منتديات موقع الميزان - عرض مشاركة واحدة - سلسلة العدل في الميزان الالهي (09) الموت والفناء
عرض مشاركة واحدة

حسين نوح مشامع
عضو نشيط

رقم العضوية : 768
الإنتساب : Feb 2008
المشاركات : 457
بمعدل : 0.10 يوميا
النقاط : 176
المستوى : حسين نوح مشامع is on a distinguished road

حسين نوح مشامع غير متواجد حالياً عرض البوم صور حسين نوح مشامع



  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : ميزان الكتب والمكتبات والأبحاث الدينية والعلمية
افتراضي سلسلة العدل في الميزان الالهي (09) الموت والفناء
قديم بتاريخ : 20-Mar-2020 الساعة : 07:30 AM

اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعدائهم


سلسلة العدل في الميزان الالهي (09) الموت والفناء

بسم الله الرحمن الرحيم: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} 115 المؤمنون. ومن الكلمات القصار للإمام علي(ع) في نهج البلاغة: ((إنما أنت الذي تنخدع بالدنيا، والدنيا لا تخدعك، وأنت تجني على الدنيا، وهي لا تجني عليك)).

مساء الثلاثاء الثاني والعشرون من شهر رجب المرجب، شهر العبادات والقربات، ولا يزال الحجر الصحي ساري المفعول بسبب انتشار وباء كارونا الجديد، ومنعت الصلاة في المساجد - جمعة وجماعة وفرادا - بل حتى الحدائق العامة والسواحل البحرية اغلقت في وجوه مرتاديها، لمنع الاصابة بالفايروس، وحصر انتشاره. لذا لزمنا بيوتنا اطاعة للأوامر الرسمية، وكان لقائنا لمناقشة محاور هذه الحلقة عن طريق أحد قنوات التواصل الاجتماعي.

وكانت بداية الحلقة بالفصل الخامس - من كتاب العدل الإلهي - عن ظاهرة الموت والفناء، وبالسؤال التالي:

- ما هو الهدف من هذا البناء وهذا الهدم، أليس هذا العمل لغواً لا فائدة منه، وإذا كان لا بد من مفارقة الحياة فلماذا جئنا إليها إذا؟

- قبل تناول مسألة الموت والإشكال الموجه إلى نظام الكون، يحسن بنا ذكر ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي: كون الخوف والنفور من الموت من مختصات الإنسان، فالحيوان لا يفكر في الموت. وما يوجد في الحيوان هو غريزة الفرار من الخطر، والرغبة في حفظ الحياة الحاضرة، والرغبة في البقاء من لوازم مطلق الحياة. لكن الانسان بالإضافة إلى هذا فهو يطمح إلى المستقبل، وإلى البقاء فيه.

- إذاً الإنسان له الأمل في الخلود، وهو فرع لتصور المستقبل، وفرع لفكرة الأبدية، والنفور من الموت وليد الرغبة في الخلود، وبما أنه لا يوجد في الطبيعة رغبة لا هدف منها، فنستطيع حينئذ أخذ هذه الرغبة دليلاً على بقاء الإنسان بعد الموت. وهل الموت عدماً مطلقاً أم نسبي؟!

- إن الموت عدم، ولكنه ليس عدماً مطلقاً، بل عدم نسبي، أي عدم تجاه نشأة معينة، ووجود في نشأة أخرى.

- وما هو معنى أن الدنيا رحم للروح؟!

- إن نسبة عالم الآخر إلى ولادة الطفل من رحم أمه هو تشبيه ناقص، لكون الاختلاف بين الدنيا والآخرة أعمق واكثر جوهرية من اختلاف عالم الرحم عن خارجه، ولأن كلاهما من أقسام الكون الطبيعي، والحياة الدنيوية. أما نسبة عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، فهما نشأتان وحياتان تختلفان اختلافاً أساسياً. ولكن مثل الدنيا بالنسبة للأخرة، مثل الرحم، يتم فيه صنع وإعداد الأجهزة الروحية لللإنسان، وذلك لإعدادها للحياة الأخرى. يقول الله سبحانه: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} 115 المؤمنون

- وماذا تعني هذه الآية؟!

- أن هذه الآية تعني: إن تصوركم أن هذه الأجهزة التي زودتم بها قد خلقت عبثاً، وأن هذه الأجهزة لا هدف لها ولا غاية منها، ولو كانت غايتها بعد رجوكم إلينا. والموت بالنسبة للدنيا موت، ولكنه بالنسبة لعالم الآخرة ولادة، كما تكون ولادة الطفل بالنسبة للدنيا ولادة، وبالنسبة لدورة الرحم موتاً.

- وماذا يقصد المؤلف من أن الدنيا مدرسة للإنسان؟!

- تعتبر الدنيا بالنسبة للآخرة مرحلة تهيؤ وتكميل وإعداد للإنسان، وهي مثل مراحل الإعداد في المدارس والجامعات، فالدنيا في الحقيقة مدرسة ودار للتربية. ومن الكلمات القصار للإمام علي(ع) في نهج البلاغة: ((إنما أنت الذي تنخدع بالدنيا، والدنيا لا تخدعك، وأنت تجني على الدنيا، وهي لا تجني عليك .... حتى قال ((الدنيا صديقة لمن يسير معها بأسلوب الصداقة، ومنبع للعافية لمن يدرك حقيقتها، الدنيا معبد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومحط وحي الله، ومتجر أولياء الله)). وقال الله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} 02 الملك.

- وما هو الهدف من اختبار الله للإنسان في دار الدنيا، وهو خالقه ويعلم ما يكنه صدره؟!

- إن اختبار الله للإنسان من أجل إظهار الاستعدادات والقابليات، ولا يعني هذا سوى منحه الرشد والتكامل.

- وما هي جذور اعتراضات الإنسان على رب العباد؟!

- إن تلك الاعتراضات خاوية لا أساس لها، فهي ناشئة من عدم معرفة الإنسان للكون، ومبنية على نظرة كونية ناقصة بتراء. ولو كان الموت نهاية حقيقية للحياة، لأصبحت صورة الموت في مرآة الفكر المستنير والنظرة البعيدة مولدة لنبع من الوحشة لا نهاية له. والقرآن الكريم يقرن فكرة نفي القيامة مع تصور العبث في الوجود: {أفحسبتم أنما خلقتاكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} 115 المؤمنون. وفي الآيات 54-55 من سورة القمر، قال الله تعالى: {إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55)}. القمر

- وهل هناك فلسفة وراء عملية الموت؟!

- إن فلسفة موت الإنسان هي تحريره من سجن الكون الطبيعي، لينتقل إلى سعة الجنة الضخمة، التي وسعها السماوات والأرض، وليصطفي له مقاماً في جوار مليك مقتد ورب عظيم، ولينا كل كمال بالتقرب منه. وهذه هو معنى قوله تعالى: {إنا لله وإنا إليه راجعون} أي نحن متعلقون بكل وجودنا بالله، وأن عودتنا نحوه.

- ما هي فلسفة أن الموت توسيع للحياة؟!

- إن ظاهرتي ((الموت والحياة)) تحققان في الكون نظاماً متعاقباً، فنحن نشاهد أن موت فئة ما يهيئ أرضية صالحة لحياة فئة أخرى، وجثث الإحياء لا تبقى دون نفع، فهي تعين في تكوين نباتات أو أحياء جديدة طرية.

- إن قدرة الله لا نهاية لها، فما المانع من بقاء الموجودين حالياً، وتوفير المكان والغذاء للذين سيأتون في نفس الوقت؟!

- إن كل شيء له إمكانية الوجود، قد أفاض الله عليه ذلك، وأن الذي لم يوجد فهو ليس له إمكانية.

- وعلى فرض وجود مكان وبيئة مواتية أخرى، فإنهما سيوفران إمكانية وجود أناس آخرين، اليس كذلك؟!

- ولكن الإشكال سيبقى كما هو، لإن بقاء هؤلاء الموجودين سيوصد الباب أمام مجيء الآخرين في المستقبل.

- وماذا ينتج من جمع الملاحظات السابق ذكرها؟

- ينتج من جمع الملاحظات السابقة: أن مادة الكون بسيرها الطبيعي وحركتها الجوهرية تظهر الجواهر المتشعبة للأرواح المجردة، فتتخلص الروح من المادة، وتنتقل إلى حياة أرفع وأقوى. أما المادة فإنها سوف تحتوي على روح أخرى لتربيتها، وفي هذا النظام لا يوجد سوى التكامل واتساع للحياة، وهذا الاتساع يتم من خلال التنقل. ويقول الفيلسوف الإسلامي السهروردي: ((نحن لا نعتبر الحكيم حكيماً حتى يستطيع باردته أن يخلع بدنه)).

- ما الذي يدفع البعض إلى الرعشة والخوف من الموت؟!

- هم يرتعشون لأن الموت من وجهة نظرهم عدم، ويتعذبون لأن هذا الجسم سيتحطم، ولهذا ففكرة الموت تدفعهم للنظر إلى الكون بتشاؤم.

- فماذا يتوجب على هؤلاء عمله؟!

- يتوجب عليهم إعادة النظر في تفسيرهم للكون والحياة، وليعلموا أن اعتراضاتهم ناتجة عن تصورهم الخاطئ للكون.

- وما معنى أن الكون كله اتجار وتكسب؟!

- لأن في سوق الكون إعداد، وبيع وربح وتكرار لهذه العملية، ونظام الموت والحياة نظام مبادلة، ونظام نمو وتكميل، ومن يعترض على المبادلة التكوينية لم يفهم قانون الكون ولم يعرف هدفه. ويقول الشاعر:
كل شيء تراه فهو صادر من الله فإذا ذهب فلا تحزن لأن أصله خالد

- وماذا عن الجزاء الأخروي؟!

- هذا سوف يكون حديثنا في لقائنا القادم، عند دخولنا إلى الجزء السادس.

- إذاً نراك على خير وسلامة إن شاء الله.
بقلم: حسين نوح المشامع
المصدر: كتاب العدل الإلهي - الشهيد مرتضى مطهري

رد مع اقتباس