سلسلةالعدل في الميزان الالهي (08) حقيقة الشرور - منتديات موقع الميزان
موقع الميزان السلام عليك أيتها الصدِّيقة الشهيدة يا زهراء السيد جعفر مرتضى العاملي
يا مُمْتَحَنَةُ امْتَحَنَكِ اللهُ الَّذي خَلَقَكِ قَبْلَ اَنْ يَخْلُقَكِ، فَوَجَدَكِ لِمَا امْتَحَنَكِ صابِرَةً، وَزَعَمْنا اَنّا لَكِ اَوْلِياءُ وَمُصَدِّقُونَ وَصابِرُونَ لِكُلِّ ما اَتانا بِهِ اَبُوكِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَاَتى بِهِ وَصِيُّهُ، فَاِنّا نَسْأَلُكِ اِنْ كُنّا صَدَّقْناكِ إلاّ اَلْحَقْتِنا بِتَصْديقِنا لَهُما لِنُبَشِّرَ اَنْفُسَنا بِاَنّا قَدْ طَهُرْنا بِوَلايَتِكِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * صَدَقَ اللّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ – منتديات موقع الميزان للدفاع عن الصدِّيقة الشهيدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها – منهاجنا الحوار الهادف والهادئ بعيداً عن الشتم والذم والتجريح ولا نسمح لأحد بالتعرض للآخرين وخصوصاً سب الصحابة أو لعنهم وهذا منهاج مراجعنا العظام والعلماء الأعلام حفظ الله الأحياء منهم ورحم الماضين
 
اضغط هنا
اضغط هنا اضغط هنا اضغط هنا
اضغط هنا
عداد الزوار
العودة   منتديات موقع الميزان .: الـمـيـزان الـعـلـمـي :. ميزان الكتب والمكتبات والأبحاث الدينية والعلمية
ميزان الكتب والمكتبات والأبحاث الدينية والعلمية عقائد - فقه - تحقيق - أبحاث - قصص - ثقافة - علوم - متفرقات

إضافة رد
كاتب الموضوع حسين نوح مشامع مشاركات 0 الزيارات 1407 انشر الموضوع
   
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع

حسين نوح مشامع
عضو نشيط

رقم العضوية : 768
الإنتساب : Feb 2008
المشاركات : 457
بمعدل : 0.10 يوميا
النقاط : 176
المستوى : حسين نوح مشامع is on a distinguished road

حسين نوح مشامع غير متواجد حالياً عرض البوم صور حسين نوح مشامع



  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : ميزان الكتب والمكتبات والأبحاث الدينية والعلمية
افتراضي سلسلةالعدل في الميزان الالهي (08) حقيقة الشرور
قديم بتاريخ : 18-Mar-2020 الساعة : 03:26 PM

اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعدائهم


سلسلة العدل في الميزان الالهي (08) حقيقة الشرور

بسم الله الرحمن الرحيم: {أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها} 17 الرعد. وقال الإمام علي : ((ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً، والروائع الخضرة أرق جلوداً، والنباتات البرية أقوى وقوداً وأبطأ خموداً)) الرسالة 45 نهج البلاغة.

الثلاثاء الخامس عشر من شهر رجب المرجب، وأحد أشهر الحرم، للسنة الهجرية واحد وأربعين وأربعمئة وألف من الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها واله أفضل التحية والسلام، تفشى وباء انفلونزا كورونا في العالم، وأخذ يحصد من الناس أنفسهم وأموالهم. فصدرت الاوامر الرسمية بإغلاق منافذ محافظتنا تجنباً لانتشار الوباء خارجها، بعد أن تمت ملاحظة العديد من الحالات المصابة بالفايروس القادمة من خارج البلاد.

وتمشياً مع الأوامر الرسمية وخوفاً على حياة الآخرين قرر الاهالي اغلاق مجالسهم الاسبوعية، فكان لقائنا الاسبوعي لمراجعة حلقات هذه السلسلة بعد صلاة الظهرين، في أحد الحدائق الداخلية لقريتنا الصغيرة.

وفي القاء كان السؤال التقليدي: ما هو محور النقاش لهذه الحلقة؟!

- محور النقاش لهذه الحلقة هو: حقيقة الشرور.

- فما هي حقيقة الشرور؟ أتكون القبائح والشرور أموراً وجودية وواقعية، أم هي أمور عدمية ونسبية؟ أتكون الخيرات والشرور قابلة للتفكيك، أم هي ترفضه؟ أيكون الكون بمجموعة خيراً أم شراً، أم لا يرجح أحدهما على الآخر؟ أتكون الشرور الموجودة خالية تماماً من أي خير، أم أن في أعماق كل شر يكمن خير أو أكثر؟

- إن تحليلاً بسيطاً كاف ليثبت لنا كون ماهية الشرور عدماً محضاً وليست وجوداً.

- كيف يكون الشر عدم محض، ونحن نحسه ونراه ماثلاً امام اعيننا حقيقة منه: العمى والصمم والمرض والظلم والعذاب والجهل والضعف والموت والزلازل وغيرها، ونحن لا نستطيع إنكار وجودها، ولا إنكار كونها شراً.

- لا يقصد بأن الشرور عدم محض أنه لا وجود لها، ولا كون الانسان غير مكلف بمقاومتها، وتحصيل الخيرات، ولا أن يرضى بهذا الوضع الموجود لأنه أفضل الممكن.

- إذاً ماذا يقصد من أن الشرور عدمية؟!

- لا يمكن إنكار وجود العمى والصمم وغيرها، ولا يمكن انكار كونها شراً، ولكنها نوع من العدميات والفراغات، ووجودها من هذه الجهة شر.

- لكن من خلق الشرور، ولماذا بعض الموجودات خيرة، وبعضها شريرة؟!

- الخيرات والشرور ليستا فئتين متميزتين ومنفصلتين عن بعضهما، كما تتميز الجمادات من النباتات، أو تتميز النباتات من الحيوانات.

- إذاً كيف تتميز الخيرات عن الشرور؟!

- الخيرات والشرور من قبيل الوجود والعدم، فالخيرات هي عين الوجود، والشرور هي عين العدم.

- لا زال الامر غامضاً، يتوجب علينا توضيحه بمثال؟!

- نأخذ مثالاً على ذلك الحيوانات المفترسة، فهذه الحيوانات السامة ليست شراً بنفسها ولنفسها، بل هي شر لأنها تسبب الموت والفناء للأحياء الاخرى.

- إذاً لو أن الزواحف السامة لم تؤدي إلى الموت لم تكن لون من ألوان الشر.

- هذا صحيح.

- وما هي فكرة أن الشر أمر نسبي، كيف نوضح ذلك؟!

- تتصف الاشياء بنوعين من الصفات: صفات حقيقية وأخرى نسبية. والصفات الحقيقية: هي الصفات التي تثبت لشيء ما بقطع النظر عن أي شيء آخر، ويكفي فيها فرض الموصوف والصفة. أما الصفات نسبية: فهي التي لا يكفي فيها فرض الموصوف والصفة، دون فرض أمر ثالث ينسب ويربط بينهما.

- وهل بالإمكان توضيح ذلك بمثال؟!

- الحياة مثلاً هي أمر حقيقي لأن الموجود يتصف بها بنفسه، وبقطع النظر عن مقارنته بأي شيء آخر حياً كان ام ميتاً. والون الأبيض هو أبيض دون الحاجة إلى مقايسته بشيء آخر لتصح نسبة البياض إليه. أما الصغر والكبر فهما صفتان نسبيتان، فإذا قلنا أن جسماً ما صغيراً فلابد أن نقيسه إلى شيء أكبر منه، ثم نقول هو صغير.

- وهل قبح الشرور حقيقية أم نسبية؟!

- الشرور ليست معلولة ولا مجعولة، وإنما هي معلولة ومجعولة بالعرض، لذا الشر أمر نسبي أي انه يقاس نسبياً مقابل الحقيقية.

- وكيف تكون ليست معلولة ومجعولة ونحن نراها نهاراً عياناً، هل يمكن ذكر مثالاً حياً نراه أمامنا؟!

- لا أظن أن هناك مثالاً اوضح من الشمس والظل، فمن الطبيعي إذا لم توجد الشمس لا يوجد الظل، فالشمس واقعاً حقيقا يشع منها النور، ولكنها لا توجد الظل بنفس تلك الدرجة من الواقعية، لأن الظل ليس مستقلاً حتى يوجد، وإنما نشئ من محدودية النور. وكذلك الشرور اعتبارية وعدمية، وليست واقعاً مستقلاً، لذا هي ليست بحاجة إلى مبدأ ولا إلى خالق.

- الآن نأتي إلى علاقة الشرور بأصل العدل. فإذا انطلقنا من مسألة العدل الإلهي، فلماذا وجد النقص والفناء والعدم والقلة طريقه إلى نظام الوجود؟! ولماذا كان إنسان أعمى وآخر أصم وثالث ناقص الخلقة؟! ولماذا لم يحل الوجود محل ذلك العدم؟! أليس هذا لوناً من ألوان منع الفيض، وأليس منع الفيض من الظلم؟!

- إذا نظرنا إلى هذا الموضوع من منطلق العدل الإلهي فلابد من التدقيق في شيئين: الأول: أمن الممكن انفكاكك هذا النقائص عن موجودات الكون، أم أنها من لوازمها التي لا تنفك عنها، وعدم وجودها يساوي عدم الموجودات نفسها؟ والثاني: أهذه النقائص شر محض، أم هناك خيراً يستتر فيها وتترتب عليه آثار وفوائد كثيرة، وإذا لم توجد فإن نظام الكون يضطرب وتنعدم الخيرات؟

- ومن هنا ندخل إلى الفصل الرابع وفوائد الشرور. فكيف يمكننا مطالعة الكون الحاضر ونبحث ظواهر المصائب والبلايا؟!

- يمكننا مطالعة الكون وبحث ظواهر المصائب والبلايا من جهتين. الأولى: موقع الشرور من النظام الكلي للكون. والجهة الثانية: قيمة الشرور بالنظر إليها نفسها.

- ولكن لدينا هنا عدة تساؤلات: كيف يكون الكون من ناحية ارتباط اجزائه، هل هو بشكل سلسلة أمور متفرقة ومبعثرة؟ أم من الممكن أن توجد بعض اجزاءه، مع فرض وجود الأجزاء الأخرى، أم أن أجزاءه كلها تتعلق ببعضها وترتبطاً ارتباطاً وثيقاً؟

- الأصل إن الكون كل واحد يرفض التجزئة، وحذف بعضه يستلزم حذف جميع الاجزاء، وكذلك الابقاء على البعض هو عين الابقاء على الكل.

- فعلى هذا فليس فقط لا ينفصل العدم عن الوجود، ولا ينفك الوجود الاضافي عن الوجود الحقيقي، وإنما الوجودات الحقيقة ترفض التفكيك، والشرور علاوة على الجهتين السابقتين فإنها لا تنفك عن الخيرات.

- دعنا ندخل إلى النظام الكلي للكون، فماذا نجد؟!

- في النظام الكلي للكون لا نجد أمامنا سوى القبول به، ليتحقق النظام والتوازن العام، فوجود المنخفضات والمرتفعات، والمسطحات وغير المسطحات، والمستويات وغيرها، والمظلمات والنيرات، والآلام واللذات، والتوفيق والخيبة، كل هذه لازمة بقول الشاعر:
((إنما الكون عين وخال وحجاب وكل شيء في مكانه جميل))

- ولكن ما هي فوائد الاختلافات والتفاوتات؟!

- إذاً لو لم توجد الاختلافات والتفاوتات، ولم توجد الكثرة ولا التنوع تفقد المجموعات مفهومها، فلا تكون متناسقة وجميلة ولا قبيحة، وللزم أن يخلق الكون من مادة بسيطة مثل الكربون.

- هنا نصل إلى أن القبح يظهر الحسن، فكيف ذلك؟!

- إن الشرور ليست ضرورية لكونها جزءاً من المجموعة الكونية والنظام الكلي فحسب، وإنما لإظهار الأشياء الجميلة، فلو لم تكن مقارنة ومقابلة بين القبح والحسن، لم يوجد قبيح ولا جميل، ولو لم تكن الجبال لم توجد وديان ولم ينحدر الماء.

- وماذا عن أصالة الفرد والمجتمع. فهل الفرد أمراً حقيقياً، والمجتمع اعتباريا وانتزاعياً، أم العكس، أما كلاهما حقيقيان؟

- إن القائلون بأصالة المجتمع يرون: أن المهم توفير السلطة الاجتماعية والعزة القومية، لذا فهم يسعون لتأمين نفقات البرامج التي تضمن تقدم المجتمع ورفعته بين سائر المجتمعات. أما الداعون إلى أصالة الفرد فيهتمون بالدرجة الأولى بمنافع الأفراد ورفاههم وحرياتهم، لذا فهم يسعون لإنفاق ميزانية الدولة على البرامج التي تتعهد بتوفير الراحة للفرد، وتأمين وسلامة الاقتصاد لعامة الناس.

- وما هو الغرض من هذا الموضوع، وما علاقته بالعدل الالهي؟!

- الغرض من هذا الموضوع هو ملاحظة أن حساب الجزء غير حساب الكل، فمن الممكن أن يكون شيئاً ما مضراً وقبيحاً للجزء، ولكنه جميل ومفيد للكلٍ.

- وماذا عن الاختلاف في السعة والاستيعاب، فما ذا تعني الآية القرآنية: {أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها}؟

- إن ما تعنيه الآية: أن الأودية تسيل بمقدار ما تحتمله، وأن رحمة الله لا تحرم موجوداً مما هو مستعد له، ولكن استعداد وظرفية الموجودات مختلفة.

- يتوهم البعض أن الأصالة في عملية الخلق قد أعطيت للكل على حساب الجزء، لأجل توفير الكمال والجمال للمجموعة، لذا أنزل الظلم بالأجزاء، فهل هذا صحيح؟!

- يقع أحياناً التزاحم بين الجزء والكل في مجال المجتمعات البشرية، ولكن هذا غير وارد في مجال الانظمة الطبيعية للكون، فهنا لا يظلم الفرد من اجل ان يصبح الكون جميلاً؟ كما إن المجموعات قد خلقت وجمالها منوط باختلافها وتفاوتها، وفي نفس الوقت فهي بعيدة عن الترجيح والظلم، وروعي في هذا حق الفرد وصلاح المجتمع.

- إذا كان النظام الكلي يستوجب أن يكون أحدنا كاملاً والآخر ناقصاً، أليس من حق الناقص أن يعترض، لماذا هو اختير ليكون ناقصاً وليس الآخر؟!

- صدقت، فأن الاشكال لا يحل أن نقول أن النظام الكلي للكون يستوجب وجود القبيح والجميل، ووجود الكامل والناقص، بل لا بد من إضافة ضميمة له وهي أن كل موجود من أجزاء الكون قد أخذ حقه وحظه الذي يمكنه أخذه. وبعبارة أخرى أن رابطة العلل بالمعلولات والأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج والمغيا بالغاية، كلها روابط وسنن إلهية غير قابلة للتغير.

- إذا قلنا أن مصائبنا تكمن في سعادتنا، فما هي الأثار لوجود الشرور والمصائب؟!

- إن الأثار لوجود الشرور والمصائب: أولاً: تكميل مجموعات الجمال في الكون. ثانياً: أن الأشياء الجميلة نفسها تكتسب معناها ومفهومها من الأشياء القبيحة. ثالثاً: وجود الشرور مقدمة لوجود الأشياء الجميلة، ففي أعماق الشدائد والمصائب تكمن السعادة والرفاه، لقوله تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} 61الحج.

- وهل لدينا توضيحياً لهذه الفكرة؟!

- قال لول ديورانت: ((لقد صنع التاريخ في الأدوار التي حُلت فيها تناقضات العالم بواسطة التقدم والاقتحام)) تاريخ الفلسفة ص249. والقرآن الكريم يبين التلازم بين الشدة والسهولة بقوله: {فإن مع العسرِ يسراً (5) إن مع العسرِ يسراً (6)}

- من تخاطب هذه السورة؟!

- هذه السورة تخاطب الرسول الأكرم(ص) بنغمة مليئة بالعطف والحنان، لتطيب خاطره إزاء الشدائد التي تمر بها دعوته، فتذكره بالحمل الثقيل الذي رفع عن كاهله، وحل محله اليسر. ثم يكرر هذه النتيجة لتثبيتها في نفسه وطمأنته بقطعيتها، ويعين له خط المسير للمستقبل على أساس: {فإذا فرغت فانصب}.

- وهل الشدائد والمصائب ضرورية لتكامل الانسان؟!

- نعم هي كذلك، فإن الشدائد والمصائب ضرورية لتكامل الإنسان، فلو لم تكن المحن والآلام لانعدم الإنسان، ولرتمى في أحضان الفساد والضياع. ويقول القرآن الكريم: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} 4البلد. وقال الإمام علي : ((ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً، والروائع الخضرة أرق جلوداً، والنباتات البرية أقوى وقوداً وأبطأ خموداً)) الرسالة 45 - نهج البلاغة. وجاء في القرآن الكريم: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} 155البقرة.

- وما هي البرامج التي أعدها الله عز وجل لتعليم وتربية روح الإنسان؟!

- إن الله قد أعد لتعليم وتربية روح الإنسان برنامجين، أحدهما تشريعي، والآخر تكويني، وتحتل الشدائد والصعوبات مكاناً لها في كلا البرنامجين. ففي المنهاج التشريعي: فرض العبادات. وفي المنهاج التكويني: جعل المصائب على رأس كل طريق يسلكه الإنسان.

- ولماذا يبتلي الله جل جلاله أوليائه؟!

- إن الله إذا خص عبداً من عباده بلطف منه يجعله عرضة للشدائد. لقول الإمام الباقر(ع): ((إن الله عز وجل ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة)). وقال : ((إن الله إذا أحب عبداً غته بالبلاء غتاً)) بحار الأنوار الجزء 15 ص55. وقال رسول الله(ص): ((من لم ير مصيبة أبداً فهو بعيد عن لطف الله)) بحار الأنوار - الجزء15 - ص56. وروي عن الإمام الصادق(ع): ((إن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل)) بحار الأنوار - الجزء15 - ص53.

- وما هو الأثر التربوي للبلايا والشدائد؟

- إن الصعوبات والشدائد مربية للأفراد وموقظة للأمم، فتعيد الوعي للنائمين، وتحرك العزائم والإرادات. وجاء عن الشاعر علي بن الجهم قوله في الفوائد التربوية للسجن:
قالوا حبست فقلت ليس بضائر حبسي وأي مهند لا يغمد
أو ما رأيت الليث يألف غيلة كبراً وأوباش السباع تردد
والنار في أحجارها مجنوئة لا تصطلي ما لم تثرها الأزند
والحبس ما لم تغشه لدنية شنعاء نعم المنزل المستور
مروج الذهب - المسعودي

- وما هي فوائد القيمة للبلاء؟

- للبلاء فوائد قيمة منها: أنه ينمي في النفس الرضى بالقضاء، والفرح بما يأتي من الله. جاء في بعض الادعية المأثورة: ((اللهم إني أسألك صبر الشاكرين لك)).

- وهل البلاء والنعمة نسبيان؟!

- نعم، إن البلاء والنعمة نسبيان: لأن شيئاً واحداً قد يختلف وضعه من شخص إلى آخر، فما يعد بالنسبة لشخص نعمة، قد يعد لشخص آخر نقمة.

- وهل العقوبة الإلهية لعمل الإنسان مصائب واقعية؟

- هذه مصائب واقعية لأنها أولاً: معلولة لإرادة الإنسان واختياره. ثانياً: هي غير صالحة لتصبح مقدمة لخير أو كمال. جاء في الرواية: ((ما ضرب الله عبداً بعقوبة أشد من قساوة القلب)) ارشاد القلوب للديلمي.

- لو أن الله أخذ الإنسان بعقوبة ظاهرة وكان يتحملها، فمن الممكن أن تتحول إلى لطف ورحمة؟

- من الممكن أن تتحول العقوبة إلى لطف ورحمة، لأنها تدفعه أحياناً إلى اليقظة والانتباه. وعادة ما تكون هذه النكبات الواقعية نتيجة وآثار لأعمال الإنسان نفسه. يقول القرآن: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} 118النحل.

- وهنا نكتة طريفة نوردها لحكمة فيها: ((سافر رجل مع فتاه في سفينة، فلما أبحرت السفينة اضطرب الفتى واستبدت به الوحشة واستولى عليه القلق، بحيث أدى إلى سلب راحة الركاب الاخرين. وكان معهم رجل محنك، فقال: أني أعرف دواء هذا الفتى، فأمر به ليلقى وسط البحر، فلما وجد الفتى نفسه وسط الامواج العاتية المتلاطمة وواجه الموت مباشرة أخذ يحاول جاهداً إيصال نفسه إلى السفينة ليظفر بالنجاة، ولما أوشك على الغرق أمر الرجل بإنقاذه، فلما أحس بالأمن استقرت نفسه وحل فيها الهدوء. فسألوا الرجل عن السر في ذلك، فأجاب: كان لا بد من أن يسقط في البحر ليعرف قيمة السفينة)). حديقة الورد - سعدي.

- وما هي شرط الاستفادة من اللذات؟

- شرط الاستفادة من اللذات هو الإلفة مع الآلام، فما لم يكن المرء في بطن الوادي فلن يدرك عظمة الجبل.

- وهل نستطيع تبديل جميع النقم إلى نعم؟!

- نحن نستطيع تبديل جميع النقم إلى نعم، فضلاً عن النقم التي تتجلى بصورة رحمة. ونحن قادرون كذلك على تبديل جميع النعم إلى مصائب، فضلاً عن النعم التي تصلنا بلباس البلاء، لذا تنتشر فكرة الانتحار في الأوساط المرفهة.

- وما هي اسباب انتشار الانتحار في الاواسط المرفهة؟

- أحد أسبابها عدم الايمان، والسبب الآخر عدم أدارك لذة الحياة وقيمتها. فاللذة المتجاوزة لقدرة الانسان، والرفاه المتجاوز لحدوده جعلاه فاقداً للحس أبله غبياً، وإنسان كهذا لا بد ان يقدم على الانتحار لأتفه حادثة.

- إذاً المصائب والبلايا نعم عظيمة لا بد من تقديم الشكر لله عليها. ويجب علينا ملاحظة أن كون النعمة نعمة، وكون النقمة نقمة يرتبط بنوعية ردة فعلنا إزائها. فنحن نستطيع تبديل جميع النقم إلى نعم، فضلا عن النقم التي تتجلى بصورة رحمة، ونحن قادرون أيضاً على تبديل جميع النعم إلى مصائب، فضلاً عن النعم التي تصلنا بلباس البلاء.

- الآن حديثنا حسب تسلسل الكتاب عن مجموعة الأضداد، فما هي؟!

- إن نظرية مجموعة الأضداد تعني: أن الكون قد خلق بأسلوب التضاد، الوجود والعدم، الحياة والموت، البقاء والفناء، الصحة والمرض، الشيخوخة والشباب، والسعادة والبؤس، كل هذه توائم.

- وما هي الفائدة من مجموعات الأضداد؟

- لو لم يكن التضاد، لم يوجد التنوع والتكامل، ولم يؤد العالم في كل لحظة دوراً جديداً، ولم تظهر لوحات جديدة على صفحات الوجود. يقول صدر المتألهين: ((لولا التضاد ما صح دوام الفيض عن المبدأ الجواد)) الأسفار الجزء03 ص117. وجاء في تفسير الجواهر للطنطاوي ((ان سقراط يعتبر ((أصل التضاد)) وسيلة لإثبات الحياة بعد الموت)). كما جاء في كتاب المهزلة لعلي الوردي - عن ابن خلدون قوله: ((إن التنازع عنصر أساسي من عناصر الطبيعة البشرية)). ويقول هيجل: ((كل حالة من الفكر، أو أي شيء من الأشياء، وكل تصور ووضع في العالم فإنه ينجذب بشدة نحو ضده، وبعد ذلك يتحد معه ليكون كلاً أفضل وأكبر تعقيداً. فكل وضع إذن وكل أثر يستلزم نقيضاً وضداً، والتطور يجبر هذين معاً على الصلح، ثم يبدله بوحدة تجمعهما)) تاريخ الفلسفة - لول ديورانت ص249. وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) قوله عن قانون التضاد: ((بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالصرد، مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرب بين متباعداتها، مفرق بين متدانياتها)) الخطبة 184. ويقول أمير المؤمنين(ع) في الخطبة الأولى من نهج البلاغة، ضمن تعرضه لخلق آدم: ((معجوناً بطبيعة الألوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة)). وعن الأساس الفلسفي للتضاد: قال الحكماء: ((إن الحركة غير ممكنة دون وجود معوق)) طبيعيات الشفاء - الفن الأول - المقالة04 - الفصل09، الأسفار - الأمور العامة - المرحلة08 - الفصل14.

- حديثنا الآن حول الأساس الفلسفي للتضاد، فما هو؟!

- فلسفة التضاد: أن الحركة شد وجذب وسعي وجهد، والسعي وبذل الجهد لا يتحققان دون اصطكاك وتصادم. وعندما نرى إنسان يسرع نحو الكمال، نعرف أنه يفتقده. فسعادة الإنسان مرهونة دائماً بكونه طامحاً إلى شيء ما، والطموح لا يتحقق إلا إذا كان هناك حرمان.

- وما هي خلاصة حديتنا هذا، وما هي نتيجته الكلية لما تقدم؟!

- الخلاصة والنتيجة الكلية لما تقدم هي:
01- إن اتصاف الله سبحانه بالحكمة غير اتصاف الإنسان بها، لأنه سبحانه غني على الإطلاق، لا يتعب نفسه في البحث عن غاية، ولا يوجد كمال يمكن فرضه إلا وهو موجود فيه، فحكمته تعني دفع المخلوقات نحو غاياتها الطبيعية.
02- إن فيض الوجود الشامل لكل الكون له نظام خاص، فالموجودات يحكمها نظام التقدم والتأخر، والعلة والمعلول، والسبب والمسبب، وتكامل الموجودات يعني سعة الوجود. ويلزم من وجود الرتب والدرجات وجود نوع من الاختلاف والتفاوت، من حيث النقص والكمال، والشدة والضعف، ولا تعد هذه الاختلافات من ألوان الترجيح.
03- إن فعل الله سبحانه يتعلق بالكليات وليس بالجزئيات، ويكون ضرورياً وليس صدفة. ولا يكفي أن يكون الله سبحانه تام الفاعلية حتى يوجد أي شيء، وإنما هناك شرط آخر وهو قابلية هذا المفروض للوجود. وإن الله سبحانه واجب الوجود بالذات ومن جميع الجهات والحيثيات، ومن هنا فهو واجب الإفاضة والجود.
04- الشرور إما أن تكون عدمية وإما وجودية، ولكونها منشأ العدم لغيرها فهي تعتبر شراً. وشريتها تتعلق بوجودها الإضافي والنسبي، ولا ترتبط بوجودها بذاتها. الوجود الحقيقي فقط هو الوجود الواقعي الذي يتعلق به الخلق والجعل والعلية. والشرور مطلقاً مخلوقة بالتبع والعرض، وليست مخلوقة بالذات. الشرور والخيرات صفان غير معزولان وهما مختلطان، ولا يمكن التفكيك بين الوجود والعدم، وبين الوجود الإضافي والوجود الحقيقي. والشرور والخيرات صفان غير معزولان وهما مختلطان، ولا يمكن التفكيك بين الوجود والعدم، وبين الوجود الإضافي والوجود الحقيقي. ولولا وجود الشر والقبح، لم يكن للخير والجمال معنى، لإنها منبع للخيرات من ناحية، وفي مصائبنا تكمن سعادتنا من ناحية أخرى.
05- الكون كل واحد يرفض التجزئة، فحذف أجزاء منه وإبقاء أجزاء أخرى، وهم خالص وخيال لا واقع وراءه. الوجودات الحقيقية مترابطة وغير منعزلة، لأن الكون كله يرفض التجزئة من أساسه، وللوجودات حكم معين باعتبار انفرادها واستقلالها، ولها حكم آخر باعتبار كونها جزءاً وعضواً في الكل. ولما كان أصل الترابط والعضوية حاكماً في الكون، فلهذا يعتبر الوجود الفردي والمستقل وجوداً اعتبارياً وانتزاعياً.
وبهذا نكون قد أنهينا مناقشة الفصل الرابع من الكتاب، ونكون قد أنهينا جولتنا الرياضية، على أمل القاء في حلقة جديدة لنبدأ مناقشة الفصل الخامس.
بقلم: حسين نوح المشامع
المصدر: العدل الإلهي - الشهيد مرتضى مطهري

إضافة رد


أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


 

 


المواضيع والمشاركات التي تطرح في منتديات موقع الميزان لا تعبر عن رأي المنتدى وإنما تعبر عن رأي كاتبيها فقط
إدارة موقع الميزان
Powered by vBulletin Copyright © 2017 vBulletin Solutions, Inc