كتاب مأساة الزهراء

الجزء الرابع


 الطبعة الخامسة 1422هـ. الموافق 2002م. مزيدة ومنقحة حسب المواضيع من قبل المؤلف

 
المقصد الخامس
التـشـيـع

 
القسم الأول
التـشـيـع والإمـامـة

 

بـدايـة:

إن الأمور التي تشير إلى ـ أو تدل على ـ ما يرمي إليه البعض في حديثه عن الإمام والإمامة، وعن الشيعة والتشيع، كثيرة ومتنوعة، والمكتوب منها كثير وخطير، فكيف بالمسموع في النوادي، والمدارس، والسهرات، والمجالس.

ونحن نقتصر هنا على ذكر مجموعة من كلماته ـ وهي كثيرة ليست قليلة ـ عسى أن نبلغ بها غايتنا في إعطاء الصورة الوافية عن الإتجاه الفكري العام، وعما تحتله هذه الشؤون الحساسة فيما يراد له أن يأخذ موقعه في عقل وفكر الناس، وتكون له آثاره على مواقفهم، وحتى على مواقعهم..

ما يلي من صفحات، ومن الله نستمد القوة والحول، ومنه نطلب السداد والرشاد.

 

784 ـ الشيعة في قفص الإتهام.

ثم إن ذلك البعض يشير بطريقته الخاصة إلى أن الشيعة هم الذين اعتبروا أنفسهم مجتمعا يختلف عن غيرهم.. وكأن الآخرين هم الأساس، الذي فصل الشيعة أنفسهم عنه، وبالتالي، فإنهم قد نأوا بأنفسهم عن معونة أهل السنّة ونصحهم، على عكس ما كان من عليّ أمير المؤمنين عليه السلام تجاه الخلفاء ـ مع أنّه هو صاحب القضية معهم، فصاحب القضية يتعاون، ويقدم النصح والمشورة، والشيعة لا يفعلون ذلك، مما يوضح: أنهم أقل وعيا، وأقل إسلامية من المتقدمين، فهو يقول:

"المسلمون في عصر الخلافة الراشدة (!!) كانوا أقرب إلى المواجهة الواقعية لمثل هذه المشكلة، بعدها، عاش المسلمون أوضاعا حادّة تحولت إلى حروب بين السنّة والشيعة، ثم إلى حالة انفصال اعتبرت الشيعة نفسها مجتمعا يختلف عن مجتمع السنة، بينما كان الإمام علي ـ وهو صاحب القضية ـ يتعاون مع الخلفاء، ويعطيهم المشورة والنصح، بالرغم من رفضه للمسألة، مما يعني: أن المتقدمين كانوا أكثر وعيا، وأكثر إسلامية"[1].

 

785 ـ الشيعة إرهابيون في المجال الفكري!

786 ـ دعوة السنّة والشيعة إلى التنازل عما ورثوه.

787 ـ الشيعة مصداق للآية: (إنا وجدنا آباءنا على أمة..).

788 ـ لا يوجد نقد علمي عند الشيعة والسنة.

789 ـ لا حرية إلا لمناقشة القضايا السنية.

ثم هو يتهم الشيعة بالإرهاب الفكري، وأنه ليست هناك أية حريّة في داخـل المذهب الشيعي، ويظهر رغبته في تنازل الشيعة والسنة عما ورثوه.

فهو يقول:

"المشكلة هي أن السنّة لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شيء مما ورثوه، وأن الشيعة لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شيء مما ورثوه، بقطع النظر عما إذا كان ما ورثوه يخضع للبرهان أو للدليل أو لا يخضع، لأن القضية في بعض أوضاعها: {إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}[2].

لذلك لا نجد أية حرية في داخل المذهب السني لمناقشة القضايا السنية، وليست هناك أية حرية في داخل المذهب الشيعي لمناقشة القضايا الشيعية.. الحرية المطروحة هنا وهناك هي مناقشة الآخر.. أما أن نناقش فكرنا في عملية نقد علمي فهذا ليس واردا، بل قد تجد هناك إرهابا فكريا هنا، وإرهابا فكريا هناك"[3].

 

790 ـ التشيع وجهة نظر في فهم الإسلام.

791 ـ إتهام الشيعة بأنهم انفصاليون، لا يتعاونون مع إخوانهم ولا ينصحونهم.

وهو يعتبر التشيع مجرد وجهة نظر، في مقابل وجهة نظر أخرى هي التسنن، ووجهة النظر عموما: قد تكون خطأ، وقد تكون صوابا.. كما أن وجهة النظر الأخرى كذلك. مع أن التشيع هو حقيقة الإسلام، وصريح هذا الدين، فهو يقول:

"وقد تكون القضية المطروحة هي أن لا يكون خط التشيع – فيما هو التشيع وجهة نظر في فهم الإسلام ـ حالة معزولة عن الواقع العام للمسلمين"[4].

 

792 ـ الفكر الإلهي ! والفكر البشري.

793 ـ الإمامة فكر بشري..!

794 ـ كل التراث الفقهي والكلامي فكر بشري.

795 ـ الحقيقة نسبية..

796 ـ بديهيات الإسلام فقط فكر إلهي.

وهو يعتبر أن كل التراث الفكري والعقيدي والفلسفي، فكر بشري، باستثناء البديهيات، فإنها: فكر إلهي.

ولا ندري كيف نفسر عبارة (فكر إلهي)، وما تحمله من جرأة على الذات الإلهية، فهل الله يجلس ليوازن ويفكر، ويقدم ويؤخر، ثم يخرج بهذه النتيجة أو تلك؟

ولنتوقف قليلا أيضا عند اعتبار ذلك كله فكرا بشريا..!!

أما عباراته التي تضمنت ذلك فهي التالية:

".. ونحن نعتقد: من خلال ذلك: أن كل ما جاءنا من تراث فقهي، وكلامي، وفلسفي، هو نتاج المجتهدين والفقهاء والفلاسفة والمفكرين، من خلال معطياتهم الفكرية، ولا يمثل الحقيقة، إلاّ بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة على أساس ما نملكه من مقاييس الحقيقة.

وبهذا، فإننا نعتبر: أن كل الفكر الإسلامي، ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية هو فكر بشري، وليس فكرا إلهيّا، قد يخطئ فيه البشر فيما يفهمونه من كلام الله، وكلام رسول الله(ص) وقد يصيبون.

وعلى هذا الأساس، فإننا نعتقد أن من الضروري جدا أن ننظر إلى التراث المنطلق من اجتهادات المفكرين، أينما كانت مواقع تفكيرهم، نظرة بعيدة عن القداسة في حياتهم ومؤهلاتهم الروحية والعملية في حياة الناس الآخرين، فيمن يكون على مستوى المراجع أو الأولياء في تقواهم لله سبحانه وتعالى الخ.."[5].

وقفة قصيرة:

إن هذا البعض قد اعتبر كل التراث الفقهي والكلامي (أي العقائدي) والفلسفي هو نتاج أفكار المجتهدين، وهو كله ليس إلهيا، وإنما هو فكر بشري، حتى الإمامة فإنها عنده من المتحول، لأن النص لم يكن عنده صريح الدلالة بحيث لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولا موثوق السند إلى درجة لا يمكن الشك فيه[6]، فالإمامة إذن فكر بشري أيضا، لأنها بحاجة إلى الاجتهاد، وليست من البديهيات عند جميع المسلمين.

هذا كله عدا عن أن كلامه الآنف الذكر صريح في أنه يعتبر الحقيقة نسبية، فلا يستطيع أحد أن يدعي أنه يملك الحقيقة كلها، بل هو يملك منها بحسب ما يقتنع به من مقاييس الحقيقة..

فقد يكون أمر مّا يمثل الحقيقة عند شخص، ـ بحسب تلك المقاييس ـ ويمثل الباطل عند آخر بحسب المقاييس التي يملكها ذلك الآخر أيضا.

ونحن قد ناقشنا هذه المقولات في كتابنا (لماذا كتاب مأساة الزهراء ؟)، ونؤكد على القاريء الكريم أن يراجع ما كتبناه هناك..

غير أنّا نذكّر هنا بأن ما هو فكر إلهي عند هذا البعض، هو أمور يسيرة وعناوين محدودة جدّا، عبّر عنها في بعض كتاباته بالثّابت، ويقابلها المتحوّل. فقال:

"إن من الثابت: التوحيد، والنبوة، والمعاد، ومسلمات الشريعة، مثل: وجوب الصلاة، والصوم، والجهاد، والحج، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الزنا والسرقة، والخمر، والميسر، والنميمة، واللواط، والغيبة، وقتل النفس المحترمة، ونحوها مما لا يخرج عن دائرة العناوين العامة جدا، دون تفاصيلها، فإن التفاصيل تدخل في نطاق الاجتهادات الشخصية البشرية، غير الإلهية"[7].

وهو ما عبّر عنه هذا البعض بالمتحول.

ويقول:

"المراد من الضروري الشيء البديهي الثابت بشكل طبيعي جدا، وعفوي جدا، من دون حاجة إلى الإستدلال بين المسلمين، مثل وجوب الصلاة، ووجوب الصوم، ووجوب الحج، ووجوب الزكاة، كما ذكرنا. أما تفاصيل الصلاة، وتفاصيل الصوم، أو الحج، أو الزكاة، فهذه أمور يختلف فيها المسلمون، ويحتاج فيها إلى أن يستدل بعضهم على بعض، ليثبت قناعته من خلال ذلك، وكل شيء يحتاج إلى الإستدلال بحسب طبيعته، أو بحسب طبيعة الواقع العام، باعتبار أن الناس يختلفون فيه فهو أمر نظري"[8].

 

797 ـ سند حديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه) موضع نقد.

أجاب البعض عن سؤال حول حديث النبي(ص):

"س:.. قال الرسول: من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية؟.

ج: الواقع أن سند هذا الحديث ليس فوق مستوى النقد"[9].

ومن الواضح: أن أبرز تجليات هذا الحديث قد كانت في موقف فاطمة الزهراء(ع) من أبي بكر، حيث ماتت وهي مهاجرة له، كما دلت عليه النصوص القاطعة، ولم تكن تعتبره إمام زمانها، ولا يمكن بحال أن يقال: إنها ماتت ميتة جاهلية، وهي التي يغضب الله لغضبها، ويرضى لرضاها.

وهو من الأحاديث الثابتة المروية لدى أهل السنة والشيعة، وتجدهم به يستدلون، وعليه يعتمدون، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.

ولا ندري ما هو الداعي لإثارة الشبهة حول سند هذا الحديث؟! مع أن الأفرقاء قد تلقوه بالقبول كما ألمحنا إليه ؟!.. وذكرنا ذلك في كتابنا "مأساة الزهراء(ع)":

 

798 ـ الخلاف بعد النبي لم يضر بالإسلام.

799 ـ المسيرة الإسلامية لم تنحرف بعد النبي (ص).

ويتحدث عن خلافات الصحابة بعد النبي(ص) فيقول:

"علينا أن نمارس خلافنا في الرأي كما مارسه الأولون، فقد مارسوه فيما لم يكن الاختلاف مضرة للإسلام، حتى سارت المسيرة الإسلامية في طريقها المستقيم"[10].

ظاهر الكلام أن الصحابة لم يمارسوا خلافاتهم بصورة مضرة للإسلام، فلم يكن اغتصاب بعضهم للإمامة مثلا ضررا على الدين، ولا انحرافا بل سارت المسيرة الإسلامية في طريقها المستقيم!!!

 

800 ـ إبعاد علي(ع) كان نتيجة فهم الكلام بطريقة معينة.

801 ـ المسلمون(!!) فهموا ذلك.

802 ـ الخطأ في اجتهاد أهل السقيفة.

803 ـ مشكلتنا: أن حديث الغدير مروي بشكل مكثف.

804 ـ ينبغي لأهل السنّة أن يناقشوا سند حديث الغدير.

805 ـ كلمات النبي (ص) في الغدير، تجعل الشك في أذهان الناس.

806 ـ النبي (ص) لم يكتب كتابا للأمة لأنه أراد للتجربة أن تتحرك.

أ ـ ويقول البعض:

"إنطلق رسول الله(ص) ليؤكد مسألة القيادة من بعده، حتى لا تكون حركة المسلمين في فراغ، بعد أن ينتقل (ص) إلى الرفيق الأعلى.

ولكن المسلمين فهموا القضية بطريقة معينة، ففرضت الأوضاع الجديدة نفسها، والتي أوجدوها خارج دائرة توجيهات رسول الله (ص)؛ فأبعد علي (ع).."[11].

فالفهم الخاطيء لكلام النبي(ص) كان هو السبب في إبعاد علي عليه السلام..

ب ـ ولكنه يذكر في مورد آخر: أن سبب فهم المسلمين لهذا الأمر بطريقة معينة هو أن النبي (ص) قد تكلم بطريقة تلقي بأذهان الناس الشك، فهو يقول:

"بيعة الغدير مما يذكره السنة والشيعة، لكن دخل بعض الناس على الخط، كما يقرأ في كلمة (مولى): من كنت مولاه فعلي مولاه، يعني ناصره، فالقضية ربما كانت من خلال طبيعة الكلمات مجالا لأن النبي (ص) مثلا، بأذهان الناس يصير شك.

أما لماذا لم يكتب النبي(ص) كتابا؟ كان النبي ذاك الوقت يريد للتجربة أن تتحرك"[12].

ج ـ وإذا ضممنا إلى ما تقدم حديث البعض عن سند حديث الغدير، ودعوته أهل السنة للبحث فيه أيضا، فهو يقول في نطاق سؤال وجواب:

سؤال: يقول تاريخ الشيعة بأن رسول الله (ص) نصّب عليا (كرّم الله وجهه) على مشهد من (120) ألف مسلم ما بقي منهم إلاّ أربعة أو خمسة، فهل هذا مقبول منطقيا؟

"جواب ـ عندما ندرس كيف تتبدل الأوضاع، وكيف تتغير الأفكار وكيف تختلط الأوراق فإننا نجد بالتجربة الكثير من واقعنا، والسبب في ذلك هو أن المؤثرات التي يمكن أن تتحرك في الواقع الإجتماعي أمام أية قضية لا تتحرك في المجرى الإجتماعي الذي يرضاه الناس أو يحبونه.

فلا بد أن تتحرك الكثير من الأساليب والوسائل من أجل إبعاد القضية عن خطها المستقيم ولو بالقول.

لقد قال رسول الله (ص) (من كنت مولاه فعلي مولاه) فهل إن معناه من كنت أحبه فعلي يحبه ومن كنت ناصره فعلي ناصره، أو إن معناه من كنت أولى به من نفسه ـ وهو معنى الحاكمية ـ فعلي أولى به من نفسه، فبعض الناس يقول هذا تصريح وليس تأكيدا. إنّ مشكلتنا هي أن (حديث الغدير) هو من الأحاديث المروية بشكل مكثف من السنة والشيعة، ولذلك فان الكثير من إخواننا المسلمين السنة يناقشون الدلالة ولا يناقشون السند، في الوقت الذي لا بد أن ندرس القضية من خلال ذلك أيضا، فعندما ندرس قصة الحسن والحسين (ع) نجد أن النبي (ص) ربّى لهم حبّا في نفوس المسلمين وقد استطاعوا أن يعمقوا هذا الحب من خلال سلوكهم وسيرتهم. وكدليل على ذلك عندما انطلق الإمام الحسين (ع) وقد بايعه أهل الكوفة التقى (الفرزدق) في الطريق فقال له: (قلوبهم معك وسيوفهم عليك) ونحن عشنا أيها الأحبة، الكثير من هذا في (العراق) وعشناه في (لبنان) ونعيشه في أكثر من موقع في العالم، لأن مسألة الجماهير هي أنها تنطلق بانفعال وتتحرك بانفعال أيضا. هذه هي المسألة التي تجعل هذا الواقع واقعا قريبا من المنطق"[13].

د ـ مشكلة هذا البعض إذن هي أن حديث الغدير مروي بشكل مكثف عند السنة والشيعة.. ورغم أن أهل السنة يناقشون في دلالة حديث الغدير فقط، فإنه يتمنى عليهم أن يناقشوا السند بالإضافة إلى المتن..

هـ ـ ومهما يكن من أمر، فإن ذلك البعض نفسه هو الذي اعتبر قضية الإمامة من المتحول الذي لا صراحة فيه من حيث الدلالة إلى درجة عدم احتمال الخلاف فيه، ولا موثوقا سندا إلى درجة عدم إمكان الشك فيه، فهو يقول وهو يتحدث عن الثابت والمتحول داخل الثقافة الإسلامية:

"هناك المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها للاجتهاد، ما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولم يكن موثوقا بالدرجة التي لا يمكن الشك فيه، وهذا هو الذي عاش المسلمون الجدل فيه، كالخلافة والإمامة، والحسن والقبح العقليين"[14].

فالإمامة إذن تعاني من مشكلة، إما في السند أو في الدلالة، ولأجل ذلك اختلف المسلمون؛ فهم مأجورون فيما توصلت إليه اجتهاداتهم، ولو أخطأوا في تلك الاجتهادات.

وقفة قصيرة:

ونحن قبل أن نتابع حديثنا نلفت النظر إلى النقاط التالية:

1 ـ أمّا بالنسبة لأسانيد أحاديث الإمامة.. فنقول: إنها متواترة في موارد عديدة منها.. عند السنة والشيعة معا، وصحيحة السند في موارد كثيرة أخرى عند السنة والشيعة أيضا.. وحديث الغدير أيضا من الأحاديث المتواترة، كما لا يخفى على من لاحظ كتاب الغدير للعلاّمة الأميني، وغيره من مؤلفات علماء هذا المذهب، وكذلك مؤلفات سائر المسلمين.

فلا معنى للحديث حول هذا الموضوع، كما لا معنى لاعتبار الإمامة من المتحول استنادا إلى ذلك، ولو جزئيا.

2 ـ إن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، قد أمره الله بتبليغ ما أنزله إليه في قوله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته}[15].

فإذا كان قد تكلم بكلمات تستوجب الشك في أذهان الناس، فمعنى ذلك: أنه لم يبلغ ما أمره الله بتبليغه.

فإمّا أنه تعمّد زرع الشكّ والشبهة في عقول الناس، أو أنه لم يحسن التبليغ، ولم يعرف الطريقة المناسبة التي يتحقق بها ذلك، وكلا الأمرين باطل لا يصح نسبته إلى النبي (ص).

وفي كلا الحالين: كيف يصح أن ينزل الله سبحانه بعد إتمام الحجة في يوم الغدير الآية الشريفة التي تقول:

{اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا}[16].

فهل يصح ـ والعياذ بالله ـ أن يقال: إن الله سبحانه لم يكن عالما بأن رسوله قد أوهم الناس وشكّكهم، ولم يبلغهم ذلك، ولم يمتثل أمره.. أم أن الله ـ والعياذ بالله ـ قد أراد أن يمتنّ على الناس بأمر وهمي لا حقيقة له ؟!..

3 ـ إن فهم المسلمين للنص بطريقة معينة، هل يعني: أن القصة كانت مجرد فهم واجتهاد خاطيء – ولم يكن ثمة تعمد إلى إبعاده عليه الصلاة والسلام؟! ـ وإذا كان ذلك نتيجة فهم خاطيء فالظاهر أنهم مأجورون على هذا الخطأ في الاجتهاد..؟

4 ـ إن هذا الفهم المعيّن للنص هل كان عامّا للمسلمين كلهم ـ كما هو ظاهر عبارته ـ وهل شمل هذا الفهم المعيّن سلمان، وأبا ذر، والهاشميين وغيرهم.. أم اقتصر على فريق دون فريق..؟!

وماذا نصنع بقول القائل بعدما بايعوا عليا (ع) يوم الغدير:بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ؟!

5 ـ وإذا كانت الإمامة لا بد فيها من ثبوت النص، ثم وضوحه، فهل يعني ذلك: أن تصبح الإمامة فاقدة لكلا هذين الشرطين، ويكون عدّها من المتحول قد وقع من أهله في محله؟! وذلك لأنها ليست من البديهيات عند بعض المسلمين، منذ وفاة الرسول (ص) على حدّ زعم البعض، فهي إذن فكر بشري قابل للاجتهاد وليس إلهيّا على حدّ تعبير ذلك البعض أيضا، كما تقدّم في مطلع هذا الفصل؟!

ولسنا ندري هل إن وجود شبهة في أمر بديهي لدى البعض يجعل هذا البديهي من المتحول، ومجرد وجهة نظر ؟ وبالتالي يجعله فكرا بشريا ؟.. وهل إذا كانت هناك شبهة في مقابل البديهة تسقط البديهة عن بداهتها ؟!

نعم قد دل الدليل على أن من لم يقل بالإمامة ـ مع بداهتها ـ لشبهة طرأت عليه، لا لجحود وإنكار، يحكم بإسلامه.

 

807 ـ الإمامة من المتحول لا من الثابث.

808 ـ الإمامة تتحرك في النصوص الخاضعة للاجتهاد.

809 ـ نصوص الإمامة ليست صريحة بحيث لا يحتمل الخلاف فيها.

810 ـ نصوص الإمامة ليست بدرجة عدم إمكان الشك فيها.

811 ـ مسألة الحسن والقبح العقليين من المتحول.

812 ـ مسألة الحسن والقبح العقليين ليست موثوقة بدرجة لا شك فيها..

813 ـ نصوص الحسن والقبح العقليين ليست موثوقة لا يحتمل الخلاف فيها.

ويقول البعض، وهو يتحدث عن الثابت، والمتحول:

".. في داخل الثقافة الإسلامية ثابت يمثل الحقيقة القطعية، مما ثبت بالمصادر الموثوقة، من حيث السند والدلالة، بحيث لا مجال للاجتهاد فيه، لأنه يكون من قبيل الاجتهاد في مقابل النص.

وهذا هو المتمثل ببديهيات العقيدة كالإيمان بالتوحيد، والنبوة، واليوم الآخر، ومسلمات الشريعة، كوجوب الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحرمة الخمر، والميسر، والزنا.. واللواط، والسرقة، والغيبة، والنميمة، وقتل النفس المحرمة ونحو ذلك..

هذا بالإضافة إلى الوضوح في الموقف السلبي أو الإيجابي من المفاهيم المتقابلة، من الظلم، والعدل، والكذب، والصدق، والخيانة، والأمانة، ونحو ذلك.

فلا مجال لتحريكها في مستوى رفض المبدأ، بل قد يثور الجدل فيها على مستوى التفاصيل في المفردات الصغيرة المتناثرة في نطاق الظروف والطوارئ.

وهناك المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها، ومدلولها للاجتهاد، مما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولم يكن موثوقا بالدرجة التي لا يمكن الشك فيه.

وهذا الذي عاش المسلمون الجدل فيه كالخلافة والإمامة والحسن، والقبح العقليين، والذي ثار الخلاف فيه بين العدلية وغيرهم.. الخ"[17].

وقفة قصيرة:

1 ـ إنني أعتقد أن القارئ الكريم في غنى عن التذكير بأن الإمامة هي من الثوابت القطعيّة التي لم يزل النبي (ص) يؤكدها قولاً وعملاً بالإشارة والتلميح، وبالكناية والتصريح، وبالقول والفعل.

والنصوص الدالة على ذلك تعد بالمئات، بالإضافة إلى الكثير من الآيات القرآنية التي أوضحت هذا الأمر بجلاء تام..

وإذا لم يكن ذلك كله مما يوجب القطع واليقين، وهو عبارة عن تواترات عديدة، وصريحة فأي شيء بعد هذا يمكن أن يوجب ذلك؟!

2 ـ إن مجرد حصول الشبهة في الأمر البديهي لا يخرجه عن دائرة البداهة، ولا يجعله نظرياً، اجتهادياً، لدخوله في دائرة المشكوك في سنده وفي دلالته.. حسبما ورد في مقولة هذا البعض..

3 ـ ولو صح ذلك.. للزم اعتبار وجوب الصلاة، والصوم، وغير ذلك من العبادات، من المشكوك، فإنه يدخل في دائرة المتحول الاجتهادي المشكوك في سنده وفي دلالته، لوجود فِرَق يعتبرها نفس هذا الشخص فرقاً إسلامية ـ كالدروز مثلاً ـ، لا تجد ضرورة لممارسة هذه الشعائر، ولا تعتبرها من الأحكام الثابتة والملزمة.

وقد كتب هذا البعض نفسه مقدمات لكتب صدرت عن اتباع تلك الفرق أيد فيها إسلاميتها، ومدحها بما تيسر له.. ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك..

وأعتقد أن إلقاء نظرة سريعة على مقولات الفرق المعدودة في فرق المسلمين.. يثير العجب، والدهشة مما أثارته تلك الفرق والمذاهب من مقولات، وشبهات حول أبده البديهيات.. فهل تخرجها تلك الشبهات عن دائرة البداهة، وتجعلها من المتحول في عالم النصوص التي لا يقين بسندها، ولا بدلالتها؟!.

4 ـ والأغرب من ذلك كله.. أنه جعل مسألة الحسن والقبح العقليين من المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص التي لم تكن صريحة بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولا موثوقا بالدرجة الذي لا يمكن الشك فيه، مع أن المسألة عقلية كما هو صريح عنوانها.. فأين هذه المسألة من عالم النصوص المتيقنة أو المشكوكة.


القسم الثاني
عقائـد الإمامية وشعائرهم

الفصل الأول
وهابية، أم ماذا ؟!

بـدايـة:

إننا نذكر في هذا الفصل بعض الشعائر والعقائد التي يناقش البعض في جدواها، أو في صحتها، أو يرى فيها نوعا من التخلف، ويعتبرها من الموروث، الذي لا يتردّد في توجيه النقد القاسي واللاذع له، إلى درجة يمكن أن يقال: إنها تتجاوز حدّ التشهير المهين، ولا نريد أن نمعن في إفساح المجال هنا أمام الظنون في أن يكون الهدف هو استبعاد تلك الشعائر، أو إسقاط أو زعزعة ثبات تلك العقائد بهذا الأسلوب.. بل نريد هنا ـ فقط ـ عرض نمـاذج من تلك الأقاويل..

ويبقى للقارئ أن يختار متابعة سائر ما سجّله ذلك البعض في هذا السياق، ليصدر حكمه بعد ذلك على تلك المقولات، وفق الضوابط والموازين المرضيّة والموثوقة، والمعتمدة والمقبولة، عقلا وشرعا وعرفا.

أمّا البحث المشبع حول تلك الأقاويل، فنتركه إلى فرصة أخرى، لأن ذلك قد يثقل على القارئ، الذي حصل منّا على وعد مسبق بأن لا يتعرض هذا الكتاب إلى البحث والإستدلال، وإن كان يتوخى بعض التوضيح والتصحيح، كلما يتبلور لدينا شعور بضرورة المبادرة إلى إلفات نظر القارئ الكريم إلى ذلك، لسبب أو لآخر..

فإلى ما يلي من مطالب:

 

814 ـ البركة لا تتجمد في المسجد ليتبرك الناس بأرضه وجدرانه.

815 ـ المبارك ليس هو من يضع يده على الرؤوس ليمنحهم بركته.

816 ـ المبارك ليس هو الحامل للأسرار الخفية التي تدفع الناس للمس ثوبه أو جسده.

بداية توضيحية تغني عن الوقفة القصيرة:

ونقول: لقد كان النبي (ص) يتبرك بعرق علي. وكان يبّرك على الأطفال، ويحنكهم بريقه، ويستجيب لطلب البركة منه، فيضع يده في أواني الماء التي كانوا يأتون بها إليه بعد الصلاة.

وكانت أم سُليم تجمع عرقه (ص) في قارورة لأجل التبرك به.

وكان الصحابة يقتسمون شعره حين يحلق رأسه، بل هو كان يوزعه عليهم.

وكان المسلمون وما زالوا يقبِّلون الكعبة، والحجر الأسود، ويتبركون بمقامات الأئمة، وبمقام إبراهيم، وبماء زمزم، ولا يرون ذلك عملاً عبثياً أو غير عقلائي أو غير مشروع، هم يجلونها ويتبركون بها، بهذا التقبيل.

ولكن البعض يرى أن البركة لا تتجمد في المسجد، مستندا إلى قوله تعالى: {باركنا حوله} مع أن التبرك بالكعبة، وبالحجر الأسود، وبرسول الله على النحو الذي ذكرناه قد كان موجودا وشائعا، وقد قَبّلَ النبي (ص) نفسه الحجر الأسود، كما هو معلوم وغير ذلك[18].

فلنقرأ ما يقوله البعض بهذا الصدد لنجد إن كان يتوافق مع هذه الحقيقة الإسلامية والإيمانية، إنه يقول:

".. {الذي باركنا حوله} فيما كانت البركة تمثله من امتداد وحركة على كل الساحات المحيطة به.. لأن البركة ليست مجرد حالة غيبية روحية تثير المشاعر القدسية في أجواء ضبابية حالمة، بل هي ـ إلى جانب ذلك ـ قوة حركية روحية تندفع بالكلمة الطيبة التي تملكها، و بالطاقة الحية التي تحركها، وبالأفق الرحب، الذي تفتحه وبالشعور الحميم الذي تثيره وبالخطوات الثابتة التي تقودها.. لتكون ـ في جميع ذلك ـ مشروع حياة نافعة مليئة بكل ما يحقق للإنسان سعادته وللكون نظامه.."

ومن خلال ذلك فإننا نفهم معنى الشخص المبارك، فهو ليس الإنسان الحامل للأسرار الخفية التي تدفع الناس أن يلمسوا ثيابه وجسده، ليأخذوا منه البركة أو يطلبوا منه أن يضع يده على رؤوسهم ليمنحهم بذلك بركته، بل هو الإنسان الذي يعيش الطاقة الروحية التي تحرك فيه كل طاقاته ليوجهها إلى الناس والحياة من حوله لتنطلق خيرا ورحمة ومحبة وسلاما في نفع شامل غير محدود كما ورد تفسير قوله تعالى في حديث عيسى عـن نفسه {وجعلني مباركا} فقد جاء في التفسير أن معناه: وجعلني نفاعاً للناس فيما توحي به البركة من امتداد للطاقة في حياة الناس.

وهكذا نفهم معنى الأرض المباركة فيما تعطيه من خيرات على مستوى الثمرات المادية، مما تنتجه أو على مستوى الثمرات الروحية، مما توحيه وتتحرك به على خط الرسالات و الرسل فيما تحتويه منها ومنهم في كل زمان وبذلك نفهم سر التعبير في قوله {باركنا حوله} بدلا من (باركناه) فقد يكون السر في ذلك هو الإيحاء بأن البركة لا تتجمد في المسجد لتبقى فيه ليأتي الناس إليه ليحصلوا على البركة من أرضه وجدرانه. بل تنطلق منه في ما تمثله رسالته من روحية للذات ومن منهج للحياة في انفتاح الإنسان على الله من خلال وحي رسالاته التي تثير فيه المسئولية النابضة بالروح و المتحركة مع الواقع: لتمتد إلى كل مكان فتتحول البركة من نبع يتحرك في داخل الأرض إلى نهر جار ينساب في كل عقل وفي كل روح، ويصل إلى كل ارض للإنسان فيها وجود ليملأها بالخير والمحبة والحياة.. ومن الطبيعي لهذه البركة المحيطة بالمسجد فيما حوله أن تكون منطلقة منه مما يعني ذلك أن التعبير يختزن في داخله معنى البركة في المسجد فيما يوحيه من معنى البركة فيما حوله والله العالم[19].

 

817 ـ تقاليد العوام في زيارة القبور قد تتّخذ منحى خطيراً في خط الإنحراف.

818 ـ لا يكفي في استقامة العقيدة عدم الدليل على المنع من بعض الأعمال.

819 ـ الخلط بين مظاهر احترام الخالق والخلق ممنوع.. ولو لم يكن كفراً أو شركاً.

820 ـ ما يدعى به الله لا يدعى به غيره.

821 ـ يعقوب سجد ليوسف تحيّة وتعظيماً.

822 ـ سجود يعقوب ليوسف لأن ذلك كان هو التقليد الشائع في احترام السلطان.

يقول البعض:

"إن التقاليد المتّبعة لدى العوام من المسلمين في تعظيم الأنبياء والأولياء وفي زيارة قبورهم قد تتّخذ إتجاهاً خطيراً في خط الإنحراف في التصور والممارسات، وذلك من خلال الجانب الشعوري الذي يترك تأثيره على الإنفعالات الذاتية في الحالات المتنوعة التي قد تدفع إلى المزيد من الممارسات المنحرفة في غياب الضوابط الفكرية التربوية، في ما ينطلق به التوجيه الإسلامي للحدود التي يجب الوقوف عندها من خلال طبيعة الحقائق الواقعية للعقيدة، لأنه لا يكفي، في استقامة العقيدة، أن لا يكون هناك دليل مانع من عمل معيّن، أو من كلماتٍ خاصةٍ، أو من طقوس متنوعة، بل لا بد من الإنفتاح على العناصر القرآنية للفكرة العقيدية، والأجواء المحيطة بها، والروحية المميزة المتحركة في طبيعتها، حتى لا تختلط مظاهر الاحترام بين ما يقدّم للخالق وما يقدّم للمخلوق، بقطع النظر عما إذا كان ذلك شركاً أو كفراً، أو لم يكن. ولا سيما إذا عرفنا أن الشعوب قد يقلّد بعضها بعضاً في الكثير من الطقوس والعادات في مظاهر الاحترام والتعظيم، مما قد يؤدي إلى التأثر الشعبي ببعض التقاليد الموجودة لدى بعض الشعوب غير الإسلامية التي قد تشتمل على العناصر الفكرية أو الروحية البعيدة عن فكر الإسلام وروحه.

إن هناك نوعاً من التوازن في الحدود النفسية للإرتباط الروحي بالأشخاص، من حيث الشكل أو المضمون، لا بد للمسلم من مراعاته من أجل الإحتفاظ بالأصالة الفكرية التوحيدية في خط الإنفتاح على الله بما لا يدعو به إلى غيره، لإبقاء الصفاء العقيدي في العمق الشعوري الروحي للإنسان المسلم، لأن ذلك هو السبيل الأمثل للاستقامة على الخط المستقيم، لأننا لا نريد أن نصل في استغراقنا العاطفي إلى لون من ألوان عبادة الشخصية في ما تتحرك به مشاعر العاطفة بعيداً عن رقابة العقل، الأمر الذي يدفعنا إلى أن نتحمل مسؤولياتنا في الساحة الفكرية، لنراقب طبيعة الأساليب الشعبية في ذلك كله؛ لنبقى من خلال المراقبة الدقيقة في مواقع التوازن الفكري والروحي في خط العقيدة"[20].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ إن التقاليد المتبعة لدى العوام من المسلمين في تعظيم الأنبياء والأولياء تتمثل في تقبيل ضريح النبي أو الإمام، ووضع الخد عليه، ومسحه باليد أو بالثوب، والدعاء عنده وطلب شفاء مريض، أو قضاء حاجة، والصلاة إلى الله قرب ذلك الضريح، وقراءة القرآن والأدعية المأثورة، والبكاء إلى الله والطلب والإبتهال إليه بأن يغفر ذنوبهم ويرحمهم، وقد يقام مجلس عزاء يذكر فيه ما جرى على أهل بيت النبوة (ع) في سبيل هذا الدين..

وقد يحدث أن يؤتى بالمريض ليكون إلى جانب ضريح الإمام(ع) ويتعلّق بالضريح أو يعلّقه أهله به، في عملية إلحاح شديد على الإمام ليكون واسطتهم إلى الله سبحانه ليشفي هذا المريض.

وهو يقصد ذلك كله ـ فيما يظهر ـ وذلك لقوله:

"لا يكفي في استقامة العقيدة أن لا يكون هناك دليل مانع من عمل معين أو كلمات خاصة أو من طقوس متنوعة ".

وقد اعترف هذا البعض نفسه بأن المسلمين يمارسون التوسل بالأنبياء والأولياء:

"من موقع التوجه إلى الله بأن يجعلهم الشفعاء لهم وأن يقضي حاجاتهم بحق هؤلاء فيما جعله لهم من حق، مع الوعي الدقيق للمسألة الفكرية في ذلك كله"[21].

واعترف أيضاً بأنه:

"إذا كان الله قادراً على أن يحقّق ذلك من خلالهم في حياتهم فهو القادر على أن يحقّق ذلك بعد مماتهم باسمهم، لأن القدرة في الحالين واحدة"[22].

ويقول:

"إن الذهنية العقيدية لدى المسلمين لا تحمل أي لون من ألوان الشرك بالمعنى العبادي"[23].

فما يعني أن يدّعي هذا البعض هنا:

"أن التقاليد المتّبعة لدى العوام من المسلمين في تعظيم الأنبياء والأولياء، وفي زيارة قبورهم، قد تتّخذ اتجاهاً خطيراً في خط الانحراف في التصور والممارسات".

2 ـ وقد يتذرع هذا البعض بأن هناك قلة جداً قد لا يصلون إلى الواحد بالألوف الكثيرة حينما يصلون إلى مقام النبي أو الإمام فإنهم يسجدون على الأعتاب.. وهذا سجود لغير الله سبحانه، وهو اتجاه خطير في التصور والممارسات.

ونقول له:

أولاً: إن كلامه لم يشر إلى هذه الحالة النادرة بل جاء ليتحدث عن تلك الأمور المتعارفة والشائعة التي أصبحت تقاليد متّبعة لدى العوام من المسلمين، على حدّ تعبيره. والشيء الذي لا يحصل إلا نادراً، ومن قبل قلة من الناس، لا يقال له: تقاليد متّبعة.

ثانياً: إن هؤلاء الذين يسجدون على الأعتاب إنما يسجدون لله شكراً له على ما وفقهم إليه من زيارة قبر وليه، ولا يسجدون لا للنبي ولا للولي، فما هو المحذور في ذلك؟

ثالثاً: إن هذا البعض نفسه يقرّ بأن الملائكة قد سجدوا لآدم وهم العباد المكرمون. واللافت أن هذا الأمر جاء امتثالاً لأمر مباشر صادر من الله سبحانه ولم يكن بمبادرة منهم. واعتبر ذلك تحية وإكراماً له.. فلماذا لا يجد في هذا السجود أيضاً معنى التحية والإكرام. بل إن هذا البعض قد أقرّ بأن يعقوب وهو نبي مرسل ـ وزوجته وأولاده قد سجدوا ليوسف، وقد رضي يوسف وهو نبي، بسجود إخوته وحتى بسجود أبويه له، رغم أنه مأمور بإكرامهما وبإعزازهما والبرّ بهما.

ويزيد الأمر حساسية أن هذا الأب الذي سجد لولده لم يزل يعيش ويعاني من الآلام والأحزان حتى ابيضت عيناه من الحزن على نفس هذا الولد، الذي وجده بعد أن فقده.. وإذا به يجد أن هذا الولد النبي ليس فقط لا يعترض على سجود إخوته له، بل هو لا يعترض حتى على سجوده هو له أيضاً.

ومن الواضح أن الأنبياء لا يقومون بأي عمل خصوصاً إذا كان من هذا القبيل إلا إذا عرفوا رضا الله سبحانه وتعالى به.

علماً بأن بعض العلماء يقولون: إن السجود عبادة بذاته.

نعم وقد أقر هذا البعض واعترف بأن السجود في قصة يعقوب ويوسف كان ليوسف مباشرة. وقد برّر ذلك بأنه من:

"التقليد المتّبع في احترام صاحب العرش الذي يملك السلطة..".

فليكن إذن هذا السجود لله على عتبة المقام سجوداً له، وقد أصبح تقليداً متبعاً.

فهو يقول:

"ربما نلاحظ أن الصورة الشكلية، في ما تعارف عليه الناس مـن طـقـوس فـي مظاهر العـبـادة، لا تـمـثل ـ بمجرّدهـا ـ معنى العبادة، بل لا بد من أن ينضم إليها الإستغراق في الذات التي يوجّه إليها الفعل المعيّـن، في ما يشبه حالة الذوبان الذي يفقد الإنسان معه الإحساس بإرادته أمامها، أو في الالتفات إلى وجوده معها. ولذلك لا بد من وجود حالةٍ نفسية في مستوى الانسحاق في انطباق مفهوم العبادة عليه. وهذا ما نستوحيه في مسألة أمر الله للملائكة ولإبليس بالسجود لآدم (ع)، باعتبار ما يمثله ذلك من معنى الاحترام الناشيء من الإيحاء بعظمة خلقه ـ كما هو أحد الاحتمالات في ذلك ـ فإن من الطبيعي أن الله لم يأمر بذلك بمعنى العبادة لآدم (ع) حتى على مستوى المظهر؛ لأن الله لا يرضى بعبادة غيره وإن كان من أقرب خلقه إليه. ولذلك، لم يكن ردّ فعل إبليس على المسألة اعتراضاً على منافاة ذلك للإخلاص لله وللإيمان بوحدانيته، بل اعتراضاً على أن يكون عنصر التراب أفضل من عنصر النار، بحيث لا يتناسب ذلك مع سجود المخلوق من النار، التي هي أقوى من التراب، للمخلوق من التراب، لأن السجود يمثل التعبير عن التعظيم، باعتبار أنه صاحب القيمة الفضلى والمستوى الأرفع.

وهكذا، فإننا لم نجد من الملائكة استغراباً للأمر، في ما يمكن أن يحمله، حسب هذا الفرض، من المنافاة للتوحيد في العبادة.

وهذا ما نستوحيه من سجود يعقوب (عليه السلام) وزوجته وأولاده ليوسف (عليه السلام)، وذلك قوله تعالى: {ورفع أبويه على العرش وخرُّوا له سُجداً} (يوسف:100) فإن الظاهر أن المراد منها هو سجود أبويه وإخوته له، لأنه قال ـ بعد ذلك ـ : {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً} (يوسف: 100 ) وكان، في ما قصّه على أبيه من رؤياه في بداية القصة، ما ذكره الله سبحانه: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيتُ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (يوسف: 4)، فهل يمكن أن يكون في سجود يعقوب (ع) وزوجته وأولاده لون من ألوان العبادة ليوسف عليه السلام الذي يعيش العبودية لله في أعلى مواقعها، كما عاشها أبوه عليه السلام في هذا المستوى؟

إن المسألة هي ـ في ما يبدو ـ مسألة التقليد المتّبع في احترام صاحب العرش، الذي يملك السلطة، في السجود له، تعبيراً عن الشعور بعظمته وعن التقدير لمقامه الرفيع.

وفي ضوء ذلك، لا بدّ من التدقيق في طبيعة الأشكال المتعارفة لدى الناس، التي تلتقي ـ بشكل أو بآخر ـ بالشكليات الطقوسية للعبادة، ودراسة خلفياتها الفكرية والروحية في شخصية مـن يمارسها، ومعرفة التقاليد الاجتماعية في مسألة الاحترام والتقدير، في ما تعتاده المجتمعات من طرق تعبير مختلفة، لنميّز بين ما يسيء إلى التوحيد في العبادة، عندما تكون الخلفيات مرتبطة بالإستغراق بالشخص أو الجهة، بحيث يفقد الإنسان الإحساس بوجوده معه، أو بحضور الله في علوّ موقعه في المعنى الإلهي التوحيدي فيه، وبين ما يسيء إلى التوحيد، لأنه ينطلق من حالة عُرفية تقليدية في ما هو الإحترام والحب والتعظيم، لكنها لا تغفل عن الإحساس بعظمة الله في مقام وحدانيته، في ما تمارسه من أعمالٍ وأقوال"[24].

إنتهى كلام هذا البعض.

وقفة قصيرة:

واللافت للنظر هنا:

أن عدداً من الروايات عن أهل بيت العصمة عليهم السلام تصرّح بأن سجود يعقوب(ع) إنما كان إعظاماً وشكراً لله سبحانه[25].

وفي نص آخر: عبادة لله[26].

وفي نص رابع: "إنما كان ذلك من يعقوب وولده طاعة لله وتحية ليوسف، كما كان السجود من الملائكة لآدم، ولم يكن لآدم، وإنما كان ذلك منهم طاعة لله وتحية لآدم، فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكراً لله لاجتماع شملهم" [27].

وبعدما تقدم نقول:

إن هذا البعض لم يلتفت إلى هذه الروايات، بل تجاهلها وحكم بأنهم إنما سجدوا ليوسف (ع) استجابة إلى تقاليد كانت شائعة عند الناس آنئذٍ.. رغم أن الروايات تؤكد أن السجود إنما هو لله سبحانه عبادة أو شكراً له، أو إعظاماً، أو طاعة لله، وتحية لآدم..

بل إن الرواية الأخيرة قد صرّحت بأن يوسف (عليه السلام) قد سجد معهم أيضاً..

فهل السجود على أعتاب مقامات الأنبياء والأئمة والأولياء إعظاماً أو شكراً، أو عبادة أو طاعة لله، أو حتى تحية للنبي أو الولي، بعد أن فعلته الملائكة والأنبياء قد يتّخذ اتجاهاً خطيراً في التصور والممارسات؟!

3 ـ ما معنى قوله:

"لا يكفي في استقامة العقيدة أن لا يكون هناك دليل مانع من عمل معين، أو من كلمات خاصة أو من طقوس متنوعةٍ، بل لا بد من الإنفتاح على العناصر القرآنية الفكرية العقيدية ".

ألف: فمن الذي قال لهذا البعض:

"إنه لا يكفي عدم وجود دليل مانع من عمل معين".

وما هو دليله على هذه المقولة، فإنها محض ادعاء يحتاج إلى دليل يوجب اليقين، ولا يكفي مطلق الحجة، كما قرره هذا البعض.

ب: إن الدليل على تلك الطقوس التي تزعج هذا البعض موجود، وهو مفيد لليقين.. فإن الدعاء والصلاة والإستشفاع، وقراءة القرآن، والبكاء إلى الله وطلب غفران الذنوب، وإقامة مجالس العزاء، والتبرّك بآثار الأنبياء والأولياء وزيارة قبورهم وتعظيمهم، كل ذلك قد دلّت الأدلة القطعية والمفيدة لليقين عليه.. بل وفوق اليقين.

وكذا السجود لله تعظيماً وشكراً، وعبادة له سبحانه في مقاماتهم..

بل وحتى لو كان السجود لهم تحيةً وتعظيماً وإكراماً فإن هذا البعض نفسه قد اعترف بأنه قد صدر مثله أيضاً عن الأنبياء والملائكة في السجود لآدم وليوسف (عليهما السلام).

فما بالك بما عدا السجود من طقوس ذكرناها أو ذكرنا القسم الأعظم والأهم منها مما يزعج هذا البعض ويثير حفيظته ويجهد للتشكيك بمشروعيته وتزيين عدم فعله للناس بمثل هذه الأساليب.

4 ـ ولا ندري ما المانع من أن "تختلط مظاهر الاحترام بين ما يقدّم للخالق، وما يقدّم للمخلوق". فإنه هو نفسه قد قرّر: أن نبي الله يعقوب(ع) قد سجد لنبي الله يوسف(ع). وكان يسجد أيضاً لله سبحانه.. فإذا جاز هذا الاختلاط في السجود الذي هو أجلى مظاهر التعبد، فإن الأمر يصبح بالنسبة لغيره من مظاهر الاحترام أيسر وأسهل. ما دام أنها لا ترقى في عباديتها لمستوى السجود.

ولا ندري أيضاً، ما المانع من أن يخاطب الله ويدعوه به بما يخاطب و يدعو به غيره.

فهل إذا قال: (يا رب أعطني ويا رب اغفر لي ذنبي واقبل توبتي والخ..)

وإذا قال لإنسان ما: أيها الإنسان الغني أعطني وحين يرتكب جرماً في حق أحد من الناس، فإنه يقول لذلك المجني عليه أو للقاضي اغفر ذنبي واقبل توبتي.

فهل يضرّ تشابه القولين بالصفاء العقيدي وفي العمق الشعوري للمسلم.

ويتأكد هذا الأمر حين يتضح: أن المسلمين يلتزمون خط التوحيد وأن ذهنيتهم لا تحمل أي لون من ألوان الشرك.

5 ـ وأما بالنسبة لتقليد الشعوب بعضها بعضاً، فإن الله سبحانه حين رضي من نبيه يعقوب(ع) أن يمارس السجود ليوسف(ع) كان يعرف أن الشعوب قد يقلّد بعضها بعضاً في الكثير من الطقوس والعادات.

6 ـ إن تقليد الشعوب لبعضها البعض.. واحتمال أن يؤدي ذلك إلى التأثر ببعض التقاليد غير الإسلامية لا يوجب تحريم الحلال، وإلا لزم أن يحكم هذا البعض حتى بتحريم ممارسة الصلاة إذا كان البعض قد يسيء فهمها، ويفسرها تفسيراً خاطئاً يجعله بعيداً عن خط الإيمان، ويثير فيه حالة العناد والعداء للدين وأهله.

7 ـ وأما التوازن الذي يدعي البعض:

"أنه لا بد للمسلم من مراعاته من أجل الإحتفاظ بالأصالة الفكرية التوحيدية.."

فإن الله سبحانه حين أمر الملائكة بالسجود لآدم ورضي بسجود يعقوب ليوسف عليهما السلام، كان يعرف هذا التوازن، ورأى أن السجود ليوسف(ع)، وأن التبرك بآثار الأنبياء والأولياء، والإستشفاع بهم وزيارة قبورهم ووضع الخد على القبر، وإقامة مجالس العزاء وطلب الحاجات من الله سبحانه بحق صاحب القبر، بل وطلبها من النبي والولي نفسه ليكونوا وسيلته إلى الله ـ مع علمه بأنهم أحياء يرزقون يرون مقامه، ويسمعون كلامه ويردّون سلامه وغير ذلك ـ إن ذلك كله يسير في خط التوازن، وهو الذي يرسّخ الأصالة التوحيدية ويحفظها ويرعاها.

 

823 ـ لا فائدة من مسك حديد قبر النبي (ص).

824 ـ الدعوة إلى تغيير الزيارات المرسومة.

ومع أن النبي (ص) كان إذا قصّ شعره، وزّع ذلك الشعر على أصحابه، وكان (ص) يؤتى بالأواني وفيها الماء ليضع يده الشريفة فيها كي يتبركوا بها، وكان عرقه يؤخذ ويجعل في القوارير، وكانت فاطمة تتبرّك بتراب قبر حمزة عليه السلام، فجعلت منه مسبحة لها.. إضافة إلى أن الصحابة كانوا يأخذون تراب قبر النبي (ص) للبركة إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه، وقد جمع حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي الأحمدي كتابا ضخما أسماه: التبرك ( تبرك الصحابة والتابعين بآثار الأنبياء والصالحين)، أورد فيه مئات النصوص الدالّة على ذلك..

نعم.. مع ذلك نجد البعض يتحدث عن فائدة التبرك بقبر النبي الأعظم(ص) فيقول:

"ما الفائدة التي نستفيدها من أن نمسك الشباك، أو نمسك الحديد.. فكما قلنا هذا ليس حراما، كما يقول الآخرون، وليس ضروريا، فيمكن ترك ذلك"[28].

ويقول:

"ليس من الضروري أن يذهب إلى قرب الضريح ولا يعني إن مسك الضريح، أنه يمسك جسد النبي، يكفي الزيارة من المسجد، وأن يتصور الإنسان حياته.

وبهذا يمكن أن يحصل على ثواب الزيارة، مع الإبتعاد عن القبر، وعن الزحام، وربما تكون الزيارة أكثر ثوابا وأجرا"[29].

ثم هو يدعو إلى تغيير الزيارات المرسومة، فيقول:

"قد ينبغي لنا أن نفكّر بالعمل على تجديد الزيارات المرسومة للنبي محمد(ص)، أو للأئمة من أهل البيت (ع) باعتبار حاجة المرحلة المعاصرة إلى تربية الأمة على المفاهيم الإسلامية التي تفرضها حاجة الحركة الإسلامية العالمية"[30].

ونقول:

لو سلمنا الحاجة إلى تربية الأمة على المفاهيم التي تفرضها الحاجة في هذه المرحلة، فما الداعي إلى إلغاء الزيارات المرسومة التي تمثل ثوابت المذهب وتتحدث عنها..

 

825 ـ التعبد لقبر النبي والولي وتمثال المسيح(ع).

826 ـ صنمية لا شعورية للشخصيات المقدسة.

827 ـ تعليق صورة علي (ع) صنمية.

828 ـ قدّمنا للناس أشكالا اعتبرناها طقوسا ومقدسات.

829 ـ لا يخطر في بال أحد “الرحلة” في أجواء صاحب القبر.

830 ـ تجميد الشخصية المقدسة في القبر أو التمثال.

ويقول:

"الإنسان وهو يحدق بالصورة قد ينسى حتى الإيحاءات التي يراد للصورة أن تنقلها، أو حتى أنه ينسى كل القيم التي يعبر عنها صاحب الصورة، أو كما هي الحال في تماثيل تمثيل السيد المسيح(ع)، أو زيارة قبور الأنبياء والأولياء فيما هي التجربة مشتركة بين الإسلام والمسيحية".

"فإنك حين ترصد وعي هؤلاء الناس للصورة، للتمثال، فإنك لا تجد في الغالب أن هناك وعيا للآفاق التي يمثلها صاحب الصورة أو التمثال، فنجد أن الناس تتجه إلى القبر (قبر النبي أو الولي) لتقبل الضريح، لتتمسّك به لتخاطب صاحب القبر بطريقة مادية لتتصوره وجودا ماديا تخاطبه، من دون أن يخطر في بال أحد البدء برحلة في أجواء صاحب التمثال أو صاحب القبر.

إن هذا يمثل نوعا من تجميد الشخصية المقدسة أو الشخصية المعظمة في هذا التمثال أو في القبر بحيث يتعبد الناس لا شعوريا للتمثال، فحين يجلسون أمام تمثال السيدة مريم (ع) أو تمثال السيد المسيح (ع) أو حين يجلسون أمام قبر نبي أو ولي أو إمام، فإننا نجد العنصر المادي هو الطاغي، تماما كما لو أنهم يتعبدون.

لذلك أنا أتصوّر أن هناك نوعا من الصنمية اللاشعورية الموجودة لدى المؤمنين من مسلمين ومسيحيين للشخصيات التي يقدسونها من خلال هذه الأشكال التي قدمناها إليهم، واعتبرناها طقوسا ومقدسات، بحيث ينتقل الإنسان عن القيمة الدينية أمام الصورة المادية.

وحتى مسألة تعليق الإنسان في صدره أيقونة، حتى أن بعضهم يعلق صورة السيد المسيح، أو العذراء، ونجد عندنا من يعلق صورة الإمام علي، أو صورة الإمام الخميني، أو صورة بعض الشخصيات"[31].

إنه يقول هذا، مع أننا ـ نحن شيعة أهل البيت ـ لم نزل طيلة مئات السنين نزور قبر النبي (ص)، والأئمّة (ع)، وقبور الأولياء والعلماء والصلحاء.. كما أن معظم المسلمين يزورون قبر النبي (ص) والأولياء عندهم، ولم يصبح أحد عابدا لأحد منهم، ولا أحسسنا بهذه المعاني التي نسبها إلى من يزور قبور النبي (ص) والأئمة عليهم السلام.

أضف إلى ذلك: أنه لا يصح قياس المسلمين بالمسيحيين، فإن المسيحيين يعيشون حالة العبادة الشعورية.. أما المسلمون، فلا يعيشون حالة الصنمية أصلا، بل هم يمتثلون أمر الله سبحانه، وما شرعه من علاقة عاطفية تجاه أنبيائه وأوليائه وأصفيائه، وخيرته من خلقه.

واللافت للنظر جداً أن هذا البعض لا يأبى عن اتخاذ عشرات، بل مئات الوضعيات لتلتقط له آلآف الصور الملونة، وتنشر في أرجاء المعمورة؛ ليعلقها الناس على جدران بيوتهم، وفي أماكن عملهم وسياراتهم، بل وفي علاقات مفاتيحهم وفي.. وفي.. ولم نسمع منه يوماً نهياً لأتباعه هؤلاء عن مثل هذا، ولا حذرهم من أن يغرقوا في مادة الصورة ليغيبوا عن القيمة الدينية التي يطلبون!!.


الفصل الثاني
حسيـنيـّات

 

وفيما يلي من صفحات لمحة من كلام البعض حول شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) وما يرتبط به من الشعائر والعبادات:

 

831 ـ الإلتفات إلى الجانب الإنساني دون الرسالي في قضية الحسين (ع) تخلّف.

832 ـ تمثيل عاشوراء صنمية.

سُئِلَ البعض عن الإجتماعات وتمثيل واقعة عاشوراء، فكان له جواب مميز(!!) وذلك كما يلي:

"س: .. الإجتماعات والتماثيل ؟!

ج: هذه صنمية. نحن الآن ليس عندنا شغل بالإمام الحسين (ع) بصفته الشخصية، كما أنه هناك جماعة يؤلّهون الإمام علي (ع)، هل نحن يعني نقبل منهم ؟. نلعنهم.."

إلى أن قال:

"نحن نخاطب الحسين من خلال دوره الرسالي، و من خلال ممارسته الشخصية للخط الرسالي الذي يدعو إليه، فإذن لا يمكن لنا أن نغير صورة الحسين (ع) ونجعله مجرد شخص لا يوحي لنا إلا بالبكاء، ولا يوحي لنا إلا باللطم. لا، إنما يوحي لنا بالحركة في سبيل الإسلام، وبالحركة في سبيل تغيير أنفسنا، الواقع قضية الحسين هو هذا.. وهذا الموجود عندنا من الإستغراق في قضية الحسين (ع) بعيدا عن الجانب الرسالي، إنما هو تخلف. هذا ناشئ من انه أخذنا يعني الكثير من خصائص التخلف وغرقنا فيها، ولا زلنا غارقين فيها"[32].

ثمّ يذكر أن عنصر المأساة يجب أن يبقى. فنبكي على الحسين حتى تبقى قضية الحسين خالدة.

فيلاحظ: أنه يعتبر تمثيل قضية عاشوراء صنمية مع أنه كان قد دعا إلى تمثيل عاشوراء في مسرحية وقد أعلن ذلك في مقابلة أجرتها معه جريدة السفير في عشرة محرم سنة 1417هـ [33].

وهو يعتبر أن الالتفات إلى الجانب الإنساني من قضية الإمام الحسين (ع) مع غض النظر عن الجانب الرسالي منها تخلف ثم هو يركز على الجانب الرسالي، بعيداً عن صفته الشخصية، وتجد الكثير من تصريحاته المشيرة إلى ذلك، فلنقرأ معا النص التالي أيضا..

 

833 ـ ذاتيات الحسين (ع) في زيارة وارث.

834 ـ التوجه إلى الله مباشرة، لا إلى الحسين (ع).

وفي شرح زيارة الإمام الحسين عليه السلام، أعني (زيارة وارث).

نجده يقول:

إنه لم يحدثنا عن أية ذاتية من ذاتيات الحسين (ع) وذاتية الحسين تمثل الكمال، ولكنه حدثنا عن عبودية الحسين لله سبحانه تعالى، لذلك فإن الله يريدنا ألا نتوجه إلى الناس مباشرة بل أن نتوجه إلى الله مباشرة[34].

1ً ـ إن هذا البعض يقول هذا مع أن الزيارة تشير إلى بعض ذاتيات الإمام عليه السلام أيضا، فقد جاء فيها: أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها[35].

أليس هذا حديثا عن ذاتيات الحسين عليه السلام ؟!..

2ً ـ ألا يريد الله منا: أن نستشفع إليه بأنبيائه، وأوليائه.. فما معنى نفي التوجه إلى الناس مباشرة؟!..

 

835 ـ زيارة الناحية المقدسة للامام الحسين (ع) موضوعة.

836 ـ ذيل زيارة عاشوراء موضوع أيضاً.

ويقول البعض في سؤال وجواب جاء على النحو التالي:

س: في الزيارة المعروفة (وخرجن ناشرات الشعور لاطمات الخدود) فكيف يمكن لبنات الرسالة أن يخرجن ناشرات الشعور؟

"ج: أولا: إن هذا المقطع هو من (زيارة الناحية) وهي زيارة موضوعة من قبل بعض العلماء لم يثبت – لدينا – صدورها عن الإمام الحجة (ع) فلم يثبت سندها عنه، ولذلك فهي زيارة مفجعة تثير الشعور، ولكنها لا تمثل كلام الإمام خصوصا وأن مسألة خروجهن ناشرات الشعور شيء لا يمكن تصديقه في هذه القصة، وإنما ذكرت إثارة للجو بلسان الحال، أي أنهن لولا وجـود الـرجـال الأجانب لنشرن شعورهن."[36].

وقد حكم أيضا على ذيل زيارة عاشوراء بأنه غير ثابت، فقد سئل عن الأدعية والزيارات التي ثبتت مصادرها عن الأئمة الأطهار (ع) فقال في الجواب:

"هناك زيارة وارث وزيارة أمين الله وهكذا زيارة عاشوراء بدون ذيلها... الذي قد يرى العلماء أنه من الزيادات الخ.."

ونقول:

إن المبادرة إلى الحكم القاطع على زيارة الناحية بأنها موضوعة من قبل بعض العلماء، في غير محله. وذلك للأسباب التالية:

1ً ـ إن هذا البعض تارة يقول هي موضوعة، ثم يلحق ذلك مباشرة بقوله:

(لم يثبت لدينا صدورها عن الإمام الحجة).

ومن المعلوم أن عدم ثبوت ذلك عنده لا يبرر الحكم القاطع عليها بأنها موضوعة من قبل بعض العلماء..

2ً ـ إن الفقرة التي هي مورد السؤال قد وردت في الزيارة المنقولة عن الشريف المرتضى رحمه الله[37]، وهي التي قال المجلسي عنها:

)والظاهر أن الزيارة من مؤلفات السيد والمفيد رحمهما الله. ولعله وصل إليهما خبر في كيفية الصلاة، فان الاختراع فيها غير جائز)[38].

وقال أيضا:

الظاهر أنه من تأليف السيد المرتضى رضي الله عنه، قال في مصباح الزائر زيارة بألفاظ شافية، يذكر فيها بعض مصائب يوم الطف يزار بها الحسين صلوات الله عليه، زار بها المرتضى علم الهدى رضوان الله عليه، وسأذكرها على الوصف الذي أشار هو إليه[39].

ولكن عاد المجلسي رحمه الله، وذكر نصا آخر للزيارة يختلف عن النص الذي أورده السيد المرتضى، وقد ذكرت الفقرة السابقة فيها أيضا.. ولكنه استظهر منها أنها زيارة مروية وليست من تأليف أحد.. ثم احتمل أن يكون المرتضى قد أخذ هذه الرواية ثم زاد عليها ما شفى غليل صدره، وأبان فيه عن مكنون سره.. واحتمل أيضا أن تكون رواية أخرى له خاصة به..

وإليك نص عبارة المجلسي رحمه الله:

".. أقول: قال مؤلف (المزار الكبير) زيارة أخرى في يوم عاشوراء مما خرج من الناحية إلى أحد الأبواب، قال: تقف عليه وتقول:السلام على آدم صفوة الله وخليفته، وساق الزيارة إلى آخرها مثل ما مر"[40].

فظهر أن هذه الزيارة منقولة مروية، ويحتمل أن لا تكون مختصة بيوم عاشوراء، كما فعله السيد المرتضى.

وأما الاختلاف الواقع بين تلك الزيارة وبين ما نسب إلى السيد المرتضى، فلعله مبني على اختلاف الروايات.

والأظهر أن السيد أخذ هذه الزيارة، وأضاف إليها من قبل نفسه ما أضاف[41].

3ً ـ وأما بالنسبة لاستبعاد أن تكون النساء قد خرجن من الخدور ناشرات الشعور، كما ورد في زيارة الناحية والتشكيك في الزيارة استنادا إلى ذلك، فلا يصلح أساسا للتشكيك، وذلك لأن ظروف الحروب الضارية ربما توجد حالة من الذعر والإندهاش، تؤدي بالنساء أن يخرجن على حالة لا يخرجن عليها في الظروف العادية. والنساء اللواتي حضرن كربلاء من مختلف القبائل العربية، وقد يكون فيهن نساء يسرع إليهن الخوف، ونساء أكثر صلابةً وثباتا، فلم يكن كل من حضر من النساء في كربلاء في مستوى زينب عليها السلام من حيث المعرفة والصلابة والثبات.

وبعد كل ما تقدم فإننا لا نستطيع قبول هذا الحكم القاطع من ذلك البعض على هذه الزيارة بالوضع. ونظير هذا كلامه على (ذيل) زيارة عاشوراء بعد ثبوته عن الأئمة عليهم السلام من دون مبرر ظاهر. وكيف يثبت لديه أول الزيارة ولم يثبت لديه ذيلها مع أن الذي أثبتها هو سند واحد ثبت به فقرات هذه الزيارة جميعا!!.

 

837 ـ من الأساليب الشائعة في قراءة العزاء: أن الحسين(ع) فدى بنفسه ذنوب شيعته.

838 ـ ذنوب الشيعة مغفورة بشكل مباشر كما في التفكير المسيحي.

839 ـ ذنوب الشيعة مغفورة بشفاعة الحسين من خلال استشهاده.

840 ـ الشفاعة من خلال الشهادة أسلوب بعيد عن التفكير الإسلامي.

يقول البعض:

".. ثم ما معنى أن يتحمل شخص العذاب والآلام ليفدي بذلك خطايا البشرية القليلة والكثيرة إذ لا نعقل معنى لاستيفاء الحق بذلك.. فان الفكرة الطبيعية المعقولة هي أن يتحمل الإنسان مسئولية خطأه فيجني ثمارها بنفسه وهذا هو ما ركزه القرآن في قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعام 164).

وبهذه المناسبة نحب أن نشير إلى أن مثل هذه الفكرة ـ وهي فكرة التكفير عـن خطايا الآخرين بالآلام التي يتحملها شخص مـعين عظيم يقف ليفدي الناس بذلك ـ قد انتقلت إلى بعض الأساليب الشائعة في عرض قضية الإمام الحسين في ثورته واستشهاده.. فان بعض القارئين للسيرة يحاولون أن يذكروا أن الحسين فدى بنفسه ذنوب شيعته وخطاياهم مما يقتضي غفران تلك الذنوب بتضحيته إما بشكل مباشر، كما في التفكير المسيحي.. أو بشكل غير مباشر باعتبار أنه يشفع لهم من خلال هذه الشهادة.. إننا نحب أن نسجل ابتعاد هذه الأساليب عن التفكير الإسلامي وعن الطابع الإسلامي للثورة الحسينية التي انطلقت من اجل إقامة الحق وإزهاق الباطل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعيدا عن أي حالة فداء لذنوب الآخرين، بل هو الفداء والتضحية للحق وفي سبيل الله"[42].

وقفة قصيرة:

1 ـ ليت هذا البعض قد ذكر لنا مَن مِن قراء السيرة الحسينية يقول: إن الحسين باستشهاده فدى بنفسه ذنوب الشيعة بشكل مباشر كما في التفكير المسيحي؟ أو حتى بشكل غير مباشر كما يذكر هذا الرجل؟

فنحن طيلة عمرنا لم نقرأ ولم نسمع بهذه المقولة من أحد من الناس، من علماء، أو قراء عزاء، أو غيرهم، إلا ما ينقلونه عن اعتقاد المسيحيين بذلك فيما يتعلق بالمسيح عليه السلام.

فكيف أصبح هذا من الأساليب الشائعة في عرض قضية الإمام الحسين (ع) ونحن لا نجد أحدا يذكر هذا أصلا؟!

2 ـ أما غفران ذنوب الشيعة بشفاعة الإمام الحسين عليه السلام، فما هو المحذور في ذلك، إذا كانت أوصاف الشيعة الذين تنالهم الشفاعة تنطبق عليهم.

وقد وردت هذه الأوصاف في أحاديث أهل البيت عليهم السلام، وهي أمور يحسن بكل موال ومحب، بل وبكل عاقل أن يقرأها ويتمعن فيها ويتحرى سبيل الاتصاف بها، ليجد أن شفاعة الإمام الحسين لمن يتحلى بهذه الأوصاف ليست أمراً مستغرباً، بل هي محض الإنصاف ومنتهى العدل والفصل، فراجع كتاب صفات الشيعة للشيخ الصدوق رحمه الله تعالى[43].

 

841 ـ الإضراب عن الطعام حتى الموت قد يجوز، واللطم في عاشوراء إضرار بالنفس لا يجوز.

842 ـ الإضراب المضر يجوز إذا حقق مشروعاً عاماً ولا يجوز اللطم العنيف في عاشوراء لأنه مضر.

843 ـ الإضراب الانتحاري عن الطعام إذا حفظ الواقع العام فهو جهاد ـ لكن التطبير على الحسين حرام.

844 ـ ضرب الرأس في عاشوراء تخلف.

845 ـ ضرب الظهور بالسلاسل تخلّف.

846 ـ اللطم إذا لم يكن هادئاً، عاقلاً حزيناً نوع من التخلف.

847 ـ ضرب الظهور بالسلاسل حرام لأنه إضرار بالنفس.

848 ـ كل ما فيه إضرار بالنفس في عاشوراء حرام.

سئل البعض:

ـ من أساليب الاحتجاج كتعبير عن المعارضة على الظلم هو الإضراب عن الطعام، فهل الشرع يجيز هذا العمل، لا سيما إذا كان يجرّ إلى التهلكة كالموت مثلاً؟

فأجاب:

"الأصل في الشرع الإسلامي أن لا يضر الإنسان نفسه ـ إذ يحرم إضرار الإنسان بنفسه لا سيما إذا كان الضرر بالغاً، والأصل أن لا يلقي الإنسان بيده إلى التهلكة لأن الله لم يرخّص له ذلك، فأنت لا تملك حياتك لتملك الحرية في إنهاء حياتك. وربما تفرض المصلحة الإسلامية العليا أن تضرب عـن الطعام لأن ذلك يمكن أن يحقق مشروعاً عاماً حيوياً يمنح الناس الكثير من النتائج الإيجابية في حياتهم، فقد يجوز ذلك إذا كان لهذا المشروع من الأهمية ما يغلب المفسدة التي تحصل من الإضرار بالنفس.

أمّا الإضرار الذي يؤدي إلى التهلكة فلا نملك أساساً شرعياً، فيما نواجهه من حالات الاحتجاج، ما يمكن أن نرخص به الآخرين.

وأما في المطلق، أي إذا وصلت القضية إلى حد إما أن يسقط الواقع كله أو أن يضرب الإنسان عن طعام إضراباً انتحارياً ـ إذا صح التعبير ـ فذلك يكون نوعاً من أنواع الجهاد، لأن الجهاد قد يجعلك تضحي بنفسك في ساحة المعركة السياسية. ولا بد في هذا من أن يحدده أهل الخبرة الذين يعون طبيعة التحرك والنتائج الإيجابية أو السلبية المترتبة عليه من جراء التحدي"[44].

ويقول:

"لذلك نحن نريد أن نتخفف من كل هذه التركة الثقيلة التي انطلقت من خلال عصور التخلف.

وأنا أصرّ من موقع فقهي، فكري، إسلامي مسؤول، ولو شتمني الشاتمون، ولو اتهمني المتهمون؛ لأن المسألة هي مسألة حركتنا الإسلامية في العالم، وقضية إشراقة الإسلام في العالم:

إن ضرب الرأس بالسيف تخلّف.

إن ضرب الظهور بالسلاسل تخلّف.

وإن اللطم ـ إذا لم يكن هادئاً، عاقلاً حزيناً هو نوع من أنواع التخلّف.

فللحزن تعبيره العقلاني، الذي لا يمثل مجرّد حالة استعراضية، وإنما هي الحالة التي تملك تعبيراً عن الحزن الخ.."[45].

ويقول:

"الشيخ الأنصاري وجماعة من العلماء يقولون: إن الإضرار بالنفس محرم، حتى لو لم يؤد إلى التهلكة، كما لو جرح الإنسان يده. وهكذا يندرج تحت هذا العنوان ـ أي حرمة الإضرار ـ التطبير، وضرب الظهور بالسلاسل، الذي يؤدي إلى الإدماء، أو ما يشبهه"[46].

ويقول:

"لو خرجت وأنت في حالة تعرُّق ولفحك الهواء البارد، فأصبت بالحمى، فحتى لو شفيت بعد يومين فهذا حرام، لأنه تعريض النفس للضرر، والإضرار بالنفس ظلم للنفس، وظلم النفس محرم {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} (النحل /118). وعلى هذا الأساس، فنحن نقول: بأنه يمكن للإنسان أن يلطم بحسب ولائه، وبحسب محبته، لكن بشرط أن لا يكون اللطم مضراً بالجسد، بحيث يدمي الجسد، أو انه يصيب رئة الإنسان، أو ما أشبه ذلك."[47].

وقفة قصيرة:

ونقول:

إن هذا البعض يرى أن اللطم إذا لم يكن هادئاً تخلّف، وأن ضرب الظهر بالسلاسل والرأس بالسيف تخلّف. ويحرم ذلك كله باعتباره إضراراً بالنفس.

ولكنه هنا يجيز الإضراب عن الطعام في مواجهة الظلم، من أجل المصلحة الإسلامية العليا، حيث يمكن أن يحقق ذلك مشروعاً عاماً يمنح الناس الكثير من النتائج الإيجابية في حياتهم..

بل هو يجيز الإضراب عن الطعام إضراباً انتحارياً يؤدي إلى التهلكة ـ إذا كان ذلك يحفظ الواقع كله من السقوط، ويعتبره نوعاً من الجهاد، رغم أنه لا توجد معركة عسكرية ـ، لأن الجهاد قد يجعلك تضحي بنفسك في ساحة المعركة السياسية..

فهل لا يرى هذا البعض: أن مراسم كربلاء، وعاشوراء الإمام الحسين، واللطم، بل والتطبير في هذه المناسبة، يمكن أن يمنح الناس الكثير من النتائج الإيجابية في حياتهم؟! و أليس في ذلك مصلحة تغلب مفسدة الإضرار بالنفس؟!

بل هو يرى ـ فقط ـ فيه الناحية السلبية، من حيث إنه يضر بجسد الفرد، ويلحق به بعض الأذى بحسب زعمه..

جوّز الانتحار أو الإضراب عن الطعام فقط في ساحة المعركة السياسية لحفظ الواقع السياسي، ويا ليته قد جوز اللطم العنيف وأخرجه عن دائرة التخلف في ساحة الدعوة إلى الله، وإقامة الشعائر لحفظ الواقع الإيماني والديني للناس؟!.

 

849 ـ التشنيع على اللطم في عزاء الحسين (ع)

ويقول البعض:

"هل نفكر أيها الأحبة كيف نضرب رقاب العدو، وكيف نضرب رؤوس الأعداء بالمقدار الذي نفكر فيه كيف نضرب رؤوسنا وبأيدينا؟ أي همّ هو الهمّ الكبير عندنا؟"

"القوم يتسلحون، وأمريكا تعطيهم أقوى السلاح ليضربوننا ويقتلوننا (كذا) ونحن نتناقش: كيف لنا أن نضرب رؤوسنا، ونجلد ظهورنا، ونظل نلعن بعضنا بعضا؟ والعدو يصب علينا كل لعنات التاريخ.. من كان صغيرا بهذا الحجم، فليس من شأنه أن يتحدث عن الكبار.."[48].

 

850 ـ الإحتفال بشرب الخمر في عاشوراء.

ثم إن هذا البعض يقول:

"ثمّة أناس في العراق يحتفلون في عاشوراء بشرب الخمر، فأي حزن على الحسين عندما يصبح الإنسان في غيبوبة. لقد كان البعض يشرب الخمر ليلة العاشر من المحرم من أجل الإحماء"[49].

ولكنه اعتذر عن هذا الكلام في أجوبته على الشيخ التبريزي بأنه لم يقصد الشيعة في كلامه، واليك نص عبارته:

"لم أقصد الشيعة في كلامي الذي حرّفه المحرّفون، بل قصدت بعض الناس في شمال العراق من غير الشيعة، من أهل الفرق الباطلة، وعلى هذا فان حساب هذا المحرف على ربّه يوم القيامة؛ لأني ذكرت في العدد الثاني من منبر السبت: أن الشيعة لم يقوموا بذلك، وأن لهم الأثر الكبير في تخليد قضية الحسين(ع) في العراق".

ونقول:

إن كلام هذا البعض مذكور في (منبر السبت) بتاريخ 20 حزيران 1996م. بعين العبارة، ولم نجد فرقا بينها وبين نقل السائل.

ونقول: كيف يصح هذا الإعتذار مع أن عبارة (من أجل الإحماء) إنما تنطبق على خصوص الشيعة.

ومن جهة أخرى: إن كلام هذا البعض مذكور في (منبر السبت) بتاريخ 20/ حزيران/ 1996 بعين العبارة ولم نجد فرقا بينها وبين نقل السائل. غير أننا رجعنا إلى كلامه في (منبر السبت)، العدد الثاني، الموجود أيضا بصورة معدلة في العدد الثاني من (رؤى ومواقف) ص 118، فوجدناه يذكر أن هؤلاء الناس ربما لا يتبعون التشيع بالمعنى الصحيح، وذكر أيضا: الحديث جاء عن مناطق تسيء إلى التشيع في عاشوراء، وذلك يعني: أن مقصوده هو الشيعة الذين ليس لديهم التزام ديني.. وعبارته في (منبر السبت) العدد الثاني هي التالية:

".. قلت: إنه في بعض المواقع في العراق ومما يناسب القرى التي لها وضع خاص، وفيها الكثير من الانحراف العقيدي، فإن الناس هناك يعيشون هـذا الـجـوّ، وربـمـا هم لا يتبعون التشيع بالمعنى الصحيح،.. ونحن نعرف أن العراقيين استطاعوا أن يجسّدوا شعائر أهل البيت (ع)، ويجسّدوا روحيّة أهل البيت (ع). وأعتقد أن الجوّ الذي انطلقت فيه مآتم أهل البيت (ع)، ومواكب أهل البيـت (ع) هي التي حفظت الإسلام، في كثير من مواقعه.

أنا لم أقل هذا عن النجف أو كربلاء، أو الكاظمية، إنّما جاء الحديث عن مناطق تسيء إلى التشيع في عاشوراء"[50].

وأما عبارته التي نقلها السائل عن (منبر السبت)، فهي موجودة في العدد الصادر بتاريخ 20 حزيران 1996 بعين العبارة التي ذكرناها، ولم يحرفها أحد كما ذكرنا، أما ما ذكره بعد ذلك، فهو لا يصلح تفسيرا لعبارته الآنفة الذكر، لأن غير الشيعة من أهل الفرق الباطلة لا يعنيهم الحزن على الحسين في عاشوراء ؛ ليقال: أي حزن على الحسين عندما يصبح الإنسان في غيبوبة؟.

وسيأتي كلامه عن الشهادة لعلي (ع) بالولاية في الإقامة للصلاة،وكلامه حول التكتف، وقول (آمين) في الصلاة في قسم الفتاوي والآراء الفقهية؛ فانتظر..


الفصل الثالث
بعض الحديث عن العصمة

 

بـدايـة:

لقد أصبحت مقولات هذا البعض حول عصمة الأنبياء ومقاماتهم كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار.. وهي على درجة كبيرة من الكثرة والتنوع، بحيث يصعب جدا الجمع بين أطرافها.. وقد ذكرنا شطراً كبيراً مما يبين موقفه من هذا الأمر بصورة جلية وواضحة، وبقي الكثير الكثير مما لم نذكره مما لا يمكن استقصاؤه.

وكما كان رأينا في فصول الكتاب سوف نفعل هنا، بأن نقدم للقارئ الكريم طائفة من مقولاته حول هذه الموضوعات فنذكر منها ما يلي:

 

851 ـ يمكن أن يخطيء النبي في تبليغ آية ثم يصحح بعد ذلك.

852 ـ يمكن أن ينسى النبي آية ثم يصحح.

853 ـ النزوات الشخصية تدفع النبي إلى الفعل.

854 ـ لابد من أدلة أخرى على العصمة، ولا يكفي الموجود.

855 ـ آدم انحرف عن الخط الرسالي، أو الإصلاحي، أو التقوائي، ثم تراجع لمصلحة المبدأ.

856 ـ فعل آدم لا تعبير ولا دلالة عن الفكرة بخلاف القول.

لقد قرر العلامة الطباطبائي رحمه الله: العصمة عن الخطأ في تلقي الوحي وتبليغ الرسالة استنادا إلى قوله تعالى: {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}.

فناقشه البعض بقوله:

"ونلاحظ على ذلك: أن ما ذكره لا يلازم ما ذكره من العصمة عن الخطأ في التبليغ، فإن هداية الناس إلى حق الإعتقاد، وحق العمل، كما أن الحديث عن (أن الله إذا أراد شيئا فإنما يريده من طريقه الموصل إليه من غير خطأ، وإذا سلك بفعل إلى غاية فلا يضل في سلوكه) لا يقتضي إلا أن يصل الوحي إلى الناس ـ لهدايتهم ـ كاملاً غير منقوص. وهذا ما يؤكد وصوله عن طريقه من غير خطأ.

ولا ملازمة بين ذلك، وبين العصمة، فإن من الممكن من الناحية التجريدية أن يخطئ النبي في تبليغ آية أو ينساها في وقت معين، ليصحح ذلك، ويصوّبه بعد ذلك، لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة"[51].

"وإذا قيل: إن احتمال الخطأ والنسيان إذا كان وارداً في الحالة الأولى، فهو موجود في الحالة الثانية، مما يؤدي إلى فقدان الأساس الذي يحصل من خلاله الإيمان بواقع الآية في الوحي المنزل، فلا يصير الإنسان إلى يقين بذلك!!

فإن الجواب هو: من الممكن تقديم القرائن القطعية في الحالة الثانية التي تؤدي إلى اليقين، تماما كما قيل في مسألة سهو النبي ـ في رأي الشيخ الصدوق ـ على أساس بعض الروايات التي أوضح النبي فيها القضية من دون لبس، بالطريقة التي اقتنع فيها الناس بأن المسألة كانت سهوا ـ كأي سهو آخر مما يحدث للناس ـ لو صحت الرواية.

إن قضية الغرض الإلهي في وصول الوحي إلى الناس، لا يستلزم إلا الوصول في نهاية المطاف من غير خطأ، ولكن لا مانع من حدوث بعض الحالات التي يقع فيها الخطأ، لا ليستمر، بل لينقلب إلى صواب تؤكده القرائن القطعية التي توحي بالحقيقة في وجدان الإنسان.

ويتابع العلامة الطباطبائي حديثه في العصمة ليشمل ـ في استيفاء هذه الآية مع آية ثانية ـ العصمة عن المعصية في العمل فيقول:

 يمكن تتميم دلالتهما على العصمة من المعصية أيضا بأن الفعل دال كالقول عند العقلاء، فالفاعل لفعل يدل بفعله على أنه يراه حسنا جائزا كما لو قال: إن الفعل الفلاني حسن جائز، فلو تحققت معصية من النبي وهو يأمر بخلافها لكان ذلك تناقضا منه، فإن فعله يناقض حينئذ قوله، فيكون حينئذ مبلغا لكلا المتناقضين، وليس تبليغ المتناقضين بتبليغ للحق، فإن المخبر بالمتناقضين لم يخبر بالحق لكون كل منهما مبطلا للآخر، فعصمة النبي في تبليغ رسالته لا تتم إلا مع عصمته عن المعصية وصونه عن المخالفة كما لا يخفى.

ونلاحظ على ذلك، أن ما ذكره من دلالة الفعل على نهج دلالة القول صحيح ـ من ناحية المبدأ ـ وذلك في الحالة العادية الطبيعية للتعبير الإنساني بواسطة النقل، ولكن قد ينطلق الفعل من الإنسان على أساس الواقع العملي الذي قد يتحرك فيه من خلال أوضاعه الشخصية الخاضعة لبعض النزوات الطارئة بفعل الضغوط الداخلية أو الخارجية الحسية والمعنوية، فيتراجع عنها لمصلحة المبدأ الذي كان قد بينه للناس من موقع الوحي أو نحوه، تماما كما هي الحالة الجارية في سلوك المصلحين والرساليين ـ حتى الأتقياء منهم ـ في انحراف خطواتهم العملية عن الخط الرسالي أو الإصلاحي أو التقوائي بشكل طارئ، لا يتحول إلى إصرار، على هدى ما جاء في قوله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} (الأعراف: 201).

أو على ما حدثنا الله به عن آدم عليه السلام في معصيته، ولو كان ذلك على طريقة عصيان الأمر الإرشادي، ثم توبته بعد ذلك، فإن مثل هذا لا يوحي بالتناقض، لأن الفعل لم يتحرك في أجواء الدلالة التعبيرية عن الفكرة التي عبر عنها القول، لأن مقامه ليس هذا المقام.

وفي هذه الحال ليست هناك طريقة عقلائية في موضوع الدلالة.

إننا نتصور أن هذا الأسلوب الإستدلالي في تقرير العصمة في القول والفعل لا يملك القوة في الإستدلال من خلال المناقشات المذكورة وغيرها، فلا بد من اللجوء إلى أدلة أخرى قد يكتشف الإنسان فيها أن النبوة حدث غير عادي في معنى الرسالة، لأنها حركة إلهية في هداية البشرية إلى الله، وتغيير الحياة على صورة أخلاق الله، مما يفرض إنسانا يعيش الرسالة في عمقه الروحي، وتأمله الفكري، وأخلاقيته العظيمة في صدقه مع ربه ونفسه، ومع الناس، وأمانته في ماله ودينه، ومسؤوليته، وإنسانيته، بحيث تكون الرسالة التي يحملها منسجمة مع الروح التي يتجسد فيها، لتكون الرسالة جسدا يتحرك، ويكون الجسد رسالة تنفتح على الله، وعلى الإنسان والحياة في اتجاه التغيير.

إن هذا الدور التغييري، الذي يستهدف تغيير الإنسان بالكلمة والقدوة، بحاجة إلى الإنسان الصدمة الذي يصدم الواقع الفاسد بكل قوة، الأمر الذي ينفتح فيه اللطف الإلهي على إعطاء المزيد من القوة الروحية، والأخلاقية، والفكرية والعصمة العملية لهذا الإنسان، سواء أكان ذلك بالطريقة التي يبقى فيها عنصر الاختيار له لسلوك الإتجاه المضاد، أم كان بطريقة أخرى، لا يبقى فيها له ذلك العنصر، لأن القضية هي حاجة البشرية إليه، أما قضية الثواب وعلاقتها بالاختيار، فهي مسألة لا تعقيد فيها، لأنها في جميع الأحوال.. الخ"[52].

وقفـة قصيرة:

ونقول:

إن الحديث عن جبرية العصمة سيأتي في وقفتنا مع هذا البعض في الفقرة التالية، ولكننا نكتفي هنا بما يلي:

1 ـ إن هذا البعض يحاول إسقاط الأدلة القاطعة التي ساقها العلامة السيد الطباطبائي من أجل أن يمهد السبيل لطرح ما زعمه من العصمة الإجبارية التي تفقد جهد، وجهاد المعصوم أية قيمة..

وفي النص السابق رأيناه يحاول ادعاء أن النبي قد يخطيء أولاً، ثم يُصار إلى تصحيح الخطأ بعد ذلك.

2 ـ وحين واجه إشكال إمكانية تكرر الخطأ، حاول التخلص منه بدعوى أن القرائن القطعية هي التي تحسم الأمر..

ونقول له:

أولاً: إذا كانت القرائن القطعية هي التي تحسم الأمر في المرة الثانية، فلماذا لا تحسمه في المرة الأولى..

ثانياً: من الذي قال له:

"إن القرائن القطعية قد حسمت ذلك في المرة الثانية، فلماذا لا يتكرر الخطأ فيها، وفي التي بعدها.. وهكذا إلى التي تليها.."

هذا، عدا عن أنه يحتمل في كل مقطع أن يخطئ وأن يصيب.

فأي دليل عيّن له المرة الثانية لحسم الأمر بالقرينة القطعية فيها دون سواها..

ومن الذي حصر هذا النسيان وذلك الخطأ في هذا الوقت المعين دون سواه، ولماذا جاء النسيان فيه، وجاء التذكر فيما عداه..

3 ـ إن استدلاله بحديث سهو النبي غير مقبول فإن الرواية حاولت إثبات الإسهاء الإلهي المتعمد للنبي (صلى الله عليه وآله) لكي لا يغلو الناس فيه، ويعبدوه.

فلا يصح قوله..

"إن النبي قد أوضح للناس أن القضية قد كانت سهواً كأي سهو آخر مما يحدث للناس".

4 ـ إن ثمة نقاشات كثيرة حول صحة هذه الرواية، وهو نفسه قد أشار إلى ذلك حين قال: "لو صحت الرواية" فاستعمل (لو) الدالة على الإمتناع.

5 ـ إن استدلاله بهذه الرواية ليس إلا مصادرة على المطلوب، وبما هو محل النزاع..

6 ـ إذا كانت المسألة عقائدية عقلية، فكيف يستدل عليها بالأخبار، فضلاً عن الإستدلال بخبر واحد فيه الكثير من العلل والأسقام..

على أنه هو نفسه يشترط في الخبر أن يكون متواتراً وقطعياً أو مفيداً للإطمئنان.. إذا كان يتحدث عن العقائد والتاريخ وغيرها.. فأين اليقين هنا، وأين الإطمئنان الحاصلان من خلال الكثرة والتواتر؟.

7 ـ إذا كانت هداية الناس إلى حق الإعتقاد، وحق العمل تقتضي وصول الوحي في نهاية المطاف كاملا غير منقوص، كما يقول.. فأي معنى لاحتمال الخطأ والنسيان، في وقت معين، ما دام ثمة تعهد إلهي بالإيصال الصحيح والكامل..

8 ـ وإذا جاز الخطأ في مورد، فإنه يجوز في موارد، وقد يأخذ الخطأ مجراه، إلى جانب الصواب. كلٌ في دائرته.. ويكون الوصول التام قد تحقق، لأن الصواب قد أبلغ، وإن لم يستطع الناس التمييز بينه وبين ما هو خطأ. فكيف جزم هذا البعض:

"أن الوصول بهذه الطريقة سوف يرفع اشتباهات بعض الناس.."

9 ـ وكيف يطمئن الناس إلى صدق، وصحة ما يلقيه اليهم النبي (صلى الله عليه وآله)، وهم يحتملون أنه قد يكون واقعا في الخطأ في هذا الإبلاغ.. ألا يفترض أن يستمر شكهم على لائحة الإنتظار إلى آخر حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليطمئنوا عند ذلك فقط إلى عدم ورود تصحيح على ما كان قد بلّغه لهم..

نعم.. ولا بد أن ينتظروا هذا التصحيح المحتمل إلى آخر حياته (ص) في كل كبيرة، وصغيرة، ومن الألف إلى الياء..

ويكون موت النبي (صلى الله عليه وآله) هو الدليل على صحة ما تلقوه، وعلى عدم وقوع الخطأ منه بعد المرة الأخيرة.

10 ـ ويبقى هنا سؤال: ما هو مصير الذين ماتوا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، وهم غير مطمئنين لشيء مما جاءهم به؟!

11 ـ وهل يصح مع ذلك كله: أن يأمر الله الناس بطاعة الرسول: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}.

وأن يقول لهم: {ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا}، وهل يصح قوله تعالى لهم:

{وما ينطق عن الهوى}؟!، إلا أن يكون الله سبحانه هو الذي يخطط لإيقاع الناس في الخطأ!!

فهل يصح إطلاق هذا القول؟!

11 ـ ولا ندري أخيراً كيف أن فعل النبي لم يتحرك في الأجواء التعبيرية عن الفكرة التي عبر عنها القول.. مع أن قول الرسول وفعله وتقريره حجة، وشرع ودين.. وإذا جاز في الفعل ذلك، فلماذا لم يجز في القول أيضاً؟!

 

857 ـ لا مشكلة في العصمة الإجبارية.

858 ـ الثواب للعباد في كل شيئ إنما هو بالتفضل لا بالإستحقاق.

859 ـ الإستدلال على العصمة بحاجة إلى تطوير في مواجهة التحديات.

860 ـ الإصلاح في العالم قد تتولاه قيادات غير معصومة.

861 ـ الإستدلال العقلي على العصمة في غير التبليغ ضعيف.

ويقول البعض:

"ونلاحظ أن الشيخ المفيد لم يشرح كيفية بقاء الاختيار مع وجوب العصمة من خلال ما يفعله الله بعبد من عبيده، فتكون النتيجة، أنه لا يؤثر معه معصية له، لأن هذا الأمر الثابت في تكوين الإنسان إما أن يكون مؤثرا في ذات الإنسان بحيث يعصمه من الخطأ في الفكر، والعمل، فلا يكون الخطأ مقدورا له، وإما أن يكون مؤثرا فيه بحيث تبقى له القدرة على الخطأ، فيكون الخطأ جائزا له في ذاته، وتكون العصمة خاضعة للعوامل الأخرى بالإضافة إليه من سلب، أو إيجاب.

إن هذا الأسلوب في الحديث عن اختيارية العصمة مع الالتزام بأنها ناشئة من فعل الله التكويني بنبيه أو وليه لا يمثل إلا مفهوما ينطلق من الجمع في الدليل بين وجوب العصمة، ولزوم الاختيار، لا من دراسة دقيقة لنوعية الصورة الواقعية للجمع بين الأمرين.

إننا نتساءل ما هو المانع من اختيار الله بعض عباده ليكونوا معصومين باعتبار حاجة الناس إليهم في ذلك، وما هي المشكلة في ذلك انطلاقا من مصلحة عباده، وإذا كان هناك إشكال من ناحية استحقاقهم الثواب على أعمالهم إذا لم تكن اختيارية لهم فإن الجواب عليه هو أن الثواب إذا كان بالتفضل في جعل الحق للإنسان به على الطاعة لا بالإستحقاق الذاتي، فلماذا لا يكون التفضل بشكل مباشر إذ لا قبح في الثواب على ما لا يكون بالاختيار بل القبح في العقاب على غير المقدور.

ثم.. إننا نلاحظ في أسلوب الإحتجاج للعصمة في كتب المتكلمين، أنه بحاجة إلى الكثير من التطوير في مواجهة علامات الإستفهام الكبيرة التي تثيرها التحديات المضادة لا سيما فيما يتصل بالالتزام العقلي الذي يفرض العصمة في غير حالات التبليغ، فإن الواقع الإصلاحي والتغييري في العالم قد يحصل من خلال قيادات غير معصومة بطريقة، وبأخرى مما يشكل نقطة ضعف على الإستدلال للفكرة، مما يفرض الإتجاه بالإستدلال نحو أساليب أخرى تتصل بالتعمق في طبيعة النبوة أو الإمامة كموقعين رساليين قياديين يختلفان عن أي موقع قيادي آخر، بالمستوى الذي تختلف فيه أوضاعها عن أي وضع آخر، بالإضافة إلى عناصر أخرى قد تحتاج الفكرة من خلال المناقشات الجديدة، لأن هذه المسألة لم تعد تتحرك في الدوائر الإسلامية المذهبية التي تفرض مسألة العصمة بشكل كلي لتضعها في نطاق التبليغ في دائرة النبوة "[53].

وقفة قصيرة:

ونقول:

إن الحديث عن جبرية العصمة، وجعل الثواب بالتفضل للبشرية كلها وفي كل شيئ، ونفي أن يكون للإستحقاق أي دور فيه، استناداً إلى القول بأن الثواب على غير المقدور غير قبيح، بل القبح إنما هو في العقاب على غير المقدور..

إن هذا الحديث غير مقبو ل، ولا معقول.. وذلك لما يلي:

1 ـ إن قبح العقاب على غير المقدور، وعدم قبح الثواب عليه، لا ينتج أن يكون الثواب للعباد كلهم وفي كل شيء بالتفضل لا بالإستحقاق، بل تحتاج المثوبة بالتفضل إلى شرط آخر، وهو أن لايلزم من سلب القدرة محذور آخر، مثل:

الترجيح بلا مرجح، وهو غير وارد في حق الله تعالى.

أو الخروج عن دائرة العدل.

أو أن يصبح أشقى الأشقياء كفرعون ـ إذا فعل حسنة واحدة ـ أفضل من أعظم الأنبياء كنبينا محمد (صلى الله عليه وآله).

أو أن يكون على خلاف القاعدة التي رسمها، والسنة التي أجراها الله سبحانه في عباده، حيث جعل المثوبة والعقوبة بالإستحقاق بصورة عامة.

وهذه اللوازم كلها، وكذلك ثمة لوازم أخرى فاسدة سوف تكون موجودة هنا إذا كان ثواب العباد كلهم في كل شيء بالتفضل لا بالإستحقاق.. وسيتضح ذلك في النقاط التالية:

2 ـ انه إذا كان الله يجبر الأنبياء على أمور ثم يثيبهم عليها تفضلاً منه مع أنهم لا اختيار لهم فيها، ولا يفعل ذلك بغيرهم من الناس، ولا يتفضل عليهم فيما لا اختيار لهم فيه، بل يطلب منهم بذل جهود جبارة ومقاومة الإغراءات القوية، لكي يثيبهم، فهل هذا من العدل؟!

وهل يصح نسبته إلى الله تعالى؟!.

3 ـ لماذا رجح هؤلاء على غيرهم فقرر عصمتهم التكوينية الجبرية، وأن يثيبهم على الأمر غير المقدور لهم، وجعلهم أنبياء وأئمة، ولم يختر غيرهم لذلك، ولم يعصم غيرهم، ولم يثبهم على مثل ذلك ؟ فهل هذا إلا من قبيل الترجيح بلا مرجح..

4 ـ قد ذكرنا في كتاب مأساة الزهراء (ج1 ص 60 ـ 64) أن جبرية العصمة تعني أن يكون أشقى الأشقياء ـ ابن ملجم، أو فرعون مثلاً ـ إذا عمل حسنة واحدة في حياته، مهما كانت تلك الحسنة صغيرة، أو امتنع عن سيئة واحدة، أفضل من خاتم الأنبياء محمد (ص)، لأنه إنما فعل ذلك باختياره، وبمجاهدة نفسه، وغرائزه، وشهواته، وأهوائه..

5 ـ إن هذا الرجل يتحدث كثيرا عن أوضاع سلبية في الفكر، وفي الممارسة للأنبياء، وعن نسيانهم، في الأمور الحياتية الصغيرة، وعن سهوهم في الأمور الحياتية، وعن أن العصمة لا تمنع من الخطأ في تقدير الأمور، وعن نقاط الضعف في حياتهم العملية، وعن أمور كثيرة، وتفاصيل متنوعة لممارسات زعم أنها صدرت، أو يحتمل أن تكون قد صدرت من الأنبياء (عليهم السلام) بعضها يصل إلى حد الشرك بالله سبحانه، وقتل نفوس بريئة، وارتكاب جرائم دينية..

نعم.. إن هذا الرجل يتحدث عن ذلك كله وسواه، مما ذكرنا بعضه في مواضع مضت من هذا الكتاب.

ثم يقول لنا: إن العصمة إجبارية.. فهل عجز الله عن إجبار وليه، أو نبيه على ما يريد؟!.. وكيف يمكن أن نلائم بين جبرية العصمة، وبين صدور الأخطاء الصغيرة، أو الكبيرة، المقصودة، وغير المقصودة هنا، وهناك..

أو احتمال الشرك، واحتمال وقوع جرائم دينية منهم؟

6 ـ هل استثنى الله سبحانه أنبياءه، و أولياءه من قاعدة: "لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين"؟! وأين الدليل على هذا التخصيص، والاستثناء إلا عجز هذا البعض عن حل بعض الإشكالات السطحية، ومواجهة الشبهات التي يثيرها الآخرون، فما كان منه إلا الإنصياع لها، والقبول بها ثم تلمس المبررات لها بمثل هذه التعليلات الضعيفة.

7 ـ إن هذا البعض قد فرق أيضاً حسبما هو معروف بين الطاعات والمعاصي ولا ندري ما هو المبرر للتفريق بين الطاعات، فلا جبر فيها و بين المعاصي، ففيها الجبر.. وهذا هو نفس قول الأشاعرة[54].

فإن من الواضح: أن ترك الطاعة هو الآخر يكون من المعاصي، فالنبي إذن لا يقدر على هذا الترك، فما معنى كونه مختارا في فعل أمر لا يقدر على تركه؟.

8 ـ إن مقولة البلخي التي التزم هذا البعض بها من أن الثواب للبشر جميعاً وفي كل شيء إنما هو بالتفضل قد رفضها علماؤنا الأبرار رضوان الله عليهم.. والتزموا بأن الثواب إنما هو بالإستحقاق لا بالتفضل، إذ لا يجوز في حكم العقل أن يعطي العاصي ويمنع المطيع، ولو أن المثوبة كانت من باب التفضل لجاز ذلك، وقد ذكرنا الدليل على ذلك، وذكرنا الرد على مقولة البلخي في كتابنا (مأساة الزهراء ـ ج1، ص63و64 فراجع).


الفصل الرابع
الشفاعة

بـدايـة:

إن كلام هذا البعض حول شفاعة الأنبياء، والأوصياء، وسائر اولياء الله تعالى لعباده المذنبين من المؤمنين لا تكاد تجد له موافقا في المذاهب الإسلامية، إلا ما يعرف من قول ابن تيمية وجماعة الوهابية، المخالف لأقوال المسلمين جميعاً، ولنصوص القرآن الصريحة الآمرة بابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى، والدالة على ثبوت الشفاعة ولو في الجملة، وهذه نماذج من كلماته تدل على هذا المعنى نذكرها هنا ونعلق عليها بما يناسب حال الكتاب ويقتضيه المقام:

 

862 ـ أطلب من الله أن يشفع عليا فيك.

863 ـ يا محمد، يا علي، شرك في العبادة.

يقول البعض:

"وكما قلنا فان الشرك في العبادة، هو أن تدعو غير الله، حتى الأنبياء والأئمة، لا يمكن أبدا أن تدعوهم بمعنى أن تقول: يا الله، يا محمد، هذا لا يجوز".

نعم أن تتوسل بمحمد ليشفع لك إلى الله هذا لا يضر. أن تقول: يا الله يا علي بالمعنى الذي تقول به: يـا الله.. هذا لا يجوز.. نعم أن تطلب من الله أن يشفّع عليا بك لقربه منه، ولأنه يشفّع أولياءه فهذا لا يضر"[55].

ونقول:

إن هذا هو نفس قول الوهابيين، وتلك هي كتبهم مشحونة برمي الشيعة بالكفر والشرك من أجل ذلك..ولأجل ذلك ينكر هذا البعض دعاء التوسل مع أنه يقال إنه مروي عن أهل البيت.

 

864 ـ الله لا يريدنا أن نتوجه إلى أحد من الناس

865 ـ الشفاعة بالشكل وليست حقيقية.

866 ـ لا معنى للتقرب للأنبياء، والأوصياء لأجل شفاعتهم.

ويقول البعض:

"لذلك فإن الله يريدنا ألا نتوجه إلى الناس مباشرة، بل أن نتوجه إلى الله مباشرة وأن يكون الناس أولياء، لاحظوا مثلا في دعاء يـوم الخميس (واجعل توسلي به شافعا) شفّعه فيّ، أن تختزن في نفسك أن النبي (ص) لا يملك الشفاعة في نفسه بل تجعله شفيعا أمام الله وتطلب من الله أن يشفعه فيك، فمعنى ذلك وكما في أدب أهل البيت لنا أن الشفاعة عندمـا تطلبها فإنك تطلبها من الله (واجعله شفيعا مشفعا) أي أن يكون شفيعا تشفعه فالله سبحانه وتعالى الذي يجعل الأنبياء شفعاء {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (الأنبياء 28) {ولا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن} ولذلك فإن بعض الناس إذا ذبح ذبيحة للسيدة زينب أو للعباس أو للحسين أو طعاما تصور أنه عمل بطريقة (أطعم الفم تستحي العين)"[56].

ثم هو يقول:

"إن الشفاعة إنما هي بالشكل فقط، وليست حالة وساطة بالمعنى الذي يفهمه الناس في علاقاتهم بالعظماء حيث يلجأون إلى الأشخاص الذين تربطهم بهم علاقة مودة أو مصلحة أو موقع معين ليكونوا الواسطة في إيصال مطالبهم وقضاء حوائجهم عنده".

ثم يقول بالحرف:

"إن الشفاعة هي كرامة من الله لبعض عباده فيما يريد أن يظهره من فضلهم في الآخرة فيشفعهم في من يريد المغفرة له، ورفع درجته عنده، لتكون المسألة ـ في الشكل ـ واسطة في النتائج التي يتمثل فيها العفو الإلهي الرباني، تماما كما لو كان النبي السبب، أو الولي هو الواسطة".

إلى أن قال:

"وفي ضوء ذلك لا معنى للتقرب للأنبياء، والأولياء، ليحصل الناس على شفاعتهم، لأنهم لا يملكون من أمرها شيئا بالمعنى الذاتي المستقل. بل الله هو المالك لذلك كله على جميع المستويات، فهو الذي يأذن لهم بذلك في مواقع محددة، ليس لهم أن يتجاوزوها. الأمر الذي يفرض التقرب إلى الله في أن يجعلنا ممن يأذن لهم بالشفاعة له"[57].

ويقول ابن عبد الوهاب عن الشفاعة المنفية عنده: هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله إلى أن قال: والمثبتة هي التي تطلب من الله، الشافع مكرم بالشفاعة.. الخ.

ويقول ابن عبد الوهاب أيضا: فالشفاعة كلها لله فاطلبها منه، وأقول اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه فًيّ.

وأمثال هذا، فإن قال: النبي (ص) أعطي الشفاعة وأنا اطلبه مما أعطاه الله.

فالجواب: إن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا، وقال: فلا تدعوا مع الله أحدا.. الخ[58].

وقفة قصيرة:

إننا لا نريد هنا بحث موضوع الشفاعة، ولكننا نلمح إلى بعض الأمور بصورة عابرة، فنقول:

1 ـ إن الكل يعلم: أن لا أحد يدعو محمدا صلى الله عليه وآله، أو عليا عليه السلام، أو أي نبي أو ولي، كوجودات منفصلة عن الله تعالى، ومستقلة عنه بالتأثير، ولم تحدث في كل هذا التاريخ الطويل أن تكونت ذهنية شرك عند الشيعة نتيجة لذلك، فضلا عن غيرهم.

2 ـ إننا نوضح معنى الشفاعة في ضمن النقاط التالية:

أ ـ إن الإنسان المذنب، قد لا يجد في نفسه الأهلية أو الشجاعة لمخاطبة ذلك الذي أحسن إليه، وأجرم هو في حقّه، أو هكذا ينبغي أن يكون شعوره في مواقع كهذه، فيوسط له من يحل مشكلته معه، ممن لا يرد هذا المحسن طلبهم ولا يخيّب مسألتهم..

ب ـ إن الله إنما يريد المغفرة للعبد المذنب، بعد شفاعة الشفيع له.. ولم تكن تلك الإرادة لتتعلق بالمغفرة لولا تحقق الشفاعة.. فلو أن الشفيع لم يبادر إلى الشفاعة لكان العذاب قد نال ذلك العبد المذنب.

وهذا كما لو صدر من أحد أولادك ذنب، فتبادر إلى عقوبته، فإذا وقف في وجهك من يعز عليك، وتشفع به، فانك تعفو عنه إكراما له، وان لم يفعل ذلك، كما لو لم يكن حاضرا مثلا، فانك ستمضي عقوبتك في ذلك الولد المذنب لا محالة..

فالشفاعة على هذا سبب في العفو، أو جزء سبب له.

إذن فليس صحيحا ما يقوله البعض من أن الله تعالى له قد تعلقت إرادته بالمغفرة للعبد قبل الشفاعة، بحيث تكون المغفرة له حاصلة على كل حال، ثم يكرم الله نبيه ويقول له: هذا العبد أريد أن أغفر له، فتعال وتشفّع إلي فيه..

ج ـ إذا كان الشخص المذنب قد أقام علاقة طيبة مع ذلك الشافع، وتودّد إليه، ورأى منه سلوكا حسنا، واستقامة وانقيادا، فان الشافع يرى أن من اللائق المبادرة إلى مساعدته في حل مشكلته، أما إذا كان قد أغضبه وأساء إليه أو تعامل معه بصورة لا توحي بالثقة، ولا تشير إلى الإستقامة، فإنه لا يبادر إلى مساعدته، ولا يلتفت إليه.. فسلوك المشفوع له أثر كبير في مبادرة الشافع إلى الشفاعة.

د ـ وحين يكون الشفيع لا يريد شيئا لنفسه من ذلك الشخص ولا من غيره، ويكون ما يرضيه هو ما يرضي الله سبحانه، فان تقديم الصدقات والقربات للفقراء، والإهتمام بما يرضي الشافع هو في الواقع إثباتات عملية على أن ذلك المذنب راغب في تصحيح خطأه وتدارك ما فاته، وهو براهين وإثباتات على أنه قد التزم جادة الاستقامة، وندم على ما فرط منه، فإذا قدم مالا للفقراء، أو أطعم أو ذبح شاة، وفرقها على المحتاجين، فان ذلك لا يكون رشوة للنبي، أو الولي.. وهو يعلم أن النبي والولي لا يأخذ ذلك لنفسه، بل يعود نفعه إلى الفقراء والمحتاجين، أو يستثمر في سبيل الله، وفي نشر الدين، والباذل إنما يبذل ذلك رغبة في الحصول على رضا الشافع، الذي رضاه رضا الله.

هـ ـ أما إذا أدار ذلك المذنب ظهره للنبي وللوصي، ولم يلمس الشافع منه أنه يتحرق لتحصيل العفو، والرضا عنه، ويقرع كل باب، ويتوسل بكل ما من شأنه أن يحل هذا الإشكال، ويبادر إلى العمل بكل ما يعلم أنه يرضي سيده عنه، فانه لا يشفع له، ولا كرامة..

و ـ ومن الواضح: أن من يكون جرمه هائلا وعظيما، فان إمكانية وفرص الإقدام على الشفاعة له تتضاءل وتضعف..

فلا يضع النبي والوصي نفسه في مواضع كهذه، ولا يرضى الله سبحانه له ذلك..

كما أن من يدير ظهره لأولياء الله، ولا يهتم لرضاهم، ولا يزعجه سخطهم، فإنه لا يستحق شفاعتهم قطعا، لأن الإهتمام بهم وبرضاهم جزء من عبادته تعالى، ومن المقربات إليه، وموجبات رضاه..

فالتوسل إليهم، والفوز بمحبتهم وبرضاهم سبيل نجاة، وطريق هدى وسلامة وسعادة.

ز ـ إن من الواضح أن المجرم لا يمكن أن يتشفع في مجرم مثله، وأن المقصر لا يتشفع بنظيره، لأن الشفاعة مقام عظيم، وكرامة إلهية. فلا يقبل الله سبحانه شفاعة كل أحد، بل الذين يشفعون هم أناس مخصوصون بكرامة الله سبحانه، لأنهم يستحقونها..

ح ـ قد ظهر مما تقدم: أن إرادة الله لم تكن قد تعلقت بالمغفرة للمذنب قبل الشفاعة ؛ لتكون شفاعة النبي أو الوصي بعدها ـ بالشكل ـ ومن دون أن يكون لها تسبيب حقيقي..

بل هناك تسبيب حقيقي للشفاعة، فإنها هي سبب المغفرة، وهي سبب إرادة الله بان يغفر لذلك المذنب، ولو لم يقم الشافع بها لم يغفر الله لذلك المذنب.

ولولا ذلك، فإنه لا يبقى معنى للشفاعة.. ولا يكون العفو إكراما للشافع، واستجابة له، وقد نجد في حديث الرسول(ص) ما يفيد هذا المعنى فهو يقول: (إدّخرتُ الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي)، حيث لم يقل ادّخرها الله لأهل الكبائر من أمتي..

 

867 ـ أراد لعباده أن يدعوه بشكل مباشر ليستجيب لهم.

868 ـ لا حاجة في الحديث مع الله إلى الوسائط من البشر أو من غيرهم.

إن من يراجع كلام البعض يجد أنه في كثير من كتبه يؤكد على عدم الحاجة إلى توسيط أحد في الطلب من الله سبحانه، بل هو يصرح هنا: بأن استجابة الله لعباده مرهونة بأن يدعوه بشكل مباشر، فهو يقول:

".. لا واسطة بين العبد وربه في خطابه وسؤاله له:

وقد نلاحظ في التوجه الإنساني بوحدانية العبادة والاستعانة.. في خطاب العبد لربه في هذه الآية الكريمة {إياك نعبد وإياك نستعين}.. أن الإنسان لا يحتاج في حديثه مع الله وفي طلبه منه إلى أية واسطة من بشر أو غيره، لأن الله لا يبتعد عن عبده ولا يضع أي فاصل بينه وبينه.. إلا ما يضعه العبد من فواصل تبعده عن مواقع رحمته، وتحبس دعاءه عن الصعود إلى درجات القرب من الله.. بل أراد لعباده أن يدعوه بشكل مباشر ليستجيب لهم، وحدثهم عن قربه منهم بحيث يسمع كلامهم حتى لو كان يمثل الهمس أو في مثل وسوسة الصدور، وذلك قوله تعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة 186) وقوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب إليه من حبل الوريد} (سورة ق16)"[59].

وقفة قصيرة:

ولنا هنا ملاحظات:

1 ـ إن هذا البعض لم يقدم أي دليل على مدّعاه في أن استجابة الله مرهونة بالتوجه إليه تعالى مباشرة.

2 ـ وأما القول بأنه لا حاجة في الحديث إلى الوسائط من البشر أومن غيرهم، فلا مجال لقبوله، ونحن نرى روايات كثيرة تتحدث عن التوسل إلى الله تعالى بالأنبياء والأولياء عليهم السلام. وذلك يدل على وجود حاجة إلى ذلك لا سيما بالنسبة إلى الخاطئين، ولولا حاجتهم إلى ذلك تربويا وإيمانيا لما وجّههم الله إليه.

ومما يدل على توسيط الوسائط ما رواه ابن شهر آشوب، عن علي عليه السلام في قوله تعالى: {وابتغوا إليه الوسيلة} قال: أنا وسيلته[60].

وفي حديث آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يرتبط بالأئمة من ولد الحسين قال (ص): هم العروة الوثقى، وهم الوسيلة إلى الله تعالى[61].

وعن علي بن إبراهيم في تفسيره للآية قال: فقال، تقربوا إليه بالإمام[62].

وعن عثمان بن حنيف: إن رجلاً ضريراً أتى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ادعُ الله أن يعافيني.

فقال: إن شئت دعوتُ وإن شئتَ صَبَرْتَ،وهو خير.

قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء:

اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى اللهم شفعه في..[63].

هذا مضافاً إلى دعاء القرآن الذي نقرأه جميعا ـ وربما كان هذا البعض يقرؤه ـ في ليالي القدر ـ والذي هو عبارة عن توسل بالله تعالى وبأهل البيت (ع) واحداً تلو الآخر من نبيهم إلى قائمهم (ع). إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة والمتنوعة في هذا المجال.

3 ـ إن هذا البعض يناقض نفسه في كثير من موارد مخالفاته، ومن جملتها هذا المورد، حيث يقول حول الفرق بين ما يفعله الوثنيون في عبادة الأصنام وما يفعله المسلمون في احترام الأولياء:

".. وهذا هو الفرق بين ما يفعلونه وبين ما يفعله المسلمون الذين يؤكدون شرعية الشفاعة والتوسل بالأنبياء والأولياء باعتبار أن المسلمين يفعلون ذلك من موقع التوجه إلى الله بان يجعلهم الشفعاء لهم وأن يقضي حاجاتهم بحق هؤلاء فيما جعله لهم من حق، مع الوعي الدقيق للمسألة الفكرية في ذلك كله وهو الاعتراف بأنهم عباد الله المكرمون المطيعون له الخاضعون لألوهيته الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وأنهم البشر الذين منحهم الله رسالته فيما ألقاه إليهم من وحيه، ومنحهم ولايته فيما قربهم إليه في خطهم العملي فكيف يقاس هذا بذاك"[64].

ومن يمعن النظر في أقوال وكتب هذا الرجل يجد له الكثير من التناقضات المماثلة، نعرض عن ذكرها هنا خوف ملالة القارئ الكريم، ولكي لا نخرج عما رسمناه في كتابنا هذا الرامي إلى ذكر بعض أقواله وآرائه التي يخالف فيها ما جرى عليه علماء المذهب بصورة عامة.وربما وفقنا الله تعالى لإبراز تناقضاته هذه في فصل خاص من هذا الكتاب.

 

869 ـ الله هو الجدير بالعبادة وطلب الشفاعة.

870 ـ الشافعون لا يقربون بعيداً من الله.

871 ـ الشفاعة كرامة للشافع فيشفعه الله بمن يريد أن يغفر له.

872 ـ الشفاعة لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة.

873 ـ الشفاعة مهمة محددة فلا تستغرق في ذات النبي والولي لأجلها.

874 ـ التوسل بالشفعاء معناه وجود نقاط ضعف في قدرة أو في عظمة الله تعالى.

875 ـ لا معنى للتوجه للمخلوق لطلب الشفاعة ما دام لا يملكها بنفسه.

876 ـ أطلب من الله ليمنح الخاطئ الشفاعة من خلال الشافع.

877 ـ لا يطلب أحد من مخلوق شيئاً، بل الطلب من الله فقط والقصد إليه حتى في الشفاعة.

878 ـ الشفاعة وظيفة إلهية محددة الموقع والشخص والدور.

879 ـ طلب الشفاعة مباشرة من المخلوق لا ينسجم مع التوحيد.

يقول البعض:

".. {ولا تنفع الشفاعة عنده} فليست هناك مراكز قوى تفرض نفسها على الله، من موقع القوة الذاتية التي تترك تأثيراتها على قرار الله، فيمن يعطيه أو فيمن يمنعه لتكون هناك نقاط ضعف في قدرته أو في عظمته الإلهية.. ليحتاج الناس إلى التوسل إليه بالشفعاء ليصلوا من خلالهم إلى مواقع رحمته ورضاه، ليتعبدوا لهم للحصول على رضاهم الذي يؤدي للحصول على رضاه.. فليس هناك أحد اقرب إليه من أحد، من حيث الذات، فهو الذي يقرب الناس إليه، ويمنحهم درجة القرب إليه من خلال أعمالهم.. ويبقيهم في دائرة الخضوع له المنتظرين لإذنه في كل ما يفعلون أو ما يتركون.. فيعرفون أنهم لا يملكون الشفاعة أمامه لأي شخص لأنهم لا يملكون معه أيّ شيء {إلا لمن أذن له} في ذلك فأراد تكريمه بالشفاعة لبعض الخاطئين الذين يريدون إن يغفر لهم بحيث تكون الشفاعة وظيفة إلهية محددة الموقع معينة الشخص والدور، من دون زيادة ولا نقصان،.. وفي ضوء ذلك نفهم أن الشفاعة ليست حالة ذاتية للشفعاء لدى الله، بل هي مهمة محددة في دائرة المهمات التي قد يوكلها إلى بعض عباده، لمصلحة يراها، في وقت محدود، ودور خاص، مما يفرض على المؤمنين عدم الاستغراق في ذات النبي أو الولي.. طلبا للشفاعة، بل في توجيه الخطاب لله أن يمنحه الشفاعة من خلالهما"[65].

ويقول أيضا:

".. فليس هناك إلا العمل.. وإذا كانت هناك من شفاعة، فإنها لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة بل هي بأمره ورضاه،فلا معنى لأن تتوجه إلى المخلوق بطلب الشفاعة ما دام لا يملكها بنفسه، بل ينتظر أمر الله فيها.. فهو الجدير بالعبادة وطلب الشفاعة.. وفي ضوء ذلك، كان التوحيد يمثل الصفاء الروحي الذي يعيش معه الإنسان في حركة الإيمان المطلق بعيدا عن كل التعقيدات الخانقة التي تجر معها المزيد من العادات والتقاليد والأجواء الضاغطة على الفكر والروح والشعور"[66].

ويقول أيضا:

".. ولا يقبل من أحد رجاءً ولا شفاعةً في حق نفسه أو في حق غيره، لأن أي واحد منهم لا يملك حقاً ذاتياً في ذلك كله إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة فأراد الله أن يكرمه بها ليجعل له الكرامة باستنقاذ من يريد الله أن ينقذه من النار، ويرحمه برحمته، وذلك هو الذي رضي الله قوله فيما يعبر عنه القول من العقيدة الصافية الحقة، والروح الراضية المرضية والعمل الخالص الذي يتحرك في رضا الله من خلال وعي الإيمان وطهر الإخلاص.

وفي ضوء هذه الآية نستفيد تقرير مبدأ الشفاعة التي تؤكد وجودها لدى بعض الأشخاص المقربين إلى الله. ولكن من خلال إعطاء الله ذلك فيكون القصد والتوجه لله في المسألة في الشفاعة لا إلى الشخص لأنه لا يملك من أمر الشفاعة شيئاً في نفسه.. وذلك هو الحد الفاصل بين الاستغراق في الشخص من خلال الاستغراق في ذاته، وبين الاستغراق في الله على أساس الكرامة التي يمنحها لبعض عباده في شفاعته للآخرين استجابة لإرادة الله له في ذلك.. وهذا هو الذي يعطي للعقيدة صفاءها فلا يطلب أحد من مخلوق شيئاً بل يكون الطلب كله لله، والقصد إليه في كل شيء حتى في الشفاعة التي لا يملكها أحد إلا بإذنه"[67].

ويقول البعض أيضا:

".. تلك هي مواقعهم فيما تتميز به مواقعهم الشخصية، وفيما يقفون عنده من حدود مواقعهم أمام الله فلا يتجاوزونها فيما يعيشونه في داخل حياتهم الخاصة، وفيما يتحركون به من العلاقات في حياة الآخرين.. فلا يتصرفون معهم إلا بما يعلمون أن الله يرضى عنه، فلا يرون لأنفسهم الحرية في أن تتدخل العوامل الذاتية فيما يريدون أن يتقدموا به إلى الله، من الشفاعة لبعض الخاطئين، أو المنحرفين، لأنهم يعرفون أن الشفاعة ليست حالة ذاتية ينطلق بها المقربون إلى الله ليستفيدوا من مواقع القرب، في علاقاتهم الخاصة بالأشخاص، ليقربوا بعيدا عن الله، كما يفعل الناس في الدنيا، ليتقرب الناس إليهم بما يتقربون به إلى المقربين من الملوك والأمراء، ليشفعوا لهم عنده، فينفعلون بذلك، فيما يتحدثون به، إلى رؤسائهم، في قضايا الامتيازات والشفاعات، وما إلى ذلك..

إن المقربين من عباد الله المكرمين، سواء منهم الملائكة أو الأنبياء والأولياء، لا يعيشون في مشاعرهم العنصر الذاتي، بل يتمثلون في وجدانهم العنصر الروحي فهم يعرفون مواقع رضا الله فيتحركون فيها، ومحالّ كرامة الله ورحمته، فينطلقون إليها، ويعلمون أن الشفاعة كرامة يريد الله أن يكرم بها بعض خلقه فيشفّعهم فيمن يريد أن يغفر لهم ويرحمهم لأنهم في الموقع الذي يمكن لهم فيه أن يتقربوا من رحمته ومغفرته ولذلك فهم يعرفون مواقع الشفاعة فيمن يطلبون من الله أن يشفعهم فيهم فلا يشفعون للكافرين والمشركين والمنحرفين الذين حاربوا الله ورسوله، لأنهم ليسوا في مواقع الرحمة التي سيستحقون فيها الرحمة[68]".

وقفة قصيرة:

لا نريد أن نسهب القول في بيان حقيقة الشفاعة، فأمرها أظهر من الشمس، وأبين من الأمس، وقد ذكرنا فيما تقدم في بضع توضيحات قد تكون مفيدة في هذا المجال فلا بأس بمراجعتها. غير أننا نذكّر القارئ بالأمور التالية:

1 ـ إننا نرشد، هنا إلى الأحاديث التي تتحدث عن أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يشفع لأهل الكبائر من أمته، فيشفعه الله تعالى فيهم، لكنه لا يشفع لمن آذى ذريته[69].

وفي بعض الروايات: هل يشفع إلا لمن وجبت له النار ؟! [70].

وفي بعضها: ثم يشفعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة[71] والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة فلتراجع في مظانها.

وهذا معناه أن قول البعض: إن الشافع لا يقرّب بعيداً عن الله غير صحيح، بل هم يقربون ـ بشفاعتهم ـ ذلك البعيد. وهذا هو معنى الشفاعة، كما ظهر بذلك أيضا عدم صحة قوله: إن الشفاعة إنما هي لمن يستحق الرحمة ممن هو في مواقع الرحمة، فليست الشفاعة ناشئة عن استحقاق لها من قبل المشفوع له.

2 ـ قد ذكرنا فيما تقدم أيضاً: أن الشفاعة هي التي تنتج المغفرة وتؤثر فيها، وتكون سببا في حصولها، لا أن إرادة المغفرة هي التي تؤثر في إجراء الشفاعة على نحو مراسم شكلية تهدف إلى مجرد تكريم الشافع.

إذن فللشفاعة مهمتان:

الأولى: التسبب بحصول المغفرة، والتأثير في إنتاجها، حيث لولاها لم تحصل المغفرة، ولم يكن هناك إرادة لها.

الثانية: أن تظهر بسببها الكرامة الإلهية والمنزلة الربانية للشافع.

3 ـ أما قوله: إن الشفاعة لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة، بل هي بأمر الله ورضاه.. فالروايات التالية بخلافه:

إن الشفيع في يوم القيامة يقول: أي رب عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا، فشفعني فيه، فيقول:اذهب فأخرجه من النار.. الخ[72].

ثم يشفع لخادمه[73]، ويشفع لمحبيه وأهل مودته[74] ويشفع لجيرانه[75]، ولأهل بيته[76]، ولمن له به معرفة بالدنيا[77]، بل والشفاعة للعدو المحارب، والذي كان قد احسن للمؤمن في دار الدنيا[78].

وذلك يوضح عدم صحة عدة أمور، وردت في كلام ذلك البعض.

الأول: عدم صحة قوله: إن الشفاعة لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة.

الثاني: عدم صحة قول البعض: إن الشفاعة هي في دائرة المهمات التي قد يوكلها الله إلى بعض عباده إذ إنها كرامة للشافع، ورحمة للمشفوع له.

الثالث: عدم صحة قول هذا البعض: إن كونها مهمة محددة، يستتبع أن لا يستغرق المؤمن في ذات النبي والولي طلباً للشفاعة.

الرابع: إن معنى قوله تعالى: {لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} أن من أذن الله له بالشفاعة ورضيه وارتضاه لها، وجعل له هذا المقام هو الذي تنفع شفاعته، كالأنبياء، والأولياء، والشهداء، فالشفاعة التي أعطيت لهؤلاء هي التي تنفع وتؤثر في غفران الذنوب وكل شفاعة سواها باطلة، وغير مقبولة، ولا مرضية.

وبعبارة أخرى: إنما يشفع من أكرمه الله ببلوغه مقاماً يؤهله لأن يشفع للمؤمنين الخاطئين، وهذا يعني عدم صحة قول البعض: إنه لا معنى لأن نتوجه إلى المخلوق بطلب الشفاعة مادام لا يملكها بنفسه، فإن المراد بملك الشفاعة هو أن يجعله الله في مقام الشفاعة، فإذا بلغ هذا المقام فله أن يشفع لمن يشاء، حتى للخادم والجار، والمعين، ولأهل الكبائر وغير ذلك.

إذن فلا مانع من أن نتوجه إليه بعد أن وصل إلى هذا المقام فنوجه إليه الخطاب، ونطلب منه أن يستعمل صلاحياته التي حصل عليها.

5 ـ معنى قوله: {لا يشفعون إلا لمن ارتضى} أي ارتضى الله دينه[79]. فلم يكن مشركا ولا ظالماً[80].. وهو من أهل التوحيد، من أهل شهادة أن لا إله ألا الله [81] كما في روايات أهل البيت عليهم السلام، لا كما فسرها هذا الرجل بقوله: أي ارتضاه الله للشفاعة.

6 ـ يتضح مما تقدم: أن هناك فئات لا تنالها الشفاعة. وقد دلت الروايات الكثيرة على ذلك، مثل ما ورد: من أن الشفاعة لا تنال مستخفاً بالصلاة[82] ولا تنال من أنكر الشفاعة، أو أنكر الحوض والمعراج[83].

7 ـ إن حاجة الناس إلى التوسل بالشفعاء، ناتجة عن قصور أعمالهم عن أن تبلغ بهم إلى مقام الاستغناء عن الشفعاء، وليست ناشئة عن ضعف في قدرته أو في عظمته تعالى، بل هذا التوسل دليل كمال قدرته تعالى، ونهاية عظمته.

ويدل على أن الشفاعة هي السبب في حدوث المغفرة، لا أن إرادة المغفرة متقدمة على الشفاعة. قوله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده ألا لمن إذن له} حيث دلت على أن للشفاعة تأثيراً ونفعاً.

ويدل على ذلك أيضا ما رواه جابر بن يزيد قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا جابر لا تستعن بعدونا في حاجة ولا تستعطه ولا تسأله شربة ماء، إنه ليمر به المؤمن في النار فيقول: يا مؤمن ألست فعلت بك كذا وكذا، فيستحي منه، فيستنقذه من النار، فإنما سمي المؤمن مؤمناً، لأنه يؤمن على الله فيؤمن (فيجيز خ ل) أمانه[84].

إلى أن قال:

فأما في يوم القيامة فإنا و أهلنا نجزي عن شيعتنا كل جزاء، ليكونن على الأعراف بين الجنة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم صلوات الله وسلامه، والطيبون من آلهم، فنرى بعض شيعتنا في تلك العرصات، فمن كان منهم مقصّراً في بعض شدائدها فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار ونظرائهم في العصر الذي يليهم وفي كل عصر إلى يوم القيامة، فينقضون عليهم كالبزاة والصقور ويتناولونهم كما يتناول البزاة والصقور صيدها فيزفونهم إلى الجنة زفا، وإنا لنبعث على آخرين (من خ ل) محبينا من خيار شيعتنا كالحمام، فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطير الحبّ، وينقلونهم إلى الجنان بحضرتنا، وسيؤتى بالواحد من مقصّرى شيعتنا في أعماله بعد أن صان (قد حاز خ ل) الولاية والتقية وحقوق إخوانه ويوقف بإزائه ما بين مائة وأكثر من ذلك إلى مائة ألف من النصّاب، فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار، فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنة وأولئك النصاب النار، وذلك ما قال الله تعالى {ربما يودّ الذين كفروا} يعني بالولاية {لو كانوا مسلمين} في الدنيا منقادين للإمامة ليجعل مخالفوهم من النار فداءهم[85].

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أما إن من شيعة علي (ع) لمن يأتي يوم القيامة، وقد وضع له في كفة سيئاته من الآثام ما هو أعظم من الجبال الرواسي والبحار السيارة، تقول الخلائق: هلك هذا العبد، فلا يشكّون أنه من الهالكين وفي عذاب الله من الخالدين، فيأتيه النداء من قبل الله تعالى: يا أيها العبد الجاني هذه الذنوب الموبقات، فهل بإزائها حسنة تكافؤها وتدخل الجنة برحمة الله، أو تزيد عليها فتدخلها بوعد الله ؟

يقول العبد: لا أدري، فيقول منادي ربنا عز وجل: إن ربي يقول: نادِ في عرصات القيامة: ألا إن فلان بن فلان من بلد كذا وقرية كذا وكذا، قد رهن بسيئاته كأمثال الجبال والبحار ولا حسنة بإزائها، فأي أهل هذا المحشر كانت لي عنده يد أو عارفة [86] فليغشني بمجازاتي عنها، فهذا أوان شدة حاجتي إليها فينادي الرجل لذلك، فأول من يجيبه علي بن أبي طالب: لبيك لبيك لبيك أيها الممتحن في محبتي، المظلوم بعداوتي؛ ثم يأتي هو ومن معه عدد كثير وجم غفير وإن كانوا أقل عدداً من خصمائه الذين لهم قبله الظلامات فيقول ذلك العدد: يا أمير المؤمنين نحن إخوانه المؤمنون، كان بنا باراً ولنا مكرماً، وفي معاشرته إيانا – مع كثرة إحسانه إلينا – متواضعاً، وقد نزلنا له عن جميع طاعتنا وبذلنا له؛ فيقول علي عليه السلام: فبماذا تدخلون جنة ربكم؟

فيقولون: برحمة الله الواسعة التي لا يعدمها من والاك ووالى آلك يا أخا رسول الله، فيأتي النداء من قبل الله تعالى: يا أخا رسول الله هؤلاء إخوانه المؤمنون قد بذلوا له فأنت ماذا تبذل له ؟ فإني أنا الحكم، ما بيني وبينه من الذنوب قد غفرتها له بموالاته إياك، وما بينه وبين عبادي من الظلامات فلا بد من فصلي بينه وبينهم، فيقول علي عليه السلام، يارب أفعل ما تأمرني، فيقول الله: يا علي اضمن لخصمائه تعويضهم عن ظلاماتهم قبله؛ فيضمن لهم علي عليه السلام ذلك فيقول لهم: اقترحوا عليّ ما شئتم أعطكم عوضاً من ظلاماتكم قبله؛ فيقولون يا أخا رسول الله تجعل لنا بازاء ظلاماتنا قبله ثواب نفس من أنفاسك ليلة بيتوتتك على فراش محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول (ع) قد وهبت ذلك لكم، فيقول الله عز وجل، فانظروا يا عبادي الآن إلى ما نلتموه من علي، فداء لصاحبه من ظلاماتكم؛ ويظهر لهم ثواب نفس وجد في الجنان من عجائب قصورها وخيراتها، فيكون ذلك ما يرضي الله به خصماء أولئك المؤمنين، ثم يريهم بعد ذلك من الدرجات والمنازل مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر عل قلب بشر؛ يقولون: ربنا الخ..[87].

وفي كتاب فضائل الشيعة للصدوق ـ رحمه الله ـ بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة نشفع في المذنب من شيعتنا، فأما المحسنون فقد نجاهم الله[88].

وعن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} قال نحن والله المأذونون لهم في ذلك اليوم، والقائلون صوابا، قلت: جعلت فداك وما تقولون ؟ قال: نمجد ربنا، ونصلي على نبينا، ونشفع لشيعتنا فلا يردنا ربنا.

وروي هذا الحديث بطرق متعددة.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا كان يوم القيامة ولّينا حساب شيعتنا، فمن كانت مظلمته فيما بينه وبين الله عز وجل حكمنا فيها فأجبنا، ومن كانت مظلمته بينه وبين الناس استوهبناها فوهبت لنا، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبيننا كنا أحق من عفا وصفح.

وروي مثل ذلك عن جميل عن أبي الحسن (ع)[89].

وعن سماعة عن أبي الحسن الأول، وعن عبدالله عن أبي عبدالله (ع)[90]، وعن محمد بن جعفر عن أبيه عن جده (ع) مثله[91].

ومما يدل على أن الناس يحتاجون إلى الشفاعة ما ورد في تفسير قوله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له}. عن أبي العباس المكبر قال: دخل مولى لامرأة علي بن الحسين صلوات الله وسلامه عليهما على أبي جعفر عليه السلام يقال له أبو أيمن، فقال: يا أبا جعفر تغرون الناس وتقولون: شفاعة محمد؟

فغضب أبو جعفر عليه السلام حتى تربد وجهه، ثم قال: ويحك يا أبا أيمن، أغرك أن عف بطنك وفرجك ؟ أما لو قد رأيت أفزاع القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمد (ص) ويلك فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار؟

ثم قال: ما من أحد من الأولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة، ثم قال أبو جعفر إن لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الشفاعة في أمته ولنا شفاعة، في شيعتنا، ولشيعتنا شفاعة في أهاليهم. ثم قال: وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر، وإن المؤمن ليشفع حتى لخادمه، ويقول: يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد[92].

قال عبيد بن زرارة: قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المؤمن: هل له شفاعة ؟ قال: نعم، فقال له رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمد (ص ) يومئذ ؟ فقال: نعم إن للمؤمنين خطايا وذنوباً، وما من أحد إلا يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذ[93].

عن علي بن أبي حمزة قال: قال رجل لأبي عبدالله عليه السلام: إن لنا جاراً من الخوارج يقول: إن محمداً يوم القيامة همه نفسه فكيف يشفع ؟ فقال أبو عبدالله (ع): ما أحد من الأولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة[94].

قال الشيخ الصدوق في اعتقاداته:

إعتقادنا في الشفاعة أنها لمن ارتضي دينه من أهل الكبائر والصغائر، فأما التائبون من الذنوب فغير محتاجين إلى الشفاعة، وقال النبي (ص) من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي[95].

وهناك ما يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبادر إلى الشفاعة فيشفعه الله، ونذكر من ذلك: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من أهل بيت يدخل واحد منهم الجنة إلا دخلوا أجمعين الجنة؛ قيل: وكيف ذلك ؟ قال: يشفع فيهم فيشفّع حتى يبقى الخادم فيقول: يا رب خويدمتي قد كانت تقيني الحر والقر فيشفع فيها[96].

عن علي عليه السلام قال: إن للجنة ثمانية أبواب، باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبونا، فلا أزال واقفا على الصراط أدعو وأقول: رب سلّم شيعتي ومحبيّ وأنصاري ومن تولاني في دار الدنيا، فإذا النداء من بطنان العرش: قد أجيبت دعوتك وشفّعت في شيعتك، وشفع كل رجل من شيعتي، ومن تولاني ونصرني، وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفاُ من جيرانه وأقربائه. وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا اله إلا الله، ولم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل البيت[97].

مما يدل على أن الشفاعة هي السبب في المغفرة..

ومما يدل أيضاً على أن الشفاعة تكون أيضا لمن لا يستحقها، ممن لا حسنة له:

ما روي عن أبي جعفر عليه السلام حيث قال:.. وان الشفاعة لمقبولة وما تقبل في ناصب، وان المؤمن ليشفع لجاره وما له حسنة، فيقول: يا رب جاري كان يكفّ عني الأذى فيشفع فيه، فيقول الله تبارك وتعالى: أنا ربك وأنا أحق من كافي عنك، فيدخله الجنة وما له من حسنة، وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنساناً فعند ذلك يقول أهل النار: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم[98].

ومما يدل أيضاً على أن الشفاعة هي السبب في المغفرة.

وعلى أنه يصح طلب الشفاعة من غير الله سبحانه.

وعلى أنهم يشفعون لمن يشاؤون ويحبون.

وعلى أنهم يقسمون على الله سبحانه وتعالى بحق النبي(ص) وعلي (ع)، النصوص التالية:

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن المؤمن منكم يوم القيامة ليمر به الرجل له المعرفة به في الدنيا وقد أمر به إلى النار والملك ينطلق به، قال: فيقول له: يا فلان أغثني فقد كنت أصنع إليك المعروف في الدنيا، وأسعفك في الحاجة تطلبها مني، فهل عندك اليوم مكافأة ؟ فيقول المؤمن للملك الموكل به: خل سبيله ؛ قال: فيسمع الله قول المؤمن فيأمر الملك أن يجيز قول المؤمن فيخلي سبيله[99].

وعن سماعة بن مهران قال: قال أبو الحسن عليه السلام: إذا كانت لك حاجة إلى الله فقل: (اللهم إني أسألك بحق محمد وعلي فإن لهما عندك شأناً من الشأن، وقدراً من القدر، فبحق ذلك الشأن وذلك القدر أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا، فإنه إذا كان يوم القيامة لم يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن إلا وهو يحتاج إليهما في ذلك اليوم[100].

وعـن عيص بن القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام: إن أناسا من بني هاشم أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم، ولكني وعدت الشفاعة، ثم قال: والله أشهد أنه قد وعدها، فما ظنكم يا بني عبد المطلب إذا أخذت بحلقة الباب، أتروني مؤثرا عليكم غيركم، ثم قال: إن الجن والإنس يجلسون يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا طال بهم الموقف طلبوا الشفاعة، فيقولون: إلى من ؟ فيأتون نوحا فيسألونه الشفاعة فقال: هيهات قد رفعت حاجتي، فيقولون: إلى من ؟

فيقال: إلى إبراهيم، فيأتون إلى إبراهيم فيسألونه الشفاعة فيقول: هيهات قد رفعت حاجتي، فيقولون: إلى من؟

فيقال إيتوا موسى، فيأتونه فيسألونه الشفاعة، فيقول: هيهات قد رفعت حاجتي، فيقولون: إلى من ؟

فيقال أيتوا محمداً، فيأتونه فيسألونه الشفاعة فيقوم مدلاً حتى يأتي باب الجنة فيأخذ بحلقة الباب ثم يقرعه، فيقال: من هذا ؟

فيقول: أحمد، فيرحبون ويفتحون الباب، فإذا نظر إلى الجنة خرّ ساجدا يمجد ربه بالعظمة، فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفّع، فيرفع رأسه فيدخل من باب الجنة فيخر ساجدا، ويمجّد ربه ويعظمه، فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفّع، فيقوم فما يسأل شيئا ألا أعطاه إياه[101].

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله رحيم بعباده ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة جعل منها رحمة واحدة في الخلق كلهم، فبها يتراحم الناس وترحم الوالدة ولدها، وتحنن الأمهات من الحيوانات على أولادها فإذا كان يوم القيامة أضاف هذه الرحمة الواحدة إلى تسع وتسعين رحمة، فيرحم بها أمة محمد ثم يشفّعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة حتى إن الواحد ليجيء إلى مؤمن من الشيعة، فيقول: اشفع لي، فيقول: وأي حق لك علي؟

فيقول: سقيتك يوما ماء فيذكر ذلك فيشفع له، فيشفّع فيه، ويجيئه آخر فيقول: إن لي عليك حقا، فاشفع لي، فيقول: وما حقك علي ‍؟

فيقول استظللت بظل جداري ساعة في يوم حار، فيشفع له فيشفّع فيه. ولا يزال يشفع حتى يشفع في جيرانه وخلطائه ومعارفه. فإن المؤمن أكرم على الله مما تظنون[102].

 

880 ـ لا يتدخل أحد إلا بإذنه الذي يلقيه الله إليه فيما يريد، وفيما لا يريد.

881 ـ لا معنى لأن يتوجه الإنسان للشفعاء ولو عبر الواسطة.

882 ـ المطلوب هو التخلص من الإغراق في أسلوب الطلب من الأنبياء والأولياء.

883 ـ الإغراق في الطلب من النبي والولي إلى حد ينسى الطالب ربه مرفوض.

884 ـ يستغرق في ذات النبي والولي حتى ينسى ربه.

885 ـ لا يملك أحد أن يتدخل في إنقاذ أحد من خلال موقع مميز خاص.

يقول البعض:

".. {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ليس هناك إلا كلمته وإرادته، فلا يملك أحد أن يتدخل في إنقاذ أحد من مصير محتوم، أو رفعه إلى درجة عالية من خلال قوة ذاتية أو موقع مميز خاص، إلا بإذنه الذي يلقيه إلى بعض عباده المقربين في ما يريد، وفي ما لا يريد، وبذلك يمكن لنا أن نقرّر مبدأ الشفاعة في نطاق الخط الذي يريد الله للشافعين أن يسيروا عليه في ما يريد الله أن يكرمهم بالمغفرة لبعض المذنبين، أو برفع الدرجة لبعض المطيعين من دون أن يتنافى ذلك مع مبدأ التوحيد في ما يتوسل به الناس من شفاعة.

وفي هذا الجو، يمكن لنا أن نستوحي طبيعة ما يملكه الشفعاء من ميزة الشفاعة من حيث ارتباطها بإرادة الله بإذنه، فالمغفرة التي تنال المذنبين من الله، والبلاء الذي يرفع عن المبتلين من الله، والمثوبة التي تحصل للمطيعين منه ـ جل شأنه ـ يمنحها لهذا ولذاك، بكرامة هذا النبي، أو هذا الولي التي أراد أن يكرمهم بها.

ولهذا فلا معنى لأن يتوجه العباد إليهم حتى عبر الواسطة، بل يكون التوجه إلى الله بأن يجعلنا ممن يشفع بهم، لأنهم لا يملكون الشفاعة بأنفسهم، بل يملكونها من خلال وحيه وإذنه وتعليمه، وبذلك نتخلص من هذا الإغراق في أسلوب الطلب من الأنبياء والأولياء بالمستوى الذي قد ينسى فيه الطالب ربه في استغراقه العميق في ذات النبي أو الولي، إذا لم يكن واعياً بالدرجة التي يستطيع من خلالها أن يضع الأشياء في مواقعها الصحيحة من العقيدة والشريعة" [103].

وقفة قصيرة:

ونقول:

لماذا حمل الشفاعة بإذن الله على معنى أنه لا بد من صدور الإذن الفعلي الذي يلقيه إلى الشافع فيما يريد، وفيما لا يريد؟

ولماذا لا يكون معناها: أن من بلغ مقاماً يؤهله لأن يشفع للناس، فإن الله سبحانه يأذن له بذلك إذناً عاماً فيشفع لمن يشاء من خلق الله سبحانه.

وأما قوله تعالى: {لا يشفعون إلا لمن ارتضى} فإن معناه: ارتضى الله ديـنه، فلم يكن مشركاً ولا ظالماً ـ كما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) وقد تحدثنا عن ذلك فيما تقدم.

2 ـ إن هذا البعض نفسه قد اعترف بأن المسلمين إنما يمارسون التوسل بالأنبياء والأولياء:

"من موقع التوجه إلى الله بأن يجعلهم الشفعاء لهم، وأن يقضي حاجاتهم بحق هؤلاء فيما جعله لهم من حق، مع الوعي الدقيق للمسألة الفكرية في ذلك كله، وهي الإعتراف بأنهم عباد الله المكرمون..الخ "[104].

إلى أن قال:

"هكذا نرى ان الذهنية العقيدية لدى المسلمين لا تحمل أي لون من ألوان الشرك بالمعنى العبادي، كما لا يحملون ذلك بالمعنى الفكري، بل يختزن في دائرة التعظيم للأنبياء، والأولياء الشعور العميق بأن الله هو خالق الكون ومدبره الخ"[105].

ويقول أيضاً:

"إذا كان الله قادراً على أن يحقق ذلك من خلالهم في حياتهم، فهو القادر على أن يحقق ذلك، بعد مماتهم باسمهم، لأن القدرة في الحالتين واحدة"[106].

فكيف يقول هذا البعض هنا:

"إننا نحتاج إلى أن نتخلص من الإغراق في أسلوب الطلب من الأنبياء، والأولياء بالمستوى الذي قد ينسى فيه الطالب ربه في استغراقه العميق في ذات النبي أو الولي.. الخ"،

فإن المسلمين ـ باعترافه ـ واعون للمسألة الفكرية بدقة.

هذا عدا عن حديثه عن الصنمية اللاشعورية. التي تتمثل في الوقوف أمام قبر النبي والولي، وعن أن ثمة شركاً في العبادة حين يقول القائل يا محمد يا علي، فراجع ما ذكرناه في قسم (عقائد الشيعة وشعائرهم).

3 ـ وما على من استغرق في ذات الولي والنبي من غضاضة إذا كان يعلم أن الله سبحانه قد منحه مقام الشفاعة وأصبح يقول للنار: هذا لي، وهذا لك، كما ورد عن الأئمة (ع) في تفسير قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي (صلوات الله وسلامه عليه) (علي قسيم الجنة والنار).

4 ـ قد ظهر مما تقدم: أن قول هذا البعض:

"لا يملك أحد أن يتدخل في إنقاذ أحد من مصير محتوم، أو رفعه إلى درجة عالية من خلال قوة ذاتية، أو موقع مميز خاص، إلا بإذنه الذي يلقيه إلى بعض عباده المقربين فيما يريد، وفيما لا يريد".

قد ظهر أن هذا القول لا يستقيم إذ من الجائز أن يكون الله سبحانه قد منح بعض أوليائه وأنبيائه قوة ذاتية تمكنهم من ذلك كما منح ـ بنص الكتاب ـ آصف بن برخيا قدرة الإتيان بعرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}، حيث نسب الإتيان به إلى نفسه.

كما أن من الجائز أن يبلغ أحدهم بفضل الله وكرمه موقعاً خاصاً يؤهله لأن ينقذ هذا أو ذاك، كما هو الحال بالنسبة لأمير المؤمنين، قسيم الجنة والنار الذي يقول للنار: هذا لي وهذا لك.

والحديث مع هذا البعض حول هذا الموضوع يطول، ويمكن الإكتفاء بما ذكرناه في هذا الكتاب، إن في ذلك لذكرى لمن ألقى السمع وهو شهيد.


الفصل الخامس
الرجعة.. والبداء..

 

886 ـ ضرورة تأويل أحاديث الرجعة.

887 ـ لا ضرورة للرجعة بمعناها المعروف.

لقد حاول البعض إنكار الرجعة بمعناها الدقيق، باعتبار عدم وجود مبررات كافية لها... فهو يقول:

"ويحدّثنا الشيخ المفيد في كتابه في (أوائل المقالات)، عن اختلاف علماء الإمامية في تفسير معنى الرجعة التي اتفقوا عليها من ناحية المبدأ، فقد كان جماعة من الشيعة يؤولون الأخبار الواردة في الرجعة على طريق الإستفاضة إلى رجوع الدولة ورجوع الأمر والنهي إلى الأئمة (ع) وإلى شيعتهم وأخذهم بمجاري الأمور دون رجوع أعيان الأشخاص كما نقل ذلك السيد المرتضى عن جماعة من الشيعة تأوّلوا الرجعة بذلك.

وإذا كان محققو الشيعة قد رفضوا هذا التأويل لعدم لزوم محال عقلي في هذا الموضوع، فإننا نتصور أن هؤلاء القوم لم ينطلقوا في تأويلهم من الإستحالة العقلية لأن الرجعة ليست أشد صعوبة من البعث ولكنهم انطلقوا من الفكرة التي تثير التساؤل حول ضرورة ذلك فإذا كان المقصود الإنتصاف للمظلومين من الظالمين وغلبة المحقين على المبطلين، فإن ذلك حاصل في يوم القيامة، وإذا كانت القضية هي إظهار الحق على الباطل، وبسط العدل في الكون فإن وجود الدولة المهديّة الشاملة كفيل بذلك، وإذا كانت المسألة تحقيق الأمنيات في دولة الحق للمؤمنين وشفاء غيظهم من معاصريهم من المبطلين فيما يمكن أن تحققه الرجعة من حصول الأماني وشفاء الغيظ، فإن يوم القيامة يحقق ذلك بأعظم مما يحدث من خلال الرجعة لأنه يتصل بالمصير الأبدي في النعيم والشقاء.

إن المسألة ليست مرتبطة بالإمكان والإستحالة، بل هي مرتبطة بالمبررات العملية الواقعية في ضرورة ذلك، مما يجعل التأويل أكثر قربا للالتزام بالأحاديث من إبقائها على ظاهرها، لا سيّما عند مواجهة التحدّيات الفكريّة في هذه المسألة التي لا تمثل ـ في طبيعتها ـ أصلا من أصول العقيدة"[107].

مع أن عدم التمكن من فهم مبررات الرجعة، وعدم قدرة البعض على مواجهة التحديات المعاصرة، لا يخوّله تأويل الأحاديث التي قد تصل إلى مائتين وعشرين حديثا، بالإضافة إلى أدلة وشواهد عديدة أخرى..

وقد تحدّثنا عن هذا الأمر في كتابنا: (مأساة الزهراء عليها السلام ) ج1 ص103 ـ 106 فراجع.

 

888 ـ أدلة الرجعة لم يأت بها القرآن.

889 ـ أدلة الرجعة ليست قطعية.

890 ـ أدلة الرجعة هي الأحاديث المتواترة.

891 ـ أدلة المعاد قطعية لأنها من القرآن.

وسئل البعض:

السؤال: هل تؤمنون بما يقوله الشهيد مطهري من أن أدلة الرجعة ليست كأدلة المعاد قطعية؟

فأجاب:

"صحيح ذلك، لأن أدلة المعاد جاء بها القرآن، وهي مما تسالم عليه المسلمون. أما الرجعة فقد دلت عليها الأحاديث وهي متواترة، وإن اختلفت"[108].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ إذا كانت أدلة المعاد قرآنية، فأدلة الرجعة أيضاً كذلك، فإن هناك آيات كثيرة تدل على الرجعة.. وتتحدث عنها.

وقد ذكرها العلماء في كتبهم التي تتحدث عن هذا الموضوع، حتى إن الحر العاملي ـ رحمه الله ـ قد أورد في كتابه: (الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) أربعاً وستين آية قرآنية تدل على هذه القضية، وأن الأئمة المعصومين قد فسروها بها..

ومن هذه الآيات قوله تعالى {يوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآيات الله}.. وهي ظاهرة الدلالة على هذا الأمر، وقد فسرتها الرواية عن الأئمة (ع) بذلك أيضاً.

وأما تفسير هذا البعض لهذه الآية بقوله:

"وذلك هو يوم القيامة الذي يحشر الله فيه الناس كلهم المؤمنين منهم والمكذبين بآيات الله"[109].

فلا مجال لقبوله، لأن كلامه هذا يناقض تصريح الآية بأن الحشر هو لفوج ممن يكذب، وليس لكل من يكذب ولا يكون ذلك إلا في الرجعة قبل يوم القيامة..

2 ـ إن أحاديث الرجعة تعد بالمئات، وقد ذكر العالم الجليل السيد عبد الله شبر: أنها قريب من مائتي حديث صريح رواها نيف وأربعون من الثقات العظام، والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم، كالكليني، والصدوق، والطوسي، والمرتضى، والكشي، والنجاشي، والعياشي، والقمي، وسليم، والمفيد, والكراجكي والنعماني.. إلى أن قال:

(وإذا لم يكن هذا متواتراً، ففي أي شيء دعوى التواتر، مع ما روته كافة الشيعة خلفاً عن سلف، وظني أن من يشك في أمثالها فهو شاك في أئمة الدين، ولا يمكنه إظهار ذلك من بين المؤمنين.

فيحتال في تخريب الملة القويمة، بإلقاء ما يتسارع إليه عقول المستضعفين، من استبعادات المتفلسفين، وتشكيكات الملحدين، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون..)[110].

3 ـ وقول هذا البعض: صحيح ذلك لأن أدلة المعاد جاء بها القرآن، وهي مما تسالم عليه المسلمون.

يظهر منه: أن أدلة الرجعة ليست قطعية.. مع أن آيات القرآن قد دلت عليها..

كما أن الحديث المتواتر باعترافه قد دلّ عليها أيضاً، فهل يكون ما دل عليه الحديث المتواتر ليس قطعياً؟.

إنه لأمر عجيب وغريب، فإن المتواتر يفيد القطع واليقين بلا ريب، وهذا هو الفرق بين المتواتر، وبين غيره..

4 ـ إن البديهيات تختلف وتتفاوت، فالبديهيات الدينية، قد تكون عقلية كوجود الله وتوحيده وصفاته.. وقد تكون سمعية وهي التي جاء النص الصريح والقطعي فيها بحيث إن أي مراجع لذلك الدليل بعيدا عن الهوى والعصبية سيكون مضطراً للإنقياد للحق، والإنصياع له، كما أن البديهي قد يكون بديهياً عند فئة من الناس ولا يكون بديهياً عند فئة أخرى، فهناك بديهيات لدى الفقهاء، وبديهيات لدى علماء الكلام. وبديهيات لدى أهل الحديث وعلوم القرآن.. وهكذا، وهناك بديهيات في كل علم كعلم الفلسفة والنحو والطب وما إلى ذلك. فإذا لم تكن مسألة الرجة من البديهيات العقلية، فلا يدل ذلك على أنها ليست من بديهيات الدين.

فإذا اختلف علماء الكلام مع علماء الفقه في أمر فقهي، فلا يعني ذلك أن الأمر ليس من البديهيات.

وكذلك لو اختلف الناس العاديون أو الفقهاء مع علماء الحديث أو الكلام في أمر يختص بالحديث أو بالإعتقادات، فإن ذلك لا يخرج البديهي عن بداهته.

إذن.. ليس كل ما اختلف فيه المسلمون يكون ظنياً، فإن الإختلاف في البديهي لأجل الشبهة لا يجعل البديهي نظرياً وإلا، لكان من ينكر وجود الله ليس منكراً للبديهي.. وذلك ظاهر وما عليه إلا أن يرجع إلى كتاب المنطق للشيخ محمد رضا المظفر ج1، ص 22و 23، ليعرف صحة هذا الأمر..

 

892 ـ إغلاق ملف البداء من عقائد الشيعة.

893 ـ الإشكال في البداء تعبيري.

894 ـ لنسقط عقائدنا تلافيا للحملات الظالمة.

ثم إن ذلك البعض يدعو إلى إخراج عقيدة البداء من عقائد الشيعة، تفاديا للحملات الظالمة، ويعتبر أن الخلاف في هذا الموضوع تعبيري لا معنوي، فهو يقول:

"ولعل أفضل طريقة شيعية للتعبير عن معنى البداء لدى الشيعة ما ذكره الشيخ المفيد في أوائل المقالات بقوله:

(أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء والإمراض بعد الإعفاء والإماتة بعد الإحياء وما يذهب إليه أهل العدل خاصّة من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال. فأما إطلاق لفظ البداء فإنما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائل بين العبد وبين الله عزّ وجلّ، ولو لم يرد به سمع أعلم صحّته ما استجزت إطلاقه كما انه لو لم يرد علىّ سمع بان الله تعالى يغضب ويرضى ويحب ويعجب لما أطلقت ذلك عليه سبحانه. ولكنه لما جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب، وإنما خالفهم من خالفهم في اللفظ دون ما سواه وقد أوضحت من كلمتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام وهذا مذهب الإمامية بأسرها، وكل من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الإسم دون المعنى ولا يرضاه.

وإنني أرى أنه لا بد من إغلاق ملف الحديث وعدم إدخاله في تفاصيل عقيدة الإمامية، لأن الإشكال فيه تعبيري لا معنوي، وقد كانت هناك تعبيرات صادرة عن الأئمة (ع) في مواجهة بعض الأفكار المطروحة في زمانهم ضد اليهود، أو لحالات معينة ظرفية، ليكون الحديث عنها مقتصرا على مواقع الجدل في تفسير أحاديث الأئمة (ع) التي وردت فيها هذه الكلمة مقارنة بالأحاديث التي وردت فيها الإشارة إلى المعنى الظاهر منها لتتفادى من خلال إبعاد عنوان البداء عن خط العقيدة ـ كما هو الصحيح ـ مواجهة الحملات الظالمة التي يشنها البعض على الشيعة، وليستنبطوا من بعض الكلمات أن الشيعة يبررون بالبداء ما يصدر عن الأئمة (ع) أو منهم بطريقة معينة، ثم يصدر منهم أو من الأئمة بطريقة أخرى مخالفة لها تماما، كما يتحدثون ـ بنفس الأسلوب ـ عن عقيدة الشيعة في التقية، لأن الإصرار على الكلمات الموحية في ظاهرها بغير ما نعتقده، هو إصرار على أمر لا ضرورة فيه بل قد يكون فيه ضرر كبير على العقيدة والمذهب، ونحن نعرف أن الكلمات قد تموت في زمن المستقبل بعد أن كانت حية في الزمان الماضي، لأن الظروف التي اقتضت استعمالها في هذا المعنى أو ذاك حقيقة أو مجازاً، تغيرت وتبدلت مما يعني تغيّر وسائل التعبير عن المعاني في حركة التطور في التعبير"[111].

وقفة قصيرة:

ونقول:

هل كل عقيدة تشن الحملات الظالمة علينا من أجلها يلزم أن نتخلى عنها ؟! وماذا سيبقى من هذه العقائد والشعائر في نهاية الأمر؟! وماذا لو كان البعض يشن حملات ظالمة على الإسلام نفسه فهل نتخلى عنه أيضا.

على أنه تحسن الإشارة إلى أن هذا البعض قد ذكر أن الشيخ المفيد قد أشار إلى الفرق الجوهري بين عقيدة الشيعة في البداء وعقيدة غيرهم، حيث قال أهل العدل خاصة بالزيادة في الآجال والأرزاق، والنقصان منها بالأعمال[112].

هذا وقد روي عن الإمام الصادق والباقر عليهما السلام: (ما عبد الله تعالى بشيء مثل البداء)[113].


القسم الثالث
التشهير بالعلماء وبالحوزات الدينية وبالشيعة

 
الفصل الأول
التشهير بالحوزات العلمية و بالعلماء

بـدايـة:

العلماء والحوزات العلمية، وكذلك الصفوة من المؤمنين الملتزمين، هم المنارة التي تبعث نور المعرفة في كل اتجاه، وهم الحصون المنيعة التي تحفظ هذا الدين، وتذود عن حياضه، وترفع أعلامه وبيارقه خفّاقة في سماء العز والعظمة والسؤدد، فأي إضعاف لها ولهم أو تشويه لصورتها وصورتهم، سيؤثّر سلباً على ثقة الناس بها، وبهم، وسيحوّل سكون نفوسهم إليهم و إليها إلى قلق وتشويش، ثم إلى فراغ يجد فيه أعداء الدين فرصتهم الذهبية لاقتحام حصون الإيمان، ونسف قواعده، وإسقاط بنائه الشامخ العتيد، وليهينوا ـ من ثَمّ ـ ما عزّ وغلا بلؤمهم الرخيص، وحقدهم البغيض..

أمّا بالنسبة للتشهير بالحوزات العلميّة، وبعلماء الأمة، ومراجع الدّين، ثم نعتهم بأوصاف لا تليق بهم فحدّث عن ذلك ولا حرج، ونحن نكتفي هنا بذكر نموذج ضئيل جدّا من مقولات البعض في هذا المجال، فلاحظ ما يلي:

 

895 ـ ليس في الحوزات العلمية حريّة فكر.

896 ـ لا يستطيع الطالب مناقشة العقائديات والفقه والإجتماعيّات.

897 ـ تغيير الحوزات يحتاج إلى ما يشبه الثورة.

898 ـ هناك تجربة (تغييرية) تمشي بين الألغام.

يقول البعض:

"ولقد أطلق العصر تحدّيات في العقائد بالنسبة للمفاهيم الإسلامية وفي الإتجاهات الفكريّة التي لا تنطلق من الجانب الفلسفي فقط، وإنما تنطلق في الجانب الحركي الذي يتصل بقضايا الناس وحركة الناس وواقع الناس وقضايا التقنين والتشريع. لذلك فنحن لحدّ الآن لم نحصل للأسف على نقلة نوعيّة في الحوزات. وإن مسألة تغيير الحوزات تحتاج إلى ما يشبه الثورة، وأظن أن ظروف الثورة لحد الآن ليست متوفرة، لأننا نعرف أنه ليست في الحوزات حرية فكر، فلا يستطيع الطالب أن يناقش فيها حتى بعض القضايا التاريخية في الهواء الطلق. فكيف يمكن أن يناقش فيها قضايا عقيدية أو اجتماعية أو فقهية، وما إلى ذلك؟! علما أن هناك محاولة تجربة تمشي بين الألغام وإن شاء الله تتكلل بالنجاح"[114].

 

899 ـ إنتخاب المرجع كانتخاب البابا.

900 ـ المرجعية: فردية، شخصية، مزاجية.

901 ـ مرجعيات لاعلاقة لها بالواقع المعاصر، وتحدياته، وتطلعاته.

يقول البعض:

"كما أن المسألة لا بد أن تنطلق من أن يشارك علماء الشيعة بأجمعهم أو بأكثريتهم لانتخاب المرجع، تماما كما هي المسألة بالنسبة للبابا في انتخابه عالميا، لأن المرجعية بحسب واقعها الفردي الشخصي المزاجي كالتي تتحرك في واقعنا قد تخرّج مرجعا طليعيا وقد تخرج مرجعا ليس له أي علاقة بالواقع المعاصر وتحدياته وتطلعاته".

إلى أن قال:

"كنت أضع تشبيها لمسألة المرجعية ـ كطرح المسألة في إطار استكمال مشروع ـ بـ (الفاتيكان) وإن كانت خصائصنا الفكرية تختلف عن خصائصهم، ولكننا نشير إلى طبيعة التنظيم الموجودة هناك، فهناك أجهزة تتصل بجانب التنسيق وأجهزة تتصل بجانب العلاقات السياسية والإجتماعية وتدرس كل الوسط الكاثوليكي في العالم"[115].

 

902 ـ توهين وهتك الحوزات العلمية الدينية.

903 ـ يشربون المخدرات لعدم الدليل عندهم على الحرمة.

904 ـ الأفيون والترياك في الحوزات العلمية.

يقول البعض:

"وكذلك الأمر في مسألة الأفيون والترياك بل في الحوزات العلمية كانوا يمارسون شرب الترياك على أساس أنه ليس فيها دليل، وحتى فقهاؤنا عندما أرادوا أن يفتوا بحرمة هذا الإدمان هل إنه بنفسه محرم أم لا، فلم يثبت لديهم إلا في الحالات التي يتحول الإدمان إلى مشكلة صحية غالبة فوق العادة"[116].

ونحن رغم أننا قضينا في الحوزات العلمية ما يقرب من ثلاث وثلاثين سنة، فإننا لم نجد لهذا الأفيون وسواه من المخدرات المحرمة عند الفقهاء أثرا فيها، بل وجدنا رجال الدين من أشد الناس حنقا، وشدّةً، وأعظمهم جهادا في مواجهة ظاهرة انتشار المخدرات في المجتمعات.

 

905 ـ الغوغاء منعت الفقهاء من إعلان فتاواهم.

906 ـ الغوغاء منعت المفكرين من أن ينطلقوا في أفكارهم بحريّة.

907 ـ العامّة أصبحت تحكم الخاصّة.

908 ـ لا يمكن الفتوى بخلاف ما اعتاده الناس.

ويُسأل البعض..:

"ألا ترى أن بعض فقهائنا يبالغون في مسايرة العرف والناس في طرح المسائل الشفوية ولا يدونونها في رسائلهم؟"

فيجيب:

"قد يكون لهؤلاء العذر، لأن المشكلة هي أن كثيرا منهم يبتلون بالغوغاء الذين يعطلون عليهم أمرهم، ذلك أن مشكلة الكثيرين هي مشكلة قيادة الغوغاء وحركة الغوغاء، يقول الإمام علي (ع): (الناس ثلاثة عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يسيرون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور الحق ولم يلجأوا إلى ركن وثيق)، فهذا هو الذي منع الكثيرين من المفكرين أن ينطلقوا في أفكارهم بكل حرية، ومنع الكثير من الفقهاء أن يعلنوا عن فتاواهم لأنهم يخافون من العامّة.

والمشكلة أن العامّة أصبحت تحكم الخاصّة، فهل يستطيع أحد أن يفتي في شيء اعتاد الناس عليه؟ أو يـحرم شيئا لـم ينطلق الناس فيه من قاعدة ولكنهم ألفوا المشكلة"[117].

 

909 ـ اجتهاد فقهائنا غير منفتح على كل تفاصيل القرآن.

910 ـ القرآن أساس لاستنباط فتاواه.

911 ـ المنهج التقليدي أبعد الفقهاء عن استيحاء القرآن.

يقول البعض:

"ولقد رأيت أن فقهاءنا الأقدمين والمحدثين لم تنفتح حركة الاجتهاد لديهم على كل تفاصيل القرآن، وهم الذين تعلمنا منهم، ولكن كان لهم منهج تقليدي خاص يجعلهم لا يستوحون من القرآن كثيرا من الأحكام الشرعية والمفاهيم الإسلامية العامّة. فحاولت أن أدخل القرآن كأساس لاستنباطي للفتاوي لأعتبر القرآن هو الذي يشع ضوءا على الأحاسيس ويعطيها إشراقة"[118].

 

912 ـ الخطاب الإسلامي يمثل هروبا من الواقع.

913 ـ أسلوب العلماء في الخطاب فوقي غالبا.

يقول البعض:

"إن الغالب في الخطاب الإسلامي ـ ويمكنكم ملاحظة ذلك ـ كونه خطابا واقعيا غير أن الأسلوب الخطابي الإسلامي لدى الكثير من الذين يمارسونه على مستوى الوعّاظ والمرشدين والعلماء غالبا ما يصاغ بطريقة فوقية وبطريقة كلية لا بطريقة حركة الجزئيات".

إلى أن قال:

"كما أتصور أن هناك تجارب جيدة في هذا المجال. وأنا مع الأخ السائل في أن الخطاب العام الإسلامي هو خطاب وعظي فوقي لا يلامس الواقع بل يمثل هروبا من الواقع لأن الكثيرين من الوعّاظ لا يريدون أن يضعوا أيديهم على الجرح بل يريدون أن يعظوا الجرح في أن يدبّر أمره بنفسه"[119].

 

914 ـ تشويه العلماء صورة فهم النص القرآني والنبوي.

يقول البعض:

"ومع الأسف إن الطريقة التي درج عليها الكثيرون من العلماء في استنطاق قواعد اللغة العربية، ربما تؤدي إلى الكثير من تشويه صورة فهم النص القرآني، أو فهم النص النبوي، أو أحاديث أهل البيت (ع).."[120].

 

915 ـ علماؤنا لا يهتمون بالقرآن.

وهو القائل عبر أثير إذاعة تابعة له:

"علماؤنا لا يهتمون بالقرآن، القرآن عندهم على الهامش".

 

916 ـ إختصاص العلماء مقتصر على الفقه.

917 ـ العلماء لا يملكون عمق التحليل في العقائد.

918 ـ العلماء لا يهتمون بالمسائل العقيدية.

919 ـ لا إلمام للعلماء بالعقائد.

920 ـ خوف العلماء من العامة هو سبب عدم اهتمامهم بالعقائد.

ويقول هذا البعض:

"من المؤسف أن المسائل العقيدية لا تولى الإهتمام المناسب عند العلماء انطلاقا من اقتصار تخصصهم على الفقه وأصوله، مما يجعلهم غير ملمين بالجانب العلمي للعقائد، فلا يملكون عمق التحليل فيه، وربما كانت مراقبة العوام سببا لذلك لدى البعض منهم"[121].

ونقول:

لعله غاب عن ذهنه توقف الاجتهاد على كثير من العلوم ومن جملتها علم الكلام في كثير من مباحثه، علما أن الفقهاء المتكلمين كثيرون، ومنهم المفيد، وابن شاذان، والعلاّمة الحلي، والشيخ الطوسي، والسيد المرتضى، والفاضل المقداد، وغيرهم ممن لا تتيسّر الإحاطة بهم، ولا مجال لحصر أسمائهم، وليراجع الفهرست الذي وضعه في هذا الشأن السيد محسن الأمين في الجزء الأول من أعيان الشيعة، وليراجع أيضاً: تأسيس الشيعة لفنون الإسلام وغيرهما.

 

921 ـ المرجعيات تقبع في الزاوية.

922 ـ إكتفاء المرجعيات بالعاطفة.

923 ـ لا توجد مرجعية رائدة.

924 ـ الأسماء المطروحة للمرجعية تقليدية غير منفتحة.

925 ـ حركة المراجع تنطلق من طموحاتهم للمرجعية.

ويقول:

"إن المرجعيّات عندما تنطلق في صيغتها التقليديّة فإنّها تقبع في زاوية معينة من الساحة، وتكتفي بهذا الجوّ العاطفي الذي تمنحه إياها الساحة"[122].

ويقول:

"إن الأسماء المطروحة لا تزال أسماء تقليدية تنطلق طموحاتها للمرجعية من خلال خبرتها في الفقه والأصول، وقد تختلف بعض الأسماء عن بعض في بعض نوافذ الوعي".

إلى أن قال:

"لذلك فان من الصعب من خلال هذه الأسماء أن ينفتح الواقع على مرجعية رائدة منفتحة على الواقع الإسلامي كله"[123].

ونحن نجلّ علماءنا عن أن يكون لهم طموحات للمرجعية، فان هذا ما لم نعهده منهم، بحسب ما عرفناه عنهم وألفناه منهم.

 

926 ـ أسماء المرجعيات لا تملك الكثير من الوعي.

927 ـ لا إضاءات كبيرة في الحركة التاريخية للمرجعيّات.

ويقول ذلك البعض:

"إن الأسماء المطروحة في ساحة الحوزات العلمية لا تملك الكثير من الوعي المرجعي الذي يطل على المسألة السياسية من موقع متقدم، باعتبار أن حركتهم التاريخية من حياتهم الماضية لا تمثل إضاءات كبيرة"[124].

 

928 ـ التخلف سبَّب خطأ العلماء في فهم النص والواقع.

929 ـ أغلب العلماء لا تزال نظرتهم سلبية للمرأة.

930 ـ قليل من العلماء درس القضايا بعمق.

يقول هذا البعض:

"إن جو التخلف حين يتفشى لا يستثني علماء الدين من الإصابة والتأثر به، إذا ما كان عندهم الإستعداد لذلك، بحيث يعكس عالم الدين هذا التأثر اللاشعوري بالبيئة، ورواسب التخلف الموجودة فيها في فهمه للنص والواقع.

لذلك فان غالبية علماء الدين تبنّوا ولا يزالون نظرة سلبية تجاه المرأة، وقليل منهم من درس القضايا بالعمق الخ.."[125].

 

931 ـ العلماء قوى تخلّف.

932 ـ العلماء قوى عنت.

933 ـ العلماء غير مستعدين للحوار.

934 ـ العلماء لا يقرؤون.

935 ـ العلماء لا يسمعون.

936 ـ العلماء يصدّرون فتاوي ضـالة.

937 ـ العلماء يصدّرون كلمات نابية.

سئل البعض:

الا تعتقدون أن الاختلاف في الاجتهاد يؤدي إلى بروز مدارس مختلفة بعضها يخالف بعضها الآخر؟

فأجاب:

"هذا صحيح، ولكن هناك فرق بين من يتحدث بطريقة موضوعية علمية وبين من يتحدث بخلاف ذلك. فالسيد الخوئي مثلاً كان لا يرى ولاية الفقيه العامّة، في حين أن السيد الخميني يرى ولاية الفقيه العامة. ولكن كلاًّ منهم يحترم الآخر، فالسيد الخوئي كان يشجّع جماعة من المؤمنين أن يدفعوا الحقوق الشرعية للثورة الإسلامية في وقتها. وأنا أعرف أن الحكومة العراقية حاولت الضغط على السيد الخوئي لإصدار ولو موقف حيادي بين العراق وبين إيران في الحرب، ولكنه رفض ذلك. ولقد قلت مثلما قال الإمام الخميني إن هذا يحزّ في قلبي ويدميه أكثر من الرصاص، ولست الوحيد في ذلك، فالكثير من العلماء المصلحين المجاهدين يواجهون من قوى التخلّف العنت، فهؤلاء غير مستعدين للحوار، ولا هم يقرأون أو يسمعون، بل يصدّرون الفتاوي الضالّة، والكلمات النابية. وإني لأعتبر الفتاوي التي تتحرك بلا حساب من دون ارتكاز، فتاوي ضالة ولا غرابة أن نرى أنه من نفس الموقع الذي كان يُواجه الإمام الخميني بالأمس يواجه العلماء الصالحون والمجاهدون اليوم[126].

وقفة قصيرة:

لست أدري كيف نفسر قول هذا البعض عبر إذاعة تابعة له عن علماء الأمة، ومراجع الطائفة بأنهم معقّدون، وأنهم عملاء للمخابرات تارة أو واقعون تحت تأثيرها أخرى، وبأنهم موساد. وأنهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً، وأن مثلهم كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث، وإن تتركه يلهث، وأنهم إنما يفهمون الكلام بغرائزهم، وأنهم يعانون من عقدة. وأنهم متخلفون. وأنهم يثيرون الفتنة، ويربكون الساحة، وأنهم، وأنهم..

وأنه هو المصلح، وهو الواعي، والمجاهد، والمنفتح، والمجدّد، والمثقّف، وأنه يقول مثل ما قال الإمام الخميني!!!! وأنه هو العلماء الصالحون والمجاهدون، وأنه..، وأنه..

وما ذلك إلا لأنهم واجهوه بكلمة الحق، ولم يقبلوا منه جرأته على الأنبياء، وردّوا عليه تعدّياته على قضايا العقيدة. ونصحوه، وبذلوا الكثير من المحاولات لإصلاح أمره، ورأب الصدع. ودعوه للحوار العلمي.. فرفض. ورفض، وهاجمهم في كل اتجاه وعلى كل صعيد. واستخدم للتشهير بهم وتحقيرهم مختلف التعابير والوسائل المتوفرة لديه.. وما أكثرها..

 

938 ـ الواقع الشيعي كان خارج التاريخ.

939 ـ لعل الشيعة عزلوا أنفسهم عن حركة الحياة، أو عزلوهم.

940 ـ كان الشيعة جماعات منفصلة عن الواقع السياسي والثقافي في العالم.

941 ـ الذهنية العامة للشيعة في العالم لا تزال ذهنية تقليدية.

942 ـ الواقع الشيعي والحوزات تفكر في الثقافة الفقهية والأصولية للمرجع.

943 ـ الشيعة وحوزاتهم لا يفكرون بالانفتاح والمعاصرة.

944 ـ الشيعة والحوزات لا يلاحظون وجود ثقافة سياسية.

945 ـ الواقع الشيعي والحوزات لا يزال واقعاً تقليدياً.

946 ـ دور المرجع محصور في الفتوى وقبض الحقوق والتراخيص.

947 ـ الواقع الشيعي والحوزات هو ضد مصلحة التشيع.

948 ـ لا توجد لدى مراجع النجف وإيران أفكار أو تطلعات بمستوى حاجة الواقع الشيعي.

سئل البعض:

ما الفرق بين دور المرجعية الدينية ماضياً وحاضراً؟ كيف هي العلاقة بين المرجعية الدينية وبين موضوع ولاية الفقيه وقيادة النظام الإسلامي؟ وما الضرورات الواجب دراستها في ما يخص المرجعية في العالم الإسلامي؟

فأجاب:

"بالنسبة إلى مسألة المرجعية في الماضي والحاضر أعتقد أن الموضوع مختلف جداً، بحيث أن الشروط التي كانت توضع للمرجع في الماضي، لا بد من إضافة شروط إليها في الحاضر لأن الواقع الشيعي كان خارج التاريخ وكان الشيعة يمثلون مجرّد جماعات منفصلة عن الواقع السياسي والثقافي في العالم، باعتبار أنهم عزلوا أنفسهم أو أن الآخرين عزلوهم عن حركة الحياة. أما الآن فقد أصبح المسلمون الشيعة في قلب التجربة السياسية والثقافية والأمنية في العالم، بحيث نجد أن العالم يعمل على دراسة الفكر الشيعي وكل حركات الشيعة وكل خطوطهم السياسية، مما يفرض وجود قيادة للعالم الإسلامي الشيعي تختلف عن القيادة السابقة، بحيث لا بد أن تكون ـ بالإضافة إلى معرفتها الواسعة بالشريعة وتقواها ـ أن تكون واعية للواقع السياسي العالمي ومنفتحة على الواقع الثقافي العالمي ومنطلقة في سبيل التخطيط للأوضاع الجديدة قبل أن يفرضها الآخرون علينا.

ونحن نلاحظ أن الذهنية العامة لدى الشيعة في العالم لا تزال هي الذهنية التقليدية، التي تنظر إلى الفقيه الذي يراد تقليده باعتباره الأعلم في الفقه والأصول وهو الأورع وما إلى ذلك. وهذا ما لاحظناه في التجربة التي عشناها، سواء في الذين رجعوا إلى المرجع الموجود في النجف أو المرجع الموجود في إيران، فإننا لا نجد في هذا الجانب أية أفكار جديدة أو تطلعات جديدة بالمستوى الذي يحتاجه الواقع الشيعي، لأنه ليست هناك أية مبادرات هنا أو هناك مما يعني أن الواقع الشيعي حتى واقع الحوزات ـ لا يزال يفكر بأن المرجع الشيعي هو المرجع الذي يتميز بثقافة فقهية أصولية، من دون أن يلاحظ وجود ثقافة سياسية ومعاصرة أو انفتاح على الواقع المعاصر. إن هذا يعني أن الواقع الشيعي ـ حتى في عالم الحوزات ـ لا يزال واقعاً تقليدياً، فلا فرق بين موقع وآخر.

ونحن نعتقد أن هذا من الأمور التي هي ضد مصلحة حركة التشيع، لأن دور المرجع بقي محصوراً في إصدار الفتاوي وقبض حقوق وترخيص أخرى ولا دور في خارج نطاق هذا الموضوع.

.. الجديد الذي حصل في واقع التشيع هو مسألة الولاية، باعتبار أن الولي الفقيه هو الإنسان الذي لا بد أن يكون ـ بالإضافة إلى اجتهاده وعدالته ـ عارفاً بأمور زمانه ومحيطاً بها ومنفتحاً على كل قضايا الواقع الإسلامي في العالم، لا الواقع الشيعي فحسب بل واقع المستضعفين في العالم"[127].

 

949 ـ بعض المراجع يعطون الرأي فيما لا يملكون معرفته.

950 ـ بعض المراجع يعطون آراءهم اعتماداً على نظرات سريعة.

951 ـ بعض المراجع يعطون الرأي اعتماداً على غير الثقات.

952 ـ بعض المراجع يعطون الرأي اعتماداً على من لا يملك دقّة المعرفة.

ويقول البعض أيضاً.

"ونحن نلاحظ أن بعض المراجع قد يعطون الرأي في كثير من المواقف أو المواقع أو الأشخاص فيما لا يملكون معرفته اعتماداً على نظرات سريعة، أو على نقل بعض الأشخاص الذين لا يملكون الثقة أو دقّة المعرفة"[128].

وقفة قصيرة:

1 ـ إن من يراجع الفقرات التي ذكرناها في هذا الفصل؛ بالإضافة إلى نصوص أخرى منثورة في ثنايا هذا الكتاب يجد أن من حقه أن يخرج بالنتيجة التالية:

إن هذا البعض حين يرمي الطائفة وعلماءها بما يرميهم به نجده يطلق أوصافاً أخرى تخالفها، مثل التجديد والانفتاح والمعاصرة وما إلى ذلك، ملمّحاً أو مصرّحاً بأنه هو الوحيد ـ تقريبا ـ الذي يتحلى بها ـ فيرسم بذلك لنفسه شخصية ذات مواصفات معينة، ثم يسقطها على الأدلة الشرعية، ثم يقدمها إلى القارئ والمستمع على أساس أنها هي الأدلة، وهي الشرع.. حتى ليجد الإنسان العادي نفسه أمام خيار وحيد هو هذا الرجل دون سواه.

2 ـ إننا نريد للقارئ أن يسأل هذا البعض عن المصلحة وعن السبب في طرحه لتساؤلات، واحتمالات ترتبط بواقع طائفة الشيعة الإمامية دون غيرها.. حتى تكون النتيجة هي إظهار هذه الطائفة على أن من الممكن أن تكون هي قد عزلت نفسها عن حركة الحياة، وأن الواقع الشيعي خارج حركة التاريخ، وأنه تقليدي. وأنه ضد مصلحة التشيع. وأن الشيعة لا يفكرون بالانفتاح والمعاصرة.. وما إلى ذلك!!.

3 ـ ثم نريد للقارئ أيضاً أن يسأله عن السبب والسر في مهاجمته للحوزات العلمية للشيعة بهذه الحدّة والشدّة..

4 ـ ويسأله كذلك عن السر في وصف المراجع بهذه الأوصاف المهينة والمشينة.

5 ـ ثم نريد من القارئ الكريم أن يقف ليتأمل بتجرّد، ومقارنة، ليعرف من خلال ذلك من هو ذلك الذي لا يملك معرفة كافية في أمور العقيدة.. هل هم المراجع.. الذين تصدّوا لمقولات هذا البعض، التي طالت مختلف شؤون العقيدة، ومفرداتها. والدين وحقائقه، وشعائره ومسلماته..

أم هو الذي أطلق هذه المقولات التي يتعذّر على الإنسان العادي حصرها، وكثير منها تخالف أبده البديهيات فضلاً عن الكثير الآخر الذي هو داء ليس له دواء؟!

ومن هو ذلك الجدير بالثقة، هل هو الحوزات العلمية التي هبّت بعلمائها ومراجعها للدفاع عن حقائق الدين؟ أم هو الذي لا يكل ولا يمل ولا يرتدع عن محاولات التشكيك بهذه الحقيقة وبتلك في مختلف قضايا الدين والإيمان؟!

ومن هو المتسرّع، هل هو الذي يجيب بالمتناقضات في أكثر الأمور حساسية كمسألة العصمة وغيرها؟!

أم هو الذي يشكل لجنة من العلماء الموثوقين ليدرسوا مقولات غريبة، أطلقها البعض ولا يزال يؤكدها ويرسخها بمختلف ما يملك من وسائل؟

ومن الذي لا يملك الدقّة في المعرفة؟ ويعيش هاجس العمل السياسي، وتستهلكه النشاطات الاجتماعية..

هل هو هذا البعض؟ أم هم علماء الحوزات العلمية ومراجعها، الذين يقضون عمرهم في التحقيق والتدقيق في أمور الدين ويحملون هَمّ الحفاظ على الإسلام وحفظ ورفعة شأن المسلمين، ولا همّ لهم، ولا عمل سوى ذلك؟!.

إن الحوزات العلمية هي التي خرّجت أساطين العلم وأفذاذ الرجال، ممن لم يزل هو وغيره يفخرون بهم ويحاول اكتساب الثقة والمقام الرفيع بربط اسمه باسمهم، وأن يحكي للناس ما يقول عنه: إنه تاريخ له معهم..

بل إنه هو نفسه لم يزل يلهج بانتسابه لهذه الحوزات، ويتغنّى باستمرار بالتلمُّذ على أيدي علمائها، خصوصاً السيد الخوئي رحمه الله وغيره.

مع أن الذين عاشوا في النجف يعرفون: أن تلمُّذه عليه إنما كان لفترة وجيزة، لا تقاس بتلمّذ الآخرين. من علماء الأمة ومراجعها على يدي ذلك العالم الجليل والبارع.. خصوصاً إذا أخذنا بنظر الإعتبار الفرق الشاسع بين من يحضر الدرس لمجرد الحضور، فلا يهتم بالقيام بأي نشاط سوى هذا الحضور، وبين من يقضي الساعات ويسهر الليالي للتحقيق في ما سمعه من أستاذه. والتدقيق في النصوص المؤيّدة أو المفنّدة.

 

953 ـ الرواسب الجاهلية انعكست على فهم العلماء للنصوص حول المرأة.

954 ـ أجواء التخلف انعكست على فهم العلماء للنصوص حول المرأة.

955 ـ العلماء استغرقوا في الجانب الوحيد الذي عاشوه حول المرأة.

956 ـ النصوص كانت متوافقة مع الذهنية الاجتماعية السائدة.

957 ـ هناك رواسب جاهلية في عمق المجتمع المسلم.

سئل البعض:

هل هذا يعني أن المعرفة الأصح بالنظرة الإسلامية إلى المرأة، تمّت في العصر الحالي، ولماذا؟

فأجاب:

"أعتقد أن عصرنا الحالي هو العصر الذي حقّق فيه علماء الإسلام الانفتاح الأوسع على الجانب الإنساني والاجتماعي الذي يؤكد إنسانية المرأة بالدّرجة ذاتها في تأكيده على إنسانية الرجل.

وربما يعود ذلك إلى الآفاق الجديدة التي فتحت في العالم؛ الأمر الذي جعل العلماء يفكرون في الجانب الآخر من الصورة، وقد كانوا مستغرقين في الجانب الوحيد الذي عايشوه في دائرة مجتمعهم، وفي دائرة النصوص المتوافقة مع الذهنية الاجتماعية السائدة"[129].

ويقول:

"هناك رواسب جاهلية لا تزال موجودة في عمق المجتمع المسلم، وقد انعكست هذه الرواسب متضافرة مع أجواء التخلّف على فهم النصوص المتصلة بقضية المرأة، وهي نصوص قد تكون خاضعة لظرف معين أو لحالة معينة"[130].

وقفة قصيرة:

إن هذا البعض يقول:

"إن العلماء يفهمون النصوص من خلال رواسب الجاهلية المتضافرة مع أجواء التخلف".

ثم هو يقول:

"إن النصوص حول المرأة لا يمكن أن تفيد في إعطاء رأي الإسلام في المرأة، لأنها نصوص كانت خاضعة لظرف معين أو حالة معينة.."

ولا ندري إن كانت مسألة الحجاب، ومسألة الإرث ومسألة قيمومة الرجل و.. كانت الأخرى خاضعة لهذا الظرف، أو لتلك الحالة!!

 

958 ـ التقاليد والعادات تجبر الفكر على الخضوع لها وتبنّيها.

959 ـ التقاليد والعادات تضغط على طريقة التفكير.

960 ـ العلماء الكبار يخافون من مواجهة ضرب الظهور بالسلاسل في عاشوراء.

961 ـ العلماء يخافون من مواجهة ضرب الرؤوس بالسيوف في عاشوراء.

962 ـ العلماء لا بد أن يتأثروا بالأفكار السائدة في المجتمع.

يقول البعض:

"على هذا النحو، تضغط التقاليد والعادات على طريقة التفكير وتجبر الفكر على الخضوع لها وتبنّيها، وهو ما نشهد له أمثلة حيّة في الواقع الإسلامي، حيث تحوّل ضرب الرؤوس بالسيوف وضرب الظهور بالسلاسل في عاشوراء إلى عادة متجذرة يخاف العلماء الكبار الوقوف في وجهها، باعتبار أنها أحد مظاهر التعبير عن الهوية الشيعية.

العلماء كانوا، ومازالوا، جزءاً من المجتمع، وبالتالي،لا بد من أن يتأثروا بالأفكار السائدة فيه"[131]

وقفة قصيرة:

ونقول:

إن هذا البعض قد وقع في التناقض، فتارة يقول:

"إن العادات والتقاليد تجبر الفكر على الخضوع لها وتبنيها وتضغط على تفكير العلماء.. مما بعني أن الفكر قد قبل بالفكرة وتبناها".

ومعنى ذلك أنهم يبرزون أفكارهم بلا خوف ولا وجل من أحد، لأنها أفكارهم وقناعاتهم.

وتارة يقول:

"إن العلماء يخافون من الناس".

ومعنى ذلك أنهم لا يتبنون أفكار الناس ولا يوافقونهم عليها، ولا يخضع فكرهم لها..

والخلاصة: إن الموافق للناس لا يخاف من إبراز ما عنده: والذي يخاف من إبراز ما عنده لا يوافق الناس ولا يتبنّى ما عندهم.


الفصل الثاني
إهانات للأمة وعلمائها أو هكذا ينتقم لنفسه

 

963 ـ نحن أناس متعصبون.

964 ـ نحن أناس لسنا ملتزمين.

ويسأل البعض:

لماذا يمثل التقليد مشكلة عند الشيعة.

فيجيب: ويورد في الإجابة كلاماً يتحدث فيه عن لزوم الإبتعاد عن العصبية، وأن مشكلة التقليد هي مشكلة العصبيات.

ويقول:

"إن العصبية ليست ديناً (فمن تعصب أو تعصب له، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) ونحن أناس متعصبون، ولسنا ملتزمين"[132].

ويقصد بكلامه هذا شيعة أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم.

 

965 ـ تجمّد مفهوم المسلمين لدينهم.

966 ـ المسلمون يتعلّقون باللفظ دون المعنى.

967 ـ المسلمون عاجزون عن استحضار القيمة الحقيقية للإستغفار.

968 ـ المسلمون تعاملوا مع الإستغفار كعبارة لغوية معلّبة.

يقول البعض:

"لقد تجمّد مفهوم المسلمين لدينهم، فأصبحوا يتعلّقون باللّفظ دون المعنى. ونحن نرى أن القرآن كان منطلقاً فكرياً. أما الدعاء، وأعني هنا الدعاء النبوي بشكل خاص، فقد كان تجسيداً لخبرة وتجربة الرسول (صلى الله عليه وآله) التي نستوحيها ونستلهمها.."[133].

ويقول:

"ونحن نرى: أن المشكلة في قضية الإستغفار بالتحديد هي عدم قدرة المسلمين على استحضار القيمة الحقيقية للإستغفار، التي ترتبط بالسلوك، وتنعكس عليه. بل إنهم ـ بكل أسف ـ تعاملوا معها باعتبارها عبارة لغوية معلّبة، الغرض منها، هو ترديدها لفظاً"[134].

وقفة قصيرة:

إنك تراه يهين المسلمين جميعاً، وينسب إليهم جمود مفهوم الدين لديهم، وأنهم يتعلّقون باللفظ دون المعنى.. ليُظهر نفسه على أنه هو المنفتح المجدّد، والواعي، فيقول:

"ونحن نرى أن القرآن كان منطلقاً فكرياً إلخ.."

ثم هو يهين المسلمين مرة أخرى، ويتهمهم بأنهم "غير قادرين على استحضار القيمة الحقيقية للإستغفار إلخ.." مظهراً نفسه أنه المفكّر والواعي الذي يعرف المشكلة، ويأسف لطريقة تعامل المسلمين معها.

 

969 ـ هناك عقليات لا تزال تعيش قبل مئات السنين في أساليبها وفي نظرتها.

970 ـ عقليات تنظر للأمور من خلال الزوايا المغلقة التي تتحرك فيها.

971 ـ عقليات تنظّر للأمور من الأجواء التجريدية التي تغرق فيها بعيداً عن الواقع.

972 ـ الكثيرون يعيشون خارج نطاق التاريخ.

973 ـ إن هؤلاء يفرضون أنفسهم على مواقع الوعي في الأمة.

974 ـ هؤلاء الكثيرون يفرضون أنفسهم على مواقع القرار.

975 ـ فرض أنفسهم على مواقع القرار يفقد الأمة توازنها.

976 ـ فرض أنفسهم على مواقع القرار يضيّعها في متاهات التجريد.

977 ـ هؤلاء لا يصلحون لمواقع القرار.

978 ـ الأمة لا تتحرك للمستقبل من خلال كهوف الماضي.

979 ـ إنهم كهوف تحمل الكثير من الظلام.

980 ـ إنهم كهوف تحمل الكثير من عناصر التخلّف.

سئل البعض:

في كلمة له أثناء افتتاح مؤتمر عن جمال الدين الأفغاني في طهران[135] حمل رئيس الجمهورية الإسلامية السابق الشيخ رفسنجاني على من أسماهم (المتعصبين في الحوزات الدينية) وأشاد بمن أسماهم أصحاب (العقول المنفتحة) وبمنظّري (التغيير الواقعي).

كيف تنظرون إلى هذه الرؤية، وأين هي التحديّات الحقيقية التي تواجه الحوزات الدينيّة وحركة العلماء عموماً؟

فأجاب:

"إنني ألتقي مع هذا الطرح الذي يدرس رسالة الحوزات الدينية دراسة واقعية ميدانية رسالية بحجم الرسالة الموكلة إلى هذه الحوزات في الإنفتاح على العالم بالإسلام.

إنَّ هناك عقليات لا تزال تعيش قبل مئات السنين في أساليبها وفي نظرتها إلى الأمور من خلال الزوايا المغلقة التي تتحرّك فيها، والأجواء التجريديّة التي تغرق فيها بعيداً عن الواقع. إنَّ هناك الكثيرين من هؤلاء الذين يعيشون خارج نطاق التاريخ، ويفرضون أنفسهم على مواقع الوعي في الأمة، وعلى حركة القرار في الأمة، فيؤدي بالأمة إلى أن تفقد توازنها وتضيع في متاهات التجريد بعيداً عن حركيّة الواقع، إنَّ مثل هؤلاء لا يصلحون لأن يكونوا في مواقع القرار، لأنَّ القرار، سواءً كان فقهيّاً أو سياسيّاً أو اجتماعياً يمثل حركة الأمة نحو المستقبل، ولا يمكن للأمة أن تتحرّك نحو المستقبل من خلال كهوف الماضي التي تحمل الكثير من الظلام ومن عناصر التخلّف"[136].

 

981 ـ الكثيرون من المسلمين اليوم يقولون لعلي: كم شعرة في رأسي.

982 ـ نحن المسلمين نريد دخول الحياة من الزوايا المغلقة.

983 ـ نحن المسلمين نريد أن نجر ذكرى أهل البيت إلى جو التخلّف.

يقول البعض:

"إنّ الكثيرين منا في ما يتحدثون وفي ما يتناقشون به ومما يثيرونه من أشياء هامشية، قد يقولون لعلي (ع) وللزهراء (ع) وللأئمة (ع) كم شعرة في رأسي، لأن ضيق الفكرة هنا هو ضيق الفكرة نفسه هناك، ولقد أراد علي (ع) من خلال رسول الله (ص)، وكذلك أراد لنا ابناؤه وزوجته الطاهرة (ع)، أن ندخل الحياة من الباب الواسع، ولكننا نريد أن ندخلها من الزوايا المنغلقة، فمشكلة أهل البيت (ع) أنهم أرادوا أن يفتحوا لنا أبواب الوعي، ونحن نريد أن نجرّ ذكراهم إلى جوّ التخلّف لأن المتخلفين لا يحبّون إلاّ أن يعيش الآخرون معهم في أجواء التخلّف" [137].

فيلاحظ: أنه قد تحدث أولاً عن "الكثيرين منا" ثم استطرد في حديثه ليتحدث "عنا" بصورة التعميم، ويدخلنا من ثم في أجواء التخلف، خصوصاً في ما يرتبط بالمناسبات المرتبطة بأهل البيت، مثل عاشوراء، وعيد الغدير وغيرهما.

 

984 ـ ندرس الكثير من التاريخ ومن القرآن على أساس مشاعرنا لا عقولنا.

985 ـ الكثيرون منا موقفهم هو تأويل ما لا ينسجم مع الموروث.

986 ـ أصبح استظهار النصوص خاضعاً للذهنيات المسبقة لدينا.

987 ـ صار القرآن صوراً لما نفكر به بدل العكس.

988 ـ التاريخ صورة لما نفكر به بدل العكس.

989 ـ عواطفنا تحكم الكثير من حركة البحث عندنا.

990 ـ لسنا عقلانيين ولا موضوعيين.

991 ـ لا ندرس القرآن والسنة على أساس القواعد التي يتلاقى عليها الناس في فهم النص.

992 ـ التضليل والتفسيق يطال من يقول إن القرآن ظاهر فيما لا يتفق مع المتوارث.

993 ـ نحن ضعفاء في الثقافة وفي الحجّة.

يقول البعض:

"مشكلتنا أننا ندرس الكثير من نصوص التاريخ أو نصوص القرآن الكريم على أساس مشاعرنا لا على أساس عقولنا، ولهذا ترى الكثيرين قد يأخذون موقفاً مسبقاً من مختلف القضايا، فإذا كان النص يتفق مع موقفهم أخذوا به، وأما إذا كان لا ينسجم مع ما توارثوه فإنهم يعملون على تأويله وإبعاده عن ظاهره وعن سياقه، ولذا فقد أصبحت عملية استظهار النصوص خاضعة للذهنيات المسبّقة التي نحملها. وغدونا نفرض الكثير من هذه الذهنيات على القرآن نفسه، حتى صار القرآن صورة لما نفكر به، بدل أن يكون ما نفكر به صورة قرآن، والأمر نفسه حصل بالنسبة للمسائل التاريخية التي تتصل ببعض الخطوط الفكرية والثقافية والعقيدية، فإن البعض يختار من النصوص التاريخية ما يناسبه ويرفض منها ما لا يروق له، أو أنه يحاول أن يرتب التاريخ على حسب مزاجه ومذاقه الفكري، لا أن يجعل مزاجه الفكري خاضعاً لنتائج البحث العلمي التاريخي.

تحكّم العاطفة في حركة البحث

إن مشكلتنا أننا عاطفيون، وعواطفنا هي التي تحكم الكثير من حركة البحث عندنا، ولسنا عقلانيين موضوعيين ندرس الأمور على أساس الكتاب والسنة انطلاقاً من القواعد التي يتلاقى عليها الناس في فهم النص العربي، ولا نخضع تفكيرنا للنتائج المستفادة من الكتاب والسنة، حتى إذا جاءنا شخص وقال إنّ الكتاب ظاهر في أمر ما، أو السنّة ظاهرة في حكم ما مما لا يتفق مع المألوف والمتوارث، نادينا بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتحركت حملات التكفير والتضليل والتفسيق.

إن الذين يتّبعون هذه الأساليب فيتهمون من خالفهم في اجتهاداتهم بالكفر والضلال والفسق والانحراف، ضعفاء في ثقافتهم كما هم ضعفاء في حجّتهم، لأن من يملك الحجة لا يشتم، ومن يملك البرهان الساطع لا ينطق بالكلمات غير المسؤولة"[138].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ إن كلام هذا البعض موجّه إلى أهل الإسلام.. كما هو ظاهر. فهو يتهمهم بتلك التهم الباطلة، ويسجل للتاريخ هذه الشهادة عليهم.. وسوف تكون شهادة مقبولة عند الأعداء، لأنها تمثل اعترافاً طوعياً. يفرح به الأعداء، ويحزن له الأصدقاء، الذين يعرفون أنه غير صحيح، أو لا أقل هو غير دقيق.

ولا نريد أن نقول هنا أكثر من ذلك.

2 _ إن الظاهر من كلام هذا البعض: أنه بصدد التجريح بعلماء الإسلام وبمراجع الدين الذين وقفوا من مقولاته المخالفة لحقائق الدين والتاريخ والعقيدة وغيرها موقفاً صريحاً، وقوياً وحازماً..

وقد وصفهم بأنهم "أيدهم الله" ضعفاء في ثقافتهم، كما هم ضعفاء في حجتهم، فأين هو دليله المفيد لليقين في هذا الأمر، فإن هذا النفي يحتاج إلى دليل، ولا بد أن يكون يقينياً حسب مقرراته.

3 ـ إنه يصور الأمر فيما بينه وبين غيره على أنه اختلاف في الاجتهاد مع أن الأمر ليس كذلك، إذ ليس من حق أحد أن يجتهد في الحقائق اليقينية الثابتة والذي يفعل ذلك، فإنه يتحمل مسؤولية ما قدم عليه، فإن خالف أمور العقيدة وحقائق الدين، فإنه تترتب عليه آثار ذلك، ويحكم عليه بما يحكم على كل مخالف، ولا يصح له أن يعتذر بالاجتهاد، ولا يمنع اجتهاده هذا ترتب تلك الآثار والأحكام عليه، وإلا لصح للمسيحي واليهودي والملحد أن يعتذر بالاجتهاد.. فإن اجتهاد المسيحي والملحد لا يمنع من الحكم عليه بالكفر وبعدم جواز تزويجه، وبحرمانه من الإرث، وعدم قبول شهادته، وحرمة أكل ذبيحته وما إلى ذلك..

 

994 ـ كيف يكون مؤمناً ويغتاب المراجع؟!

995 ـ يغتاب بحجّة نصرة المذهب ومواجهة الضلال.

996 ـ لا يريدون نصرة المذهب ولا مواجهة الضلال ولكنه الشيطان يوسوس.

سئل البعض:

لي صديق عزيز أذهب إليه، ونجلس، ونتحدث، ولكنه يتكلم بالسوء على مرجعيّة كبيرة ومؤمنة. وعندما أقول له: لا يجوز ذلك. لا يقبل مني، بل يزيد حملاته، وهو إنسان مؤمن.

فأجاب:

".. كيف يكون مؤمناً، وهو يغتاب المراجع؟، وهو يعلم أن الغيبة طعام كلاب أهل النار.

وأن الله تعالى يقول: {ولا يغتب بعضكم بعضاً، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه{ (الحجرات12).

وأن الغيبة أشد من الزنا.

قالوا: كيف؟.

قال: لأن الزنا قد يغفره الله للإنسان إذا تاب، ولكن الغيبة لا يغفرها الله، حتى يغفرها صاحبها.

لقد أصبح البعض من الناس يبرر لنفسه اغتياب الآخرين بعناوين مختلفة؛ فمنهم من يقول أريد نصرة المذهب، والوقوف ضد الضلال، وهكذا.. ولكنه الشيطان يوسوس لبعض الناس"[139].

وقفة قصيرة:

1 ـ لا أدري كيف أجاز هذا البعض لنفسه أن ينفي الإيمان عن إنسان، لمجرّد أنه ارتكب جريمة الغيبة.

2 ـ من أين علم أن ما يذكره ذلك الصديق لصديقه هو من مفردات الغيبة المحرّمة، فلعل تلك المرجعية التي يتحدث عنها تستحق أكثر من ذلك.. بسبب ما صدر عنها من مخالفات للدين وللإسلام كله، بنظر هذا المغتاب؟ ولعل المغتاب قد سمع أو قرأ ما يبرر له غيبة ذلك الذي يوصف بأنه (مرجعية)..

3 ـ وحتى لو لم تكن تلك المرجعية بهذه المثابة من الإنحراف والسقوط، فلعل ذلك الصديق الذي أحبه ذلك الرجل، ولمس منه الإيمان والتقوى ـ لعله ـ معذور في اغتيابه لذلك الشخص.

أما وصف المرجعية بأنها كبيرة فلا يدفع هذا الاحتمال، ولا يزيل آثاره.

4 ـ لماذا لا نقبل ممن يقول: أريد نصرة المذهب، ومواجهة الضلال، ونصدقه فيما يقول؟، أو لماذا لا نأخذ كلامه مأخذ الجدّ على الأقل ونحقق وندقق في الأمر؟! وكيف صح من هذا البعض أن يعتبر ذلك وسوسات شيطانية؟!.

5 ـ ثم إن نفس هذا البعض يغتاب المراجع، ويصفهم بعدم التقوى، ويصغّر من شأنهم، ويصورهم على أنهم ألعوبة في أيدي غيرهم حتى على شاشات التلفاز وفي الإذاعات وعلى صفحات الصحف والمجلات..، فلماذا لا يرضى بأن نأخذ بمداليل كلامه ونطبقه عليه أيضاً؟ أم أن باءه تجرّ، وباء غيره لا تجر؟!.

6 ـ إن هذا البعض يقول:

"إن النفي يحتاج إلى دليل، والإثبات كذلك".

ويقول:

"إن الدليل لابد أن يوجب اليقين".

فما دليله على نفي الإيمان عن هذا الشخص المسؤول عنه؟!.

 

997 ـ لا يجوز التهجّم على علماء الدين.

ثم يناقض نفسه فيتهجم على المراجع والعلماء فيقول:

 

998 ـ من يضلّل ويكفّر.. لا يستعمل علمه.

999 ـ المشكلة في من يضلل ويكفر هو انعدام التقوى.

سئل البعض:

هل يجوز التهجم على علماء الدين وغيرهم لسبب أو لآخر، مع عدم معرفتنا بظروفهم، وعدم الإطلاع على طبيعة أوضاعهم؟!.

فأجاب:

"لا يجوز ذلك"[140].

ونقول:

إننا لم نعرف إن كان مقصوده: أنه مع الاطلاع على الأوضاع والظروف يجوز التهجّم على العلماء، أم أنه لا يجوز.

ولأجل ذلك اتجهنا نحو بيانات أخرى لهذا البعض، فوجدناه قد سئل مرة أخرى، وذلك في الأسبوع التالي للأسبوع الذي وجه إليه فيه السؤال السابق فقيل له:

ما هو الحكم في الطعن بسيرة العالم وتسقيطه.

فأجاب:

"هذا إجرام وربما يصل إلى درجة كبيرة من الحرمة، لأنه إساءة إلى موقع القيادة الربانية"[141].

وحتى هذا المقدار لم يقنعنا أيضاً، فتابعناه في الأسابيع التالية، فوجدناه يوجّه له سؤال آخر بعد شهر واحد من توجيه السؤال السابق، والسؤال هو:

يطلق بعض الناس العنان لألسنتهم في الكلام حول المراجع العظام، والعلماء العاملين. وفي كل مكان يجلسون فيه يتحدثون عن أن المجتهد الفلانى أصدر فتوى بكذا. أو حرم كذا، وأحلّ كذا، ويبدأون بتقييم هؤلاء، وتقييم هؤلاء، وتقييم فتاواهم. فما رأيكم بمثل هذا الصنف من الناس.

فأجاب:

"السؤال أولاً: هل إن هؤلاء يملكون الثقافة الشرعية فيما يقيّمون؟! وهل يملكون التقوى التي يستطيعون من خلالها أن يقيّموا العلماء والمراجع؟! ذلك أن كثيراً من هؤلاء إما أن يكونوا من العوام، أو من أشباه العوام بأساليبهم وبطريقتهم..".

إلى أن قال:

"وباختصار نقول: إن الشخص الذي ليس عنده علم وثقافة لا يصح أن يتدخل في هذه الأمور. والذي عنده علم يُسأل عن الدليل.

أما الذي عنده علم، ويضلّل، ويكفّر الناس، فهذا لا يستعمل علمه. وإلا فمن السهل أن يتّهم، ويفسّق الناس على الطريقة السائدة في الأوساط السياسية: فهذا خائن، وهذا عميل.

ولدينا الشيء نفسه، فهذا كافر، وهذا فاسق، وهذا ضال. والمشكلة هي انعدام التقوى.

وحينما نقول: أن لا دخل للجاهل في هذه الأمور، لأنه لا يعرف أسس الفتوى، نرى أن البعض يقول: إن العلماء السابقين الخ.."[142].

وقفة قصيرة:

1 ـ إننا لا نريد أن نناقش ما قاله هذا البعض هنا، ولكننا نلفت نظر القارئ إلى أن الجواب لا يتناسب مع السؤال.. فإنه سأله عن أناس يتداولون فيما بينهم الحديث عن فتاوي العلماء، ويقيّمونها.. فجاء الجواب بهذه الطريقة القاسية التي تحمل في طياتها الكثير من الإهانة لهم..

فهل تقييم الأشخاص فيما يعلنون به من أفعال.. سواء أكانت فتاوي أم غيرها حرام وممنوع، حتى استحق هؤلاء هذه القسوة من هذا البعض؟!

أم أن ذلك يعتبر من مفردات الغيبة عنده؟!.

وهل الحديث عما هو ظاهر ومعروف ويتدواله الناس وخصوصاً تقييم الفتاوي، ومن يفتي بها، بهدف الرجوع إليه في التقليد، أو بهدف تلمس مواقع الصواب والخطأ، هل يعتبر جريمة تستحق كل هذه الضجّة والقسوة والإهانات؟!

2 ـ كيف ولماذا يشكّك بتقوى هؤلاء الذين يحاولون تقييم الفتوى والمفتي؟!. ولنفرض جدلاً ـ أنهم قد أخطأوا ويخطئون في التصدّي لأمر ليسوا أهلاً له.. فهل ذلك يخرجهم عن جادة التقوى؟!!

3 ـ ونلاحظ: أنه حكم على العالم الذي يصدر حكمه على البعض بالفسق، أو بالضلال أو بالكفر بأنه لا يستعمل علمه.

وسؤالنا هو:

ألف: من أين عرف أنه لم يستعمل علمه فان النفي ـ حسب قوله هو ـ يحتاج إلى دليل ولابد في الدليل ـ حسب قوله ـ أيضاً من أن يكون قطعياً.

ب: ومن أين عرف أنه يتّهم ويفسّق الناس على الطريقة السائدة عند السياسيين فإن مقتضى حمله على الأحسن هو أن نقول: إنه قد استعمل علمه، واستعمل الطريقة الشرعية الصحيحة التي أدت به إلى هذه النتائج. وانصاع إلى حكم الشرع بوجوب التصدّي لضلال هذا، أو لكفر، أو لفسق ذاك..

4 ـ إنه حكم على العالم الذي يصدر الحكم على أهل الضلال والفسق بأنه يعاني من "انعدام التقوى".

ونقول له أيضاً:

أولاً: النفي يحتاج إلى دليل، حسب قوله. ولابد من أن يكون قطعياً حسب قوله كذلك.

ثانياً: مقتضى الحمل على الأحسن. ومقتضى حمل فعل المسلم على الصحّة هو أن نصفه بأنه في حكمه هذا ـ الذي يعرّض نفسه فيه لمثل هذه الإهانات ـ في أقصى درجات التقوى والورع، والانقياد لأحكام الله سبحانه.

وبعدما تقدم فإننا ندعو القارئ العزيز للاطلاع على بعض ما يصف به هذا البعض علماء الأمة وأعلامها فيما تقدم ويأتي من مطالب في هذا الكتاب.

5 ـ إننا نتفهم جيداً ونعطي الحق الكامل لأي إنسان يواجه تهمة مَّا في أن يدافع عن نفسه..

ولكن ليس من حقه أن يمارس في ذلك أساليب غير مشروعة، مثل كيل التهم إلى مراجع الأمة وعلمائها. وتحقيرهم على صفحات الجرائد، ومن خلال الإذاعات، وعلى شاشات التلفزة المحلية منها والإقليمية، وربما العالمية أيضاً، فضلاً عما يسجله في المقابلات، وما يلقيه في المحاضرات وما إلى ذلك.

إن المتهم إذا كان يعتقد ببراءة نفسه، فما عليه إلا أن يقدم الدليل والحجة.. وكيف وأنى له أن يقدم الدليل على ذلك؟ وهذه كتبه زاخرة بهذه المقولات، وتلك هي الإذاعات وأجهزة التلفاز، وأشرطة الفيديو، وأشرطة التسجيل لم تزل تحمل للناس على مر الأيام التأكيد تلو التأكيد على نفس تلك المقولات التي اعترض عليها علماء الامة وفقهاؤها، ومراجعها ولم يزل هو نفسه يشجّع من حوله على الكتابة والدفاع عن تلك المقولات، وتزيينها للناس، وتمحّل المؤيِّدات لها في قول هذا العالم أو ذاك ونشهد ـ وللأسف ـ في كثير مما يقدمونه للناس من كتابات للدفاع عنه عملية خيانة وتزوير، كبيرة وخطيرة جعلتنا نحسب ألف حساب للأخطار التي تنشأ عن هذه الخيانة، وعن ذلك التزوير، نعوذ بالله من الزلل، في القول والفكر وفي العمل..

6 ـ إن هذا البعض لم يزل يؤنب الناس على تصدّيهم لأمور لا خبرة لهم فيها. وما قرأناه آنفاً لعله من أخف حملاته على هذا النوع من الناس..

ولكننا نجده في مقابل ذلك يفيض في خطبه لهم على المنابر في كثير من البحوث الكلامية، والاستدلالات الفقهية، وغيرها من العلوم.. وكأنه يدرّسهم دروس الاجتهاد العليا. مع أن الحاضرين تحت منبره، هم من الناس العاديين الذين لا يملكون ثقافة فقهية أو غيرها تخوّلهم فهم هذه المطالب، والتمييز بين صحيحها وسقيمها، وحقها وباطلها..

والذين يلقي عليهم دروسه هذه هم الذين إذا اعترض عليه أحدهم بما لا يروق له، يواجهه بالتأنيب واللوم على تصدّيه لأمور لا يفهمها..

ومهما يكن من أمر، فإن بالإمكان التأكد من صدقية هذا القول بأدنى مراجعه لأي كتاب ينشر محاضراته، وأسئلته وأجوبته..


المقصد السادس
متفرقات وتناقضات

القسم الأول
في المتفرقات

الفصل الأول
علي.. ومناوئوه

 

1000 ـ فكرة (التفضيل) إتعاب للفكر وإرضاء للزّهو.

1001 ـ التفضيل ليس جزءا من العقيدة ولا من الخط.

والله سبحانه يقول: {تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض}..

لكن البعض يقول:

"فكرة تفضيل نبي على آخر، أو تفضيل إمام على نبي، كما قد يثار ذلك لدى بعض الفرقاء، أو فيما يثار من تفضيل فاطمة الزهراء (ع) على مريم، أو العكس، فإن هذا حديث لا يجني الخائض فيه أية فائدة على مستوى الدين أو الدنيا سوى إتعاب الفكر، أو إرضاء الزهو الذاتي.."[143].

ويقول:

"هذه الأمور ليست جزءا من العقيدة، وليست جزءا من الخط"[144].

وقفة قصيرة:

إن النبي (ص) والأئمة (ع) هم الذين تحدّثوا عن تفضيل أناس على غيرهم، وكذلك القرآن حين قال: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}، فهل كان ذلك إتعاباً للفكر، وإرضاءً للزهو الذاتي ؟!.

وإذا لم نستطع فهم فوائد بعض الأمور، فهل يجوز لنا أن نبادر إلى التشكيك فيها، وتسخيفها، وردّها بهذه الطريقة ؟!.

 

1002 ـ (حديث الكساء المتواتر)، في سنده مناقشة!!

سئل عن حديث الكساء الذي يفسر آية التطهير، فجاء السؤال والجواب كما يلي:

س: ما صحة رواية أهل الكساء؟

ج ـ "الرواية مشهورة، ولكن بعض العلماء يناقش في سندها، باعتبار أن بعض رجال السند ضعاف"[145].

مع أن حديث الكساء متواتر وليس مشهورا فقط، وهذا مما لا يخفى على أحد من العلماء، ولا معنى لأن يبحث في سند الحديث المتواتر، أما المشهور فإن للبحث في سنده مجالا.

 

1003 ـ علي (ع) يشرب الخمر.

ولا نريد أن نتهم البعض بما هو بريء منه، ولكننا نقف متحيرين حين تتناهى إلى مسامعنا أخبار متضاربة حول اعتذاراته عن ذكر رواية في تفسير له، تنسب إلى علي (ع) شرب الخمر. ونكتفي هنا بتسجيل واحدة من تلك الأعذار حيث سأله أحدهم:

س: نسب البعض اليكم بأنكم تقولـون: بأن آية: {ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} نزلت فـي الإمام علي (ع).

ج: " ناقشنا هذه المقولة الباطلة والمفتراة علينا اكثر من مرة. والذي صف حروف التفسير للطبعة الجديدة لم يصف مناقشتنا لهذه المقولة، خيانة منه وكيدا وحسابه على الله سبحانه".

(هذه العبارات في اجوبته على أسئلة قدمت إليه وموقعة ومختومة بختمه بتاريخ 16/ج2/1410 هـ. ق).

ومرة أخرى قيل له:

روي عنكم أنكم ذكرتم في حلقات التفسير، رواية يرويها إخواننا من أهل السنة في أن الإمام علي (ع) كان يشرب، بدون أي تعليق من جنابكم أي أنه ذكرها في تفسيره ـ بعنوان أنها سبب نزول آية: }لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى{، ولم يعلق عليها..

فأجاب:

"لم تذكر في تفسير (من وحي القرآن) الرواية المذكورة. وثانيا: فإن هذا الكلام قد دس في الطبعة الجديدة من قبل من كان يتولى صف الأحرف. وعندما يرى تفسير (من وحي القرآن)، في طبعته الجديدة، فسوف ترون فيه مناقشة علمية من جميع الجهات حول هذه الرواية"[146].

 

1004 ـ إعتراض عمر على النبي (ص) في الحديبية كان وعي الصحابة ‍‍‍!!

1005 ـ عدالة الصحابة.

1006 ـ نفي جرأة أحد على النبي (ص).

1007 ـ لا سلبية من الصحابة تجاه النبي (ص).

ومما يدل على نظرته إلى الصحابة قوله:

"نلاحظ أن ليس هناك في التاريخ شخصية اتفق عليها المسلمون كشخصية النبي (ص). ولم يحدث هناك أية سلبية حيال النبي في كل واقع الإسلام"[147].

والملفت للنظر: أن هذا النص بعينه قد ذكر في كتاب الندوة ج2 ص 376، لكن فقرة:

"ولم يحدث هناك أيّة حالة سلبية تجاه النبي في كل واقع الإسلام" قد حذفت، مع أن هذه الفقرة قد ذكرها في سياق حديثه عن التحريف وإدانته علما أن كتاب الندوة إنما هو عبارة عن مجموع المحاضرات التي ألقيت في دمشق وطبعت في نشرة فكر وثقافة كما هو واضح لمن راجع هذا الكتاب.

مع أن بعض الصحابة قد نفروا الناقة برسول الله (ص) ليلة العقبة ورفضوا تجهيز جيش أسامة، وقال بعضهم عنه (ص): إن النبي ليهجر!!

والكل يعلم ماذا جرى له (ص) مع بعضهم في يوم الحديبية.

وإن كان هذا البعض قد اعتبر اعتراض من اعترض على النبي (ص) مظهرا عدم تسليمه لما يقرره الرسول (ص) وعن شكه في صوابية تصرفاته (ص) ـ اعتبر البعض ذلك ـ وعي الصحابة !!

مع أن من اعترض معروف ومحدد، ولا يمكن نسبة ما صدر عنه إلى الصحابة، كما لا يمكن اعتبار ذلك وعيا !!

يقول ذلك البعض:

"لا يمكن لأية قيادة إسلامية أن تقدم التنازلات للأعداء، حتى إن ذلك كان وعي الصحابة في عهد الرسالة، عندما كان النبي يقدم التنازلات التكتيكية لمصلحة الخطة الإستراتيجية، فإن المسلمين كانوا يقفون ويقولون: إننا لا نعطي الدنية في ديننا. وإننا كنا لا نتنازل لهم قبل الإسلام، فكيف نتنازل لهم بعد أن أعزنا الله بالإسلام"[148].

 

1008 ـ هل تواعد أبو بكر مع النبي (ص) على الخروج معاً ليلة الهجرة.

1009 ـ أبو بكر خشي على نفسه وعلى النبي.

1010 ـ النبي يقول لأخيه ابي بكر: لا تحزن إن الله معنا..

1011 ـ كان الإهتزاز الروحي والفكري والعملي لأبي بكر في البلاء والمحنة فثبته النبي (ص).

يقول البعض:

"{إلا تنصروه} إن امتنعتم عن نصره، فإن الله لا يعجز عن ذلك، كما فعل ليلة الهجرة {فقد نصره الله} وخلصه من أيدي قريش التي أطبقت على بيته وانتظرت الصباح لتهجم عليه {إذ أخرجه الذين كفروا} من موطنه {ثاني اثنين} فقد كان معه أبو بكر الذي تواعد وإياه على الخروج معاً حتى دخلا الغار، وأقبلت قريش حتى وقفت على بابه، وبدأ الحوار فيما بينهم، بين قائل يحثهم على الدخول، وقائل يدفعهم إلى الرجوع".

ويقول:

"واشتد الضغط على مشاعر أبي بكر الذي كان يخشى من الموقف على نفسه، وعلى النبي (ص) {إذ هما في الغار} يتحاوران، فيتحدث أبو بكر عن أجواء الخوف المدمر، ولكن النبي كان يعيش آفاق النصرة التي وعد الله بها، والله لا يخلف وعده، فكان يشجع أبا بكر على الثبات في الموقف، وعلى الإطمئنان لنصر الله {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}.

فلو كان الناس بأجمعهم مع الإنسان وكان الله ضده، لم ينفعه ذلك شيئاً، ولو كان الله معه وكان الناس ضده لم يضره ذلك شيئاً، لأن الله هو الذي يملك القوة كلها، فلا قوة لأحد إلا من خلال ما أعطاه، فهو الذي يملك من الإنسان ما لا يملكه الإنسان من نفسه، فإذا أراد رعاية عبد من عباده، برحمته وقوته ولطفه، فإنه يأخذ بكل أسباب القوة من خلال الله، وتلك هي الأجواء الروحية التي تطوف بالإنسان في ملكوت الله عندما تشتد عليه الأهوال، وتضيق عليه السبل، وتكثر حوله التحديات، ويهجم عليه أهل البغي والطغيان، فإذا أحس من نفسه ضعفاً أمام ذلك كله، وشعر بالحزن يزحف إلى قلبه، وبالخوف يسيطر على روحه، رجع إلى الله في روحية العبد الخاشع، وذهنية الإنسان الملتجئ إليه المعتصم به، فعاش معه ابتهالاته ودعواته وروحية الصلاة في ضميره، فإذا بالضعف يتبدل إلى القوة، وبالخوف يتحول إلى شعور بالأمن، وبالحزن ينطلق إلى الفرح الروحي، ليوحي لنفسه بأن الله معه، ليثبت أمام الزلزال، وليقول لإخوانه الذين يعيشون الإهتزاز الروحي والفكري والعـمـلي أمـام عـواصف المـحنة والبـلاء: لا تـحزنوا إن الله معنا"[149].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ إن دعوى وجود تواعد فيما بين النبي (صلى الله عليه وآله) وبين أبي بكر على الهجرة معاً.. يقابلها نصوص تقول: إنه (صلى الله عليه وآله) قد لقي أبا بكر على طريق المصادفة.. فطلب منه أبو بكر مرافقته، فلم يرفض النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك..

بل إن ثمة نصّاً آخر يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أخذه معه ليتلافى بذلك بعض السلبيات المحتملة، ولسنا هنا بصدد تحقيق ذلك.

2 ـ ثم هو يسجل خبراً يحكي لنا فيه حقيقة مشاعر أبي بكر، حيث قرر أن الضغط قد اشتد على مشاعره لأنه كان يخشى من الموقف على نفسه وعلى النبي (صلى الله عليه وآله).

وقد كنا نتوقع أن يذكر لنا النصوص التي أثبتت له هذه الحقيقة التي تدخل في دائرة المشاعر الخفية بشقيها: أعني خوف أبي بكر على نفسه أولاً، ثم خوفه على النبي (صلى الله عليه وآله) ثانياً، حتى استطاع هذا البعض أن يقدمها كحدث صادر وواقع.. وهو الذي يشترط اليقين في الأخذ بالأخبار في قضايا التاريخ، وفي الأخبار عن حالات الأشخاص، وغير ذلك.

فكيف بما يدخل في دائرة المشاعر والأحاسيس؟!.

3 ـ ولا ندري كيف عرف أن أبا بكر قد عاش الإهتزاز الروحي والعملي والفكري.. مع أن هناك من يقول: إن حزن هذا الرجل لم يكن مبرراً بدرجة يقينية.. خاصة إذا فرضنا أن حزنه كان على النبي (صلى الله عليه وآله).. فإن ما رآه من الآيات من شأنه أن يمنحه اليقين برعاية الله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله).

فقد رأى العنكبوت قد نسجت على باب الغار!!.. ورأى حمامة وحشية تبيض على باب الغار، وتجلس لاحتضان بيضها، ورأى شجرة تنبت ـ لساعتها ـ كل ذلك على باب الغار..

على أن الله حين أنزل السكينة، فإنما أنزلها على رسوله، ولم ينزلها على ذلك الذي عاش الإهتزاز الروحي والفكري والعملي أمام عواصف المحنة والبلاء على حد تعبير هذا البعض.. ولا ندري السبب في هذا الاستثناء له وقد أنزل سكينته على رسوله (صلى الله عليه وآله)، وعلى المؤمنين في موقف حرج آخر.. فما بال هذه السكينة لا تنزل على (إخوان رسول الله) وهم يواجهون عواصف المحنة والبلاء ـ على حد تعابير هذا الرجل ـ ألاّّتحزنوا إن الله معنا.

4 ـ على أن الآية الشريفة لم تتحدث عن خوف أبي بكر، وإنما تحدثت عن حزنه، والخوف إنما يكون من أمر داهم في المستقبل والحزن إنما يكون على ما فاته.. فما هو الشيء الذي ضاع من أبي بكر، فأوجب حزنه يا ترى!!

 

1012 ـ الخلفاء الراشدون حاولوا اقتفاء أثر الرسول في كل أمور الدولة.

1013 ـ الخلفاء عملوا على استلهام القرآن في كل أمور الدولة.

ويقول البعض:

".. الأمر الثاني الذي نستدل به على وجود الدولة هو تطبيق النبي هذه الآليات القانونية في إطار المساحة التي كانت تحتلها الدولة في تلك المرحلة وفي تلك الظروف.. وعندما جاء الخلفاء الراشدون من بعده لم ينطلقوا من فراغ، وإنما حاولوا أن يقتفوا أثر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وعملوا على استلهام الكتاب في كل ما كان يعرض عليهم من أمور الدولة.."[150].

وقفة قصيرة:

إن تعليقنا على ما ذكره هذا البعض سوف يقتصر على ما يلي:

1 ـ إن هذا الذي قاله وبهذه الشمولية والدقة يحتاج ـ حسبما قرره نفس هذا البعض ـ إلى إثبات قطعي، ولا يكفي فيه مطلق ما هو حجة.. لأنه أمر تاريخي، يحتاج إلى القطع واليقين كما يقول..

2 ـ إن هذا البعض إنما كان يجيب على سؤال: أن المشروع في الصدر الأول لم يكن يهدف إلى إقامة دولة إسلامية.. ولم يكن بحاجة إلى الاستطراد في حديثه إلى إطلاق هذا الحكم الجازم والعام فيما يرتبط بسياسات من عدا الرسول صلى الله عليه وآله.

3 ـ إن قضية فدك، ترتبط ـ ولا شك ـ بسياسات الدولة، كما أن ما جرى على الزهراء، وتهديدها بإحراق بيتها، وإحراق الباب وإسقاط جنينها وضربها، واقتحام بيتها ـ إن كل ذلك ولا شك يرتبط بأمور الدولة وممارسات أركانها في مقام تثبيت دعائمها، وتشييد أركانها. فهل كانوا في ذلك كله يحاولون اقتفاء أثر الرسول (ص)، ويعملون على استلهام الكتاب العزيز، ولم ينطلقوا من فراغ؟!

وبعد ذلك، فهل كان قتل مالك بن نويرة، والبناء بزوجته ليلة قتله، وجعل رأسه أثفية للقدر في عمل طبخ الطعام، وحماية أبي بكر لخالد، الذي فعل ذلك كله.. هل كل ذلك كان اقتفاء لأثر الرسول واستلهاماً لكتاب الله، ولم ينطلقوا من فراغ؟!.

ومع غض النظر عن ذلك كله.. هل كان حرق الفجاءة.. ومنعهم كتابة ورواية حديث رسول الله (ص)، وحبس كبار الصحابة في المدينة، وإعطاء خمس أفريقية لمروان.. وضربهم من يسأل عن معنى آية قرآنية، والتنكيل بنصر بن حجاج..

وهل كان التمييز في العطاء على أساس قبلي وعرقي.. وتولية الفساق الذين يشربون الخمر، ويصلون بالناس في مسجد الكوفة بالعراق وهم سكارى، والذين يعتبرون سواد العراق بستاناً لقريش.. ويعلنون الحرب على مخالفيهم بعنوان حرب الردة والمنع من حيّ على خير العمل.. وغير ذلك مما يتعذر علينا إحصاؤه الآن، ويكفي مراجعة كتاب الغدير للعلامة الأميني رحمه الله للوقوف على بعض من ذلك.

هل كان ذلك كله اقتفاء منهم لأثر الرسول (ص)، واستلهاماً لكتاب الله.. ولم ينطلقوا من فراغ؟!

ولماذا إذن هب الصحابة وغيرهم في وجه عثمان حتى قتلوه ؟!

ولعل هذا البعض ـ الذي نتوقع منه أن يصر على مقولاته هذه سوف يعتذر عن هؤلاء بأنهم قد تأوّلوا فأخطأوا. وبذلك ينالون المثوبة على كل ما فعلوه مما ذكرناه آنفاً ومما لم نذكره.. ولا نملك والحالة هذه إلا أن نقول:

إنا لله وإنا إليه راجعون. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

1014 ـ الثابتون مع الرسول يوم أحد سوى علي.

1015 ـ دافع الثابتون عن النبي دفاع المستميت.

1016 ـ كسرت رباعية النبي (ص).

يقول هذا البعض وهو يتحدث عن حرب أحد:

".. فدارت الدائرة على المسلمين حتى تعرضت حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للخطر فأصابته حجارة من المشركين فكُسرت رباعيته وشُجّ وجهه وجرحت جبهته ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجهه.. وفر المسلمون عنه، ولم يبق معه إلا نفر قليل كان في طليعتهم علي بن أبي طالب وأبو دجانة وسهل بن حنيف فدافعوا عنه دفاع المستميت.."[151].

وقفة قصيرة:

1ً ـ ذكر هذا البعض ذلك النص الذي يتحدث عن كسر رباعيته (صلى الله عليه وآله وسلم) في أحد، مع أن المروي عن الإمام الصادق عليه السلام:أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من الدنيا سليما في بدنه[152]، لم ينقص منه شيء.

ولو أن هذا البعض راجع روايات أهل البيت لم يقع في هذا الغلط.

2ً ـ قد دلت النصوص المتضافرة على أنه لم يثبت في أحد سوى أمير المؤمنين عليه السلام. لكن هذا البعض يذكر أنه قد ثبت في موقع القتال مع علي (ع) رجال آخرون أيضا، وهم نفر قليل في طليعتهم: أبو دجانة وسهل بن حنيف، وذكر أنهم قد دافعوا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دفاع المستميت، وهو ما يحاول كثيرون من أتباع المذاهب الأخرى التأكيد عليه، تجنيا على علي (ع) وحفظا لماء وجه غيره، فلماذا لا يتثبت في هذا الأمر، بل يبادر للأخذ بأقوال هؤلاء، ليس في هذا المورد وحسب، وإنما في موارد كثيرة جداً، مما ورد في حق علي وأهل البيت عليهم السلام في القرآن الكريم؟.

ومن الواضح: أن الثابت الذي لا ريب فيه، هو أن عليا عليه السلام هو الذي قد ثبت يوم أحد، وكل من عداه كان من الفارين، ويدل على ثبات علي وحده في هذه المعركة ما يلي:

قال القوشجي في شرحه على التجريد بعد أن ذكر قتل علي عليه السلام لأصحاب اللواء:

"فحمل خالد بن الوليد بأصحابه على النبي(ص)، فضربوه بالسيوف، والرماح والحجر، حتى غشي عليه، فانهزم الناس عنه سوى علي (ع)، فنظر النبي (ص) بعد إفاقته، وقال: اكفني هؤلاء، فهزمهم علي عنه، وكان أكثر المقتولين منه"[153].

ب ـ عن ابن عباس، قال: " لعلي أربع خصال، هو أول عربي وعجمي صلى مع النبي (ص)، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم المهراس (أي يوم أحد)، انهزم الناس كلهم غيره، وهو الذي غسله وأدخله قبره "[154].

ج ـ ما ذكرنا في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)[155] أن من يذكرونهم: أنهم ثبتوا،لا ريب في فرارهم، كما تدل عليه النصوص فلتراجع هناك.

د ـ أخرج الإمام أحمد، عن أنس: أن المشركين لما رهقوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد ـ وهو في سبعة من الأنصار، ورجل من قريش ـ قال: من يردهم عنا، وهو رفيقي في الجنة ؟ فجاء رجل من الأنصار ؛ فقاتل حتى قتل. فلما رهقوه أيضا قال: من يردهم عنا، وهو رفيقي في الجنة ؟.. فأجابه أنصاري آخر وهكذا، حتى قتل السبعة. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ): ما أنصفنا أصحابنا[156].

سر الاختلاف في من ثبت:

وبعد، فإننا يمكن أن نفهم: أن رجعة المسلمين إلى المعركة بعد هزيمتهم لم تكن على وتيرة واحدة، وإنما رجع الأول فرأى علياُ ثم رجع آخر، فرأى عليا وأبا دجانة مثلا، ثم رجع آخر فرأى خمسة أشخاص، وهكذا، فكل منهم ينقل ما رآه. حتى وصل العدد لدى بعض الناقلين إلى ثلاثين.

كما أن ما يؤثر عن بعض الصحابة من مواقف نضالية، لعـله ـ إن صح ـ كان بعد عودتهم إلى ساحة القتال.

سر الحكم بثبات أبي دجانة:

ولعل ذكر أبي دجانة في من ثبت في بعض الأخبار، مرجعه إلى ما قدمناه آنفاًً. وبهذا نفسّر قول ابن مسعود: انهزم الناس إلا علي وحده. وثاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) نفر، وكان أولهم عاصم بن ثابت، وأبو دجانة[157].

 

1017 ـ علي (ع) إنما حمل لواء المهاجرين في حنين.

1018 ـ الألوية والرايات تعددت في حنين وكثرت.

1019 ـ ثبت أبو بكر وعمر وأناس من أهل بيت النبي وأصحابه.

يقول البعض حول حرب حنين:

"وصفهم صفوفاً، ووضع الرايات في أهلها، مع المهاجرين لواء يحمله علي بن أبي طالب، وراية يحملها سعد بن أبي وقاص، وراية يحملها عمر بن الخطاب، ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر، ولواء الأوس يحمله أسيد بن خضير.. وفي كل بطن من الأوس والخزرج لواء أو راية يحملها رجل منهم مسمى. وقبائل العرب فيهم الألوية والرايات، يحملها قوم منهم مسمّون".

إلى أن قال؛ وهو يتحدث عن هزيمة الناس:

"فجعل رسول الله (ص) يقول: يا أنصار الله، وأنصار رسول الله، أنا عبد الله، ورسوله.

ورجع رسول الله إلى المعسكر، وثاب إليه من انهزم.

وثبت معه يومئذٍ: العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد في أناس من أهل بيته وأصحابه الخ.."[158].

وقفة قصيرة:

ويستوقفنا هنا عدة أمور، نذكر منها ما يلي:

أولاً: إن هذا البعض قد ساق الحديث المشار إليه وكأنه هو الحقيقة الثابتة، التي لا مراء فيها.. وجعلها محلاً لتحليلاته، ومنطلقاً لاستنتاجاته، أو تعليلاته وتأويلاته.

ومن المعلوم أن هذا البعض نفسه لم يزل يعلن أنه لا يكتفي بمطلق الحجة في مثل هذه الموارد، بل يلتزم بضرورة كون الدليل موجباً للقطع واليقين في كل ما عدا الأحكام الشرعية.

فهل نقل ابن سعد هذا يعتبر من الأدلة اليقينية عنده إما لتواتره، أو لكونه محفوفاً بقرينة قطعية؟! وأين هي تلك القرينة؟!

ثانياً: لماذا اختار هذا البعض خصوص رواية طبقات ابن سعد. ولم يخطر في باله أن يرجع إلى أي مصدر شيعي ـ ولو إلى كتاب الإرشاد للمفيد، أو إلى البحار فيذكر وقائع قصّة حنين من هذا الكتاب الشريف أو ذاك، ثم يحلّل ويستنتج ويقرّب ويبعّد حسبما يراه مناسباً.

ثالثاً: إن هذا البعض قد ذكر: أن علياً صلوات الله وسلامه عليه كان يحمل لواء المهاجرين، وأعطى (ص) راية لسعد وراية لعمر. ثم أعطى لواء الخزرج لحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن خضير.

ونقول:

إن ذلك لا يصح، لأن لواء الجيش كله كان مع علي. ولا يمنع أن يكون معه لواء المهاجرين أيضاً.

ويدل على ذلك:

ألف: نصوص عامة، وهي التالية:

1 ـ إنهم يقولون إنه عليه السلام كان صاحب لواء رسول الله(ص) في بدر، وفي كل مشهد[159].

2 ـ عن ابن عباس، قال: لعلي بن أبي طالب(ع) أربع ما هنّ لأحد: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله (ص). وهو صاحب لوائه في كل زحف. وهو الذي ثبت معه يوم المهراس؛ وفرّ الناس. وهو الذي أدخله قبره[160].

3 ـ عن ابن عباس: كان علي أخذ راية رسول الله يوم بدر. قال [الحكم ] الحاكم: وفي المشاهد كلها[161].

4 ـ وعن مالك بن دينار: سألت سعيد بن جبير وإخوانه من القراء: من كان حامل راية رسول الله (ص)؟ قالوا: كان حاملها علي(رض).

وفي نص آخر: أنه لما سأل مالك سعيد بن جبير عن ذلك غضب سعيد فشكاه مالك إلى إخوانه من القرّاء، فعرّفوه: أنه خائف من الحجاج. فعاد وسأله، فقال: كان حاملها علي (رض). هكذا سمعت من عبد الله بن عباس[162].

وفي نص آخر عن مالك بن دينار قال: قلت لسعيد بن جبير: من كان صاحب راية رسول الله(ص)؟

قال: إنك لرخو اللبب.

فقال لي معبد الجهني: أنا أخبرك: كان يحملها في المسير ابن ميسرة العبسي، فإذا كان القتال؛ أخذها علي بن أبي طالب رضي الله عنه[163].

5 ـ عن جابر: قالوا: يا رسول الله، من يـحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: من عسى أن يـحملها يوم القيامة، إلا من كان يـحملها في الدنيا، علي بن أبـي طالب؟! وفي نص آخر: عبر باللواء بدل الراية[164].

6 ـ وحينما مرّ سعد بن أبي وقاص برجل يشتم علياً، والناس حوله في المدينة، وقف عليه، وقال: يا هذا، على ما تشتم علي بن أبي طالب؟ ألم يكن أول من أسلم؟ ألم يكن أول من صلى مع رسول الله(ص)؟ ألم يكن أزهد الناس؟ ألم يكن أعلم الناس؟ وذكر حتى قال: ألم يكن صاحب راية رسول الله(ص) في غزواته؟[165].

وظاهر كلامه هذا: أن ذلك كان من مختصاته صلوات الله وسلامه عليه.

7 ـ عن مقسم: أن راية النبي(ص) كانت تكون مع علي بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، وكان إذا استعر القتال كان النبي(ص) مما يكون تحت راية الأنصار[166].

8 ـ عن عامر: إن راية النبي(ص) كانت تكون مع علي بن أبي طالب، وكانت في الأنصار حيثما تولوا[167].

وقد يقال: إن هذين النصين الواردين تحت رقم 7 و8 لا يدلاّن على أن الراية كانت دائماً مع علي(ع) بصورة أكيدة وصريحة، وإن كان يمكن أن يقال: إن ظاهرهما هو ذلك.

9 ـ عن ثعلبة بن أبي مالك، قال: كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول الله(ص) في المواطن كلها؛ فإذا كان وقت القتال أخذها علي بن أبي طالب[168].

10 ـ قال ابن حمزة: (وهل نقل أحد من أهل العلم: أن علياً كان في جيش إلا وهو أميره؟)[169].

11 ـ وفي حديث المناشدة: أن علياً(ع) قال: نشدتكم الله، هل فيكم أحد صاحب راية رسول الله(ص) منذ يوم بعثه الله إلى يوم قبضه، غيري؟!

قالوا: اللهم لا[170].

ب: نصوص خاصة.

هناك من النصوص ما يؤكد هذا الأمر في خصوص غزوة حنين، وإن كان هذا الأمر لا يحتاج إلى التأكيد، فقد قال القمي رحمه الله:

(.. فرغب الناس، وخرجوا على راياتهم، وعقد اللواء الأكبر، ودفعه إلى أمير المؤمنين (ع)، وكل من دخل مكة براية أمره أن يحملها)[171].

رابعاً: إن هذه الرواية التي أوردها هذا البعض، وأرسلها إرسال المسلمات، وبنى عليها استنتاجاته تقول: إن عمر وأبا بكر وأسامة بن زيد، وجماعة من أهل بيته وأصحابه.. قد ثبتوا يوم أحد.

ونقول: إن ذلك لا يصح.. وذلك استناداً إلى الأمور التالية:

1 ـ قال الشيخ المفيد (ره) وغيره: (ومن ثبت معه من بني هاشم يومئذ، وهم ثمانية، أمير المؤمنين تاسعهم: العباس بن عبد المطلب عن يمين رسول الله، والفضل بن العباس بن عبد المطلب عن يساره، وأبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند ثفر[172] بغلته، وأمير المؤمنين(ع) بين يديه بالسيف، ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب حوله. وقد ولّت الكافة مدبرين سوى من ذكرناه)[173].

2 ـ قال مالك بن عبادة الغافقي:

لم يواس النبي غير بني ها          شم عند السيوف يوم حنين

هرب الناس غير تسعة رهط                فهم يهتفون بالناس: أين

ثم قاموا مع النبي على المو          ت فأبوا زينا لنا غير شين

وثوى أيمن الأمين من القو           م شهيداً فاعتاض قرة عين[174]

3 ـ وقال العباس بن عبد المطلب؛ وكلامه هذا يؤيد صحة رواية المفيد:

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة          وقد فرّ من قد فرّ عنه فأقشعوا

وقولي إذا ما الفضل شد بسيفه               على القوم أخرى يا بني ليرجعوا

وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه          لما ناله في الله لا يتوجع[175]

4 ـ وفي احتجاج المأمون على علماء عصره يقول المأمون حول نزول السكينة في حنين: (إن الناس انهزموا يوم حنين، فلم يبق مع النبي(ص) إلا سبعة من بني هاشم: علي(ع) يضرب بسيفه، والعباس أخذ بلجام بغلة النبي (ص)، والخمسة محدقون بالنبي (ص)، خوفاً من أن يناله سلاح الكفار، حتى أعطى الله تبارك وتعالى رسوله عليه السلام الظفر. عنى في هذا الموضع[176] علياً، ومن حضر من بني هاشم، فمن كان أفضل، أمن كان مع النبي(ص)، ونزلت السكينة على النبي(ص) وعليه؟! أم من كان في الغار مع النبي(ص) ولم يكن أهلاً لنزولها عليه ؟[177].

5 ـ قال ابن قتيبة: (كان الذين ثبتوا مع رسول الله (ص) يوم حنين، بعد هزيمة الناس: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب ـ أخذ بحكمة بغلته ـ وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأيمن بن عبيد ـ وهو ابن أم أيمن مولاة رسول الله (ص) ـ وحاضنته، وقتل يومئذ هو وابن أبي سفيان ـ ولا عقب لابن أبي سفيان و ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة..)[178].

فتجده لم يذكر أبا بكر وعمر في جملة من ثبت.

6 ـ (وكانت نسيبة بنت كعب تحثو في وجوه المنهزمين التراب، وتقول: أين تفرون؟ عن الله، وعن رسوله؟ ومر بها عمر، فقالت له: ويلك ما هذا الذي صنعت؟!

فقال لها: هذا أمر الله[179].

7 ـ عن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه كان يحدث الناس عن يوم حنين، قال:

(فر الناس جميعاً، وأعروا رسول الله(ص)، فلم يبق معه إلا سبعة نفر، من بني عبد المطلب: العباس، وابنه الفضل، وعلي، وأخوه عقيل، وأبو سفيان، وربيعة، ونوفل بنو الحارث بن عبد المطلب).

إلى أن قال: (التفت العباس يومئذٍ وقد أقشع الناس عن بكرة أبيهم، فلم ير علياً في من ثبت، فقال: شوهة بوهة، أفي مثل هذا الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول الله(ص)، وهو صاحب ما هو صاحبه؟ يعني المواطن المشهورة له.

فقلت: نقص قولك لابن أخيك يا أبة.

قال: ما ذاك يا فضل؟

قلت: أما تراه في الرعيل الأول؟ أما تراه في الرهج؟

قال: أشعره لي يا بني.

قلت: ذو كذا، ذو البردة.

قال: فما تلك البرقة؟

قلت: سيفه يزيّل به بين الأقران.

قال: برّ، ابن بر، فداه عم وخال.

قال: فضرب علي يومئذٍ أربعين مبارزاً كلهم يقدّه حتى أنفه وذكره. قال: وكانت ضرباته مبتكرة)[180].

8 ـ وقال اليعقوبي: (فانهزم المسلمون عن رسول الله(ص) حتى بقي في عشرة من بني هاشم. وقيل: تسعة. وهم: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، وعتبة، ومعتب ابنا أبي لهب، والفضل بن العباس، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب. وقيل: أيمن ابن أم أيمن)[181].

9 ـ (.. وفي رواية: لما فرّ الناس يوم حنين عن النبي(ص) لم يبق معه إلا أربعة، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم: علي بن أبي طالب، والعباس ـ وهما بين يديه ـ وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالعنان، وابن مسعود من جانبه الأيسر. ولا يقبل أحد من المشركين جهته إلا قتل)[182].

10 ـ وقال الطبرسي: (الذين ثبتوا مع رسول الله(ص) علي والعباس، في نفر من بني هاشم. عن الضحاك بن مزاحم)[183].

11 ـ روي عن البراء بن عازب: (ولم يبق مع رسول الله(ص) إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث)[184].

12 ـ وأخيراً.. فإن البعض يقول: (وانهزم المسلمون، فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب، فقلت له: ما شأن الناس؟! قال: أمر الله.. ثم تراجع الناس إلى رسول الله(ص))[185].

13 ـ قال المجلسي: (إن الإمام الباقر (عليه السلام) قد احتج على الحروري: بأنهم (كانوا تسعة فقط: علي، وأبو دجانة، وأيمن فبان أن أبا بكر لم يكن من المؤمنين)[186].

 

وخلاصة القول:

إن من يظهر نفسه للناس على أنه رجل علم وتحقيق، وأنه يلتزم خط أهل البيت.. وأنه يشترط الدليل اليقيني في كل ما عدا الحكم الشرعي ولا يكتفي بمطلق الحجة. لا يمكن أن يتحاشى مصادر الحديث والتاريخ التي ألفها علماء المذهب، والأمناء على هذا الدين، ويكتفي بما ذكره آخرون ممن يهتمون بالتسويق لمناوئي أهل البيت عليهم السلام، ويقدمه للناس على أنه هو الحقيقة الراهنة، التي تقبل بعجرها وبجرها.

 

1020 ـ خالد بن الوليد ولي شرعي لعمار وللمسلمين.

1021 ـ تنزل الآية بإطاعة أولي الأمر في مورد معصيتهم لله.

1022 ـ ولاية خالد هي في الدائرة الخاصة.

هناك رواية تتحدث عن شأن النزول لآية: {أطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم..} وهي تتحدث عن مشكلة نشأت بين خالد بن الوليد وعمار بن ياسر في بعض الغزوات التي كان خالد بن الوليد أميراً على السريّة فيها..

وقد ضعّف البعض هذه الرواية وردّها.. وقد أصاب في ذلك.. ولكنه عاد فاستدرك كلاماً آخر لا مجال لقبوله.. حيث قال هذا البعض:

"ومع ذلك كله، فإن المسألة المطروحة في الخط العام صحيحة لأن المفروض أن خالداً، على تقدير صحّة الرواية ـ وهي ضعيفة ـ كان مكلفاً بالأمر القيادي من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما جعله ولياً شرعياً في هذه الدائرة الخاصة، فليس لأتباعه إلا الطاعة والخضوع له في أوامره ونواهيه المتصلة بحركة المسؤولية، فلا يجوز لهم الاستقلال عنه بأي عمل أو موقف، لأن معصيته معصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"[187].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ إن هذا البعض إذا كان قد شكّك في صحّة الرواية، فكيف فرّع عليها هذه التفريعات، واعتبرها صحيحة في الخط العام.

2 ـ إن هذا البعض قد خلط بين أمرين:

أحدهما: لزوم تنفيذ الأمر.

والثاني: الولاية الشرعية في الدائرة المحدودة..

ومن الواضح: أن لزوم تنفيذ الأمر، لا يعني جعل الآمر ولياً شرعياً، فقد يكون ذلك الآمر كافراً، ومع ذلك يجب عليك تنفيذ أمره لكي تدفع الضرر عن نفسك، أو لتصل إلى مطلوبك أو تحفظ مصالحك من خلاله..

فهل يصبح ذلك الكافر ولياً لك لمجرد أنه يجب عليك امتثال أوامره.

وقد أمرك الله حين تستأذن على أحد وهو في بيته بالرجوع، فقال: إن قيل لكم ارجعوا فارجعوا، فهل يصير صاحب البيت ولياً لك بذلك.

وكذلك الحال في كل موظف يريد تطبيق القانون، كقانون السير، وقانون الضمان، وقانون الأحوال الشخصية، والإحصاء، وما إلى ذلك.

3 ـ قوله:

"إن المسألة المطروحة في الخط العام صحيحة".

لا يمكن قبوله.. لأن الآية لا يمكن أن تنزل من عند الله لتأمرهم بإطاعة خالد باعتبار أنه ولي شرعي.. في الوقت الذي يطلب خالد منهم ما لا يحق له. بل هو يعصي الله في ذلك، فهل يمكن أن تأمرهم بإطاعته في مورد يعصي الله فيه ؟! وقد جاء الحديث الصريح ليقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو فرضنا أنه لم يكن عاصياً بل كان جاهلاً بالحكم الشرعي، فهل تجب طاعته في مثل هذا المورد أيضاً ـ فإن الرجل الذي أعطاه عمّار الأمان قد كان من المسلمين فلا يصح أن يسبى ولا يحتاج إلى إجازة عمّار، ولا إجازة خالد، بل لا يحتاج حتى إلى أمان من أحد، وإنما أمر خالد بمحاربة الكفار وسبيهم.. فعمار لم يخطئ في توجيه الرجل للبقاء في موطنه. وخالد هو الذي اخطأ حينما أسر الرجل وأخذ ماله وهو مسلم.

وأما لزوم أن تكون الإجازة والأمان بعلم الأمير.. فليس ثمة ما يثبته إلا ما يدّعيه خالد نفسه.. وإلا فإن المسلمين يسعى بذمتهم أدناهم، وأيما رجل من المسلمين أعطى لكافر أماناً ولو بإشارة منه، فإن أمانه ماضٍ له. ولا يستطيع أحد أن يماري في ذلك..

 

1023 ـ خير أمة أخرجت للناس نزلت في ابن مسعود.

1024 ـ خير أمة أخرجت للناس نزلت في معاذ بن جبل.

1025 ـ خير أمة أخرجت للناس نزلت في سالم مولى أبي حذيفة.

وفي مناسبة تفسير قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} يذكر البعض تحت عنوان: مناسبة النزول، ما يلي:

"جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن مالك بن الضيف، ووهب بن يهوذا اليهوديين، قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعونا إليه، ونحن خير وأفضل منكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية "[188].

وقفة قصيرة:

ونقول:

أ ـ قد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام): أن هذه الآية قد نزلت في آل محمد (صلى الله عليه وآله) فراجع [189] فلماذا يتجاهل البعض هذه الروايات؟!

2 ـ إن معاذ بن جبل كما يقول سليم بن قيس: كان من الذين كتبوا الصحيفة في إزالة الإمامة عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

وفي رجال البرقي في حديث يذكر فيه أن جمعاً أنكروا على أبي بكر تقدمه على علي (عليه السلام) قال: (وسل عمر سيفه في الجمعة المقبلة، وقال: يضرب عنق من قال مثل مقالتهم. ثم مضى هو وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبو عبيدة شاهرين سيوفهم، حتى أخرجوا أبا بكر، وأصعدوه المنبر)[190].

كما أنهم يذكرون: أن معاذ بن جبل قد كان في جملة المهاجمين لبيت فاطمة الزهراء عليها السلام بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)[191].

3 ـ أما بالنسبة لسالم مولى أبي حذيفة، فقد تقدم قولهم.. إنه قد سلّ سيفه وذهب مع عمر، واستخرج أبا بكر، وأصعده المنبر، وذلك لإسكات الأصوات التي ارتفعت بالإعتراض على خلافته..

كما أن بعض الروايات تقول: إن الإمام الصادق (ع) قال: إن آية: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر، ويقولون: إنه لمجنون} !![192]. قد نزلت فيه.

على أن قول عمر: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لوليته، أو ما جعلتها شورى، يوضح مكانة هذا الرجل عند عمر: خصوصاً إذا علمنا مدى شدّة عمر في أمر الموالي، وكره قريش لهم.. ومع إجماعهم على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (الأئمة من قريش).

وروي أنه هاجر مع عمر، بل قيل: إن النبي (ص) آخى بينه وبين أبي بكر[193].

4 ـ وأما بالنسبة لابن مسعود: فقد قالوا: إن الفضل بن شاذان قال عنه: إنه (خلط، ووالى القوم، ومال معهم، وقال بهم)[194].

وقد جاءت من اليمن أو مكة صحيفة فيها أحاديث حسان في أهل البيت (ع) إلى عبد الله بن مسعود، فدعا بطست فيه ماء، فمحاها[195].

وقد تكلم التستري في كتابه: قاموس الرجال ج 6 ص136 ـ 142 بصورة مسهبة عن أمر ابن مسعود، ولم يرتضِ ما ذكروه في مدحه، وردّه، وفنّده، فراجع.

 

1026 ـ الإمام الصادق (ع) يقدم مخدته لمالك بن أنس ليجلس عليها.

1027 ـ الإمام الصادق (ع) يعرف قدراً لمالك بن أنس.

1028 ـ الإمام الصادق (ع) يفيض بمشاعر الحب لمالك بن أنس.

1029 ـ علم مالك وخلقه هما سبب حب الإمام (ع) له.

ويقول البعض، تحت عنوان:

"الإفاضة بمشاعر الحب: ونكتفي بشهادة أحد أئمة المذاهب آنذاك، وهو (مالك بن أنس) الذي كان يجلس إلى الإمام الصادق (ع)، وكان يتحدث عنه فيقول:

كنت أدخل إلى الصادق جعفر بن محمد: فيقدم لي مخدته، ويعرف لي قدراً ـ لأن مالك بن أنس كان من فقهاء السنة، ومن أئمة مذاهبهم ـ ويقول: (يا مالك، إني أحبك)، فكنت أسر بذلك ـ حيث كان الإمام عليه السلام يفيض بمشاعر الحب، حتى للذي يختلف معه في الخط المذهبي، على أساس أنه يحب علمه وخلقه ـ وأحمد الله عليه"[196].

وقفة قصيرة:

إننا نسجل بعض النقاط، ونترك بعضها الآخر لإفساح المجال أمام القاريء الكريم ليتلمس الحقيقة بنفسه، فنقول:

1ً ـ إن هذا البعض لا يقبل في غير الأحكام الشرعية بالخبر الواحد، ولا المستفيض بل يشترط القطع واليقين في التاريخ والتفسير، وفي مواصفات الأشخاص.. وفي كل شيء..

فهل هذا الخبر الذي ينقله لنا متواتر؟! أو قطعي؟! وكيف؟! علماً أنه لا بد من حصول التواتر وتأكد اليقين في جميع مراتب السند وطبقاته.

2 ـ وتتأكد الشبهة والتهمة حول هذا الخبر إذا كان راوي الحديث يريد أن يثبت لنفسه فضلاً وامتيازاً، فإن شهادة الإنسان لنفسه غير مقبولة، كما هو معلوم، ولعله يريد من خلال ذلك أن يفتح نافذة على أصحاب الإمام لجذبهم إلى خطه..

3 ـ إن من الواضح: أن الإمام الصادق(ع) كان يعتبر مالكاً وغيره من أئمة المذاهب مخطئين في خطهم المذهبي، ولا شك في أنه عليه السلام كان قد أقام الحجة عليهم في إمامته.. ولكنهم قد أصروا على الخلاف؛ فهل يمكن بعد هذا كله أن يحبهم، أو أن " يفيض بمشاعر الحب" لهم.

4 ـ لنفترض صحة مقولة حبه عليه السلام لمالك بن أنس، فمن أين علم هذا البعض: أن حبه له كان لأجل علمه، ولأجل خلقه، فلعله أحبه لأجل موقف سياسي اتخذه أو لأجل حادثة جرت اتخذ فيها مالك جانب الحق لأكثر من سبب.

5 ـ ومن الذي قال إن ما فعله أو قاله الإمام لو صح أنه فعله، أو قاله لم يأت على سبيل التقيّة والمداراة للسلطان وأعوانه، حيث كان مالك يعمل مع السلطان من دون أي تحفظ.


الفصل الثاني
إعتقادات.. لا مبرر لها..

ما في هذا الفصل:

ما نقدمه إلى القارئ في هذا الفصل ذو ألوان مختلفة، فبعضه يدخل في علوم القرآن، وبعضه تاريخي، وبعضه يرتبط بالعقائد، وبعضه أغلاط فاضحة وواضحة.. وغير ذلك، وهو على العموم يظهر أنه لا مجال للإعتداد بـما يراد الترويج له، من أن ثمة درجة من الدقة والتحقيق والإطلاع وما إلى ذلك، مـادام أن ذلك لـم يثبت بالأرقام وبالأدلة والشواهد.

فنقول:

 

1030 ـ المعصوم يخطئ في الترجمة.

1031 ـ تعبير المعصوم ليس دقيقا.

1032 ـ الأحاديث القدسية مترجمة.

يقول البعض عن الأحاديث القدسية:

"لعلها هي الأحاديث تمثل ما كان ينزل على الأنبياء السابقين، ونقل عن النبي (ص)، وعن الأئمة(ع).. الظاهر هكذا"[197].

ثم يقول عن الحديث القدسي: عبدي أطعني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون:

"إن الأحاديث القدسية قد تكون منطلقة مما بقي لنا من الكتب السابقة، إمّا من الكتب التي بقي لنا بعضها، كالإنجيل، والتوراة، وإما من الكتب التي لم تبق لنا في كيانها الكتابي، مثل صحف إبراهيم عليه السلام، أو ما يقال عن صحف إدريس (ع)، وما إلى ذلك.

ومن الطبيعي أنّ هذه الأحاديث على تقدير صحتها، ترجمت من اللغة الأصلية التي نزلت بها إلى اللغة العربية، وقد لا تكون الترجمة دقيقة في الكثير من الحالات، لأن المترجم قد ينقل معنى الكلمة في اللغة، ولكن من الصعب أن ينقل أجواء اللغة، فلكل لغة أجواؤها، ولكل لغة إيحاءاتها وطريقتها في التعبير، ولذلك من الصعب جدّا أن نجد ترجمة دقيقة لأي أثر فكري، سواء كان دينيا أو غير ديني.

معنى الحديث

وفيما أفهمه من هذا الحديث، فإن الله، يقول للإنسان، أطعني، فإنّك إذا أطعتني، قربت إليّ، وإذا قربت إليّ كنت مهيئا، لأن أعطيك ما تريد، فأنا على كل شيء قدير... ومن الممكن أن أجعلك تقول للشيء:كن فيكون، كما جعلت ذلك لعيسى (ع)، عندما أبرأ الأكمه، وشفى الأبرص، وأحيى الميت، ولكن ليس معنى ذلك أن الطاعة تستلزم هذه القدرة وليس كل من أطاع الله حصل على هذه القدرة، ولكنها قد تكون كناية على أن الإنسان، إذا أطاع الله كما يجب أن يطيعه في قدرته، كان وليا لله، ومن كان وليا لله فان الله يمكن أن يعطيه القدرة التي يستطيع من خلالها أن يقول للشيء: كن فيكون... وليس من الضروري أن يكون تعبير (مثلي) دقيقا، لأن الإنسان ـ وحتى الأنبياء ـ عندما يمارسون القدرة، فإنما يمارسونهـا بـإذن الله {وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله} فالله تعالى ليس كمثله شيء، لذلك كلمة (مثلي) ليست دقيقة، وأظن أنها تحمل خللا في الترجمة"[198].

ويقول عند سؤاله أيضا:

س: ما هو رأيكم في الحديث القدسي المشهور (عبدي أطعني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون)؟

"ج: فيما أفهمه من هذا الحديث فان الله يقول للإنسان أطعني فانك إذا أطعتني قربت إلي وإذا قربت إلي كنت مهيئا لأن أعطيك ما تريد، فأنا على كل شيء قدير، ومن الممكن أن أجعلك تقول للشيء كن فيكون، كما جعلت ذلك لعيسى (ع) عندما كان يبرئ الأكمه والأعمى بإذن الله ويحيي الموتى بإذن الله…، فمن الممكن جدا أن الطاعة تستلزم ذلك أي الحصول على هذه القدرة، ولكنها قد تكون كناية عن أن الإنسان يجب أن يطيع الله كما أطاعه بقدرته (كن وليا لله) ومن كان وليا فان الله يمكن أن يعطيه القدرة التي يستطيع بواسطتها أن يقول للشيء كن فيكون، لكن ليس من الضروري أن يكون تعبير (مثلي ) دقيقا لأنه عندما يمارسون ذلك فانهم يمارسونه بإذن الله {أبرىء الأكمه وأحيي الموتى بإذن الله}، {ليس كمثله شيء} لذلك فكلمة مثلي ليست دقيقة[199].

وواضح: أنه لا معنى لإدعاء الخطأ في الترجمة إذا كان الحديث قد قاله المعصوم. لأن المعصوم إنما ينقل الحديث الصافي والمبرأ والسالم عن أي عيب أو خطأ. ولا ينقل الخطأ على أنه الحقيقة، ولأن المعصوم ليس صحفيا يأخذ من الكتب.

 

1033 ـ الأحاديث القدسية هي ما كان ينزل على الأنبياء السابقين ونقلها المعصومون عنهم.

سئل البعض:

ما هي الأحاديث القدسية؟

فأجاب:

"الأحاديث القدسية لعلها هي الأحاديث التي تمثل ما كان ينزل على الأنبياء السابقين، ونقل عن النبي (ص)، وعن الأئمة (ع) الظاهر هكذا"[200].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ بل الأحاديث القدسية هي تلك التي رواها المعصوم على أنها من كلام الله سبحانه، ولكنها ليست من القرآن، وذلك مثل ما روي من قوله تعالى: {عبدي أطعني تكن مثلي، تقول للشيء: كن، فيكون..} وليس بالضرورة أن تكون قد نزلت على نبي سابق.

2 ـ ونذكّر القاريء أن هذا البعض ذكر: "بأن الأحاديث القدسية هي ترجمات عن اللغات الأخرى، وقد احتمل أن تكون تلك الترجمات غير دقيقة"[201]. فراجع ما تقدم.

 

1034 ـ كذب الوقاتون: تشمل أحاديث الأئمة !!!

1035 ـ كذب الوقاتون: تشمل مدة حياة الإمام (ع) بعد خروجه.

ويسأل البعض عن مدة حياة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) بعد ظهوره:

وما رأيكم في الروايات، مثلا تقول: يعيش 40 سنة، أو 7 سنوات؟!

فيجيب:

"كذب الوقاتون"[202].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ الظاهر أن هذا البعض يستند إلى رواية كذب الوقاتون، التي جاءت للرد على من يوقت خروج الإمام (عليهم السلام).

مع أن السؤال الموجه إليه هو عن الروايات التي تتحدث عن مدة بقائه (عليه السلام) بعد خروجه، ولا ارتباط لها بتوقيت الخروج..

2 ـ أما لو كان لا يستند إلى هذه الرواية، فإن الأمر يصبح أقبح حيث إنه يبادر إلى تكذيب ما يروى عن أهل البيت (عليهم السلام) بهذه الطريقة الجافة، والمهينة.

ومن الواضح: أن السؤال هو عن الروايات التي تحدد الوقت، والروايات إذا كانت صادرة عنهم (عليهم السلام)، فإن كلامهم هو المعيار والميزان فلا يصح اعتبارهم من الذين يكذبون، العياذ بالله.

وأما رواية: (كذب الوقاتون) فهي موجهة لغيرهم ممن يقولون بغير علم، ويملأون أسماع الناس بما هو مجرد تخرّص ورجم بالغيب..

وبعبارة أوضح وأصرح، إذا كان الأئمة (عليهم السلام) قد ذكروا ـ بالفعل ـ مدة معينة يعيشها الإمام (عليه السلام) بعد خروجه، وفرض أن هذا من التوقيت، فهل يكون كلامهم (عليهم السلام) كذباً، ليقال كذب الوقاتون؟!. أم أن اللازم هو البحث للتأكد من صدور الروايات عنهم، ومدى إمكان الإعتماد عليها؟.

 

1036 ـ لا فضـل للملائكة في فعل الخير.

1037 ـ الملائكة يمارسون الخير تكويناً.

1038 ـ النوع الإنساني هو المستخلف.

يقول البعض:

"وبهذا انطلقت مسؤولية الإنسان للقيام بدوره بالإنسجام بين طبيعة الحياة وبين إرادة الله، وتسخير القوى التي بين يديه في سبيل الخير لا في سبيل الشر.

وهذا ما يرفعه إلى المستوى الكبير لدى الله، فيكون أفضل من الملائكة الذين يمارسون الخير بشكل تكويني، فلا فضل لهم في ذلك"[203].

ثم يذكر أن الذي جعله الله خليفة في الأرض هو:

"النوع الإنساني، لأن آدم الشخص، محدود بفترة زمنية معينة، ينتهي عمره بانتهائها، فكيف يمكنه القيام بهذا الدور الكبير الذي يشمل الأرض كلها ويتّسع لكل هذه المرحلة الممتدة. هذا أولاً.

وثانياً: إن الملائكة قد وصفوا هذا الخليفة بأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء. وهذا الوصف لا ينطبق على آدم بل ينطبق على بعض الجماعات التي يتمثل فيها النوع الإنساني في مدى الحياة"[204].

وقفة قصيرة:

ونلاحظ هنا:

1 ـ إن كلامه يعني: أن الأنبياء والأوصياء لا فضل لهم فيما يمارسونه من فعل الخير.. لأن هذا البعض يقول: إن العصمة إجبارية.. إما مطلقاً، وإما في خصوص ترك المعاصي، حيث اختلفت أقاويله في هذا المجال..

ومن المعلوم: أنه حين تكون العصمة إجبارية، فإنهم يؤدون الواجبات، ويمتنعون عن المعاصي، بشكل تكويني، لأنهم لا يقدرون على ترك تلك، ولا على فعل هذه، لأن ترك الواجب معصية لا يقدر عليها المعصوم، فلا فضل للمعصوم إذن لا في هذا ولا في ذاك، وفقاً لمقولات هذا البعض.

2 ـ إن الملائكة، وإن كانوا لا يعيشون الشهوات، كما يعيشها الإنسان، ولكنهم لا يمارسون الخير بشكل تكويني، كما يقول هذا البعض بل هم خلق مختارون يمارسون الخير بملء إرادتهم.

وقد يختارون الاستزادة فيه، فترتفع بذلك مقاماتهم، ويزيد فضلهم، ولأجل ذلك كان بعضهم أفضل من بعض وأكرم، ولجبريل فضله العظيم فيهم، والمراجع للروايات الكثيرة جدا يجد صحة ما ذكرناه.

3 ـ من أين علم هذا البعض أن الملائكة يمارسون الخير بشكل تكويني، فلا فضل لهم فيه.. إن ذلك يحتاج إلى القطع واليقين، لأنه يرتبط بحقائق المخلوقات.. وهذا البعض يشترط القطع واليقين في كل ما عدا الأحكام الشرعية..

ويزيد الأمر إلحاحاً في مثل هذا المورد، الذي لا يحصل إلا بالإخبار عن الله سبحانه عن طريق النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليه السلام).

4 ـ أما بالنسبة لاستخلاف النوع الإنساني أو آدم. فإنه قد استظهر أنه النوع الإنساني.. رغم وجود روايات عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) تصرح بأن المقصود هو خصوص آدم (عليه السلام)..

5 ـ إن ما استدل به على أن المقصود هو النوع الإنساني لا يصلح لإثبات ذلك..

فأولاً: إن وصف الملائكة للخليفة بأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء، إنما هو استنتاج منهم ـ فقد روى هذا البعض نفسه رواية عن العياشي تقول: (إنهم قاسوه على من سبقه من الذين استخلفهم الله في الأرض، فأفسدوا فيها) ولم يكونوا على معرفة بنبوة آدم (عليه السلام)، لينزهوه عن الإفساد وسفك الدماء.. فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (ما علم الملائكة بقولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} لو لا أنهم كانوا رأوا من يفسد فيها ويسفك الدماء)[205].

ثانياً: إن الله سبحانه لم يخبرهم بعدد من يستخلفه، فلم يقل لهم: هل هو واحد شخصي أو نوعي، أو جماعة أو غير ذلك.. وذلك يدل على أن الملائكة قد فهموا ما فهموه من عند انفسهم بحسب ما استخلصوه من أمور عرفوها سابقاً واستنبطوا منها أو قاسوا عليها.. وقد أظهر الله لهم أن ما فكروا فيه لم يكن صواباً..

ثالثاً: إن ما ذكره من أن آدم شخص محدود لا يمكنه القيام بهذا الدور الكبير إنما يدخل في دائرة الاستحسانات التي لا محل لها.. فإن الخليفة الحقيقي لله ـ إن كان المقصود بالخليفة ـ الخليفة لله ـ هو آدم (عليه السلام)، وليس أحداً من العصاة والكفرة والجبارين.. فإن هؤلاء يفسدون في الأرض ولا يمثلون خلافة الله..

إذ ليس المقصود بالخلافة هو التجارة والصناعة والزراعة وبناء القصور والدور.. وإنما معنى أسمى من ذلك وهو تجسيد إرادة الله سبحانه على الأرض، وإعمارها بالإيمان والتقوى والعمل الصالح. كما عمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعمرها سائر أنبياء الله وأوصياء رسله..

رابعاً: لو كان المراد إعمار الأرض كلها كما ذكر هذا البعض، فالسؤال هو: متى تحقق هذا الإعمار للأرض كلها ياترى؟ بالطريقة التي قررها هذا البعض؟[206].

 

1039 ـ مضاعفة الثواب تفضلاً دليل على أن أصل المثوبة تفضل أيضاً !

1040 ـ البعض ينسب إلى العلماء ما لا يقولون به في موضوع الجزاء.

يقول البعض:

هل الإحسان الإلهي تفضل أو استحقاق: وقد أفاض علماء الكلام الحديث حول الإحسان الإلهي لعباده المؤمنين المتقين، هل هو تفضل أو استحقاق، ولكن هذا البحث غير دقيق لأن الذي يقول بالاستحقاق، يقصد به الاستحقاق من خلال تفضل الله عليهم بوعده لهم بالمثوبة والإحسان وقد جاء عن الإمام علي (ع) لو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله"[207].

وقفة قصيرة:

1 ـ إن الرواية التي استدل بها على مقصوده ـ من كون أصل المثوبة تفضلاً ـ تقول: جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه وتوسعاً الخ..

ومن الواضح: أن الثواب الذي يثبت بالاستحقاق هو الثواب المقرر من الأساس، فإذا ضاعف الله الثواب، وزاد فيه ؛ فإن هذه الزيادة تكون تفضلاً منه تعالى وكرماً.

وليس في الرواية أن أصل الاستحقاق، قد نشأ عن تفضل الله سبحانه وتعالى على العباد بجعل أصل المثوبة لهم، ووعدهم بها.

2 ـ إن هذا الرجل قد نسب إلى علماء الكلام مقولة مفادها: أن مقصود القائل بالاستحقاق هو الاستحقاق من خلال تفضل الله عليهم بوعده لهم بالمثوبة والإحسان.

وهذه النسبة غير صحيحة قطعاً، و لعله استعار ذلك من البلخي الذي يقول: إن الثواب على الطاعة إنما هو بالتفضل لا بالاستحقاق، و قد رد العلماء مقولة البلخي هذه بأن: الطاعة مشقة ألزم الله العبد بها؛ فإن لم يكن لغرض كان ظلماً وعبثاً، وهو قبيح لا يصدر من الحكيم، وإن كان لغرض، فإن كان عائداً إليه تعالى فهو باطل لغناه، وإن كان عائداً إلى المكلف،فان كان هذا الغرض هو الإضرار به كان ظلماً قبيحاُ، وإن كان هو النفع له، فإن كان يصح أن يبتدئ الله به العبد، فيكون التكليف حينئذ عبثاً، وإن كان لا يصح الابتداء به بل يحتاج إلى تكليف ليستحق أن يحصل على ذلك النفع فهو المطلوب. فالنتيجة إذن هي: أن الثواب بالاستحقاق لا بالتفضل.

وأما قول البلخي فهو باطل من الأساس، لأنه يستند فيما ذهب إليه إلى أن التكاليف إنما وجبت شكراً للنعمة، فلا يستحق بسببها مثوبةً، فالثواب تفضل منه تعالى.

ولا شك في عدم صحة هذا القول، إذ إن الكلام إنما هو في مرحلة الحسن والقبح، ويقبح عند العقلاء أن ينعم شخص على غيره، ثم يكلفه ويوجب عليه شكره من دون إيصال ثواب على هذا التكليف فإنهم يعدون ذلك نقصاً، وينسبونه إلى حب الجاه والرياسة، ونحو ذلك من المعاني القبيحة التي لا تصدر من الحكيم؛ فوجب القول باستحقاق الثواب.

غاية ما هناك أنه يمكن أن يقال، وإن كان ذلك لا يلائم كلام البلخي أيضاً بل هو أيضاً ينقضه ويدفعه: إنه وإن كانت مالكية الله سبحانه لكل شيء تجعله، متفضلاً في تقرير أصل المثوبة لمملوكيه على أفعالهم، ولكنه بعد أن قرر لهم ذلك بعنوان الجزاء، وتفضل عليهم في زيادة مقاديره، حتى لقد جعل الحسنة بعشرة أمثالها، أو بسبع مائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء وبعد أن دخل ذلك في دائرة القرار، وأصبح قانوناً إلهياً مجعولاً، فقد دخل في دائرة الاستحقاق بعد أن لم يكن ولأجل ذلك لم يجز في حكم العقل أن يعطي الله للعاصي، ويمنع المطيع، ولو كانت المثوبة من باب التفضل لجاز ذلك.

وهذا نظير ما لو قرر رجل أن يجعل لولده جائزة على نجاحه في الامتحان في مدرسته، فإذا نجح الولد فسيطالب أباه بالجائزة ويرى أنه مظلوم ومهان لو لم يعطه إياها، فضلاً عن أن يعطيها لأخيه الراسب[208].

 

1041 ـ آيات الخلود في النار تدل على الاستحقاق لا الفعلية.

1042 ـ الإسلام قد يكون سبباً في العفو، فلا يخلد المسلم في النار.

وحول تفسير قوله تعالى:

{ومن يعص الله ورسوله، ويتعدَّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها، وله عذاب مهين}[209].

يقول البعض:

"ربما توحي هذه الآية ـ كغيرها من الآيات التي تتحدث عن عذاب المتعدي لحدود الله في أجواء المعصية ـ بخلود العاصي في الـنار، وان المسلم يمكن أن يخلد في النار بفعل معصيته.

وهذا ما استدل به القائلون بأن مرتكب الكبيرة من أهل الصلاة مخلد في النار، ومعاقب فيها لا محالة ـ كما جاء في مجمع البيان.."

وبعد أن ذكر بعض المناقشات في ذلك قال:

"ولكن من الممكن أن تكون هذه الآية، وأمثالها واردة على سبيل تحديد الاستحقاق للعذاب الخالد، لا على بيان الفعلية، فلا تنافي ما دل على عدم خلود المسلم في النار، لأن إسلامه قد يكون سبباً في العفو الإلهي عنه.."[210].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ لقد قال الله سبحانه في كتابه الكريم {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها}، وهذا الحكم لا يختص بالكافر القاتل بل يشمل المسلم إذا قتل مؤمنا أيضاً.

2 ـ إن الذي قتل علياً أمير المؤمنين(عليه السلام)، والذين قتلوا الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأطفاله، وأصحابه، كانوا يتظاهرون بالإسلام، فهل يحكم هذا البعض لهم وليزيد بعدم فعلية خلودهم في النار وأن إسلامهم قد يكون سبباً في العفو الإلهي عنهم؟!!.

 

1043 ـ الصراط أمر رمزي.

1044 ـ اللوح المحفوظ أيضا قد يكون رمزيّا.

يقول البعض:

"والظاهر أن الكلمة لا تعبر عن شيء مادّي، فلم يرد في القرآن الحديث عن الصراط إلاّ بالطريق أو الخط الذي يعبّر عن المنهج الذي يسلكه الإنسان إلى غاياته الخيّرة أو الشريرة في الحياة، وبذلك يكون الحديث عن الدقّة في تصوير الصراط في الآخرة كناية عن الدقة في التمييز بين خط الاستقامة وخط الإنحراف، فمن استطاع أن يعرف الحدّ الفاصل بينهما وأخذ بالحق الخالص من الباطل سار إلى الجنة ومن اختلف عليه الأمر وأخذ بالباطل سار إلى النار، ومن خلال ذلك يطلق على الأنبياء والأولياء كلمة الصراط المستقيم باعتبار أن خطّهم هو الخط المستقيم الذي أنعم الله على السائرين عليه في مقابل الخط المنحرف الذي غضب الله على السائرين عليه من المتمردين والضالين"[211].

ويُسأل هذا البعض:

ما معنى قوله(ص): (الصراط أحدّ من السيف وأدقّ من الشعرة)؟

فيجيب:

"لو صحّ هذا الحديث فالمقصود قد لا يكون الجانب المادّي طبعا، فالإنسان عندما يمشي على الصراط المستقيم مع كل هذه الإلتواءات والإنحرافات يكون مسيره دقيقا جدّا كدقّة الشعرة وكحد السيف لأنه إذا لم يكن دقيقا فلا يمكنه أن يعرف أو يتفهم الفرق بين الخط المنحرف والخط المستقيم فيقع في الهاوية وهذا كناية عن ذلك وهناك من يحمله على الواقع المادي بحيث يكون هناك خيط طويل أحدّ من السيف وأدقّ من الشعرة فمن كان مؤمنا سار عليه بشكل طبيعي ومن لم يكن مؤمنا اهتز ووقع في النار، والله العالم"[212].

وقال في أجوبته على المرجع الدّيني الشيخ التبريزي:

"ليس القول بأن الصراط أمر رمزي قولا بغير علم، بل هو ناشئ من الاستفادة من الآيات القرآنية، مع الأخذ بعين الإعتبار المقارنة مع الروايات التي ترد على نحو الاستعارة، لا على النحو المطابقي، الذي يلحظ فيه المعنى الحقيقي"[213].

ويقول عن اللوح المحفوظ:

"ربّما تكون الكلمة رمزا لما عند الله سبحانه.."[214].

ونقول:

كنّا نتمنى أن يذكر لنا تلك الآيات والروايات التي استفاد منها رمزيّة الصراط، وكيف؟!.. وكنّا نتمنى أن لا يفتح باب الرمزيّة على مصراعيه، لأن ذلك قد يطال الكثير من المفردات الدينية والإيمانية، خصوصا ما يتعلق منها بالغيب وكل ما هو غيبي، ومن جملة ذلك ما يرتبط بالآخرة.. والجنة والنار، وما إلى ذلك.

 

1045 ـ المنطقة الجغرافية للعرش.

وحين يصل الأمر إلى ذكر (العرش) نجد أن البعض لا يبادر إلى اعتباره أمرا رمزيّا كما فعل بالنسبة إلى الصراط المؤدي إلى الجنّة يوم القيامة، بل اتخذ موقفا آخر.. يقترب تارة، ويبتعد أخرى.. قد جاء في ضمن سؤال وجواب ما يلي:

"س: ما المقصود بالعرش، وأين هو ؟

ج: طبعا هناك قول بأن المراد من العرش هو منطقة من مناطق السماء، وهناك قول بان المراد من العرش إنما هو أعلى مرتبة، يعني له جانب معنوي أكثر من جانب مادي.

أما أين هو ؟ طبعا، ليس عندنا جغرافيّة السماء، حتى نعرف المنطقة الجغرافية التي يقع فيها العرش"[215].

ويقول عن العرش أيضا:

"هو منطقة من المناطق التي تمثل أعلى منطقة"[216].

فالعرش إذن هو منطقة جغرافية، فهل يمكن تفسير (استواء الله) في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}.. بالجلوس، أو بالكينونة في تلك المنطقة، أو عليها؟!

مع أنه من الواضح عند علمائنا الأبرار كافة: أن المقصود بآية: {الرحمن على العرش استوى}، مقام القدرة والهيمنة الإلهيّة.

 

1046 ـ التأليه للملائكة بسبب الأحاديث الدينية عن أوضاعها وأسرارها.

1047 ـ التأليه للملائكة بسبب الأحاديث الدينية عن طاقاتها وقدراتها.

يقول البعض:

"لقد حدث في التاريخ الديني القديم أن بعض الناس قد تطرفوا في تعظيم الأنبياء الذين كانوا يملكون طاقات روحية كبيرة، وينطلقون في حياة الناس من خلال الدور العظيم الذي أوكل الله إليهم القيام به، مما استلزم صدور المعجزات على أيديهم لمواجهة التحدي الذي كان يوجه إليهم من قبل الكافرين، ولإثبات علاقتهم بالله من خلال النبوة فنشأ من بعدهم جماعة يؤلهونهم وينسبون إليهم صفات الربوبية من خلال ما يدّعونه لهم من أسرار خفية في طاقاتهم ترتفع بهم إلى هذا المستوى، كما حدث ذلك بالنسبة إلى عيسى عليه السلام في ظاهرة التأليه والغلو التي امتدت إلى وقتنا هذا في ما يعتقده النصارى من فكر المسيح ـ الإله.

وقد حدثت ظاهرة أخرى للتأليه، وهي ما كان متعارفا لدى بعض العرب أو غيرهم من تأليه الملائكة، وذلك من خلال الأحاديث الدينية التي تتحدث عن طاقاتهم الخارقة، وقدراتهم الكبيرة في أوضاعهم وأشكالهم، وأسرارهم"[217].

ونقول:

1 ـ إن من غير المعقول أن يلقى اللوم على الأحاديث الدينية التي تتحدث عن الملائكة، وتبين للناس بعض الحقائق عنهم، واعتبارها هي سبب وقوع الناس في هذا الامر العظيم.

فإن بيان الحقيقة فيما يتعلق بالملائكة لا يمثل غلواً وإرتفاعاً إذ إن حقيقة الملك، وإن كانت ربما يجد بعض الناس فيها نوعاً من الغرابة، ولكن ذلك لا يبرر لهم الغلو بهم وتأليههم وعبادتهم.

فإذا حصل وانحرف بعضهم في هذا الإتجاه، فإنه يكون بسبب تقصيره هو، ولا ربط لذلك بالدين.. إذ إن الدين حينما يتحدّث عن هذه المخلوقات إنما يهدف إلى الإرتفاع بمستوى الوعي لدى الناس، وتحصينهم من الوقوع في أمثال هذه الإنحرافات وتعريفهم بالله وبقدرته وبمخلوقاته..

2 ـ وهل يمكن أن نوجه اللوم إلى علي (ع) لأن بعض الناس قد غلوا فيه وألّهوه؟


الفصل الثالث
حتى لا يعتب إبليس..

 

1048 ـ طبيعة التشريع لا تمنع من وجود سلبيات مع الإيجابيات.

1049 ـ الإعتراف بسلبيات التشريع قوة لنا ومأزق للآخرين..

1050 ـ الدعاة يحرجون حين يجدون صحة نقد الكافرين للتشريعات أو المفاهيم الإسلامية.

1051 ـ ليس هناك فعل يكون خيراً كله.

1052 ـ ليس هناك خير لا شرّ فيه.

1053 ـ لا بد من السلبيات على كل حال.

1054 ـ لا يوجد شر لا خير فيه.

1055 ـ إعترافنا بوجود سلبيات في التشريع لا يسقطه.

1056 ـ إعترافنا بالسلبيات في المفهوم الإسلامي لا يسقطه.

1057 ـ إذا تحدثنا عن السلبيات في التشريع نتفادى الكثير من المآزق.

1058 ـ إعترافنا بالسلبيات نتفادى به ضعف الموقف.

يقول البعض:

"وهذه الآية توحي بفكرة عامة، وهي أنه ليس هناك إيجاب مطلق أو سلب مطلق في الحياة، لأن كل ما في الكون من موجودات وأفعال هو محدود بحدوده الذاتية والزمانية والمكانية. والله ـ وحده ـ هـو المطلق، لذلك ليس هناك خير لا شر فيه، ولا شر لا خير فيه فقد يخترن الخير بعض الشر في ذاته، وقد يختزن الشر بعض الخير في مورده، لأن طبيعة الحدود تفرض ذلك ؛ فتكون خيرية الشيء برجحان جانب الخير فيه كما تكون غلبة الشر برجحان جانب الشر فيه، ولا قيمة للعنصر المغلوب أو الضعيف هنا في مسألة التشريع.

إن هذه النقطة لا بد من التركيز عليها في ما يواجهه المسلمون من النقد، الذي قد يوجهه الكافرون من إثارة النقاط السلبية في بعض المفاهيم أو التشريعات الإسلامية، مما قد يجعل الدعاة والمبلغين في موقف حرج شديد الصعوبة، عندما يجدون صحّة هذا النقد في واقع الإسلام في مفاهيمه وأحكامه، ولكننا ـ أمام الملاحظة المذكورة نجد أن اعترافنا بوجود السلبيات في التشريع أو في المفهوم الإسلامي، لا يعني سقوط التشريع أو خطأ المفهوم، لأن ذلك يمثّل واقع الحياة في كل حقائقها الفكرية أو العملية ؛ ولذلك فإن علينا مواجهة المسألة بالحديث عن الإيجابيات الكامنة في داخل الحقيقة الإسلامية، مع غلبة هذا الجانب الإيجابي السلبي. وبهذا نتفادى الكثير من المآزق الجدلية ومن ضعف الموقف، لنحوله إلى مأزق للآخرين، وإلى موقع قوة يرتكز على النظرة العلمية الموضوعية للأشياء والمواقف"[218].

ويقول:

"لا بد أن نشير في هذا المجال إلى أن طبيعة التشريع لا تمنع من وجود سلبيات إلى جانب الإيجابيات، لأنه ليس هناك فعل يكون خيراً كله، أو شراً كله، بل هناك خير يصاحب بعض الشر أو شر يصاحب بعض الخير. مما يجعل القضية في جانب الوجوب أو الحليّة خاضعة لزيادة جانب الخير على جانب الشر. أما في طرف التحريم، فيخضع للعكس وهو غلبة جانب الشر على جانب الخير.. فلا بد من السلبيات على كل حال، ولكنها تختلف شدّة وضعفاً وزيادةً ونقيصة، تبعا لطبيعة الموضوع في أجواء التشريع"[219].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1ـ إن هذا البعض يقول: إنه لا يوجد شر لا خير فيه.. فهل تراه يجد في قتل الانبياء، وفي الشرك والكفر، وقطيعة الرحم.. وفي الظلم وهو الذي لا شك في قبحه الذاتي، وما إلى ذلك.. هل يجد في ذلك كله شيئاً من الخير؟!

وهل يجد في الإيمان بالله، وفي عبادته تعالى، وفي الصلاة، وإنقاذ الغريق. ومعونة الضعفاء ونشر دين الله، وتوحيد الله، وما إلى ذلك.. هل يجد في ذلك أثراً للشر ؟!

وأي شر يجده هذا البعض في حب الله، وفي طاعته، والإلتزام بأوامره، والإنزجار بزواجره؟!.

و في حب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي طاعة الرسول، وفي حب الوصي، والإمام، وفي طاعة الوصي والإمام.. وفي حب الحق والإلتزام به.

2 ـ إن ظاهر كلام هذا البعض يعطينا: أن الدافع له إلى إطلاق هذه المقولات هو أن الدعاة والمبلغين ـ على حد تعبيره ـ يجدون أنفسهم في موقف حرج شديد الصعوبة.. حين يعجزون عن الإجابة على النقد الموجه إلى الإسلام في مفاهيمه، وأحكامه..

فكانت هذه المقولات التي أطلقها هذا البعض هنا وهناك بمثابة إعلان الاستسلام، والعجز عن الإجابة على شبهات الكافرين والملحدين.. ولكن هذا البعض لا يريد أن يدفع من جيبه ولا من جيب بعض المبلغين والدعاة فاتورة قصورهم، وجهلهم، وعجزهم هذا.. فعدوا على الإسلام نفسه ليدفعوا هذه الفاتورة من جيب الإسلام، وليتحمل الإسلام هذه الخسارة العظمى لكي تحفظ شخصية ذلك المبلّغ و الدّاعية العاجز والضعيف، ويبقى لها لمعانها ووهجها.. وتألقها.. وذلك حين يتفادى الكثير من المآزق الجدلية وضعف الموقف!! ويحوّله إلى مأزق للآخرين!!..

يا سبحان الله!! ما هذه الدعوى يا هؤلاء الدعاة؟‍

3 ـ إن قول هذا البعض:

"لا بد من السلبيات على كل حال.."

وقوله:

"ليس هناك فعل يكون خيراً كله أو شراً كله.. الخ.."

نفي قاطع وشامل.. ومن الطبيعي أن هذا النفي يحتاج إلى دليل. كما أن الإثبات ـ إثبات السلبيات على كل حال ـ يحتاج إلى دليل.. وفقاً لما قرره هذا البعض نفسه، وقد أشرنا إليه أكثر من مرة..

ولم يثبت لدينا بعد، أن الله سبحانه قد أطلعه على غيبه، لكي نقبل منه هذا النفي وذلك الإثبات بمجرد دعواه. ودون أن يقدم لنا أي دليل على ما يقول. وأنّى له ذلك.

 

1059 ـ نظام الإسلام نفعه أكثر من ضرره.

1060 ـ لا يستطيع الإنسان الوصول إلى نظام لا سلبيات فيه.

1061 ـ سلبيات الزنا تتقدم على سلبيات الزواج. (أو فقل: إيجابيات الزواج تتفوق على إيجابيات الزنى).

1062 ـ سلبيات نظام الزواج أقل من إيجابياته.

يقول البعض:

".. وإذا أردنا أن ندخل في المقارنة بين السلبيات و الإيجابيات، فسنجد إيجابيات الزواج تتفوق كثيراً على إيجابيات الزنا، بينما تتقدم سلبيات الزنا على سلبيات الزواج، وإذا كان الإنسان لا يستطيع الوصول إلى نظام لا سلبيات فيه، نظراً إلى محدودية الواقع الذي يتحرك فيه من حيث الشخص والساحة والأدوات والأجواء، فمن البديهي أن يختار النظام الذي يكون نفعه أكثر من ضرره لتستقيم له حياته في الطريق الأقوم، في اتجاه التكامل والتوازن والاستقامة"[220].

وقفة قصيرة:

     1 ـ ليت هذا البعض يدلنا على سلبيات الزواج التي تقل عن سلبيات الزنا ؟! وهل إيجابيات الزنا التي ذكرها بقوله:

".. وإذا كان للزنا بعض إيجابياته القائمة على الاستجابة للنوازع العاطفية، والمشاعر الملتهبة، والجوع الغريزي[221] الذي قد يجد الإشباع في جهة، ولا يجدها لدى جهة أخرى، والانسجام مع الأجواء الحالمة التي يثيرها الجمال الجسدي، أو التناغم الروحي"[222].

هل هذه الإيجابيات، لا يجدها الإنسان لو تحول الزنا إلى علاقة شرعية من خلال العقد ؟!

وهل هذه الأمور مفقودة في الحياة الزوجية لدى عامة الناس؟!

2 ـ هل محدودية الواقع الذي يتحرك فيه من حيث الشخص والساحة والأدوات والأجواء تجعل الوصول إلى نظام لا سلبيات فيه أمراً ممتنعاً؟!.

وهل هذا يعني أن نظام الإسلام الذي يهدف إلى ضبط الحياة في الواقع المحدد ؛ هو نظام يشتمل على السلبيات ؟!

ولنفرض جدلاً صحة ذلك، فهل هذه هي سلبيات الواقع؟ أم هي سلبيات النظام الإسلامي؟! فلماذا لا يلتفت إلى تعابيره، بل يلقي الكلام على عواهنه؟! وبلا حساب؟

 

1063 ـ لا مقدسات في الحوار.

1064 ـ قد حاور الله تعالى إبليس.

سئل البعض:

أشرتم إلى مسألة الحوار بين الأديان، والملاحظ ازدياد الحديث في هذا الموضوع في الآونة الأخيرة، فما رأيكم؟

فأجاب:

"إن الله علمنا أن نحاور كل الناس، ولا توجد مقدسات في الحوار، فقد حاور الله تعالى إبليس، فهل هناك من الناس من هو مثل إبليس؟ كما أن القرآن هو كتاب حوار مع المشركين في توحيد الله، ومع الكافرين في وجود الله وفي نبوة النبي، كما حاور المنافقين، لذلك نعتبر أن عظمة القرآن في أنه كتاب الحوار المقدس الذي يقول لك إن مسألة أن تؤمن هي أن تفكر وتقتنع، وبالتالي أن تحاور.. الخ"[223].

وقفة قصيرة:

ونقول:

أولاً: هل حاور الله تعالى إبليس حقاً.. أم أنه ألقى الحجة عليه ثم طرده من رحمته، وأرسل عليه لعنته؟!

إن الحوار يتمثل بتبادل الأفكار التي من شأنها أن تنبه الطرف الآخر إلى خطئه فيما يلتزمه من أفكار، وإلى صوابية الفكر المطروح عليه..

وليس من الحوار ما يكون من قبيل إلقاء الحجة على الطرف الآخر تمهيداً لإصدار القرار الحاسم عليه حتى وإن ظهر بصورة الخطاب مع الآخر ولا معنى، ولا مبرر للخلط بين ما هو خطاب، وبين ما هو حوار، فشتّان بين الإثنين.

والملاحظ في قضية إبليس المذكورة في القرآن هو أنها تقتصر على بيان استكبار إبليس عن السجود لآدم لكونه قد خلق من تراب.. يقابله قرار إلهي بطرده، وإحلال اللعنة عليه إلى يوم الدين..

وقد وردت هذه القضية في أربعة مواضع في القرآن الكريم، هي التالية:

في سورة الأعراف قال تعالى:

{ولقد خلقناكم ثم صورناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. قال: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ قال: أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين. قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبّر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين. قال: أنظرني إلى يوم يبعثون. قال: إنك من المنظرين. قال: فبما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين. قال: اخرج منها مذءوماً مدحوراً لمن تبعك منهم لأملأنّ جهنم منكم أجمعين}[224].

2 ـ وفي سورة الحجر قال تعالى:

{.. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين. قال: يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين. قال: لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأٍ مسنون. قال: فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين. قال: رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال: فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين.. إلا عبادك منهم المخلصين. قال: هذا صراط علي مستقيم. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين، وإن جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم}[225].

3 ـ وفي سورة الإسراء قال تعالى:

{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس، قال: أأسجد لمن خلقت طيناً؟. قال: أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذريته إلا قليلاً. قال: اذهب فمن تبعك منهم، فإن جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً. واستفزز من استطعت منهم بصوتك، وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، وكفى بربك وكيلا.}[226].

4 ـ وفي سورة (ص) يقول سبحانه:

{فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أستكبر، وكان من الكافرين. قال: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟ أستكبرت أم كنت من العالين. قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. قال: فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين. قال: رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال: فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم. قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. قال: فالحق والحق أقول. لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}[227].

وبعد.. فإن هذا هو كل ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم عن تمرد إبليس[228]، وهو يتلخص في عدة نقاط هي:

استكبار وتمرد من قبل إبليس.

وطرد من قبل الله له من رحمته.

ثم طلب إبليس من الله أن ينظره إلى يوم القيامة.

واستجابة الله له.

ثم توعد إبليس بإضلال الناس كلهم.