعض الروايات تحدثت عن نزول القرآن إلى السماء الدنيا([37]).

وقالوا أيضاً: إن القرآن قد نزل أولاً دفعة واحدة على قلب رسول الله «صلى الله عليه وآله» لكنه لم يؤمر بتبليغه، وربما يستأنس لهذا القول ببعض الشواهد([38]).

وهذه الروايات والأقوال.. قد يكون جلها، أو كلها صحيحاً، إذا اعتبرنا: أن جلال وعظمة القرآن اقتضت مراتب من النزول له، فنزل إلى اللوح المحفوظ، ثم إلى البيت المعمور، ثم إلى السماء الدنيا..

ثم يأتي النزول التبليغي للناس، فينزله الله في شهر رمضان، على قلب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ثم ينزل سورة سورة، ليقرأها النبي «صلى الله عليه وآله» على الناس، ثم تنزل الآيات متفرقة، كلما حدث أمر يكون لتلك الآيات نوع ارتباط به..

متى كانت النبوة:

وإذا كانت نبوة النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» لم تبدأ حين كان «صلى الله عليه وآله» في سن الأربعين، بل هو نبي منذ صغره كما أيده المجلسي بوجوه كثيرة([39]).

أو أنه كان نبياً وآدم بين الروح والجسد([40])..

وأنه كان من المرسلين قبل خلق الخلق بألفي عام([41]).

وكان الله سبحانه قد خلقه قبل الخلق بألف دهر، وأشهده خلق كل شيء، كما في بعض الروايات([42])..

ثم جعله نوراً محدقاً بالعرش ـ عرش القدرة ـ ليطلع على المزيد من جلال وعظمة وقدرة وملك الله سبحانه، وذلك تكريماً منه تعالى له، وتجلةً وشرفاً استحقه «صلى الله عليه وآله»، وكان له أهلاً([43]).

ومن خلال هذا الإشراف، وذلك المقام، فإنه «صلى الله عليه وآله» يكون قد نال من المعارف الإلهية ما يليق بمقام النبوة الخاتمة، التي هي أعظم مقام..

ومن خلال نبوته الخاتمة هذه، فإن الله سبحانه يطلعه على غيبه، ويكشف اللوح المحفوظ له «صلى الله عليه وآله»، ويكون بذلك قد علم بالقرآن قبل إنزاله إليه للتبليغ على يد جبرئيل «عليه السلام»..

ولعل هذا يفسر لنا حقيقة أنه «صلى الله عليه وآله» حين كان ينزل عليه القرآن في المرة التالية، كان يسبق جبرئيل «عليه السلام» بالقراءة، ليشير لنا إلى معرفته به، فقد قال الله تعالى له: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}([44])..

وقال: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}([45])..

أي أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يعرف القرآن قبل هذا النزول، إما باطلاعه على اللوح المحفوظ، أو بإيداع القرآن في قلبه سابقاً بواسطة جبرئيل «عليه السلام»، أو بواسطة الوحي الإلهامي..

فأراد الله سبحانه أن يعرف الناس بأن هذا النزول ليس هو النزول الأول، بل هو نزول اقتضته مصالح العباد في هدايتهم وإرشادهم، وفي تربيتهم بالصورة المناسبة لحالهم..

النزول لأجل هداية الناس:

وحين يريد الله سبحانه أن يوصل القرآن إلى الناس، فإنه يستفاد من الروايات: أن ذلك كان يتم عبر إنزاله مرتين، فيكون له نزولان بالنسبة إليهم..

وهما نزول السورة بتمامها مرة واحدة أو أكثر.. والنزول التدريجي لها مرة ثانية. وسنورد بعض الشواهد لكلا هذين القسمين فيما يلي من صفحات، فنقول:

نزول السورة بتمامها:

فقد ورد في الروايات: أن سورة المائدة، والأنعام، ويونس، والتوبة، والكهف، وبضعاً وثمانين آية من أول سورة آل عمران، وجميع سور المفصل.. بل أكثر سور القرآن، ربما باستثناء سورتين أو ثلاث ـ كالبقرة وآل عمران ـ إن جميع ذلك قد نزل سورة سورة..

وقد قال تعالى في أول سورة النور: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}.. مع أن الأحداث التي ذُكِرَتْ سبباً لنزول آياتها مختلفة ومتفرقة..

وقال تعالى أيضاً: {وَإِذَا مَا أنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً}([46]).. فإنهم كانوا يقولون ذلك بمجرد فراغه «صلى الله عليه وآله»، من تلاوة القرآن عليهم، ولم يكن القائلون ينتظرون الأيام والليالي، حتى إذا اكتمل نزول السورة التدريجي قالوا ذلك..

بل إنه حتى حين كانت تنزل آيات السورتين أو الثلاث تدريجاً، فإن المقصود هو أن تنزل بتمامها ضمن مدة شهر مثلاً.. ثم تبدأ سورة أخرى بالنزول..

وليس المقصود أن ينزل بعض السورة، ثم ينزل بعض من غيرها، ثم ينزل ما يكمل السورة الأولى مثلاً.. فإن هذا مما دلت النصوص على خلافه، خصوصاً تلك التي تقول: إنهم كانوا يعرفون انتهاء السورة وابتداء غيرها بنزول: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}..

لو كان لا بد من الانتظار:

نضيف إلى ما تقدم: أن السورة القرآنية كانت تؤخذ من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويكتبها الناس في مصاحفهم، ويحفظونها، ويقرؤونها في صلواتهم.. وكان النبي «صلى الله عليه وآله» يرشدهم إلى مواضع استحباب قراءتها.. وإلى كيفية القراءة، وأوقاتها، وحالاتها ومواردها..

وكانت السور تعرف بأسمائها في عهده «صلى الله عليه وآله»، ويسافر بها أهل القبائل إلى منتجعاتهم، وأهل البلاد والقرى إلى بلادهم وقراهم..

ولم يكونوا ينتظرون زيادة شيء فيها، ولا كانوا يسألون عن هذه الزيادة، كما أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يرسل إليهم طالباً منهم إضافة شيء إلى أية سورة كانوا قد حملوها عنه، وأخذوها منه..

ولو أن الباب كان قد بقي مفتوحاً على التبديل والتعديل، لكان علينا أن نشهد وأن نقرأ في التاريخ الكثير من موارد السؤال عن الزيادة أو الإخبار عنها، وبها لهذا الصحابي، ولذاك إلى حين وفاته «صلى الله عليه وآله»..

نزول السورة مرتين:

وكانت بعض السور التي تنزل دفعة واحدة كما قلنا، تنزل نفسها مرة أخرى دفعة واحدة أيضاً.. كما هو الحال في سورة الإخلاص، التي نزلت في مكة مرة، وفي المدينة أخرى، وكذلك سورة الفاتحة.. فقد نزلت مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة لما حولت القبلة([47])..

نزول الآية أيضاً مرتين:

وكما كانت السورة تنزل أكثر من مرة، كانت الآية تنزل أكثر من مرة أيضاً.. وقد رووا ذلك في العديد من الموارد، مثل خواتيم سورة النحل، وأول سورة الروم، وآية الروح، وقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ}([48]).. فإن سورتي الإسراء وهود مكيتان، وسبب نزولهما يدل على أنهما نزلتا في المدينة..

قال الزركشي: ولهذا أشكل ذلك على بعضهم، ولا إشكال، لأنها نزلت مرة بعد مرة([49])..

وقد صرحوا: بأن مما يدخل في هذا السياق: أنه قد تنزل الآية لأجل سبب بعينه، ثم يتجدد سبب آخر، فيقتضي نزولها مرة أخرى..

وقد مثلوا لذلك:

1 ـ بقوله تعالى: {فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}([50]).. فقد زعموا ـ كذباً وزوراً ـ: أنها نزلت في النبي «صلى الله عليه وآله» حينما غضب لتمثيل المشركين بعمه حمزة، فتوعدهم بالتمثيل بسبعين (أو بثلاثين) منهم([51]).

ولعل الصحيح هو ما روي عن الإمام الحسن «عليه السلام» من أنه «صلى الله عليه وآله» قال: لأقتلن سبعين رجلاً، قال «عليه السلام»: إنما أحب الله جل اسمه أن يجعل ذلك سنة في المسلمين، فإنه لو قتل بكل شعرة من عمه حمزة سبعين رجلاً من المشركين، ما كان في قتله حرج([52]).

وإذا أردنا أن نحسن الظن ههنا، فإننا نقول: لعل من قرأها قد قرأها على سبيل التصحيف «لأمثلنّ» لتقارب الرسم بين الكلمتين، وهذا كلام صحيح في نفسه، وليس فيه إشكال. وإن كان ذلك بعيداً، فإن الظاهر: أنهم في أكثر الموارد قد تناقلوها على سبيل الرواية، لا قراءة من كتاب.

ونزلت أيضاً في الأنصار في حرب أحد، لنفس السبب([53]).

2 ـ مثلوا له أيضاً بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ}([54]).

فزعموا ـ كذباً وزوراً ـ: أنها نزلت في استغفار النبي «صلى الله عليه وآله» لأبي طالب «عليه السلام»([55]).

وزعموا ـ كذباً وزوراً أيضاً ـ: أنها نزلت في والدة رسول الله «صلى الله عليه وآله»([56]).

وزعموا كذلك: أنها نزلت في رجل استغفر لأبويه، كما رواه الترمذي([57])..

غير أن ما يهمنا هنا هو تصريحهم بأن الآية والسورة قد تنزل أكثر من مرة لأسباب مختلفة..

3 ـ قالوا: إن آية {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قد نزلت مرتين أيضاً: مرة في مكة، ومرة في المدينة([58])..

4 ـ قالوا: إن سورة الفاتحة نزلت مرتين أيضاً: مرة في مكة، ومرة في المدينة([59])..

5 ـ احتمل سبط ابن الجوزي، وغيره: أن آية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.. قد نزلت مرتين: في عرفة، وفي غدير خم([60])..

6 ـ قالوا: إن آية: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} قد نزلت مرتين، كما نقله الحافظ ابن حجر([61]).

7 ـ قالوا: إن آية: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} قد نزلت مرتين([62]).

8 ـ قالوا: إن آية: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} قد نزلت مرتين([63]).

9 ـ قالوا: إن آية: {..تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ} قد نزلت مرتين([64]).

10 ـ قالوا أيضاً: إن آية اللعان قد تكون نزلت مرتين([65])..

11 ـ وقالوا أيضاً عن آية الجزية: إنها يحتمل أن تكون قد نزلت مرتين([66]).

12 ـ وقالوا ذلك أيضاً عن خواتيم سورة النحل([67]).

13 ـ وقالوا: إن سورة الحجر نزلت مرتين([68]).

14ـ وقالوا: إن سورة الأنعام نزلت مرتين أيضاً([69]).

15ـ وقالوا: إن سورة الكوثر نزلت مرتين([70]).

16ـ وقالوا: إن سورة المرسلات نزلت مرتين أيضاً([71]).

النزول التدريجي للآيات:

وقد ذكر الله سبحانه نزول آيات القرآن بصورة تدريجية في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}([72]).

وقال تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}([73]).

فإنه وإن كان نزول القرآن سورة سورة يكفي في صحة القول بأنه «صلى الله عليه وآله» كان يقرؤه على مكث، وبأن الله تعالى قد فرقه، وبأنه لم ينزل جملة واحدة..

ولكن الظاهر من الروايات المتواترة أن آياته كانت تنزل أيضاً متفرقة، وفق ما يستجد من أحداث..

وذلك بعد أن تنزل السورة بكاملها أولاً.

ونذكر من الشواهد على ذلك، ما يلي:

شواهد وأدلة:

ألف: إن سورة الأنعام قد نزلت جملة واحدة بمكة، وقد شيعها سبعون ألف ملك([74])..

والروايات تقول أيضاً: إن آيات هذه السورة قد نزلت في مناسبات مختلفة، ونذكر من ذلك على سبيل المثال ما يلي:

1 ـ عن ابن إسحاق، قال: مر رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيما بلغني بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزؤوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}([75])»([76])..

2 ـ عن ابن إسحاق، قال: لما دعا الرسول «صلى الله عليه وآله» قومه للإسلام، قال له زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، وعبدة بن عبد يغوث، وأبي بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس، ويُرى معك. فأنزل الله في ذلك من قولهم: {وَقَالُوا لَوْلاَ أنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ}([77])»([78])..

3 ـ عن الإمام علي «عليه السلام» قال: قال أبو جهل للنبي «صلى الله عليه وآله»: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ}([79])»([80])..

وعن أبي صالح قال: كان المشركون إذا رأوا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، قال بعضهم لبعض، فيما بينهم: إنه لنبي، فنزلت هذه الآية: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ}([81])»([82])..

4 ـ عن ابن مسعود، قال: مر الملأ من قريش على النبي «صلى الله عليه وآله» وعنده صهيب وعمار، وبلال، وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء..

إلى أن قال: فأنزل الله فيهم القرآن: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ}.. إلى قوله: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ}([83])»([84])..

ولنا تساؤل حول ذكر صهيب، فقد وردت في ذمه روايات، قدمنا بعضها في بعض فصول هذا الكتاب([85]).

وفي نص آخر عن عكرمة قال ـ ما ملخصه ـ: مشى عتبة وشيبة، وقرضة بن عبد عمرو وغيرهم إلى أبي طالب، وطلبوا منه أن يطرد أولئك الضعفاء من حوله.. وقال له عمر: لو فعلت يا رسول الله، حتى ننظر ما يريدون بقولهم، وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا}..

إلى أن قال: ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء، {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا} الآية. فلما نزلت، أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله: {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..}([86])»([87])..

ونحن وإن كنا نسجل العديد من الإشكالات على هذه الرواية أيضاً، فإننا نقول:

إن ذلك لا يضر في ما نريد أن نثبته، لأنها دلت على أنهم يرون أن الآيات كانت تنزل مرة ثانية بعد نزولها في ضمن سورتها التي نزلت دفعة واحدة.

5 ـ عن خباب قال ما ملخصه: جاء الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فوجدا النبي «صلى الله عليه وآله» قاعداً مع بلال وصهيب، وعمار وخباب، وغيرهم من ضعفاء المؤمنين. فخلوا بالنبي «صلى الله عليه وآله» أن يجعل لهم مجلساً منه لا يكون فيه أولئك، فأجابهم إلى ذلك، فقالوا: «فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة، ودعا علياً «عليه السلام» ليكتب، ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبرئيل بهذه الآية: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ}.. إلى قوله: {فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}..

فألقى رسول الله «صلى الله عليه وآله» الصحيفة من يده، ثم دعانا، وهو يقول: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}.. فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم، قام وتركنا. فأنزل الله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}([88])..

قال: فكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم..

وهذا معناه: أن الآية قد نزلت مرة أخرى في المدينة([89]).. بعد أن كانت قد نزلت في ضمن السورة التي نزلت دفعة واحدة، غير أننا نشك في صحة هذه الرواية أيضاً لأسباب كثيرة، منها: أنها تذكر أن النبي «صلى الله عليه وآله» أراد أن يكتب كتاباً بأمر يرفضه دينه وعقله، ووجد أنه يظلم به بعض الناس لا لشيء إلا لكونهم ضعفاء، وفقراء، ومؤمنين. لصالح أناس ظالمين، ومنحرفين، ومشركين.

ومنها: ذكره لبعض من لا تنطبق عليه الآية، إذ لم يكونوا ممن يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.

وثمة إشكالات أخرى على هذه الرواية أيضاً..

وفي نص آخر: عن عمر بن عبد الله بن المهاجر: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان أكثر ما يصلي نافلته عند اسطوان التوبة. وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها وقد سبق إليها الضعفاء والمساكين والضيفان، والمؤلفة قلوبهم وغيرهم؛ فيتحلقون حول النبي «صلى الله عليه وآله» حلقاً بعضها دون بعض. فينصرف إليهم ويتلو عليهم ما أنزل الله عليه في ليلته، ويحدثهم، حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغنى، فلا يجدون إليه مخلصاً. فتاقت أنفسهم إليه، وتاقت نفسه إليهم، فأنزل الله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ}.. إلى منتهى الآيتين..

فلما نزل ذلك فيهم قالوا له: لو طردتهم عنا ونكون من جلساءك وإخوانك ولا نفارقك، فأنزل الله: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ}»([90])..

وهذا معناه: أن الآية قد نزلت في المدينة، وسورة الأنعام قد نزلت دفعة واحدة في مكة..

وعن سعد بن أبي وقاص، قال: نزلت هذه الآية في ستة: أنا وعبد الله بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، واثنين، قالوا: يا رسول الله، اطردهم، فإننا نستحي أن نكون تبعاً لهؤلاء، فوقع في نفس النبي «صلى الله عليه وآله» ما شاء الله أن يقع، فأنزل الله: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} إلى قوله: {أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}»([91])..

علماً بأننا لا نصدق دعوى سعد بن أبي وقاص: أنه كان في جملة من نزلت الآية فيهم، لأن ممارسات ومواقف هؤلاء لا تتلاءم مع مضمون الآية الكريمة، يضاف إلى ذلك: أن تصريح الرواية بأنه قد وقع طلب المشركين في نفس النبي «صلى الله عليه وآله» لا شك في أنه مكذوب على رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وهناك روايات عديدة أخرى كلها تصب في هذا الإتجاه([92])..

6 ـ عن ماهان قال: أتى قوم إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، فما رد عليهم شيئاً، فانصرفوا، فأنزل الله: {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا}.. فدعاهم، فقرأها عليهم([93]).

7 ـ عن زيد بن أسلم، قال: لما نزلت: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً}([94]).. قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف..

فقالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله؟!..

قال: نعم.

فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبداً.

فأنزل الله: {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحَقُّ}([95])»([96])..

8 ـ عن ابن جريج قال ما ملخصه: كان المشركون يجلسون إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فإذا سمعوا منه استهزؤوا، فنزلت: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}([97]).. فجعلوا إذا استهزؤوا قام، فحذروا، وقالوا: لا تستهزؤوا فيقوم، فذلك قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أن يخوضوا فيقوم.. ونزل: {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}([98])»([99]).

9 ـ عن ابن عباس في حديث..: «قالت اليهود: يا محمد، أنزل الله عليك كتاباً؟!

قال: نعم.

قالوا: والله، ما أنزل الله من السماء كتاباً.

فأنزل الله: {قُلْ} يا محمد، {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى}([100])..»([101]).

وواضح: أن التعاطي مع اليهود والاحتجاج عليهم، إنما كان في المدينة بعد الهجرة، مع ملاحظة أن للآية مناسبة خاصة نزلت فيها، مما يدل على أن هذا قد كان نزولاً آخر لها غير نزولها في ضمن السورة..

10 ـ وفي نص آخر، عن سعيد بن جبير: أنها نزلت في مالك بن الصيف حينما ناشده النبي «صلى الله عليه وآله» هل يجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟!، فغضب. (وكان حبراً سميناً) فأنكر، وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه: ويحك، ولا على موسى؟.

قال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ}([102])»([103])..

11 ـ وعن محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من اليهود إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، وهو محتب. فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء، كما جاء به موسى ألواحاً؟!..

فأنزل الله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ}([104])..

فجثا رجل من اليهود، فقال: ما أنزل الله عليك، ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحد شيئاً.

 

فأنزل الله: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ}»([105])..

وهناك رواية أخرى عن محمد بن كعب في شأن نزول هذه الآية، فراجع..

والكلام فيها كالكلام السابق، وهي أن مناقشاته «صلى الله عليه وآله»، مع اليهود قد كانت في المدينة لا في مكة. وأنه حتى لو كان ذلك قد حصل في مكة، فهو أيضاً يدل على أن للآية نزولاً آخر غير نزولها في ضمن السورة([106]).

12 ـ قد نزلت آية: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ}([107]).. في عبد الله بن سعد بن أبي سرح.. الذي كان يكتب القرآن لرسول الله «صلى الله عليه وآله» ثم فر إلى مكة فسألوه عن ذلك، فادّعى أنه كان يكتب كيف شاء([108])..

وفي نصوص أخرى أنها نزلت في مسيلمة الكذاب([109])..

وربما يحمل ذلك على تعدد نزولها.

وفي جميع الأحوال نقول:

إن ذلك إنما كان في المدينة بعد الهجرة، فهو نزول آخر للآية، حسبما ألمحنا إليه..

13 ـ وتذكر بعض الروايات: أن آية: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ}([110]).. قد نزلت حين مشت قريش إلى أبي طالب «عليه السلام»، وكلمته في أمر ابن أخيه، ثم طلبوا منه أن يكف عن شتم آلهتهم، وإلا فسوف يشتمونه، ويشتمون من أمره([111])..

وهذا معناه: أن للآية مناسباتها الخاصة التي أوجبت نزولها فيها أيضاً. يضاف إلى نزولها في ضمن السورة.

14 ـ قالوا: إن آية: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ.. إلى قوله: يَجْهَلُونَ}([112]).. قد نزلت حين طلب المشركون من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يجعل لهم الصفا ذهباً..

والكلام في هذا المورد كالكلام في سابقه([113])..

15 ـ عن ابن عباس، قال: جاءت اليهود إلى النبي «صلى الله عليه وآله»، فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما يقتل الله، فأنزل الله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ..} إلى قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}([114])»([115]).

وثمة ورايات عديدة أخرى بهذه المضامين([116])..

16 ـ وقال ابن جريج: إن آية: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ}([117]).. نزلت في ثابت بن قيس بن شماس..

وذلك يعني: أنها قد نزلت في المدينة.. وأن لها نزولاً آخر غير نزولها في ضمن السورة([118]).

سورة الكهف نزلت في مكة:

ب ـ وقد ذكروا: أن سورة الكهف قد نزلت بمكة([119])..

وعن أنس عن النبي «صلى الله عليه وآله»: قال: نزلت سورة الكهف جملة، معها سبعون ألفاً من الملائكة([120])..

وذكروا: أن قريشاً بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى يهود المدينة في أمره «صلى الله عليه وآله»، فقالوا لهم: اسألوه عن ثلاث مسائل، فإن أخبركم فهو نبي، والأسئلة هي عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فرجعوا إلى مكة وسألوه عن هذه المسائل، فجاء جبرئيل «عليه السلام» بسورة الكهف بعد خمسة عشر (أو أربعين) يوماً([121]).

وبعد أن اتضح: أن سورة الكهف قد نزلت جملة واحدة، نقول:

إن الروايات تذكر: أن عدداً من آياتها قد نزل في مناسبات مختلفة أيضاً، فمنها على سبيل المثال ما يلي:

1 ـ أخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان عن سلمان: أن قوله تعالى: {وَاتْلُ مَا أوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ..} إلى قوله: {..إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً}([122]).. قد نزل حينما جاء المؤلفة قلوبهم، وهم: عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، إلى النبي «صلى الله عليه وآله» واشترطوا عليه لكي يجالسوه هم ويحادثوه، ويأخذوا عنه، أن يجلس في صدر المجلس، وأن يبعد الفقراء عنه؛ لأنهم كانوا يلبسون جباب الصوف ـ يعنون سلمان وأبا ذر([123])..

وفي نص آخر: عن سلمان: نزلت هذه الآية فيّ وفي رجل دخل على النبي «صلى الله عليه وآله» ومعي شيء من خوص، فوضع مرفقه في صدري وقال: تنح حتى ألقاني على البساط، ثم قال: يا محمد إنا ليمنعنا من كثير من أمرك هذا وضرباؤه، أن ترى لي قدماً وسواداً، فلو نحيتهم إذاً دخلنا عليك، فإذا خرجنا أذنت لهم إذا شئت، فلما خرج أنزل الله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ.. ـ إلى قوله ـ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}([124])..

ومن الواضح: أن سلمان قد أسلم في المدينة، فالآيات قد نزلت هناك أيضاً، بالإضافة إلى نزولها السابق في ضمن السورة..

وإن كنا لا نؤيد صحة هذه الروايات لأسباب عديدة، فإن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يمكن أن يرضى بشروط العتاة من المشركين، لأنها شروط يأباها العقل والشرع والوجدان الإنساني، أو تنفر منها الفطرة السليمة، وتخدش في عصمته «صلى الله عليه وآله».

يضاف إلى ذلك: أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يكن ليسكت عن ذلك الرجل الذي اعتدى على سلمان، فالقاه على البساط.

كما أنه لم يكن ليسكت عن إجابة ذلك الرجل حتى خرج.

2 ـ رووا: أن قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا}([125]).. نزلت في أمية بن خلف، وذلك أنه دعا النبي «صلى الله عليه وآله» إلى أمر كرهه، من طرد الفقراء وتقريب صناديد أهل مكة([126])..

ورووا أيضاً: أن النبي «صلى الله عليه وآله» تصدّى لأمية بن خلف وهو ساه غافل عما يقال له: فأنزل الله: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ}»([127])..

3 ـ رووا: أن قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا}.. قد نزل في عيينة بن حصن. قال للنبي «صلى الله عليه وآله» قبل أن يسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي الخ..([128]).

والكلام في هذا المورد ظاهر، فإننا سواء أقلنا بتكرار نزول الآية، أو قلنا بعدمه، فإن الآية قد نزلت في مناسبة خاصة، بالإضافة إلى نزولها في ضمن السورة..

وقصة عيينة بن حصن إنما كانت في المدينة، والسورة قد نزلت دفعة واحدة في مكة([129])..

4 ـ عن السدي، قال: قالت اليهود للنبي «صلى الله عليه وآله»: يا محمد، إنما تذكر إبراهيم وموسى، وعيسى، والنبيين، أنك سمعت ذكرهم منا، فأخبرنا عن نبي لم يذكره الله في التوراة إلا في مكان واحد.

قال: ومن هو؟!

قالوا: ذو القرنين.

قال: ما بلغني عنه شيء، فخرجوا فرحين، وقد غلبوا في أنفسهم، فلم يبلغوا إلى باب البيت، حتى نزل جبرئيل بهؤلاء الآيات: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً}([130])..

وذلك معناه: أن هذه الآيات قد نزلت في مناسبة خاصة، وأن النبي«صلى الله عليه وآله» لم يذكر لهم نزول هذه الآيات في سورة الكهف قبل ذلك، ربما لأجل أنه لم ينزل بها جبرئيل بعد ليحدد مناسباتها الخاصة بها([131])..

على أن لنا إشكالاً على هذه الرواية، وهو: أنها إذا كانت قد نزلت في مكة في ضمن سورة الكهف، فمعنى ذلك أنه «صلى الله عليه وآله» كان يعرف عن ذي القرنين نفس ما أوردته الآية التي نزلت عليه مرة ثانية عند سؤال اليهود إياه، فما معنى أن يقول لهم: ما بلغني عنه شيء..

إلا إذ فرض نزول الآية في هذه المناسبة قبل نزول السورة، وهذا بعيد، فإن مناقشات اليهود معه، وأسئلتهم إنما كانت في المدينة.. على ما يظهر.

5 ـ وقالوا: إن جندب بن زهير كان إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس، فلامه الله، فنزل في ذلك: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ}([132])»([133])..

وفي نص آخر، عن مجاهد، كان رجل من المسلمين، يقاتل وهو يحب أن يرى مكانه، فأنزل الله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ}»([134])..

فالآية نزلت في مناسبة خاصة.. وهي واقعة في ضمن سورة نزلت دفعة واحدة أيضاً، في مكة.

خلاصة أخيرة:

وتكون النتيجة هي: أن الله سبحانه كان ينزل السورة أولاً، فيقرؤها النبي «صلى الله عليه وآله» بتمامها على الناس، ثم تبدأ الأحداث بالتحقق، فيأتي جبرئيل «عليه السلام» إلى الرسول «صلى الله عليه وآله»، بالآيات التي ترتبط بتلك الأحداث مرة أخرى، فيقرأها على الناس، فيظهر لهم أنهم كانوا قد سمعوها منه قبل ذلك. فيعرف الناس بذلك: أن هذا القرآن منزل من عند عالم الغيب والشهادة..

بل الظاهر: أن حتى السور التي نزلت نجوماً أيضاً، كسورة البقرة وسورة آل عمران، كان نزولها يتم بصورة تتلاءم مع هذه السياسة، ولذلك قالوا: إن بضعاً وثمانين آية من سورة آل عمران قد نزلت دفعة واحدة.. ثم بدأت الأحداث تتوالى، ويأتي جبرئيل «عليه السلام» بالآيات المرتبطة بها، مع أن هذه الآيات كانت قد نزلت قبل حصول تلك الأحداث، وفي ضمن البضع والثمانين آية المشار إليها..

وهذا بالذات هو حال سورة المائدة أيضاً، فإنها نزلت دفعة واحدة ثم صارت آياتها تنزل تدريجاً كلما حدث أمر يقتضي نزول آيات بعينها من تلك السورة..

وتقدم: أن آية إكمال الدين جاءت قبل آية تبليغ الرسالة، في نطاق سياسة إلهية، تهدف إلى حفظ القرآن، وإلى الرفق بالناس، وتيسير أمر الهداية لهم، حسبما أوضحناه.. وقلنا: إن نزولها كان مرتين على الحقيقة، فراجع.



 

 

 

 

 

 

الغدير كان يوم الخميس:

وقد تقدم قولهم: إن يوم الغدير كان يوم الخميس في الثامن عشر من ذي الحجة..

ولكن هذا يناقض إجماع أهل السنة على أن يوم عرفة في حجة الوداع كان يوم الجمعة، لأن هذا يحتم أن يكون يوم الأحد، لأنه يكون هو الثامن عشر من ذي الحجة..

ويؤكد هذا الإشكال: أنهم يقولون: إن أول ذي الحجة كان يوم الخميس([135]).

والذي نراه: أن هذا الإجماع السُنِّي الذي أشار إليه العلامة الأميني، إنما يستند إلى رواية البخاري ومسلم، التي صرح فيها عمر وبعض آخر: بأن يوم عرفة في حجة الوداع كان يوم الجمعة، فإن ظهر خطأ الرواية في ذلك، فإن على المجمعين أن يغيروا رأيهم تبعاً لما ظهر.

وقد ظهر: أن ما صرحوا به في تحديد يوم الغدير بيوم الخميس يقتضي أن يكون يوم عرفة يوم الثلاثاء..

وقد صرحت رواية رواها ابن جرير وغيره: بأن يوم عرفة الذي هو يوم نزول سورة المائدة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}([136]) هو يوم الإثنين([137]). ولعل الأمر اشتبه على الراوي بين الإثنين والثلاثاء.

وهذه الرواية وإن حكم عليها بعضهم بضعف السند. لكن ضعف السند لا يعني كذب المضمون. فإذا أيدت الشواهد أنه أقرب إلى الصحة، أخذ به، وأهمل ما عداه، لقوة احتمال السهو أو الغلط، أو تعمد الكذب فيه، وذلك ظاهر لا يخفى.

لماذا لم يحتج علي والزهراء بالغدير؟!:

وقد يروق للبعض أن يسجل اعتراضاً على قول الشيعة من دلالة حديث الغدير على الإمامة؛ فيقول: إن الحديث وإن كان ثابتاً ومتواتراً من حيث السند، ولكنه لو كان دالاً على الإمامة والخلافة بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» لاحتج به علي «عليه السلام» على مناوئيه، وغاصبي حقه بعد وفاة رسول الله «صلى الله عليه وآله» مباشرة، ولو فعل ذلك لحسم الأمر، ولأعيدت الأمور إلى نصابها.

ولا يصح التسويف في هذا الأمر، إذ لا عطر بدون عروس.

ونقول في الجواب:

أولاً: إنكم قد ذكرتم بأن جمهور علماء السنة ـ إلا من شذ ـ لا ينكرون صدور هذا الحديث.

فإذا كان الحديث ثابتاً ومعلوماً لدى كل أحد، وكان النبي «صلى الله عليه وآله» قد أورده أمام عشرات الألوف من الناس، كما ذكرت الروايات، فلا تبقى حاجة إلى الإحتجاج به؟! فإن من يعرف حرمة الكذب، ويقرأ الآيات في ذلك، ويسمع تأكيدات الرسول «صلى الله عليه وآله»، على حرمته.

ومن يعرف حرمة السرقة، ويقرأ آيات تحريمها صباح مساء.

ومن يعرف وجوب الصلاة، ويقرأ ويسمع آيات القرآن، وكلمات الرسول «صلى الله عليه وآله» في الحث عليها، والدعوة إليها.. فإنه حين يمارس الكذب، ويقدم على السرقة، وعلى ترك الصلاة جهاراً نهاراً، فسيكون الاحتجاج عليه بالآيات والروايات عبثاً، وبلا فائدة أو عائدة.

وهكذا الحال بالنسبة لحديث الغدير، فإن من يأتي بالآلاف من حملة السلاح من بني أسلم، ويستقوي بهم، ويهاجم بيت فاطمة «عليها السلام»، ويضربها ويسقط جنينها، ويأخذ علياً أمير المؤمنين «عليه السلام» بالقوة للبيعة.

ومن يقول: إن النبي ليهجر ـ وهو على فراش المرض ـ ليمنعه من كتابة كتاب لا تضل الأمة بعده.. وهو يفعل ذلك كله ـ قبل أن ينبس علي «عليه السلام» ولا غيره ببنت شفة حول الخلافة.

مع أنه قد حضر قبل سبعين يوماً فقط يوم الغدير، وسمع أقوال رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وبايع علياً «عليه السلام»، في ذلك اليوم وهنأه بالولاية..

إن من يفعل ذلك، فإن الاحتجاج لا ينفع معه لأنه يكون ظاهر الجحود، في نفسه.. ولن يزيد ذلك الناس معرفة بالحق.. لأن الناس كلهم لم ينسوا يوم الغدير وسواه من المواقف الحاسمة، كما لا ينسون صلاتهم وصيامهم..

ثانياً: لو سلمنا جدلاً أن التاريخ لم ينقل لنا شيئاً من احتجاجات علي والزهراء «عليهما السلام»، فهو لا يدل على عدم حصوله منه ومنها «عليهما السلام»، لا سيما مع الحرص الظاهر على محاربة علي، وطمس كل شيء يؤيد حقه «عليه السلام» بالأمر، والتخلص من كل ما يدين خصومه فيما أقدموا عليه..

وعدم نقل أهل السنة ذلك، يعد أمراً طبيعياً، لأن نقلهم له إنما يعني تسجيل إدانة لأناس يريدون تبرئتهم من كل شيء، بل يريدون ادِّعاء العصمة لهم، وإظهار أهليتهم للإمامة، والخلافة والزعامة. كما أنه سوف يحدث خللاً اعتقادياً لو أراد الناس الالتزام بلوازمه.. ولا أحب أن أقول أكثر من هذا..

ثالثاً: إنه ليس ثمة ما يدل على انحصار الحجية بما نقله محدثو ومؤرخو، وعلماء أهل السنة، بحيث يبطل ذلك أقوال، ونقولات غيرهم.. ومن يدّعي هذا الانحصار يحتاج إلى دليل..

بل ربما يكون دليل مخالفيهم هو الأقوى.. لأن هذا التوثيق، وذاك الرفض يتوقف على حسم الأمر في مسألة الإمامة وفقاً للأدلة الشرعية المتوفرة، فلا معنى لفرض اتجاه معين في الأخذ بمصادر ومراجع بعينها، قبل حسم الأمر في تلك المسألة، لأن هناك من يقول: إن الأدلة القاطعة تدل على أن قضايا الدين لا بد أن تؤخذ من القرآن، ومن خصوص عترة الرسول «صلى الله عليه وآله» المعصومين، والمنصوص عليهم، فمن خالفهم في شيء، فإنه يردّ عليه..

رابعاً: إننا نجد في مصادر أهل السنة والشيعة العديد من الموارد التي أشير فيها إلى أن علياً كان يحتج بحديث الغدير، ويسعى لحمل الذين حضروا واقعة الغدير على أن يعلنوا للناس بما رأوا وبما سمعوا في ذلك اليوم الأغرّ، وقد أثمرت هذه المناشدات والإحتجاجات شهادات بصحة هذا الحديث، وتأكيدات على وقوعه، واعترافات من المناوئين الذين كانوا يسعون لقلب الأمور رأساً على عقب.

ونحن نذكر من ذلك الشواهد التالية:

ألف ـ إحتجاجات علي ×:

إن النصوص قد ذكرت:

1 ـ إحتجاج علي «عليه السلام» بحديث الغدير يوم البيعة لأبي بكر، فإنه «عليه السلام» قد احتج على أبي بكر ومؤيديه، حينما جيء به إلى البيعة، فقال: «يا أبا بكر، ما أسرع ما توثبتم على رسول الله! بأي حق، وبأي منزلة دعوت الناس إلى بيعتك؟ ألم تبايعني بالأمس بأمر الله وأمر رسوله»؟([138]).

ثم لما هددوه بالقتل إن لم يبايع، أقبل عليهم علي «عليه السلام»، فقال: «يا معشر المسلمين والمهاجرين والأنصار، أنشدكم الله، أسمعتم رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول يوم غدير خم كذا وكذا؟ وفي غزوة تبوك كذا وكذا»؟ فلم يدع «عليه السلام» شيئاً قاله فيه رسول الله «صلى الله عليه وآله» علانية للعامة إلا ذكَّرهم إياه.

قالوا: اللهم نعم.

فلما تخوف أبو بكر أن ينصره الناس، وأن يمنعوه بادرهم فقال له: كل ما قلت حق، قد سمعناه بآذاننا وعرفناه، ووعته قلوبنا، ولكن قد سمعت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول بعد هذا: «إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا، واختار لنا الآخرة على الدنيا. وإن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة».

فقال علي «عليه السلام»: هل أحد من أصحاب رسول الله شهد هذا معك؟ الخ.. ([139]).

وهو استدلال عجيب وغريب من أبي بكر، فإنه يفضي إلى القول بأن الله ورسوله كانا يعبثان بالناس طيلة ثلاث وعشرين سنة، حيث كان «صلى الله عليه وآله» بأمر من الله يؤكد الولاية لعلي «عليه السلام»، ويجمع الناس في منى وعرفات، وفي غدير خم، ويذكر لهم خلافة علي «عليه السلام» وإمامته، وولايته عليهم من بعده. ويأخذ البيعة له في يوم الغدير.. و.. و.. الخ.. ثم يتبين أن الله ـ والعياذ بالله ـ كان مخطئاً حين كان يوجه رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى القيام بهذه الأعمال، وإطلاق هذه الأقوال كلها.

هذا.. وقد قال «عليه السلام» لرسول أبي بكر، الذي قال له: أجب خليفة رسول الله: «سبحان الله، ما أسرع ما كذبتم على رسول الله، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلف غيري».

وحين أرسل إليه: أجب أمير المؤمنين قال: «فوالله إنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، ولقد أمره رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهو سابع سبعة، فسلموا علي بإمرة المؤمنين».

فاستفهم هو وصاحبه عمر من بين السبعة، فقالا: أحق من الله ورسوله؟

فقال لهما رسول الله «صلى الله عليه وآله»: نعم، حقاً، حقاً الخ..([140]).

2 ـ احتجاجه «عليه السلام»، بحديث الغدير في يوم الشورى، حيث قال «عليه السلام»: ولأحتجن عليكم بما لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم تغيير ذلك، ثم قال: أنشدكم الله، أيها النفر جميعاً: أفيكم أحد وحّد الله قبلي؟

قالوا: لا..

إلى أن قال: فأنشدكم الله، هل فيكم أحد قال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره. ليبلغ الشاهد الغايب، غيري؟

قالوا: اللهم لا.. الخ..([141]).

وعلى كل حال: فقد ذكروا حديث المناشدة عن الدارقطني وابن مردويه، وأبي يعلى وغيرهم.

ولنفترض: أن بعض رجال أسناد هذا الحديث ضعاف، فإن ذلك لا يعني كذب الرواية من الأساس كما هو معلوم. لاسيما مع أن مصلحة الرواة هي في خلاف مضمون ما يروونه..

3 ـ واحتج علي «عليه السلام»، بهذا الحديث في خلافة عثمان أيضاً.. وذلك في المسجد، في حلقة كان فيها أكثر من ماءتي رجل([142])، فقال: «أفتقرون أن رسول الله دعاني يوم غدير خم، فنادى لي بالولاية، ثم قال: ليبلغ الشاهد منكم الغائب»؟.

قالوا: اللهم نعم([143]).

4 ـ لما بلغه وهو في الكوفة أن الناس يتهمونه فيما يرويه من تقديم رسول الله «صلى الله عليه وآله» إياه على غيره، حضر في مجتمع من الناس، وناشد من سمع رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم الغدير أن يشهد، فشهد له قوم، وأمسك زيد بن أرقم، فدعا عليه علي «عليه السلام» بذهاب البصر فعمي.

وقيل: إن الذين لم يشهدوا ثلاثة. وقيل: إنهم قوم.

وقيل: فقام أناس كثير فشهدوا.

وفي نص آخر: شهد له بضعة عشر رجلاً، أو اثنا عشر رجلاً، أو ثلاثة عشر رجلاً (أو بدرياً). أو ستة عشر رجلاً، أو خمسة، أو ستة، أو ثلاثون، أو سبعة عشر رجلاً، أو ثمانية عشر([144]).

ونشير هنا إلى أمرين:

الأول: لماذا لم يشهد أكثر من هذا العدد؟!:

ذكر العلامة الأميني أسماء أربعة وعشرين رجلاً، شهدوا لأمير المؤمنين «عليه السلام» بحديث الغدير في رحبة الكوفة([145])، فراجع.

وقد أشار العلامة الأميني: إلى أن رواية أبي الطفيل قد ذكرت: أن علياً «عليه السلام» لما قدم الكوفة نشد الناس بحديث الغدير.

وإنما قدم «عليه السلام» الكوفة سنة 35 للهجرة، وبعد خمسة وعشرين عاماً من استشهاد رسول الله «صلى الله عليه وآله». وكان كثير من الذين حضروا يوم الغدير قد ماتوا، وكثير منهم كانوا مبثوثين في مختلف البلاد، وقد فتح العراق بعد استشهاد رسول الله «صلى الله عليه وآله» بسنوات، وإنما دخل العراق شراذم من الصحابة بعد ذلك..

كما أن هذا الإستشهاد قد جاء على سبيل الإتفاق، ولم يُهيَّأ له الناس، ولا طُلِبَ من الصحابة الحضور للشهادة، لكي تكثر الشهود، وتحضر الرواة، وكان في الحاضرين من يخفي شهادته حنقاً أو سفهاً.

الثاني: شهادتان.. لا شهادة واحدة:

قد ظهر مما تقدم أن ثمة اختلافاً في عدد من شهد. فهل سبب ذلك هو أنهم أرادوا عدّ خصوص من كان بدرياً. أو أنصارياً، أو على جانبي المنبر.. أو ان بعضهم أراد تقليل العدد لحاجة في نفسه قضاها؟! كل ذلك محتمل.

وثمة احتمال آخر، أشير إليه في هامش كتاب الغدير([146]) وقد لهجت بصحته النصوص نفسها، وهو: أن هناك مناشدتين:

إحداهما: جرت داخل المسجد، ومن على منبره بالذات، فقام ستة شهود من كل جانب من جانبي المنبر.. أو قامت جماعة كان منهم اثنا عشر بدرياً([147]).

وأخرى: في خارج المسجد في الرحبة التي أمامه.. فقام ناس كثير، أو ثلاثون رجلاً([148]).

وهناك احتمال ثالث، وهو: أن تكون هذه المناشدات في مسجد الكوفة وفي رحبته قد جرت عدة مرات.. ويدل على ذلك حديث الركبان التالي:

5 ـ مناشدة علي «عليه السلام» حين خروجه من القصر، حيث استقبله ركبان متقلدون السيوف، فقالوا له: السلام عليكم يا مولانا ورحمة الله وبركاته.

فقال «عليه السلام»: مَنْ ها هنا من أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله»؟

فقام ثلاثة عشر (أو اثنا عشر) رجلاً، فشهدوا أنهم سمعوا النبي «صلى الله عليه وآله» يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه([149]).

وذكرت نصوص أخرى: أن ركباناً أتوه فشهدوا له بحديث الغدير، وهو في رحبة الكوفة، فيهم أبو أيوب الأنصاري([150])، فيحتمل تعدد الواقعة.

وتذكر النصوص هنا أيضاً: أن بعض من لم يشهد أصيب ببلاء أيضاً، وهم ستة أشخاص([151]).

6 ـ إحتج «عليه السلام» على طلحة بحديث الغدير في حرب الجمل([152]).

7 ـ ناشدهم «عليه السلام» بحديث الغدير أيضاً في صفين، فشهد له اثنا عشر بدرياً([153]).

8 ـ واحتجت فاطمة الزهراء «عليها السلام» على غاصبي حقوقها بحديث الغدير أيضاً([154]).

9 ـ احتج به الإمام الحسن «عليه السلام» المجتبى في خطبته حين فرضت عليه الهدنة مع معاوية([155]).

10 ـ خطب الإمام الحسين «عليه السلام» بمنى في أكثر من سبع مائة رجل عامتهم من التابعين، ونحو مائتي رجل من أصحاب النبي «صلى الله عليه وآله»، فكان مما قال: «أنشدكم الله، أتعلمون أن رسول الله نصبه يوم غدير خم، فنادى له بالولاية، وقال: ليبلغ الشاهد الغائب»؟

قالوا: اللهم نعم([156]).

ونضيف إلى ما تقدم:

11 ـ إحتجاج عبد الله بن جعفر على معاوية بحديث الغدير([157]).

12 ـ واحتج رجل همداني اسمه برد على عمرو بن العاص بحديث الغدير([158]).

13 ـ واحتج به عمرو بن العاص على معاوية([159]).

14 ـ واحتج به عمار بن ياسر على عمرو بن العاص([160]).

15 ـ واحتج به أصبغ بن نباتة في مجلس معاوية أيضاً([161]).

16 ـ وناشد شاب أبا هريرة بحديث الغدير في مسجد الكوفة([162]).

17 ـ ناشد رجل زيد بن أرقم بحديث الغدير([163]).

18 ـ ناشد عراقي جابر الأنصاري بحديث الغدير([164]).

قال الذهبي: هذا حديث حسن عال جداً، ومتنه متواتر([165]).

19 ـ واحتج به قيس بن سعد على معاوية([166]).

20 ـ واحتجت به دارمية الحجونية على معاوية([167]).

21 ـ احتج به عمرو الأودي على قوم كانوا ينالون من أمير المؤمنين «عليه السلام»([168]).

22 ـ استشهد عمر بن عبد العزيز بحديث الغدير أيضاً([169]).

23 ـ استشهد زريق مولى علي بن أبي طالب على عمر بن عبد العزيز بحديث الغدير([170]).

24 ـ احتج المأمون بحديث الغدير على الفقهاء، وفيهم إسحاق بن إبراهيم، ويحيى بن أكثم([171]).

تحريف كتاب المعارف:

قال المعتزلي: «وروى سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عمر بن عبد الغفار: أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية، كان يجلس بالعشيات بباب كندة، ويجلس الناس إليه، فجاء شاب من الكوفة، فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة، أنشدك الله، أسمعت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول لعلي بن أبي طالب: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»!

فقال: اللهم نعم.

قال: فأشهد بالله، لقد واليت عدوه، وعاديت وليه! ثم قام عنه»([172]).

ثم يواصل كلامه عن أبي هريرة، وأنه كان يؤاكل الصبيان في الطريق، ويلعب معهم. ويخطب الناس بالمدينة.. ثم يقول:

«قلت: قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب، المعارف، في ترجمة أبي هريرة، وقوله فيه حجة، لأنه غير متهم عليه».

قال الأميني «رحمه الله»: «هذا كله قد أسقطته عن كتاب المعارف (ط مصر سنة 1353هـ) يد التحريف اللاعبة به، وكم فعلت هذه اليد الأمينة لدة هذه في عدة موارد منه، كما أنها أدخلت فيه ما ليس منه، وقد مر الإيعاز إليه ص192»([173]).

ويبدو أن هناك طبعات أخرى قد أهملت ذلك أيضاً، فراجع طبعة سنة 1390 هـ.

وقد ذكرنا: أن هذا الكتاب قد حرف في موارد أخرى، منها ما يرتبط بإسقاط الزهراء «عليها السلام» لجنينها المحسن بضرب عمر بن الخطاب لها..

تحريف كتاب تاريخ اليعقوبي:

قال اليعقوبي في تاريخه ج2 ص37 (ط النجف الأشرف سنة 1358): «وقد قيل: إن آخر ما نزل عليه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}([174]).

وهي الرواية الصحيحة، الثابتة الصريحة. وكان نزولها يوم النص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، بغدير خم».

لكن تاريخ اليعقوبي المطبوع في بيروت سنة (مطبوع في دار صادر ـ بيروت سنة 1379 هـ ـ و1960م ) ج2 ص43 قد جاء محرفاً كما يلي: «وكان نزولها يوم النفر على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بعد ترحم».

وقد ذكرنا طائفة أخرى من الكتب المحرفة في كتابنا: «دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام» فراجع.

وعلى كل حال، فليس هذا بالغريب على هؤلاء، وإنما هي «شنشنة أعرفها من أخزم».

ب ـ إحتجاج الزهراء ÷:

روى شمس الدين أبو الخير الجزري الدمشقي المقري الشافعي في كتابه أسنى المطالب في مناقب سيدنا علي بن أبي طالب ص49 ـ 51 قال عن حديث الغدير:

فألطف طريق وقع بهذا الحديث وأغربه ما حدثنا به شيخنا خاتمة الحفاظ، أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب المقدسي مشافهة: أخبرتنا الشيخة أم محمد زينب ابنة أحمد عبد الرحيم المقدسية، عن أبي المظفر محمد بن فتيان بن المثنى، أخبرنا أبو موسى محمد بن أبي بكر الحافظ، أخبرنا ابن عمة والدي القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد المدني بقراءتي عليه، أخبرنا ظفر بن داعي العلوي باستراباد، أخبرنا والدي وأبو أحمد ابن مطرف المطرفي قالا: حدثنا أبو سعيد الإدريسي إجازة فيما أخرجه في تاريخ استراباد، حدثني محمد بن محمد بن الحسن أبو العباس الرشيدي من ولد هارون الرشيد بسمرقند وما كتبناه إلا عنه، حدثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الحلواني، حدثنا علي بن محمد بن جعفر الأهوازي مولى الرشيد، حدثنا بكر بن أحمد القسري.

حدثتنا فاطمة وزينب وأم كلثوم بنات موسى بن جعفر «عليه السلام»، قلن حدثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد الصادق، حدثتني فاطمة بنت محمد بن علي، حدثتني فاطمة بنت علي بن الحسين، حدثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن علي عن أم كلثوم بنت فاطمة عن فاطمة بنت النبي، رسول الله «صلى الله عليه وآله» ورضي عنها، قالت:

أنسيتم قول رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم غدير خم، من كنت مولاه فعلي مولاه؟

وقوله «صلى الله عليه وآله»: أنت مني بمنزلة هارون من موسى «عليهما السلام»؟

وهكذا أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتابه المسلسل بالأسماء، وقال:

هذا الحديث مسلسل من وجه، وهو أن كل واحدة من الفواطم تروي عن عمة لها، فهو رواية خمس بنات أخ كل واحدة منهن عن عمتها([175]).

حديث الولاية إخبار أم إنشاء؟!:

ومن الأسئلة التي تطرح هنا السؤال التالي:

هل جملة: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» خبرية محضة، أو أنها خبرية يراد بها الإنشاء؟!.

ويجاب بما يلي:

إنه سواء أكانت جملة «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» خبرية محضة، أم خبرية يراد بها الإنشاء، فإن النتيجة واحدة، ولا يُلْحِقُ ذلك أي ضرر في الاستدلال بها على ولاية أمير المؤمنين «عليه السلام»..

غير أننا نقول: إن النبي «صلى الله عليه وآله» كان قد أخبرهم وبيَّن لهم طيلة أكثر من عشرين سنة أن علياً «عليه السلام» هو الإمام من بعده، وكان ذلك منه «صلى الله عليه وآله» بأمر من الله سبحانه..

وقد يعترض على ذلك: بأنه إذا كانت ولاية أمير المؤمنين «عليه السلام» ثابتة من أول بعثة النبي «صلى الله عليه وآله»، فما معنى إعادة إنشائها في يوم الغدير؟ فإن إنشاء الولاية فيه معناه: أنها لم تكن ثابتة قبل ذلك، وأنها إنما توجد بهذا الإنشاء..

وهذه شبهة في دلالة حديث الغدير، من شأنها أن تجعل الناس كلهم معذورين في عدم الإلتزام بولايته «عليه السلام»..

<