الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2006 م. ـ 1427 هـ. ق

 

المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح

من سيرة النبي الأعظم (ص)

  

العلامة المحقق

السيد جعفر مرتضى العاملي

 

 

الجزء الثالث والثلاثون

 

المركز الإسلامي للدراسات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل السابع:

تغسيل رسول الله

إبليس يغريهم بترك تغسيل النبي :

عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده قال: قبض رسول الله «صلى الله عليه وآله» فستر بثوب، ورسول الله «صلى الله عليه وآله» خلف الثوب، وعلي «عليه السلام» عند طرف ثوبه وقد وضع خديه على راحته، والريح يضرب طرف الثوب على وجه علي «عليه السلام»، قال: والناس على الباب وفي المسجد ينتحبون ويبكون، وإذا سمعنا صوتاً في البيت: إن نبيكم طاهر مطهر، فادفنوه ولا تغسلوه.

قال: فرأيت علياً «عليه السلام» حين رفع رأسه فزعاً، فقال: اخسأ عدو الله، فإنه أمرني بغسله، وكفنه ودفنه، وذاك سنَّة.

قال: ثم نادى مناد آخر غير تلك النغمة: يا علي بن أبي طالب، استر عورة نبيك، ولا تنزع القميص([1]).

ونقول:

من الواضح أن إبليس لعنه الله إنما يريد إلقاء الشبهة في قلوب ضعفاء العقل والإيمان، وقاصري المعرفة بالدين وأحكامه. فلعلّ الأمور تنتهي إلى الإختلاف بين المسلمين، حتى لو أصر علي «عليه السلام» على تغسيله، حيث سيكون هناك من يتهمه بأن هذا مجرد اجتهاد منه، ولعله قد أخطأ فيه، ولاسيما إذا لم يستطع أولئك الناس أن يفرقوا بين الملك والشيطان، فيظنون أن الذي كلمهم ملك.

ولكن وصية النبي «صلى الله عليه وآله» لعلي، قد مكنت علياً «عليه السلام» من إزالة الشبهة، وإبعاد وسوسات الشيطان عنهم بأهون سبيل..

تغسيل الرسول :

قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله «صلى الله عليه وآله» يوم الثلاثاء.

وروى ابن سعد عن علي، وأبو داود ومسدد، وأبو نعيم وابن حبان، والحاكم والبيهقي، وصححه الذهبي، عن عائشة قالت: لما أرادوا غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندري كيف نصنع، أنجرد رسول الله «صلى الله عليه وآله» ثيابه كما نجرد موتانا؟ أم نغسله وعليه وثيابه؟

فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسلوا رسول الله «صلى الله عليه وآله» وعليه ثيابه.

فقاموا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وعليه قميصه، فغسلوه يفاض عليه الماء والسدر فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم [فكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسله إلا نساؤه] ([2]).

وعن علي «عليه السلام» قال: لما أخذنا في جهاز رسول الله «صلى الله عليه وآله» أغلقنا الباب دون الناس جميعاً، فنادت الأنصار: نحن أخواله، ومكاننا من الإسلام مكاننا.

ونادت قريش: نحن عصبته.

فصاح أبو بكر: يا معشر المسلمين، كل قوم أحق بجنازتهم من غيرهم، فننشدكم الله، فإنكم إن دخلتم أخرتموهم عنه، والله لا يدخل عليه إلا من دعي([3]).

وعن ابن عباس قال: اجتمع القوم لغسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» وليس في البيت إلا أهله: عمه العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وأسامة بن زيد بن حارثة، وصالح مولاه.

فلما اجتمعوا لغسله، نادى مناد من وراء الناس، وهو أوس بن خولي الأنصاري، أحد بني عوف بن الخزرج، وكان بدرياً على علي بن أبي طالب، فقال: يا علي، ننشدك الله وحظنا من رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقال له علي «عليه السلام»: ادخل، فدخل فحضر غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم يلِ من غسله شيئاً، فأسنده علي إلى صدره، وعليه قميصه، وكان العباس، والفضل، وقثم يقلبونه مع علي، وكان أسامة بن زيد، وصالح مولاه يصبان الماء، وجعل علي يغسله، ولم يرَ من رسول الله «صلى الله عليه وآله» شيئاً مما يُرى من الميت، وهو يقول: بأبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً، حتى إذا فرغوا من رسول الله «صلى الله عليه وآله» وكان يغسل بالماء والسدر جففوه، ثم صنع به ما يصنع بالميت([4]).

ونقول:

إن لنا على هذه النصوص ملاحظات عديدة، نذكر منها ما يلي:

متى أقبل الناس على جهاز الرسول ؟!:

إن ما زعمه ابن إسحاق، من أن الناس أقبلوا على جهاز رسول الله «صلى الله عليه وآله» بعد بيعة أبي بكر، لا يصح للأسباب التالية:

أولاً: ما روي من أن علياً «عليه السلام» قد جهز رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وانتهى من دفنه قبل أن ينتهي أهل السقيفة من سقيفتهم، وقال «عليه السلام» بعد انتهائه من إهالة التراب عليه «صلى الله عليه وآله»، وقد اتكأ على مسحاته وسأل عن خبر أهل السقيفة..

ثانياً: قد ذكرنا أن الأقوال حول وقت دفنه «صلى الله عليه وآله» مختلفة، ومن جملتها: أنه «صلى الله عليه وآله» دفن ليلة الثلاثاء، أو يوم الثلاثاء، أو يوم الأربعاء، ولا يتوافق أكثرها مع دعوى ابن إسحاق هذه، من أن الناس بعد البيعة لأبي بكر قد أقبلوا على جهاز رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ٍلأن السقيفة وإن كانت قد انتهت يوم الإثنين، لكن البيعة العامة قد بدأت يوم الثلاثاء، واستمرت عدة أيام.

ثالثاً: لو سلمنا: أنه «صلى الله عليه وآله» دفن يوم الأربعاء، فالسؤال هو: إذا كان الناس قد بدأوا بتجهيزه «صلى الله عليه وآله» يوم الثلاثاء، فلماذا لم يدفن إلا في يوم الأربعاء؟! فإن تجهيزه ودفنه «صلى الله عليه وآله» لا يحتاج إلى أكثر من ساعتين على أبعد تقدير!!

رابعاً: إن علياً «عليه السلام» وبني هاشم لم يحضروا اجتماع السقيفة يوم الإثنين، لأنهم كانوا مشغولين بجهاز رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد صرحت رواياتهم: بأن الصحابة بمن فيهم المهاجرون والأنصار قد تركوا أمر تجهيز النبي «صلى الله عليه وآله» إلى أهله، فما معنى قولهم: «إن الناس أقبلوا على جهازه يوم الثلاثاء»؟!

موقف عائشة من غسل النبي :

ولا ندري ما الذي دعا عائشة إلى الندم على عدم تصدي نساء النبي «صلى الله عليه وآله» لغسله، فهل وجدت علياً «عليه السلام» قد قصر في القيام بما يجب عليه في تغسيل النبي «صلى الله عليه وآله»؟!

أم أنها ندمت على فوات هذه الفضيلة منها، واختصاص علي «عليه السلام» بهذا الفضل دونها؟!

أم أنها ترى نفسها أقرب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» من ابنته «عليها السلام»، فتريد أن تستبدَّ برسول الله «صلى الله عليه وآله» دونها؟!

وإذا كان النبي «صلى الله عليه وآله» قد أوصى علياً «عليه السلام» بأن يتولى تغسيله، فهل تستطيع هي أن تبطل هذه الوصية، وتمنع من تنفيذها؟! وهل يرضى الصحابة منهابذلك؟!

أوس بن خولي شارك في الدفن لا في التغسيل:

وقد زعمت الرواية أيضاً: أن علياً «عليه السلام» قد أدخل أوس بن خولي الأنصاري، فحضر، ولم يشارك في غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

وكأن ثمة تعمداً من هؤلاء الرواة للإيحاء بأن دخول أوس قد كان بلا فائدة ولا عائدة، مع أنه سيأتي: أنه شارك في حمل رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى قبره، ثم تناوله منه علي «عليه السلام»..

بل يظهر من تلك الرواية: أن الأنصار إنما طلبوا المشاركة في دفن النبي «صلى الله عليه وآله» لا في تغسيله..

ونحسب أن سبب تعمد هذا التضعيف لدور الأنصار: أن أحداً من المهاجرين الذين حضروا السقيفة، واستأثروا بالأمر لم يكن له نصيب في شرف المشاركة في شيء من مراسم تجهيز رسول الله «صلى الله عليه وآله» ودفنه، فلم تطب أنفس محبي هؤلاء بالجهر بفوز أوس بن خولي الأنصاري بهذا الشرف دونهم..

تجريد رسول الله للغسل:

ولا مجال لقبول ما ذكرته عائشة من اختلاف الصحابة في تجريد رسول الله «صلى الله عليه وآله» للغسل وعدمه.

فإنه لا مجال للاختلاف في ذلك بين أحد من الناس، ما دام أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد كلف خصوص علي «عليه السلام» بأن يغسله، وهو «عليه السلام» لم يكن جاهلاً بهذا الأمر ليحتاج إلى رأي غيره فيسألهم عنه، ليقع الاختلاف بينه وبينهم.

مع العلم بأن الله قد أكمل دينه، وأبلغ جميع الأحكام.. فلا مجال للحيرة، والاختلاف..

إلا إذا فرض أنه «صلى الله عليه وآله» قد أبلغ هذا الحكم لشخص بعينه، وهو من سيقوم بهذه المهمة بوصية منه، وهو خصوص علي أمير المؤمنين «عليه السلام»، حيث لا بد أن يعرِّفه بهذا الحكم الشرعي المتبقي من الشريعة، لكي يطبقه على مورده.

ولا يعقل أن يتكتَّم «صلى الله عليه وآله» على ما هو جزء من الشريعة، وقد حضر وقت العمل به، لأن موته «صلى الله عليه وآله» سيبقي هذا الحكم مجهولاً، وتبقى الشريعة ناقصة، وسوف لا ينزل جبرئيل على أحد بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» وفي هذه الصورة يكفي أن يخبرهم علي بما عهد له به رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولا تبقى حاجة ولا مجال لرأي أبي بكر، أو غيره..

أما افتراض أن يكون تبليغ هذا الحكم من متكلم مجهول، يسمعون صوته، ولا يرون شخصه، فهو لا يدفع الإشكال، بل هو يؤكده ويقويه، إذ لعل المتكلم المجهول كان شيطاناً أيضاً. لا سيما مع ما سمعناه آنفاً عن إبليس، حيث طلب منهم أن يدفنوا نبيهم من دون غسل أصلاً..

ولولا أن علياً «عليه السلام» أعلمهم أن هذا صوت إبليس، وأن النبي «صلى الله عليه وآله» قد أوصاه بتغسيله لأطاعوا إبليس فيما دعاهم إليه ولو لزعمهم أنهم حسبوه ملَكاً!!..

وإذا كان جبرئيل قد أمرهم حين غسل النبي «صلى الله عليه وآله» بأن لا يجردوا النبي «صلى الله عليه وآله» من قميصه.

فقد يكون لأجل أن بعض الناس قد حاول الطعن بصحة فعل أمير المؤمنين «عليه السلام»، فدافع جبرئيل عنه، وصوَّب فعله، وقطع الطريق أمام عبث العابثين، وكيد الخائنين.

على أن هذا النوم المفاجئ حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، وسائر ما ذكرته عائشة، لم يكن أمراً عادياً، بل هو معجزة ظاهرة، وكرامة باهرة، وهي مما تتوفر الدواعي على نقله، فلماذا لم ينقله لنا أحد من الصحابة سوى عائشة؟!! مع أن المفروض: أن تكون عائشة في معزل عن هذا الأمر، مراعية لحجابها، مع سائر نسائه «صلى الله عليه وآله».

أبو بكر: كل قوم أحق بجنازتهم:

وعن نداء الأنصار: نحن أخواله، ونداء قريش: نحن عصبته، وتدخُّل أبي بكر لحسم الأمر.. نقول:

إنه أيضاً موضع شك وريب.

أولاً: لأن المفروض: أن أبا بكر، وعمر، وأبا عبيدة وغيرهم من المهاجرين، وكذلك سعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، والحباب بن المنذر وغيرهم من الأنصار، كانوا حين تجهيز رسول الله «صلى الله عليه وآله» في سقيفة بني ساعدة، فما معنى قول الرواية: إن أبا بكر قد كلَّم المهاجرين والأنصار بالكف عن المطالبة بالمشاركة في تجهيز رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

وأما إشراك أوس بن خولي الأنصاري، ومطالبة الأنصار بالمشاركة فإنما كان حين وضع النبي «صلى الله عليه وآله» كما سنشير إليه في موضعه إن شاء الله تعالى.

ثانياً: إن أبا بكر وعمر قد اعترضا على علي «عليه السلام» بأنه لم يُشْهِدُهما أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فردّ عليهما بأن السبب في ذلك: أنه لم يرد أن يعرضهما للخطر، لأنه ما من أحد يرى عورة النبي «صلى الله عليه وآله» ـ والمراد ما يواريه قميصه ـ إلا ذهب بصره([5]).

وقد حاول بعض الإخوة أن يصر على إرادة الصورة الحقيقية، وأن المراد هو رؤيتها اتفاقاً، فإنه يوجب العمى إلا إن كان الرائي هو علي «عليه السلام» وقال: لو كان المراد بالعورة ما يواريه القميص لرخص علياً «عليه السلام» بأن يغسله مع التجريد من القميص مع ستر العورة ويؤيد ذلك: أن الرواية الآتية عن الإمام الكاظم تقول:

إن علياً «عليه السلام» أراد تجريد النبي «صلى الله عليه وآله» من قميصه، فدل ذلك على أن حكم التجريد شيء، وحكم رؤية العورة شيء آخر وسيأتي أن رواية عدم تجريد الميت من قميصه للغسل تدل على أن ذلك ليس من مختصات رسول الله «صلى الله عليه وآله» مع أن ظاهر الروايات الناهية عن تغسيل غير علي له «صلى الله عليه وآله» معااة بأن ما رأى أحد عورته «صلى الله عليه وآله» إلا عمي، ظاهرها خصوصية النبي «صلى الله عليه وآله»..

ونقول: إن ما ذكره هذا الأخ الكريم لا مجال لقبوله، فإن علياً «عليه السلام» لابد أن يبالغ في الإحتيلط في الستر ولن يسمح بأن تصبح عورة رسول الله في معرض رؤية أحد، لا هو ولا غيره، لا عمداً ولا اتفاقاً.. ونهي النبي «صلى الله عليه وآله» علياً عن تجريده من قميصه مع أنه يجوز لعلي «عليه السلام» أن يغسله مجرداً منه إنما هو لإعلام الآخرين بخصوصية علي والنبي «صلى الله عليه وآله» في هذا الحكم الخاص ولعل رواية الإمام الكاظم «عليه السلام» الآتية تدل إلزامية هذا الحكم فلا مجال لإدعاء استحبابية هذا الحكم وبذلك يظهر الفرق بين النبي وبين غيره في هذا الحكم، فإن تغسيل النبي في قميصه لازم، وتغسيل غيره كذلك مندوب.

أمور أخرى تضمنتها الرواية:

وقد تضمنت الرواية المتقدمة أموراً أخرى، لا مجال لقبولها أيضاً، وستأتي الإشارة إلى ما يبطلها، ومن ذلك:

ألف: الإقتصار في حديث التغسيل على ذكر الماء والسدر، من دون إشارة إلى الكافور، مع أنهم يعتبرون أن الكافور مطلوب في تغسيل الميت.

ب: عد أسامة بن زيد، وصالح مولاه من أهل بيت النبي «صلى الله عليه وآله»، وليس الأمر كذلك، وإلا للزم عدّ غيرهما من مواليه أيضاً في جملة أهل بيته.

ج: حديث إسناد علي «عليه السلام» النبي «صلى الله عليه وآله» إلى صدره يكذب ما ادَّعوه من أن الفضل بن العباس أخذ بحضن النبي «صلى الله عليه وآله»، وعلي «عليه السلام» يغسله..

د: حديث أن العباس والفضل وقثماً كانوا يقلبون «صلى الله عليه وآله».. ينافي حديث أنهم كانوا يناولون علياً «عليه السلام» الماء، أو كان أحدهم يأخذ بالثوب ليظلل به، أو أن أحدهم كان قاعداً، وأن الملائكة هي التي كانت تقلبه لعلي «عليه السلام».. أو نحو ذلك مما ورد في الروايات.

هـ: حديث أن أسامة وصالحاً كانا يصبان الماء أيضاً ينافي سائر الروايات كما سنرى..

علي × يغسل النبي وحده:

وقد ادَّعوا: أن العباس وولديه الفضل وقثماً كانوا يساعدون علياً «عليه السلام» في تغسيل النبي «صلى الله عليه وآله»([6]).

وكان أسامة بن زيد وشقران يصبان الماء([7]).

وفي نص آخر ذكر بدل شقران صالح مولاهما، أي مولى علي «عليه السلام» وأسامة([8]).

ونص أيضاً ذكر: «أسامة بن زيد وقثم»([9]).

وفي نص آخر: «أسامة بن زيد، وأوس بن خولة»([10]).

وفي نص آخر أيضاً: «والفضل وقثم وأسامة وصالح يصبون عليه»([11]).

وفي نص آخر: «والعباس يصب الماء»([12]).

وفي نص: «غسله على والعباس والفضل بن العباس وصالح مولى رسول الله»([13]).

ونص آخر يقول: «غسله علي والعباس، وابناه: الفضل وقثم»([14]).

وراوية أخرى تقول: «كان العباس وأسامة يناولان علياً الماء من وراء الستر»([15]).

وقال في رواية أخرى: «فغسله علي «عليه السلام»، يدخل يده تحت القميص، والفضل يمسك الثوب عنه، والأنصاري يدخل الماء»([16]).

ونقول:

إن ذلك كله موضع شك وريب، وذلك لما يلي:

1 ـ روي عن الإمام الكاظم «عليه السلام» أنه قال: قال علي «عليه السلام»: غسلت رسول الله «صلى الله عليه وآله» أنا وحدي وهو في قميصه، فذهبت أنزع عنه القميص، فقال جبرئيل: يا علي، لا تجرد أخاك من قميصه فإن الله لم يجرده، فغسله في قميصه([17]).

2 ـ وفي حديث المناشدة: هل فيكم أحد غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» غيري؟

قالوا: اللهم لا.

قال: هل فيكم أحد أقرب عهداً برسول الله «صلى الله عليه وآله» مني.

قالوا: اللهم لا.

قال فأنشدكم الله: هل فيكم أحد نزل في حفرة رسول الله «صلى الله عليه وآله» غيري؟!

قالوا: اللهم لا([18]).

3 ـ روي عن علي «عليه السلام» قوله: «إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أوصى إليَّ وقال: يا علي، لا يلي غسلي غيرك، أو لا يواري عورتي غيرك، فإنه إن رأى أحد عورتي غيرك تفقأت عيناه..

فقلت له: كيف؟ فكيف لي بتقليبك يا رسول الله.

فقال: إنك ستعان.

فوالله ما أردت أن أقلب عضواً من أعضائه إلا قلب لي ([19]).

4 ـ وعن علي «عليه السلام»: «أوصاني النبي «صلى الله عليه وآله» لا يغسله غيري، فإنه لا يرى عورتي إلا طمست عيناه»([20]).

5 ـ وحينما اعترض أبو بكر وعمر على أمير المؤمنين «عليه السلام» بأنه لم يُشهدهما أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» رد عليهما بقوله: «أما ما ذكرتما أني لم أشهدكما أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله» فإنه قال: لا يرى عورتي أحد غيرك إلا ذهب بصره» فلم أكن لأؤذيكما به.

وأما كبي عليه فإنه علمني ألف حرف، كل حرف يفتح ألف حرف، فلم أكن لأطلعكما على سر رسول الله «صلى الله عليه وآله»([21]).

6 ـ روي عن ابن عباس، وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن العباس لم يحضر غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: لأني كنت أراه يستحي أن أراه حاسراً([22]).

7 ـ عن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: يا علي، تغسلني، ولا يغسلني غيرك، فيعمى بصره.

قال علي «عليه السلام»: ولِمَ يا رسول الله؟.

قال «صلى الله عليه وآله»: كذلك قال جبرئيل عن ربي: إنه لا يرى عورتي غيرك إلا عمي بصره.

إلى أن تقول الرواية: قلت: فمن يناولني الماء؟

قال «صلى الله عليه وآله»: الفضل بن العباس، من غير أن ينظر إلى شيء مني، فإنه لا يحل له ولا لغيره من الرجال والنساء النظر إلى عورتي، وهي حرام عليهم.

إلى أن قال «صلى الله عليه وآله»: وأحضر معك فاطمة، والحسن والحسين «عليهم السلام»، من غير أن ينظروا إلى شيء من عورتي([23]).

8 ـ قد ذكرت الروايات: أنه لما أراد «عليه السلام» غسله استدعى الفضل بن عباس، فأمره أن يناوله الماء بعد أن عصب عينيه([24]) إشفاقاً عليه من العمى.

9 ـ وفي نص آخر: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال لعلي «عليه السلام»: «جبرئيل معك يعاونك، ويناولك الفضل الماء. وقل له: فليغطِّ عينيه، فإنه لا يرى أحد عورتي غيرك، إلا انفقأت عيناه»([25]).

فاتضح مما تقدم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد غُسِّل في قميصه، وأن علياً «عليه السلام» قد عصب عيني الفضل بن العباس. وأن علياً «عليه السلام» هو الذي غسل النبي «صلى الله عليه وآله» من وراء الثياب. وأنه لم يَر عورة رسول الله «صلى الله عليه وآله».

واتضح أيضاً: أن ما زعموه من أن العباس وابنيه كانوا يساعدون علياً «عليه السلام» في تقليب النبي «صلى الله عليه وآله» غير ظاهر، ولا سيما مع وجود روايات تقول: إن الملائكة هي التي كانت تساعد علياً «عليه السلام» على تغسيله «صلى الله عليه وآله»، وتقلِّبه له.

يضاف إلى ذلك: اختلاف الروايات في المهمات التي أوكلت إلى هؤلاء الأشخاص، فهل كان الفضل يساعد علياً «عليه السلام» في تقليب النبي «صلى الله عليه وآله»؟

أم أنه كان يناوله الماء من وراء الستر وهو معصوب العينين؟

أم أنه كان يمسك الثوب عنه؟

وهل شارك العباس في تغسيله؟

أم في صب الماء؟

وهل كان أسامة يصب الماء؟

أم كان يناوله علياً «عليه السلام»؟أأ

 

المقصود برؤية عورة النبي :

قد ذكرت بعض الروايات: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: لا يحل لمسلم أن يرى عورتي إلا علي «عليه السلام»، أو نحو ذلك.

وليس المقصود بالعورة معناها المعروف.

بل المقصود بالعورة التي يجوز لعلي «عليه السلام» أن يراها منه «صلى الله عليه وآله»، هو ما يواريه القميص من جسد النبي «صلى الله عليه وآله»، وهو الذي صرح العباس بأن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يستحي أن يراه حاسراً عنه.

وهذا كله يعطينا: أن عصب عيني الفضل ـ مع كون التغسيل مع وجود القميص ـ إنما هو لكي لا يرى شيئاً من جسد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، مما لم يكن كشفه مألوفاً، فإن هذا المقدار أيضاً لا يجوز أن يراه أحد، ولا بد أن يبقى مخفياً، لأن حكمه حكم العورة من جهة حرمة رؤيته، كما أن رؤيته توجب إصابة الرائي بالعمى..

ولكن كان يجوز لعلي «عليه السلام» أن يرى هذا المقدار.. لأن ذلك من خصائص النبي «صلى الله عليه وآله» وعلي «عليه السلام»: أن لا ينظر أحد إلى بدن النبي «صلى الله عليه وآله» غير علي، ولذلك لم يعصب علي «عليه السلام» عينيه عنه.

أما العورة الحقيقية نفسها، فلم يرها علي «عليه السلام»، لأن رؤيتها محرمة عليه وعلى غيره. ويشهد على ما ذكرناه أن علياً «عليه السلام» قد غسل النبي «صلى الله عليه وآله» في قميصه.

تغسيل النبي في قميصه:

قد ورد في الروايات ما يدل على أنه لا يحل لأحد رؤية جسد النبي «صلى الله عليه وآله» إلا علي «عليه السلام»، وذلك مثل:

ألف: عن جابر: أنه «صلى الله عليه وآله» قال: لا يحل لرجل أن يرى مجردي إلا علي([26]).

ب: عن السائب بن يزيد أنه «صلى الله عليه وآله» قال: لا يحل لمسلم يرى مجردي (أو عورتي) إلا علي([27]).

ج: وفي نص آخر: فكان العباس وأسامة يناولان الماء من وراء الستر وهما معصوبا العين، قال علي: فما تناولت عضواً إلا كأنما يقلَّبه معي ثلاثون رجلاً، حتى فرغت من غسله([28]).

فلا بد أن يراد بهذه الروايات وأمثالها.. ما ينسجم مع روايات تغسيله «صلى الله عليه وآله» وهو في قميصه، أو ثيابه، وهي كثيرة، فلاحظ ما يلي:

1 ـ الرواية المتقدمة عن الإمام الكاظم «عليه السلام» وقد تضمنت قول جبرئيل لعلي «عليه السلام»: يا علي، لا تجرد أخاك من قميصه، فإن الله لم يجرده([29])، فغسله في قميصه.

2 ـ عن بريدة: ناداهم مناد من الداخل: أن لا تنزعوا عن رسول الله قميصه([30]).

3 ـ إن العباس «رحمه الله» قد علل عدم حضوره غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» بقوله: «لأني كنت أراه يستحي أن أراه حاسراً».

4 ـ قد ورد أنه نادى منادٍ: يا علي بن أبي طالب، استر عورة نبيك، ولا تنزع القميص.

5 ـ في حديث المناشدة: أنه «عليه السلام» غسله مع الملائكة، وهم يقولون: استروا عورة نبيكم ستركم الله([31]).

6 ـ ذكروا: أنه لما غسل النبيَّ «صلى الله عليه وآله» عليٌّ «عليه السلام» أسنده على صدره، وعليه قمصيه يدلكه به من ورائه، ولا يفضي بيده إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويقول: بأبي وأمي، ما أطيبك حياً وميتاً. ولم يُر من رسول الله «صلى الله عليه وآله» شيء يُرى من الميت([32]).

7 ـ في حديث عن علي «عليه السلام»: «وأما السادسة عشرة، فإني أردت أن أجرده، فنوديت: يا وصي محمد! لا تجرده، فغسلته والقميص عليه، فلا والله الذي أكرمه بالنبوة، وخصه بالرسالة، ما رأيت له عورة»([33]).

8 ـ عن ابن عباس في حديث: «فغسله علي يدخل يده تحت القميص»([34]).

9 ـ في نص آخر: «غسله علي، والعباس وابناه: الفضل، وقثم. وغسلوه وعليه قميصه لم ينزع»([35]).

10 ـ عن علي «عليه السلام»: أوصى رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن لا يغسله أحد غيره، فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه.

قال علي «عليه السلام»: فكان العباس وأسامة يناولان الماء من وراء الستر.

11 ـ عن محمد بن قيس مرسلاً وفيه ضعف قال: قال علي: وما كنا نريد أن نرفع منه عضواً لنغسله إلا رفع لنا حتى انتهينا إلى عورته، فسمعنا من جانب البيت صوتاً: لا تكشفوا عن عورة نبيكم([36]).

12 ـ في حديث آخر: أنهم «سمعوا صوتاً في البيت: لا تجردوا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، واغسلوا كما هو في قميصه.

فغسله علي «عليه السلام» يدخل يده تحت القميص، والفضل يمسك الثوب عنه، والأنصاري يدخل الماء، وعلى يد علي «عليه السلام» خرقة، ويدخل يده»([37]).

13 ـ تقدم قوله «صلى الله عليه وآله» عن الفضل بن العباس: «من غير أن ينظر إلى شيء مني».

فاتضح أن المراد من قوله «صلى الله عليه وآله»: «لا يرى عورتي غير علي إلا كافر»([38]). هو ما لم تجر العادة على كشفه، لا العورة بمعناها المعروف.

وكذلك الحال بالنسبة إلى سائر الروايات التي ذكرت أو أشارت إلى هذا المعنى بنحو أو بآخر.

إفتراؤهم على علي ×:

ولكننا نجد في مقابل ذلك، أنهم رووا عن علي «عليه السلام» أنه قال: غسلت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئاً، فكان طيباً حياً وميتاً([39])، أو نحو ذلك.

وعن سعيد بن المسيب قال: التمس علي من النبي «صلى الله عليه وآله» عند غسله ما يلتمس من الميت، فلم يجد شيئاً، فقال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً([40]).

وعن علباء بن أحمر قال: كان علي والفضل يغسلان رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فنودي علي: ارفع طرفك إلى السماء([41]).

وعن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» علي، والفضل، وأسامة بن زيد وشقران، وولي غسل سفلته علي، والفضل محتضنه، وكان العباس وأسامة بن زيد وشقران يصبون الماء([42]).

ونقول:

إننا لا نشك في أن المقصود بهذه التعابير الإساءة إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وإلى علي «عليه السلام» على حد سواء.

فأولاً: إن الروايات الكثيرة المتقدمة قد تحدثت عن أنه قد غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» من وراء الثوب، أو القميص وفق التوجيه الإلهي، فهل يطلب شيئاً وراء ذلك أيضاً؟! ولماذا؟!

ثانياً: إن علياً «عليه السلام» كان أعرف الناس بالأنبياء وبكراماتهم، ومقاماتهم عند الله تبارك وتعالى، ولا يمكن أن يرد في وهمه، أو أن يَحْتَمِلَ ولو احتمالاً ضئيلاً جداً بأن يكون ثمة ما يستكره، فضلاً عن أن يلتمس رؤية شيء من ذلك..

ثالثاً: إن ذكر أسامة بن زيد، وشقران في جملة من شارك في تغسيل النبي «صلى الله عليه وآله» من موجبات زيادة الشك في الرواية، فقد عرفنا أن الذين تولوا ذلك منه هم أهله، وهذان الرجلان ليسا من أهل النبي «صلى الله عليه وآله» ليشاركا في غسله..

ولو عدّ هذان الرجلان من أهله للزم عدّ كثيرين آخرين من أهل النبي «صلى الله عليه وآله» أيضاً، فقد كان له من الموالي ما يعد بالعشرات، فلماذا لم يشاركوا في تجهيز النبي «صلى الله عليه وآله»؟!

رابعاً: روي عن الإمام الكاظم من قوله «عليه السلام»: أنه أراد أن ينزع القميص، فقال له جبرئيل: يا علي، لا تجرد أخاك من قميصه، فإن الله لم يجرده.

خامساً: تقدم أن العباس لم يشارك في الغسل، لأنه رأى النبي «صلى الله عليه وآله» يستحي أن يراه حاسراً في حال الحياة، فهل يمكن أن يسعى علي «عليه السلام» لرؤية ما وراء ذلك؟! وعلي أعلم، وأعرف برسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأشد مراعاة لشأنه من العباس.

سادساً: دلت الروايات على أنه «عليه السلام» أسند النبي «صلى الله عليه وآله» إلى صدره وعليه قميصه يدلكه به من ورائه، ولا يفضي بيده إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله».

هل تجريد الميت سنة:

وعن تجريد الميت عند تغسيله قال الباجي: يحتمل أن يكون ذلك خاصاً به، لأن السنة عند مالك وأبي حنيفة والجمهور: أن يجرد الميت ولا يغسل في قميصه انتهى([43]).

ونقول:

قد ورد عن أهل البيت «عليهم السلام» ما دل على استحباب تغسيل الميت من تحت القميص([44])، فيدل ذلك على أن عدم تجريد النبي «صلى الله عليه وآله» من قميصه ليس من مختصات رسول الله «صلى الله عليه وآله».

الوصي يغسل النبي :

وعن عبد الله بن مسعود: قال: قلت للنبي «صلى الله عليه وآله»: يا رسول الله، من يغسلك إذا مت؟!

فقال: يغسل كل نبي وصيه.

قلت: فمن وصيك يا رسول الله؟!

قال: علي بن أبي طالب.

فقلت: كم يعيش بعدك يا رسول الله؟!

قال: ثلاثين سنة الخ.. ([45]).

وفي رواية أخرى: قال جبريل: يا محمد، قل لعلي «عليه السلام»: إن ربك يأمرك أن تغسل ابن عمك، فإن هذه السُنَّة، لا يُغَسِّلُ الأنبياء غير الأوصياء، وإنما يغسل كل نبي وصيه من بعده([46]).

نصوص حول التجهيز والدفن:

عن عبد الله بن الحارث وابن عباس: أن علياً غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فجعل يقول: طبت حياً وميتاً، وقال: وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط([47]).

ورووا: أن جبرئيل نزل على رسول الله «صلى الله عليه وآله» بحنوط، وكان وزنه أربعين درهماً، فقسمه رسول الله «صلى الله عليه وآله» ثلاثة أجزاء: جزء له، وجزء لعلي، وجزء لفاطمة صلوات الله عليهم([48]).

وعن هارون بن سعد قال: كان عند علي مسك فأوصى أن يحنط به، وكان علي يقول: هو فضل حنوط رسول الله «صلى الله عليه وآله»([49]).

وعن علي «عليه السلام» قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بئر غرس»([50]).

وعن أبي جعفر محمد بن علي «عليهما السلام» قال: غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» ثلاثاً بالسدر، وغسل وعليه قميص، وغسل من بئر يقال لها: الغرس [لسعد بن خيثمة بقباء]، وكان النبي «صلى الله عليه وآله» يشرب منها([51]).

ونقول:

لا بأس بملاحظة ما يلي:

إحتضان فضل بن عباس للنبي :

قد ذكرت روايات هؤلاء: أن علياً «عليه السلام» كان يغسل النبي «صلى الله عليه وآله»، والفضل بن العباس آخذ بحضنه، يقول: اعجل يا علي، انقطع ظهري أو نحو ذلك.

ونقول:

1 ـ إن تغسيل الميت لا يحتاج إلى أن يأخذه أحد الناس بحضنه!! أو أن يأخذ بحضنه أحد من الناس!!

2 ـ إن الملائكة هي التي كانت تساعد علياً «عليه السلام» على تقليب رسول الله «صلى الله عليه وآله» كما ورد في الروايات.

وفي بعضها قال «صلى الله عليه وآله» لعلي «عليه السلام»: جبرئيل معك يعاونك. فراجع ما قدمناه حين الحديث عن انفراد علي «عليه السلام» بغسل النبي «صلى الله عليه وآله»، وقد أخبره النبي «صلى الله عليه وآله» بأنه سيعان، وروى ابن سعد عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» لعلي: «اغسلني إذا مت».

فقال: يا رسول الله، ما غسلت ميتاً قط!

قال: إنك ستهيأ أو تيسر.

قال علي: فغسلته، فما آخذ عضواً إلا تبعني، والفضل آخذ بحضنه يقول: أعجل يا علي انقطع ظهري([52]).

غير أن هذه الرواية قد عادت لتناقض نفسها وتقول: إن الفضل كان آخذاً بحضن النبي «صلى الله عليه وآله»، فالصحيح هو الرواية التي رواها الصدوق «رحمه الله»، وهي لم تذكر الفضل أصلاً، بل قالت: «فوالله، ما أردت أن أقلب عضواً من أعضائه إلا قلب لي»([53]). ولم تزد على ذلك.

3 ـ ذكرت الروايات المتقدمة حين ذكر انفراد علي «عليه السلام» بغسله «صلى الله عليه وآله»: أنه «صلى الله عليه وآله» حدد مهمة الفضل بن العباس بمناولة الماء.

4 ـ قد صرحت بعض النصوص: بأن علياً «عليه السلام» قد أسند النبي «صلى الله عليه وآله» على صدره، وعليه قميصه يدلكه به([54]). ولم تذكر الفضل.

5 ـ إن ثمة رواية تقول: إن علياً «عليه السلام» كان يغسل النبي «صلى الله عليه وآله»، وكان الفضل يمسك الثوب عنه([55]).

فكأن هؤلاء القوم متحيرون في الدور الذي يريدون إسناده للفضل بن العباس في قضية تغسيل رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

غُسِّل ثلاثاً بالسدر:

وقد ذكرت الرواية آنفاً: أن النبي «صلى الله عليه وآله» غُسِّل ثلاثاً بالسدر.

ومن الواضح: أن الميت يغسل بالماء القراح مرة، وبالكافور مرة، وبالسدر مرة، فلماذا اقتصر هؤلاء على ذكر السدر؟

ولا مجال للاعتذار عن ذلك بأن الكافور ربما لم يكن متوفراً، فإن جبرئيل الذي جاء بالحنوط للنبي «صلى الله عليه وآله»، سوف يكرمه بإحضار الكافور أيضاً، لو صح أنه كان مفقوداً.

ولو سلم أن الكافور كان مفقوداً فلماذا أهمل الراوي ذكر الغسل بالماء القراح أيضاً. فإن الماء كان متوفراً بلا شك، وقد أرشدهم النبي «صلى الله عليه وآله»، وحدده لهم في بئر غرس.

علي × يمسح عين النبي بلسانه:

وذكروا: أن علياً «عليه السلام» لما غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» وفرغ من غسله نظر في عينيه، فرأى فيهما شيئاً، فانكب عليه، فأدخل لسانه، فمسح ما كان فيهما، فقال: بأبي وأمي يا رسول الله صلى الله عليك، طبت حياً، وطبت ميتاً. قاله العالم «عليه السلام» ([56]).

وهذا هو الإيمان الخالص الذي يقدم للناس الأسوة والقدوة في التبرك برسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويسوقهم إلى حقائق الإيمان، من خلال تجسيدها ممارسة وعملاً، ولا يبقيها في دائرة النظرية والتوجيه والإرشاد..

غسل مس الميت:

روى محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن القاسم الصيقل قال: كتبت إليه: جعلت فداك هل اغتسل أمير المؤمنين «عليه السلام» حين غسل رسول الله «صلى الله عليه وآله» عند موته؟

فأجابه: النبي «صلى الله عليه وآله» طاهر مطهر، ولكن أمير المؤمنين «عليه السلام» فعل، و جرت به السنة([57]).

 



 

 

 

 

الفصل الثامن:

تكفين النبي والصلاة عليه



 

 

 

 

 

الصلاة على رسول الله :

ورد في صحيحة أو حسنة الحلبي: عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال: «أتى العباس علياً أمير المؤمنين «عليه السلام»، فقال: يا علي، إن الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا رسول الله «صلى الله عليه وآله» في بقيع المصلى، وأن يؤمهم رجل منهم.

فخرج أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى الناس، فقال: أيها الناس، إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» إمامنا حياً وميتاً. وقال: إني أدفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في البقعة التي قبض فيها.

ثم قام على الباب فصلى عليه، ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ويخرجون»([58]). ولهذه الرواية نص آخر ورد في فقه الرضا «عليه السلام» لا يخلو من إشكال.

لكن ابن شهرآشوب ذكر في المناقب أن أبا جعفر «عليه السلام» قال: إنهم صلوا عليه يوم الإثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح، ويوم الثلاثاء حتى صلى عليه الأقرباء والخواص، ولم يحضر أهل السقيفة، وكان علي «عليه السلام» أنفذ إليهم بريدة، وإنما تمت بيعتهم بعد دفنه «صلى الله عليه وآله»([59]).

وروى سليم بن قيس أيضاً، عن سلمان قال: إنه «صلى الله عليه وآله» لما غسله علي «عليه السلام» وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسناً وحسيناً «عليهم السلام»، فتقدم علي عليه السلام وصففنا خلفه وصلى عليه، وعائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ الله ببصرها. ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار، فكانوا يدخلون ويدعون ويخرجون، حتى لم يبق أحد شهد من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه ([60]).

ونلاحظ على هاتين الروايتين:

أولاً: أن قولهم: إنهم استمروا في الصلاة عليه يوم الإثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح، ويوم الثلاثاء لا يتلاءم مع ما ذكرته الرواية نفسها من أنه «صلى الله عليه وآله» قد دفن قبل انتهاء أهل السقيفة من سقيفتهم، وليس من المعقول أن تستمر السقيفة هذا المقدار من الوقت، فإن غاية ما يمكن قوله هو أنها استمرت بضع ساعات لا أكثر، ولم تستمر قطعاً من يوم الإثنين إلى يوم الثلاثاء.

ثانياً: قول رواية سليم: إنه لم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا صلى على رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا يتلاءم أيضاً مع القول بأن أهل السقيفة لم يحضروا دفن النبي «صلى الله عليه وآله»، وأن بيعتهم قد تمت بعد دفنه.

وما ورد في آخر الرواية يوضح ذلك حيث يقول: «حتى لم يبق أحد شهد من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه».

وبذلك تنسجم هاتان الروايتان فيما بينهما، وتنسجمان أيضاً مع صحيحة أو حسنة أبان بن عثمان، ويرتفع ما يظهر منه التنافي والإختلاف فيما بينها.

وفي نص آخر قال: حتى لم يبق أحد في المدينة، حر ولا عبد إلا صلى عليه([61]).

وكانوا يصلون عليه أرسالاً([62]).

ولم يؤم الصلاة على رسول الله «صلى الله عليه وآله» أحد([63]).

وقال ابن كثير وأبو عمر: إن هذا مجمع عليه، ولا خلاف فيه([64]).

وبعض الروايات تصرح: بأن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي أمرهم بذلك([65]).

وعند مجد الدين الفيروزآبادي في القاموس: صلوا عليه فنادى منادٍ: صلوا أفواجاً بلا إمام([66]).

قال المفيد: «ولما فرغ من غسله تقدم فصلى عليه وحده، ولم يشركه معه أحد في الصلاة عليه.

وكان المسلمون يخوضون في من يؤمهم في الصلاة عليه، وأين يدفن، فخرج إليهم أمير المؤمنين «عليه السلام» وقال لهم: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» إمامنا حياً وميتاً، فيدخل عليه فوج بعد فوج منكم، فيصلون عليه بغير إمام، وينصرفون..

إلى أن قال: فسلم القوم بذلك، ورضوا به»([67]).

صلاة أهل السقيفة على النبي :

وقد صرحت بعض الروايات المتقدمة: بأنه لم يبق في المدينة حر ولا عبد إلا صلى على رسول الله «صلى الله عليه وآله»([68]).

وزعم حرام بن عثمان: أن أبا بكر قد أَمَّهُمْ في الصلاة عليه «صلى الله عليه وآله»([69]).

قال محمد بن عمر الأسلمي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: وجدت هذا في صحيفة بخط أبي فيها: أنه لما كفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» ووضع على سريره دخل أبو بكر وعمر فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار قدر ما يسع البيت، فسلموا كما سلم أبو بكر وعمر، وصفوا صفوفاً لا يؤمهم أحد، فقال أبو بكر وعمر ـ وهما في الصف الأول حيال رسول الله «صلى الله عليه وآله»ـ: اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله تعالى، حتى أعز الله تعالى دينه وتمت كلماته، فآمن به وحده لا شريك له، فاجعلنا يا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى يعرفنا ونعرفه، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، لا نبتغي بالإيمان بدلاً، ولا نشتري به ثمنا أبداً.

فيقول الناس: آمين آمين!

ثم يخرجون ويدخل آخرون، حتى صلى عليه الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان([70]).

ونقول:

إننا لا نريد التحدث عن ضعف سند رواية حرام بن عثمان، وانقطاعه، وإنما نكتفي بالإشارة إلى ما يلي:

أولاً: إنهم يقولون: ولم يحضر أهل السقيفة، وكان علي أنفذ إليهم بريدة([71]).

ثانياً: سؤال علي «عليه السلام» حين فرغ من دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن خبر أهل السقيفة ([72]).

ثالثاً: هناك خلاف في وقت دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، هل دفن ليلة الثلاثاء. أم بعد وفاته بساعات؟! أم دفن يوم الثلاثاء؟! مع تصريحهم بأن أهل السقيفة قد فرغوا من سقيفتهم في يوم الثلاثاء بالذات، فراجع([73]).

رابعاً: إن النص الذي ترويه لنا هذه الرواية ليس هو نص الصلاة على الميت، لا عند السنة ولا عند الشيعة، وإنما هو مجرد دعاء وشهادة.

كيفية الصلاة على النبي :

يستفاد من الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها أن الصلاة على النبي «صلى الله عليه وآله» إنما كانت مجرد دعاء وشهادة، وهذا هو ما تؤكده سائر النصوص الأخرى أيضاً، حيث دلت على أن علياً وأهل البيت «عليهم السلام» معه دون غيرهم هم الذين صلوا على النبي «صلى الله عليه وآله» الصلاة المشروعة على الميت.. ويدل على ذلك أيضاً ما يلي:

1 ـ صرح ابن سعد في رواية له عن علي «عليه السلام» بكيفية صلاتهم على النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: فكان يدخل الناس رسلاً رسلاً، فيصلون عليه صفاً صفاً، ليس لهم إمام، يقولون: سلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته([74]).

2 ـ وروى سالم بن عبد الله قال: قالوا لأبي بكر: هل يصلَّى على الأنبياء؟!

قال: يجيء قوم فيكبرون، ويدعون، ويجيء آخرون، حتى يفرغ الناس([75]).

ملاحظة: لعل الذي دعا أبا بكر إلى إنكار الصلاة على الأنبياء بعد موتهم هو تبرير عدم حضوره للصلاة على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، بسبب انشغاله بالسقيفة..

3 ـ قيل للإمام الباقر «عليه السلام»: كيف كانت الصلاة على النبي «صلى الله عليه وآله»؟

فقال: لما غسله أمير المؤمنين كفنه وسجاه، وأدخل عليه عشرة، فداروا حوله ثم وقف أمير المؤمنين في وسطهم، فقال: {إِنَّ اللَهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}([76])، فيقول القوم مثل ما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة وأهل العوالي([77]).

4 ـ قال في «المورد» نقلت من خط شيخنا الحافظ الزاهد أبي عبد الله محمد بن عثمان المعروف بالضياء الرازي قال: قال سحنون بن سعيد: سألت جميع من لقيت من فقهاء الأمصار من أهل المغرب والمشرق، عن الصلاة على النبي «صلى الله عليه وآله» بعد وفاته: هل صلوا عليه؟ وكم كبر عليه؟ فكل لم يدر حتى قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن ماجشون فسألته فقال: صُلِّيَ عليه اثنان وتسعون صلاة، وكذلك صُلِّيَ على عمه حمزة.

قال: قلت: من أين لك هذا دون الناس؟

قال: وجدتها في الصندوق التي تركها مالك، وفيه عميقات المسائل، ومشكلات الأحاديث بخطه عن نافع عن ابن عمر.

قال الحافظ أبو الفضل العراقي في سيرته المنظومة:

وليـس ذا مـتـصـل الإســنـــاد           عــن مـالـك في كتـب  الـنـقـاد([78])

فهذا يعطي: أن أحداً من سائر المسلمين لم يصل على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولا سيما مع كون ابن القصار حكى الخلاف: هل صلوا عليه الصلاة المعهودة، أو دعوا فقط؟! وهل صلوا عليه أفراداً أو جماعة؟!([79]).

وقد يؤيد ذلك: ما أوضحناه في الجزء الأول من هذا الكتاب من فشوِّ جهل الناس آنئذ بأحكام الشريعة، فلا نتوقع أن يكون كثير منهم وقتئذٍ يحسنون الصلاة على الميت، بل لعل بعض من كان مشاركاً في السقيفة لم يكن يحسنها أيضاً.

5 ـ قولهم: إن النبي «صلى الله عليه وآله» أوصى بأن يُصَلَّى عليه بدون إمام، يقابله ما تقدم من أنه أوصى علياً «عليه السلام» بأن يصلي عليه. وقد فعل.

إلا إذا كان المقصود: أن الناس الآخرين ـ باستثناء علي «عليه السلام» وأهل بيته ـ إذا أرادوا الصلاة عليه، فليصلوا عليه من دون إمام، حتى لا يتخذ ذلك ذريعة لادِّعاء: أن الإمام في الصلاة عليه هو الإمام للأمة.

ثم قد يدعي محبو ذلك الذي يتصدى لهذا الأمر: أن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي أمره بذلك، أو أوصى إليه به، ليجعلوا ذلك إشارة إلى خلافته..

وقد تنبه إلى ما ذكرناه المحقق البحراني أيضاً حيث قال: «وأنت خبير بأنه ربما ظهر من التأمل في هذه الأخبار الواردة في صلاة الناس على النبي «صلى الله عليه وآله» فوجاً فوجاً إنما هو بمعنى الدعاء خاصة، وأنه لم يصل عليه الصلاة المعهودة إلا علي «عليه السلام» مع هؤلاء النفر الذين تضمنهم حديث الإحتجاج، وإليه تشير أيضاً صحيحة الحلبي أو حسنته.

وقوله فيها: «ثم قام علي «عليه السلام» على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس الخ..» فإن ظاهر صحيح أبي مريم الأول وقوله فيه: «فإذا دخل قوم داروا به وصلوا ودعوا له» أنهم يحيطون به من جميع الجهات ويدعون له، وهكذا من يدخل بعدهم.

وكذا قوله في حديثه الثاني: «ثم أدخل عليه عشرة فداروا حوله ـ يعني بعد ما صلى عليه أمير المؤمنين «عليه السلام» كما دل عليه خبر الإحتجاج ـ ثم وقف أمير المؤمنين «عليه السلام» في وسطهم فقال:.. الحديث». فإنه ظاهر في أن الصلاة كانت بهذه الكيفية كما يدل عليه قوله: «فيقول القوم كما يقول».

وإليه يشير قوله في حديث جابر: «إنه سمع رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول في حال صحته: «أن هذه الآية نزلت عليه في الصلاة عليه بعد الموت» ولا ريب أن الصلاة في الآية إنما هي بمعنى الدعاء([80]).

تكفين رسول الله :

عن ابن عباس: إن مما أوصى به النبي «صلى الله عليه وآله» علياً «عليه السلام» قوله: وكفني في طمريَّ هذين، أو في بياض مصر وبرد اليمان. ولا تغال في كفني([81]).

وروي أن علياً «عليه السلام» غسل النبي «صلى الله عليه وآله» في قميص. وكفنه في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين، وثوب حبرة يمنية([82]).

وعن زيد الشحام، قال: سئل أبو عبد الله «عليه السلام» عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»: بما كفن؟

قال: في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين وبرد حبرة([83]).

وصحار: قرية باليمن.

وقيل: هو من الصحرة. وهي حمرة خفية كالغبرة، يقال: ثوب أصحر، وصحاري.

علي × كفن النبي وحده:

وقد تولى علي «عليه السلام» وحده تكفين رسول الله «صلى الله عليه وآله» أيضاً، فقد ورد في حديث المناشدة يوم الشورى قوله «عليه السلام»: فهل فيكم من كفن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ووضعه في حفرته غيري([84]).

ونقول:

حديث أهل البيت ^ هو الأصح:

إن إيمان أي إنسان لا يتم إلا إذا كان على يقين بأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان يهتم بمراعاة أحكام الشريعة، واختيار كل ما هو أفضل وأقرب إلى رضا الله تبارك وتعالى.. وكذلك كان علي «عليه السلام» الذي تولى تغسيل وتكفين وتجهيز ودفن رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

فإذا كان «صلى الله عليه وآله» قد أوصى علياً «عليه السلام» بأن يتولى ذلك كله، وكان علي «عليه السلام» على علم تام بكل ما هو أفضل، سواء أصرّحت النصوص بأنه «عليه السلام» قد سأل النبي «صلى الله عليه وآله» عن تفاصيل ما سيقوم به، أو أن النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه بادر إلى بيانها له، أو لم تصرح بشيء من ذلك، فالمتوقع هو أن ينفذ «عليه السلام» وصية رسول الله «صلى الله عليه وآله» بكل دقة، وأن يتوخى الأرجح والأفضل من ذلك كله عند الله تبارك وتعالى..

ومن جهة أخرى، فإننا إذا أردنا أن نتحرى الدقة والصحة في معرفة الحكم الشرعي، والتوجيه الإلهي لما هو أفضل وأمثل، فعلينا أن نتوجه إلى نفس ذلك الذي أوصانا النبي «صلى الله عليه وآله» بأن يتولى ذلك منه، وقد قام بالمهمة على أفضل وجه واتمه، فنسأله عما فعل، ونأخذ به على أنه هو الراجح والمرضي لله دون سواه.

وعلينا أن نعتبر ما يخالف ما يخبرنا به أنه قد حصل الوهم فيه، أو تعرض للتلاعب والتزوير..

وقد ذكرنا آنفاً: أن علياً وأهل بيته «عليهم السلام» يقولون: إنه «عليه السلام» قد كفنه بثوبين صحاريين، وبردة حبرة يمنية..

وقد روى أبو داود عن جابر هذا المعنى أيضاً([85]).

فلا قيمة لكل ما رووه مما يخالف ذلك، ومع ذلك نقول:

تناقض روايات أهل السنة:

 

إن تناقض الروايات الواردة من غير طريق علي وأهل بيته «عليهم السلام» يكفي للريب في صحتها، ولإسقاطها عن درجة الإعتبار، فكيف إذا كانت التناقضات قد ظهرت في روايات الراوي الواحد، مثل الروايات عن عائشة وابن عباس مثلاً؟! إذ لا ريب في أن هذا التناقض يدل على أن شيئاً واحداً من هذه المتناقضات يحتمل في حقه الصحة، ويحكم على الباقي بأنه ساقط ومكذوب بلا ريب.

وبذلك نعرف: أن ما رواه أبو داود مما يتوافق مع المروي عن علي وأهل البيت «عليهم السلام» هو الأقوى والأقرب إلى الإعتبار.

وللتدليل على صحة ما نقول نذكر من رواياتهم المتناقضة خصوص ما ذكره الصالحي الشامي، ونكتفي به عما سواه، وهو ما يلي:

روى الشيخان والبيهقي عن عائشة: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة([86]).

ورواه ابن ماجة: وزاد: فقيل لعائشة: إنهم كانوا يزعمون أنه قد كان كفن في حبرة.

فقالت: قد جاؤوا ببرد حبرة، فلم يكفنوه فيها([87]).

وفي رواية للشيخين وأبي داود: وأدرج رسول الله «صلى الله عليه وآله» في حلة يمانية كانت لعبد الرحمن بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة.

وفي رواية أخرى لهما: أما الحلة فاشتبه على الناس فيها أنها اشتريت ليكفن فيها، فتركت الحلة، وكفن في ثلاث أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر، فقال: احبسها حتى أكفن فيها.

ثم قال: لو رضيها الله تعالى لنبيه «صلى الله عليه وآله» لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها([88]).

إلى أن قال:

وروى ابن أبي شيبة، بسند فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي عن أبيه: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كفن في سبعة أثواب.

وروى أبو يعلى، عن الفضل بن عباس قال: كفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في ثوبين أبيضين سحوليين([89]).

وروى الإمام أحمد والبزار، بسند حسن عن علي قال: كفن النبي «صلى الله عليه وآله» في سبعة أثواب([90]).

وروى البزار برجال الصحيح، عن أبي هريرة قال: كفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في ريطتين وبرد نجراني([91]).

وروى الطبراني بسند حسن، عن أنس: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كفن في ثلاثة أثواب، أحدها قميص.

وروى ابن سعد عن ابن عمر قال: كفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في ثلاثة أثواب بيض يمانية([92]).

وروى ابن سعد، والبيهقي، عن الشعبي قال: كفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في ثلاثة أثواب سحولية، برود يمانية غلاظ، إزار، ورداء، ولفافة([93]).

وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة بسند ضعيف، عن ابن عباس: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كفن في ثلاثة أثواب، قميصه الذي مات فيه وحلة نجرانية([94]).

وروي عنه قال: كفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في ثوبين أبيضين وفي برد أحمر.

وروى ابن سعد من طرق صحيحة، عن سعيد بن المسيب قال: كفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في ريطتين وبرد نجراني.

وروى عبد الرزاق، عن معمر عن هشام بن عروة، قال: لف رسول الله «صلى الله عليه وآله» في برد حبرة جعل فيه ثم نزع عنه([95]).

وبملاحظة هذه التناقضات يتضح: أن الرجوع إلى كتاب الله وعترة نبيه، هو الذي يوجب الأمن من الضلال، كما قرره رسول الله «صلى الله عليه وآله» مرات ومرات في المواقف المختلفة..

تناقض موهوم:

وذكروا: أنهم حين أرادوا تكفينه شق علي «عليه السلام» قميصه من قبل جيبه، حتى بلغ سرته([96]).

ولا ينافي ذلك ما روي من أنه «صلى الله عليه وآله» لم يجرد من قميصه([97]). فإن المقصود: أنه لم يجرد للغسل، فلا ينافي تجريده للتكفين.


 

 

 

 

الباب الثالث عشر:

دفن الرسول : حدث.. وتحقيق



 

 

 

 

الفصل الأول:

دفن رسول الله



 

 

 

 

 

دفن رسول الله أحداث وتفاصيل:

ودخل أمير المؤمنين «عليه السلام» والعباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فنادت الأنصار من وراء البيت: يا علي، إنا نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يذهب، أدخل منا رجلاً يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقال: ليدخل أوس بن خولي، و كان بدرياً فاضلاً من بني عوف من الخزرج، فلما دخل قال له علي «عليه السلام»: انزل القبر.

فنزل ووضع أمير المؤمنين رسول الله «عليهما السلام» على يديه ودلاه في حفرته، فلما حصل في الأرض قال له: اخرج.

فخرج، ونزل علي القبر، فكشف عن وجه رسول الله «صلى الله عليه وآله» ووضع خده على الأرض موجهاً إلى القبلة على يمينه، ثم وضع عليه اللبن، وأهال عليه التراب([98]).

وكان ذلك في يوم الإثنين، لليلتين بقيتا من صفر، سنة عشر من هجرته «صلى الله عليه وآله»، وهو ابن ثلاث وستين سنة.

ولم يحضر دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أكثر الناس لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التشاجر في أمر الخلافة، وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك، وأصبحت فاطمة «عليها السلام» تنادي: وا سوء صباحاه.

فسمعها أبو بكر، فقال لها: إن صباحك لصباح سوء.

واغتنم القوم الفرصة لشغل علي بن أبي طالب «عليه السلام» برسول الله «صلى الله عليه وآله» وانقطاع بني هاشم عنهم بمصابهم برسول الله «صلى الله عليه وآله»، فتبادروا إلى ولاية الأمر، واتفق لأبي بكر ما اتفق، لاختلاف الأنصار فيما بينهم، وكراهية الطلقاء والمؤلفة قلوبهم من تأخر الأمر حتى يفرغ بنو هاشم، فيستقر الأمر مقره، فبايعوا أبا بكر لحضوره المكان([99]).

ونذكر القارئ بما يلي:

1 ـ إن النبي «صلى الله عليه وآله» دفن قبل انتهاء أهل السقيفة من سقيفتهم، وقد ذكرنا ذلك أكثر من مرة، وقد صرح الشيخ المفيد بذلك أيضاً، فقال: «وقد جاءت الرواية: أنه لما تم لأبي بكر ما تم وبايعه من بايع، جاء رجل إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» وهو يسويّ قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله» بمسحاة في يده، فقال له: إن القوم قد بايعوا أبا بكر، ووقعت الخذلة في الأنصار لاختلافهم، وبدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفاً من إدراككم الأمر.

فوضع طرف المسحاة في الأرض ويده عليها ثم قال: {بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}([100])»([101]).

2 ـ إننا لا ننكر ان يكون أناس من الأنصار وبعض من المهاجرين ممن لا حول لهم ولا قوة قد بقوا في المسجد، أو على مقربة منه، وأن يطلب هؤلاء أو أولئك من علي «عليه السلام» أن ينالوا شرف المشاركة في مراسم دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيشركهم «عليه السلام» في ذلك..

في حين أن الطامحين والطامعين لم يكترثوا لموت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، بل تجمعوا واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لابتزاز هذا الأمر من صاحبه الشرعي على حين غفلة، حيث كان مشغولاً بتجهيز ودفن خير خلق الله «صلى الله عليه وآله»..

3 ـ قد صرح المفيد «رحمه الله»: بأن دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان في يوم الإثنين في الثامن والعشرين من شهر صفر..

وهذا هو المؤيد بالشواهد العديدة، وذلك في غياب أكثر المهاجرين والأنصار، لانشغالهم في السقيقة..

أما دعوى تأخير دفنه «صلى الله عليه وآله» يومين أو أكثر، فلا مبرر لقبولها، فإن من الواضح: أن تجهيز رسول الله «صلى الله عليه وآله» ودفنه لا يحتاج إلى أكثر من ساعتين أو ثلاث على أبعد تقدير. فلماذا يبقى النبي الأعظم بلا دفن، مع أن التعجيل في دفن الموتى مستحب، ولم يكن علي «عليه السلام» ليفرط في هذا المستحب من دون داع أهم، أو سبب موجب.

4 ـ ولا نريد التعليق على قول أبي بكر لفاطمة الزهراء «عليها السلام»: إن صباحك لصباح سوء، بل نترك ذلك للقارئ الكريم المؤمن والمنصف..

أبو طلحة يلحد رسول الله :

وقد وضع «عليه السلام» سرير النبي «صلى الله عليه وآله» عند رجل القبر، وسلّه سلّاً([102]).

وعن ابن عباس: أنه «صلى الله عليه وآله» سُلّ من قبل رأسه([103]).

وروي: أن أبا طلحة لحد له «صلى الله عليه وآله»، ثم خرج أبو طلحة، ودخل علي «عليه السلام» القبر، فبسط يده، فوضع النبي «صلى الله عليه وآله» وأدخله اللحد([104]).

وعن أبي عبد الله «عليه السلام»: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لحد له أبو طلحة الأنصاري([105]).

وعن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله «صلى الله عليه وآله» دعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان يضرح لأهل مكة. وقال لآخر: اذهب إلى أبي طلحة، وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد.

فقالوا: اللهم خر لرسولك، فوجدوا أبا طلحة، فجيء به، ولم يوجد أبو عبيدة، فلحد لرسول الله «صلى الله عليه وآله» ثم دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وسط الليل من ليلة الأربعاء([106]).

وفي نص آخر قالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فارسلوا إليهما، فسبق صاحب اللحد الخ.. ([107]).

ونقول:

ألف: إذا كان الراجح والمستحب شرعاً هو اللحد، فلم يكن علي «عليه السلام» ليختار أو ليرضى بغير ما هو راجح شرعاً.

ب: ليس اللحد فناً فريداً يحتاج إلى متخصص فيه، بحيث لا يحسنه غيره، بل هو أمر ميسور لكل أحد. ولا معنى لترك ذلك للصدف كما زعموا.

ج: إن أبا عبيدة حفار القبور كان في السقيفة، يسعى في البيعة لأبي بكر، فكيف يترك موقعه، ويأتي لحفر قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!.

د: إن علياً «عليه السلام» لم يكن ليؤخر دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، إذ إن التعجيل راجح ومستحب([108]). ولا مانع من العمل به، ولا ضرورة تلجئ إلى ما عداه..

وقد ادّعى بعضهم: أن السبب في التأخير هو عدم اتفاقهم على موته([109]).

ويردُّ هذه الدعوى: أن اختلافهم في موته لم يدم طويلاً، وقد حسم الأمر بمجيء أبي بكر من السنح، الذي لم يكن يحتاج إلى أكثر من نصف ساعة، إلا إذا كان أبو بكر قد تعمد أن يتأخر يومين، أو أكثر، لينجز مهمة كبيرة، تحتاج إلى كل هذا الوقت الطويل، فلنا أن نسأل عن طبيعة هذا العمل الذي هو عنده أهم من وفاة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويحتاج إلى كل هذا الوقت.

فقد يقال: إن هذه المهمة هي جمع آلاف الرجال، وإعدادهم في مواضع معينة على مشارف المدينة، ليدخلوها ليلاً، ليفرضوا هيمنتهم وقرارهم فيما يرتبط بالبيعة لأبي بكر، ومنع الآخرين من أي تحرك. وهذا ما سوف نبينه فيما يأتي.

وفي جميع الأحوال نقول:

إنه لا معنى لتأخير دفن النبي «صلى الله عليه وآله» إلى وسط ليلة الأربعاء كما يدّعون.. فالصحيح أنه «صلى الله عليه وآله» دفن في نفس يوم الإثنين كما هو واضح.

شقران.. والقطيفة الحمراء:

وعن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: ألقى شقران مولى رسول الله «صلى الله عليه وآله» في قبره القطيفة([110]).

زاد بعضهم: أنها كانت حمراء، وكان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يلبسها.

وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك أبداً([111]).

ونقول:

أولاً: إن ما يلبسه رسول الله «صلى الله عليه وآله» يصبح بعد موته للورثة، فلا يحق لشقران، ولا لغيره أن يتصرف فيه إلا الإمام «عليه السلام».

وشقران إنما كان مولى لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، وليس وارثاً، ولا كان هو الإمام المفترض الطاعة، والنافذ الحكم كرسول الله «صلى الله عليه وآله».

ثانياً: لماذا خص شقران بقراره هذا هذه القطيفة الحمراء؟ ولماذا لم يعممه لما سواها مما كان يلبسه أو يستعمله رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

ثالثاً: قد روي: أن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي أمرهم بوضع القطيفة تحته في القبر، معللاً أمره هذا بقوله: فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء([112]).

ولعله لأجل هذا قال ابن سعد: قال وكيع: هذا للنبي خاصة([113]).

ولكن رواية أخرى عن الحسن تقول: إنه علل ذلك بقوله: وكانت أرضاً ندية([114]).

لم ينزل في حفرة النبي غير علي ×:

ورد في حديث المناشدة يوم الشورى: أن علياً «عليه السلام» قال لهم: «فأنشدكم الله، هل فيكم أحد نزل في حفرة رسول الله غيري».

قالوا: اللهم لا([115]).

قبر رسول الله :

عن أبي البختري عن جعفر، عن أبيه، عن علي «عليه السلام»: إن قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله» رفع من الأرض قدر شبر، وأربع أصابع، ورش عليه الماء.. قال علي «عليه السلام»: والسنة أن يرش على القبر الماء([116]).

وروى الكليني بسنده عن عقبة بن بشير، عن أبي جعفر «عليه السلام» قال: قال النبي «صلى الله عليه وآله» لعلي «عليه السلام»: يا علي، ادفني في هذا المكان، وارفع قبري من الأرض أربع أصابع، ورش عليه من الماء([117]).

وروي عن أبي جعفر «عليه السلام»: أن قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله» رفع شبراً من الأرض([118]).

وذكروا أيضاً: أن علياً «عليه السلام» قد رفع القبر([119]).

وعن أبي عبد الله «عليه السلام»: جعل علي «عليه السلام» على قبر النبي «صلى الله عليه وآله» لبناً([120]).

وذكرت بعض الروايات: أنه «صلى الله عليه وآله» هو الذي أمرهم بنصب اللبن عليه([121]).

وعن علي بن الحسين «عليه السلام»: نصبت عليه في اللحد تسع لبنات([122]).

وعنه «عليه السلام» قال: قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله» محصب حصباء حمراء([123]).

وعن جابر قال: رش على قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله» الماء رشاً قال: وكان الذي رش على قبره الماء بلال بن رباح بقربة، بدءاً من قبل رأسه من شقه الأيمن، حتى انتهى إلى رجليه. ثم ضرب الماء إلى الجدار، ولم يقدر على أن يدور من الجدار([124]).

آخر الناس عهداً برسول الله :

وروي برجال ثقات عن أبي عسيب: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما وضع في لحده، قال المغيرة بن شعبة: إنه قد بقي من قبل رجليه شيء لم تصلحوه.

قالوا: فادخل فأصلحه.

فدخل فمسح قدميه «صلى الله عليه وآله» ثم قال: أهيلوا عليَّ التراب!

فأهالوا عليه التراب حتى بلغ أنصاف ساقيه، فخرج فجعل يقول: أنا أحدثكم عهداً برسول الله «صلى الله عليه وآله»([125]).

وعن عروة بن الزبير قال: لما وضع رسول الله «صلى الله عليه وآله» في لحده ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في القبر، ثم قال: خاتمي.

فقالوا: ادخل فخذه.

قال: فدخل ثم قال: أهيلوا عليَّ التراب.

فأهالوا عليه التراب حتى بلغ أنصاف قدميه، فخرج.

فلما سوّي على رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: اخرجوا حتى أغلق الباب، فإني أحدثكم عهداً برسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: لعمري، لئن كنت أردتها لقد أصبتها([126]).

وعن المغيرة بن شعبة قال: لأنا آخر الناس عهداً برسول الله «صلى الله عليه وآله» حضرنا ولحدنا، فلما حضروا ودفنوا ألقيت الفأس في القبر، فقلت: الفأس الفأس، فأخذته ومسحت بيدي على رسول الله «صلى الله عليه وآله».

رواه أبو يعلى بلفظ: ألقيت خاتمي، فقلت: يا أبا الحسن، خاتمي.

قال: انزل فخذ خاتمك.

ووضعت يدي على الكفن ثم خرجت، فنزلت فأخذت خاتمي([127]). في سنده مجالد وهو ضعيف.

وروى الطبراني برجال ثقات ـ غير مجالد، وهو مختلف فيه ـ عن المغيرة بن شعبة قال: كنت فيمن حفر قبر النبي «صلى الله عليه وآله».

قالوا: فلحدنا لحداً، فلما دخل رسول الله «صلى الله عليه وآله» القبر طرحت الفأس ثم قلت: الفأس الفأس، ثم نزلت فوضعت يدي على اللحد([128]).

وروى أيضاً بإسناد قوي عن ابن أبي مرحب قال: نزل في قبر النبي «صلى الله عليه وآله» أربعة: أحدهم عبد الرحمن بن عوف، وكان المغيرة بن شعبة يدَّعي: أنه أحدث الناس عهداً برسول الله «صلى الله عليه وآله» ويقول: أخذت خاتمي، فألقيته، وقلت: خاتمي سقط من يدي، لأمسَّ رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأكون آخر الناس عهداً به([129]).

ونقول:

إن ما ادّعاه المغيرة لنفسه، لا يصح، كما أن ما ادّعوه لقثم بن العباس غير صحيح أيضاً.. وإن صححه الحاكم، أو غيره.. فلاحظ ما يلي:

1 ـ بالنسبة للمغيرة نقول:

قال الحاكم أصح الأقاويل: أن آخر الناس عهداً برسول الله «صلى الله عليه وآله» قثم بن العباس([130]).

وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لما وضع رسول الله «صلى الله عليه وآله» في لحده ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال علي: إنما ألقيته لتنزل.

فنزل فأعطاه إياه، أو أمر رجلاً فأعطاه([131]).

وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل: أن نفراً من أهل العراق قالوا لعلي بن أبي طالب «عليه السلام»: يا أبا الحسن، جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه.

قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهداً برسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

قالوا: أجل، عن ذلك جئنا لنسألك.

قال: أحدث الناس عهداً برسول الله «صلى الله عليه وآله» قثم بن العباس([132]).

2 ـ قال ابن كثير: وقول من قال: إن المغيرة بن شعبة كان آخرهم عهداً ليس بصحيح، لأنه لم يحضر دفنه، فضلاً عن أن يكون آخرهم عهداً برسول الله «صلى الله عليه وآله»([133]).

وقول الصالحي الشامي: فيه نظر، إنما استند فيه إلى دعاوى المغيرة نفسه. وهو غير مأمون في ذلك.

يكفي أن نذكر أن علياً أمير المؤمنين «عليه السلام» قد وصفه بقوله: «فإنه والله دائماً يلبس الحق بالباطل، ويموه فيه، ولم يتعلق من الدين إلا بما يوافق الدنيا»([134]).

وقد تقدم في بعض المواضع من هذا الكتاب ما يشير إلى حال المغيرة، ويمكن مراجعة ترجمته في كتاب قاموس الرجال للعلامة التستري «رحمه الله»، وفي تنقيح المقال للعلامة المامقاني: ليقف الإنسان المنصف على حال هذا الرجل، وما ارتكبه من موبقات ومآثم([135]).

3 ـ هناك ما ينفي حضور كل من المغيرة وعبد الرحمن بن عوف دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله». فضلاً عن أن يكون عبد الرحمن بن عوف دخل معهم القبر، فقد قالوا: «ولي وضع رسول الله «صلى الله عليه وآله» في قبره هؤلاء الرهط الذين غسلوه: العباس، وعلي، والفضل، وصالح مولاه. وخلّى أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» بين رسول الله وأهله، فوَلُوا إجنانه»([136]).

4 ـ في نص آخر: «ودخل القبر علي، والفضل وقثم ابنا العباس، وشقران مولاه. ويقال: أسامة بن زيد. وهم تولوا غسله وتكفينه وأمره كله»([137]).

5 ـ في نص آخر: «وولي دفنه وإجنانه أربعة من الناس» ثم ذكر أنهم: علي، والعباس، والفضل، وصالح([138]).

6 ـ قال ابن سعد: «فلم يدفن حتى كانت العتمة، ولم يله إلا أقاربه»([139]).

بل إن هذه النصوص نفسها تدل على عدم حضور أسامة بن زيد دفن النبي «صلى الله عليه وآله». فضلاً عن صالح، وشقران، فإن أسامة لم يكن من أقارب النبي «صلى الله عليه وآله»، ولا هو من أهله.

7 ـ إن لدينا ما يدل على أن أحدث الناس عهداً برسول الله «صلى الله عليه وآله» هو علي «عليه السلام».. فقد ورد في حديث المناشدة قول علي «عليه السلام»: «نشدتكم بالله، أفيكم أحد كان آخر عهده برسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى وضعه في حفرته غيري»؟!.

قالوا: اللهم لا([140]).

ويدل على ذلك أيضاً قول عتبة بن أبي لهب:

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف               عن هاشم، ثم منها عن أبي حسـن

إلى أن قال:

وآخر النـاس عهـداً بالنبي ومـن                جبريل عون له في الغسل  والكفن([141])

الزهراء ÷ ترثي رسول الله :

عن علي بن أبي طالب «عليه السلام» قال: لما رُمس رسول الله «صلى الله عليه وآله» جاءت فاطمة «عليها السلام»، فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينيها وبكت، وأنشأت تقول:

مـاذا عـلى مـن شـم تـربـة أحمـد                أن لا يـشم مـدى الـزمـان غواليـا

صـبـت عـليّ مـصـائـب لو أنها         صـبـت عـلى الأيـام عـدن ليالياً([142])

ونقول:

إننا نشير إلى أمرين:

أحدهما: أن هذا الشعر قد تضمن أنها «عليها السلام» قد واجهت مصائب كبيرة، وعديدة، وموت رسول الله «صلى الله عليه وآله» ليس إلا إحدى المصائب..

وهذا معناه: أنها قد قالت هذين البيتين بعد تعرضها للضرب، وإسقاط الجنين، واقتحام البيت، وإشعال النار فيه، وما إلى ذلك.. فإن هذه المصائب المتعددة يصح أن تصفها الزهراء «عليها السلام» بأنها لو صبت على الأيام صرنا ليالياً.

ويؤكد ذلك: أن علياً «عليه السلام» حين دفن الزهراء «عليها السلام» خاطب رسول الله «صلى الله عليه وآله» فقال: «فاحفها السؤال، واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج في صدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً، وستنبؤك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها»([143]).

فهناك إذن مصائب عديدة وردت على الزهراء «عليها السلام» لم تصل أخبارها إلينا، ولم تحدث بها الزهراء «عليها السلام» أحداً، وليس استشهاد أبيها «صلى الله عليه وآله» إلا أحدها، فما هي هذه المصائب والبلايا يا ترى؟!

الفطن الذكي هو الذي يدري!!

الثاني: قد اتضح مما تقدم: أن ثمة تدليساً ظاهراً في طريقة عرض ما جرى، لأنه أراد أن يوهم أن الهدف من هذا الشعر هو الإشارة إلى مصابها بموت رسول الله دون ما عداه، فادّعى: أن ذلك قد حصل بمجرد فراغهم من دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله».

وقال ابن سيد الناس: ولما دفن «عليه السلام» قالت فاطمة ابنته «عليها السلام»:

اغـبر آفــاق السـماء وكــورت          شـمـس النهــار  وأظلم العصران

فالأرض من بعد النـبي كـئيـبة          أسفـاً عـليــه كـثـيرة  الـرجـفـان

فليبكـه شرق البـلاد وغـربهــا          ولـتـكـبـه مـضــر وكـــل يــمان

وليبكـه الطـود المعـظــم جـوه          والـبـيـت ذو الأسـتـار  والأركان

يا خاتم الرسـل المبارك ضـوءه                 صـلى عـلـيـك مـنـزل  الـفـرقـان

ويروى أنها تمثلت بشعر فاطمة بنت الأحجم:

قـد كـنـت لي جبـلاً ألـوذ بظله           فـتركـتـنـي أمـشـى بأجـرد ضاح

قد كنت ذات حمية ما عشـت لي                أمشى البراز وكـنـت أنت جناحي

فالـيـوم أخـضع للذليل وأتقى            مـنـه وأدفـع ظـالمـي  بــالــــراح

وإذا دعـت قـمـريـة شجنا لهـا           لـيـلاً عـلى فـنـن دعـوت صباح([144])

ولها «عليها السلام»:

كـنــت الــســـواد لمـقـلـتي               يـبـكي عـلــيـــك الـــنـــاظــر

مــن شــاء بـعــدك فـليمت                فـعـلـيـــك كــنــت  أحـــاذر([145])

وقد نسبت هذه الأشعار لآخرين تمقلوا بها في مناسبات أخرة، ولا مانع من التعدد.

الزهراء ÷ تخاطب أنساً:

وتزعم بعض الروايات: أن السيدة فاطمة الزهراء «عليها السلام» خاطبت أنساً بن مالك بعبارات مؤثرة، لتعبر له عن عميق حزنها على أبيها، فقد رووا عن أنس قال: لما دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قالت فاطمة «عليها السلام»: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله «صلى الله عليه وآله» التراب؟!([146]).

ونقول:

1 ـ إن كلام الزهراء «عليها السلام» مع أنس مشكوك في صحته، فأنس أجنبي عن الزهراء «عليها السلام»، ولم تكن الزهراء لتكلم رجلاً أجنبياً إلا لضرورة، وليس هذا من مواردها.

وإذا كان وجود الأجنبي الأعمى مع النساء مرفوضاً عندها، لأنه يشم الريح، فما بالك بشاب في مقتبل العمر، وهو بكامل قواه، وفي أوج فتوته؟! مع ما عرفناه عن أنس من عدم التزامه خط الإستقامة في تعامله، وحديث الطائر المشوي، وحديث عدم إقراره بحديث الغدير فدعا «عليه السلام» عليه، واستجاب الله دعاءه فيه ليسا إلا شاهد صدق على ما نقول.

على أن نفس المضمون الذي نسب إليها «عليها السلام» لا يحمل أمراً ذا بال، يستحق حتى أن تتفوه به السيدة الزهراء «عليها السلام» أمام رجل أجنبي كأنس؟!..

ولو سلمنا أنها قالت ذلك بسبب حرقتها وشدة حزنها على أبيها رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فلماذا تختار أنساً لخطابها هذا، ولا تخاطب به علياً «عليه السلام»، أو عباساً، أو سلمان، أو أبا ذر، أو غير هؤلاء ممن تعرف أن فقد رسول الله «صلى الله عليه وآله» سوف يحزنهم حقاً، وبدرجة كبيرة؟!

إلا إذا فرض: أن الزهراء «عليها السلام» تتهم فريقاً من الناس بأنهم يودّون موت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأن دفنه يفرحهم، فيكون سؤالها لأنس بمثابة اتهام له، وإفهامه هو وغيره بأنها على علم بما يفكر به هؤلاء، وأن إظهارهم الحزن مجرد تمثيل، يهدف إلى خداع الناس، والتعمية عليهم.

على أن أنساً كان معروفاً بانحرافه عن علي «عليه السلام»، وقضيته معه في حديث الطير، وكتمانه لحديث الغدير، وإصابة دعوة علي له مما لا يخفى على أحد.

الجزع على رسول الله :

روى المفيد بسنده إلى ابن عباس قال: لما توفي رسول الله «صلى الله عليه وآله» تولى غسله علي بن أبي طالب «عليه السلام» والعباس معه، والفضل بن العباس، فلما فرغ «عليه السلام» من غسله كشف الإزار عن وجهه، ثم قال: بأبي وأمي، طبت حياً، وطبت ميتاً، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممن سواك، من النبوة، والأنبياء، خصصت حتى صرت مسلياً عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك سواء.

ولولا أنك أمرت بالصبر، ونهيت عن الجزع لأنفذنا عليك الشؤون، ولكان الداء مماطلاً، والكمد محالفاً، وقلَّا لك، ولكنه ما لا يملك رده، لا يستط&